 قضايا

حركة التاريخ في المنظور الفلسفي

عدنان عويدسؤال طرح نفسه على المهتمين بالشأن الفكري والفلسفي منذ بداية وعي الإنسان لنفسه، وهو: ماهي القوى التي تحرك التاريخ البشري وتشكل سيرورته وصيرورته، وتدفع بعلاقاته في سلبها وإيجابها إلى الواقع الذي نعيشه، حتى يترك أثره في حياتنا الخاصة والعامة؟.

نقول: إذا كان الفكر الطفولي للبشرية قد حصر هذه الحركة بقوى أسطورية تمثلت بهذا الإله أو ذاك من الآلهة البدائية التي اخترعها الإنسان نفسه لضبط علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المراحل الأولى من حياته، وغالباً ما تعددت هذه الآلهة وتقاسمت الأدوار والمهام في قيادة أو إدارة هذه الحركة أو تلك من حركات المجتمع، حيث وجدنا إلهاً للمطر وآخر للحرب وآخر للجمال والحب.. إلخ. إلا أن هذه الاجابات على هذا السؤال راحت بُختزل شيئاً فشيئاً بإله واحد متعال بالنسبة للخطاب الديني، بينما راحت عند الفلاسفة تأخذ منحاً آخر يتعلق بالإنسان نفسه وطبيعة علاقاته بكل مستوياتها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

نعم... لقد تعددت الاجابات عند المهتمين بالشأن الفلسفي والديني على هذا السؤال. حتى أخذت هذه الاجابات تأخذ طابعاً سلوكياً عبر التاريخ لعبت السياسة فيه (السلطة) دورا كبيراً ترك آثاره  بالضرورة على جملة حياة المجتمعات منذ أن طُرح هذا السؤال حتى اليوم.

على هذه السؤال: أجاب رجال ومشايخ الدين السلفيين في الديانات السماوية الثلاثة، بأن كل شيء مخلوق لله، وهذا ما قال به     في الخطاب الإسلامي مثلاً الأشاعرة والحنابلة والماتريدية والوهابية، وكل من يقول بالجبر من القوى السلفية.

وهناك مَنْ قال مِنْ  الفلاسفة الإسلاميين : إن الله خلق الكون ولكن لم يتدخل في الجزئيات التي ترك الله الأمر فيها للإنسان، كابن رشد والعديد من رجال التيار المعتزلي. فجزئيات هذا الكون عندهم لها قوانينها (سننها) الموضوعية التي تتحكم في آلية حركة ظواهر هذا الكون، وما على الإنسان إلا السعي لاكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتسخيرها لمصلحته، ثم إن الإنسان نفسه هو المسؤول عن أفعاله في خيرها وشرها، وعلى أساس ذلك يأتي الثواب والعقاب. في الوقت الذي نرى فيه من يقول من هؤلاء الفلاسفة الاسلامين إن الله لا يفعل، أو يأتي الشر من عنده، بل من الإنسان نفسه، أما الخير فمن عند الله، وهو الرحمن الرحيم.

التاريخ في الفلسفة الأوربية:

فهذا هيجل يقول: إن محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة. والفكرة المطلقة عنده، هي الصيغة العليا للفكرة بعد أن تجلت مفهوماً، كما هو الحال في ظاهرات الدولة والفن والفلسفة والدين، حيث تحولت هذه المفاهيم عند هيجل إلى فكرة مطلقة، تحوز على قوة قادرة عبر حواملها على تحريك الفراد والمجتمع، وبالتالي التاريخ. وحول الفكرة المطلقة انقسم طلاب هيجل  ومتابعي فكره، فمنهم من اعتبرها (الله) مثل "فرانسوا شاتيليه"، ومنهم من اعتبرها المفهوم في أعلى مراتب تكونه مثل فيورباخ وفورباخ وحتى هيجل نفسه، حيث يصل المفهوم هنا في تجليه بعد سيرورة وصيروة تاريخية طويلة إلى قوة يستطيع الفرد والمجتمع أن يعيد تشكيل الحياة من خلاله.. والمفهوم عند هيجل تجلى في الفن والفلسفة والدين والسياسة وخاصة (الدولة) كما أشرنا أعلاه.

أما فيورباخ: فقد رد عن الفكرة المطلقة قائلا: لا، ليس محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة، بل هو الانسان الملموس. أي الإنسان الذي يمارس نشاطه في هذه الحياة بغية تحقيق مصالحه. فالمفهوم عند "فيورباخ" يظل مجرداً، بينما يقوم الإنسان وحده في تشخيص التاريخ، أي إكسائه بحوادث فردية واجتماعية من خلال نشاطه اليومي والبحث عن مصالحه وتامين حاجاته، وإن العلاقات التبادلية بين الناس هي من يولد حركة التاريخ.

