 قضايا

الزمن الكوني والزمن البشري (1)

جواد بشارةقال الفيلسوف والعالم الإغريقي العظيم آنكسيماندر :" كل الأشياء تولد من رحم بعضها البعض وتختفي إحداها داخل الأخرى حسب الضرورة، وتخضع لقانون الزمن ونظامه"

فما هو الزمن؟...

هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم وهم مختلق ومفهوم بشري ؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، و الآن وفيما بعد؟

في الأساطير القديمة التي تبنتها الأديان هناك أشخاص يعيشون حالة من الخلود . فهم إما إله للزمن، أو سيد الزمان، أو صاحب الزمان، أو خالق المكان والزمان، والمحيط بماضي وحاضر ومستقبل الوجود، ويعرف كل ما جرى ويجري و سيجري من أحداث، أي هو مستقل عن الزمن وسيده والمتحكم به.

السؤال عن الزمن، الذي يعتقد غالبية البشر أنه بسيط ولا يحتاج للتساؤل والمناقشة، يأتي على رأس قائمة المشاكل والتحديات المهمة التي يواجهها العلم والدين على حد سواء، خاصة عندما نسبر أغوار الأسس الجوهرية للكون ولعملية الخلق الرباني.

جميع الألغاز التي واجهها الفيزيائيون وعلماء الكونيات الكوسمولوجيون، من الانفجار العظيم البغ بانغ إلى معضلة نهاية ومصير الكون، ومن صداع الرؤوس الذي أحدثته الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والنسبية الخاصة والعامة الآينشتينية عند العماء والمفكرين والفلاسفة، إلى محاولات توحيد القوى الجوهرية الكونية، وعالم الجسيمات الأولية البدئية، كل ذلك يقودنا نحو طبيعة وماهية وحقيقة الزمن كمعضلة يجب حلها.

اتسم تطور العلم بإزالة الأوهام ورفع الغشاوة عن حقيقة الواقع، واتضح للباحثين والعلماء أن المادة مكونة من الذرات، التي كان يعتقد في السابق أنها غير قابلة للانقسام والتقسيم. وتبين فيما بعد أنها مكونة من مكونات أصغر، مادون ذرية، بروتونات، ونيوترونات وإلكترونات، وإن البروتونات والنيوترونات مكونة من جسيمات أولية أصغر تسمى الكواركات . واتضح أن مفهوم الحركة والتطور هو السمة الغالبة على الكون. وثبت بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس كما كان يعتقد القدماء لغاية القرن السابع عشر. وكل شيء يتحرك بالنسبة إلى أشياء أخرى متحركة أيضاً فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس والشمس تدور حول نفسها وحولها تدور كواكب المنظومة الشمسية والنظام الشمسي برمته يدور حول مركز مجرة درب التبانة الذي يتواجد في أحد أطرافها، والمجرة تدور حول نفسها وحول مركز لحشد من المجرات أو السدم وهكذا. وكل ذلك يجري ضمن امتداد زمني لا نعرف له سوى بداية افتراضية تقديرية هي بداية عمر الكون المرئي 13.8 مليار سنة، وإن الزمن هو المفهوم الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا اليومية وتجاربنا الحياتية، فكل ما نفكر به ونقوم به ونشعر به يذكرنا بوجود الزمن. فنحن ندرك العالم كدفق من الأوقات المتراكمة التي تبني وتحكم حياتنا. والحال إن كل علماء الفيزياء والفلاسفة يقولون منذ وقت طويل، ومعهم عدد كبير من الناس يعتقد بذلك، أن الزمن ما هو إلا وهم ومروره وهمي، وكل ما نعرفه، الحقيقة، والعدالة، والإلوهية، والقوانين العلمية، كلها تتواجد خارج منظومة الزمن، وهذا الاعتقاد ظل قاسماً مشتركاً للفلسفة والأديان على مدى آلاف السنين. فإله الأديان موجود خارج الزمن وبمعزل عنه، والفلاسفة قالوا بعدم واقعية الزمن منذ أفلاطون، والعديد من العلماء وعلى رأسهم آينشتين علمونا أن الواقع ليس زمنياً INTEMPOREL، أي أبدي خالد. لا بداية له ولا نهاية، وإنه يجب تسامي وهم الزمن إذا أردنا معرفة الواقع والحقيقة. وساد لدى معظم العلماء تقبل فرضية لا واقعية جوهر الزمن، حيث لايمكن للوجود أن يكون حبيساً أو سجيناً لدى الزمن . وإذا أردنا أن نحرر أنفسنا من هذه العقدة لابد أن نحسم الأمر إما بالاعتقاد أن الزمن أمر واقعي وحقيقي أو اعتباره مفهوماً لاواقعيا irréel وغير حقيقي.

