 قضايا

اللغة وعلاقتها بالمعارف الثقافية

مالكة عسال(بحث تدفق من خلال السم الذي شكته مهزلة المقررات في جسدي حول اللغة العربية، وهو موضوع شائك حاولت التطرق إلى بعض نقاطه بشكل متواضع، مستندة على بعض المراجع الورقية والإلكترونية، لملامسة أهمية اللغة العربية عبر التاريخ.. وسأذيل نهاية المقال بالمراجع والمصادر التي أثرَت بحثي ..أتمنى أن يدغدغ المقال فضول الجميع)..

وسينشر على مراحل ...

ـ فتح مبين

نظرا لما يلحق اللغة العربية من تهميش وتحقير من قبل بعض الناطقين بها من جهة، ومن أعدائها من جهة أخرى، أبذلتُ ما في وسعي لأبين نشأة اللغة العربية، ومراحل تطورها، ومدى أهميتها بالنسبة للشعوب العربية، وعلاقتها ببعض المعارف، وكيف تعامل معها بعض العلماء والمهتمين منذ نشأتها إلى اليوم .. وماذا علينا فعله نحو اللغة العربية لتنمو وتتطور وفق العصور، باعتبار اللغة العربية هي الهوية، والرافعة الأساسية للنمو والتنمية؟ هل ندرك على وجه التحديد ماهية اللغة العربية؟؟ وهل من تعريف مستقل يميزها عن باقي اللغات؟؟.. وما علاقتها بالمعارف الأخرى؟؟

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

اللغة العربية هي مجموعة من النظم والعلامات والطرق المصاحبة، التي يستخدمها الفرد في الكلام للتواصل والإبلاغ والشرح والتفسير، من عناصرها:

الصوتي، والهمس والصرفي والنحوي، والإشاري والتلميحي والترميز والملغز والمباشر والمعبر وغيرها، لإيصال المعنى بغرض الإفهام، وهذه النظم المتماسكة المتضافرة، سواء كانت مكتوبة، أو مسجلة، أو محفوظة أو مفهومة، صالحة للتطبيق الكلامي، فهي إذا جهاز من الحروف والعلامات والصيغ، والأساليب والطرق، والعلاقات النحوية والصرفية والتركيبية في المجتمع العربي، يتعلمها الفرد اكتسابا، وليس غريزيا أو بالفطرة، ليدخل بها في زمالة اجتماعية، ويمكن القول بصيغة أخرى: اللغة العربية هي مجموعة من عناصر منسجمة ترتبط علاماتها بالمعاني والدلالات وما توحي إليه، ارتباطا اعتباطيا كجسد لنقل الأفكار، تضم في دائرتها حمولات ووحدات ذهنية، يستطيع المتكلم بمساعدتها، أن يستعمل علامات الكلمات في كل أوضاعها للتعبير، أو للتوضيح، أو لنقل الأفكار ..

وعموما فالتعريف للغة العربية على هذا المنوال: أنه طريقة إنسانية مكتسبة وغير غريزية لنقل الأفكار، والتعبير عن العواطف والرغبات، بواسطة نظام من رموز وعلامات تستعمل حسب الإرادة، قد ينطبق بصورة مثلى على أية لغة، وفي أي مجتمع آخر..

2) تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية..

كيف نشأت اللغة العربية، وكيف تطورت؟؟ وهل سارت على نفس الدرب مع أخواتها اللغات؟؟ أم انفردت بطريقة خاصة؟؟ وكيف حالها اليوم؟؟ جملة من الأسئلة تتشابك في أذهان اللغويين والباحثين والمهتمين، ومن لهم غيرة على اللغة العربية كهوية، وكرافعة أساسية للنمو والتنمية ..لا أحد يستطيع على وجه التحديد أن يحدد كيفية نشأة اللغة العربية خصوصا، ولا اللغات عموما ؛ في خضم النظريات التحليلية المتناسلة منها ما هو أقرب نسبيا إلى الموضوعية، ومنها الخرافية السطحية غير منطقية، اختلاف وتنوع واسع في الرؤى والأفكار والتنظيرات حول مسألة نشوء اللغة، واللغة العربية حصريا على امتداد الحضارات القديمة والحديثة..

