 قضايا

جهود الدكتور نعمة محمد إبراهيم في الدرس الفلسفي

عامر عبدزيد الوائليإن من يطالب بالعقل والدقة فهو كائنا يخاطب أهل الحكمة بالعقل والبرهان ويخاطب الناس بالجدل والخطابة؛ لأنه ينطلق في استدلاله مما اعتادت عليه ذائقتهما ويخاطب أهل الوجد والعشق بالقلب لما للتجربة العرفانية من أفاق حدسية وهي أوساط تتنوع بتنوع المخاطب، وقد كان الدكتور نعمة محمد إبراهيم أهل لكل هذا لما قدمه في: (البرهان والجدل والتصوف والعرفان) إذ تنوعت طرقه إلى الحقيقة الواحدة في تجربته المعرفية والذوقية .

لقد استحق الدكتور نعمة محمد إبراهيم هذا العنوان في مقالنا هذا؛ نظراً لما قدمه إلى العلم وطلبة المعرفة وهو يشيد الدرس الفلسفي في حاضرة الكوفة الفلسفية بكل جاذبية تاريخها وعمق حاضرها الفقهي والكلامي .لقد كانت له من الدراسات الفلسفية والكلامية والعرفانية ما تستحق النظر والتدبر وهنا نحن نحاول ان نقف عند هذا التنوع فيما قدمه من إنتاج معرفي في قاعة الدرس والإشراف والمناقشات؛ فهي تجارب معرفية تركت أثرها في طلابه ومريديه؛ لكنها كانت شفاهية، إما ما حوته المؤلفات التي تركها فهي الأخرى سجل صادق عما كان الرجل يحمله من خزين معرفي .

إن كل ما يفعله أي إنسان في كل حياته من قول وفعل سواء كان في مجال الدرس في الدراسات العليا أم في مجال الحوار أو في مجال حلقات البحث والكتابة يبقى كل مترابط لا يمكن وضع فصل بينه بل هي تجارب غنية تحتاج إلى النظر والتدبر من أجل خلق تواصل حي معها، اتفاقا أو اختلافا، فهي في كل الأحيان تجارب معاشة إنسانية، تحتاج إلى التدوين لما لها من أثر طيب وأفق يستحق التواصل والإصغاء .نعم في كل ما مر أو يمر ليس هناك تواصل بل أحيانا يحدث فراق أو اختلاف يخلق فجوة تحول من دون إدراك بعضنا البعض؛ إلا أنها على الرغم من هذا تبقى غنية بذلك التذكر الجميل للآخر، وهذا ما اشعر به بعد غياب أستاذي الدكتور نعمة محمد إبراهيم؛ فهو رجل له حضوره ومكانته في قسم الفلسفة في الكوفة، الذي يجمع ملاك مميز من الأساتذة وطلبة العلم، قد ترك فيهم اثرا طيبا بما حمله من خلق وعلم في أثناء وجوده بيننا والذي نشعر به اليوم بعد تقاعده فقد ترك فراغا كبيرا .

لكن معرفة الآخر تتطلب منا الإحاطة بفكره ولغته، فالمعرفة تسلم العقل الذي هو الآخر يشحذها ويسددها ويطلقها ويفجرها في كل الأفاق من أجل تحقيق ما يريد منها من أهداف وغايات، وسوف نحاول إن نقف على تلك المعرفة من خلال الوقوف عند مؤلفات الدكتور نعمة محمد إبراهيم في هذا المقال . اذ هناك ثلاث نقاط أساسية نحاول أن نتخذ منها عتبة في إدراك المنتج المعرفي للدكتور . فهي في مجملها تخوض في الفلسفة الإسلامية، لكن في ثلاثة آفاق هي: (الوجود، والمنطق، والعرفان)، وهي حقول مهمة على الرغم من إن للدكتور اهتمامات متنوعة غنية الآفاق، يضيق المقال عن الإحاطة بها فضلا عن الإشارة اليها .

