 قضايا

الخطاب الإسلامي بين أزمة القوالب الفكرية وأبعادها الدلالية

لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة، وما ينشئ عن ذلك من تصورات في الذهن، أو الفكرة وما تولد من معارف وألفاظ، يكون ذا أهمية قصوى ويحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنية اللفظ ومنشئه ودلالاته وما يترتب عليه من فعل، أو نظمه في خطاب ذا دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه. فلكل لفظ دلالات ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لأن الألفاظ هي حصيلة الأفكار ووسيلة التواصل بين البشر، والتي يعبر فيها الفرد عن أفكاره، لذلك يعتبر الكلام من أخطر وأهم وسائل التواصل، حيث تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأما أهميته فتكمن فيما ينتج عن صياغته من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

ففي العقود الأخيرة في مجال فلسفة العلوم هناك مصطلح يطلق عليه "البرادايم"، وكان ممن بحث هذا المصطلح الفيلسوف توماس كون في كتاب بنية الثورات العلمية، يقول توماس أنه في كل حقبة من حقب التاريخ يكون هناك نموذج وإطار ذهني يفكر من خلاله وبداخله علماء وأشخاص ذلك العصر، هذا الإطار الذهني بمثابة صندوق، والناس يفسرون الأشياء من خلال هذا الإطار الذهني.

هذه المنظومة الفكرية التي يتحرك الناس خلالها في تفسيراتهم للمحيط، يوجد مثيل لها في الإطار العلمي أيضا، كما يذكر توماس ويصف ذلك بالبرادايم. فيرى توماس أن في كل عصر من العصور، هناك برادايم وإطار ذهني معين ومن خلال هذا الإطار يفسر الناس كل شيء، ولا يتهاوى هذا الإطار بسهولة، وعادة يأخذ وقتا طويلا إلى أن يبدأ يختل أمام وجهات نظر أخرى إلى أن يتهاوى وقد تصل المدة إلى ١٠٠ عام. وعندها تحدث الثورة التي يسميها توماس كون "تحول البرادايم" Paradigm Shift" أو تحول النموذج الإرشاري، حيث يظهر النخب والعلماء بأفكار جديدة مختلفة تماما عما كان سائدا لأعوام بل لقرون، وهي ليست مجرد أفكار عابرة بل ثورة حقيقية تغير مسار الفهم العام للأمور والذي ظل سائدا لزمن طويل.

مثال ذلك ما أحدثه آينشتاين في نظريته النسبية بعد أن ظلت قوانين نيوتن حاكمة إلى ما يقارب ٢٠٠ عام، عاش خلالها علماء الفيزياء تناغم علمي وجريان في الفهم كجريان النهر، حتى وصلوا إلى انسداد في تطبيق بعض النظريات تجريبيا، فقام آينشتاين بطرح سؤال بسيط لكنه خارج البرادايم "النموذج الإرشادي" السائد علميا في الأوساط في تلك الفترة، وهو: ماذا لو كان الخلل في النظرية الأساس التي على أساسها وضعنا فرضياتنا العلمية وأجرينا على ضوئها تجاربنا؟ ثم خرج بنظريته النسبية إلى العالم دون وجود أي مرجعيات علمية سابقة لها، وأحدث ثورة علمية كبيرة ما زال صداها يتردد إلى يومنا هذا.

وعل القرآن حدثنا بطريقة ما عن النموذج الإرشادي أو البرادايم حينما أشار لحركة الرفض الجماعية لدعوة الأنبياء والرسل في بداياتها من قبل الناس الذين تتم دعوتهم، وكان تعليل رفضهم أنهم يتبعون النموذج الذي اتبعه آباءهم وأجدادهم، ويرفضون أي تفكير أو فكرة خارج هذا الإطار الموروث والمتعارف، الذي اعتادوا عليه وركنوا له. وهو أشبه ما يكون بما يسمي اليوم البرادايم أو النموذج الإرشادي، إلا أن صراع الأفكار والوعي والمنطق والتعاقب والتراكم المعرفي مع التقادم الزمني، استطاع أن يخرج هؤلاء أو من تلاهم من أجيال من الصندوق المغلق والبرادايم الموروث والنموذج الإرشادي للأجداد والآباء.

إذا البرادايم يمثل النموذج الفكري والقالب الذي يضع النخب والرموز والمفكرين والعلماء أنفسهم فيه، نتيجة سيادة أفكار ونظريات مدة طويلة من الزمن، تصبح مألوفة ومشهورة ومتعارفة بل كثيرا ما تتحول إلى مسلمات يتم توارثها عبر الأجيال، وتشكل النموذج الإرشادي المغلق خاصة على مستوى التفكير والسلوك، إلى أن نصل إلى مرحلة انسداد فكري يعجز خلاله هذا البرادايم عن حل معضلات عصرية والإجابة على تساؤلات علمية، وفشل تجارب تطبيقية لهذا البرادايم مهما حاولوا تطويره من الداخل، هنا تحدث القفزة والتحول في النموذج الفكري من خلال طرح تساؤلات جديدة خارج البرادايم السائد، وهو ما يدفع طارحها وصاحب هذه الثورة الفكرية، للتفكير ضمن أطر فكرية مغايرة للمألوف والمشهور، ويصبح في حالة صراع ديالكتيكي بين ما هو موجود وما وجد من جديد، وفترة هذا الصراع قد تطول وتقصر وفق قدرة النموذج الجديد على إثبات نفسه من جهة، وقابلية المتلقي للنموذج الجديد على قبوله من جهة أخري، والخروج من البراداديم القديم ليس بكل ما يملكه من علوم وأفكار، ولكن خروجا من كل ما تم إثبات عدم صحته وفاعليته، أو ما أثار حوله شبهات إقصائية، صرفت أذهان الناس عن الآراء الأخرى، وأدى طرح التساؤلات خارج هذا البرادايم نتيجة التلاقح الفكري والثقافي، إلى اهتزاز النموذج الإرشادي و حصول قفزة في وعي المتلقين أدت لاهتزاز البرادايم السائد فكريا وسلوكيا.

واللغة التي يتشكل منها الخطاب والمفاهيم والأفكار، لا تخرج عن قانون البرادايم، ليس في بعدها المستقل، أي ما تشكله بذاتها مستقلة كألفاظ ودلالات، وإنما في بعدها التطبيقي ومحيطها الإجتماعي وتأثيرات الزمان والمكان، في صناعة ألفاظها والأبعاد الدلالية وتشكيل بنية الخطابات وفق هذه الأبعاد. فالألفاظ التي تشكل بنية الخطاب هي صناعة أفكار صاحبها، وصانعة أفكار المتلقي، فهي وسيطة بين الخطيب والمتلقي، فهي من جهة حصيلة أفكار الخطيب، ومن جهة أخرى تشكل وعي وإدراك المخاطب. فهي كألفاظ لها بعدين:

١- البعد الفردي الذاتي والتي تشكلت فيها الأفكار في دائرة الفرد الذاتية، التي تكون حصيلة تراكمات عديدة تؤثر فيها عوامل عديدة، فهنا الألفاظ حصيلة فكر الفرد في بعده الذاتي.

٢- البعد الاجتماعي التواصلي، التي تعتبر فيها اللغة وما تحويه في بنيتها اللفظية، الوسيلة المحورية في التواصل بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، وفي هذا البعد التواصلي، اللغة تصنع أفكار المتلقي وتصوغ أفعاله.

