 قضايا

مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري (4)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري في هذا المقال الرابع، حيث يمكن القول: إن الحقيقة الماثلة وحدها – وهي أنه يكرس فصلا كاملا للمشاكل المرتبطة بإرساء التعريف الصحيح مفصلا، وفصلا آخر للمناقشة المستفيضة لجميع التعاريف الموجودة لأقسام الكلام – تبين أنه كان الطريقة "الصحيحة" في كتابة المقدمات العلمية لرسالة ما في اللغة . كما أن كتاباته مليئة بالإحالات إلي التعاليم المنطقية التي أصبحت في زمانه جزءا لا يتجزأ من إطار العمل الفكري للعلماء في جميع العلوم تقريبا .

ويمكن أن نلحظ تأثير المنهج المنطقي في دراسة اللغة بوضوح أكثر في اختيار المواضيع في "كتاب الإيضاح" . ولنأخذ علي سبيل المثال تعريفه للنكرة حيث يقول "فأما النكرة فهي كل شائع في جنسه لا يخص واحدا دون آخر" . ومن الواضح أن هذا التعريف يتصل بفكرة الأجناس، والأنواع في الحد المنطقي. فمقولة "النكرة" في النحو توازي تماماً مقولة الجنس في المنطق، على الرغم من أن النظر اللغوي الخالص يمكنه – اعتمادا علي مبدأ الموقف اللغوي linguistic situation – أن يعطي تعريفا يختلف عن هذا التعريف. وكذلك يعرف الزجاجي "الجملة الفعلية" بقوله "والفعل والفاعل جملة يستغنى بها وتقع بها الفائدة". ومصطلح (الفائدة) هنا يقابل تماماً مصطلح (كلام قائم بنفسه) عند الزجاجي أيضاً .

ومن المواضع التي أخذ بها "الزجاجي" بالمنطق "العلل" حيث يقسم علل النحو إلي ثلاثة أضرب: علل تعليمية، وعلل قياسية، وعلل جدلية نظرية، فأما " التعليمية فهي التي يتوصل بها إلي تعلم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظا، وإنما سمعنا بعضنا فقسمنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا : قام زيد فهو قائم، وركب فهو راكب، عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب وأكل فهو اكل وما أشبه ذلك، وهذا كثير جدا ..... وأما العلة القياسية فأن يقال لمن قال نصبت زيدا بأن في قوله إن زيدا قائم : ولم وجب أن تنصب " إن " الاسم ؟ فالجواب في ذلك أن يقول : لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلي مفعول، فحملت عليه،فأعملت إعماله لما ضارعته، فالمنصوب بها بالمفعول لفظا، والمرفوع بها مشبه بالفاعل لفظا، فهي تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله على فاعله، نحو ضرب أخاك وما أشبه ذلك محمد " .

ومفهوم " العلة " في هذين النصين يعادل تماما مفهوم " القياس " في النحو العربي،ومفهوم " التمثيل " في المنطق الأرسطي : ومؤدي هذين المصطلحين أن ظواهر الوجود والطبيعة يحمل بعضها علي البعض بناء على مبدأ " قياس الغائب علي الشاهد " تارة أو قياس الشبه تارة أخرى.

أما النوع الثالث من أنواع العلل فهو الإضافة الحقيقية لنحاة القرن الرابع، وذلك " هو العلة الجدلية النظرية "، وهي لا تعدو كونها تطبيقا لنظرية العلة الغائية في فلسفة أرسطو، ويعرفها الزجاجي علي النحو التالي : " وأما العلة الجدلية فكل ما يعتل به في باب " إن " تعد هذا مثل أن يقال : فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال ؟ وبأي الأفعال شبهتموها ؟ أبالماضية أم المستقبلة ؟ أم الحادثة في الحال ؟ أم المترادفة ؟ أم المنقضية بلا مهلة ؟ وحين شبهتموها بالأفعال لأي شئ عدلتم بها إلى ما قدم مفعوله علي فاعله ..... وكل شىء اعتل به المسئول عن هذه المسائل فهو داخل في الجدل والنظر " .