الزمن بصيغته البشرية هو مدة بين حركتين أو تغيرين يحدثان تعاقبياً ويقاس بالثواني وأجزائها أو بالدقائق ومافوقها، الساعات والأيام والأسابيع والأشهر والسنين إلى أن نصل إلى السنوات الضوئية. وهذا الزمن وصفه نيوتن بالزمن النسبي أو البشري المعبر عنه بلغة البشر، الذي هو غير الزمن المطلق أو الزمن الكوني الذي يجري بمعزل عما يحدث في المكان النسبي، والمعبر عنه بلغة الرياضيات، وهذا الأخير هو غير المكان المطلق الذي تصوره نيوتن بلا حدود، ثابت لايتغير ولا يتأثر بمحتوياته. فأي الزمنين حقيقي وواقعي وأيهما وهمي متخيل أو مختلق؟

جاء آينشتين وغير رؤيتنا ونظرتنا وفهمنا وإدراكنا للمكان وللزمن واستحدث مفهوم " الزمكان" الديناميكي المتغير والمتحرك والمتأثر بالكتل، حيث يمكن للزمن أن يصبح مكان وبالعكس تحت ظروف معينة. فلو كان الضوء الصادر من الأرض في فترة محددة من التاريخ البشري، يحتاج إلى 1500 سنة ضوئية لكي يصل إلى إحدى النجوم في مجرتنا درب التبانة ولأحد كواكبها المأهول بالحياة الذكية المتطورة، ولو افترضنا أن ذلك الضوء الصادر من الأرض قبل 1500 سنة يحمل صوراً سينمائية عن الحياة الاجتماعية الأرضية لتلك الفترة فسوف يرى سكان الكوكب البعيد عنا حالة الأرض قبل 1500 أي يشاهدون شريطاً سينمائياً واقعياً يعرض ما يجري على الأرض التي يكون قد مر عليها 1500 سنة في حاضرها الحالي، أي يشاهدون وقائع الدعوة المحمدية على سبيل المثال ويمكن أن يسجلوها على أقراص كومبيوترية لحفظها ودراستها. ففي حاضر ذلك الكوكب يوجد ماضي الأرض، وهذا هو المقصود بنسبية الزمن. فلا وجود لنفس الزمن في جميع بقاع الكون. بعض العلماء المعاصرين، وعلى رأسهم لي سمولين، يعتقد بأن الزمن وتدفقه حقيقي وواقعي بامتياز وعلى نحو جوهري في حين أن الآمال والمعتقدات بحقائق أبدية غير خاضعة للزمن ما هي إلا خرافات. فتبني مسلمة أن الزمن يعني الاعتقاد بأن الواقع يتكون فقط مما هو حقيقي وواقعي في كل لحظة، وهذه مسلمة راديكالية تنطوي على إنكار لكل شكل من أشكال الوجود الأبدي أو الحقائق الأبدية والأزلية في كافة المجالات . ويترتب على ذلك أيضاً أن جميع الفرضيات التي تؤسس طريقة عمل الكون في المستوى الأكثر جوهرية، هي فرضيات غير كاملة . فعندما نتقبل فكرة أن الزمن حقيقي وواقعي فذلك يعني أن كل شيء حقيقي في كوننا هو حقيقي فقط في لحظة زمنية معينة، وهي واحدة من بين عدد لامتناهي من اللحظات المتعاقبة. فالماضي كان واقعياً وحقيقياً لكنه لم يعد كذلك و لا نتعاطى معه إلا من خلال آثار عملياته الماضية في الحاضر. والمستقبل غير موجود