لقد أجمع البعض على أن الفضل في إنشاء اللغة العربية كما الشأن في جميع اللغات، يعود إلى المجتمع نفسه، وإلى الحياة الاجتماعية، حيث اجتماع الأفراد بعضهم ببعض، يحتاج إلى التعاون والتشاور والتفاهم وتبادل الأفكار وإبداء الرأي، والحُكم واتخاذ القرارات، والتعبير عما يجول في الخاطر؛ تنظير أقرب نوعا ما إلى المنطق .. وعلى غرار هذه النظرية تناسلت آراء وأفكار وبحوث أخرى، تدلي بدلوها حول أسباب نشوء اللغة العربية وأصلها، والعوامل المساهمة في تطورها ونموها كما سأوضح:

ـ أفكار ترى في نشأة اللغة العربية هبة من الله، أي توفيقية من وحي إلهي، حيث علّم الله الإنسان النطق بالأشياء، معتمدين في ذلك على بعض الآيات القرآنية (علم آدم الأسماء كلها)، وإذا رجعنا إلى النص القرآني والتراث القديم، وكيفية خلق آدم، وما يمتاز به عن غيره من البشر من قدرات عقلية، تمكنه من اضطلاع بالأمانة الربانية، وما تمتلكه اللغة العربية من أسرار، وهندسة لغوية متينة على جميع المستويات، نخلُص إلى أن اللغة العربية نشأت بتعليم رباني، يتجلى ذلك في ما تملكه حمولتها من خيال وإدراك، وذكر وتداعٍ وتعبير وآفاق ممتدة لا حصر لها، تستدعي نشاطا عقليا مكتملا؛ يلزم التعمق فيها، وما هيأه سبحانه من أعضاء وجينات، قادرة على النطق بها .. ومصطلح التوفيق كما تستدعيه هذه النظرية يعتمد على مسلمات مطلقة /ثابتة /مقدسة، لا يمكن الخوض في نقاشها، ولا التغيير في نصوصها بالزيادة أو النقصان .. بل تبقى على حالها، أو قد تتطور تدريجيا حسب الظاهرة الإنسانية دون المساس بجوهرها ..

ـ وبحوث ترى أن اللغة العربية قديمة قدم الإنسان نفسه، أم اللغات إن صح التعبير، وأعلى وأرقى لغة سامية عرفتها الإنسانية، تستوعب التراث العربي القديم، وما في رحمه من حقائق علمية؛ بل وكانت اللبنة الأولى لأغلب الحضارات..

- ونظريات ترى أن اللغة العربية كما سائر اللغات، ابتُدعت واستُحدثت بالتواضع والاتفاق، أي بارتجال ألفاظها بالمواضعة، وبوضع أسماء للأشياء بالإجماع.. وبالتداول لهذه الألفاظ والأسماء نشأت اللغة العربية كما اللغات الأخرى...

- وغيرها ترى أن اللغة العربية فرع كما اللغات الأخرى نشأت وتطورت عن اللغة الأم الأولى أثناء الخلق، عن طريق التقليد ومحاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة على اختلافها، من حفيف أوراق الشجر، وخرير المياه، وشدو العصافير، وأصوات الحيوانات، فسارت في سبيل الرقي شيئا فشيئا، مع ارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة، وتعدد حاجات الإنسان، واتساع نظام الحياة

ـ وآخرون يرجحون أن إنشاء اللغة العربية مثل كل اللغات، يعود إلى تعلم الإنسان والاكتساب، انطلاقا من المحيط /من الجماعة، للتعبير عن انفعالاته بإشارات، وتغيير ملامح، وحركات جسمية وأصوات بطيئة، وعن طريق الدربة والمراس، بدأت اللغة تتطور وتتنوع باكتساب مفردات جديدة، فاهتدى الإنسان إلى أساليب أخرى في تركيبها واستعمالها بالقدرة عن الكلام..

