 قضايا

مقالةُ العَقل في الإسلام (6): ابن رشد

مجدي ابراهيمنتابع آراء ابن رشد متابعة نقدية، ولمَ لا؟ وهو الذي سَنَّ النقد وأسس للمنهجية النقدية وَوَضَعَ لها المعالم البارزة والسّمات الواضحة، نتابعه حول مقالة العقل في الإسلام، لنراه يرفض الأقاويل الخطابية والأقاويل الجدلية ويأخذ بالبرهان فقط ثم يمضي به إلى أعلى منازل الوصول نحو طلب الحقيقة الإلهية. ولا شك في أنه يعتقد في دين يُنسب إلى العقل أكثر مما هو منسوب إلى الوحي. يقول في شرح ما بعد الطبيعة: "فإنّ الشريعة الخاصّة بالحكماء هى الفحص عن جميع الموجودات، إذ كان الخالق لا يُعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه، جعلنا الله وإياكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هى أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هى أجلّ الطاعات.

فلئن كانت طاعة الله بالفكر والتأمل طاعة شريفة بغير خلاف، فلا مناص من أن يكون الدين الذي يقوم عليها هو دين العقل. ولو كان للعقل في ذاته دينٌ لاستغنى الناس عن الوحي.

لا جَرَمَ هذا دين لا يتعدى شرف المعرفة بمصنوعات الله، وهو دين يجعل العقل مقدّماً على الشّرع، إذْ الشريعة بما هى شريعة جاءت للناس كافة، وليس في طاقة الناس كافة أن يحتملوا ما لا يطاق من دين العقل. والعقل نفسه يستلزم فارقاً لا بد منه - فيما يشير العقاد - بين تمثيل الحقيقة للبحث والتفكير، وتمثل هذه الحقيقة بعينها للتدين والاعتقاد. فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصوّر المؤمنين بها؛ لأن الخطاب فيها مُوجّه إلى ملايين من البشر منهم العارف والجاهل، ومنهم الذكي والغبي، ومنهم كبير النفس وصغيرها، وعظيم الحسّ ووضعيه، ومنهم من يطلب الكمال ومن لا يعرف كمالاً يطمح إليه. (الفلسفة القرآنية، بيروت، د/ ت ص 181).

أمّا هذا الدّين الذي يدعو إليه ابن رشد من بحث عقلي بحت، ومن إيمان بسلطان العلم؛ فمن الطبيعي ألا تكون ثمرته متصلة بالدين من حيث هو دين، ولا بالتجربة الدينية التي يتعطل فيها العقل في نهاية المطاف؛ ليتقدَّم الذوق والوجدان، وليرتفع لواء البصيرة على خطاب العقل والبديهة. وهذا هو السبب الذي جعله لم يستطع أن يفصل مقالاً حقيقياً بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل فصل اتصالاً فيما بينهما.

وهذا هو السبب أيضاً في هجومه على التجربة الدينية والروحية. واعتراضه عليها هو اعتراض على المعرفة الخالصة، في حين يؤثر ابن رشد العلم. مطالب الصوفية مطالب روحانية. ومطلب ابن رشد مطلب عقلي في أول وآخر مقام. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل من ابن رشد أيضاً يوغل بالمعقولات إيغالاً ربما يخرجها عن المقصود الذي تتصل أسبابه مباشرة بأرسطو تقليداً ومتابعة، وتكاد لا تجعل التوفيق بينه وبين العقائد الإسلامية أو الجوانب الإشراقية متوافراً ملحوظاً أو شبه ملحوظ.

وفي مقدمة الدكتور أحمد الأهواني ينقل أيضاً نصّاً عن ابن رشد جاء فيه:" وبالجملة فيظهر ظهوراً أولياً أن بين هذه الكليات وخيالات أشخاصها الجزئية وإضافة ما بها صارت الكليات موجودة . وإذ كان الكلي إنما الوجود له من حيث هو كلي بما هو جزئي .." (تلخيص كتاب النفس: ص80، ومقدّمة الأهواني: ص57).