فالخطاب وما يشمله من بنية لغوية ودلالية، لها أبعاد ودور في تشكيل التصورات وصناعة وعي المتلقي، وبالتالي تشكيل بنيته الفكرية وسلوكه الاجتماعي وبناء منظومته العقدية والفكرية، هو يخضع أيضا لقاعدة النموذج الفكري الذي طرحه توماس.

ويتشكل الخطاب متأثرا بعدة عوامل أهما:

١- البنية الفكرية للمُرسِل، ونعني هنا بيئته الثقافية، معتقداته، منظومة قيمه ومعاييره.

٢- البيئة الاجتماعية.

٣- البيئة السياسية.

٤- البيئة الدينية الحاكمة

٥- الذاتية، ونعني بها ذاتية المُرْسِل وموقعه الاجتماعي أي مدى رمزيته في المجتمع كنموذج.

وعادة ما يتكون الخطاب من العناصر التالية:

١- المُرْسِل.

٢- المُسْتَقبِل.

٣- مضمون الخطاب

٤- الهدف من الخطاب وهو ما يريده المرسل من الخطاب. (الرسالة التي يريد إرسالها للمستقبل).

٥- الوسيلة التي من خلالها يتم إيصال الخطاب.

والخطاب ولغة الخطاب تتشكل من ألفاظ لها دلالات، لذلك اللغة أو اللفظ المعبر عليه أن يكون:

١- معبرا بشكل صريح عن الفكرة الموجودة في الذهن.

٢- والفكرة الموجودة في الذهن عليها أن تكون مطابقة للواقع.

٣- بالتالي على اللفظ المستخدم والمكون للخطاب أن يكون معبرا عن الواقع في بنيته ودلالاته، وهو ما يتطلب أن يكون:

أ- خطابا موضوعيا

ب- خطابا غير متحيز معرفيا

ج- خطابا جامعا غير إقصائيا، بمعنى طارح للرؤى المتعددة.

د- ألفاظه بسيطة غير مخلة بالأصول وعميقة وبنيته علمية وواقعية ومحفزة للوعي، وموجهة للإدراكات باتجاه الواقع لا الوهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما علاقة التفكير باللغة؟

التفكير واللغة:

هناك علاقة وطيدة بين بنية تفكير الفرد واللغة التي من خلالها يقوم بالتعبير فيها عن هذه الأفكار، وتطرح في هذا الصدد تساؤلات كثيرة أهمها:

١ـ كيف يمكن أن نترجم نتاج عمليات تفكيرنا إلى صيغة يمكن للآخرين فهمها؟

٢ـ كيف يمكن أن نحل شفرة لغة الآخرين لكي نصل إلى الأفكار التي يحاولون التعبير عنها؟

إن هاتين النقطتين بالتحديد والمتعلقتين بجوانب الترجمة، أي آلية ترجمة الأفكار في قوالب لغوية، وآلية ترجمة هذه القوالب اللغوية من قبل المتلقين لها وفق دلالاتها التي يريدها المتكلم، أي اليات بناء الخطاب من قبل المتكلم لترجمة أفكاره، وآليات فهم دلالات الخطاب من قبل المتلقي. هاتين النقطتين يشكلان الاهتمام المحوري لنظرية علم اللغة كما يطرحها نعومي تشومسكي (N.Chomsky).

يهتم تشومسكي بوظيفة الاتصال الخارجي للغة، أي اللغة التي تشكلت فيها أفكار المتكلم، أي الخطاب التواصلي وبنيته اللغوية، حيث يهتم بالإجابة عن السؤال الثاني وهو:

كيف يمكن أن نحل شفرة لغة الآخرين لكي نصل إلى الأفكار التي يحاولون التعبير عنها؟

فكيف يمكن للناطقين بلغة ما استخدام لغتهم للتعبير عن الأفكار وفهم المعاني الصادرة من أي منهم، أي كيف يمكن أن نفسر الأصوات الصادرة عن أفواه الآخرين على أنها تعبر عن النطاق الكامل للمعاني والأفكار التي هي بمقدور البشر.

وهنا نحن نتحدث عن البنية الفكرية وآليات التواصل اللغوية والدلالات التي ترسل تصورات للمتلقي وتصنع أفعاله ووعيه. ولا نتحدث عن ضرورة تطابق الخطاب مع الواقع ومدى مصداقيته وامتلاكه للحقيقية، وهو أمر لا يقل أهمية عن الخطاب وبنيته اللغوية ودلالاتها.

إلا أن محاولة البناء العلمي للخطاب ودلالاته قد يقلل مساحة الوهم ويوسع من دائرة واقعية الخطاب وكشفه عن الواقع والحقيقة، وهو المراد تحقيقه من تناول هذه الأبحاث، وإن كان ادعاء مني ومحاولة تصويبية للخطاب لتحقيق هدف الصدق في الحديث، وهو ما يعبر عنه تشومسكي في نظريته القواعد التحويلية التي وضعها لإنتاج جمل صحيحة وهو ما يسمى الأداء المثالي. ولكن حتى لو سلمنا بالأداء المثالي في اللغة، فماذا عن الاستعمال الفعلي لها، وماذا عن الفهم الدلالي للمستقبِل والذي يعد فهما نسبيا خاضعا لإدراك ووعي المستقبِل؟

فنظرية تشموسكي (١٩٦٥) تطرح المقولة الأساسية وهي أن كل جملة لها كل من بنائها العميق وبنائها السطحي. ووجهة نظره في أنه من المستحيل أن نضاهي قدرة أبناء اللغة فيما يتعلق بعلاقات المعنى لو أن الإنسان أخذ في اعتباره فقط البناء السطحي للجمل، أي الترتيب الذي تظهر به بالفعل الكلمات في الجمل[1].

فالكلمات لها دلالاتها الخاصة منفردة، لكنها حينما ترتب في جمل فإن السياق مولد لدلالات أيضا، يفهم من خلالها معاني الكلمات ضمن سياق الجملة.

ملخص ما يراه   نعومي تشمومسكي هي أن العلاقات بين قواعد تراكيب العبارات، والقواعد التحويلية، والبناء العميق، والبناء السطحي هي أن البناء العميق ـ الذي هو نتاج قواعد تراكيب العبارات ـ يحتوي على كافة العلاقات النحوية الكامنة اللازمة لفهم الجملة، وهو بدوره يجب أن يكون هو المدخلات إلى عنصر الدلالة أو المعنى. بالمقارنة بهذا، فإن البناء السطحي ـ لكونه نتاج القواعد التحويلية ـ يحتوي فقط على المعلومات الصحيحة عن الترتيب النهائي للكلمات في الجملة التي نحتاجها للنطق الفعلي للجملة، وهو بالتبعية يكون المدخلات إلى العنصر الصوتي الذي يحتوي على قواعد لإصدار الأصوات الفعلية للكلمات[2].

نظرية تشومسكي والجرجاني:

يعتبر نعوم تشومسكي أن هناك بنية لغوية بديهية عند كل البشر أي خصائص وقواعد لغوية يشترك بها كل البشر تعتبر جمل نموذجية أساسية قاعدية، علي غرار البديهيات المعرفية، وتتفرع من هذه الخصائص جملا أخرى على أن تتصف بالسلامة النحوية.