أما  "فرويد": فقد اعتبر بدوره أن محرك التاريخ، ليس هي الفكرة المطلقة، ولا الانسان الملموس، بل هو تسامي الطاقة الجنسية. فالجنس عنده (الليبدو) هو من يحرك التاريخ.

والتحليل النفسي عند الفرويدية يعتمد على شرطين رئيسيين: الشرط الأول ، الوراثي ، الذي يشير إلا أن التجارب التي يختبرها الطفل في مرحلة الطفولة لها تأثير هائل على تكوين شخصية في مرحلة البلوغ. أما الشرط الثاني، فجوهره يقوم على تلك الطاقة  الجنسية أو الرغبة الجنسية الأولية التي حاز عليها منذ البداية .

إن الغريزة الجنسية كما يرى فروريد يصبح لها دور كبير في سيرورة وصيرورة الحياة الاجتماعية للفرد والمجتمع معاً أثناء التطور البشري، حيث تمر الغريزة الجنسية (اللبيدو) بعدة مراحل وهي (المرحلة الفمية، والمرحلة الشرجية، والمرحلة القضيبية، المرحلة الكامنة، والمرحلة التناسلية)، وليس هنا مجال لشرح هذه المراحل، لأن الذي يهمنا هنا هو أن التطور البشري يُمثلُ في جوهره تلك العلاقة الوثيقة بين الغرائز، والنشاط الجنسي عبر مراحل تطوره، وحركة التاريخ.

إن  الاجابة على السؤال في التحليل النفسي بشكل عام تقوم على عزل الفرد عن محيطه الاجتماعي وإعطاء الدور والقدرة لتخيلاته وشعوره الباطني وغرائزه على تقديم كل ما يساهم في تحريك الطاقة النفسية عنده، كي تقوم هذه الطاقة بخلق أعمالها أو نشاطها كما تتصوره، وهنا تقوم حركة التاريخ.

أما سارتر فمحرك التاريخ عنده: لا هذا، ولا ذاك، بل هو المعنى الوجودي المادي. فالوجود المادي للإنسان الذي فقد لحمته الاجتماعية وكل ما يحقق له الأمان، ساهم في دفع هذا الإنسان إلى البحث عن نفسه داخل عالمه الخاص به بالطريقة التي يجدها مناسبة له. أن الوجود عند سارتر يسبق الجوهر، وهو ما يعني أن الاعتبار الأكثر أهمية للأفراد هو كونهم أفرادا (كائنات حية مستقلة ومسؤولة وواعية) بدلا من أي وصم أو دور أو قالب نمطي (نمذجة) أو تعريف أو أي تصنيف مسبق يمكن وضعهم فيه والقول بأنه جوهر هذا الإنسان . إن الحياة الفعلية المباشرة والبعيدة عن التكلف للأفراد هي ما يكوّن وما يُطلق عليه "جوهرهم الحقيقي" بدلا من كونه جوهرا اعتباطيا يستخدمه الآخرون لتعريف بعض الأفراد. وبالتالي فإن البشر، من خلال وعيهم بوجودهم المباشر الطبيعي البعيد عن التكلف والنمذجة، يخلقون قيمتهم الخاصة ويحددون معنى لحياتهم.

أما ميشيل فوكو فيقول: إن كل ذلك الذي قال به الفلاسفة مجرد أوهام.. فمحرك التاريخ الحقيقي هو السلطة.

يقول فوكو: حيثما وجدت السلطة توجد المقاومة، فالسلطة ليس لها الهيمنة المطلقة والثابتة، بل إنَّ المقاومة وبأشكالها المختلفة تخترق السلطة، فهي لا تمارس دورها من باب القانون، أو ما يُسمَّى بحقّ المقاومة، بل إنَّ السلطة والمقاومة تتجابهان بتكتيكات متغيّرة متحرّكة ومتعدّدة، في إطار حقل علاقات القوَّة، أي ليست في إطار القانون والسيادة، ولكن في إطار الصراع والاستراتيجيَّة التي يتوجّب تحليلها. والسلطة هنا لا يعني بها الدولة فحسب، بل كل ظاهرة لها دورها وتاثيرها على الفرد والمجتمع. فهناك السلطة الثقافية بكل انساقها، وهناك الأخلاقية والاقتصادية.. الخ.

