 قضايا

تأثيرات السلوكيات الخاصة بالمكان والوقت وخصائص الجسم والمظهر على عملية التواصل

منى زيتونسلوكيات خاصة بالمكان Spatial behavior

إضافة الى السلوكيات الاتصالية غير اللفظية المتعلقة بالإنسان، فإن للمكان أيضًا سلوكيات غير لفظية خاصة به تحمل رسالة عن العلاقات بين الأشخاص؛ فالحجرات التي تصلح للاجتماعات غير مكاتب العمل، وكلاهما يختلفان عن حجرة الصالون في المنزل أو غرفة المعيشة أو حجرة الألعاب للأطفال. شكل قطع الأثاث وتحريكها وتحديد المسافات بين الكراسي إما أن يعطينا مناخًا أسريًا أو يشعرنا بجو رسمي. وكل مكان يعطي انطباعًا عن طبيعة التفاعلات الاجتماعية التي يمكن أن تتم فيه؛ فبعض حجرات المنزل تكون خاصة بأفراد العائلة، وبعضها للنوم وبعضها للمعيشة وبعضها لتناول الطعام، وبعضها خاص بالضيوف.

كما أن الأماكن بالنسبة للشخص إما أن تكون أماكن مملوكة له، خاصة به، وإما أن تكون غير مملوكة له، لكن لها خصوصية لديه كمقعده في الصف الدراسي أو طاولته في الكافتريا، وإما أن تكون أماكن عامة سواء خضعت ملكيتها للدولة أو لمؤسسات مثل دور السينما.

والأماكن تُستخدم كإشارة لمكانة الأفراد، فحجم المكان المنسوب إليه وموقعه سواء كان منزلًا أو مكتبًا يحدد مكانته الاجتماعية، والتي تؤثر ولا شك في تفاعله مع الآخرين.

ويستخدم الناس غالبًا علامات مختلفة للإشارة إلى ملكيتهم للأماكن، مثل الأسوار التي يحيطون بها المنازل، والجدران التي يفصلون بها الغرف، ووضع الموظف لافتة على مكتبه مدون عليها اسمه، وقد يضع حقيبته على كرسيه.

وتعامل الفرد بالنسبة للأماكن يختلف وفقًا لخصوصيتها، فيصعب تمامًا أن يفرط في مكان خاص به، ولكن ماذا تراه سيفعل إن وجد الصف الذي يفضل أن يحجز فيه مقعده في السينما غير متاح؟!

ومن الملحوظ أن توزيع المكاتب في أماكن العمل يعبر دائمًا عن العلاقات بين الأشخاص والتفاعل بينهم في بيئة العمل؛ فالحجرات المتسعة ذات الموقع المميز وذات الأثاث الفخم تكون للمدراء، ولا يشاركهم فيها أحد، ولو وُجدت حجرات إضافية بالحجم نفسه فلا بد أن يشترك فيها اثنان من الموظفين الأقل أهمية، وربما ثلاثة، بينما الحجرات الأشبه بالعنابر المكدسة بالمكاتب تُعطى للموظفين الأقل أهمية في الكادر الوظيفي.

وفي المنازل يأخذ الأبناء الكبار غرفًا أوسع من غرف الأبناء الأصغر سنًا، والذكور يُقدمون على الإناث.

ويمكن للأفراد الأعلى مكانة أن يقتحموا خصوصية الأماكن المنسوبة للأفراد الأقل؛ فالأب يمكنه أن يدخل غرفة أبنائه، كما يدخل المدير غرف مرؤوسيه دون استئذان، في حين لا يمكنهم دخول مكتبه إلا بعد استئذان السكرتارية.

وكلما كانت هناك أماكن مشتركة بين الأفراد قوي تفاعلهم الاجتماعي، على العكس مما لو كانت لكل منهم قدر أكبر من مساحته الشخصية الخاصة.

كذلك يؤثر ترتيب قطع الأثاث وشكل الجِلسة على جو التفاعل، فيمكن أن يُعطي مناخًا دافئًا وأسريًا عندما يكون في شكل دائري أو نصف دائري، كذلك يشيع الدفء عندما نجلس متقاربين متجاورين أو في شكل زاوية قائمة، وكلما اختفت الحواجز كان التفاعل أفضل، ويمكن أن يقل التفاعل ويشيع مناخ رسمي عندما تكون المقاعد متباعدة ما يقلل إمكانية حدوث حوار، أو عندما نجلس متقابلين، خاصة مع وجود حاجز.

وهناك سلوكيات تساعد في إعطاء مزيد من الألفة في المكان؛ أهمها أن يُخيَّر الضيف أين يجلس. كما أن إضاءة المكان الجيدة تعطي إحساسًا بالأمان، والنظافة تعطي إحساسًا بالارتياح.

وربما يسأل الضيف عن المكان الذي يفضل صاحب المكان –خاصة إن كان مكان عمل- أن يُجلسه فيه من باب اللباقة عندما لا يدرك تحديدًا أين يكون من المناسب له أن يجلس.

