 قضايا

نظرية اجتماعية في القرآن الكريم

معراج احمد الندويإن المجتمع هو عبارة عن مجموعة من الناس يعيشون في رقعة جغرافية محددة بصفة دائمة أو شبه دائمة مع قيام العلاقات الإنسانية بينهم، وتبادل المنافع مع وجود قنوات الاتصال من حوار ونقاش واقتراب ومعايشة ومشاركة مع احترام البعض للبعض الآخر واحترام العادات والتقاليد والأعراف الإنسانية، والتأثير والتأثر بين أفراد المجتمع وما ينشأ بينهم من الظواهر الاجتماعية الإيجابية والسلبية على الأفراد والسلام الاجتماعي.

لقد اهتمّ القرآن الكريم إهتماماً بالغاً وملموساً بدراسة طبيعة السلوك البشري وبناء الجماعة الإنسانية وحركة المجتمع وتقدمه أو انهياره، وقدم من التحليلات والمواقف والرؤى ما يكفي لبناء قاعدة خاصة متينة لرؤية اجتماعية متميزة. تحدث القرآن الكريم عن قيام المجتمع البشري ونشوئه في الآية 30 من سورة البقرة والتي تقول: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً)، والآية إخبار عن قضيتين هما: عناصر المجتمع البشري من جهة، وموقع الإنسان باعتباره أحد هذه العناصر في الأرض من جهة ثانية.

العناصر الهامة للمجتمع البشري:

العنصر الأوّل في تكوين المجتمع البشري، حسب الآية القرآنية الكريمة، هو الإنسان نفسه. فلا نستطيع التحدث عن مجتمع بشري دون البشر.

العنصر الثاني هو الأرض، التي تعيش عليها المجموعة البشرية المعينة لتكوين المجتمع البشري. أما العنصر الثالث فهو "العلاقة المعنوية: وهذا المصطلح من ابتكارات السيد محمّد باقر الصدر التي تربط بين الإنسان والأرض أو الطبيعة من جهة وبين الإنسان وأخيه الإنسان من جهة ثانية. وهذه العلاقة المزدوجة هي العنصر الحاسم في قيام المجتمع البشري، لأن وجود بشر متفرقين لا تربطهم علاقة مستقرة في ما بينهم، من جهة وفي ما بينهم وبين الأرض من جهة ثانية، لا يؤدي إلى قيام مجتمع. وقد نضطر إلى استخدام مفردات أخرى لوصف مثل هذا الوجود البشري، مثل: الجمهرة أو التجمع أو غيرها. أما كلمة مجتمع فيدخل في بنائها بشكل أساسي "العلاقة المعنوية" باعتبارها العنصر الثالث من عناصر تكوّن المجتمع البشري.

من أجل بناء المجتمع بناءً صالحاً كان لابدّ من بناء الإنسان وتربيته ليلعب دوره الإيجابي في المجتمع، ولابدّ من توفير الأرض الطيبة التي تمد هذا الإنسان بعناصر البقاء والديمومة، ولابدّ من تحقيق الصيغة المثلى للعلاقة المعنوية المزدوجة بين العنصرين الأوليين.

قد وجدنا أنّ القرآن الكريم أكثر من الحديث عن الإنسان، خلقاً وإيجاداً ومصيراً وطبيعة. تحدث القرآن عن القواعد والقوانين التي تؤثر على سلوك الإنسان، وسنن تغيير هذا السلوك، على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي.  قد تكون العلاقة المعنوية على مستوين.

المستوى الطبيعي: أي العلاقات بين الناس من جهة، والطبيعة من جهة ثانية. وفي إطار هذه العلاقة تلعب الطبيعة دورها باعتبارها أحد عناصر تكون المجتمع. والحضارة الإنسانية هي، في نهاية المطاف محصلة التفاعل بين الإنسان والطبيعة، كما قلنا قبل قليل.

2- المستوى الإنساني: وهذه هي "العلاقات الاجتماعية" التي يحتل الإنسان طرفيها.إن الإنسانية هي القاسم الأعظم المشترك بين البشر وتوفير أسباب الأمن النفسي والسلام الاجتماعي مسئولية الجميع لأن بذلك يستطيع كل فرد أو جماعة من الجماعات البشرية أن تحقق غايتها وأهدافها الدنوية.

