 قضايا

الوحدة العربية.. أو الكارثة

مجدي ابراهيممن المفروض المعقول أنه في الأزمات والكوارث ينشط فينا شعور التضامن، ويظل ناشطاً قوياً مادامت فينا بقيّة يقظة واعية من روح القومية، لكنه لا يزال شعوراً مجرد شعور قد لا يخرج إلى حيز التنفيذ الدقيق أو التطبيق الفعلي، ولازلنا إلى اليوم لا نعرف لنا هوية واضحة المعالم قوية التأثير؛ لأننا لا نعرف لنا أيديولوجية محددة تقوم عليها أركان تلك الهوية العصماء.

على المستوى الفردي مثلاً؛ وفي الحالات السّويّة، ترى أنه إذا حدثت لأحدنا أزمة ما، تسابق الجميع إلى فعل المشاركة الوجدانية مع هذا الذي حدثت له الأزمة؛ لتكون هذه الفاعلية الايجابية شعوراً طيباً جميلاً يتعاطف فيه المجموع مع البعض والكل مع الجزء الذي يندرج فيه، ولكن هذا الشعور الجميل الوردي مع صدقه وجماله، ليس هو الحل العملي في بعض الأحيان - إنْ لم يكن كلها - ما لم يكن موقفاً - يقوم فيما يقوم عليه - على دعائم روحيّة وثقافية بل وعقدية وأخلاقية، تتحدّد بها الهوية المفقودة والأيدلوجية الغائبة. وما ينطبق على الفرد في بقعة صغيرة في الوطن العربي، ينطبق بنفس الكيفية على "الكل" العربي إزاء العالم جملة وتفصيلاً.

الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها هى أزمة "ضمير" عربي أصابه العطب والتلف؛ فلم يعد يشعر قط بمعنى التكامل والتضامن، ولا بمعنى الأمل الواحد والمصير المشترك، ولا بمعنى "الوحدة" التي ترتفع متى أرتفع في هذا الضمير شعوره التقليدي بعصمة الاعتماد على الذات؛ فالضمير الذي لا يشعر بمعنى الوحدة، كائنة ما كانت مصادرها، دينية إسلامية أو عربية وطنية، هو في تقديري ضمير "تلفان" يحتاج صاحبه إلى علاج يُفيقه من نعاسه الدائم ووعيه المفقود؛ فمن فقدان الوعي بقوة الضمير العربي وشلل الحيوية في استيعابها أن تتقدم المصلحة الخاصة والمنفعة الشخصية على الروح العامة والفائدة الكلية، مع العلم أن بقاء المصالح المحدودة الجزئية، والمحافظة عليها، شيء لا يستقيم على وجه الدقة إلا إذا استقامت مثل هذه الروح العامة التي تسود القومية العربية، وتدفع الوطن العربي كله إلى الاتحاد؛ والاتحاد قوة، ومن ثمَّ إلى التقدُّم العاصم من التشتت والتفتيت، والدافع إلى مواجهة الكوارث والأهوال.

على أن المصالح المتعارضة شيءٌ نسبيٌ محدودٌ، إنما الشيء الباقي هو روح الوطنية العربية ينبغي أن تستيقظ من نعاس، وأن تحيا بعد موات وركود، وهى لا تستيقظ ولا تحيا إلا بحياة واعية ويقظة كاملة وقيم فاعلة في الضمير العربي كله من أقصاه إلى أدناه؛ ليجيء هذا الضمير بمفرداته وخصائصه؛ ومكوناته وأيدلوجياته، وثوابته ومعارفه ومقوماته، وجهاً لوجه أمام الضمير العالمي. فالمعركة الحالية ليست معركة جزء مع جزء، ولا دولة مع دولة، ولكنها معركة " ضمير عربي" مع ضمير عالمي. ومن سوء الطالع وقلة الحيلة أن يكون الضمير العربي على تشتت وتمزق في كافة الأحوال دائماً ما نراه متعارض المصالح متضارب المنافع مفترق الغايات والمطالب. التشتت فيه أقرب من الألفة، والتمزق في روابطه أولى من الاستقامة، والفرقة فيه - وليست الوحدة - هى السائدة.

