 قضايا

هشاشة التجربة الديموقراطية في العراق

رائد جبار كاظمبات من الضروري بعد مرور عقد ونصف على التجربة السياسية الديموقراطية الجديدة في العراق ما بعد التغيير 2003، أن يتم تقييم تلك التجربة من قبل الباحثين والدارسين ودراستها دراسة تقويمية جادة، وبيان حسناتها وسيئاتها ومدى نجاحها أو أخفاقها في الواقع السوسيو سياسي العراقي،  وما تحقق من تلك التجربة على أرض الواقع وفقاً للنظام والفكر الديموقراطي وأسسه الفلسفية والقانونية والدستورية، وهل كانت تلك التجربة مثالاً ديموقراطياً ناجحاً يحتذى في المنطقة من قبل الدول والمجتمعات العربية والاسلامية، أم كانت تلك التجربة مجرد شعارات وخطابات فارغة دون مضمون أو معنى يذكر؟

تسعى الكثير من شعوب ودول العالم الى تبني الديموقراطية كنظام حكم ناجح ومتقدم ويحترم الحريات والحقوق، متخذة من الدول الديموقراطية مثالاً يحتذى لغرض تطبيقه في مجتمعاتها، ناسية أن لمجتمعاتها خصوصية وهوية جوهرية تختلف عن طبيعة المجتمعات الغربية التي ناضلت من أجل التخلص من الحكم المطلق والوصاية والحكم الثيلوجي، بينما يقبع المجتمع العربي تحت سطوة الثيلوجيا والمثيلوجيا والوصاية المطلقة للحكام، كما أن الديموقراطية بصورتها الغربية قد تعرضت للتشويه والانحراف، مما جعل عملية نقدها هدف الكثير من الدارسين والباحثين، يقول آلان تورين: (في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات كثيرة معربة عن البهجة بأنتصار الديمقراطية وتعتقد أن العالم بكامله أعتمد نموذجاً سياسياً وحيداً، هو نموذج الديمقراطية الليبرالية، علينا خلافاً لذلك، أن نعرب عن القلق حيال حالة الضعف التي أصابت الفكرة الديمقراطية، وحيال فقدانها لمعناها)(1)

ونحن اليوم أمام صعوبة وأختبار ديمقراطي تاريخي كبير، اما نجاح واما فشل، ولا وسط بين الخيارين، ولكن واقعنا وتاريخنا لا يدل على نسبة نجاح ما في عملية الديمقراطية، وهذا ليس تشاؤماً وسوداوية بل هو أمر واقعي تاريخياً وحاضراً، وهذا ما دعا أحد الباحثين للقول: (ولعلنا من الامم النادرة المستباح حرمها الوطني بالرجالات والطروحات والولاءات غير العراقية منذ التأسيس الحديث للدولة العراقية وليومنا هذا...ألم نستورد الولاء والذوبان بالآخر القومي والاسلامي والاممي على حساب الولاء والذوبان لما هو عراقي فكراً وخصوصية ورمزاً وحزباً؟ ان واقعاً مخترقاً ومهجناً كهذا لا يمكن أن تستقيم معه هوية أو أن تقوم على اساسه دولة أو أن ينهض به مجتمع أو أن يضطرد من خلاله تقدم، بل هو أقصر طريق للفشل والانقسام والتناحر، وأقرب للتفتت والتبعية والارتماء في أحضان الغير وهذا ما نجني ثماره الآن، فالولاء للعراق قيماً وأمة وأرضاً ومصالحاً ..هو آخر ما تجد له مصداقاً حقيقياً في مناخات وعينا السياسي أو في تضاريس أنظمتنا وبرامجنا العلمية، وها قد أعادتنا هذه العوامل مجتمعة الى المربع الاول لننسج أوائل خيوط الولاء للوطن والامة والدولة، ويا لها من مهمة تنوء بها العصبة أولي القوة...في الفكر والهمة والاخلاص.) (2)