ولنأخذ نموذجا يوضح منهج الزجاجي في التعليل الجدلي وهو "علة امتناع الأفعال من الخفض . يبدأ الزجاجي آخذا بتعليل سيبويه "وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم؛ لأن المجرور داخل في المضاف إليه، معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال". ثم يعلق الزجاجي: "هذا الذي يعتمد عليه الناس في امتناع الأفعال من الخفض، وكل علة تذكر بعد هذا في امتناع الأفعال من الخفض، فإنما هي شرح هذه العلة،وإيضاحها، أو مولدة عنها" ولكن الرغبة في الوضوح والتوضيح مما خلقته النزعة التحليلية في المنطق تجعل الزجاجي يسهب القول في شرح تعليل سيبويه، فيبدأ في تعريف الأفعال المضارعة لغة واصطلاحا ثم يقول: "وإنما قال: وليس في الأفعال المضارعة جر، فقصدها دون سائر الأفعال؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرب، وإنما كان في ذكر الجر، والجر إعراب، ولما كان إعرابا، وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب ... سقط السؤال عنها ... وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب" .

ويلاحظ الدكتور "محي الدين محسب"

في كتابه الرابع " أثر المنطق الصوري علي نحاة القرن الرابع الهجري "هنا هذه الطريقة الاستدلالية التي تأخذ صورة القياس المنطقي :

- الجر إعراب

- وكل فعل سوى المضارع مبنى غير معرب

- إذن سقط السؤال عن دخول الجر في غير الفعل المضارع .

يتضح لنا مما سبق أن مزج الزجاجي النحو بالمنطق، لم يكن بالغا،ولا حادا، ولم يصل فيه إلي حد الإفراط، فقد كان ميله الكامن إلى السماع والرواية، وتقديمه لهما يكبح جماحه، ويحول دون تزيده في المنطق ومبالغته في الفلسفة .

ومن هنا رأينا المنطق الأرسطي ظاهراً في بعض كتبه ظهورا بينا ورأيناهما في بعض كتبه الأخرى يبدوان برفق علي ما يشبه الاستحياء، ومن الأولي كتابه المشهود " الإيضاح في علل النحو " الذي يسرد الدكتور " عبد الفتاح شلبي " أطرافا من محتوياته فيقول : " يلقاك المنطق وتطالعك الفلسفة في أول الكتاب، فإذا ما وصلت إلي الصلب منه رأيت حجاجا وتعليلا وقياسا وتدليلا وإذاعة لاصطلاحات المناطقة في الحد والمحدود والحكم والبرهان والدليل القاطع والحجة ووضوح الدلائل وإقامة البراهين والدلائل العقلية ... إلي أخره.

ومن الثانية كتابه المشهور أيضا " الجمل " الذي يذكر الباحث نفسه أن أسلوبه فيه كان سهلا سمحًا لا تعقيد، ولا التواء، ولا أثر للعلل النحوية أو التدليل المنطقي فيه .... يعطيك القاعدة العامة في جمل بعيدة عن تأويلات المؤولين، وفي أسلوب سهل ، لا تري فيه عوجا ولا أمتا من تعقيدات المعقدين وتفريعات النحاة والتجويزات المشهورة عنهم في المسألة الواحدة وحتى لتختفي الضوابط وتتشعب المسالك "، وأنه قد " أخلاه " من المنطق، ومسائله، وأقيسته، وقضاياه، وبراهينه، وتعليله، وتدليله خلوًا يكاد يكون تاما ".

ويمكن أن نذكر السبب في ذلك ؛ حيث من الملاحظ أن الزجاجي حين كان يكثر من مزج المنطق بالنحو في كتابه " الإيضاح "، كان يخاطب في ذلك النخبة من النحاة والمثقفين، أما في كتابه الجمل،والذي وضعه تيسيرا لطلاب العلم، فقد كان يقلل، بل أحيانا يبتعد عن مزج النحو بالمنطق،حتي لا يصعب علي المبتدئين في دراسة علم النحو .