فليس غريباً - والحالة كهذه - أن تجد ضروباً من انفصام العروة الوثقى؛ أعني الفُرقة والانقسام والسطحية في القول والفكر، بالإضافة إلى صنوف من التعالم البغيض تبتلى به الأمم في مثل هذه الأزمات مِمَّن يرسمون لها طريقها الذي ينبغي أن تسير فيه، وهو طريق لو سارت فيه وفق تخطيط الجهلة المتعالمين؛ لسارت حتماً إلى كارثة لا شك فيها عندنا ولا ريب.

أولى هذه الطرق وأولاها بالعناية هو إثارة مجموعة من الخلافات - قديمة كانت أو حديثة - وهى خلافات سطحية تثار عمداً بين الأشقاء تدعو إلى الفُرقة الدائمة والنزاع على لا شيء! أي والله على لا شيء إلا أن تكون مجرد مصالح لا تقيم للفرد ولا للمجموع حقاً ولا كرامة. ثم تدعيم تلك الخلافات بوسائل نحن نعلمها جيداً لكننا نتجاهل فاعليتها الحمقاء ونتائجها المشينة، وأقل تلك النتائج تكمن في تفتيت الصف العربي، وغرز الأحقاد بين أبنائه بصورة أو بأخرى.

ومن تلك الطرق التي تُرسم لنا: إننا نجد من يطالبنا بأن ننزوي على أنفسنا وننغلق حتى لا نكاد نعرف من نحن، ومن نكون، وماذا نريد؟ وأن ما يحدث على الساحة العربية أو العالمية لا يعنينا في شيء ما دمنا بمعزل عن كل شبهة، وما دامت أصابع الاتهام لا تشير إلينا من قريب أو من بعيد؛ فلنكن مطمئنين، هادئين، ساكنين، وكأننا لسنا جزءً من واقع مترهل، ومن ضمير معطوب. ومع شدة الأسف يتوالى علينا هذا الكلام في الصحف وفي وسائل الإعلام مكروراً في غير انقطاع من أناس متخلفي العقول فقدوا النخوة ومات فيهم وازع الضمير، فلا يهمهم - ولم يعد يهمهم - إلا النعيم المنهوب الذي يغدقون فيه وينعمون، لدرجة التخمة الروحيّة تصيب العقل والضمير والكيان الإنساني كله بالعجز والكسل وفقدان الإرادة؛ فلا يعقهم شيء عن الرؤية الواضحة في التعامل مع الأحداث، وقراءة الواقع كما ينبغي أن تكون القراءة مثلما يعوقهم هذا "الوخم الروحي"، وذلك الكسل العقلي العجيب الذي تشهد آثاره كل يوم في الشارع العربي: حالة من الفتور والخمول والحيرة والبلاهة والتشاؤم والخوف المرعب من مواجهة التحديات إلى آخر السلبيات التي لم نكن نتوقع حدوثها إلا إذا توقعنا على الفور قلة الرغبة أو عدمها في وحدة الصف العربي.

لنكن أكثر واقعية مع أنفسنا، ولنرفع عنها التناقض لنتسق مع ذواتنا، ولنُجِبْ: لصالح مَنْ ترانا جميعاً نغطُّ في سبات عميق لا تتسلح فيه ضمائرنا بسلاح اليقظة الواعية التي من شأنها أن تعصمنا من الفُرقة والتشتت والانقسام، وأمامنا أصول لا شك فيها من عصمة الوحدة الدينية، ومن عصمة الموقع الجغرافي المتميز، ومن عصمة الموارد البشرية والطبيعية، ما من شأنه أن يُهَيئ لنا سبيل الوحدة والاتحاد؟

ولصالح منَ ينادي فينا داعي الجمود الأخرق البليد قائلاً: أنا ومن بعدي الطوفان؟ ولصالح من نتذرع بذرائع المنافع المتضاربة والمصالح المتعارضة لتتقدم هى عندنا كل التقدُّم على سائر الاعتبارات الإنسانية والعقائدية؟

صحيح أن أمل الوحدة العربية حُلْمُ عظيم له كثير من العراقيل والعقبات المانعة من تحقيقه؛ ومن بينها على سبيل المثال اختلاف توجهات الأنظمة الحاكمة وتضارب فلسفتها العملية والسياسية، ولكن مع فروض وجود هذه الموانع والأعذار والعراقيل أيا كانت، وكائنة وما كانت؛ ثم خطورة الأزمات الحالية واختلاف أقوال المحللين في تفسير مصائرها النهائية .. ألا يقتضينا الواجب "القومي" ولا أقول الواجب "الديني" أن نبذل قُصَارى ما عندنا من جهد في سبيل توحيد الكلمة، وتوحيد الصف، ونبذ التفكك، ودحر الانقسام، وإعلاء صوت الضمير الحي اليقظ على أصوات المصالح والمنافع والخلافات؟

