 قضايا

الديموقراطية في فكر افلاطون.. كي لا تصل إلى أي مكان اتبع الجمهور

ولد أفلاطون قبل وفاة بريكلس، تتلمذ على يد سقراط وعايش محاكمته، تذوق مرارة إعدامه، عايش فترة الحروب البوليبنيزية لذا كان السؤال الفلسفي عند أفلاطون هو سؤال بعمق سياسي حيث تساءل أو أكد على أن الفلسفة تنتعش حين تكون الأزمة، لذا يكون السؤال السياسي عند أفلاطون هو البحث عن أفضل نظام سياسي لتحقيق العدالة بين مختلف مكونات المجتمع، فكتاب الجمهورية يساءل مجموعة مفاهيم مثل العدالة والتربية بحيث تصبح العدالة في منظوره هي إعطاء لكل فرد ما له وما أهلته له الطبيعة. لذلك يكون الفيلسوف هو الأقدر على إشاعة النظام والعدالة والظلام والجهل. فالموقف الأفلاطوني نستشفه من قصة ربان السفينة الواردة في كتاب الجمهورية عبارة "البحار الحقيقي" تعني الأقلية الأقدر شرعيا على الحكم لتحيلها بالمهارة والخبرة الضروريتين. أما الحيوان الكبير في نظر أفلاطون يعني الشعب ونظرا لأن أفراد الشعب (الطاقم) يدبرون شؤونه من منطلقات الغريزة، العاطفة والهوى فإنهم ليسوا متوفرين على الخبرة والمعرفة اللازمتين للإبحار السليم، أي على الحصافة السياسية. يضاف إلى ذلك أن القادة الوحيدين الذين يثيرون إعجابهم متملقون: "لا بد للساسة من أن يعلنوا أنهم أصدقاء الشعب... إذا أرادوا... أن ينعموا بما يكفي من الاحترام"[1].

يتعذر وجود قيادة سليمة في النظام الديمقراطي، فالقادة يعتمدون على إرادة الشعب وتفضيله ويسعون بالتالي إلى الحفاظ على شعبيتهم وإدامة مناصبهم. تتعرض القيادة السياسية إلى ما يمكن "تسويقه". أما الأحكام المتأنية المدروسة، القرارات الصعبة، الخيارات المزعجة، الحقائق البغيضة، فلا بد من تجنبها، عموما تعمل الديمقراطية على تهميش الحكمة والحكماء، ينتقد أفلاطون الديمقراطية باعتبارها صيغة حكم تؤمن وتدعي تحقيق مساواة زائفة بدل البحث عن صيغة للتكامل والتماسك الاجتماعي. أما غيابه فيغذي الصراع بين الفقراء والأغنياء ويؤدي إلى انهيار السلطة والمجتمع معا، "تصوروا أن يكون الوضع على متن السفينة على النحو التالي، القبطان (أو صاحب السفينة) أكبر وأقوى من سائر أعضاء الطاقم، لكنه يعاني من قليل من الصمم وشيء من العمى، ومتواضع المهارات في فن الإبحار. ثمة صراع بين جميع أفراد قيادة السفينة حيث يرى الكل منهم أنه الأجدر بتولي القيادة، لم يسبق لهم أن تعلموا فن (أو مهارة وتقنيات) الإبحار ولا يستطيعون أن يزعموا أن أحدا علمهم مثل هذا الفن، أو أمضوا أي وقت وهم عاكفون على دراسته، بل يقول أن من المتعذر تعليمه وهم مستعدون لقتل كل من يرى عكس ذلك. يمضون الوقت كله محتشدين حول القبطان باذلين كل ما يستطيعونه من جهد في سبيل الإمساك بالدفة. إذا كان أحد الفرقاء أنجح من آخر، فإن شأن منافسيه أن يلقوا به في البحر، أن يشلوا القبطان الشريف بالمخدرات أو الحكول أو أي طريقة أخرى، أن يسيطروا على السفينة، أن يستولوا على حمولتها وأن يقبلوا الرحلة إلى نوع من اللهو العابث. أخيرا يكون هؤلاء معجبين بذلك الذي يعرف كيف يساهم في السيطرة على القبطان بالقوة والخداع، يكيلون المديح لمهارته في الإيجار وقيادة السفن ولمعرفته بأسرار البحر، شاجبين سواه، معتبرين ما عداه دون جدوى. ليست لديهم أي فكرة عن أن على البحار الحقيقي أن يدرس فصول السنة، السماء، النجوم، الرياح وجميع الموضوعات الأخرى ذات العلاقة بمهنته إذا كان سيصبح مناسبا للتحكم بأي سفينة، وهم معتقدون بأن من شبه المستحيل امتلاك المهارة المهنية اللازمة لمثل هذا التحكم (أرادوا ممارسته أم لا) وليس ثمة شيء اسمه فن الإبحار. ومع جريان ذلك كله على المتن ألا يكون بحارة مثل هذه السفينة مضطرين لرؤية البحار الحقيقي غزال كلام وراصد نجوم، لا نفع فيه بالنسبة إليهم[2].