كانت جل هذه النظريات والبحوث والآراء تتقاطع أحيانا في بعض النقاط، وتختلف أحيانا أخرى، فمهما كان الترجيح صحيحا لأية نظرية، تبقى هذه مجرد خطوط ضيقة حول نشأة اللغة العربية، لكن الموضوع المثار هنا، هو كيف كانت اللغة العربية وعاء لاستيعاب الفكر الإنساني، وهل هي فعلا وعاء نصُبّ فيه الأفكار، كما نصب الزيت في جرة؟؟ أم أنها كائن حي تتفاعل وتتنامى وتتطور وتواكب؟؟ وكيف استطاعت التفاعل مع المعارف الإنسانية في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والديداكتيكية؟؟وهل استطاعت اللغة العربية أن تواكب التجديد في هذه المعارف؟؟؟ وما هي أوجه التعثرات؟؟وهل وضْعُها حاليا على أحسن ما يرام؟؟ وهل تزاول وظائفها باقتدار؟؟

3- مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

اللغة العربية شأنها شأن أي عمل فني، وأي عمل إبداعي، خاضعة للسيرورة التاريخية، وقابلة للتجدد حسب العصر بطرح شوائب تخلق تشويشا على مسارها، أو بإضافات تثريها وتغنيها ولا تُقِلّ من شأنها، أو تدني من قيمتها ؛ وجاهزة لأن تستوعب أية حمولة ثقافية بكل مصطلحاتها ومفاهيمها ومعانيها ودلالاتها، ومهما منطق العرب اللغة العربية بالحيطة والحذر باعتبارها لغة القرآن المقدسة المتكاملة، التي لا يجوز المساس بها حماية لجهازها من تسرب بعض الدخائل الأجنبية إليها، أو الحيلولة دون تدفق مالم يطبع بطابع الفصحى، فاللغة العربية عبر تاريخها تنصلت من هذا القيد الجبار، ورمت عنها غلالة الحصار، وتفاعلت واحتكت، واكتسبت أشياء أثرتها وأغنتها، وطرحت أخرى زائدة لم تضف إليها أية أهمية، مما يبين بجلاء أن اللغة العربية ليست عذراء يُخشى افتضاضُ بكارتها، ولا بناؤها وتشكيلُها حسب المواضيع المطروحة وما يجوش في الخاطر، قد يخلخل قصدها ويضلل معناها ؛ والدليل على ذلك أنها عبر التاريخ تلبست حللا فلسفية وميتافيزيقية وسريالية وصوفية ودينية وعلمية حسب المرامي والغايات، وتشكلت وتوشحت بالإضافات أو النقصان من عصر إلى آخر بشكل هادف ومتميز؛ وإن إعلاء الأسوار حول اللغة العربية، وإغلاق جميع الشرفات عليها من أجل تحصينها، لم يمنعها من مواكبة الظاهرة الإنسانية في تطورها وسيرها التاريخي كما سيأتي لاحقا ...