"أي أن توافق الناحية التركيبية وقواعد اللسان الخاضع للدراسة، والناحية الدلالية لمدلولات ذلك اللسان"[3]

وهو يتوافق بنظريته التوليدية التحويلية وما ينادي به التحويليون[4] بمبادئ لا تختلف إجمالا مع ما جاء به عبد القاهر الجرجاني من جهود نحوية. فالنحو العربي يلتقي مع النظرية التوليدية في عدة جوانب:

١- المنهج العقلي: " تلتقي اهتمامات تشومسكي بقدرات الإنسان الذاتية بالجذور العقلانية للقرنين السابع عشر والثامن عشر عند ديكارت ومن شايعه ممن فهموا اللغة  على أنها نظام مغلق من العلاقات الدائمة"[5]   ولا شك أن الفكر النحوي يعتمد على أسس عقلية، وهذا ما أكده الدكتور محمد عبد المطلب بقوله :" إن المنهج العقلي هو الذي سيطر على فكر عبد القاهر ثم تشومسكي، فقادهما إلى اعتماد النحو التقعيدي أساسا لإدراك القيمة الحقيقية للصياغة وما يمكن أن يتجه هذا النحو من إمكانات تركيبية تقترب من الإنسان ومقاصده الواعية"[6] ، لكن المنهج العقلاني عند الجرجاني ينبثق من دراسته للغة إعجاز تحتاج إلى كثير من التمعن في اختيار الألفاظ ونظمها والتفنن في وضع كل لفظة في سياقها، أما تشومسكي فعنده العقلانية لا تتعدى السليقة التي طبعت ابن اللغة على تداولها[7].

٢- التفريق بين الكفاية والأداء: فالكفاية قدرة ابن اللغة على فهم تراكيب لغته وقواعدها وقدرته من الناحية النظرية، على أن يركب ويفهم عددا غير محدود من الجمل، ويدرك الصواب منها أو الخطآ، وأما الأداء: فهو الأداء اللغوي الفعلي لفظا أو كتابة. ولم يخف على عبد القاهر الجرجاني

هذا المبدأ الدي اعتمده تشومسكي في نظريته، فقد عني بالقدرة اللغوية المتمثلة في الكفاءة الذاتية الكامنة، التي يمتلكها كل متكلم أو مستمع جيد للغة، التي من شأنها أن تسمح لصاحبها بتوليد عبارات أو جمل لا نهائية[8].

"البنية السطحية والبنية العميقة عند تشومسكي: يرى تشموسكي أن الجملة بؤرة التحليل اللغوي من حيث علاقتها بالمعنى، وحقيقتها وجهان سطحي خارجي ظاهر، وتحتي باطني عميق"[9]  ويرى الدكتور خليل العمايرة أن المعنى في بنيتها التحتية، أما الشكل فإنه يتحقق في تركيبها السطحي[10]

ويحدد العمايرة أوجه الخلاف بين تشومسكي والجرجاني قائلا: يرى الجرجاني أن المباني الصرفية التي تحتويها اللغة "أوضاع اللغة" وتحتاج إلى شيء آخر لتكون قادرة على جعل السامع يعرف غرض المتكلم ومقصوده، المقصود الذي هو بالتأكيد ليس معاني الكلم المفردة، فالكلمات وحدها لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف"[11] ، وذلك لأن البنية العميقة يمكن فهمها من السياق الواردة فيه، إذ أن العربية وبنية الجملة فيها تقديم وتأخير، وتنكير وتعريف وغيرها تدل على معان دلالية، فيكون تحولها من سياق لآخر لا شك يغير في المعنى الدلالي لها، ولذلك يشير الجرجاني دائما إلى أن قصد المتكلم لا  يظهر إلا من خلال التأليف الذي يمثل السياق أو التعليق على حد قوله، ويؤكد ذلك العمايرة حيث يشير إلى أن المعنى عند عبد القاهر يتمثل بالمعنى الدلالي المتحقق عن مفهوم التحويل طبقا للمعنى الموجود في الذهن، فيأتي ترتيب الكلمات في الجملة دالا على ترتيبها في العقل[12].

أما تشومسكي فيستخدم المصطلح "التحويل"  (Transformation) علي أنه تركيب نحوي دون النظر إلى الدلالة، " ليحدد به أصناف القواعد التي تقوم بالعمل بعد التوصل إلى المكون الخاص ببنية العبارة"[13]. ومن هذا ينبغي آلا يتبادر إلى الأذهان الاتفاق المطلق بين تشومسكي والجرجاني. فتشومسكي نفسه يقول: "ينبغي ألا يساء فهم الملاحظات عن إمكانية وجود اعتبارات دلالية للدراسة النحوية على أنها تشير إلى دعم فكرة أن النظام القواعدي يؤسس على المعنى، فالنظرية التي أوجزتها اعتمدت كليًا على الشكل دون الدلالة[14]. وهكذا يمكن الاستئناس بقول الدكتور رشيد العبيدي: "أن علاقة البنية العميقة هي علاقة جذرية بترتيب المعنى في الذهن، وهذا الذي عبر عنه قبل ما يقرب من ألف عام عبد القاهر بقوة"[15]

وطبعا الارتكاز العام  والعرفي في أذهان الناس، أي ارتكاز الألفاظ بدلالاتها في أذهان الناس خاضع للعرف في الاستخدام، وللواقع الخارجي، بمعنى أن الدلالة اللفظية ليست ثابتة عبر الزمن، فمثلا كلمة الحج كانت في السابق تستخدم بمعنى الدعاء، إلا أنها اليوم لها دلالات مختلفة ومرتكزة في أذهان الناس، بحيث بمجرد ذكر كلمة الحج ينصرف ذهن المتلقي تلقائيا لدلالة هذا اللفظ فيدرك أن مراد المتكلم هو شعيرة الحج عند المسلمين، في حال كان المتكلم من المسلمين وكان اللفظ ورد في سياق يؤكد هذا المعنى والدلالة، ولكن لو كان المتكلم مسيحيا أو يهوديا فإن كلمة الحج هنا ستعطي دلالات مختلفة تتناسب وعقيدة كل متكلم، بالتالي انصراف ذهن المستقبِل نحو الدلالة التي يريدها المتكلم تعتمد على :

١- شخصية المتكلم وبيئته وهويته ورمزيته وسيرته.

٢- الاستخدام الزمكاني للفظ ودلالته وفي الزمن المكان، والارتكاز العام في أذهان المتلقين وانصرافهم الذهني للدلالة وفق استعمالات اللفظ في ذلك زمانهم.

فبناء خطاب تواصلي بين شخصية رمزية وجمهورها يتطلب حرص شديد في بناء الخطاب واليات بنائه، وفهم كثير من القواعد والأسس في كيفية بناء خطاب تواصلي يتصف ب:

١- أن يكون الخطاب موافقا لما في ذهن الخطيب.

٢- أن يكون ما في ذهن الخطيب موافقا للواقع.

٣- أن يتصف الخطاب بالصدق، وهو ما يتطلب الاهتمام بتراكيب العبارات والقواعد التحويلية، والبناء السطحي والعميق للخطاب، لضمان فهم أدق لمراد المتكلم من قبل المستقبِل.

النظرية القرآنية في الخطاب:

يقدم لنا كالعادة القرآن الكريم منهجا عميقا في مواضيع مختلفة، ومن ضمن هذه المواضيع الخطاب وكيفية بنائه بناء موضوعا وعميقا وبينا ومحققا لهدف الهداية بكافة أشكالها.

