 قضايا

الحقيقية الكونية وألغاز الكون العصية

جواد بشارةLa vérité Cosmique et Les énigmes insurmontables de l’Univers

الثقوب السوداء والثقوب الدودية، المادة المظلمة والطاقة السوداء، المادة المضادة والكتلة السالبة، الزمكان، الموجات الثقالية، الأكوان المتعددة.. مقدمة كتابي الجديد

عندما سُئل اينشتاين عن الله قال:

"لست ملحدًا، فالمسألة المطروحة أكبر من أن تستوعبها عقولنا المحدودة، نحن نقف في موقف الطفل الصغير الذي يدخل مكتبة ضخمة مملوءة بكتب مكتوبة بـلُغات عديدة، يعرف الطفل أنه لابد أن شخص ما كتب هذه الكتب ولكنه لا يعرف كيف، فهو لا يعرف اللغات التي كُتبت بها هذه الكتب، ويساور الطفل قدر ضئيل من الشك في أن هناك نظاما غامضا أُستخدم في ترتيب الكتب غير أنه يجهل كنة هذا النظام وحسبما يتراءي لي فإن هذا هو موقف البشر من الله، حتي أكثرهم ذكاءً فنحن نري الكون منظما على نحو يثير الدهشة ويخضع لقوانين معينة، ولكننا لا نفهم القوانين إلا بقدر ضئيل".

فما هي المادة والطاقة، وماهو الفضاء والمكان والزمن؟ هناك مقولة فيزيائية لأحد العلماء تقول ان الطاقة هي مادة متحررة والمادة هي طاقة بانتظار أن تتحرر وهما محكومان بقانون حفظ الطاقة والمادة أي أنها لا تفنى و لا تستحدث من العدم، فهل هذه المسلمة صحيحة على نحو مطلق أم قابلة للتغيير؟ وهل نسيج الزمكان هو نسيج بالفعل؟ هل كان هناك مكان وقع فيه حدث الانفجار العظيم؟ وهل كانت هناك حقبة زمنية سبقت وقوع حدث الانفجار العظيم؟ وفي أي حيز مكاني حدث التضخم الكوني المفاجئ والدائم، وهل هو محدود أم لانهائي؟ هل الزمن مكون حقيقي من مكونات الكون المرئي أم هو منبث جراء عملية تفاعل كونية أي مجرد وهم؟ وهل المكان مكون حقيقي من مكونات الكون المرئي أم متولد ومنبثق من عملية تفاعل كونية عرفت باسم الانفجار العظيم أي مجرد وهم؟ ولماذا لايكون حدث الانفجار العظيم البغ بانغ مجرد وهم مختلق من قبل العلماء؟ فالعالم جيمس بيبل James Peebles الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 2019 والمختص بطفولة الكون المرئي يقول أن هذا المفهوم غير مضبوط وغير صحيح. فهو يشير إلى حدث ومكان وقوعه والحال إن الإثنين خاطئين. لم يحدث فعلاً انفجار كبير في البدء كما يتصور الكثيرون . فهناك طفولة للكون المرئي وليس ولادة فالحديث عن البداية أمر بالغ التعقيد ففي الواقع نحن لانمتلك نظرية صلدة ومثبتة عما حدث بشأن بداية الكون . في حين يتكتلك علم الكونيات الكثير من النظريات الجيدة التي تحدثنا عن تطور الكون المرئي منذ اللحظات الأولى بعد التوسع الكوني قبل حوالي 13.8 مليار سنة وهي اللحظات الأولى ــ الثواني والدقائق ــ التي أعقبت ظهور الكون المرئي والتي وصلنا منها غشعاعات إحفورية ميكروية التي ترسم لنا الخلفية الكونية الميكروية . ولقد تم التحقق من صحة الكثير من تلك النظريات، في حين تحتاج نظريات أخرى للتأكيد القاطع كنظرية التضخم الكوني الأبدي. وبالطبع لانمتلك مقاربة علمية ناجعة وصلدة بشأن ما قبل الولادة والبغ بانغ فهناك نظريات عديدة لكنها غير مثبتة مختبرياً . بوسع جميع العلماء أن يختلقوا نظريات لكنها لاتمت للواقع بصلة عدا تلك التي أجريت عليها تجارب وثبتت صحة توقعاتها وتنبؤاتها والحال أننا نفتقد للدليل العملي والبرهان المختبري على ما حدث وماكان موجوداً قبل حدث البغ بانغ.

