 قضايا

العراق نقد الواقع وتأسيس البدائل (1)

ميثم الجنابيملاحظة وتمهيد أولي

لقد كتبت هذه المباحث في مجرى التحول العاصف الذي لفّ العراق بعد الاحتلال الأمريكي وبداية ملامح الخراب والتخريب الآخذة آنذاك بالجلاء، على الأقل بالنسبة لي، وبالأخص ما يتعلق منه بواقع وآفاق ما كان وما يزال يطلق عليه عبارة "العملية السياسية". وهي عبارة تكشف أولا وقبل كل شيئ عن غياب الرؤية والهدف والغاية عما يجري. بمعنى الانهماك في مسار وتجريب لا تحكمه مرجعيات فكرية وسياسية دقيقة. وهي ظاهرة معقدة ومتنوعة الأسباب والمقدمات. إذ من السهل إرجاعها إلى سبب ما واحد أو حتى عدة أسباب، دعك عن إرجاعها إلى حالة عرضية.

فقد واجه العراق حالة حرجة في تاريخه السياسي الحديث. وفيها كانت تنعكس ما اسميته بسريان الزمن وانعدام التاريخ. بمعنى تكرار فارغ وحلقة دائرة لا مخرج منها ولها. من هنا كانت المهمة الأولية والأساسية بالنسبة لي تقوم في تحليل وتشريح المقدمات التاريخية الفعلية والكبرى لهذه الحالة من اجل تأسيس الرؤية المستقبلية وأساليبها في بلوغ الغاية الضرورية لوجود الأمم والدولة الحديثة. وعندما اكملت كل ذلك وضعت للكتاب عنوان (زمن الانحطاط وتاريخ البدائل). ومن دون الخوض الآن في الأبعاد الفلسفية القائمة وراء هذا العنوان، الذي يعكس في الوقت نفسه، فلسفتي الخاصة في الموقف من التاريخ الواقعي وما ادعوه بالاحتمال العقلاني للتطور التاريخي. وهذه كما يقال قضية أخرى.

لقد كان الهدف الأساسي بالنسبة لي هو تحديد مقدمات الخلل المنظومي في العراق الحديث ومن ثم رسم معالم وأساليب البدائل. وكانت رغبتي إلى جانب وصول الكتاب إلى أكبر عدد ممكن من النخب العراقية، أن يقع بين أيدي النخب السياسية للاستفادة منه في رسم أسس السياسة العملية لإخراج العراق من ازمته التاريخية البنيوية العميقة. وتبين لاحقا إن هذه النخب لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم. وهذه بدورها إحدى المعضلات الخربة للوجود السياسي في العراق والعالم العربي (والآن اصبحت شبه عالمية بسبب تحول السياسة إلى الوسيلة الأسهل والمضمونة للحصول على الجاه والثروة بأسرع وقت من خلال السرقة والرشوة). بينما يكشف تاريخ الأمم عن أن عظماء السياسة أو رجال الدولة الكبار كانوا مثقفين كبار أيضا.

لقد انتهيت من الكتاب عام 2008، بعد أن وضعت قبل ذلك كتاب (العراق ومعاصرة المستقبل) و(العراق ورهان المستقبل). وكلاهما يسعيان الى تأسيس الفكرة المستقبلية، أي التاريخ الحقيقي للعراق. بمعنى ان جميعها يشكل وحدة واحدة كنت قد وضعتها ضمن سياق "العراق وفلسفة المستقبل".

وقد عملت على تأليف الكتاب الأخير وطبعه، دون ان انشره في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية. الأمر الذي ابقى عليه اسير عدد قليل من القراء. ومن ثم لم يف بالغاية منه. وكان بإمكاني الإبقاء عليه نائما تحت غبار الزمن حالما يرتقي العراق إلى مستوى التاريخ الفعلي. عندها قد يصبح الرجوع إليه ضروريا لمعرفة التاريخ الذاتي ومن ثم تقويمه استنادا إلى ظهور قوى سياسية واجتماعية تكنس كل هذه البلادة والزيف والانحطاط العقلي والمعنوي والأخلاقي للنخب السياسية الحالية. بمعنى كنسها مع زمن الخراب نفسه.

