 قضايا

سلسلة جدد أسئلتك

ياسين كارديديمنذ أن يعي الإنسان وجوده وهو يسعى في سبيل معرفة حقيقة هذا الوجود فيسأل أسئلة من قبيل: لماذا أوجد؟ ومن الذي أوجدني؟ فإما أن تخطفه سلطة النص فتسقطه في الإطلاق ليتحول من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الحق قياسا إلى اليقين المطلق، وإما أن يهتدي إلى دوامة من الأسئلة توقفه على واقع النسبية فيسلك سبيل الشك باحثا لكل حركة في الوجود عن معنى، فيَحكم أسئلته كلها بسؤال المعنى، وبين "يقين النص" و"شك العقل السائل" تبنى الإجابات والمعتقدات والأحكام التي بمقتضاها يُفسر أصل الوجود وحركته ومصيره، واستنادا إلى هذا التفسير يُحكم على الفعل فنصير أمام عملية انتخاب للأفعال تخدم تصورات للوجود، هذا كله في سبيل عَالًم المعنى وبين تصور وآخر يبرز سؤال المشروعية" مشروعية الأفعال" الذي مرده إلى اختلاف التصورات وبالتالي التعدد، ووسط هذا التعدد تضيع الحقيقة ويطفوا إلى السطح مبدأ الأحقية بالحق، والناظر في تاريخ البشرية يفهم أنه لا شيء أخطر على الوجود من هذا المبدأ. لهذا نستطيع أن نتفهم هَم الفيلسوف المبثوث في تساؤلاته وكتاباته الفلسفية، و هَم رجل الدين حين يخطب في الأتباع وفي العالمين، ونرد الهَمين إلى الانتصار للتحرر الكفيل بحفظ وحدة الإنسانية.

دائما ما يقول المُتهممون بقضايا الإنسانية أنه لا يمكن أن تغير أو تصلح ما تقرر في الأذهان والوجدان وحتى في الواقع ما دمت لم تفكر وتتساءل ومقتضى هذا التفكير والتساؤل أن تحاول أن تفهم البنية أولا، وهو ما لا يكون إلا بالتحرر من كل المسلمات والمصادقات السائدة التي يصادق عليها الجميع تقريبا و التساؤل عن مدى صحتها.

- لماذا الأمر على هذا النحو وليس على هذا؟

- لماذا تتحرك الأمور في هذا الاتجاه وليس في هذا؟

- لماذا كل الناس يصادقون على هذا الواقع ؟

- لماذا كل الناس تصادق على هذه الفكرة وأنا أرى أن فيها خللا؟

- لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ...

أسئلة لا متناهية تبدأ بلماذا؟ تحاول البحث عن مبرر لواقع حاصل نراه يدفع نحو تقرير أفكار سقيمة تجعل من الناس إمعة، كما يقود لكتابة تاريخ مزيف نحاول أن نقنع أنفسنا أنه أفضل ما يمكن أن نعيشه، قد تبدوا أسئلتك هذه غريبة خاصة عندما تطرحها على من تشاركهم المحيط من تقاسمهم الهموم بعد أن استقرت في وجدانك وصرت لا تفكر إلا فيها حتى أنها ورثتك هما ثقيلا بحيث لا تكاد تجيب عن إحداها حتى تفضي بك هذه الإجابة الجزئية إلى أسئلة أخرى أعمق وأعمق.

هي أسئلة انعكست على خطاباتك ونقاشاتك وتفكيرك كله، نعم هكذا يكون من يسكنه هم الوجود وأسئلته الوجودية ومن يريد أن يجعل لوجوده معنى. أسئلة قد تظهرك غريبا نعم كن على يقين أنك ستبدوا غريبا، أتدري ماذا قال أحدهم لأمثالك الغريبين بأسئلتهم التي تناقض السائد، قال:" اخدموا غرابتكم"، لا تترك أصحاب عقلية السائد يضلوك عن سبيل التساؤل عن الحق والحقيقة مهما حاولوا أن يقنعوك أن ما عليه الناس هو الحق وعين الحقيقة، تساءل لتبني إجاباتك وربما إجابات الآخرين لا تتوقف عن التساؤل فتحرم الناس والعَالَم من حولك من تصور تقودك إليه أسئلتك قد يكون سليما ويقود الإنسانية إلى عالم متحرر.

لذلك تأتي هذه السلسلة للتساؤل بخصوص مجموعة من الأفكار والأحكام السائدة_ التي قد يظن البعض أن النقاش حولها قد حُسم، خاصة في قضايا الإيمان والسياسة والأخلاق، والإنسان في علاقته بالعَالم والإله_ تساؤل الباحث عن الحق والحقيقة لا تساؤل المنتصر لرأي أو تصور أو جواب معين.

 

ياسين كارديدي، باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة، جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان المغرب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4755 المصادف: 2019-09-12 02:51:25