من بين النظريات المدرسة في المعاهد والجامعات المتخصصة بعلم الكونيت هناك نظرية التضخم l'inflation,، وهي مرحلة بالغة القصر حدثت قبل التوسع l'expansion المنتظم والملوحظ أوالمشاهد اليوم للكون المرئي، وهي نظرية جميلة وأنيقة لكنها تفتقد للوضوح التام والدليل المختبري القاطع على صحتها. يذهب العديد من العلماء إلى فرضيات ومقاربات غريبة عن المرحلة التي سبقت البغ بانغ “pré-Big-Bang” وتتحدث عن حالة تضخم أولي انطلاقاً من تكاثف وتجمع للمادة الأولية، ومن ثم دخل في مرحلة التوسع التدريجي هو الذي يجب أن نطلق عليه تسمية البغ بانغ ولا أحد يعرف على وجه الدقة الصلة والارتباط بين المرحلتين عدا بعض الفرضيات الجريئة التي تقول أن المادة الكثيفة والساخنة جداً تضخمت بمعدل 1048 مرة خلال جزء من مليار من الثانية 10-12 s خلال مرحلة التضخم وأعقبتها مرحلة التوسع المنتظم والعنيف التي يمكن تسميتها البغ بانغ . وخلال هذه المرحلة تطورت كتلة من المادة المكثفة والساخنة جداً والمكونة من جسيمات أصلية أولية بدئية تكوينية جوهرية، بروتونات ونيوترونات وإلكترونات، وبردت لكي تشكل الذرات المادية الأولى التي نعرفها اليوم والتي منها تشكلت النجوم الأولى وكواكبها والمجرات الأولى، وهذا هي التي تعرف بالنظرية المعيارية للانفجار العظيم La théorie standard du Big Bang التي تتضمن التضخم الكوني. وقد قام فريق بحث علمي من كينيون كولج التابع لمعهد ماسوشوسيت للتكنولوجيا أم آي تي Massachusetts Institute of Technology (MIT) بالتعاون مع جامعة ليدن الهولندية بإجراء عملية محاكاة كومبيوترية لعملية الانتقال الحرج بين التضخم الكوني والانفجار العظيم أو التوسع الكوني المنتظم في إطار نموذج ماقبل البغ بانغ وهي الرحلة المسماة بإعادة التسخين réchauffage مابعد التضخم والتي حددت ظروف التوسع الكوني بصورة الانفجار داخل البغ بانغ على حد تعبير البروفيسور وأستاذ الفيزياء في MIT دافيد كيسر David Kaiser عندما تحدث عن هذه المرحلة الانتقالية التي تصرفت فيها المادة على نو معقد ومركب حيث نجمت عن ذلك الموجات الثقالية les ondes gravitationnelles وموجات التكثف les ondes de densité ومن ثم تشكل البروتونات وبداية الاندماج النووي ونهاية الاندماجات النووية الأولى في الدقائق الثلاثة الولى قبل 13.8 مليار سنة من عمر الكون.

عندما تطور الكون المرئي في جزء من مليار من الثانية أثناء التضخم الكوني، تمددت وتبددت كل المادة الكونية في جميع الاتجاهات تاركة منطقة فارغة وباردة خالية من الحساء الأولي soupe primordiale المكون من حشد وتراكم كم هائل من الجسيمات الساخنة والكثيفة والضرورية للبدء بمرحلة البغ بانغ . وفي أثناء مرحلة إعادة التسخين إن الطاقة التي تسببت بحدوث التضخم قد تفتت إلى جسيمات أولية

ومن ثم تقافزت تلك الجسيمات وتصادمت فيما بينها محولة الجمود والقصور الذاتي إلى طاقة حركية الأمر الذي تحكم بحراة الكون لخلق الظروف الملائمة الأساسية أو التأسيسية لحدوث البغ بانغ . ويعتقد أن ذلك النوع من الجسيمات الولية التاسيسية تشبه في طبيعتها بوزونات هيغز ومسؤولة عن خلق حقل الطاقة الذي تسبب في حدوث التضخم الكوني، وهي طاقة الحقل الافتراضي العددي l’énergie du champ scalaire hypothétique التي يمكن أن توزع بفعالية بغية خلق التنوع في الجسيمات الأولية الضرورية لإعادة تسخين الكون البدئي أو البدائي . وحتى الجاذبية أو الثقالة باعتبارها إحدى القوى الكونية الجوهرية الربعة، تتصرف على نحو مختلف مع الطاقات الفائقة. فعندما ندرس الكون البدائي الأولي فإننا نحقق تجربة مع جسيمات فائقة الحرارة ويسعى العلماء اليوم للعثور على أدلة قاطعة عن فترة الانتقال من المرحلة التضخمية الباردة إلى المرحلة الساخنة التي من المفترض أنها تحتوي على جسيمات حقيقية وليست افتراضية في وسط تلك الطاقات العالية أو الفائقة .