غير أن الأحداث الحالية للاحتجاج والتمرد السلمي العميق جعلت من إخراج الكتاب لكي يكون بمتناول أكبر عدد ممكن من القراء العراقيين والعرب (وهما بالنسبة لي كل واحد) فعلا ضروريا، وبالأخص بالنسبة للجيل الصاعد الآخذ في ابراز عزيمته العميقة والشجاعة من اجل الحرية والحق والعدالة والتطور الوطني والقومي السليم. لاسيما وإنني حصلت على دعوات ورسائل عديدة تطلب مني تقديم رؤية تساعد الجيل الصاعد على إدراك مقدمات الخراب والبحث عن "الخلاص". والخلاص بالنسبة لي هو المستقبل الفعلي أو ما ادعوه بتاريخ المستقبل، لكي لا تقع الفكرة في سراب اللاهوت المزيف و"أئمة" الخراب الروحي.

فقد كان الكتاب اساسا من اجل هذا الهدف. وبالتالي يتطابق أيضا مع ماهية وحقيقة الجيل الصاعد بوصفه جيل المستقبل. إذ ان كل جيل جديد هو جيل المستقبل من حيث الإمكانية. والمهمة تقوم في تحويل هذه الإمكانية إلى واقع. فقد كان عنوان هذا الكتاب وعناوين عدد من الكتب التي كتبتها عن العراق ومئات الدراسات والأبحاث والمقالات التي نشرتها تحتوي على كلمة "المستقبل". وهذا ليس مصادفة أو اعتباطا. وبما أن الجيل الصاعد والجديد هو على الدوام جيل المستقبل، من هنا اخصص واأهدي هذه المباحث له.

إن هذه السلسلة من الأبحاث التي اقدمها وانشرها هي حصرا لموقع (المثقف).

..............................

مدخل فكري عام لنقد الواقع وتأسيس البدائل

إن التحولات العاصفة التي تمس الأمم ما هي في الواقع سوى الوجه الظاهري لما يجري في أعماقها من تغيرات فعلية. وهي فكرة سبق وأن صورها ابن عربي قبل قرون عديدة عندما قال بأن ما يجري هو استعداد لما فينا، فما أثر فينا غيرنا. وحالما ننقل هذه الفكرة من دهاليز الباطنية المتسامية إلى ميدان الحياة السياسية الخشنة فإنها تبدو حكماً أقرب إلى البديهة.

فما يحدث في العراق هو جزء من تاريخه، ومن ثم فإن كل مجرياته في نهاية المطاف هي نتاج لما فيه، بما في ذلك انهياره الأخير وسقوطه تحت ضربات الاحتلال الأمريكي. وهو سقوط يمكن البحث عن قرائن له متنوعة ومختلفة في الماضي القريب والبعيد. وفيها يمكن رؤية أهميته وإثارته لشهية القوى الإمبراطورية الصاعدة كما جرى في بداية القرن العشرين بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، وكما حدث أيضا في بداية القرن الحادي والعشرين بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية الصاعدة. وهو صعود يحتوي في أعماقه على سقوط حتمي في المستقبل القريب، بينما السقوط الجلي للعراق هو جزء من الماضي. انطلاقا من أن العراق لا يسقط ولن يسقط، بل تنهار فيه السلطات والدول حالما تخرج عن منطق إرادته المتراكمة في مرجعياته الذاتية الكبرى. وتشكل هذه المرجعيات العصب الروحي لوجوده التاريخي وكينونته الثقافية، أي لمضمون هويته العامة والخاصة.

ذلك يعني، إن السقوط الأول للعراق تحت السيطرة البريطانية قبل قرن من الزمن، كان تعبيرا عن مستوى وحجم الخلل الذي لازم وجوده ضمن السلطنة العثمانية، بينما كان سقوطه الثاني تحت السيطرة الأمريكية، بعد مرور قرن آخر من الزمن، تعبيرا عن حجم ونوعية الخلل الجوهري في بنيته الحديثة. وبهذا المعنى لم يكن «تحريره» من السيطرة التركية ووقوعه تحت «الانتداب» البريطاني في بداية القرن العشرين، ثم «تحريره» من السيطرة الصدامية ووقوعه تحت «الاحتلال» الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين، سوى التكرار الفج للحقيقة القائلة، بأن ما حدث آنذاك وما يحدث الآن هو «استعداد لما فينا»، ومن ثم «فما أثر فينا غيرنا». بعبارة أخرى، إن الأحداث الدامية والمأساة التاريخية التي لازمت نشوء وتكون العراق الحديث هو دليل على طبيعة وحجم الخلل الذي أصاب نوعية ابتعاده عن مرجعياته الذاتية الكبرى.