أولا، في مجال الوجود:

في هذا الحقل المعرفي نجد أن هنالك مجموعة من النشاطات العلمية على صعيد التأليف والمحاضرات والإشراف في مجال الطبيعيات والميتافيزيقا إما على صعيد التأليف فهنالك رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه اتجهتا معا نحو شخصية مهمة في تاريخ الفلسفة الإسلامية هو أبو البركات البغدادي: (علم مابعد الطبيعة فلسفة ابي البركات البغدادي 1995م) إما على صعيد المحاضرات في تاريخ الفلسفة الإسلامية والفلسفة عامة؛ فهنالك ثلاثة كتب هي: (الفلسفة الإسلامية ج 1-2،2007م) الذي تطرق في الجزء الأول منه في الفصل الأول، إلى الموضوعات الفلسفية الآتية: (الفلسفة والعلوم الأخرى) من حيث تعريفها وفروعها وعلاقتها بالدين، وأصالة الفلسفة الإسلامية، أما الفصل الثاني فقد تضمن الموضوعات على التتالي:(الفلسفة اليونانية) قبل سقراط وسقراط وفلسفته وفلسفة أفلاطون وأرسطو .وجاء الفصل الثالث تحت عنوان (الترجمة والمترجمون) وقد جاء فيه ذكر عصر الترجمة فقال: (لاشك في أن التراث اليوناني الفلسفي قد اطلع عليه العرب، وتأثروا به إلى حد بعيد؛ ولكن كما بينا أن من الخطأ القول إن هذا العلم كان الدافع الرئيس للنهضة العلمية الفلسفية الإسلامية ...) (الفلسفة الإسلامية ج1، ص85) أما الفصل الرابع فقد درس فيهأعلام العرب من الفلاسفة من أمثال (الكندي 26ه، والرازي أبو بكر 313ه، والفارابي 339ه،وأخوان الصفا التي ظهرت حوالي 360ه). وجاء الفصل الخامس ليستذكر فيه المؤلف كلا من: (مسكويه 412ه،وابن سينا 428ه، وأبو بركات البغدادي 547ه،)والكتاب الثاني (مقدمة في الفلسفة القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة، 2008 ه) .

نحاول هنا أن نركز على (علم ما بعد الطبيعة ...) الذي اشتمل على: (مقدمة وتمهيد وأربعة فصول)، وقد جاء الفصل الأول، بموضوع " الوجود وأحكامه الذي "درس انقسام الموجود إلى: (جوهر وعرض، علة ومعلول، ما هو بالقوة وما هو بالفعل، والوحدة والكثرة)، وقد أشتمل هذا الفصل على تمييز واضح ببن القائلين والقدم والحدوث .ويختتم هذا الفصل بالقول ولا يستطيع أي باحث أن يوفق بين المدرستين في هذه المسألة (ص56)

أما الفصل الثاني،" العلة الغائية للموجودات "،فقد تضمن تحديد أنواع العلل وغائية الموجودات، وتناهي العلل وختمها في التطرق إلى مسالة: في بداية الخلق والإيجاد عن المبدأ الأول .ويقول في هذه القضية الأخيرة: (ومن أمهات المسائل الإلهية مسألة بداية الخلق والإيجاد عن المبدأ الأول الذي كرس فيها أبو بركات منهجه النقدي للتيار المشائي، بعد إيراد البيانات والحجج بمقتضى الفكر والنظر لدحض هذه النظرية الفلسفية، التي تبناها الفلاسفة المشائيون.)(ص84)

إما الفصل الثالث، " في الزمان والحركة على وجه يليق بعلم ما بعد الطبيعة "، وقد اشتمل على: (المقدمة والحركة تعريفها والأمور التي تقتضيها وأنواعها، وأيضا على مفهوم الزمان ومذاهب الزمان والتناهي واللاتناهي في الزمان) .

إما الفصل الرابع،"التوحيد "وأشتمل على موضوعات منها: (معرفة الله، علم الله للموجودات، الأدلة علة وجود الله، وفي إثبات الصفات الذاتية). وقد عرف الحركة بقوله: (التعريف الأرسطي العام للحركة هو الخروج من القوة إلى الفعل في زمان.)(ص103) ويبين تصور الزمان عند أبي البركات بالقول: الواقع أن نظرية الزمان في فلسفة أبي البركات، بها شقان أساسيان، شق يدخل في مجال الطبيعيات وهو ليس غرضنا، وشق آخر يعد أكثر أهمية من الأول هو بحث في مسالة قدم العالم وحدوثه، وهذه تدخل في صلب علم ما بعد الطبيعة)(ص120) والعمل (علم ما بعد الطبيعة ...) هذا من الأعمال المميزة في مجال الميتافيزيقا .