وهذا النّص قاطع الدلالة في أن ابن رشد يؤثر الطريق الذي يُوصّل إلى المعقولات معتمداً على المحسوسات الخارجية، لا ذلك الطريق الذي يذهب إلى أن للكليات وجوداً خارجياً حقيقياً، وعنه تفيض إلى النفس، وهو ما ذهب إلى مثله ابن سينا وغيره ممن يقول بالفيض والإشراق.

ويعبّر ابن رشد عن هذا تأكيداً من جانبه على تأسيس العلم القائم على التجربة الحسية ثم صعوداً من المحسوس إلى المعقول بقوله:" ومن البين أن هذه الكليات ليس لها وجود خارج النفس مما قلناه. وأن الموجود منها خارج النفس إنما هو أشخاصها فقط ". وأن الكليات تستند في وجودها الذهني إلى خيالات أشخاصها، لذلك تكثرت المعقولات بتكثرها، واختلفت باختلاف العقليين لها ... إلى أن قال:" وبالجملة فمن هذه الجهة يلحق المعقولات الأمور التي نرى بها أنها هيولانية، لا المخالطة التي يزعم ثامسطيوس وغيره ممن يقول بوجودها فعلاً دائماً (تلخيص كتاب النفس: ص81).

وددتُ التأكيد على هذه النقطة، أعنى متابعة ابن رشد لأرسطو متابعة تامة، ثم فشل محاولات التوفيق بين فلسفته من جهة والعقائد الإسلامية من جهة أخرى؛ بسبب إيغاله في العقل كمصدر فلسفي خالص يستقي روافده من الفلسفة الأرسطية؛ ثم إقحامه على المباحث الإلهية المنعزلة عن أذواق النّص المقدّس. هذه واحدة.

أما النقطة الثانية: فهى الفرق الفارق بين المنازع العقلية الخالصة لديه، وبين التّوجُّهات الصوفية التي يقطع برفضها على الجملة فضلاً عن التفصيل. فلئن كان قد رفض الأخذ بالفيض والإشراق، وهذا حقه بطبيعة الحال، ورفض أن يكون للكليات وجودٌ خارجي حقيقي، وآثر أن يعتمد على المحسوسات الخارجية ومنها يصعد في طريقه إلى المعقولات: طريقُ أرسطو الذي يؤثره على الدوام؛ فهو من جانب آخر أنكر بموجب اتجاهه العقلاني الموغل في التطرف كل ما ينقض لديه طريق البرهان أو يتصوّر أنه ينقضه بوجه من الوجوه.

وليس لقائل أن يقول: إنك لتحمل على ابن رشد حملة جائرة؛ لأنه أختار طريقه العقلاني ورفض بمقتضاه طريق الصوفية؛ وهذه حملة في غاية الجور. ولكن الحقيقة أننا لا نحمل على ابن رشد من أجل هذا الغرض غير العلمي بالمرة.. كيف وهو الفيلسوف المسلم المستنير؟ بل نفرّق تفرقة ظاهرة بين العقل المطلق الذي لا يعرف له حدوداً يتوقف عندها وهو الذي تبنّاه ابن رشد وعمل لأجله وفق ما أنتهى إليه، وبين العقل المُرَوَّض على الإحالة في المطالب الغيبة العويصة، وهو عقل لا يقبله ابن رشد ولا يسيغ فيه مظنّة القبول.

وبالمقارنة بينه وبين نظرائه لم يكن ابن رشد يدين للولاء إلا لمثل هذه النزعة العقلية الخالصة ممثلة في الرفض الدجماطيقي القاطع. فلئن كان أنكر الخوارق والعجائب والكرامات، ورفض كل ما يأتي به الصوفية في هذه الأمور، وانتصر للعقل في الإيمان بضرورة العلاقة بين الأسباب والمسببات، وذهب إلى أن من يلغي الأسباب ولا يؤكد على وجودها، يلغي في الوقت نفسه صناعة العقل الذي يدلنا على أسباب الموجودات؛ إذ أن العقل ليس شيئا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها ومن رفع الأسباب فقد رفع بضاعة العقل.