تتجدد الأحداث أمامنا، وفي كل حدث جديد ما من شأنه أن يوحي بمفرده إلى "خلخة الصف العربي" على وجه العموم. هذه الخلخلة ناتجة عن هلهلة: هلهلة في الوعي الإسلامي، أعني وعي المنتسبين إلى الإسلام. وهو وعي مفروض فيه أن يستمد مصادره من كلمة التوحيد، الكلمة الجامعة، الشاملة، التامة؛ والمفترض فيها أن تجمع أبناءها تحت راية واحدة، وتضم شمل التفرُّق الذي يعانونه، والانقسام الذي يمارسونه، والتشيع الذي ينشدونه، والتحزب الذي لا يعرفون له مصدراً ولا غاية، تحت شعور واحد، وفعل واحد، ويقين واحد: هو يقين الإيمان بالله والاعتصام بحبله القوى المتين.

وتكشف الأحداث فعلاً عن منطق مقلوب هو السائد في المفاهيم والدساتير والأعراف الدُّوَليَّة، ثم العمل بوثائق التقسيم التي دبّجها يراع بعض الباحثين الذين هم من أصول يهودية؛ فدفاع العرب عن حقوقهم المشروعة، يندرج بسرعة غريبة تحت مسمى الإرهاب. والبحث عن الشرعية الدولية أضحى أملاً يحيطه السراب، ولا شيء غير الوهم والسراب ننخدع به، فيخدعنا، راضين أم ساخطين. والكيان الصهيوني بأعماله الإجرامية يمارس باستمرار حرية العداء وعنت الإجرام بصورة بشعة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل المقهور ولا عقوبة ولا عقاب، ولكن تشجيع دولي رفيع المستوى للممارسات الدموية الإرهابية. والموقف العربي متأزم غاية التأزم ومنقسم على نفسه، وطوال تاريخه الطويل العريض وهو على نفس الحال: متشتت غاية التشتت والانقسام، لا يأوي إلى ركن أمين يلوذ به، حتى بين الفلسطينيين تنقسم الاتجاهات بين مؤيد للانتفاضة، وهى البقية الباقية من فضائل الجهاد الحر المنظم المنشود، وبين رافض لها داع إلى وقفها، وكل حزب بما لديهم فرحون.

والانقسام الذي يدعو إلى الفُرقة والتنازع في الجبهات الداخلية العربية إنما هو انقسام يخرق كل المحاولات الدافعة إلى الوحدة والتوحيد. وإسرائيل هى المستفيدة من خلخلة الصف العربي، تبدو فيما بينها - رغم كل المناوشات المصطرعة داخل أحزابها - موحدة الهدف لا تجد في الفلسطينيين وكفى، ولكن في العرب جميعاً بغير استثناء سوى شعب غبي متخلف مقهور يجب إبادته، وليس هناك ما يمنع من إبادته تحقيقاً للحلم الكبير الذي تحلم به وتعيش لأجل تحقيقه: إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وليس هذا فقط بل طبعت منذ عقود على عملتها الورقية والمعدنية خريطة استعمارية - أو قُلْ استعبادية - تهدف إلى الاستيلاء التام على الأردن وشمال الحجاز وشبه الجزيرة العربية، وأرض سيناء، ولبنان، وسوريا، والعراق، والسودان، ودول أخرى قد لا تظهر على ساحة الوجود! حتى إذا لم يكن الهدف متاحاً اليوم ففي المستقبل القريب أو البعيد سيكون محققاً لا بمشيئة "الإله العنصري" الذي يؤمنون به دوناً عن سائر الشعوب، بل بمشيئة الولايات المتحدة الأمريكية التي تجعل من مكافحة الإرهاب الدولي (ومحاور الشر) إرهاباً للإسلام، وللمسلمين، وللدول العربية والإسلامية؛ بل وإرهاباً لكافة المواثيق والأعراف الدولية، إذا هى وقفت أمام طاغوتها المتغطرس المأفون؛ وقُلْ على العرب وعلى المسلمين وإسلامهم يومذاك كل السلام، لا بل كل الخراب والدمار؛ وبخاصة فيما لو وضعنا في الاعتبار أن الهدف الصهيوني هذا لم يكن محالاً على الإطلاق في ظل التشرذم العربي والانقسام الداخلي، ومع امتلاك إسرائيل أقوى الأسلحة النووية، والكيمائية، وأعتى وسائل الأسلحة البيولوجية والنيترونية؛ فلا بأس من استخدامها في منطقهم الأعوج ضد محاربة الإرهاب، ولا غضاضة عليها مطلقاً لو أنها استخدمت أسلحة الدمار الشامل - مع خطورتها - تحت ذريعة الدفاع عن الأمن القومي، وإقامة الدولة العبرية من النيل إلى الفرات أو إلى أبعد من هذا؛ لو شاءت.