ثالثًا: أبو سعيد السيرافي:

وصف الكثير من المؤرخين السيرافي بأنه شيخ الدهر، وقريع العصر، وعديم المثل، ومفقود الشكل، وبعيد القرين، وعين الزمان، والصدر، ولم تصدر هذه النعوت دون أساس، بل وجدناه العالم المقدم الذي استوعب ثقافات عصره استيعابًا مكنه من تدريسها إلي معاصريه من العلماء والطلبة . وفي هذا قال رئيس الرؤساء : إن أبا سعيد كان يدرس القرآن، والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض والقوافي، والحساب . أما في النحو فهو المقدم والأعلي في زمانه، ولو لم يكن له غير شرح كتاب سيبويه لكفاه فضلا، كما قال أبو البركات الأنباري، وقد أعجب القفطي صاحب إنباء الرواة به فأفرد له مصنفاً سماه " المفيد في أخبار أبي سعيد "، ووصفه ابن الأثير بقوله :" كان فاضلا، ومهندسا، ومنطقيا " ، وإذا كان ابن الأثير قد وصفه بالمهندس، وبالمنطقي، فإنا وجدنا الزبيدي (ت 379 هـ) قال "إنه كان "ينتحل العلم بالمجسطي وإقليدس والمنطق، ويتفقه بأبي حنيفة، وهو معتزلي من أصحاب الجبائي" .

وقد غلب المنهج الكلامي علي علم أبي سعيد في النحو،وسائر علوم العربية، وقد كان هذا المنهج طابع الدرس في القرن الرابع، ولم يكن الإفلات منه ميسرا للدارسين أمثال أبي سعيد، وليس أدل علي هذا من المناظرة التي جرت بينه وبين متي بن يونس القنائي الفيلسوف في مجلس " "الفضل بن جعفر بن الفرات "، وزير الخليفة المقتدر سنة 320 هـ ، (وسوف نتحدث عنها بالتفصيل خلال الفصل السابع)، وكذلك المناظرة التي جرت بينه وبين أبي الحسن العامري الفيلسوف النيسابوري (ت:381هـ)، في مجلس " أبي الفتح بن العميد" .

ويري البعض أن هذه المناظرة قد طغى عليها عنصر التكوين الاعتزالي في فكر السيرافي، وعلى الرغم من التفسير المقنع الذي يورده "علي أبو المكارم" لهذا الهجوم من قبل السيرافي على المنطق، فانه يسوق نصوصا من مصادر لا تعترف اعترافا صريحا باعتزالية السيرافي . أما تفسيره لهجوم السيرافي على المنطق الأرسطي، فهو أنه كان متأثرا بالعداء الشديد بين علماء الكلام والمنطق اليوناني، إذن، فما الأبعاد المنطقية في المقولات النحوية عند السيرافي؟

إن العناصر البارزة في ثقافة "السيرافي" هي القدرة على التحليل، وبالتالي فقد اتسمت تعريفاته للمقولات النحوية بهذا الطابع المفرط في تقصي كل أجزاء التعريف بالشرح والتوضيح. من الأشياء التي أخذها السيرافي علي سيبويه أنه لم يضع حدود المقولات النحوية بشكل جامع مانع، فيقول "أما الاسم فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره. فإن سأل سائل عن حد الاسم فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شيء دال لفظه علي معنى غير مقترن بزمان محصل من مضي،أو غيره فهو اسم. فهذا الحد الذي لا يخرج منه اسم ألبتة، ولا يدخل فيه غير اسم".

وعلي الرغم من أن السيرافي هنا يرى أن وظيفة الحد هي "الفصل والتمييز"، وهي وظيفته لدي علماء الأصول، فإن الحد الذي يسوقه يؤدي إلى تحصيل ماهية المعرف، وهي وظيفته في المنطق الأرسطي. بل إن الحد نفسه يكاد يكون نقلا مباشرا لتعريف أرسطو للاسم. فهو يضيف – ربما أول مرة في النحو العربي – فكرة الزمان المحصل، وهي فكرة قد وردت عند أرسطو، وعند الفارابي أستاذ ابن السراج الذي لم يوردها في تعريفه للاسم في "الأصول" أو "الموجز".

وترتبط تعريفات السيرافي بمنهج التحليل المنطقي الذي يستهدف التوضيح بأقصى غاياته، ومن ثم فقد يخرج بعض هذه التحليلات إلى دقائق عميقة. فهو بعد أن ساق انقسام الفعل بانقسام الزمان إلى ثلاثة أقسام: ماض ومستقبل وكائن في وقت النطق، وهو الزمان الذي يقال عليه الآن الفاصل بين ماض ويمضي". وبعد أن وضع تعريف كل قسم منها، يتعرض لتحليل ماهية هذا الزمان الكائن: "أوقع وكان فيكون موجوداً في حيز ما مضى فيقال عليه كان؟ أم لم يوجد بعد فيكون في حيز ما يقال عليه لم يكن فهو مستقيل؟... ولا سبيل إلى ثالث".