ومن المهم التأكيد أيضًا على أن الأماكن لا تؤثر فقط على تفاعل الفرد مع الآخرين، بل تؤثر عليه شخصيًا، فكل منا يستشعر الاطمئنان في الأماكن الخاصة به.

سلوكيات خاصة بالوقت Time behavior

هناك سلوكيات عديدة متعلقة بالوقت تؤثر في تفاعلاتنا الاجتماعية؛ فاختيار التوقيت السليم لبدء أي مهمة أو الخوض في أي نقاش هو جزء أساسي من أي تفاعل اجتماعي ناجح.

كما أن تحديد مدة الوقت الذي يقضيه الفرد مع الآخر يحدد قيمة هذا الآخر لديه، ويكون تأثير الوقت في العلاقات الشخصية أشد وضوحًا عنه في علاقات العمل. كذلك فإنه ومع تزايد المنافسة في مجالات الأعمال صارت سرعة إنجاز العمل تؤثر في تقييم نجاحه.

ويعتبر مفهوم التأخر من أكثر المفاهيم ارتباطًا بسلوكيات التفاعل الاجتماعي المتعلقة بالوقت؛ حيث يعبر تعامل الناس مع الوقت عن مكانتهم في التفاعل الاجتماعي، فأغلب المديرين يذهبون إلى أعمالهم في وقت متأخر عن الوقت الذي يذهب فيه مرءوسيهم. ويمكن للشخص الأعلى مكانة أن يتأخر عن موعده مع الآخر بتركه ينتظر في السكرتارية بينما هو موجود! أو بتأخر وصوله، بينما لو حدث العكس لأي ظرف طارئ فقد يتعرض الشخص الأقل مكانة اجتماعية إلى إلغاء موعده، وإن كان ذلك يعتمد على الثقافة.

لكن إن كان مفهوم التأخر يمكن تقبله في العلاقات المهنية فإنه لا يكون متقبلًا نهائيًا في العلاقات الشخصية؛ حيث يلعب دورًا سلبيًا للغاية بين الطرفين، وأحيانًا يدمر العلاقة بين الزوجين، فمفهوم القيمة والأهمية التي تصاحب التأخر –وفقًا لموروثنا الثقافي- حين يستخدمه أحد الزوجين –غالبًا الرجل- يرسل رسالة سلبية للطرف الآخر بأنه لا ينتبه لأي شيء يخص علاقتهما، ولا يعتبره من أولوياته، ولأجل ذلك دائمًا يكون متأخرًا. وبمرور الوقت تفتر مشاعر الطرف الآخر، وقد تنتهي العلاقة. وبشكل عام، في العلاقات الشخصية، فإن الأشياء تكون لها قيمة فقط عندما تأتي في موعدها، وحتى إن أتت متأخرة تكون لا قيمة لها. هل يُشترى الكعك بعد العيد؟!

الخصائص الجسمية Physical characteristics

تتضمن الخصائص الجسمية لون الشعر، ولون الجلد، والبناء الجسمي، والطول، والوزن، وغيرها من الخصائص التي تميز شخصًا عن آخر. وتؤثر تلك الخصائص في الشكل العام الذي نبدو به أمام الآخرين، وفي نظرة الآخرين إلينا، وهذا يؤثر في تفاعلهم معنا، لذلك تعتبر هي الأخرى أحد أنماط السلوك غير اللفظي.

وأغلب هذه الخصائص تكون ثابتة ولا يمكن تغييرها، فإذا كان بإمكاننا تغيير لون الشعر أو خفض الوزن على سبيل المثال، إلا أن جوانبًا أخرى ليس بإمكاننا تغييرها كالطول وبنية الجسم.

وتؤثر الخصائص الجسمية كلون الجلد والبناء الجسمي في تحديد العِرق الذي ينتمي إليه الشخص، وفي بعض الثقافات التي تتسم بالعنصرية يكون لهذا تأثيره العميق على تفاعل الفرد في المجتمع.

كما تعطي بعض الخصائص الجسمية ميزة للفرد في بعض الثقافات، فتكسبه ثقة في نفسه تؤثر إيجابيًا عليه في المجتمع، فكونك طويلًا في أمريكا يعطيك مزايا كبيرة للحصول على الأعمال والقيام بالأدوار القيادية، بل وحتى الترشح لرئاسة الجمهورية وفقًا للإحصائيات!

 

الملابس والمظهر الخارجي Clothes and appearance

لأن الملابس والشارات وكافة متعلقات المظهر الخارجي للإنسان كالحُلي التي يضعها، وطريقته في قص وتصفيف شعره، ونوعية سيارته، وغيرها، تعطي انطباعًا عن شخصية الإنسان، وتعطي معلومات تلقائية عنه، فهي تؤثر على ما يعتقده الناس عن الشخص، وعلى تفاعلهم الاجتماعي معه سواء كان الطرف المرسل أو المستقبل؛ لذا تُعد جميع السلوكيات المتعلقة بها من قنوات التواصل غير اللفظي معه.