لذا يعتبر أفلاطون أن الدعوة إلى الحرية والمساواة السياسية معناه الفوضى العارمة التي قد تدمر المدينة وتحول النظام إلى فوضى لأن الحصيلة هي إطلاق العنان للشهوات والرغبات العمياء.

يؤكد أفلاطون على أن عقول المواطنين شديدة الحساسية حيث يصبح الضبط مرفوضا بوصفه أمرا لا يطاق، ولا يمكن القبول به فهم يرفضون – أي الفقراء- الخضوع للقانون حيث يقع قلب للمفاهيم وتصبح الغطرسة تربية صالحة والفوضى حرية وعدم الخجل جرأة.

يرفض أفلاطون أن تكون الديمقراطية حكم الأكثرية وإنما يعتبرها حكم أفضل الرجال حيث وحدهم الفلاسفة والعقلاء الأقدر لإدارة شؤون المدينة، بذلك تصبح الديمقراطية هي سيادة الحكمة، وهو ما يفسر موقف أفلاطون حيث اعتبر أن الفضيلة معرفة، فالديمقراطية انتصار للعقل على حساب الجسد والديمقراطي الحقيقي هو ذلك الفرد الذي استطاع أن ينتصر لعقله وأن يعيش انشطارا بين عقله وجسده، لكن هناك انشطار يؤدي إلى توجيه العقل للجسد ما دام العقل نور والجسد أحمق بذلك تصبح الديمقراطية حكم العقلاء.

هانز كلسن Hans Kelsen في قراءة لأفلاطون يتحدث عن وجود عالمين متناقضين كلية أو إن شئنا القول وجود ثنائية حادة بين عالم المثل والعالم الحسي رمز للشر "الغريزة" للجسد وحماقاته، للعامة وشهواتها أما عالم المثل فهو عالم الحقيقة الثابتة، عالم الأنوار، بهذا يكون العقلاء وحدهم استطاعوا الخروج من تجربة الجسد والتخلص من حمقه بنور الحقيقة الوهاج بحسب ما يسميه أفلاطون بالجدل الصاعد، بعد هذا الصعود تم مهمة أخرى هي مهمة إنقاذ العنصر البشري داخل المدينة. فمعرفة الحقيقة وتجاوز عالم الظلال والنسخ[3] "لسيمولاكر" بتعبير فوك مشروط بالاعتماد على التأمل العقلي كممارسة نظرية تؤسس وتهندس قواعد توجيه العقل البشري نحو العالم الحقيقي النور، وهو ما يفيد حسب أفلاطون النزوع إلى تأسيس ممارسة عقلية منطقية تستمد مبادئها من العقل وترفض لغة الجسد، على اعتبار أن فعل التفلسف هو فعل ذهني تأملي، والإمساك بالحقيقة مشروط وفق التنظير الأفلاطوني بممارسة الانشطار داخل الذات انشطار يؤدي إلى أن يتخلى الباحث عن الحقيقة عن الجسد باعتباره مصدر عمى وغواية. فأفلاطون كان شديد الاهتمام بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، الفلسفة تنتعش على حافة الأزمات.

