 قضايا

الوجودية الجديدة.. ثورة اللامنتمي على العدملم

1069 الوجودأفكر طويلا ولم اتردد لحظة، للإدلاء برأيي، حول كتاب مهم إلا وهو (الوجودية الجديدة عند كولن ولسن) للدكتور سليم عكيش، آخر المغادرين لحقل الفلسفة الأكاديمية المملة والقاتلة ببرودها، واحد المدافعين عن حق التفلسف في زمن اازيف.. حزنت لأنه غادر حقل الأحلام الفلسفية وانتهى إلى يقين احسده عليه .

هو يؤمن بأن الفلسفة، لا بد أن تحل في عمل معين أو سلوك أو فكرة عملية.

ولسني .. مولع حد الغيرة بمدني صالح، حتى اقارب بينهم باطروحته بلمسة كاتب محترف.. فقرا الاثنين بروح فلسفية تنهي الجدل بين الوجودية والتصوف، على اعتبار أنهما يسعيان إلى حقيقة الوجود الذاتي.

فهاله أمر الوجودية، وهو يفكر دوما بمنطق الوجودية الحيوي الذي لا يعير أهمية، سوى المعطى اليومي، وهم الحياة وقلق الوجود الملتف على نحره العدم، فاثر على نفسه أن يصوب سهام شغفه المنتمي إلى حقل اللامنتمي وسيرة العباقرة المهمشين أمثال كولن ولسن والذي بحسب رأيه، حاول أن يؤسس للوجودية اسسا جديدة، تنير له دربه بكشف المجهول الإنساني الذي سيطرت عليه النظرة الميكانيكية والتي بدورها أعطت للإرادة الإنسانية اجازة طويلة الأمد كما يصرح كولن ولسن في سقوط الحضارة.

انشغل ولسن بتحليل المشكلة ورموزها الثقافية، أدباء وشعراء وفنانون وفلاسفة ...الخ مثل هنري بارباس الفرنسي ورواية الجحيم والإنكليزي ويلز ورواية بلاد العميان والعقل في حدود الاحتمال وسارتر في الغثيان وكافكا في المسخ وهسة وهمنغواي الخ .. بل إنه درس اللامنتمي في التجربة الحية، مثلا عند لورنس العرب وفان كوخ ونجنسكي الراقص الروسي، والذين فشلوا في إدراكهم النفسي لطبيعة وقيمة حياتهم ووجودهم، لذا انتهت حياتهم بالجنون أو الموت وكلها علامة على فشل في الإدراك، لرؤية صوفية تخرجهم من ياسهم إلى تحقيق معنى حقيقة الوجود أو إدراكهم لذاتهم ..ولا يفوتني وقفته من رؤيا دوستويفسكي واختياره لما يسميه ولسن للتطرف الوجودي ..

أن كولن ولسن لامنتمي رومانسي تحكمه رؤية صوفية متفائلة فهو يعرف انه كائن منفصل عن واقعه المريض ويحاول أن يعي وجوده القاصر عبر الانتماء له وقهره في ممارسة وجودية حية تعزز الذات ومكانتها والقصدية تحرك الوعي والإرادة للنهوض بادراكه لوجوده ولوعيه الرؤيا، التي هي كشف صوفي ينهي سطوة الإدراك الموضوعي وينعش الإدراك الذاتي .

فالرؤيا تعزز الارادة ويصح العكس، المهم لا نكرر تلك الرؤى، بل الاستفادة من تعاليمهم ونظام حياتهم ..

ولا ينسى الباحث أن يذكر نماذج اعتمدها ولسن في هذا الشأن مثلا جورج غورداييف ونيتشه وغيرهم من الذين نبهوا إلى أهمية الجسد والإرادة والعاطفة لقهر اللامعنى وتحقيق التوازن النفسي.

أزمة اللامنتمي هي أزمة حضارية، اللامنتمي بطل الحضارة، وعرض من أعراضها المريضة كما يرى ولسن .اي أن القلة اللامنتمية هي من تبلغ بالمجتمع السعادة لأنها تمثل الوجود الحر والروح النقية للإنسان الحق، ولا تخلو هذه النظرة من نخبوية ومركزية عانى منها،، خطاب ولسن الذي هو، بحاجة إلى مناقشة ليس هنا محل ذكرها..