وقد تُستخدم تلك المظاهر أحيانًا، وبشكل متعمد، في إرسال رسالة ما أثناء التفاعل الاجتماعي، ودائمًا لها آثارها البارزة. وقد قمت بتجربة صغيرة للتأكد من ذلك الأثر بنفسي؛ فارتديت عباءة بدلًا من الأزياء الرسمية التي تعتاد أستاذات الجامعة والباحثات العلميات ارتداءها، وقررت الذهاب إلى عدد من المصالح الحكومية والتعامل مع الموظفين، ورغم أن العباءة من خامة جيدة، ومن مقتنياتي من مكة المكرمة، إلا أن الانطباع العام عني الذي لاحظته لدى الموظفين أنني إنسانة بسيطة، ولم ينتبه إلى مستواي الثقافي سوى مهندس قال لي: أسلوب حضرتك في الكلام وألفاظك ونوعية تساؤلاتك تشعرني أنك أستاذة جامعية! فتبسمت، وقلت له إنني أخيرًا وجدت شخصًا واحدًا يُقيِّم الناس على أساس معايير صحيحة، ولا يكون رأيه عنهم بناءً على المظهر الخارجي وحسب. وإن كنت قطعًا لم أخبره أنني أقوم بتجربة اجتماعية.

والحقيقة إن هذا التقييم على أساس المظهر الخارجي قد يكون غير عادل، خاصة لو تعلق الأمر بالجمال والوسامة كمحدد أساسي للمظهر الخارجي، إلا أنه يؤثر بالفعل على تواصلنا الاجتماعي مع الآخرين، وعلى فرص نجاح الفرد في حياته الشخصية والعملية، خاصة في المجتمعات المتخلفة التي لا يُعطى فيها اعتبار كاف للكفاءة.

ولا شك أن ملبس الشخص يعطي انطباعًا خاصًا عما إذا كانت شخصيته متفقة مع قواعد وقيم المجتمع أم مخالفة لها، بالرغم من وجود فروق ثقافية كبيرة في نوعية الأزياء وتقبلها من مجتمع لآخر. وبوجه عام في عصرنا الحالي صارت صيحات الموضة الغريبة والإكسسوارات والساعات والنظارات وطريقة قصة الشعر والوشوم وغيرها تسهم كثيرًا في الرسالة التي يوصلها الشباب عن نفسه، خاصة وقد أصبح يبالغ في كل هذه المظاهر؛ فالأزياء تُرسل رسائل هامة عن كون الشخص محافظًا أم لا. وبينما قد نجد شخصًا من أبناء البلد يلبس ما يخالف الأزياء المعتادة في ثقافته، قد نجد غريبًا يُجرِّب الأزياء التقليدية للبلد التي يزورها، ويرى في ذلك احترامًا منه لقيم أهله.

كذلك فإن كمية الحُلي المقبولة وأحجامها تختلف كثيرًا باختلاف الثقافات. ومن أكثر ما يُعطي انطباعًا عن الشخصية أيضًا هو ما إذا كانت الملابس رسمية أو غير رسمية.

كما تعطي الملابس والحُلي انطباعًا عن المستوى الاجتماعي الاقتصادي وربما حتى الثقافي للشخص، وتعطينا انطباعًا أيضًا عن مستوى ذوقه وإبداعه. وكثيرًا ما تعرفنا البلد الذي ينتمي إليه!

وقد يشير الملبس أيضًا إلى مهنة الشخص؛ ففي بعض المهن يكون هناك زي أو شارة معينة تميزها؛ فرجال الدين لهم زي يميزهم، وكذا الأطباء وطاقم التمريض والمهندسون والعمال في المصانع، بل وحتى طلبة المدارس يكون لهم زي موحد يحدد مدرستهم، وبقدر التزامهم به يكون الانطباع بمستوى الانضباط الذي يُعرف عن المدرسة. بعض المؤسسات والشركات أيضًا تُلزم منسوبيها بقواعد زي معينة، ينتقون أزياءهم بحيث لا يتخطونها. نحن نحترم بيئة العمل التي تضع حدودًا واضحة غير متراخية للملابس المقبولة فيها، أو تحدد زيًا موحدًا، ونعتبرها بيئة عمل جادة ذات صِدقية، ولديهم عادات عمل جيدة، وجديرين بالثقة.

وتتميز الملابس والشارات وسائر المتعلقات الشخصية بأنه يمكن تغييرها بما يحقق الرضا للفرد، والذي ليس بالضرورة أن يتوافق مع ثقافة وتقاليد المجتمع، ويتحدد ذلك في ضوء درجة المسايرة/ المغايرة الاجتماعية للفرد.

كذلك فإن الملابس والمتعلقات قد تُستخدم لتخفيف القلق، فقد يُغير الرجال وضعية أكمام القمصان –غالبًا يطوونها- أو يعمدون إلى التلاعب بأزرار الأكمام أو ساعة اليد أو يوسعون ربطة العنق عند الشعور بالقلق أو الضيق، وقد تعبث المرأة في المقابل بساعة أو إسورة أو خاتم في يدها أو سلسلة في عنقها أو قرط في أذنها أو حقيبتها.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4734 المصادف: 2019-08-22 00:04:50