فبالنظر للجانب البلاغي في القرآن وفصاحة عباراته يتضع الدقة البنائية في تراكيب لعبارات، وفي استخدامات الألفاظ ومواقعها، وقد فصل الإمام عبد القاهر الجرجاني في هذا الجانب بشكل إبداعي في كتابه "دلائل الإعجاز في علم المعاني، ووضح نظريته حول إعجاز القرآن في الفصاحة والبلاغة، من عدة حيثيات وأهمها علم المعاني "الدلالات".

يذهب الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز في علم المعاني إلى أن الكلام على ضربين: ضرب أن تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل.. أولا ترى أنك إذا قلت: (هو كثير رماد القدر)، أو قلت: (طويل النجاد)، أو قلت في المرأة: (نؤوم الضحى)، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ثاني هو غرضك... أي أن تقول المعنى ومعنى المعنى. تعني ب "المعنى" المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة. وب "معنى المعنى" أن تعْقِلَ من اللفظ معنى ثم يُفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر... وجملة الأمر كما يقول الجرجاني: أن صور المعاني، لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معان أُخَر. وهذا في حال كان النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم، فلا بد حينئذ أن يتغير المعنى.[16]

والنظم عند الجرجاني ليس شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، فمدار أمر النظم كما يقول على معاني النحو[17]، ويعتبر أن الفصاحة تكمن في المعنى وليس في اللفظ، فإن اللفظ حينما يتم نظمه في جملة ما قد نراه فصيحا لما عكسه من معنى في ذلك النظم، ولكننا في جملة أخرى لا نرى نفس اللفظ فصيحا، لأن المعنى الذي أعطاه ضمن نظمه في هذه الجملة لا يتصف بالفصاحة. فيربط الجرجاني هنا أيضا بين اللفظ والنظم والمعنى في تشخيص الفصاحة، فيكون استخدام اللفظ ونظمه في جملة محددة مؤثرا زيما تأثير على المعنى والدلالة حيث قال :" لا توجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها"[18].

وقد أثبت ما ذهب إليه من خلال القرآن الكريم وبنيته اللغوية والخطابية والدلالية، فمثلا يشير إلى لفظة "اشتعل؛ من قوله تعالى في بدايات سورة مريم " واشتعل الرأس شيبا" إنها أعلى مرتبة من الفصاحة، لم نوجب تلك الفصاحة لها وحدها، ولكن موصولا بها "الرأس"، معرفا "بالألف واللام"، ومقرونا إليهما "الشيب" منكرا منصوبا.

وهنا نرى بنية الخطاب تتعلق بالنحو والنظم والمعنى، فالفكر عند الجرجاني لا يتصور أن يتعلق بمعاني الكلم أفرادا مجردة من معاني النحو[19]، وهو هنا ينفي عدم تعلق الفكر بمعاني الكلم المفردة أصلا، إلا أنه ينفي تعلقها بها مجردة من معاني النحو ومنطوقها بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها.[20]

يضرب مثالا لذلك فيقول:

لو قلنا قِفا نبْكِ من ذكرى حبيب ومنزِلٍ

ثم ركبنا الجملة كالتالي: مِن نبْكِ حبيب ذكرى منزل

انظر هل يتعلق منك فِكْرٌ، بمعنى كلمة منها؟

ويوضح بذلك الجرجاني إعجاز القرآن في بنية خطابه، التي بنيت على أساس النظم والنحو والدلالة، بحيث لو استخدمت لفظا رديفا للفظ في نفس الجملة، لما أدى ذلك إلى تشكيل الدلالة المرادة والمطابقة لمراد المتكلم في خطابه، وأن نظم الألفاظ وفق معاني النحو هو المولد للدلالات والمعاني التي يريدها المتكلم. وزن اللفظ منفردا لا يوصف بالفصاحة وإنما اتصاله بالجملة وما يولد هذا الاتصال من معني هو ما يوصف بالفصاحة.

بعد هذا العرض الموجز يمكننا تشخيص الأزمة التي يعيشها الخطاب الإسلامي في أهم اتجاهين:

البرادايم " نموذج وإطار ذهني يفكر من خلاله وبداخله علماء وأشخاص ذلك العصر، هذا الإطار الذهني بمثابة صندوق، والناس يفسرون الأشياء من خلال هذا الإطار الذهني".

ويقع في هذا المأزق البرادايمي عادة الخطابات الحزبية والطائفية والمذهبية، أو الخطابات السياسية التي تصدر عن قوى نافذة، حيث تكون بنية الخطاب من حيث الألفاظ والنظم المعنى النحوي مولدة لدلالات تخضع في سياقاتها المعرفية لبردايم الحزب والتيار والمذهب والطائفة والقبيلة والسياسي المعرفي والفكري، فتكرس معرفيا تحيزات تتناسب ومراد الخطيب، وتتكرس هذه البراداميات المعرفية أكثر كلما كان الخطيب ذو رمزية خاصة تلك الرمزية القدسية المتصلة بالدين أو بجهة دينية أو متصلة بأهداف دينية أو شخصيات دينية إلخ، أو كانت رمزية سياسية تمتلك قوة عسكرية أو حضارية وعلمية، يستخدم فيها إرهاب العلم في تذليل العقبات المعرفية وتسييل المفاهيم ودلالاتها المعرفية في عقل الجمهور. وقد يخضع الخطيب إلي برادايم الجمهور ليصنع ويبني خطابه منه، وهو ما لا يمكنه معالجة أي أزمات داخلية سياسية كانت أو معرفية، بل هو يكرس ما هو موجود و ما يشكل أزمة معرفية وفكرية، ويؤدي مع التقادم إلى تغيير الواقع أو تزييفه، وبالتالي يكون تشخيص حل الإشكاليات العالقة سياسيا أو معرفيا أو ثقافيا أو اقتصاديا - وفق الخطاب المراد من خلاله معالجة أي أزمة من الأزمات الاجتماعية والسلطوية – يكون التشخيص مبني على مجموعة من الخوارزميات[21] المعرفية المضللة أو غير الدقيقة، يختلط بها الواقع مع الوهم، والحق مع الباطل، والحقيقة مع الزور.

والبرادايم قد يكون خاضعا في بنيته المعرفية والفكرية ل :

١- الحزب، الطائفة، المذهب (الانتماء، المعرفة، الهوية)

٢- السلطة (سياسة، اقتصاد، هوية، انتماء)

٣- الجمهور (المجتمع، عادات وتقاليد)

٤- المؤسسات الدينية (الدين، الهوية، الانتماء)