نقد أفلاطون للديمقراطية يدل على أن مدى اهتمامه بالاضطراب والعنف، فالديمقراطية تقترن بنظره بفوضى القيم والمعتقدات وتقترن كذلك بالتجزئة وانعدام الانسجام، وهي نظام يرتكز على سلطة الدهماء وخطاب الديماغوجية. ذلك أن السياسي الحقيقي لا يساير الشعب في آرائه، بل يسعى جاهدا إلى تهذيب الأخلاق وترسيخ القيم المثلى وإن كانت سياسته لا تروق جميع الناس ما دامت سياسته تعادي العامة.

إن غاية الدولة تكمن في إسعاد الناس لا في الدفع بهم إلى القتل والحرب / سقراط، فالديمقراطية لا تحظى بأية شرعية سياسية حيث أنها فضلا عن مساوئها الأخرى لم تتمكن من تحقيق الانسجام وإقرار السلم الاجتماعي.

لذا ذهب أفلاطون إلى أن كل تفكير يطمح إلى الوصول إلى ماهية السياسة يجب أن يتعالى على الواقع المتعين. ويمكن الكشف عن حقيقة السياسة عن طريق الجدل الصاعد لا عن طريق تجارب التاريخ والأمم. والجمهورية الفاضلة هي الدولة الفاضلة التي تتحقق فيها المثل العليا، والسياسة الحق هي التي تتميز بالمساواة والانسجام الفردي والجماعي والوحدة والتضامن وتغيب فيها جميع مظاهر العنف والصراع[4].

حسب نيتشه التأسيس الأفلاطوني للحقيقة تم على أساس نسيان الأصل الجسدي للفكر، حيث إلغاء الجسد ومنح سلطة للأفكار والروح وجعل العقل مل الجسد، والفكر محل الواقع إضافة إلى هذا النقد الجذري، عموما المقاربة الفلسفية الأفلاطونية والأرسطية للعلاقة بين الحقيقة والواقع تحمل بعدا انطولوجيا حيث اعتبار النظر إلى الحقيقة في بعدها الموضوعي تبقى مهمة الإنسان فقط، تأملها واستنباطها في أحسن الأحوال وفق ما يستنتج في محاورة غلوكون وسقراط كمحاورة أطر لمعرفة وتحديد مفهوم الديمقراطية، فإدراك الحقيقة موعود فقط للحكيم التائب عن خطيئته المتمثلة بالثقة في الحواس والجسد والاستمتاع بتجربة الكهف وفق المستفاد من محاورة غلوكون.

هذه المهمة الإنقاذية تحقق عبر الجدل النازل أي تطبيق ما رآه بعالم المثل داخل فضاء المدينة، بهذا يلعب الفيلسوف الدور الوسائطي بين عالم الحقيقة وبين عالم اللاحقيقة. وفق ما نستشفه من أسطورة الكهف في محاورة انتقاد أفلاطون للديمقراطية ذدير بالتوقف لأنه ما زال يتضمن إلى يومنا هذا خاصة حينما ينظر إلى الديمقراطية على أنها تصويت عددي. فرفض أفلاطون ديمقراطية أثينا لأسباب:

- أدت لهزيمة أثينا أمام أسبرطة

-  نشأته الأرستقراطية

-  لأن الديمقراطية أعدمت سقراط

 

د. الفرفار العياشي

...........

[1] - الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، أميرة حلمي، دار المعارف، ص:59.

[2] - الجمهورية، أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، مصر1968، ص:376.

[3] - أسس الفكر المعاصر، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الطبعة الأولى 1991، ص:147.

[4] - مدخل إلى الفلسفة، جون لويس، بيروت، دار الحقيقة، ص:45.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4721 المصادف: 2019-08-09 06:15:18