أقول؛ إذا كان ابن رشد أنكر الخوارق والعجائب على الصوفية، واعتقد العلاقة الضرورية بين الأسباب والمسببات، فإننا نجد في هذا الباب فيلسوفاً مشرقياً كابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" فعل ما لا يفعله ابن رشد رغم نزعته العقلية، مما يوحي بالدلالة على محدودية العقل عنده، وأنّ ثمة طور يدق فوق إدراك العقول السليمة هو بلا شك طور البصيرة، حتى إذا ما بَلَغَنَا عن أحد العارفين أخباراً تكاد تأتي بقلب العادة فليس لنا أن نبادره بالتكذيب؛ فابن سينا لا ينكر كرامات الأولياء لمجرد أنه فيلسوف عقلاني بل أفرد في "الإشارات والتنبيهات" فصولاً ناصعة رائعة تحدّث فيها عن أحوال العارفين وحركاتهم ودرجاتهم وصفاتهم مما يرفضه ابن رشد ولا يقر بوجوده أصلاً، الأمر الذي يكشف عن مساحة المعقول لدى كل منهما، وما يحرك هذه المساحة من مصادر خارجية تستند إليها، وتشي بنسبة كل فيلسوف إليها بفروق في الدرجات.

وإنا لنلتفت فنجد مفكراً آخر كابن خلدون يحدثنا عن "بهاليل الصوفية" الذين يأتون بالخوارق والعجائب، وعنده أن هذا  فضلاً الله يؤتيه من يشاء، فهؤلاء البهاليل - كما يقول ابن خلدون- قومٌ أشبه بالمجانين من العقلاء، وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين، وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق، مع أنهم غير كلفين. ويقع لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب؛ لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما ينكر "الفقهاء"؛ هكذا يتكلم ابن خلدون، أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم، والولاية لا تحصل إلا بالعبادة. وهو غلط عنده؛ فإنّ فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا على غيرها (را: مقدمة ابن خلدون، القاهرة 1979م، ط3، جـ1 ص 425).

ولما كان ابن رشد قد اجتمعت لديه الصفتين معاً: صفة الفقيه، وصفة الفيلسوف العقلاني، فلا تنتظر منه أن يقبل عجائب الصوفية، بهاليل كانوا أو غير بهاليل، أو يسيغ النظر في خوارق أفعالهم، بل نرجح أن هجومه على التصوف ورجاله، كانت بذرته الأولى من جرثومة الفقه نابتة. ثم لما أستن له طريقاً عقلياً بعد اطلاعه على فلسفة أرسطو، وبعد تبينه وتبدّيه لها، قويت شوكة هذه الجرثومة فرفض التصوف بإطلاق!

وقد سبقت الإشارة إلى أننا لاحظنا أن ابن رشد أراد بالقياس العقلي أن يجيء على غرار القياس الفقهي، وقلنا أن قياس الأول على الثاني من ناحية المسكوت عنه من الأحكام فيه فرقٌ، وفرقٌ كبير ( را: فصل المقال:ص 25 وما بعدها)، إذْ يبدو لنا أن القياس الفقهي قد استخدم في الصدر الأول وما بعده لحاجة عملية، ومعظم الأجوبة التي أجاب بها الرسول صلوات الله عليه، وصحابته والتابعين، فيها ضرب من القياس الفقهي بوجه من الوجوه.  أما القياس العقلي، فهو أمر لا تعرفه الثقافة الإسلامية في الصدر الأول خاصّة. إذْ العلم به علم بالتأويل، والعلم بالتأويل مُتفرّع عن البرهان بالحالة التي يريدها ابن رشد.

وابن رشد نفسه لا ينكر هذا حين يقول:" فإنّ الصدر الأول، إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى، باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان منهم وقف على تأويل لم يُر أن يصرح به. أمّا من أتى بعدهم، فأنهم لما استعملوا التأويل قلّ تقواهم، وكثر اختلافهم، وارتفعت محبتهم، وتفرقوا فِرَقاً (فصل المقال: ص 65).  والملاحظ أنه يقول بالتأويل (فصل المقال: ص32 - 34) ثم يمنع التأويل بعد جوازه، وينكره على الفرق الإسلامية (فصل المقال: ص 62،35 وما بعدها) ثم يطالب به أهل البرهان (فصل المقال: ص 37،38،66) كما يلاحظ أن التأويل عنده يجئ كما لو كان توفيقاً كما فعل مع فكرة قدم العالم بين الفلاسفة والمتكلمين (ص43- 41 من فصل المقال)، وذلك حين وفق بين ما بدا له من تعارض في وجهات النظر. وقد حذر ابن رشد من كل تحريف يقع للطرق المشتركة المذكورة في القرآن، فمن حرفها بتأويل لا يكون ظاهراً بنفسه، فقد أبطل حكمتها، وأبطل بعد ذلك فعلها المقصود في إفادة السعادة الإنسانية (فصل المقال: ص65).