ومن أعجب مفارقات المنطق المقلوب أن يطالب الأمريكيون العرب بنزع أسلحة الدمار الشامل إذا هى وجدت، وأن ينصاعوا من فورهم للأوامر الأمريكية، وأن تشتد حملات التفتيش وتقوى بعثاته، في حين يتركوا لإسرائيل حبل الوداد ممدوداً على غاربه، فيعطونها حق القتل والنهب وتشريد الشعب الفلسطيني، وإرهاب العرب على الجملة، ثم فوق هذا كله يعطونها الفرصة كاملة بغير قيد ولا شرط، لامتلاك أكبر عدة وأقوى عتاد من أسلحة الدمار الشامل .. ولا رقيب ولا حسيب؛ ثم يقالُ بأعوج لسان: إن العرب والمسلمين هم الإرهابيون! ألا قاتل الله "الجُبن" الذي يجعلنا نَهْرِف بما لا نعرف! ثم ألا ما أصدق شاعرنا العربي حين ذكر أنه: مادامت عين الرضا عن كل عيب كليلة، فلا تنتظر من عين السخط إلا أن تبْدي في جميع الأحوال المساوئ والعيوب .. وحقاً فعلت أمريكاً.

في نهاية هذه الكلمة الغاضبة؛ أسأل كل ذي ضمير يقظان: ماذا ينتظر منا غير "الوحدة" التي نستمدها من قوة الضمائر والعقول إذا هى كانت فعلاً شاعرة بقوتها، ولا بد لها أن تشعر بهذه القوة، وأن تسير في طريق القوة شاءت أم أبت؟

العالم العربي - وا حسرتاه على العالم العربي - غارق في غيبوبة دائمة ونعاس طويل: الفلسطينيون ممزقون مشرذمون في الجبهات الداخلية، ومع ذلك فهم صامدون أمام القتل والذبح والتشريد وعوامل الإبادة الجماعية التي تعصف بهم كل يوم في غير رحمة. والعراقيون مغلوبون على أمرهم، مأمورون بأن يطيعوا طواغيت العالم وهم صاغرون، وإلا حلت عليهم اللعنة الأبدية لتمزقهم إرباً، إرباً شرَّ مُمَزَّق. والمخاطر التي لم يسبق لها نظير تجتاح الأمة العربية والإسلامية وتحدِّق بها الأهوال من كل صوب وحدب؛ تارة بحجة الإرهاب، وتارة أخرى تحت ستار الأصولية الإسلامية ممثلة في شيعة إيران، والبعثيين في سوريا، والوهابيين في السعودية، لكأنما هذه الطوائف وحدها هى كل ما في الإسلام من عقيدة وتشريع أو من آداب ومعاملات، أو كأنها هى وحدها صاحبة التعبير الفريد عن صحيح الإسلام، على الرغم من أن هذه الطوائف نفسها هى التي أساءت إلى الإسلام، وشوهت دين السماحة قديما وحديثاً بعوامل التطرف والتشدد والتمزق والانقسام.

أمة تُهَاجَم وتدَمَّر وتُفْرَض عليها القيود، وتكبَّل حرياتها تكبيلاً وحشيَّاً بغيضاً لأجل ماذا؟! لأجل الديانة التي تنتسب إليها لا لأجل الذين ينتسبون إلى هذه الديانة، وقد يسيئون إليها في الغالب على غير قصد معلوم؛ فلم يعد أحدٌ يفرّق بين الإسلام والمسلمين. يوضع الإسلام اليوم عادة موضع الاتهام؛ لأن طائفة من المسلمين فهموه خطأ، وطبقوه خطأ، فتكال التهم مراراً وتكرراً إلى الإسلام، وإلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه. والإسلام ورسوله هما موضع الوحدة وموطن التوحيد، وهما في منأى عن أوصاف العجزة المفلسين الذين تحركهم مجموعة لا بأس بها من الأفكار الهدامة، فيسيئون إلى دين يدعو الناس كافة إلى إخلاص التوحيد لله تحت سيادة "ربّ العالمين".

