 قضايا

الاجراءات القضائية في العراق القديم (1)

ان العدالة في بلاد الرافدين كانت تتم في المحاكم التي يمكننا ان نميّزها وذلك من خلال الخطوط العامة الأجرائية وهنالك بعض السمات التي يمكن ان نعتبرها قديمة وهنالك ايضاً اعتراف واضح بأن الحقائق يتم جمعها قبل اصدار الحكم وهنالك علاقة ثابتة بين الجريمة والعقاب. وان سجلات المحكمة ووقائعها جعلت الامر اكثر وضوحاً بحيث يعتبر دليلاً قاطعاً ومن الممكن ان تكون شفوية او مدونة. ان الشهادة الشفوية يتم اخذها عادة من قبل المتخاصمين ويعزز ذلك الاٍدلاء الشفوي للشهود من الجانبين ومن هذه البيانات لابد من وجود شيء ما يكون صحيحاً فاذا لم تكن الحقائق واضحة يعمد القاضي الى اتخاذ خطوات للبحث عن الحقيقة . ولربما يكتبون الى السلطات المحلية ليقوم بارسال شهود او يتم الطلب من السلطات المحلية للقيام بالتحقيق موقعياً وهنالك نص يبين لنا ان القضاة استدعوا امامهم الشهود الاصليين في مسألة بيع بيت وقد دونوا ذلك في (نفّر) حيث ذكروا بأن الشهود تم استدعائهم من اجل التأكيد على الدليل الذي قدمه قبل سبع عشرة سنة في حالة نزاع حول الأبوة وهنالك شهادة للجدّة في ذلك الوقت والتي توفيت في الوقت الحاضر . ان قضايا من هذا النوع تعكس لنا ان الوثائق التي تعتبر نافذة قانونياً هي في الحقيقة تعتبر دليلاً مقبولاً على الرغم من ان المحاكم تفضل ان يتم تعزيزها بشهادة شفوية. وفي احدى القضايا وافق القضاة على نص عمره 52 سنة على الرغم من ان اللوح كان بحالة سيئة وقد تعرض للكسر ولذلك تمت قراءة اللوح من الداخل .

القسم واداء اليمين

عندما يتم الادلاء بالشهادة شفويا امام المحكمة فان الشهود يتم وضعهم تحت القسم كما هي الحال في الوقت الحاضر وهذا امر مألوف وكذلك لا يتم ذكره . كما ان اليمين يؤخذ في الصفقات القانونية اليومية وهي بكل بساطة وعد بعدم الاخلال بالاتفاق. وفي الحقيقة لدى المحاكم صيغ مقدمة وقانونية للاستئناف خاصة عندما يصبح من المستحيل اتخاذ أي قرار على المستوى البشري وذلك اما عند غياب الدليل او وجود ادلة متناقضة ويعدّ يمين التطهير سمة عامة للأنظمة القانونية القديمة حيث كانوا يأخذون بنظر الاعتبار العقوبات البشرية والالهية وفي الحقيقة هو الخوف من الحنث في اليمين حيث كانوا يخشون عواقبه التي تتمثل بالانتقام الالهي وهذا من الممكن ان يتم بصورة مستقلة تماما عن السياق القضائي. وعلى كل حال فان اخذ اليمين يمثل في كل الاحوال دليلاً على المستوى البشري وكما هي الحال في القانون الروماني فان اليمين يظهر بانه له علاقة مع القضايا ضمن المعرفة الخاصة للطرف الذي يعرض عليه . اما الامثلة على هذه الصيغة في الفترة البابلية القديمة فإنها قضايا تتعلق بالميراث وتوزيعه وفسخ شراكات الاعمال. ففي قانون حمورابي ان الراعي الذي فقد غنماً او خروفاً بسبب هجوم من اسد او بسبب المرض الذي يحدث عادة من دون وجود ي شهود فإنه من الممكن ان يطهر نفسه امام الاله وان مالك القطيع عليه ان يقبل الخسارة منه (المادة 226 حمورابي). يرجع هذا المبدأ الى فترة اور الثالثة حيث كان الرعاة يؤدون القسم في المعبد للاله فين – ماركي بسبب فقدان الاغنام . وقد تم اتباع هذا الأسلوب ايضا عندما تكون هناك شهادات متناقضة ولذلك تطلب المحكمة من المدعي عليه بأن يذهبوا الى المعبد ليؤدوا القسم على رمز الاله مثل سلاح مردوك. وفي بعض الاحيان يصبح الرمز الالهي موضع نزاع وبصورة خاصة عندما ينشب نزاع في قضايا الملكية فان القضاة ربما يقررون بأن العقوبة الالهية مطلوبة على الفور ويتم ارسال رمز الاله من اجل اداء القسم من قبل اطراف انزاع وكما هو معروف يعدّ ايجار السلاح الالهي مصدرا لدخل رجال الدين. ففي الفترة البابلية القديمة رمز شمش يدور في اراضي المعبد . وفي الوقت الذي يكون لقدسية اليمين اثر فعّال في الكثير من القضايا فإن احتمال الحنث باليمين وارد وذلك بوجود عقوبة معينة تتمثل بالمحنة النهرية او الاختبار النهري او ما يعرف بالتحكيم الالهي. ففي عهد حمورابي وباتباع التقليد الذي يعود الى اور الثالثة وقانونها فان المحنة النهرية كانت مخصصة لقضايا تتعلق باتهام خطير لا يمكن اختباره الا بهذه الوسيلة ومنها ومن هذه الاتهامات الخطيرة السحر والشعوذة والزنا والقتل ان استعمال المحنة لفض النزاعات والاتهامات ذات الطبيعة الخطيرة وخاصة مهنة السحرة كانت شائعة في مجتمعات عديدة وبخاصة في اوربا وفي بلاد وادي الرافدين كانت هذه العقوبة واردة وان القرارات القضائية تبين بأن المحنة النهرية كانت تستعمل في فترة اكّد لحسم قضايا مدنية وخاصة الملكية المتنازع عليها او الديون وان النتيجة كانت عقوبة صارمة تقع على مثل هذه المسائل الثانوية. ان اعتماد الشهادة الشفوية قد تؤدي كما هي الحال في الصفقات الى نزاعات يصعب حلها في المحاكم في حيث ان السجل المدوّن يضمن بأن النزاع لا يصل الى المحكمة وانه بالامكان ايجاد حل للمشكلة .

