 قضايا

العولمة وقضايا البدائل السياسية (3)

إن حل الإشكالية السياسية الوطنية في البلدان الضعيفة التطور تواجه عقبات خارجية كبيرة لم تشهدها بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة عندما أخذت تحل إشكالياتها السياسية الوطنية دستورياً وقانونياً. ذلك يعني أن القوى التي تقف بالضد من وضع وتطوير إدارة سياسية عالمية جديدة هي نفسها التي تقف وراء عدم حل الإشكالية السياسية الوطنية في البلدان الضعيفة التطور. وهو واقع وحقيقة يفترضان تطوير الرؤية المعرفية السياسية، القادرة على فتح أفاق جديدة بالنسبة لحل هذه الإشكالية السياسية العالمية.

وفي الإطار العام يمكننا تقسيم التشابك والترابط العالمي إلى تشابك وترابط اقتصادي وسياسي وعسكري وفكري – علمي – إعلامي. وهي تشابكات وترابطات تعمل في وحدة واحدة من الصراع والتطور. وبالتالي فإن فصلها ممكن من الناحية المجردة فقط لغرض دراستها ومعرفتها، ومن ثم لأجل فهم وحدتها الملموسة. ويتوقف نجاحنا في ذلك أو فشلنا على مدى استجابة تفسيرنا لحقيقة الوقائع المختلفة في حالاتها المنفردة والمجتمعة.

إن التشابك والترابط الاقتصادي هو أول الروابط في العالم. حيث يتجسد في حجم المبادلات التجارية والاستثمارية والمعاملات المالية وانتقال رؤوس الأموال وفي البورصات العالمية والاقتصاد النقدي. كما تشهد عناصر الترابط والتشابك الاقتصادي نمواً سريعاً وهائلاً، مما يعكس التوجهات العالمية للقوى الاقتصادية – الحالية، التي تتجاوز مجال وحدود جنسيتها الخاصة. كما يصنع هذا التشابك والترابط مصالح مشتركة بين القوى الاقتصادية المالية العالمية في إدارة عالمية للنشاط الاقتصادي، حتى في حالة اتخاذ هذه الإدارة صيغة خفية ومختفية تحت واجهة "اقتصاد السوق". ويرتبط هذا الواقع حاليا بقدرة الأوساط المالية العالمية على مثل هذه الإدارة، مما يعكس قدرتها الفعلية الآن على إدارة شؤون العالم في ظل غياب الشرعية الدستورية – القانونية. وهي حالة يمكن اعتبارها شكلا من أشكال الدكتاتورية الجديدة في العلاقات الدولية.

إذ يتجاوز حجم المعاملات المالية في البورصات العالمية 400 ترليون دولار في السنة. وهو رقم يقع تحت السيطرة التامة للشركات المالية والصناعية والتجارية العالمية. أما حجـم الناتج الإجمالي العالمي فيتجاوز 25 ترليــون دولار، يقع ما يقارب 90 % منه تحت سيطرة الاحتكارات العالمية. أما حجم التجارة العالمية فيتجاوز 8 ترليون دولار، يقع 95 % منه تحت سيطرة الاحتكارات العالمية أيضا . وفي هذا تكمن القوة العالمية للرأسمالية في مرحلة توسعها الجديد. وهي قوة هائلة ومتنامية قادرة على صياغة اقتصاد عالمي جديد، مترافقة مع رؤية استراتيجية كونية اقتصادية – سياسية وبالأخص بعد انهيار الاشتراكية الأولية، وتباطؤ نمو حركة اليسار والقوى المحلية في إعادة ترتيب أوضاعها من جديد.

إن عالمية الرأسمالية تحطم مختلف القوى المحلية والحكومات، وتحطم مختلف الحواجز الاقتصادية والسياسية والفكرية. إنه غزو جديد، ولكنه لم يواجه بعد بمقاومة كافية. وهو غزو يصنع وضعا عالميا جديدا.