*  *  *

الحق أن هذا الموضوع الحيوي قد قمتُ من قبل بنشر بعض أجزاء منه بجريدة الأهرام المسائي المصرية بنفس العنوان: "الوحدة العربية أو الكارثة"؛ كنتُ نشرتها منذ 18 سنة، بتاريخ 19/12/2002م، شعرت بعد قراءته مرة أخرى أن الحياة (سياسياً) متوقفة تماماً لم تتقدَّم خطوة إلى الأمام، وأن ما كنَّا نقوله في ذلك التاريخ نحن أحوج منا إلى قوله اليوم وغداً، وأننا وإنْ كنّا نتقدّم فإلى الوراء، وإلى الخلف، ندور حول أنفسنا في حالة أشبه ما تكون بالغيبوبة العربية، وقد يقضي المرء عمره كله، ولا يرى إلا النكوص والتردي وسوء الحال من العرب، والتوغل أو قُل التغوّل الإسرائيلي في المنطقة العربية. لكن هذه الثمانية عشر سنة غيرت ولا شك نوع العداء ووجهت السياسة إلى القتال الداخلي، فعوض أن يكون موجهاً إلى الخارج أصبح قتالاً داخليّاً، إذْ أشعلت شعور البغضاء بين العربي والعربي، وزكت بينهم فتيل الحروب الدينية البلهاء، وجعلت العربي يقتل أخيه العربي ويدمر نفسه ووطنه بنفسه، ليقف العدو الصهيوني موقف المتفرج. ولم يكن هذا التمزق الداخلي الذي كشفت عنه ثورات الربيع العربي إلا السياسة المسمومة شهدها واقعنا العربي وانتقلت إلينا بفعل الكراهية والتوحش وإرهاب الدولة ونحن في غفلة وتمزق وانقسام ونكوص.

إسرائيل هى السرطان الذي سيقضي على الجسد العربي فيما لو لم تتمّ له الوحدة. ولنأتي إلى الواقع المشهود الآن لنراه يشهد شهود العيان ليقول لنا بأصدق لسان إن: أمريكا نجحت في تنفيذ المخطط الصهيوني بمساعدة أنظمة الدول العربية، على انقسام السودان، وتدمير ليبيا، واستعمار العراق، ونشر الفتن بين الشعوب العربية، وتعزيز عصابات بالمال ودعمها بالسلاح في سوريا لإسقاط نظام بشار الأسد، وأخيراً محاربة اليمن بأيدي عربية - عربية، ودعم أمريكي لضمان استقرار إسرائيل؛ لأنها نقطة تمركز الغرب في الوطن العربي. وتسعى منذ عقود لتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات لغرضين أساسيين هما: السيطرة على حقول النفط كما فعلت في العراق، وحماية إسرائيل من جانب آخر؛ لأن إسرائيل عين الغرب في الوطن العربي، وطفله الوحيد المدلل.

ولنترك إنْ شئنا هذا كله جانباً، ولنأتي إلى بذرة الإرهاب الدموي في العقلية الصهيونية: كيف تتجسد الآن بالدعم الأمريكي في ظل التمزق العربي لتقول في وضوح:

"إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم، فسوف يفاجئون العالم المتحضّر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، والحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية ".

جاء ذلك بالنصّ في مقابلة أجرتها وكالة إعلام مع "برنارد لويس"، مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في عهدي بوش الأب والابن، وهو مستشرق بريطاني يهودي الديانة، وصاحب أخطر مشروع في القرن العشرين لتفتيت العالم العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، من 56 دولة إلى 88 دويلة صغيرة على أساس عرقي، وديني، وطائفي، وقد نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية، في 20 مايو 2005م. ولذلك؛ بات ضرورياً إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية. ولا داعي لمـراعاة خواطرهم - هكذا يقول برنارد لويس- أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم …. ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: (إمّا أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندَعَهم ليدمّروا حضارتنا).. ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المـُعلنة: هى "تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية".