هذا وقد ارتكزت رؤية ميشيل فوكو الأبستمولوجيا على النظرية البنيوية التي تأتي في سياقها العام : منهج بحث مستخدم في عدة تخصصات علمية تقوم على دراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية المكونة لبنى يمكن أن تكون عقلية مجردة، لغوية، اجتماعية، ثقافية. ... من خلال هذه الشبكات البنيوية يتم إنتاج ما يسمى "المعنى" meaning عبر شخص معين أو نظام معين أو ثقافة معينة.

أو عند ليفي شتراوس: فإن  للأثنلوجيا أو الأنثروبولجيا، وهي أيضاً رؤية تصب في البنيوية، ولكنها تركز على حياة المجتمعات القديمة وحتى المعاصرة من خلال دراسة التطور التاريخي لهذه المجتمع أو ذاك، والبحث عن العوامل التي تساعد على تطور تاريخ  المجتمعات من داخلها ذاتها. فللجماعات أو الشعوب أو المجتمعات حياتها الخاصة بها، وهذه الحياة بما تتضمنه من عادات وتقاليد ولغات ومهارات وما يقوم بين أفراد هذه المكونات المجتمعية من علاقات مادية وثقافية / روحية، هي من يقوم بتحريك التاريخ المجتمعي وإعطاء هذا المكون الاجتماعي او ذاك ملامحه المتميزة عن غيره.

أما عند ماركس: فالإجابة عن سؤال من الذي يحرك التاريخ البشري، فتأتي ممثلة بالعلاقة التناقضية الجوهرية على صعيد الانتاج المادي. أي  علاقات الانتاج بمعناها العام مع الطبيعة في مرحلة أولى، ومع البشر والطبيعة في مرحلة لاحقة. وعلى أساس علاقات الانتاج وملكية وسائل الانتاج، قامت التناقضات والصراعات الطبقية داخل بنية المجتمع بين المالك والمنتج. هذا الصرع الطبقي وتناقضاته، هو محرك التاريخ البشري، أو العنصر الموضوعي في حركة التاريخ.

هكذا ظل إذن كل فيلسوف يدلو بدلوه، ولائحة الفلاسفة الذين رشحوا أنفسهم للإجابة عن هذا السؤال المحير، لائحة كبيرة.

وقد تأتي الاجابة عند السياسيين أيضاً مختلفة، فهي عند هذا تكمن في الشورى، وعند ذاك في الديمقراطية، وعند الآخر في الوراثة، وقد نجدها في الأنظمة الاستبدادية قائمة في شخصية هذا الحاكم أو ذاك الذي يجد في نفسه القدرة على اختزال حركة الدولة وتاريخها في شخصه، كما هو الحال عند "لويس الرابع عشر" الذي وجد بأنه هو الدولة والدولة هو.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

صباح الخير الدكتور عدنان

يبدو لي أن قراءتك ل "حركة التاريخ في المنظور الفلسفي" يهيمن عليه الفكر الغربي تماما. و قصدي هنا ليس هو لتخطيئ قراءتك بل لأشكل ما يبدو إعتمادك الكلي أو الشبه كلي على الفكر الغربي في شرح و فهم التاريخ و "وتشكل سيرورته وصيرورته". و لتأصيل نقدي أقتبس من مقالتك هذه الجملة:

* حيث وجدنا إلهاً للمطر وآخر للحرب وآخر للجمال والحب.. إلخ. إلا أن هذه الاجابات على هذا السؤال راحت بُختزل شيئاً فشيئاً بإله واحد متعال بالنسبة للخطاب الديني. صحيج هذه البنثيون (Pantheon) من الآلهة في ميثولوجيات (mythologies) عدة (الهندية و الرومانية و مصرية و بلاد الرافدين و إغريقية) و لكن بهذه الصورة التي توردها في مقالتك هي تعكس البنثيون الإغريقية شكلا و مضمونا يعني في تجلياتها في التاريخ ذاته منبثقة من تلك الميثولوجية. يجب أن نأخذ في الإعتبار أن تنويع الآلهة لا تتواجد في جميع ميثولوجيات كما في طثير أو بعض المناطق في إفريقية لا توجد تعدد الآلهة بل إله قوة خارقة , عظيمة ثم دورالأسلاف (ancestors) و الأخير هم ليسوا ليس وسطاء بين الناس و الإله. و أيضا في فلسطين و كنعان و جزيرة العرب ما وجدتْ إله للمطر و الحب ... صحيح كان هناك تعدد الآلهة و لكن السكان كانوا يعبدون في كثير من الأحوال إله واحد و لكن يعترف بآلهة للشعوب الأخرى في نوع من الإعتقاد يسمى henotheism.