فقد كان فقدان العراق لمرجعياته الذاتية نتيجة مترتبة على سيادة التقاليد الراديكالية التي جعلت من «الانقلاب الجذري» أسلوبا وحيدا في التعامل مع الدولة والمجتمع والثقافة، أي مع كل ما لا يمكنه العيش بمعايير العقلانية إلا من خلال تراكمه المستمر بوصفه احترافا مهذبا لوحدة النظام والحرية. وإذا كانت فكرة «المرجعيات الذاتية» تبدو غاية في البعد عن «واقع الحياة» العادية، فلأن الرؤية السياسية للأحزاب و«النخب» لا ترتقي في الواقع عن مستوى «الحياة العادية». بينما يبرهن تاريخ الأمم الكبرى والحية، بما في ذلك تاريخنا العربي وتاريخ العراق منه بالأخص، بأن أكثر الصيغ الفلسفية غلواء في رؤيتها للمستقبل هي الأكثر دقة من أكثر الأحكام نفعية. ومن ثم لا يعني حصر أسباب السقوط والهبوط بحالات جزئية أو عارضة مهما كان حجمها الفعلي فيما نتناوله من قضية، مثل «خيانة الجيش» و«الضباط» و«القادة» و«ابن العلقمي» و«الشيعة» و«الأكراد» و«الروافض» وغيرها، سوى البقاء والعمل بمقاييس الرؤية «السياسية» المسطحة. وحتى في حالة افتراض تأثيرها الفعلي، فإنها تشير إلى خيانة تاريخية أكثر مما تشير إلى خيانة جزئية. بمعنى أنها تعكس مستوى ونوعية الخروج على منطق الأمان والأمانة. إذ لا يمكن لهذا الخروج أن يحدث لحاله. فخيانة الشعب ومختلف مكوناته لمصالحه هو النتيجة المترتبة على خروج السلطة والدولة عن منطق مرجعيات العراق الذاتية.

إن سقوط الدول هو في الأغلب النتاج المباشر وغير المباشر لانحطاط الأمم. وهو انحطاط متنوع الأشكال والصفات لكنه يشترك في كونه النتاج الحتمي الملازم لانحطاط النخب. حيث تتحمل النخبة السياسية بشكل خاص مسؤولية مباشرة عن السقوط، بينما تتحمل النخب الفكرية والثقافية والعلمية مسؤولية غير مباشرة. وفي الحصيلة لا يعني استسلام المجتمع للسقوط سوى «انتصار» الانحطاط الذاتي للجميع. وحدثت هذه الحالة وتحدث وسوف تحدث لجميع الشعوب والدول والأمم حالما تفتقد الحد الضروري من الإجماع على مرجعيات متسامية ومبادئ عملية جامعة.

وفي حال العراق لا يعني سقوطه مرتين مع بداية كل قرن سوى معاناته المستمرة من إشكاليات لم تحسم بصورة تجعله قادراً فعلاً على التكامل في دولة قوية ومتراصة في بنائها الداخلي. لاسيما وأن العراق يتمتع بقدر هائل يؤهله لأن يكون دولة قوية ومركزا فعالا بالنسبة للتكامل العربي المستقبلي وتوحيده اللاحق. ومع ذلك نراه أكثر من غيره من تعرض إلى «مهانة تاريخية» شنيعة! وتقوم هذه المهانة مزدوجة في كونه أول من صنع مضمون الوحدة التاريخية والروحية والثقافية للعرب وآخر من تعرض إلى تهشيم وتجزئة هذه الوحدة إثر سقوط العاصمة العباسية بغداد قبل أكثر من سبعة قرون.