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

إن انتقاء خالق العالمين اللغة العربية للوحي، كخاتمة لرسائله إلى البشرية، يعني أنها كانت أفصح وأشد اللغات وأرقاها، وأكثرها قدرة على استيعاب تعاليم أحاديث الوحي، بما تمتلكه من خصائص ومميزات، وتمتاز به من ثراء ومقومات، وأنها أقرب إلى أذهان المسلمين للفهم والتلقي والاستيعاب والتأثير. لتبقى خالدة بخلود القرآن للأجيال البشرية اللاحقة، فيلتموا تحت لوائها كلغة عالمية شاملة لكل المقاصد، تجمع شملهم وتشد أزرهم، والقرآن الكريم وصف نفسه بأنه عربي، وأكد ذلك في أكثر من آية وسورة (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)، وقد اختار الله تعالى أن يخاطب البشرية خطابه الأخير باللغة العربية، التي هي لسان الرسول العربي الخاتم الأصيل، لتصبح لسانا ثقافيا عالميا للخاص والعام ولجميع الشرائح البشرية وعلى مر العصور ...إذا اللغة العربية جزء من الإسلام، وكانت السبيل الأقوى لنهضة المسلمين ورقيهم في صدر الإسلام، مما ساعد على ذيوعها وسيادتها في جميع الأقطار العربية و الأعجمية.. والفهم السليم والإدراك الصحيح للقرآن، واستيعاب مقاصده و أحكامه، والتشبع بتعاليمه وقيمه، لا يتأتى إلا بتعلم لغته العربية الأصلية التي نزل بها بكافة عناصرها ومكوناتها وعلى جميع الأصعدة، ولا يمكن لأي كان أن يستوعب معاني القرآن ودلالاته، إلا إذا أحكم القبض على اللغة العربية بكل أطيافها ؛ وعلى الذين يحثون على إدراك القرآن، وتجديد الفهم لـه على ضوء الدراسات اللسانية الحديثة، أن يتقنوا أولا اللغة العربية التي هي لغة القرآن؛ وغير ذلك لا فائدة ترجى، بل على العكس قد تطبعها الفوضى وعدم الإتقان، ولا تعبر التعبير الحق عن كنهه وأسراره، ولا تتوغل في أعماق القارئ بما يقوى إيمانه، ويحبب إليه الدين الإسلامي، فاللغة العربية لها دور أساسي في استنباط ما ترمز إليه الأحكام الشرعية والحقائق العلمية من النصوص القرآنية، لذا لِفهم الخطاب الإلهي يجب إتقان اللغة العربية صَرفا وتحويلا ومعنى، ومن لا يملك ناصية متينة لهذه للعلوم، لن يستوعب البتة ما في القرآن من مقاصد ..

- اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

لقد عاصرت اللغة العربية في البلاد الإسلامية تدفق سيول خصبة من الأنشطة العلمية المتعددة، سهلت الترجمة من اللغات الأجنبية لبعض فروع الثقافة والمعارف التي تخدم اللغة العربية كالفلك والرياضيات ؛ فأصبحت العقلية العربية في احتكاك مباشر بالأمم والديانات الأخرى، مما أذكى شرارة تأثر العرب بهذه الأمم، والتشبع بالثقافة اليونانية، والارتواء من معينها، حيث كان لأرسطو نصيبُ الأسد في سيادة منطقه في البلاد الإسلامية إبان العصر العباسي ـ الذي كان عصر ازدهار العلوم ـ عن طريق الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، كما كان الدور أشد وأقوى بشكل ملموس، احتكاك اللغة العربية بالتفكير الأرسطوطاليسي الذي يخلط بين المنطق والميتافيزيقا، فيظهر ذلك واضحا في الدراسات اللغوية عند العرب .. إذا فاحتكاك العرب بالإغريق، وتواصل المسلمين برجال الدين من المسيحيين الذين أغلبهم من الدولة الإسلامية، والذين كانوا يتقنون أكثر من لغة، كانا الحافز الأقوى على خلق علم الكلام، والأدلة التي كانت تستمد بالطبع من منطق أرسطو كمرجعية، والذي لم تتخلص اللغة العربية من قبضته السحرية، بل وامتد المنطق الأرسطي حتى إلى الفقه الإسلامي، وبذلك يتضح بجلاء، أن النفوذ الإغريقي بفلسفته وما يطبعها من علل وأقيسة ظل مهيمنا على اللغة العربية ...