ثانيا، في مجال المنطق:

هنالك ثلاثة حقول ثلاثة يمكن من خلالها أن نستعرض جهود الدكتور نعمة محمد إبراهيم؛ فهو قد كان أولها المحاضرات التي ألقاها على طلبته في الدراسات الأولية والعليا وهي تمثل جهدا علميا في التدريس أما الجانب الآخر؛فهو يتعلق بجهوده العلمية في الإشراف على كثير من الأطاريح والرسائل في مجال المنطق قد تعددت تلك الجهود في الجانب الثالث الذي أشتمل على كثير من البحوث المنشورة في المجلات العلمية ومنها كتابان في مجال المنطق هما: (الصناعات الخمس دراسة في علم المنطق 2015م) و(المنطق الصوري عند الفلاسفة المسلمين 2015م) وهما يظهران جهدا علميا واضحافي مجال الدرس المنطقي الصوري، إذ تطرق في الكتاب الأول إلى ثلاثة فصول في الفصل الأول تناول: (البرهان من حيث صناعة البرهان،ومفهوم البرهان، والصورة البرهان وأصناف البرهان ومبادئ البرهان)، فيما جاءت دراسته في الفصل الثاني لكل من: (صناعة الجدل وتعريفه ومساره التاريخي وفوائد الجدل وعناصره ومقدمات الجدل ومسائل الجدل ومطالبه وأدواته ومنافعه)، أما الفصل الثالث فقد تناول: (صناعة الخطابة والمغالطة والشعر)، وقد جاء في الحديث عن البرهان (وما دامت هذه الصناعة تنتج اليقين لابد أن تنظوي تحت موضوع القياس وقد تسمى قياساً وبحسب هذا الاعتبار ينقسم البرهان على قسمين "البرهان اللمي"و"البرهان الآني".)(الصناعات الخمس دراسة في علم المنطق 2015م، ص15) ثم انه يتناول موقف ابن رشد من اليقين إذن تعدد القول واليقين هما المقياسان اللذان استعملهما ابن رشد في تحديده، لمفهوم البرهان، فمن دلالة المعنى الاصطلاحي للبرهان –عنده – هي أنالبرهان يتكون من أكثر من قول يقيني، إذ حده بأنه قياس يقيني، والقياس مؤتلف من أكثر من قول . (المصدر نفسه، 17-18) ثم نجد في استنتاج آخر أن ابن رشد وافق كلا من الفارابي وابن سينا فيمذهبه هذا، فأما الفارابي ,فذكر أن أغلب براهين السبب والوجود تكون في الشكل الأول من أشكال القياس؛ لأن أكثر البراهين التي تعطي السبب والوجود , انما تنتج الموجبات الكلية، وتؤلف من موجبات فيالشكل الأول .(المصدر نفسه، ص19) وفي تطور مفهوم الحجاج الجدلي نجد إن الدكتور نعمة محمد إبراهيم يبين حدود الإضافة التي جاءت مع زينون فيقول: (فمساهمة زينون في المدرسة الأيلية مساهمة سلبية للغاية بمعنى من المعاني؛ فهو لم يضف أي شيء ايجابي إلى تعاليم برمنيدس، ولكن الجديد عند زينون هي الأسباب التي طرحها للتدليل على هذه النتائج) . (المصدرنفسه، ص96) وفي هذا الجانب الحجاجي الجدلي يشير الدكتور: (يرى أرسطوأن المقدمة الجدلية مشهورة أما عند جميع الناس أو عند أكثرهم أو عند جماعة الفلاسفة , أو عند أهل النباهة منهم). (المصدر نفسه، ص146)

نجد إن البحث في الصناعات أشار إلى الجهود الإسلامية إلى جانب اليونانية وما أحدثه المسلمون من إضافة وهذه الإشارة إلى جهود المسلمين تكون أكثر سعة في كتابه الثاني (المنطق الصوري عند الفلاسفة المسلمين)

ثالثا، في مجال العرفان:

إما في مجال العرفان والتصوف قال أهل التصوف (فأعظم الوسائل إلى الله سلوك طريق الأدب والتربية، وأقرب ما يوصل العبد إلى مولاه صحبة العارفين ذوي الهمم العالية والتربية النبوية) (الفتوحات الإلهية في نصرة التصوف الحق الخالي من الشوائب البدعية، ص3)