إن الأمم الكبرى تكبو! وفي كبواتها عادة ما تثير غبار الزمن وتستفز الإرادة من أجل امتطاء جوادها من جديد. وليس هناك من جواد عراقي غير ما تجود به مكوناته الذاتية. فالخلل التاريخي الهائل الذي مسّ مختلف جوانبه بحيث تحول الاحتلال إلى «تحرير»، والذي ادخل في دهاليزه مختلف القوى السياسية «الوطنية» و«القومية» و«الليبرالية» و«الشيوعية» و«الإسلامية»، يعكس أولا وقبل كل شيء خلل الفكرة الوطنية والقومية والليبرالية والشيوعية والإسلامية على مستوى الدولة والسلطة والمجتمع والثقافة والسياسة. انه كشف ويكشف عن طبيعة وحجم الخلل في الرؤية الوطنية والقومية والتحررية والاجتماعية والروحية التي تدّعي هذه القوى تمثلها وتمثيلها. وتتحمل مسئولية هذا الخلل جميع القوى السياسية في العراق، كل بمقدار ما فيه من استعداد «للخيانة» و«الانحراف» عن مرجعياته الذاتية المتسامية ومنطق تأسيسها في الدولة العصرية. وتبرز حدة هذه المسؤولية الخطيرة في ظروفه الحالية أكثر بكثير مما جرى في كل تاريخه الحديث.

فالتحول العاصف الذي مسّ مختلف جوانبه بعد الاحتلال الأمريكي، أبقى من حيث الجوهر على جميع الإشكاليات والاحتمالات القائمة فيه، زائد تعقيدها المرتبك في شباك الاحتلال والتدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية. ولا يمكن لهذه الحالة أن تصنع وعيا عراقيا وعربيا متجانسا فيه. وذلك لأن التجانس الممكن بهذا الصدد يفترض ارتقاء الصراع الداخلي لمختلف قواه السياسية بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية والاجتماعية. ويستحيل تحقيق هذه المكونات في ظل الاحتلال والتدخل المباشر وغير المباشر في شؤونه الداخلية.

ويمثل هذا الارتباك النتيجة المترتبة على تناقض «التحرير» و«الاحتلال» الأمريكي للعراق! فقد كان «تحريره» و«احتلاله» وجهان لعملية واحدة هي انهيار الدولة العراقية، أو بصورة أدق انهيار أحد نماذجها. ويعكس هذا الانهيار طبيعة الخلل الجوهري فيها بوصفه النتاج المباشر وغير المباشر لسيطرة وسيادة الراديكالية السياسية في تاريخه الحديث. إذ لم يكن «تحرير» أمريكا للعراق سوى تحريره من صدام، بمعنى استبدال نخبة بأخرى، أي استبدال نخبة تقتل الهوية بأخرى مقتولة الهوية. ويعادل هذا الاستبدال من حيث مضمونه استبدال نخبة خارجة على التاريخ بأخرى لا تاريخ فيها. وفي هذا تكمن إحدى أكثر الإشكاليات تعقيدا بالنسبة لآفاق معاصرة المستقبل فيه.

إننا نقف أمام ظاهرة إعادة إنتاج مقدمات وأسباب الفشل التاريخي الهائل الذي تعرض له العراق منذ أن ظهر بصورته وكيانه الجديد في بدايات القرن العشرين. ولا يعني ذلك من وجهة النظر التاريخية والفلسفية والثقافية سوى فشل جميع تجاربه السياسية على امتداد قرن من الزمن. بمعنى أن قرنا من الزمن هو «تاريخ» ضائع! وهي أحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمة والدولة والثقافة. وتحول هذا الفشل بأثر انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 إلى منظومة متراكمة في إنتاج وإعادة إنتاج هذا الخلل الجوهري. وهو أمر جلي في استمرا زمن «الانقلابات» و«الثورات» و«التحرير»، أي استمرار عدم الثبات والاستقرار.

فقد كان انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958بداية الانحراف التاريخي الكبير عن المجرى الطبيعي والشرعي لتطور الدولة ومؤسساتها، وتفتيتا لمكونات وتراكم عناصر المجتمع المدني. وهو انقلاب بدّل المعايير والمقاييس الاجتماعية والدولتية في النشاط السياسي للأحزاب والنخبة والجماهير من خلال حصره وتقييده لمفهوم وفكرة الثورة بمعايير ومقاييس «الانقلاب الجذري»، الذي تحول لاحقا إلى صيغة أيديولوجية فجة لشرعنة كل النماذج الممكنة للمغامرة السياسية. أما النتيجة المترتبة على هذه المغامرة السياسية فهو السحق المنظم لأغلب العناصر العقلانية المتراكمة في التاريخ السياسي الحديث. بحيث أدى في نهاية المطاف إلى جعل الحزب الأداة الوحيدة للسياسة، ومن ثم الممثل الوحيد «الشرعي» لكل الأفعال الاجتماعية والدولتية، ومن السياسة خادماً وضيعاً للنفسية الحزبية. ولاحقا جرت المطابقة بينهما بالشكل التي جعلت الحزب والسياسة رهينة القيادة المغامرة والقاعدة الخاملة.