ويتجلى التشابك والترابط العسكري في التوازنات العسكرية الإقليمية والعالمية، التي تكشف عن طابعها التخريبي في الأزمات. وفي الوقت نفسه كشفت عن شللها تجاه حل الإشكالية السياسية العالمية الراهنة بالقوة العسكرية، وذلك لقوة الدمار الكبرى القائمة في السلاح والعسكرة نفسها. كل ذلك يفترض أولوية وجوهرية الحل السياسي للإشكاليات السياسية، كما أن القدرة التدميرية للعسكرية العالمية الراهنة تفرض بحد ذاتها ضرورة حل الإشكالية السياسية العالمية الراهنة. ويظهر التشابك والترابط العسكري أيضاً في الأحلاف والقواعد العسكرية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وكذلك في العلاقات العسكرية الثنائية وفي تطوير الأسلحة التقليدية والاستراتيجية.

ويظهر التشابك والترابط العسكري أيضاً دكتاتورية العلاقات الدولية الراهنة بأجلى صورها، باعتبارها دكتاتورية القوى المالية العالمية. وهي دكتاتورية تتعارض من حيث الجوهر مع المصالح الحيوية للدول والوجود الإنساني. إذ أن حل الإشكالية السياسية لإدارة العالم سيكشف عن الطابع المدمر لهذه الدكتاتورية. أي انه سيكشف للجميع الحقيقة القائلة، بأن العالم لا يعاني من ندرة، بل من سوء إدارة عالمية، ومن استهلاك غير ضروري وضار بالأرض. وباستثناء الولايات المتحدة، لا توجد في العالم الآن أية قوة اقتصادية – سياسية تسعى لاستخدام القوة العسكرية كوسيلة أساسية في الحياة السياسية العالمية. وهو أمر يوفر في نفس الوقت إمكانية بناء تيار عالمي يدعو إلى تحييد القوة العسكرية في الحياة السياسية العالمية.

إننا نعثر على تيارات تسعى لموازنة القوة العسكرية الأمريكية بالقوة العسكرية الروسية أو غيرها من القوى. وهي ممارسة قد تنفع مؤقتا، إلا أن الحل الجوهري يفترض تقييد النزعة العسكرية الأمريكية بنشاط سياسي عالمي تمهيداً لتحييدها ومن ثم إنهاء العسكرية في الحياة السياسية العالمية. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار المجمع الصناعي العسكري، الذي يلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد الأمريكي، كما يستخدم في الترتيبات العالمية لصالح الاحتكارات الأمريكية. وهي سياسة تجد انعكاسها غير المباشر في تنامي سياسة الإنماء العسكري وهياكله بالنسبة للاتحاد الأوربي، الذي بدوره لا يخلو من تأثير الاحتكارات الأوربية نفسها في مساعيها لموازنة العسكرية الأمريكية.

كما نعثر على التشابك والترابط العالمي في ميدان الفكر والعلم والإعلام والثقافة. إذ تزداد سرعتهما ووتائر تطورهما بالارتباط مع تطور وسائل الاتصال، الذي يشكل نظام الانترنيت أحد تجلياته العملية الباهرة. وهو تحول اخذ يجعل إدارة العمليات كومبيوترية على الصعيد العالمي. وهو تحول يعكس القدرات الهائلة للعلم وإمكانياته غير المحدودة. مع إن ثورة المعلومات والاتصالات ما زالت في خطواتها الأولى. إلاّ أنها بدأت تضع أسس ومقومات "المجتمع المتشابك" و"القرية العالمية". حيث المعلومات متوفرة للجميع، إضافة إلى تنامي إمكانيات تحول الإدارة من نمطها الهرمي إلى النمط الأفقي، أي الأكثر ديمقراطية.

وبما أن للفكر الإنساني العقلاني دورا هائلا في ترسيخ أسس العقلانية والقيم الإنسانية، فإن هذا التشابك والترابط العالمي سوف يؤدي بالضرورة في حالة استغلاله السليم إلى ترسيخ إمكانية الإدارة السياسية العالمية العقلانية، وبالتالي حل الإشكالية السياسة لإدارة العالم، التي تشكل الضمانة المعقولة للتطور الأكثر الإنسانية والأقل كلفة بالنسبة للرفاهية والاستقرار والتطور.