وتعتبر هذه أهم جهات يمكنها التأثير في بنية البرادايم المعرفية والفكرية. لذلك نجد هناك خللا واضحا وجليا في الخطابات خاصة الإسلامية منها، لعدم مقدرتها تشكيل خطاب خارج البرادايم الديني أو الاجتماعي، وفي حال الأحزاب خارج البرادايم الحزبي وعقيدته، وهو ما قد يشكل أزمة تعايش وتواصل وهوية خاصة بين مكونات المجتمعات في الوطن الواحد، بل والعالم ككل، وهذا لا يعني تشكيل خطاب مائع فاقد لهوية المجتمع، أو خطاب متخلي عن ثوابته لا سيما العقدية منها، أو خطاب متملقا مدلسا، بل يعني أن بناء الخطاب يتطلب دقة بالغة وعميقة، يجب أن يكون صاحبها قادرا على أن يخرج خارج البرادايم أيّ كان شكله، بحيث يتصف خطابه بالخطاب العالمي، بمعنى أن بنية الخطاب تكون آخذة في حسبانها كل التطورات التقنية والتكنلوجية، وكل المساحات التي باتت اليوم مفتوحة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث ألغى هذا الوضع وجود خطابات خاصة طالما أنها أمام الجمهور أو وسائل النقل والإعلام، بعد أن حولت العولمة كل الجغرافيات المتباعدة إلى قرية واحدة يسمع فيها الجميع صوت الجميع، ويتم نقل اللغات بشكل سهل وترجمتها ليفهم أيضا الجميع لغة الجميع بأقل كلفة ممكنة. فلو ألقى رمزا خطابا على جمهوره في لبنان أو العراق أو ليبيا أو الجزائر أو مصر، فإن هذا الخطاب يصل صداه إلى العالم وتتناوله كل الدول المتابعة والمهتمة بهذا الرمز تحليلا وتأويلا، وقد يحدث أزمات وإشكاليات أو انفراجات وحلول، وهو ما بات اليوم يترتب عليه تفاعلا جماهيريا متعدد الجغرافيات وسياسيا متعدد الأقطاب، ولم يعد خطابا خاصا، بل عاما على مستوى العالم ككل من جماهير وحكومات ومؤسسات مهمة وفاعلة وذات قرار مؤثر في الجماهير. فخطاب الأزهر اليوم لم يعد خاصا بالمسلمين، وخطاب الكنيسة كذلك ليس خاصا بالمسيحيين، ولا خطاب الحوزات الدينية خاصا بالعلماء وأتباع المراجع الدينية، ولا خطاب حكام خاصا بشعوبهم، بل باتت الخطابات أغلبها عامة طالما هي تبث في وسيلة إعلامية أو موقع تواصل اجتماعي أو من خلال الأجهزة الذكية. ولا يخفى عليكم اليوم كيف تستخدم الخطابات الجماهيرية من قبل الرموز دينيين كانوا أو سياسيين، حزبيين كانوا أو حكام دول، مراجع دينية كانوا أو نخب، كيف تستخدم الخطابات من قبلهم في إيصال رسائل سياسية ومعرفية وتحديد مواقف أيضا سياسية ومعرفية بطريقة تحمل دلالات عديدة ورسائل مختلفة وأيضا في كثير من الأحيان تستخدم ألفاظا في سياقات تعطي دلالات حمالة أوجه، يمكن لكل جهة فهمها وفق بنيتها المعرفية. ففي العراق مثلا، بات هناك ما يعرف بخطبة الجمعة، التي ينتظرها اليوم المتظاهرون ويدلي من خلالها وكيل السيد السيستاني في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي خطابا، يتم تداوله بكثرة من المحللين والجمهور والسياسيين، لما يحمله من رسائل ومواقف سياسية للحدث الراهن، إلا أن المتظاهرين يفهموا ممن الخطاب دلالات تختلف عن تلك التي يفهمها السياسي والمسؤول والمثقف، ونرى بعد كل خطاب كما هائلا من التحليلات حول مراد السيد السيستاني من البنية التي تشكلت منها الخطاب. وهذا ينطبق على خطاب البابا في الفاتيكان في ليلة عيد رأس السنة الميلادية، وخطابات الأزهر، وخطابات إمام صلاة الجمعة في مكة، أو الخطابات التي يلقيها أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، أو يلقيها مراجع دين، أو الولي الفقيه السيد علي الخامنئي في إيران، أو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أو أي رئيس لدولة محورية في صراعات الدول الدائرة، أو محورية في صناعة الحدث الراهن وهكذا. وكلها من وجهة نظري تخضع لأزمة البرادايم ولو جزئيا.

بنية الخطاب (الألفاظ والنظم والمعاني النحوية بالتالي الدلالات).

"في القرون القليلة الأخيرة حدث تطور معين في اللغات الغربية يعكس التغير في التوجه نحو أسلوب التملك، ذلك هو التزايد الملحوظ في استخدام الأسماء مع التناقص في استخدام الأفعال.

فالأسماء هي الرموز المناسبة للأشياء... بينما الأفعال هي الرموز المناسبة للنشاط والفعل.. غير أن استخدام صيغ التملك للتعبير عن النشاط يتزايد باطراد، أي يتزايد استخدام الأسماء عوضا عن الأفعال. واستخدام صيغة التملك مع ربطها بالأسماء للتعبير عن نشاط إنساني إما هو استخدام مغلوط للغة، فالنشاط لا يمتلك، ولكنه يمارس."[22]

لذلك نلحظ تطورا في الدلالات اللغوية وفي استخداماتها، تابعا في كثير من الأحيان لتبدل أنماط السلوك الاجتماعي، وتغير الرؤية الكونية التي تدور حول الله والإنسان والطبيعة. هذا فضلا عن خضوع هذه التطورات والتبدلات إلى تغير منظومة الأفكار والقيم، وطريقة تداولها اجتماعيا وفكريا.

وتكمن أهمية دراسة الألسنيات، أو اللسانيات[23] في معرفة الطرق الأفضل في التواصل، ومعرفة خصائص هذه الطرق خاصة في الخطاب والذي يعتبر من أهم الوسائل التواصلية مع الجمهور، ولأهمية ما تحمله اللغة من مقومات الثقافة والهوية، والتي من خلالها يتم تحديد هوية فرد ومجتمع وأمة، ومن خلالها يتم صناعة الحضارات.

والخطاب أحد أهم الأشكال التي تصاغ بها اللغة وتتشكل في بنية مركبة ومُوجهة للمستقبِل ومؤثرة في تشكيل وعيه وبناه الفكرية والمعرفية.

يعرف الخطاب اصطلاحا: هنالك الكثير من التعريفات المُتعارف عليها للدّلالة على الخطاب ومنها أنّ الخطاب مَجموعةٌ مُتناسقة من الجمل، أو النصوص والأقوال، أو إنّ الخطاب هو منهج في البحث في المواد المُشكّلة من عناصر متميّزة ومترابطة سواء أكانت لغة أم شيئا شبيهاً باللغة، ومشتمل على أكثر من جملة أولية، أو أيّ منطوق أو فعل كلامي يفترض وجود راوٍ ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المتلقي، أو نص محكوم بوحدة كلية واضحة يتألف من صيغ تعبيرية متوالية تصدر عن متحدث فرد يبلغ رسالة ما[24].

يهدف الخطاب إلى وصف التعابير اللغوية بشكل صريح، بالإضافة إلى أنّ الخطاب يفكك شفرة النص الخطابي عن طريق التعرّف على ما يحتويه النص من تضمينات وافتراضات فكريّة، وتحليل الخطاب هو معرفة الرسائل المُضمّنة في النص الخطابي ومعرفة مقاصده وأهدافه، ويتم تحليل الخطاب عن طريق الاستنباط والتفكير بشكلٍ منطقيّ حسب الظروف التي نشأ وكتب فيها النص الخطابي وهو ما يسمى بتحليل السياق الذي يعتمد عليه النص[25].

وتلعب الرؤية الكونية كجذور، أهمية كبيرة في تشكيل بنية الخطاب، وفي تحديد مدى سلامة المعارف التي تطرح عبر مختلف الخطابات، إضافة إلى دورها في تشخيص مدى سلامة الغايات والوسائل التي تستخدم في تحقيق هذه الغايات ومدى سلامتها، هذا فضلا عن دور هذه الغايات في التأثير على سلامة المعارف المطروحة عبر الخطاب.