وترتب على معادلة «القيادة المغامرة والقاعدة الخاملة» افتعال مضخم لدور الحزب ورفعه إلى مصاف «عقل» و«ضمير» الطبقة أو الأمة وإسقاط للمجتمع وتغيبه في «قرارات تاريخية» هي عين المؤامرة والمغامرة. وهي النتيجة التي بلغت ذروتها في تحول الحزب إلى النخبة الوحيدة التي يحق لها الكلام، والصوت الوحيد الناطق بحروف الحقيقة، والنغم الذي ينبغي أن تسترق له أسماع العوام. من هنا كان ادعاء الحزب الشيوعي بأنه «حزب المثقفين والعمال والكادحين» بمعنى جمع ما لا يمكن جمعه. ومن هنا أيضا كان ادعاء حزب البعث «حزب الأمة والجماهير» بمعنى جمعه ما لا ينبغي جمعه من خلال تحويل الجميع إلى كتلة هلامية مهمتها الانقياد القسري لمعنى «الرسالة الخالدة» فيما يقوله وينطق به في الأغلب أنصاف المتعلمين والجهلة! وهي النفسية التي تجمعت لاحقا في الأحزاب الدينية من خلال جمع الواقع والمقدس في بيانات تستمد هويتها من ماضي المذاهب وأسرار الغيب، بمعنى جمعها ما لا يمكن وضعه بمقولات العلم وواقعية السياسة. إلا أن هذا الخليط اللاعقلاني هو التعبير غير المباشر عن لا عقلانية الواقع والتاريخ العراقي الحديث الذي تراكم بصورة عنيفة في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين. بحيث أدى في نهاية المطاف إلى مصادرة كل ما يمكن مصادرته في رؤى إيديولوجية مسطحة سرعان ما تفجرت قوتها التخريبية في بنية الدولة والمجتمع والثقافة حال وصول كل منها إلى هرم السلطة. وليست الصدامية في الواقع سوى إحدى النماذج الأكثر تطرفا وغلوا وتمثيلا لهذه العملية العقيمة من انتشار وتوسع وتعمق وسيادة الراديكالية السياسية في العراق.

وبهذا المعنى لم يعن سقوط صدام سقوطاً للصدامية من حيث كونها صيغة نظرية وعملية لأحد النماذج الراديكالية العراقية، بقدر ما يعني سقوط أحد أشكالها وإحدى حلقات «الزمن السيئ» في تاريخ العراق الحديث. فقد كان تاريخ الراديكالية في العراق زمنا عرضيا. بمعنى أن حصيلة فعله هو تهشيم وتحطيم وتبذير لمنظومة القيم العقلانية المتراكمة في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. ولم تكتف بذلك، بل جعلت من الأفراد ونزواتهم منظومة ما فوق تاريخية رفعتها إلى مصاف «الضرورة» أو «المقدس». بينما لم يعنِ ذلك من الناحية الفعلية سوى رفع العبودية والإرادة المشوهة إلى مصاف المثال الأرقى للدولة ونظام الحكم والمرجعيات الكبرى. أما النتيجة فهي رجوع إلى الوراء صوب البنية التقليدية، أي بنية ما قبل الدولة العصرية، وبالتالي نخر دائم لأسس الثبات الضروري للدولة ومؤسساتها، والاستقرار السياسي لنظام الحياة ككل.

وأدى الرجوع القهقري إلى مختلف نماذج وأشكال البنية التقليدية إلى «تنظيم» البؤس والانحطاط والتخلف في نظام الوجود. وفي هذه النتيجة كانت تكمن مقدمات انهيار الدولة ومؤسساتها، والمجتمع وقواه الحية، والثقافة ورصيدها العقلاني والإنساني. وبهذا المعنى لم يكن انهيار الدولة العراقية الأخير نتاجا لتدخل أجنبي بقدر ما كان نتاجا نوعيا لتراكم سلسلة الخراب الشامل. ولا يمكن تذليل هذا الخراب دون بديل شامل يرتقي إلى إدراك أسبابه الفعلية ونفيها، برؤية ترتقي إلى مستوى المنظومة الواقعية والعقلانية الشاملة. كما لا يمكن لهذا البديل أن يكون إلا عراقيا. فالمشروع الأمريكي في العراق في بداية انهياره الشامل. وهو مشروع بلا آفاق، لأن الآفاق الوحيدة الممكنة للنظام الديمقراطي الاجتماعي في العراق مرتبطة ارتباطا عضويا بشرعية المشروع. فهي مقدمة وضمانة نجاح مشروع الشرعية الحقيقية في العراق.