ولعل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية الأخرى هي أحد التجليات المنظمة والقانونية للتشابك والترابط السياسي العالمي. فقد شهدت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وبالأخص زمن "توازن الرعب" نشاطاً سياسياً واسعاً ومتطوراً، بالمقارنة مع الفترات السابقة في العلاقات الدولية. ومع أن هذا النشاط السياسي ما زال بعيداً عن بلوغ الحل السياسي للإشكاليات العالمية الراهنة، إلاّ أنه يحتوي على إمكانيات لتطوره قادرة على توفير الأسس السياسية لحل هذه الإشكاليات. فقد شهدت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية قيام العديد من المنظمات والمؤسسات العالمية القادر على المساهمة في ترسيخ أسس حل الإشكالية السياسية للإدارة العالمية الراهنة.

فالانتقال المستمر والمتطور لتأثيرات الترابط والتشابك العالمي في الوضع الأمني السياسي للدول، يستدعي الحاجة لتطوير شكل العلاقات الدولية، التي تعتبر هيئة الأمم المتحدة نموذجها الأعلى في الوقت الراهن. أما التطورات التي تعرضت لها هذه الهيئة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها في مختلف الميادين وعلى كافة الأصعدة وتجاه مختلف الأحداث الكبرى لحد الآن تعادل من حيث نتائجها نتائج حرب كونية ثالثة. وهو أمر يفترض تطوير المؤسسات الدولية القائمة، وبالأخص هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتستوعب التطورات والنتائج الحاصلة. إلاّ أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول تطوير استراتيجية عالمية تكون فيها الأمم المتحدة قوة ثانوية أو جهازا سياسيا يخدم مصالحها الضيقة. وهو نزوع يكشف بدره عن تخلف الجانب السياسي العالمي حالياً مقارنة بالتطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية.

ومن الظواهر العالمية الجديدة، التي تستحق الإشارة والدراسة وتحديد الموقف منها، نشوء السلطات الجديدة لرأس المال الاحتكاري العالمي ومحاولاتها لعب دور الفاعل الأساسي والنهائي في تقرير مصير البشرية. مما يضعف السيادة الفعلية للقوى المحلية والحكومات وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وباقي المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية، وقد يؤدي إلى إلغاء هذه الهيئات والمؤسسات والدول. ولأجل إعادة السيادة لشعوب العالم لا بد من خلق سيادة عالمية جديدة بتطوير هيئة الأمم المتحدة إلى منظمة عالمية ذات سيادة فعلية على رأس المال الاحتكاري العالمي. إن ادعاء الحكومات المحلية بالسيادة، ادعاء أخرق يتستر على عوراتها ويحاول إخفاء السيادة الفعلية لرأس المال الاحتكاري العالمي التي تعتبر سلطته الفعلية شكلا من أشكال الدكتاتورية الجديدة.

كما يتجلى الترابط والتشابك السياسي في التحالفات والتجمعات الإقليمية وفي العلاقات السياسية الثنائية. إلا أنها لم تعد فاعلة، بل قد يكون من الضروري نظريا وضع مهمة تجاوزها، باعتبارها عقبة أمام نشوء إدارة سياسية عالمية تعمل في ظل شرعية جديدة من وجهة نظر مصالح عالمية للإنسانية جمعاء.

فمن الناحية التاريخية والواقعية كان هناك على الدوام مجموعة من الدول والإمبراطوريات تتقاسم إدارة العالم. إلاّ أن الرأسمالية والفكرة القومية أدتا إلى تقسيم تلك الإمبراطوريات إلى دول مستقلة عديدة. كما نشأت دول مستقلة أخرى في مجرى عملية التحرر الوطني. وهي عملية تاريخية أدت إلى تعاظم عدد الدول، وبالتالي تنوع وتضارب تأثيراتها بما يتناسب مع إمكانياتها. ومع ذلك كان يجري إلى جانب هذا التفاضل في تنوع وعدد الدول تيار يوحدها بفعل آلية وفعالية الرأسمالية والثورة العلمية التقنية. أما نتائجه المباشرة الحالية فتقوم في جلاء وقيمة التشابك والترابط العالمي. مما يؤسس بدوره لضرورة الإدارة السياسية الجديدة. وإن مصدر الحاجة لهذا الترابط والتشابك والإدارة السياسية العالمية الجديدة ينبثق من التأثيرات المتبادلة والآنية بين دول العالم. بحيث يجعل لضبطها والتحكم بها قيمة حيوية لوجود الدول والشعوب نفسها جميعا.