بعد لكنه مفتوح على كافة الاحتمالات، قد نقوم ببعض التوقعات المحتملة لكننا لايمكن أن نتنبأ بالمستقبل وكيف سيكون وضعه، فهذا الأخير يمكن أن ينتج ظواهر أصيلة وجديدة بمعنى، أن أية معرفة بالماضي لا يمكنها توقع حدوث تلك الظواهر المستقبلية، علاوة على أن قوانين الطبيعة لن تكون أبدية أو لا زمنية، فهي كباقي الموجودات، هي من سمات الحاضر ويمكنها أن تتطور وتتغير في المدة الزمنية. وبالتالي لا وجود لشيء إسمه المصير المكتوب أو القدر المحتوم . فلو أعتقدنا بأن وظيفة ومهمة الفيزياء هي اكتشاف المعادلة الرياضياتية الأبدية التي تقتنص كل لحظة كونية وكل جانب من جوانب الكون، فذلك يعني أننا نعتقد أن الحقيقة عن الكون تقبع في مكان ما خارج الكون، فلو كان الكون هو كل ما يوجد، فكيف يمكن لما يصفه ألا يكون جزءاً منه؟ ولكن لو تقبلنا مسلمة أن واقع وحقيقة الزمن بديهية، عندها سوف نتقبل إمكانية عدم وجود مثل تلك المعادلة الإعجازية الشاملة اللازمنية، الكاملة التي تحيط بكل جوانب وملامح ومظاهر العالم. وعلى النقيض من ذلك هناك من يعتقد بأبدية البدء من جديد وأن مفهوم الزمني ليس خطي بل دوري تعاقبي وحقبي. فهؤلاء اقترحوا نموذجاً كونياً يقول أن كوننا الحالي ولد من إنهيار كون سابق له على نفسه وانبثق من جديد في حالة من التوسع، وفي كل عملية " ارتداد " ينطلق الزمن من جديد في سيرورة دائمية متعاقبة دون أن يعني ذلك تكرار الأحداث. ويمكن العثور على آثار لتلك الأكوان السابقة لكوننا ولكن الأمر يحتاج لتكنولوجيا عالية ومتقدمة جداً لم نتوصل إليها بعد. فيما تتحدث فرضية علمية أخرى نشرت سنة 2004 تعرف بفرضية "أدمغة بولتزمان les cerveaux de Boltzmann"، في خضم البحث عن المصير المفترض للكون، عن كائنات كونية مفترضة ومتخيلة بدون أجسام وبدون كيانات مادية، لكنها تمتلك حياة ووعي وذكاء مفرط، حيث تقول لنا النظرية أن الكون، رغم نظامه الظاهر إلا أنه ينحو باتجاه الفوضى واللانظام، وإنه، أي الكون، ليس سوى انبثاق استثنائي عن كون أوسع وأشمل وفوضوي هائج وإن انبثاق كينونة كونية منظمة تتطلب طاقة لامتناهية يجعل احتمال ظهورها ضعيف جداً، أي غير محتملة الولادة، فحتى تلك الكينونات الكونية اللامادية المسماة " أدمغة بولتزمان" لديها فرصة أكبر للظهور من الناحية الإحصائية من فرصة ظهور كوننا المنظم، ومع ذلك ها نحن موجودون في تلك الكينونة الكونية المنظمة ونقوم بدراستها ما يعني أن وجودنا ليس عبثياً. 

يتبع

 

 د. جواد بشارة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4774 المصادف: 2019-10-01 12:24:46