ففي وحدة شرعية المشروع ومشروع الشرعية يكمن المضمون التاريخي الفعلي للبدائل. بينما لم تؤدِ كل هذه المعارك الدامية، من اجل إرساء أسس الديمقراطية في العراق، إلا إلى إعادة إنتاج مختلف أشكال الصدامية الجديدة الأقل تحكما بفعل تنافر القوى وصراعها وافتقادها إلى مرجعيات وطنية عامة وملزمة للجميع. وهي مرجعيات لا يمكن تأسيسها في الوعي السياسي الوطني لهذه القوى بسبب كونها مرجعيات يستحيل تراكمها دون مشروع مبني على أسس الشرعية ويؤسس لها في كافة نواحي ومستويات الحياة الخاصة والعامة، في الروح والجسد الفردي والاجتماعي والدولتي.

في حين نقف الآن أمام ملامح انحطاط جديد يشكل بحد ذاته استمراراً لزمن الانحطاط السابق لا نفيا فعليا له. وهو السبب الذي حدد محتوى ما اضعه هنا وبنيته الداخلية. انه يحتوي من حيث بنيته ومهمته النظرية والعملية على قسمين، الأول وأتناول فيه ما يمكن دعوته بتشريح الانحطاط العراقي (أو في العراق) في مجال الممارسة السياسية (استفحال الراديكالية) والهوية الوطنية، والطائفية، والنخبة السياسية، والمجتمع وأخيرا انتشار ظاهرة الإرهاب. بينما يحتوي القسم الثاني على ما يمكن دعوته بفلسفة البدائل التي تهدف إلى تأسيس منظومة النفي الواقعي والعقلاني لمظاهر الانحطاط المذكورة أعلاه، من خلال تأسيس فلسفة النفي العقلاني للتقاليد الراديكالية، وفلسفة الاستعراق وفكرة الهوية الوطنية العراقية، وفلسفة الوحدة الاجتماعية وتذليل النزعات الطائفية، وفلسفة السيادة وسيادة الدولة الشرعية، وفلسفة المرجعيات الثقافية للإصلاح وأخيرا فلسفة الحرية وحل إشكالية الدين والدنيا.

إن حصيلة هذه الرؤية هي التي تشكل مضمون فلسفة البدائل الثقافية، بوصفها فلسفة البديل الواقعي والعقلاني لإشكاليات العراق الجوهرية وسرّ خلله الحديث. وهو مضمون فكرة «تاريخ البدائل» بوصفها نفيا لزمن الخراب. إذ ليس المقصود بتاريخ البدائل سوى الصيغة الواقعية والعقلانية لحل إشكاليات الوجود الكبرى للعراق في مجال بناء الدولة الشرعية، والنظام الديمقراطي السياسي والاجتماعي، والمجتمع المدني، والثقافة العقلانية الإنسانية، وأخيرا هوية المستقبل باعتبارها الهوية الثقافية العربية للعراق. والمقصود بهوية المستقبل هنا ليس نفياً للماضي بقدر ما هو تحريراً للفكر والرؤية من أسار الماضي بوصفه مرجعية عملية شاملة. بمعنى تحريره من الأسطورة والتدين المفتعل والعرق والعقيدة التوتاليتارية، بوصفها مكونات الإبداع الجسدي والغريزي للفرد والجماعة والأوهام.