فهذه الأزمة دفعته التأثر باشبنجلر وتوينبي وبرناردشو،، ليجد حلا وجوديا ينهي بؤس المصير الغربي فردا وحضارة ..

كتاب الوجودية الجديدة، التفاته ذكية إلى منبع مهم في الكتابة الغير مألوفه، إلا وهو كيفية تجديد خطاب الوجودية على يد رموز اللامنتمي.. النوابغ، الذين انفصل كل منهم عن مجتمعه المريض، بسبب روحه الوقادة وحسه الناقد لروح عصره ومجتمعه وحضارته وقيمه،،

يعشق الانطواء الوجودي اذا صح القول فهو ولسني حد النخاع لا يرضى بالانتماء المميت، فقرر أن يجرب تجربة كشف الذات أو كما يسميها كولن ولسن، الإدراك النفسي، التي تهديه بالتالي لوضع حل لمشكلة وجوده المعدم لاسيما في بلد لا يغار على وجوده الأصيل!

الكتاب تغلفه لغة الأدب وأسلوب المتصوفة في كشف الحقيقة وفضح الزيف الذي يتجلى بروح شعرية وافق فلسفي طموح ينوي قتل اليأس وإحباط فلسفات التشاؤم عند هيدجر وسارتر،،،

فولسن لامنتمي رومانسي. يهوى تحقيق وعيه ووجوده الحق، عبر الاستفادة من نماذج الاغتراب الوجودي الواقعية والتي حضرت سرديتها في نصوص أدبية لديسكوفسكي وكافكا ولورنس النوابغ اللامنتمية، لحضارة مريضة والتي تغفل حريات الأفراد الروحية.

ما يرغب به اللامنتمي ان يحكم وجود المنتمون للحضارة المريضة والتي سادت بها رؤية قاتلة الوجود الحي . لكن اللامنتمي بفعله هذا إلا يؤدي بالتالي إلى خلق انتماء جديد إلى لا انتمائه؟.. سؤال مهم ينبغي الالتفات إليه، وسط دعوى الشمري إلى خطاب جديد، ربما يبقى همه الشاعري الحالم تحقيق الحلم الافلاطوني بترأس الفيلسوف، لكن هنا ترأس الوجودي الجديد، بملامح ولسن وتجربته الساعية إلى تشكيل نموذج نابغة يحكم أسوار المدن الصناعية الاستهلاكية ليعيد ترتيب القيمة الروحية .وليظهر دين أخلاقي يعلي من أمر الحرية والحياة المنتمية إلى حقل اللامنتمي..

يحتل هوسرل ووايتهيد مركزية مهمة في خطاب الوجودية الجديدة التي استفادت من قصدية هوسرل والوعي عند وايتهيد، ناقما وناقدا لكل أنصار الرومانسية الوجودية الضحلة عند أبرز روادها هيدجر وسارتر وياسبرز وآخرون، يقوده طموح نحو بلورة وجودية جديدة تأتي بعد اعمال العقل النقدي لكل التراث الوجودي عند أغلب روادها وفضح بنية خطابهم التشاؤمي.. أضف إلى ذلك أهمال فكرة القصدية الهوسرلية (هوسرل) عبر علائقية الوعي والاستجابة الرمزية والوعي المزدوج وكيفية عمل ميكانيكا التكرار المهلكة لهوية الكائن، كلها تجتمع في ثنايا خطاب وجودي صوفي يستلهم (الجشتالت) لفهم سيكولوجية الإنسان ووجوده وكشف حقيقة العالم وازمة معناه وتلاشي جوهره في عصر ثقافة الاستهلاك والوجود الزائف المسيطر..

 

قاسم جمعة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شعرت بعد الانتهاء من قرائتها أن المقالة ناقصة أو لها صلة أو بقية . .. كان من المتوقع أن يسهب الدكتور( وهو علم في مجال إختصاصه ). في عرض فكرة الكتاب أكثر مما فعل . ومع دلك فإن المقال نجح في إستقطاب الاهتمام فعلا .. تحية للدكتور الفاضل قاسم .

محمد حسين الداغستاني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4724 المصادف: 2019-08-12 04:45:30