موظفي المحكمة وتنفيذ الحكم

لقد لاحظنا ان بعض الوثائق المختومة تعدّ سجلات نهائية لقرارات المحكمة وان دليلنا لسير المحاكم جاء من وثائق تحت عنوان قضايا قانونية متكاملة. وفي الفترة البابلية القديمة كان هنالك لوح حول التصريح المقدس الذي يعدّ ايضاً مهماً  هو الآخر وبكل بساطة تقدم  لنا سجلاً من قرار المحكمة وتشير ايضاً الى ما يتوجب عمله من اجل ايجاد حل للقضية مثل الخضوع للمحنة او الى قسم آخر . وهنالك حاجة لموظفي المحكمة من اجل مراقبة هذه المراحل النهائية. ففي فترة اور الثالثة فان موظف المحاكم يسمى ماشكيم عبارة عن عضو في جمعية مشكّلة من القضاة انفسهم ويعتبرون مسؤولين عن تنفيذ العقوبات على الرغم من عدم وجود أي ذكر لذلك في مصادرنا . وفي خارج نطاق المحاكم البابلية القديمة فان ذراع القانون هو الشرطي وبكل بساطة كان يسمى الجندي حيث كان يحمل الطفل الوليد الى المحكمة لكن يتم تسجيل ولادته او ان يقوم بزيارة الى بيت لاستعادة ممتلكات . وهناك ايضاً موظف محكمة موجود وهو الحلاّق الذي كان يتم جلبه لكي يقوم بحلاقة العبيد بتسريحة معينة ولكن فيما بعد كان له مهام اخرى مثل تحطيم الالواح التي لم تعد نافذة وذلك بامر ملكي ويعتبر المبلغ تحت تصرف المحكمة على الرغم من ان دوره هو فقط تبليغ المعلومات للجمهور وخاصة المعلومات التي لها تطبيقات قانونية وادارية. وفي حالة فقدان الختم يجب اعلان ذلك  من قبل المبلّغ ولذلك فإن الوثائق التي سوف يتم ختمها بعد تاريخ فقدان الختم سوف لا تكون نافذة وقد ذكر قانون حمورابي الأعلان الذي يقوم به المبلغ عند بيع البيوت وكذلك الصفقات القانونية الأخرى .

الصفقات النافذة قانونياً

تعتبر الوثائق المختومة سابقا استثنائية وذلك بتسجيل النفاذ الرسمي للمؤسسة القضائية لمشاركة المبلغ في البيع ولكن من الواضح بدأت المحاكم تقبل اية انواع من النصوص المدونة باعتبارها دليلاً ويتم ختمها وتصديقها ومراقبتها من قبلهم . وقد تطلب قانون حمورابي انه في بعض الحالات لابد من وجود وثيقة مدوّنة وهذا يعني ان القانون لا يعترف بخلق وثيقة كأساس للصفقة ولكن يقبلها كدليل اي ان الصفقة قد تمت فعلاً وذلك بطريقة نافذة قانونياً. ولم نجد في أي مصدر تعريفاً لما يمكن ان يجعل الصفقة نافذة قانونياً ولكن من خلال التطبيقات القابلة للملاحظة على الوثائق نفسها ومن خلال ملاحظات في تقارير المحكمة يمكن وضع معايير معينة .