وعندما دعت أمريكا عام 2007م، إلى مؤتمر "أنا بوليس" للسلام، كتب "برنارد لويس" في صحيفة "وول ستريت" قائلًا: يجب أَلا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك موقوت، غايته تعزيز التحالف ضد الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل. ويجيء نصيب مصر من خريطة "برنارد لويس" في التقسيم إلى أربع دول هى: مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى.

الواقع يقول إن هذه الخريطة أصبحت الآن في حكم التنفيذ، ومع ذلك لم يتمكن العرب ولا المسلمون من اليقظة لأهم مصدر لقوتهم أعني: الوحدة والاتحاد.

ولك أن تنظر اليوم إلى "داعش"؛ وهى صناعة أمريكية، وتقارن بين ما جرى بالأمس وما يجرى اليوم؛ بالأمس كانت أفغانستان، وكان العراق. ومَنْ تكون أفغانستان هذه، التي وجهت لها أمريكا ضربة فاشلة (ربما كانت لديهم مزرعة للإرهاب! على حسب ما نشرته وكالات الأنباء يومها من أن البيت الأبيض خَصّص مساعدات قدرها 158 مليون دولار لإعادة أعمار أفغانستان). ومَنْ تكون العراق أو يكون صدام بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حتى تحشد لها أو له آلاف الآلاف من العدة البشرية والعتاد الحربي؟! إن أمريكا بتلك الغارات تعادي نفسها؛ والإدارة الأمريكية كانت تهدد بضرب العراق ما قامت ببنائه سنوات وسنوات، وقد فعلت؛ فدمرت بغداد، وغير بغداد من مدن العراق. وعندها كنا نتوقع أن أمريكا ستتحول في نظر الرأي العام العالمي بما في ذلك أوربا نفسها إلى عدوة للإنسانية بعدما تصبح بجدارة عدوة لنفسها، لا تبقي مكاناً للقيم، ولا موطناً للأخلاق، ولا كيانًا للضمير الجمعي بل ستحل عليها الكراهية واللعنة محل المحبة والتواد بين أبناء العالمين .. أما اليوم فماذا يحدث؟!

تنفيذ خريطة اليهودي "برنارد لويس" في التقسيم بحذافيرها، وتفتيت الدول الكبرى: إجبار أمريكا أن تفعل مع العرب والمسلمين ما كانوا يفعلونه مع الهنود الحمر، أي دفع العرب والمسلمين إلى القتال والتناحر ليخرج الأمريكان والصهاينة من بينهم سالمين! أرجو أن نذكر هذه العبارة جيداً: دفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل. فهذا هو الواقع العربي المشهود: قتال العرب بعضهم لبعض أمر ظاهر لا يحتاج إلى أدلة:

ألم تعترف "هيلاري كلينتون" في كتاب لها أطلقت عليه اسم "خيارات صعبة"، عندما قالت إن الإدارة الأمريكية قامت بتأسيس ما يُسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المسمى بــ "داعش"، لتقسيم منطقة الشرق الأوسط". وأن الأمريكان دخلوا الحرب العراقية، والليبية، والسورية؛ وکل شيء کان على ما يرام، وفجأة قامت ثورة (30/6 - 3/7) في مصر،‫ وکل شيء تغير خلال (72 ساعة)" . وأضافت حسبما نشرته الصحف المصرية نقلاً عن كتاب هيلاري كلينتون إذْ ذاك: تمّ الاتفاق على إعلان الدولة الإسلامية يوم (5/7/2013م)، وکنا ننتظر الإعلان لکي نعترف نحن وأوروبا بها فوراً "؛ وأنها أي "كلينتون" كانت زارت (112) دولة في العالم، وتمَّ الاتفاق مع بعض الأصدقاء بالاعتراف بــ "الدولة الإسلامية" حال إعلانها فوراً، وفجأة تحطم کل شيء".

تحطم كل شيء بقيام ثورة (30 يونيه 2013م)، وهى التي وصُفت بالانقلاب! نعم! انقلاب على المخطط الصهيوني المدعوم من الإدارة الأمريكية، والذي يكون فيه حظ مصر من خريطة التقسيم "لبرنارد لويس" أربع دول هى كما تقدَّم: (مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى)، ونحن لا نستغرب بعد هذا تدعيم أمريكا للإرهاب، والإصرار الغريب على وصف ثورة 30 يونيه بالانقلاب !