وهذا يدل على خلو التجربة الديمقراطية في العراق من أي تأسيس فكري أو فلسفي أو سياسي أو ثقافي وعدم وجود ستراتيجية للتحرك والبناء والتنظير، والأتكاء على العشائرية والطائفية والقومية وغيرها من الهويات الفرعية لتحقيق مصالح الاحزاب والتيارات السياسية المشتركة في العملية السياسية، ونحن هنا أمام كارثة سياسية واجتماعية كبرى، فلا نحن نعتمد على تجارب الدول الديمقراطية الحاكمة في العالم، ولا نحن لدينا ديمقراطية خاصة بنا من بناة أفكارنا وواقعنا ومفكرينا، فلا نحن منتجين للديمقراطية ولا نحن مقلدين ومستهلكين نحسن الاتباع والتقليد، ولذلك فنحن دائماً ما نخسر الافكار الجميلة والسليمة، لأننا بسلوكنا المشين نشوه الافكار والنظريات ونمسخها ونسقط قيمتها تماما وان كانت ذات معنى ومغزى عالمي وانساني، لأننا لا نعرف جوهر الافكار ولا قيمتها التداولية بين المجتمعات والأمم. كما أننا نفصل الفصل التام بين الافكار الديمقراطية وواقعها ولحظتها الزمكانية، متناسين عملية الشراكة الحقيقية بين الفرد والمجتمع، والظروف الواقعية التي تتحكم بالانسان، وكما يقول أريك فروم فـ (اذا اردنا أن نفهم ديناميات العملية الاجتماعية علينا أن نفهم ديناميات العمليات السيكولوجية العاملة داخل الفرد على نحو ما أردنا أن نفهم الفرد فأنه يتوجب علينا أن نراه في سياق الحضارة التي تشكله).(3)

وهذا ما يدل على التناقض الكبير بين سايكلوجية وواقع الفرد العربي عامة والعراقي خاصة، وبين الأفكار السياسية المتمناة المطروحة على الساحة السياسية، التي تحتاج الى وقت طويل للانسجام بين التنظير والممارسة اذا ما تم تطبيقها بصورتها الصحيحة على الطبقة السياسية قبل أن تنزل الى الشارع والناس، وهذه العلاقة الوثيقة بين طبيعة الفرد والمجتمع لها أثر بالغ في سيادة نمط الحكم وشكل الدولة في أي بلد كان، وطبيعة الفرد والمجتمع العراقي غير محددة ومتقلبة بين فترة وأخرى، وهيمنة الكثير من السلطات والمؤثرات على سايكولوجية الفرد والجماعة، مما يجعل تحركهما بحرية ووعي ومسؤولية مباشرة دون أي هيمنة تذكر أمر صعب جداً، وكما يقول المفكر العراقي حسام الآلوسي: (ان بلداً لم يزاول الديمقراطية بهذه المواصفات والاشتراطات، بل وحتى بأقل منها وبدون الكثير منها مثل العراق، يصبح الحديث فيه عن ديمقراطية زولت أو في طريق المزاولة ضحكاً على الذقون، لأنها نمط حياة ، بل هي ثمرة نمط حياة، يزاول أهلها الحوار ويتميزون بالمرونة الفكرية ويحترمون الاختلاف.).(4)

فالحرية والوعي أمر مهم جداً في الممارسة الديمقراطية في أي مجتمع كان، لأن الديمقراطية ليست آليات أنتخابية فقط نجريها من خلال التصويت وصندوق الأقتراع فقط، فهذا وحده ليس كافٍ لأنتاج وخلق مجتمع ديمقراطي، والديمقراطية هي أيضاً ليست عقاراً أو دواءً يعطى لأي فرد ليكون ديمقراطياً في سلوكه وتحركه،  فـ(الديمقراطية عندما تتحقق في فضاء المجتمع، فانها تحتاج أيضاً الى أبيها وأُمها، بمعنى أنها تحتاج الى العقلانية وتحتاج أيضاً الى المعنوية...وعندما نطرح الديمقراطية والمعنوية فاننا في الواقع لا نحتاج الى الموسسات الديمقراطية في الواقع المجتمعي فحسب، بل نحتاج الى الجانب "الخفي" من الديمقراطية، أي لابد أن نعيش الديمقراطية في باطننا وضمائرنا لا المؤسسات الخارجية فقط، فباطننا ونفوسنا وضمائرنا يجب أن تكون نفوس وضمائر ديمقراطية، فالمؤسسة الديمقراطية تعني مؤسسة أخلاقية، وتعني مؤسسة معنوية، والاشخاص الذين يعيشون في باطنهم الديمقراطية يعني أنهم يشعرون في باطنهم بالمحبة والمودة للناس).(5)

من خلال البحث والدراسة والاطلاع ومعايشة الواقع السوسيو سياسي العراقي خلال السنوات الماضية من عمر التجربة الديمقراطية في العراق ما بعد مرحلة التغييرمنذ  2003 حتى يومنا هذا يتضح لنا ما يلي:

1ـ الفصل التام والتناشز الكبير بين ما هو فلسفي وفكري من مبادىء الديمقراطية وأصولها  وما هو دستوري وقانوني وبين ما هو ممارس ومطبق فعلياً على أرض الواقع.