وفيما اذا كانت الوثيقة رجعية الاثر أي انها سجلت صفقة متكاملة مثل بيع ارض او بيع عبد فإنها تثبّت التزاماً يقع على احد الطرفين ولابد من وجود دليل يتمثّل بكلمات معينة يتم النطق بها وافعال معينة يتم القيام بها بحضور اشخاص معينين. وهنالك اركان الصفقات القانونية موجودة قبل ان يفكّر أي شخص في تدوينها وهذه موجودة في تقليد من الالفية الثالثة في بلاد وادي الرافدين وفي ظروف خاصة تم طلب كتابة وثيقة فيما يخص الدعوة القانونية .

الصيغة الشفوية

لقد اعترفت كل الانظمة القانونية بصفة الكلمات ويفضّل المحامي ان يطلق عليها تسمية الشهادة الشفوية وهي في الحقيقة القيام ببلاغ شفوي معيّن امام شهود ان الصيغة المعروفة للادلاء الشفوي في مجتمعات الوقت الحاضر هي صيغة الزواج حسب الشريعة الاسلامية ولربما الطلاق والصيغة المعروفة بثلاث مرات وهذا يمكن ان يكون صحيحاً في بلاد وادي الرافدين القديمة حيث ذكر  حمورابي في قوانينه (المادة 128 – والمادة 264 والمادة 122-123) وان المكونات الضرورية لهذا العقد مهمة وقد تم عرض بعض العقود بصورة مقنعة اثبتت انه لا حاجة لوثيقة مكتوبة ولابد من وجود مراسيم معينة تصاحب ذلك وفي بعض الحالات في اور الثالثة يقوم الخطيب بأداء القسم بحياة الملك. وبالنسبة لعقد الزواج الفعلي فإن الصيغة التقليدية للكلمات يمكن استنتاجها من النص الأدبي الأخير وذلك من الصيغة المنفية التي تم اقتباسها في سياق الطلاق (أنك لست زوجتي) وهذا يطبق ايضاً على التبّني حيث يقول (أنت ليس أبي). وعندما نشير الى تشكيل عقد الزواج يقدم لنا قانون اشنونا تفاصيل اكثر من قانون حمورابي حيث لا يذكر فقط العقد الشفوي وانما هناك وجبة طعام رسمية يتم تقديمها لوالدي العروس، ويتم اتباع هذه الطريقة من اجل التأكيد على حقيقة ان بعض الحركات الشكلية تصاحب الصفقات القانونية . حيث اننا لا نزال نتصافح بالأيدي من اجل ابرام مساومة او نضع حلقة في مراسيم الزفاف. ان هذه الافعال لا تعتبر تكوينية من الناحية القانونية ولكن عندما تتم بحضور شهود تصبح نافذة . ففي الألفية الثالثة هنالك نصوص تشير الى نقل ملكية العبد لأن العبد مهيأ لذلك وهذا يعدّ رمزاً للعبودية وهنالك افعال رمزية أخرى تم ذكرها في الوثائق القانونية من ضمنها إيماءات استعارية مثل رمي قطعة في القناة للإشارة الى أن الأرض قد تم شراءها وهنالك أيضا حركات يتم استعمال أعضاء الجسم فيها منها الضرب على الجبهة كعلاقة للرغبة في التصرف كضامن وفي فترات اور الثالثة هنال أيضا بعض الدلالات الرمزية التي لها معاني متعددة. وقد علمنا ذلك أيضا من الوثائق ان كل هذه الاعمال وصلت الينا عن طريق الوثائق القانونية اذ ان هذه الحركات الرمزية صاحبها تطور في التقاليد القانونية الأخرى. ففي القرن الثامن الميلادي كان نقل ملكية الأرض في انكلترا الانكلوساكسونية  يتم بوضع تربة على المذبح إلا أن هذا اختفى فيما بعد ومن دون شك في الفترة التي سادت فيها الأمية كان لهذه المراسم الرمزية أهمية معترف بها وغير قابلة للخطأ وكانت في بعض الاحيان تعتبر بديلا عن غياب السجل المدون وفي كلا السياقين هنالك فترة الى ان مثل هذه الاعمال قد حدثت فعلا.

 

الدكتورة هبة حازم محمد مصطفى النعيمي

كلية الآثار – جامعة الموصل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4764 المصادف: 2019-09-21 03:54:43