إن الإسلام هو الدين الوحيد في تاسيس الأمن والسلام في العالم. يقوم الإسلام على نظرية اجتماعية واسعة ويبين أن أفراد البشرية كلهم على وجه الأرض من سلالة واحدة. فالأية القرآنية تدل على هذه الحقيقة" يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم".[1] ويستهدف نشر التعاون والتضامن بين الناس جميعا ولا يتميز بين جنس وجنس. ولايفرق القرآن الكريم بين إنسان وإنسان بل إنما يرشد الإنسان إلى الاحترام فيما بينهم وأن يحب له ما يحب لنفسه من ود ووئام واحترام، فيقول سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".[2] ففي ضوء القرآن التقوى معيار للفضل والكرامة، والتقوى يتمثل في حياة مثالية نافعة تجود بالخير الكثير ولاتُخلق لأحد ضرا ولامشكلة، والقرآن يقضي على التفاخر القبلي واللوني واللغوي ويمنع من كل شيئ لاينبني على الخير والتقوى والإنسانية، ويعد القرآن الكريم اختلاف الألسن والألوان من رحمة الله وآياته، فيقول: "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين".[3] فإن هذه الآيات وأمثالها بظاهرها تدل على أن الإسلام يفرض نفسه على الآخرين وأنه لايسمح بأي اختلاف في الفكر والدين فلا سبيل إلا التعايش والسلم والأخوة العالمية.

وهناك جهود كثيرة متواصلة لهذه الأخوة العالمية وذلك عن طريق تقريب مختلف الديانات إلى الأخرى وذلك بالتنازل عن بعض التعاليم والتركيز على بعض منها وهذا هدف لايمكن تحقيقه بالمنهج الذي يتراءى في بادئ الأمر منهجا نافعا. لأن الإنسان مهما تحرر من قيود دينه إنه يحب دينه بجزئه أوكله وبهذا الطلب للتنازل والتركيز سندفع الرجل إلى أن يذهب إلى ما لايميل إليه قلبه وذهنه وحينئذ سيحدث فيه نزعات من النفاق فيظهر ما لايبطن ويبطن ما لايظهر، وهذا الطراز النفاقي لايتمخض إلا عن نتائج لايرضاها أحد منا.

فتتجلى أهمية منهج القرآن الكريم لتكوين الأخوة العالمية وترسيخها في أذهان الناس وقلوبهم ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما جبل عليه الإنسان من تشاجر وتفاخر وتباغض في قوله عز وجل: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا".[4] ولذا يدعو القرآن الكريم النوع البشري إلى الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والأخوة العالمية التي لاتكاد تتحقق بدون هذا الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، والقرآن الكريم يؤكد هذه الوجهة القائمة على الوسطية والاعتدال والحكمة العميقة التي تهدي إلى الخير والسعادة بقوله عز وجل: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون".[5] يذكر الإسلام أن الناس خلقوا من نفس واحدة، وليس فيهم فضل لعربي على عجمي ولا على أبيض  من أسود، ولا على أرفع على أسفل إلا بتقوى الله تعالى.

لقد رفع القرآن الكريم من مكانة الإنسا بغض النظرعن الجنس أو اللون الالعرق الدين. فوردت كلمة الإنسان في القرآنم الكريم 63 مرة، وكلمة الناس تكررت 240 مرة، ولا خلاف في أن بني آدم أفضل من كل المخلوقات، والأصل فيه نصوص شرعية ولعل من أوضحج الآيات في هذه المجال قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضالناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".[6]

ن الإسلام دعا إلى وحدة  البشر وأعلن الإخوة الإسلامية بينهم. وأن الناس جميعا ولدوا من أب واحد وأم واحدة، انهم  سواسية لا فرق بينهم لا في اللون ولا في العرق ولا في البلد. وكذلك دعا الإسلام إلا نبذ العصب العرقي أو الديني أو الطائفي ولذلك كان دينا عالميا ليس مغلقا على شعب من الشعوب أو على زمن  من الأزمان .

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي - الهند

........................

[1] القرأن- سورة  الحجرات رقم الآية 13

[2] القرأن- سورة  الحجرات رقم الآية 13

[3] القرآن، الروم: 22

[4] القرآن، الحج: 40

[5] القرآن، البقرة: 62

[6] سورة الإسراء، رقم الآية 70

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4714 المصادف: 2019-08-02 01:54:40