لقد كشف التطور التاريخي المعاصر عن أن القومية بمعناها التقليدي والدولتي ليست أبدية. فالتشابك والترابط والتأثير المتبادل بين الدول والقوميات بدأ يهدد الصيغة التقليدية للفكرة القومية ونموذجها التقليدي في الدولة الحديثة. وهو تطور اخذ يجعل من بعض جوانب القومية كفكرة ومؤسسة عقبة أمام الشعوب نفسها في إدارة ترابطهم وتشابكهم الجديد. كما انه تطور اقرب إلى الصيرورة الساحقة، التي ليس بإمكان أية قومية معاصرة الصمود أمامها. والقضية هنا ليست في "التحدي" أو "عدم التحدي" بقدر ما أنها تقوم في أن الوقوف ضدها يساهم في انعزال وتحجر الأمة والدولة، وبالتالي فإنه يتعارض مع إمكانية تطورها وازدهارها، أي مع مصالحها الحقيقية.

من المعلوم أن فكرة عصبة الأمم كانت إحدى نتائج الحرب العالمية الأولى، إلاّ أنها أخفقت في إدارة الصراعات الدولية وتجنب اندلاع حرب عالمية ثانية. وجاءت فكرة الأمم المتحدة نتيجة من نتائج الحرب العالمية الثانية وبالرغم من إخفاقها في تجنيب البشرية الكثير من الويلات والحروب الدموية، إلاّ أنها استطاعت إدارة الصراعات الدولية بصورة عامة وجنبت البشرية لغاية الآن حربا كونية ثالثة. وكانت فكرة التعايش السلمي الاستمرار السياسي لفكرة الأمم المتحدة، ومن ثم الصيغة العلمية التي جعلت الحرب الباردة تبقى ساخنة دون حريق.

وبرغم من أن هيئة الأمم المتحدة تعتبر صيغة متطورة في تاريخ العلاقات الدولية، إلا أن مواجهة التطورات الكبيرة والمتوقعة في الظرف الحالي والمستقبلي يفترض تطوير فكرة السيادة لهيئة الأمم المتحدة والجوانب التشريعية والتنفيذية في طابعها الكونفدرالي، والتفكير في المداخل والأساليب السياسية والاقتصادية في حل الإشكاليات السياسية العالمية الراهنة. ويتطلب من القوى الأكثر مصلحة في ذلك بذل جهود فكرية ونشاط سياسي يعبئ أكبر القوى الاجتماعية على صعيد العالم من أجل تطوير فكرة وإلزامية السيادة لهيئة الأمم المتحدة، والكشف في نفس الوقت عن المواقف الفعلية للاحتكارات العالمية التي تقف في وجه تطوير المؤسسات العالمية.

ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى الدولة القومية كموضوع وإشكالية قديمة وتقليدية، رغم أن العديد من الدول ما زال يواجهها. غير أن مواجهاتها لها لم تعد محصورة ضمن حدودها التقليدية، بل ضمن إشكاليات عالمية تسحق الدولة بمفهومها التقليدي. الأمر الذي يثير مسألة الطريقة والكيفية التي يمكن بها إنشاء دولة عالمية عبر تطوير كونفدرالية الأمم المتحدة، وعبر الترابط والتشابك العالمي، وعبر الدور الذي تقوم به حاليا السلطات العالمية الجديدة لرأس المال الاحتكاري. بصيغة أخرى إن عالمية الدولة المشار إليها آنفا تنبع أساسا من كيفية الإدارة الجديدة لهذا الترابـط والتشـابك العالمـي، ومن كيفية تجاوز السلطات العالمية الجديدة لرأس المال الاحتكاري العالمي. أما الاتفاق على مصدر شرعية هذا الكيان العالمي الجديد، أو الشرعية الدستورية الثانوية لهذا الكيان العالمي الجديد، فانه يفترض وجود هيئة تتمتع بالسيادة على العالم على أسس تشريعية وتنفيذية، قادرة على تحقيق مهماتها، أي إدارتها في حل الإشكاليات الكبرى للبشرية عبر الاستعمال المتوازن للطوعية والإكراه أحيانا.