فالتصوف والعرفان من المباحث التي اهتم بها الدكتور نعمة محمد إبراهيم، وكانت له رؤية عميقة تركت أثرها في مجموعة طيبه من طلبة الدراسات العليا، وقد تمخضت عنها رسائل وأطاريح مميزة اصطبغت بفكر الدكتور إذ تركت أثرا واضحا في تلك الأعمال،وقد اشرف على بعضها،وهي من المباحث المميزة في قسم الفلسفة - جامعة الكوفة، وقد ظهرت له أيضا بحوث علمية في أكثر من مجلة محكمة علمية وكان له مشتركات في بعض الكتب الجماعي التي كانت من تحريري وقد اخترت احد هذه البحوث حتى نعرض لما قدمه الدكتور نعمه محمد إبراهيم من رؤية صوفية عميقة بالتحليل على صعيد المنهج والرؤية ومنها هذا المبحث المعنون:"تجليات الإنسان في الخطاب الصوفي ابن عربي أنموذجا" في المقدمة إشارةإلى مفهوم الإنسان إذ يقول: (الإنسان: هو صورة الله أو هو محور هذا الكون، وهو عبارة عن جواهر متآلفة قامت بها أعراض مخصوصة، والجواهر المتآلفة هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان) ثم يورد تفصيل اكثر في معنى الانسان فيقول: والإنسان هو الصورة الجامعة. فعندما أراد الله الظهور جمع أسماءه التي هي صفاته فحصرها في دائرة وعين لها وجودا ونفخ فيها فكان الإنسان.ثم يقول: والإنسان، ظاهر وباطن فجسده وما لهذا الجسم من آلات، ومنها أيضا عقله الذي هو جزء من كيانه.. ولكن هذا العقل كان ضربا من الإطلال على جزئه الباطن وهو محل الإلوهية فيه. فالإنسان مركب لله على الحقيقة، وعليه استوى وتمكن وبث أوامره وحيا وإلهاما وخواطر أسمائيةشتى. لذلك تقدس الإنسان ورفع فوق الملائكة.(محمد غازي عرابي، النصوص في مصطلحات التصوف، ص31ـ32.)

ثم يعود الى ابن عربي فيقول: (ويقول الشيخ ابن عربي: سماه إنسانا لأنه أنس الرتبة الكمالية فوقع بما رآه الإنس فسماه إنسانا.)(الشيخ ابن عربي، الفتوحات المكية: 2/643.)

وفي القسم الثاني من البحث يتناول مفهوم: (الكون والفكر العلمي) إذ يحدد الدلالة للمفهوم بالقول: ويعني هذا أن الله تعالى يحكم بكون هذا الأمر فيكونه ويظهره إلى الوجود.ويعتقد قسم من المتكلمين أن الكون مرادف للوجود، ومجموع أجزاء الكون هو"العالم" .(التهانوي، الكشاف، مادة"الكون"،ومادة"تكوين".).

ثم نجد الدكتور في خاتمة بحثه يشير: (حاولت دراستنا هذه الكشف عن جهود فلاسفتنا وعلمائنا فيما يتعلق بالإنسان، والكون معتمدين على نصوصهم العلمية التي اشارت إلى كثير من الآيات الكريمة المتضمنة معرفة الله عن طريق التدبر والتفكر في مختلف صنوف خلقه،استعمال القوانين العلمية؛ لإثبات الباري جل شأنه بوصفه خالقا لهذا الكون) البحث من ضمن كتاب(جدلية العلاقةبين التصوف والعرفان في الاسلام) وقد أشار الدكتور أيضا: (ما يهمنا من كل هذا،هو أن الإسلام قد ارشدنا إلى الطريقة السديدة في البحث،ووضع لنا أسس المنهج العلمي السليم.هذه الأسس التي تقوم على النظر والملاحظة والتحقق والتقصي وتحكيم الفكر والتأمل في حصيلة كل ذلك للوصول إلى الحقائق والقوانين بتركيب الجزئيات والتفاصيل).

وفي تناوله لمفهوم العالم نجده يحدد آفاق منهجه بالقول: (إذا أخذنا نتائج علم الفيزياء فيما يتعلق بنظريات هذا العلم حول الكون لكانت الحقيقة واضحة أن المادة لابد من أن تكون مخلوقة من قبل مدبر لهذا الوجود.وما حقيقة اكتشاف الإنسان لظاهرة الإشعاع إلا دليل واضح لأبطال نظرية أزلية المادة، فما دامت الشمس وجميع النجوم الأخرى مشتعلة وتبعث الإشعاعات، لابد من أن تكون هناك بداية لها، لأنها لو كانت عكس ذلك لانتهت تلك الإشعاعات كون عمرها ملايين السنوات.)

 

د. عامر عبد زيد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4781 المصادف: 2019-10-08 11:35:40