فإذا كانت الغريزة والأوهام هي المكونات الملازمة لحالة الأفراد والجماعات الهمجية لما قبل التاريخ الفعلي للدولة، فإن هوية المستقبل هي النفي الدائم للحاضر من خلال تحويل الفكر والتفكر والتأمل والأحلام صوب الحرية المتكاملة في نظام الحق والشرعية. ومن خلالها فقط يمكن تذليل عقبات التقدم والتطور وإشكالاته «العصية» الفعلية. وإذا كان حاضر العراق الفعلي هو استمرار لخراب التوتاليتارية والدكتاتورية في بنية الدولة والسلطة والمجتمع والثقافة والأخلاق، فان مستقبله الفعلي يفترض سيادة فكرة الإجماع حول الإقرار المتنوع بوحدة شرعية المشروع ومشروع الشرعية، أي عقلانية البدائل الضرورية في مجال الدولة ونظام الحكم والمجتمع والثقافة.

إن حقيقة المستقبل بالنسبة للعراق مقرونة بالإجماع المتنامي في المؤسسات والجمعيات والعمل الفردي. وهذا بدوره ليس إلا الإجماع من حيث المبدأ على فكرة الاحتمال في البدائل، بمعنى الانهماك في التخطيط المتنوع والمختلف لهوية المستقبل. وليس هذا بدوره سوى الاجتهاد والجهاد الدائم من اجل تحقيق إستراتيجية بناء الهوية العراقية، والدولة العراقية، والثقافة العراقية، والمجتمع العراقي. وبالتالي، فإن غاية ما اضعه هنا لا تقوم على مواجهة أو انتقاد أي تيار أو حركة أو حزب أو قوة أيا كان حجمها وطبيعتها وشكلها في العراق، بل إنه ينتقد الجميع دون استثناء. فكل ما جرى ويجري في العراق هو نتاج لما فيه وفينا. وبالتالي فهو لا يرمي إلى تقييم أو تقويم حركة أو حزب أو تيار، بقدر ما يسعى لتقييم النفس وتقويمها بمعايير المستقبل. وبالتالي فإن نقده الجارح لا يسعى لجرح مشاعر أيا كان، بقدر ما يسعى لتأسيس نموذج معقول وملموس لفلسفة البدائل الثقافية في العراق. بمعنى تأسيس الصيغة السياسية الملموسة لكيفية بناء مرجعيات معقولة ومقبولة بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية للمستقبل.

إن كل ما اتناوله هنا هو للمستقبل، أي لمستقبل الرؤية وإمكانية الاحتمالات العقلانية. وإذا كانت مادته وموضوعه «مرحلة الانتقال» و«المؤقت»، فلأنه ينطلق من الحقيقة القائلة، بأن الانتقال والمؤقت عرضة للزوال، بينما حقيقة المطلق، بما في ذلك في ميدان السياسة والرؤية السياسية، تقوم في جعل كل جزيئات الوجود مواقف لتهذيب العقل والضمير الاجتماعي والقومي والإنساني. وفي هذا يكمن مضمون تاريخ البدائل في العراق، أي نفي زمن الخراب.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

د ميثم الجنابي مع خالص الود

الان اذا حدث التغيير هل نسميه انقلابا ام تغييرا ثوريا قائم على انقاض نظام مستورد ومسلفن من اميركا وايران
اذن نظام الحكم الذي سبق ١٤ تموز كان مستوردا وان ما حدث من تغيير جاء بناء على معطيات ثورية اتت من خلال انتفاضات وتضحيات دفعت فيها الاحزاب دما واعطت قياداتها للمشانق ووحدها وثبة كانون وانتفاضة ٥٦ اعطت الكثير
ان ما حدث غير واقعا اجتماعيا واقتصاديا تمثل في اصدار قوانيين مدنية تقدمية مثل قانون الاحوال الشخصية الذي يعتبر من افضل القوانيين والاصلاح الزراعي وانشاء مئات المصانع التي عجز عن ان يقدم النظام الملكي سوى وزارات تابعة ومتبوعة
كان الاصل ان يكون الطرح يشير الى موضوعية تلك الظروف التي مرت بها ثورة او انقلاب تموز
الموضوعية التي افترض تناولها للاسباب التي ادت الى اجهاض ١٤ تموز من خلال المرجعيات الدينية وعبدالناصر والمخابرات البريطانية اولم تتذكر اسلحة البور سعيد ودور الاقطاع واثر الكويت والقوى الرجعية
كنت اتمنى ان لا تتساوى الاحداث اذ لو تساوت لتوقفت حركات التغيير
وبالتالي سنكون امام مبرر جديد لو حدث تغيير في العراق حديثا وسنضعه في نفس مرتبة ما سبق من احداث وكأن هذه الحركات ميكانيكية الوجود مغيب فيها دور الانسان وانا هنا اشير الى بخس واقول بالذات دور الحزب الشيوعي تأريخيا ازاء ما قدمه من تضحيات جسام مع اني لست معنيا بالدفاع عنه ولكن وجودنا في خضم الاحداث ومعايشتنا لها وللواقع كنا نتمنى ان تتجلى الموضوعية في موضوع حساس مقارنة لما ذهب اليه حنا بطاطو او ليث الزبيدي وسواهما
تقبل كل الود والمحبة