النظرية المعيارية للانفجار العظيم البغ بانغ تقول أن للمادة الناجدمة عن تلك العملية هناك مادة مضادة تساويها بالكمية تقريباً وتعاكسها بالشحنة ولكن نموذج جديد للكوسمولوجيا يخبرنا أن هناك كون من المادة المضادة موجود حتى قبل حدوث الانفجار العظيم .

يقف علماء الفيزياء والكونيات اليوم أمام مفارقة عويصة فهم لايعرفون على وجه الدقة كيف تتصرف الجاذبية أو الثقالة في الطاقات القصوى التي كانت موجودة إبان مرحلة التضخم . فنظرية النسبية العامة لآينشتين تخبرنا بأن كل مادة تتأثر بالثقالة أو الجاذبية بنفس الطريقة حيثما تكون الثقالة أو الجاذبية ثابتة مهما كانت طاقة الجسيمات .والحال، وبسبب الخصائص والميزات الغريبة للميكانيك الكمومي أو الكوانتي، فإن العلماء يعتقدون اليوم أنه في حال الطاقات القصوى أو الفائقة جداً تتصرف المادة على نحو مختلف إزاء الجاذبية أو الثقالة. وعند إجراء المحاكاة المشار إليها أعلاه أدخل فريق البحث هذه الفرضية في نموذجهم الرقمي بتغييرهم لقوة تفاعل الجسيمات مع الثقالة أو الجاذبية واكتشفوا أنه كلما زادوا من قيمة قوة الجاذبية أو الثقالة كلما زادت فاعلية التضخم بنقله للطاقة لإنتاج حقل أو مجال الجسيمات المادية اللازمة للبغ بانغ.

مايزال الكون المرئي يحتوي على اسرار غامضة وألغاز عصية ومهمة العلماء هي دراسة طبيعة الاقع من خلال تقديم أدوات لفك الشيفرات وطريقة لاستخلاص المعلومات عن الكون المرئي ومن بينها تجارب المحاكاة الكومبيوترية لتصور صيغة الكون وصورته التقريبية وكيف يبدو ويتوقع العثور على آثر عن مرحلة إعادة التسخين réchauffage رغم صعوبة وتعقيد مثل هذه المهمة. فهو في الوقت الحاضر عبارة عن كرة من الإشعاعات تكون بعد بضعة آلاف من السنين بعد البغ بانغ والتي تعرف بالخلفية الإشعاعية الأحفورية الميكروية le fond diffus cosmologique (CMB) وهي إشعاعات تخبرنا فقط الكون خلال اللحظات الأولى لظهورة بعد الانفجار العظيم وينبغي التأمل ودراسة الموجات الثقالية des ondes gravitationnelles بغية العثور على تلك الاثار المنشودة لإثبات صحو النموذج الكوسمولوجي الجديد المقترح .

وخلال عملي وأبحاثي في علم الكونيات " الكوسمولوجيا" واجهتني معضلة إدراك وفهم واستيعاب العديد من الألغاز الكونية وعلى رأسها الثقوب السوداء في الكون ودورها وسرها وماهيتها وما يحدث في داخلها وعلاقتها بالزمن الذي ربما يتجمد إلى الأبد في داخلها، ونوع الجاذبية أو الثقالة فيها وتأثيرها على نسيج الزمكان وغيرها من التساؤلات المتعلقة بهذا المسخ الفضائي الذي أفرزته لنا تداعيات النظرية النسبية لآينشتين نظرياً في بادئ الأمر ومن ثم بات عرضة للتساؤلات والشكوك والإنكار أحياناً، وفيما بعد غدا حقيقة علمية لا جدال فيها بعد أن تمكن العلماء من تصوير أول ثقب أسود في مجرة أم 87 M 10 نيسان سنة 2019، ولكن هل النجاح في تصويره فوتوغرافياً يكفي لإثباته وجوده قطعياً؟ ما الذي نعرفه عن الثقوب السوداء؟ هذا ما سأحاول البحث فيه في هذا البحث الصغير والمختصر والبسيط الموجهة للعامة من الناس وللشباب وطلاب الثانويات والجامعات من غير المتخصصين في علوم الفيزياء.