- اللغة العربية والأجناس الأدبية

كما كانت للغة العربية علاقة بالفلسفة والمنطق، فقد كان لها حراك قوي في مجال الأدب على اختلاف أجناسه، فتنقلت وتشكلت حسب الظواهر الأدبية على امتداد العصور، حيث حرصت اللغة الكلاسيكية على جودة الصياغة اللغوية وفصاحة التعبير، والقرائن التقليدية، معتمدة في ذلك على العقل الواقعي، وما تراه العين بالمباشرة، وفق معنى واحد وواضح لا اختلاف فيه لدى الجميع، تنتهي صلاحيته بمجرد فهمه، معنى، يلتقي فيه التفكير والإحساس.. الاهتمام كل الاهتمام بالتنميق اللغوي والزخرف اللفظي، فتعددت المحسنات البديعية، وترادفت الأجناس، وتتالت الاستعارات، و تقافزت التشبيهات، حيث وجهت العناية الكبرى إلى الشكل على حساب المضمون.. ثم خطت اللغة العربية خطوة أخرى أرقى لتسمو بنفسها، فاقتحمت المذهب الرومانسي، بقفزة نوعية ملموسة من الواقع إلى الخيال، اقتصرت على مناجاة الطبيعة بكل تلاوين الفلسفة والميتافيزيقا، في صياغات فنية وتركيبات دلالية، بكل ما تعنيه الكلمة من إيحاء وترميز، جاوزت تماما أسلوب المباشرة المنصرم، والحس الواقعي إلى عالم الحدس والتأمل ... والمتمعن في تاريخ الأدب، سيلمس بالمباشر أن قاموس اللغة اليوم، ليس هو ما كان عليه سابقا في العصر العباسي، أو الأموي أو الجاهلي، لأن حياة اليوم أدخلت إلى معجمها مفردات جديدة أنبتتها حقول العصر، وزخِرت بها الهموم اليومية ؛فخلعت اللغة العربية أذيالها القديمة المبنية على المباشرة والوضوح، لترفل في المجازي والإيحائي بشكل جديد، يستعصى معه استيعاب المعنى من قبل القارئ، مما يبين أن اللغة العربية قد تحررت تدريجيا من قيود الاستعمال البسيط المتداول، كظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، ليصيبها التغيير مختارة ألفاظا للحياة الجديدة، وإن كانت بعض الخيوط مازالت لحد الآن، تشد بحنين قوي إلى الماضي، عن طريق القوالب السحرية المتمكنة من العروض والقافية، والموسيقى الخارجية ؛ ومن هنا نستخلص أن اللغة العربية ليست جامدة وثابتة ومطلقة كما يبدو للبعض، يستحيل إضافة إليها أشياء أو حذف منها أخرى، كما يقول: ميخائيل نعيمة (فتحسبها واقية كاملة وليس لمستزيد في دقتها زيادة)..

وعليه نجد المبدع في مادته الإبداعية في قلق وانفعال دائمين مع اللغة، فإما أن تكون مطواعة، يكيّفها حسب مستجدات العصر ومتطلباته، فيرقى بالأدب إلى أعلى مستوى، أو تعاسره وتستعصي عليه، فيخونه التعبير مما يؤدي بها إلى الجمود والتردي ...فمبدعو الحداثة من شعراء وقصاصين وروائيين، يتولون اللغة العربية بعد كتابة نصوصهم بالقص والتشذيب، والحذف والإضافة والتغيير، في ما يسمى بالنقد الذاتي، للتمكن من النصوص قبل تقديمها للقراء، أو بغربلة التراث، وانتشال الألفاظ البليغة المعقدة والغريبة، لإبراز إشعاعها وتقريبها من مفاهيمها بصياغة أخرى، تكون مرآة للعصر، بمعجم جديد مناسب للتجربة الحداثية، ضمن قوالبَ وصيغ جديدة نابضة باليومي على حد قول محمد مندور (وإن ما يعيب الأسلوب عدم التجديد) ..

وهكذا نخلُص بوضوح، إلى أن لغة الأدب هي النبض الحقيقي للحياة، تتطور تبَعاً لتطورها، مترجمة سلوك ومواقف وتخمينات المبدع، وأحلامه وطموحاته، في صراع محتد ودائم مع ما يأمله، وما تعتريه من عراقيل لتحقيقه.. وبهذه المواجهة من قبل المبدع للحياة، تستجيب اللغة لكل ما يروج في خلد الذات المبدعة، فتحمل الجديد من الهزات التعبيرية المدهشة، بشكل حداثي صرف يتوخى جزالة اللفظ، واتساع المعنى، وفخامة الدلالة، في لغة متينة مكثفة وموحية وممتعة في آن واحد..