لذلك وعلى ضوء الرؤية الكونية الإسلامية، ولأننا هنا معنيين بالخطاب الإسلامي فإن الخطاب الاتصالي الذي يناسب المجتمعات الإسلامية كنظرية يمكن تعريفه كالتالي:

" نسق يتشكل في ضوء مقولات التصور الإسلامي ـ وما ينبثق عنه من طرح إيديولوجية وابستمولوجية ـ يحدد الكيفية التي يمكن من خلالها بناء وتقويم عمليات الاتصال التي تحمل الحق القادر على ترسيم سبل تحقيق غايات المجتمع الإسلامي العليا"[26].

ولأن الخطابات تتكون من بنية لغوية، بالتالي يكون لتلك اللغة بعد تداولي كما أسلفنا. " والتداولية ليست علما لغويا محضا يكتفي بدراسة التراكيب اللغوية وجوانبها الدلالية فحسب، بل هي دراسة التواصل اللغوي داخل الخطابات، أي دراسة الظواهر اللغوية في مجال استعمالها[27].

والتداولية هي دراسة العلاقات بين المُرْسِل والمُستقبِل وعلاقتهما بسياق الاتصال[28].

وأحد أهم منصات الاتصال بين المتكلم والمستقبل هي الخطاب، وما يهمنا هنا الخطاب في الفكر الإسلامي، وما يحدثه من تأثيرات في قراءة الواقع والتأثير في صناعة المستقبل، وفي إحداث تغييرات اجتماعية، فلقد كان الخطاب في صدر الإسلام وسيلة إعلامية مركزية في التواصل بين الجمهور من جهة وقيادتهم من جهة أخرى. ومازال الخطاب اليوم خاصة في المجتمعات الإسلامية يشكل أحد أهم وسائل التواصل المؤثرة والصانعة للوعي والباعثة للفعل بين الخطيب وجمهوره، خاصة إذا كان للخطيب وجود اجتماعي مؤثر وقوي، ومكانة متقدمة يُحدث خطابه انزياحا معرفيا في وعي الجمهور ويؤثر في تغيير الواقع وصناعة المستقبل. كما يمكن للخطاب أن يلعب دورا محوريا في إصلاح المفاهيم وتوجيه الثقافة، وتجديد الرؤى وإعادة بناء رؤية عصرية تتمسك بالأصيل ولكن تجذب الجمهور لهذا الأصيل من خلال دمج الأصيل بلغة عصرية تتناسب وتطور وعي المجتمع من جهة، وتطور دلالات التراكيب اللغوية واستعمالاتها. بل في الحفر عميقا في النصوص الإسلامية وفهم دلالاتها وتركيباتها بشكل أعمق وأوسع يمكن من خلاله فهم مسار ذلك الخطاب في عصره ومنهج التفاعل الإصلاحي بين الخطيب والجمهور، خاصة إذا كان للخطيب موقعية متقدمة في المجتمع والأمة بل في هوية الأمة وتشكيلها وصناعة مستقبلها وحاضرها.

أهمية الخطاب:

يلعب الخطاب دورا بارزا في صناعة وعي الجمهور المُخاطب، وتنشيط الأبعاد التصورية الذهنية، بل صناعة تصورات جديدة تشكل قاعدة بيانات لصنع معارف في حال تكاملت قاعدة البيانات التصورية بالأدلة وشكلت تصديقات، لها دور كبير في توجيه السلوك البشري.

فاللغة وسيلة من وسائل الفعل وليست أداة للتأمل[29]،وهي أداة لوصف الواقع[30]، وهو ما يتحقق عبر المقولات الخبرية التي تخضع لمعيار الكذب والصدق حسب مطابقتها لما تخبر عنه مع عدم ذلك، وهو المعيار الوحيد الذي يحكم الجمل والمقولات[31].

أما الجمل التي لا تصف ولا تخبر فهي من قبيل العبارات التي لا معنى لها[32].

فاللغة حسب الفيلسوف الإنجليزي جون لانجو أوستن، أداة لبناء العالم والتأثير فيه، وليست مجرد وسيلة للوصف فقط، فثمة الكثير من الجمل لا يمكن أن توصف بصدق ولا بكذب ومن ثم فهي لا تصف شيئا وإن كان شكلها لا يختلف عن شكل الجمل الخبرية(الوصفية) وبنيتها، لكن لها معنى وأهمية بالغة الخطورة في العالم، يعد مجرد التفوه بها حدثا أو جزءا من حدث، ويمثل لها بالجمل الآتية:

قول الرئيس: "أعلنت الحرب".

أنا أسمي هذه الباخرة الملكة إليزابيث[33].

والكلام أو المقولات لها بعد إنجازي، بمعنى أنها تكتنز أفعالا ويعتبر النطق بها هو إنجازا لفعل أو إنشاء لجزء منه. وهو ما تم بحثه في باب الخبر والإنشاء لدى العلماء خاصة في حوزة النجف[34].

فقد شخص العلماء أن النمط المقابل للإخبار هو إنشاء، وهو المعادل الموضوعي لنظرية أفعال الكلام عند أوستن. والإنشاء هو الإيجاد والإحداث، قال تعالى " إنا أنشأنهن إنشاء"/ الواقعة (٣٥)، أي إنا أوجدناهن وأحدثناهن[35]. وقد عبر أوستن عن الوظيفية الفعلية التي يؤديها الكلام ب " أفعال الكلام"، فالكلام حسب رأيه هو نوع من الفعل[36]. وقد ميز الله تعالى في آياته الكريمة بين الكلام النافع والأفعال النافعة وبين غيرها من خلال تأسيس قرآني لطيف كان محوره كلمة هي " اللغو".

نظرية اللغو في القرآن وتأسيس الخطاب التواصلي:

وردت كلمة اللغو في القرآن في عدة آيات هي:

١- لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

البقرة/ ٢٢٥

٢- اَنما يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

المائدة/ ٨٩

٣- وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ

المؤمنون/٣

٤- وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا

الفرقان/٧٢

٥- وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ

القصص/٥٥

فاللغو بحسب تفسير صاحب الأمثل في تفسير القرآن الشيخ ناصر مكارم الشيرازي هو : يشمل كل عمل لا ينطوي على هدف عقلائي.

تدور لفظة اللغو حول أسس مهمة تكتمل فيها غالبا نظرية اللغو القرآنية والتي تتعلق في وجه من وجوهها باللغة والخطاب و سنفصل ذلك لاحقا، لكن أهم الأسس التي يدور حولها مصطلح اللغو القرآني والتي يمكن استلهامها من الآيات التي ورد فيها هذا المصطلح وهي:

١- اللغو يشمل الألفاظ والأفعال.

٢- يفتقد إلى الهدفية.

٣- يفتقد إلى العزم في النية، فهو عبث فكونه بلا نية عمل فهو بالتالي بلا هدف وبالتالي يعتبر عبثا.

٤- يعتبر اللغو من مصاديق الباطل والكذب.

٥- يعتبر اللغو من مصاديق اللهو وهو من مصاديق الأقوال والأفعال الهادرة للوقت بلا فائدة.

٦- اللغو من مصاديق الجهل.

٧- اللغو من مصاديق الخرافة.

٨- المؤمن لا يمارس اللغو بكل أشكاله، ولا يتوقف عنده بل يتعداه دوما إلى العمل الجاد الهادف المنجز.