ويرد السيرافي هذا الطعن: " إن الماضي هو الذي أتى عليه زمانان: أحدهما الزمان الذي وجد فيه، وزمان ثان يخبَر عنه أنه قد وجد،وحدث وكان ونحو ذلك. فالزمان الذي يقال وجد الفعل فيه،وحدث غير زمان وجوده، فكل فعل صح الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماض. والفعل المستقبل هو الذي يحدَّث عن وجوده في زمان لم يكن فيه ولا قبله. فقد تحصل لنا الماضي والمستقبل. وبقي قسم ثالث وهو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده،هو زمان وجوده..." . ولا شك أن ذلك يذكرنا بما ورد في النحو اليوناني من قول "ثراكس"، عن الفعل الحاضر،إنه "يربط بين وجود الشيء وزمن الإخبار عنه".

ومن النصوص التي تكشف عن تغلغل نظرية الحد المنطقي في الفكر النحوي عند السيرافي، ما يكون في قضية الإضافة التي أصبحت عنده ـ كما هو الحد عند أرسطو- نوعاً من التعريف وإزالة الإبهام، أو هي الحالة التي تظهر ترتيب نوع الجنس من العموم إلى الخصوص. يقول السيرافي " فإذا كانت الإضافة إنما ينبغي لها زيادة معرفة المضاف، ولا سبيل إلى أن يعرف المضاف إليه حتى يكون مقصودًا إليه معروفا، فيعرف المضاف بذلك" . ثم يوضح ذلك بقوله "إن المضاف إليه يتعرف به المضاف، أو يخرج به من إبهام إلى تخصيص على مقدار خصوصه في نفسه كقولك: هذا غلام زيد، فيعرف الغلام بزيد، وتقول (هذا غلام رجل صديق لك) فيخرج الغلام عن حد الإبهام الذي في قولك: (هذا غلام) حتى ينحصر ملكه على صديق له دون سائر الناس، و(صديق له) أخص من واحد من الناس منهم" .

كذلك نلمس أثراً آخر من آثار المنطق في تحديد السيرافي للخبر النحوي. يعرف السيرافي الخبر بقوله: "والخبر ما صح فيه الصدق والكذب . وقد عرف ابن السراج الخبر – من قبل – بقوله: "وبالخبر يقع التصديق والتكذيب" . ولذلك فإن ابن فارس يقول "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام.... وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه، وهو إفادة المخاطب أمرا في ماض من زمانه أو مستقبل أو دائم" .

ومن الواضح أن مصدر هذا التعريف هو فكرة الصدق والكذب في القضية المنطقية عند ارسطو، كما تحدث عنها في كتاب العبارة عندما قال إنه ليس كل قول يصح أن يكون قضية منطقية، بل القول الذي يحتمل الصدق والكذب، فالدعاء مثلا ليس فيه صدق أو كذب. وكذلك فإن الراوقيين قد عرفوا الـ axioma بالتعريف نفسه .ومعنى هذا المصطلح الرواقي هو: "الجملة الأولى التي تخبرنا بالصدق أو الكذب". ولقد شرح الفارابي هذا المفهوم في أكثر من موضع من كتابه العبارة .

ولما كانت هناك بعض التركيبات اللغوية التي تتعارض مع هذا التعريف مثل (زيد قم إليه)، فإن السيرافي – حفاظاً منه على الصورة المنطقية الثابتة للخبر – وجد أن (قم إليه) هي من نفس النمط الخاص بكلمة قائم في (زيد قائم)؛ ولذلك فهو يقول "إن قولك: زيد قم إليه ليس بخبر في الحقيقة عن زيد، وإنما هو واقع موقع خبره،ومغن عنه وليس بخبر حقيقي" . وينطبق هذا أيضاً على مقولة "فاعل سد مسد الخبر" في (أقائم الزيدان) لأن المهم هو أن تطرد الصورة المنطقية الثابتة للعبارة اللغوية، أو على الأصح للقاعدة النحوية.. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4742 المصادف: 2019-08-30 01:27:57