يعني كأنك تشرح حركة التاريخ القديمة برمته إالى الحضارة الغربية اللإغريقية. و ما يقوي ظني لقراءتك الأحادية لحركة التاريخ هو مواصلتك شرح حركة التاريخ في العصر الحديث من خلال مفكرين من الغرب دون غيرهم. نتيجة لهذه الفراءة الأحادية المائلة للفكر الغربي أجد معالجتك للمتكلمين المسلمين (و هم في الحقيقة مفكرين فلاسفة) معالجة سطحية تمر عليهم و إنتاجهم الفكري مرور الكرام لا تعطيهم مكانهم الصحيح في محاولة فهم الإنسان للتاريخ و الكون و الوجود. و كلامي هنا لايُفْهَم منه أنني أقول المفكرين المسلمين جاءوا بالحق . لا يهمني هنا الحق و لا الباطل و من أصحاب هذا أو ذاك. بل إهتمامي هو أن نورد لجميع البشر في ميثولوجياتهم الشتى.

نقدي لقراءتك الأساسي هو يتمثل في جعلك المنظور الغربي نقطة الإنطلاق (Archimedean point) بل تمركز (centralize) هذا الخطاب لتأصيل منظور البشرية لحركة التاريخ بأكملها. و هذه قراءة أحادية مفرطة. في الآونة الأخيرة (ال 20 سنة الماضية) تأسس ما يسمى ب decoloniality و هو خطاب أو فكر يهدف لإزالة مركزية (the decentering of Western Modernity as the hegemonic discourse) الفكر الغربي الحداثي و ليس رفض الفكر الغربي. و من ثمة نتكلم عن منظورات في صيغة الجمع و ليس منطور في صيغة المفرد لحركة التاريخ و كذالك نتكلم عن إيبوستمولجيات (epistemologies not just epistemology).

محمد شهيد
This comment was minimized by the moderator on the site

بداية كل الشكر لك يا عزيزي الأستاذ محمد شهيد على هذه المداخلة القيمة التي اضفت حيويّة على الموضوع المطروح هنا, بل أقول أضافت أشياء دقيقة تفصيلية قد ابتعدت عنها الدراسة.
إن عنوان الدراسة المتواضعة هو ( حركة التاريخ في المفهوم الفلسفي)..فالفلسفة إذن هي محور الدراسة, وعلى اعتبار الفلسفة في سياقها العام رؤية شمولية للكون تساهم في كشفه والعمل على إعادة صياغته فكرياً, فللفسفة في خطابنا الفكري العربي والإسلامي شجون أنت تعرفها, لذلك عندما حاولت أن أدرس هذا الخطاب الفكري الفلسفي في تاريخنا القديم, لم أجد أمامي إلا رؤية توراتية استمد منها مؤرخونا بشكل خاص كالطبري وابن الأثير والبلاذري وغيرهم الجوهر الأساس لفكرة الخلق التي راحوا يتخبطون في تقديمها ولم يصلوا في رؤيتهم إلى الحدود الدنيا من العقلانية, لذلك جاءت مسألة الخلق وهي برأيي مسألة فلسفية في جوهرها, مشوهة تقوم على الحدس الشخصي وعلى رؤى ذاتية مبتسرة ووصفية ومشوهة ومتناقضة إلى ابعد درجات التناقض, بحث خرجت دون معرفة حقيقية لهذه المسألة, وحتى الكتاب المقدس (القرآن) الذي تعاملوا مع تفسير نصوصه بهذا الخصوص, تعاملوا بطريقة غامضة وأحيانا متناقضة..