٩- من يمارس الكلام والخطابة لا يتبنى لغو عامة الناس ولا يكون خطابه بما يرضي الناس والشعب، بل يكون خطابه بما يصنع لهم وعيهم، ويحدث انزياحا معرفيا في بنيتهم المعرفية، ويكشف لهم الواقع مهما كان مخالفا لمرادهم ورغباتهم، وإلا اتصف الخطاب باللغو.

خاتمة:

تتميز المناسبات كافة بأنها محطة بالغة الأهمية في إيصال الرسائل سواء السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، وفي محاولة توجيه وعي الجمهور باتجاهات معينة، أو بناء قناعات معينة له تخدم القائمين على المناسبة أو الداعمين لها، وتاريخيا تم استغلال المناسبات الدينية خاصة من قبل السياسيين أو أصحاب النفوذ والسلطة وخاصة الحكام. وكانت ومازال الخطاب الوسيلة المستدامة في هذه المناسبات وغيرها في التواصل مع الجمهور.

وكثيرا ما تستغل هذه المناسبات ويصاغ الخطاب بطريقة مدروسة من كافة الجهات للحصول على منفعة أو لتوجيه الرأي العام، وهذا ما نراه في كثير من الخطابات الانتخابية والدينية والسياسية وحتى في المحافل الدولية وغيرها. حيث يراعي أصحاب المناسبة بنية الخطاب اللغوية ومحتواه الفكري وصياغة جمله بطريقة موجهة قادرة على تحقيق الهدف الذي صيغ لأجله الخطاب وعقدت لأجله المناسبة.

وهنا تتبلور أكثر أهمية اللغة وصياغاتها وأهمية الخطابات ومآلاتها، " لا تكسبنا اللغة معرفة لكل شيء فحسب، بل توضح لنا ما هي الأشياء التي لديها قابلية إطلاق اسم عليها، هذه اللغة تقسم لنا العالم إلى مقولتين: الأولى عينية والأخرى ذهنية، وتعلن أمامنا بأن هناك وقائع يمكن النظر إليها على أنها عملية ووقائع أخرى على أنها شيئية. وهذه اللغة كذلك تعلمنا عن الزمان والمكان والأعداد، وتهب أفكارنا عن طبيعة روابطنا مع الآخرين شكلا معينا، فحياتنا تدور في حدود اللغة وإمكان الاستفادة منها والتلاعب بالكلمات، ونحن لا نستطيع أبدا تصور شكل العالم الذي يحيا فيه أناس آخرون غيرنا ويتكلمون لغة مختلفة، لأننا غالبا ما نتخيل بأن الكل في هذا العالم يرون ويفترضون كما نفعل نحن.، وفي هذا المجال فإنه من النادر جدا التوجه إلى هذه الاختلافات أو التساؤل عن هذا الافتراض المقصود.

كل لغة تمتلك لنفسها مجالا وميدانا خاصا بها، وبسبب التفاوت في الإمكانيات وفي البناء اللغوي فيما بين لغتين، فمن البديهي وجود الاختلاف فيما بين اللغتين على صعيد وجهات النظر ومستويات فهم العالم، وفقط أولئك المطلعون على كلا اللغتين وتاريخهما يستكشفون مثل تلك الاختلافات. فإذا اللغة، قياسا بالوسائل والأدوات الأخرى تعتبر أداة تمتلك أيديولوجيا خاصة في توجيه الأمور حيث غالبا ما تحفظ نفسها منفصلة عنا، وهذا التوجيه عندما يتصل بموضوع اللغة، فإنه ينغرس عميقا في شخصياتنا وطريقة تلقينا للعالم إلى درجة يصبح من الصعب معها التعرف إلى هيكل التوجيه البنائي دون الخضوع لتعليم خاص في هذا المجال. وبعكس التلفزيون والحاسوب، فإن اللغة لا تظهر على أنها نوع من الترقي أو التوسع في قدراتها، بل تعتبر جزءا طبيعيا مما نحن عليه، إلا أنه في أغلب الأحيان يمكن لجملة أن تلعب دورا هاما شبيها بما يمكن لآلة القيام به، وهذا بالضبط ما يمكن أن تراه بوضوح كامل في استمارات الجمل التي نسميها الأسئلة، وأكثر من أي مكان آخر."[37]

ومن هنا بات لزاما على الخطاب الإسلامي أن يأخذ اليوم في الحسبان بنية خطابه وإخضاعها لظروف الراهن أي الزمان والمكان، ليس من باب التمييع والشعوبية، وإنما من باب التطوير والخروج من البرادايم الذاتي، و ويلائمه مع متطلبات العصر ويواجه من خلالها الواقع كما هو دون تحيزات، بحيث لم تعد هذه التحيزات تفيد في توجيه وعي الشباب خاصة، واستقطاب عقولهم نحو الحق والحقيقة، لأن من مستلزمات كشف الواقع واستقطاب العقول والقلوب للحق والحقيقة هو قول الواقع كما هو ودون تحيز، وبموضوعية قدر المستطاع والمتاح، وبما لا يوقع فتنة أو مقتلة، بل قول ما يمكن قوله ووفق ما يمكن قوله من حقيقة، وكشف ملابسات ما يمكن كشفه من الحقيقة، لأن الإنصاف عين العدل، والقول المنصف هو القول الوحيد الكفيل بلجم كل أنواع الفتن، وكل أنواع الهروب الجماعي من الحق بسبب تدليسات كثير من الخطابات الإسلامية، وفساد كثير من رموزها، والذي أدى لإهدار دم الحق والحقيقة من قبل كثير من الناس التي تميل مع كل رياح فتنه تهب عليها، ولا تجد لها خطابا يعيد لها توازنها، بل أغلب الخطابات نتيجة العزل البرادايمي تكون سببا يراكم أسباب الفتن والميوعة في قبول الحق والحقيقة. فالطريق ليس واحدا لهداية قلوب الناس، واللغة غنية بالألفاظ ونظمها في سياقات تملتك القدرة على توليد معاني ودلالات جامعة وليست مانعة للجمع، بل جامعة مانعة للفتنة، ومكرسة للتعايش ومواجهة كل أنواع التخريب المعرفي والفكري.

فالمسؤولية لا تدفع المسؤول للخطاب ومحادثة الناس دون أن تحمله مسؤولية أخرى وأثقل، وهي مسؤولية ما يجب أن يقوله وكيف يقوله، وتحمله مسؤولية عقول المستمعين ووعيهم، كما تحمل المستمعين مسؤولية فلترة ومراقبة ما يقوله الخطيب، حيث تكون المسؤولية طرفانية، لكن الواقع المعاش يكشف عن صمت المستمع مقابل صوت الخطيب، لذلك حدث نوع من الفوضى خاصة بعد العولمة وتداعياتها التكنلوجية، التي حولت الصوت الخافت إلى صوت عالي عبر مكبرات صوتها في وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت.

وأمام تعقيدات الواقع الخارجي السياسي والاقتصادي والاجتماعي حيث:

الاستهداف الواضح للإسلاميين وبالتالي لخطابهم.

العولمة وتداعياتها على الهوية والمنظومة المعرفية.

فشل كثير من المتصدين باسم الإسلام على ملئ الفراغ وسد الثغرات، والمواكبة بما يليق برسالة الله لا رسالة ما يريده المتصدي.