ومضت هيلاري كلينتون تقول: "کل شيء کسر أمام أعيننا بدون سابق إنذار، شيء مهول حدث ! فکرنا في استخدام القوة ضد مصر، ولکن مصر ليست سوريا أو ليبيا، فجيش مصر قوي للغاية، وشعب مصر لن يترك جيشه وحده أبداً. وعندما تحرکنا بعدد من قطع الأسطول الأميرکي ناحية الإسکندرية تَم رصدنا من قبل سرب غواصات حديثة جداً يطلق عليها (ذئاب البحر 21) وهى مجهزة بأحدث أسلحة الرصد والتتبع، وعندما حاولنا الاقتراب من قبالة البحر الأحمر فوجئنا بسرب طائرات (ميغ 21 الروسيّة القديمة)، ولکن الأغرب أن راداراتنا لم تکتشفها من أين أتت؟ وأين ذهبت بعد ذلك؟ ففضلنا الرجوع. مرة أخرى ازداد التفاف الشعب المصري مع جيشه، وتحرکت الصين وروسيا رافضين هذا الوضع، وتم رجوع قطع الأسطول، والى الآن لا نعرف کيف نتعامل مع مصر وجيشها؟!

وتقوم "هيلاري كلينتون" بتحديد الاختيار الصعب بعد ثورة 30 يونيه، ودعم كل مَنْ وصفها بالانقلاب ثم فشل المخطط الأمريكي- الصهيوني أثناء حكم الإخوان بجدارة؛ تقول:" إذا استخدمنا القوة ضد مصر خسرنا، وإذا ترکنا مصر خسرنا. شيء في غاية الصعوبة، مصر هى قلب العالم العربي والإسلامي، ومن خلال سيطرتنا عليها عبر الإخوان عن طريق ما يسمى بــ"الدولة الإسلامية" وتقسيمها، کان بعد ذلك التوجه لدول الخليج، وکانت أول دولة مهيأة عن طريق أعواننا"الإخوان" هناك هى الکويت؛ فالسعودية، ثم الإمارات، والبحرين، وعُمان، وبعد ذلك يُعَاد تقسيم المنطقة العربية بالکامل بما تشمله بقية الدول العربية، ودول المغرب العربي، وتصبح السيطرة لنا بالکامل خاصة على منابع النفط والمنافذ البحرية، وإذا کان هناك بعض الاختلاف بينهم، فالوضع يتغير" !

*  *  *

الغرب السياسي لا يعرف الأخلاق، وبخاصّة مع الشعوب العربية: أعلمُ أن تلك الأخلاق لم ولن تعرفها سياسة إلا السياسة المكيافيللية، فإن مكيافيللي (1527م) الذي تابع السوفسطائية في رد الطبيعة إلى الهوى، هو الذي وصم الناس بالفطرة على الأنانية، وهو الذي أوجب أن تكون قواعد الأخلاق قد وضعت من أجل الأفراد، وليس للسّاسة والحكام؛ فإن السياسة تقوم على الحذر مقروناً بالقوة، وهو الذي أوجب على الحاكم أن يتخلى عن مبادئ الأخلاق إذا هى عاقته عن تحقيق أهدافه، وأن يلجأ إلى الجريمة والخداع والمكر والدهاء والالتواء متى أعانته هذه الصفات على تقوية نفوذه ونفع بلاده. وللحاكم الذي يريد أن يخفف من أنانية شعبه، وأن يرده إلى العدل والإنصاف أن يستعين بالقوة والإرهاب، وأن يمكن للدين في نفوس رعاياه، وإنْ لم يؤمن بصحته !إنّ شرار الناس هم الذين يشعلون فتيل الحروب، ويقضُّون مضاجع الأمن والاستقرار؛ فتتحول الدنيا كلها على أيدهم إلى كوارث من العبث الآدمي.

إنّ شرار الناس هم الذين يستلبون خيرات الأمم، ويشيعون في الأرض الفساد، ويتعالون، ويتجبرون، ويتغطرسون؛ وهم في كل واد إلا وادي "الإنسانية" يهيمون.

إنّ شرار الناس هم الذين لا يملكون القدرة على كشف عدوهم الحقيقي، ولا يعرفون كيف يُصيبون أهدافهم الحقيقية حين يصوبونها إلى صدور أعدائهم.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4734 المصادف: 2019-08-22 00:11:35