ونحن نسأل .. كيف يقرُّ هنا التأويل وكيف ينفيه بعد أن كان قد قرره، ثم ينفيه إلا إذا كان ظاهراً بنفسه، ظهوراً مشتركاً للجميع؟ أيكون قد وضع في اعتباره منهج النقد للأشاعرة وللفرق الإسلامية الأخرى؟ ولماذا أتكئ في البداية على وجوب التأويل ثم أشترط ها هنا في تقريره - بعد أن نفاه عن الفرق - على التقاط الاستدلالات الموجودة في أشياء، كان الشرع كلفنا اعتقادها، وجميعها معتمد في الكتاب العزيز؟

فإذا ما أخذ من أراد لنفسه أن يرفع عن الشريعة لواحق البدع في نظره إلى مجمل الآيات بما أمكنه من غير أن يتأوَّل من ذلك شيئاً؛ إذا اجتهد من أراد لنفسه ذلك من غير أن يتأوَّل منه شيئاً ألا يكون التأويل ظاهراً بنفسه ظهوراً مشتركا للجميع، فلا بد أن يكون من أهل البرهان. هكذا يقول ابن رشد في فصل المقال

(ص56) . فإذا عرفنا هذا عنه، قلنا إنه لا يلزم ذلك؛ فالتأويل في ذاته ممتنع إلا على الراسخين في العلم، وهم أهل البرهان دون غيرهم في نظر ابن رشد. ولما كانت التأويلات التي خصّ الله العلماء بها لا يمكن أن يتقرر فيها إجماع مستفيض بنصّ ابن رشد (فصل المقال: ص 36- 38)، صارت الحقيقة الإيمانية لا يمكن الوصول إليها بالبرهان؛ لأن عين هذه الحقيقة غير عين تلك، أعني عين الحقيقة البرهانية غير عين الحقيقة الإيمانية.

ولننظر في قول لابن رشد كهذا القول الذي يعتمد فيه على الآية القرآنية الكريمة:"أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هى أحسن" (الآية 125 من سورة النحل)، وإنه ليعني بالحكمة (البرهان). وبالموعظة الحسنة (الأقاويل الخطابية). وبالمجادلة بالتي هى أحسن (الأقاويل الجدلية). وهذه هى طرق الدعوة إلى الله كما يتصورها ابن رشد (ص31،30 فصل المقال) .

ونحن نسأل مرة تلو الأخرى: لماذا لا تكون الحكمة هنا حكمة أعلى من حكمة البرهان العقلي أو حكمة النظر الفلسفي؟ وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد خَصَّ بالبعث إلى الأحمر والأسود، فلا لأن شريعته تتضمن طرق الدعاء إلى الله، وأعلاها وأرفعها عند ابن رشد البرهان وكفى، ولكن لأن الحكمة هنا هى حكمة "وحي" جاء ليدب في أنفاس الخلائق كلمات الحق، فإذا هم أعزة حكماء بقدر ما عرفوا من الكتاب والحكمة، وبقدر ما تزكت فيهم العقول والأرواح، وترقت الأفئدة والضمائر على ما قال تعالى:" ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"(البقرة: الآية 129).

وعليه؛ فتعلُّم الكتاب والحكمة مقرونٌ بالتزكية غير مفصول عنها حتى إذا نشأت العلوم عن الكتاب والحكمة، فلا بدّ من علوم تنشأ كذلك عن التزكية، فلا الحكمة وحدها بكافية دالة على المقصود ما لم تكن التزكية متممة لها في طريق الصعود إلى الهدف الأسمى من التعليم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4816 المصادف: 2019-11-12 02:35:44