ولقد طلب مني أن ألقي محاضرتين عن هذا الموضوع إحداهما في محافظة بابل في العراق والأخرى في باريس، ولقد وجدت أن هناك فائدة في ضم مضمون هذين المحاضرتين وإضفاء بعض التعديلات والإضافات إليهما بغية إعداد هذا الكتاب الصغير في حجمه والكبير في فائدته كما أرجو .

وجد العلماء أن للنجوم الهائلة والعملاقة في الكون نهايات غامضة وغريبة. فأغلبها ينهار تحت وطأة ثقالته أو جاذبيته الذاتية ووزنه لعدة مرات إلى أن يصبح مضغوطاً، وهذه الظاهرة تسمى علمياً " الإنهيار الثقالي effondrement gravitationnel، والتي يمكن أن تستمر إلى أن تصل إلى مرحلة حرجة لتشكل ما عرف بالثقب الأسود، الذي تم تخيله أولاً، وحسابه، وتمثله حاسوبياً عن طريق برنامج محاكاة متطور، وأخيراً تصويره. لا يمكننا التعاطي مع عمله ووظيفته ودوره إلا من خلال نظرية النسبية العامة وهو الظاهرة التي تحققت من خلالها تنبؤات آينشتين كما قال العالم الفرنسي المتخصص بالثقوب السوداء جون بيير لومينيت Jean-Pierre Luminetمن مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا. إحدة تنبؤات آينشتين النظرية هي أن الزمن يمضي على نحو أبطأ عندما يكون قريباً من الثقب الأسود بسبب الحقل الثقالي الهائل لهذا الأخير. ولو تصورنا، نظرياً بالطبع، وجود رائد فضاء رحالة عبر الزمكان، يقترب من أفق الأحداث لثقب أسود، أي بالقرب من محيطه فتحته، فإننا على الأرض، على افتراض امتلاكنا لمقراب جبار، سوف نرى عقارب ساعة المسافر الفضائي تتباطأ في حركتها فكل ثانية تصبح دقيقة، وكل دقيقة تصبح ساعة كاملة، وكلما اقترب أكثر، تغدو كل ساعة يوم، وكل يوم شهر وكل شهر سنة، وعندما يصل إلى نقطة اللاعودة، قبل أن يبتلع الثقب الأسود رائد الفضاء المغامر الإنتحاري، فإن كل ثانية تغدو لحظة أبدية une éternité، حيث يتجمد الزمن، من وجهة نظرنا نحن سكان الأرض، إلا أن الرحالة الفضائي نفسه لن يريى ما نراه عندما ينظر لعقارب ساعته التي تدور على نحو طبيعي بالنسبة له، ويسمي العلماء ذلك بالزمن المحض أو الزمن الخالص temps propre. ولكن عندما ينظر رائد الفضاء نحو الأرض باتجاه ساعاتنا الأرضية، فسيرى العكس، فسوف يشاهد زمننا على الأرض يمضي بسرعة مضطردة وبتسارع هائل كلما اقترب هو من الثقب الأسود أكثر فأكثر فالساعة تصير ثانية ومن ثم ميكرو ثانية، ومن ثم واحد من مليار المليار المليار المليار من الثانية الخ... وهو المعروف بالزمن الظاهر temps apparent بالنسبة للمسافر الفضائي في حين أننا لا نرى أي تغير في سرعة جريان الزمن عندنا على الأرض بالنسبة لنا، وهذا الاختلاف بين " الزمنين " هو الذي يشير إلى المرور من العالم الكلاسيكي إلى العالم النسبوي، بعبارة أخرى إن الثقوب السوداء هي الأجسام الفضائية التي يتوقف فيها الزمن الذي نعرفه أو ينعدم وجوده لأنه يتجمد ويتوقف عن المضي والتدفق. هذه هي الرؤية الجديدة والمقاربة المختلفة التي سأتوسلها لمعالجة أسرار وألغاز الكون العصية التي تواجه العلماء وتتحدى العلم المعاصر

 

د. جواد بشارة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4825 المصادف: 2019-11-21 01:25:54