بات من الغير المقبول اليوم أي هفوة في الخطاب الإسلامي، ومهما كانت صغيرة، لأن الاستهداف يضخم الهفوات الصغيرة إلى مصائب عظمى في أذهان الناس، وبات من الواجب على المتصدي للخطاب أن يكون لديه هيئة استشارية، أو لا أقلا علاقات مع عدة تخصصات تعينه وتطلعه على آخر التطورات بطريقة علمية دقيقة، غير شعبوية، لا تخضع للمؤامرة كنظرية شمولية، ولكن لا تستبعدها كاحتمال قوي ضمن حساباتها في بنية الخطاب، وتكون قادرة على تمويل المتصدي بالمعلومات الدقيقة، وعلى المتصدي نفسه أن يحيط بكثير اليوم من العلوم والنظريات، ويتابع تطورات وتبدلات المجتمع ومزاجه العام، كي يستطيع تشكيل تصور عن الخطاب المناسب وبنيته اللفظية والدلالية، وكلما كان المتصدي له رمزية وجمهور كلما تراكمت وعظمت مسؤوليته، وبات لزاما أن يشتد حرصه على الكلمة واللفظ والبنية ومراجعة ذلك أمام متخصصين، لأن لخطابه مدلولات متعددة الأقطاب، فعليه أن يضع في حسبانه أنه يخاطب الجمهور المؤمن به، ويخاطب النخب التي ترصد كلامه وتنتظره لتحلله، ويخاطب الأعداء والأصدقاء، وكل هؤلاء عليه أن يضعهم في حسبانه ليشكل خطاب متعدد الرسائل، ومتعدد الدلالات، وهو ما يتطلب وجود هيئة استشارية متخصصة في مجالات السياسة والفلسفة وعلوم اللغة وفلسفتها، لأن مسؤوليته العظيمة تحتم عليه هذه الدقة وهذا التعقيد، لترتب المواقف الخارجية والوعي الخارجي على كل كلمة يقولها هذا الرمز أو هذه الشخصية المسؤولة، مع تضخم الماكنة الإعلامية، وتعدد وسائل النشر، وتوفرها للجميع بعد أن كانت حكرا على الصحف و التلفزيونات، بات اليوم كل من يملك هاتفا ذكيا يمكنه التعبير عن رأيه دون أدنى معايير ضابطة.

ولهذا وضعت الضابطة العظيمة التي أشار إليها الله تعالى في سورة "ق" آية ١٨ " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد". ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد.

 

إيمان شمس الدين

......................

[1] - التفكير واللغة / جوديث غرين/ ترجمة وتقديم د.عبد الرحيم جبر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٩٢ ص ١٦٥

[2] المصدر السابق ص ١٦٩

[3] ينظر: مناهج البحث اللغوي عند العرب في ضوء النظريات اللسانية، ص 76

[4] يقصد بالمدرسة التوليدية مجموعة النظريات اللسانية التي وضعها وطورها اللساني الأمريكي "نعوم تشومسكي" وأتباعه من أواخر الخمسينيات، وقد امتد تأثيرها ليشمل إضافة إلى حقل اللسانيات، مجالات أخرى كالفلسفة، وعلم النفس، وتعتمد هذه المدرسة في مناهجها على استخدام ما يُعرف بالقواعد التوليدية. وقد اعتبرت هذه المدرسة القواعد أساس النظرية التوليدية التحويلية؛ وذلك لأن القواعد التي تنظم النحو هي قواعد توليدية وتحويلية والفكرة الأساسية التي توجه المنهج التوليدي هي سمة الإنتاجية في اللغة التي بمقتضاها يستطيع المتكلم أن يؤلف، ويفهم جملًا جديدة غير متناهية لم يسبق له أن سمعها من قبل.ينظر: مدخل إلى اللسانيات، محمد محمد يونس علي، دار الكتاب، لبنان، ط1، 2004م، ص 82 ينظر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، مازن الوعر، ص 114ينظر مدخل إلى اللسانيات، محمد يونس، مرجع سابق، ص 83.

[5] قضايا الحداثة عند عبدالقاهر الجرجاني، د. محمد عبدالمطلب، ص 75

[6]  السابق، ص 63

[7] الدرس اللغوي عند عبد القاهر الجرجاني في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة / دأحمد إسماعيل عبد الكريم/ ص ٦

[8] المصدر السابق ص ٦

[9] البنية التحتية بين عبدالقاهر وتشومسكي، د. خليل العمايرة، مجلة الأقلام، بغداد، ع1، 1983ص ٩٠

[10]  السابق، ص 91

[11] السابق ص ٩٢

[12] السابق ص ٩٣

[13] اتجاهات البحث اللساني، مليكا أفتش، ص 379

[14] البنى النحوية، لنعوم تشومسكي، ص 124

[15] الألسنية بين عبدالقاهر والمحدثين، ص 14

[16] دلائل الإعجاز في علم المعاني/عبد القاهر الجرجاني/المكتبة العصرية/ ط ٢٠٠٣/بيروت/ص ٢٧٢

[17] المصدر السابق/ ص ١٣٢- ٤٨٥

[18] المصدر السابق ص ٣٨١

[19] المصدر السابق ص ٣٨٧

[20] المصدر السابق ٣٨٧

[21] الخوارزمية هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، وسميت بذلك نسبة إلى العالم أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي الذي ابتكرها في القرن التاسع عشر.

[22] الإنسان بين الجوهر والمظهر/ إريك فروم/ سلسة عالم المعرفة / العدد ١٤٠/ اغسطس ١٩٨٩م / ص ٣٤

[23] اللسانيات أو علم اللغة هي علم يهتم بدراسة اللغات الإنسانية ودراسة خصائصها وتراكيبها ودرجات التشابه والتباين فيما بينها. و يدرس اللغة من كل جوانبها دراسة شاملة. أما اللغوي فهو الشخص الذي يقوم بهذه الدراسة. ظهرت اللسانيات الحديثة في القرن 19م، لكنها كعلم قديمة قدم الإنسان"ويكيبيديا".

[24] هبة عبد المعز/تحليل الخطاب/ مؤسسة النور للثقافة والإعلام/ عن موقع

https://mawdoo3.com/تعريف_الخطاب

[25] هبة عبد المعز/ مصدر سابق

[26] نظرية الخطاب (الفكر) الإسلامي: قراءة علمية تأسيسية، محمود يوسف السماسيري/ ص ١٢٠

[27] الأبعاد التداولية عند الأصوليين ، مدرسة النجف الحديثة نموذجا، فضاء ذياب غليم الحسناوي، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، سلسلة الدراسات الحضارية،ط ١، بيروت ٢٠١٦، ص ٣٠

[28] عيد بليغ، التداولية البعد الثالث في سيميوطيقا موريس، ص ٣٦

[29] ردة الله بن ردة بن ضيف الله الطلحي، دلالة السياق ص ٢٢٣

[30] فيليب بلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، ص٥٤

[31] الأبعاد التداولية عند الأصوليين، مدرسة النجف الحديثة أنموذجا، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، فضاء ذياب غليم الحسناوي، ص ٤٧

[32] هشام عبد الله خليفة، نظرية الفعل الكلامي، ص٤٠

[33] مصدر سابق ص ٤٧

[34] مصدر سابق، ص ٤٨

[35] محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن ج ١٩، ص ١٢٨

[36] الأبعاد التداولية عند الأصوليين، مدرسة النجف الحديثة أنموذجا، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، فضاء ذياب غليم الحسناوي، ص٨٤

[37] مجلة الاستغراب/ العدد ١٢/ ص ٥١

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4848 المصادف: 2019-12-14 04:05:32