مع بداية الدعوة الإسلامية ظهرت بعض الرؤى الفلسفية التي حاولت الارتكاز على الفهم العقلاني للنص القرآني إلا أن دعاتها حوصروا وقتلوا من قبل البيت الأموي (الجبري) مثل جعد بن درهم وغيلان الدمشقي..ومع وصول المأمون إلى الخلافة 212 هـ... أصدر فرماناً باعتماد العقل والفكر المعتزلي منهجاً وأسلوباً في التفكير فبدأت ترجمة كتب الفلسفة اليونانية ومنطقها..ولكن الفلسفة ظلت تدور في نطاق الفكر الديني وخاصة مسألة العقيدة ,فالمنطق الأرسطي وظف مثلاً في مسألة خلق القرآن .. وهل الكون قديم أم مخلوق. ونظروا في قضية الميعاد ومرتكب الكبيرة وغيرها من الأمور التي لم تغن الفكر الفلسفي الحر..
مع وصول المتوكل 232 إلى سدة الخلافة حتى أصدر فرماناً يحارب فيه العقل ويطالب الناس بالعودة إلى النقل.. وهنا قتلت النواة الحقيقة للفكر الفلسفي العقلاني على حساب النقل, وحتى من ظل يعتمد على العقل كالأشاعرة فقد راح أبو الحسن الأشعري يستخدم العقل الفلسفي لتثبيت النص الديني وليس الحكم عليه, بل راح يؤسس فلسفيا للفكر الجبري داعما ابن حنبل في محاربته للعقل والأخذ بالحديث الذي راح يشكل مع شروحاته وجرحه وتعديله خطاباً مقدساً تجاوز في قدسيته القرآن ذاته..
هذا الموقف من الفلسفة العقلانية لم يترك الفلاسفة العرب والمسلمين حتى في الأندلس فيما بعد ومنهم ابن رشد بسلام, بل راح مع أبي حامد الغزالي يحارب كل شيىء يمت للفلسفة في كتابة (التهافت) الذي رد عليه ابن رشد بـ (تهافت التهافت ), مع تأكيدنا أن الفكر الفلسفي هنا ظل محصوراً في نطاق الفكر الديني العقيد التوحيد والقدم والميعاد وفكرة الزمان والمكان والحركة .. الخ. الأمر الذي ساهم في قتل ما تبقى من فكر فلسفي وصل إلى محاربة الفلاسفة ذاتهم مثل ابن رشد وابن خلدون.. بل حرقت كتب الكثير منهم وخاصة المعتزلة ومنها كتب ابن رشد. هذا بالنسبة للفكر الفلسفبي العربي والإسلامي.
أما بالنسبة للفكر الديني ممثلااً بالديانات القديمة التي وجدت لدى شعوب العالم فأن لم أرد أيضاً التعمق فيها كثيراً وحاولت الإشارة فقط إلى تلك الارهاصات الفلسفية ممثلة بهذه الديانات وتحولها تاريخياً إلى (بانثيون) لدى العديد من الشعوب, ولكنها في النهاية غلبت مع تطور حياة الشعوب في قوى وعلاقات إنتاجها ليتحول بعضها إلى إله واحد حتى قبل قبل ما سمي بالديانات السماوية, مثل الإله آمون في مصر
من هنا جاء تأكيدي على الفكر الفلسفي الغربي الذي شكل عبر تطوره خزاناً للفكر الفلسفي (العالمي). ومن هذا الفكر (الخزان) يأتي فكر ابن خلدون في عقلانيته , وكذلك فكر ابن رشد الذي استطاع ان يفرض نفسها على الفكر الديني المدرسي (السكولائي) الذي مثله (الأكويني), وراح يؤسس لنواة الفكر العقلاني في أوربا هذا الفكر الذي سمي بالمدرسة الرشدية, والذي على أساسه كان فكر فرنسيس بيكون وديكارت.. ثم راج يتطور مع سبينوزا وكانت وهيجل .. الخ.
عمومأ لقد وجدت في الفكر الغربي منهاج فكرية سار على دربها الكثير من المفكرين العرب المعاصرين.. فهذا الجابري تأثر بالبنيوية.. وهذا العروي تاثر بالماركسية التي ارادت ان تتخلص من الدوغما والأخذ بالوعي المطابق.. وهذا حسن حنفي تاثر بالمنهج المينوفورلوجي (الظاهري).. وهذا الطيب تيزيني تأثر بالمنهج الماركسي.. ومنهم من تأثر بالمنهج الوضعي مثل زكريا نجيب محمود ومنهم بالوجودية .. الخ .
ملاك القول نحن كلنا لم نزل نسبح في مياه الفكر الفلسفي الغربي, علماً ان هذا الفكر ليس ملك الغرب وحده يا صديقي فهو نتاج تمازج الفكر الفلسفي للمجتمعات البشرية وحضاراتها. أهم ما فيه أنه فكر استطاع تحطيم الفكر الميثولوجي, ليدخل في الفكر الميتافيزيق, بعضه لم يزل يعيش في مضمار الميتافيزيقا (المثالية), والبعض الآخر حاول أن يخرج إلى عالم المادية..

د.عدنان عويّد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4764 المصادف: 2019-09-21 03:56:05