2ـ الطابع الشكلي والروتيني الظاهر لشكل الديمقراطية والحكم في مؤسسات الدولة العراقية، أو ما يمكن تسميته بـ (الديمقراطية الشكلية)، التي لا مضمون لها ولا جوهر، مما يجعلها هجينة ومشوهة عن نسخ وصور الديمقراطيات المتداولة في العالم.

3ـ غياب مبادىء الديمقراطية وسلوكها من قبل الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة، والتبجح اعلامياً بأننا دولة ديمقراطية قد سبقنا غيرنا من الدول في المنطقة، ولكن واقع الحال يدل على التشظي والتقسيم الذي أصاب بلدنا والمنطقة، وأخفاق أمريكا ومن معها في نشر الديمقراطية عالميا، بسبب التناقض التام بين سياستها وسلوكها الواقعي وما تدعو له من أفكار ونظريات.

4ـ الصورة المشوهة والقبيحة للديمقراطية بنسختها العربية، التي تختلف تماماً عن النسخة الغربية، وهذا يدلنا على عدم مصداقية الغرب في محاولته لدمقرطة العالم وانما لخلق أسواق عالمية لترويج بضاعته وتطبيق اقتصاده الحر وأمتصاص ثروات الشعوب وأموالها.

5ـ التناقض الكبير الحاصل بين أفكار الاحزاب ومتبنياتها الأيديولوجية من جهة والفكر الديمقراطي من جهة أخرى، فليس كل من هو داخل العملية السياسية مؤمن بالفكر الديمقراطي، بل هو مجبر عليها كونها مظلة سياسية توفر له منافع ومكاسب شخصية وحزبية ولذلك فهو متشبث بها أيما تشبث، فنحن مثلاً نجد التناقض الصريح بين مبادىء الاحزاب الدينية والديمقراطية، والصراع الكبير بين الفكرين، ولكن لمصلحة الاحزاب الدينية الاسلامية الذاتية خلقت نوعاً من التقارب والمودة الزائفة.

6ـ ليس للديمقراطية في العراق على المستوى الفكري والفلسفي والسياسي من منظرين ومفكرين ورجال سياسة، بل هي فُرضت علينا بارادة خارجية، كما أن الاحزاب السياسية العراقية ليس لديها برامج عمل واضحة وجادة تدعو لها، ولا توجد هناك فلسفة ومسار لنظام الحكم الديمقراطي في العراق ما بعد التغيير.

7ـ ليس هناك خطاب سياسي وطني موحد يُلزم الجميع ويعبر عن روح الوطن والمواطن العراقي، وعلو صوت الهويات الفرعية والثانوية لمكونات الشعب من دينية وأجتماعية وقومية وعشائرية دون ادنى ألتفات للهوية الوطنية. مما أنتج خطاب العنف والكراهية والتطرف داخل البلد وبين مكونات الشعب وادخال البلد في أتون حروب أهلية وطائفية وقومية مقيتة كلفت الكثير من الخسائر في الأرواح والثروات.

8ـ ليس هناك تطبيق سياسي وقانوني صحيح وجاد لبنود الدستور العراقي، ومحاولة القفز والتحايل عليه من قبل االطبقة السياسية الحاكمة وتفسيره وفق أهوائها المصلحية الخاصة بها.  والمتداول فكرياً وقانونياً في النظام الديموقراطي هو أن السلطات الثلاث يجب أن تكون منفصلة، ولكن واقع الحال في العراق انها ليست مستقلة ومسيسة في آداء واجباتها.

9ـ مستقبل الديمقراطية في العراق لا يبشر بخير، لأن واقعها سيء جداً لا يليق بحجم وحال الفرد والمجتمع العراقي ولا يطابق فعل الانظمة السياسية الديمقراطية الحاكمة في العالم، وهيمنة الطبقة السياسية على مقدرات البلد والتفرد بذلك، وعدم مراعاة حقوق المواطنين وتنفيذ الخدمات التي يطمح اليها.