لكن إذا كانت مبررات هذه المهمة والهيئة واضحة للعيان، فان التعقيد الأكبر والواقعي يقوم في كيفية صنع هذه الهيئة وتجسيد مهماتها وغاياتها. وهي مهمة سوف تؤدي بالضرورة إلى مواجهات بين قوى معارضة لها وقوى مؤيدة. كل ذلك يفترض البحث عن بدائل مستقلة لقوى اليسار من جهة والعمل من اجل مساومات مع القوى المعارضة. فمن المعلوم أن الديمقراطية من حيث هي مؤسسات وأنظمة سياسية لم تحقق بعد إمكانية جعل أصوات الناس جميعا متساوية في الحقوق بشكل عام، كما أنها مازالت شديدة التعارض أحيانا مع الواقع والمعطيات على النطاق العالمي.

وعندما ننظر إلى موضوعات الفكر النظري ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، فإننا نلاحظ ضعف تداول هذه الإشكالية مقارنة بتناول مشكلة الترابط والتشابك العالمي وتجاوز السلطات الجديدة لرأس المال الاحتكاري العالمي للدولة الإمبريالية. فهي إشكالية لم تحتل بعد موقعها المناسب في أولويات المناهج والندوات، كما أنها لم تصبح بعد مادة لحركة عالمية بالمستوى المطلوب تجسد هذه الأفكار.

العالم المعاصر هو شكل من أشكال الكونفدرالية السياسية الاقتصادية العسكرية، ويجري تطوره وتكييفه ضمنها. وهي عملية يمكنها أن تؤدي إلى صيغة متطورة من الفيدرالية السياسية الاقتصادية العسكرية، في حالة عدم انزلاقه إلى حالة من الفوضى، لاسيما وان العالم المعاصر لا يمتلك من إمكانيات التوازن والتشابك والارتباط والمصير المشترك والبراغماتية ما يبعده عن حالة الفوضى هذه. فالحديث الجاري عن تطوير مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وخلق أطر أخرى عالمية جديدة، وقيام دولة عالمية، ومصير الديمقراطية في القرية العالمية، هي تعبيرات عن كونفدرالية سياسية وعن ضرورة تطوير هذه الكونفدرالية، خصوصاً من جانب القوى السياسية التي تدرك مواقع ضعفها تجاه السلطات الجديدة لرأس المال الاحتكاري.

إن تطوير الأمم المتحدة باستمرار ليواكب هذه الإشكاليات الجديدة يعتبر استحقاقا سياسيا عالميا مباشرا على جميع القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها، لكي تتحمل مسؤولياتها تجاه المجتمع العالمي. فالإدارة الأمريكية تنتخب من قبل الشعب الأمريكي، ولكنها تسعى للتحكم بالعالم. وهي مفارقة تعبر عما أسميناه بالدكتاتورية الجديدة. ذلك يكشف عن بروز دكتاتوريات جديدة ترتبط من حيث الجوهر بسلطة رأس المال الاحتكاري. وهو واقع يستدعي ويوفر إمكانية قيام حركة ديمقراطية عالمية تسعى إلى إشاعة الديمقراطية في العلاقات الدولية وخلق سيادة عالمية تتجاوز دكتاتورية رأس المال الاحتكاري العالمي.(يتبع....).

 

يوسف محمد طه

....................

1- لقد كتب يوسف هذه الدراسة وكثير غيرها قبل وفاته بفترة طيلة نسبيا. لهذا فإن الأرقام الواردة فيها تعكس ارقام وقتها. مع إن هذه الأرقام ليست جوهرية بحد ذاتها بقدر ما هي مؤشرات.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4792 المصادف: 2019-10-19 00:48:30