ملاحظة /قرأت الموضوع وانا مع د سلمان كاصد

عبدالامير العبادي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي عبد الامير العبادي
بعد التحية
ان الاسئلة التي تطرحها عديدة ومتنوعة، ويحتاج كل منها الى تفصيل. وهذا امر صعب الان. وقضية الوصف الدقيق لما يحدث وما يمكنه ان يحدث (تغيير، انقلاب، انقلاب ثوري، تغير راديكالي، ثورة شعبية وما الى ذلك يتوقف على طبيعة القوى الاجتماعية السياسية القائمة وراء التغيير وقيادته من جهة، ونوعية البرامج البديلة الفعلية وليس الدعائية، من جهة اخرى. وهذه قضية شائكة في ظروف العراق الحالية، بل حتى لا ضرورة في التركيز عليها. والاسباب عديدة. ولعل اهمها هو غياب قوى اجتماعية سياسية واضحة المعالم ولها برنامجها الدقيق الواقعي والمستقبلي وذات تأثير وطني عام. من هنا فان الاحتمال الممكن هو "تجريب" الثورة او التغيير او التمرد او الاحتجاج اوالانقلاب . فهي كلها مفاهيم متداخلة ولحد ما مائعة. من هنا فان المهمة الضرورية الان تقوم في توجيه طاقة الاحتجاج صوب المسار الاصلاحي الشامل والحفاظ في الوقت نفسه على الدولة. وهذه ايضا مهمة لا تخلو من تعقيد بسبب نوعية وكمية الخراب الهائل في العراق على امتداد عقود من الزمن
ان المقدمة التي كتبتها او التنمهيد هو مجرد مدخل لتحليل ظاهرة الانحطاط واثره في المصير الدرامي والماساوي للعراق. هنا تكمن المهمة وليس في تحديد الموقف من حياة ونشاط الاحزاب السياسية العراقية بشكل عام والقديم منها بشكل خاص. ان النظر اليها ضروري من اجل فهم الحاضر، بوصفها تجربة سياسية ماضية. وعموما ان اغلبها، بما في ذلك التجربة الشيوعية في العراق، تتسم بقدر كبير من الاخطاء والفشل. وهذه في اعتقادي بديهية. وليس في هذا الحكم اي اثر للاحكام القيمية. وينطبق هذا بالقدر ذاته على تقييم تجربة انقلاب الرابع عشر من تموز وآثاره اللاحقة. لقد كان ذلك جزء من زمن الرومانسية الثورية المسطحة. وسوف اتناول هذه القضية في محلها في مجرى الحلقات التي ساقوم بنشرها، وهي تتعدى الاربعين حلقة. وكل ذلك يجري بمعايير نقد الواقع من اجل تأسيس المستقبل العراقي وليس لاعتبارات ايديولوجية.
اني اعرف حساسية الموقف النقدي من انقلاب تمور والحزب الشيوعي، غير ان من الضروري النظر اليهما على انهما ظواهر وحالات جزئية في التاريخ العراقي الحديث. لها ما لها وعليها ما عليها. ولا حاجة لوضعها ضمن اطر الذوق الجماهيري او ذوق العوام (ايقونات وشبابيك الاثمة وما شابه ذلك من اصنام صغيرة!)
ملاحظة اخيرة، ان كل ما كتبته واكتبه لا علاقة جوهرية له بتحليل احداث ومقدمات انقلاب الرابع عشر من تموز ولا تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. ولا اعقتد ان الوقت يكفي بالنسبة لي للتفرغ الى هذه القضية. مع يقيني بانه لا قيمة لهما الان.
ان مضمون ما قدمت اليه سيتبين في مجرى الحلقات اللاحقة.
شكرا على مداخلتك وملاحظاتك.
مع خالص الود

ميثم الجنابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4811 المصادف: 2019-11-07 08:42:00