10ـ عدم الاستقلال والسيادة في الحكم والادارة واتخاذ القرارات السياسية للبلد من قبل المسؤولين وقادة الاحزاب والساسة، وسيطرة دول الجوار المؤثرة ودول العالم في صياغة القرار والتدخل الواضح في قيادة البلد ورسم سياسته، والضغط السافر على الطبقة الحاكمة في تحقيق اجنداتهم المرسومة سلفاً من قبل الخارج.

11ـ حقيقة الأمر أن الواقع المرتبك والمتناشز للديمقراطية في العراق سببه طبيعة المجتمع العراقي من حيث تعدد أنتمائه وتشظي هوياته بين قبلية ودينية ومذهبية وقومية وحزبية وتعصبه الأعمى وتخندقه الفئوي والمحاصصة الحزبية والمناطقية، وغياب الهوية الوطنية والمواطنة التي تحترم كل الهويات والتنوعات بمختلف أشكالها دون تمييز.

وما جاء في اعلاه من نقاط تشخص واقع التجربة الديمقراطية السيئة في العراق لا تتحمله جهة سياسية او حزبية او اجتماعية واحدة، بل يتحمله الجميع ممن شارك في الحكم وادارة الدولة وصناعة القرار من كافة مكونات الشعب وفئاته من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب، وضاع حق ودم بلدنا بين الاحزاب والتيارات السياسية والمتنفذة، تحت ذريعة الديمقراطية والتغيير، دون وجود أدني أثر يدل على الحكم الديمقراطي وثماره الايجابية، بل أسُتغلت الديمقراطية أبشع أستغلال لصالح الطبقة الحاكمة والاحزاب المتنفذة وتحقيق مآربها ومنافعها وتعويض ما فاتهم من أموال وأحوال وخدم وحشم ومناصب، اما الشعب فقد عاش في أحلام وردية في ظل مبادىء ديموقراطية مشوهة وزائفة .

كما أن هذه النقاط النقدية هي محاولة لتقييم التجربة الديمقراطية في العراق خلال المدة التي قضيناها في ظلها، من أجل تلافي تلك الأخطاء والأخطار التي تهدد واقع الديمقراطية في العراق ومستقبلها السياسي والاجتماعي، ولدرء تلك السلبيات الكبيرة والمحافظة على تلك التجربة الجديدة والفريدة وعدم خسارتها ينبغي العمل الجدي والفاعل والصادق لترميم تلك التجربة المرضية المتهالكة الواضحة للعيان وتقديم البديل والصحيح في رسم مسار ومسيرة العملية السياسية في العراق، وأعتماد النظر الفلسفي والمنهج العلمي والتشخيص الواقعي للنظام الديمقراطي والسلوك السياسي المنسجم وخطوات وضوابط وشروط ذلك النظام المتبع من قبل الدول والحكومات الناجحة، والتي نقلت بلدانها الى مصاف الدول المتقدمة في السياسة والاقتصاد والأمن والتنمية والعمران والتربية والتعليم، وهذا ما نتمناه في بلدنا الذي لم ير النور لحد الآن، وفي أي من هذه المجالات المتعددة لاحداث نقلة كبيرة تجعلنا نرفع القبعات للديمقراطية ولمن يمثلها والقائمين عليها في هذا البلد الجريح.

 

د. رائد جبار كاظم

........................

(1) آلان تورين. ما الديمقراطية؟ دراسة فلسفية. تر: عبود كاسوحة. وزارة الثقافة السورية. دمشق. ص323.

(2) حسين درويش العادلي. المواطنة.. المبدأ الضائع. 2004. سلسلة الديمقراطية للجميع. بغداد. دار الصباح للصحافة والطباعة والنشر. ص 5.

(3) ايريك فروم. الخوف من الحرية. تر: مجاهد عبد المنعم مجاهد. ط1. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت ـ لبنان.  1972.المقدمة. ص 10.

(4) حسام الآلوسي. في الحرية مقاربات نظرية وتطبيقية. ط1. دار النهضة العربية وبيت الحكمة العراقي. بيروت ـ لبنان. 323ـ324.

(5) مصطفى ملكيان. مقالات ومقولات في الفلسفة والدين والحياة. تر: أحمد القبانجي. ط1. مؤسسة الانتشار العربي. بيروت ـ لبنان. 2013. ص99.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4797 المصادف: 2019-10-24 01:27:21