وهذه اللغة هي المناسبة والقابلة لتشخيص قضايا العصر الملتبسة، التي تغوص هي الأخرى في إبهام صرف، وهكذا تلامس فكر القارئ، وتدغدغ أفقه المعرفي، وتثير بركان وجدانه، مخاطبة فيه جانبه الرمزي والانفعالي، مستنهضة ذكرياته وأحلامه وآماله وتجاربه، كل ذلك في قالب لغوي رمزي إيحائي تلميحي دلالي متين، يبعث الهزة ويحدث الربكة ...

وما يجري على الشعر يجري على القصة والرواية، حيث اكتست اللغة فيها حللا جديدة مناسبة للظرفية، وهكذا تُخيِّب اللغة أمل مَن اتهموها بالقصر، ورأوا فيها الجمود، فهمشوها بحجة أنها غير مطواعة، ولا يمكن أن تتكيف مع أحداث العصر، والهدف من ذلك تكسير رقبتها لغرض في نفس يعقوب..

- اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة

لقد كانت اللغة العربية سابقا، تُستَخدَم للأخبار شفويا عن طريق حفظ الرسائل، أو مكتوبةً عبر الورق، أو في خطبة يجهر بها الخطيب وسط حشد من الناس في المساجد، أو الساحات العمومية، وهذه الطريقة اندثرت اليوم، بفضل تعدد وسائل التبليغ والإبلاغ بطرق مختلفة ومتعددة، من ندوات ومحاضرات، ولقاءات، وملتقيات، ومهرجانات ثقافية، بالإضافة إلى الكتب والمجلات والجرائد، والقنوات الإذاعية والتلفزية، وأجهزة الحواسيب، والهواتف العادية والذكية وغيرها، حيث ساهمت هذه الآليات المتنوعة والمتطورة في استيعاب اللغة العربية، وتوسيعها وانتشارها على المدى الرحب بما يتدفق من مصطلحات أدبية، وعلمية، وسياسية، وفنيةن ورياضية، الشيء الذي يكسبها صياغات فنية متنوعة، إن على مستوى الثروة المعجمية، أو على مستوى تركيب الألفاظ، وتنظيمها في سلاسل من الجمل والفقرات، أو على مستوى اختيار النسيج الأسلوبي، أضف إلى ذلك ما لعبته القنوات الفضائية من دور في انتشار وتنوع البرامج باللغة العربية، حيث استطاعت اختراق الجدار العربي إلى دول الغرب، لتنفذ في أعماق الجالية العربية، بما تملكه هذه الأجهزة من قدرات توصيلية محكمة وهائلة، في مجال استخدام اللغة العربية الفصحى، وتقديم أصناف المعرفة بلسانها ..لكن ما يلاحظ في هذا الشأن هو أن دودة ناخرة، أخذت تتغلغل في جسد اللغة العربية، لتسيء إليها وتنحو بها نحو الضعف والتردي، ألا وهو تطعيم اللغة العربية بالدارجة، تحت ذريعة إيصال المعنى للفهم إلى الذين لم يساورهم الحظ في القراءة والكتابة.. بينما العكس هو الحاصل، أن هؤلاء المشار إليهم بالبنان يتابعون المسلسلات المكسيكية والتركية والهندية المدبلجة باللغة العربية ويفهمون، بل يستوعبون الأحداث حدثا حدثا دون عسر في الهضم، ويتشبعون بمصطلحات عربية محضة، وكذلك الأطفال في بعض الرسوم المتحركة، فنجد هذه الشريحة قد تمكنت من اكتساب رصيد هائل باللغة العربية، ويوظفونها بسهولة أثناء اللعب مع بعضهم البعض (كريندايز ..مثلا) (أنا الرمح الصاعد) (أنا الرشاش) وغيرها .. إذا فذرائع الفهم لا أساس لها من الصحة جملة وتفصيلا، بل انسياق بعض وسائل الإعلام إلى العامية، ومعارضة الفصحى خاصة في بعض البرامج الإذاعية والتلفزية، هو موقف ناخر للغة العربية، ويدعو بالمباشر إلى تخريبها، والنزوع بها إلى الدونية ..من هذا المنطلق فأنا لست ضد بعض الجمل بالعامية، التي قد لا يوجد لها مكانا في اللغة العربية، أو حشر بعض المصطلحات الصعبة غير مفهومة، لتقريبها من المتلقي للتوضيح، ولكن أن تندس اللغة العامية غازية، لتتبوأ عرشها على حساب اللغة العربية، وتحل بدلها الشيء الذي يساهم في قتلها، فهذا مرفوض تماما، لذا فمن واجب المسؤولين على وسائل الإعلام، حماية اللغة العربية، وذلك بإعداد أعمالهم إعدادا متينا، بكل ما تستدعيه السبل والأدوات، من منطلق إحساس قوي بأهمية اللغة العربية، كوسيط للتفكير والتعبير والوحدة القومية والتنمية، وأن يقدموا لها من خلال برامجهم ما يجعلها في القمة ...

- اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

إذا تصفحنا تاريخ اللغة العربية في هذا الجانب، نجد أن اللغة العربية نشأت وترعرعت، بين أحضان التجارة عن طريق القوافل العربية، والتجارة في الأسواق لتلمس الرزق، أو بين القبائل من بقاع مختلفة، وهذه العوامل أفسحت المجال لتحريك اللغة العربية كرافعة أساسية في العمليات التجارية، وبالتالي تنتشر انتشارا واسعا بتنمية ألفاظها، وتعدُّد مفرداتها، وتنوعها تبعا لهذا الميدان، وبالتوازي كان العرب إلى جانب عرض البضائع في الأسواق للبيع والشراء، يعقدون محافل أدبية وفنية كتقليد، تتشكل من عدة فقرات متنوعة ومتكاملة، مثل مبارزة فنون القول بكل أشكالها وألوانها، إما عن طريق المدح، أو الذود عن القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر، أو عرض مواد أدبية ولغوية للتنافس والتباحث لحل إشكالها، للحكم على جودتها من رداءتها ؛ فينساق أهل اللغة إلى عرض خزانهم اللغوي بكل أجناسه على المتلقي.. ومن هنا يتضح، أن اللغة العربية كانت هي الوسيلة الأساسية في المجالات التجارية والاقتصادية، إن على مستوى ترويج الأدب أو ترويج السلع والبضائع، أو على مستوى التفاخر والمبارزة، لكن والحال اليوم حيث الثورة المعلوماتية متدفقة، والانفجار التكنولوجي ينتشر جارا وراءه وابلَ الاستثمار، ووباء الخوصصة، أصبحت اللغة العربية كعنصر أساسي وهام من عناصر الاقتصاد والتنمية مجرد صورة نمطية، وغُيِّبَ دورُها بتسرب المصطلحات الغربية، وهنا أفتح قوسين: لا أقصد اندساس بعض المفردات الأجنبية والتصاقها بجذع اللغة العربية، فهذا لا يضير في الأمر شيئا إن حصل من أجل التكملة، لكن أعني هيمنة اللغة الأجنبية، وخاصة الفرنسية والإنجليزية، واحتكارهما للبحوث والدراسات والإعلانات واللافتات واللوائح الإشهارية، بالتلفزة أو معلقة على الجدران، وتداول اللغتين نطقا، وكتابة في بعض المؤسسات، مما يشكل باعثا حقيقيا على زحزحة اللغة العربية من مكانتها إلى الهامش، ومصادرة هويتها .. والأخطر من ذلك هو إقصاء اللغة العربية تحت يافطة ضعفها، والحكم عليها بعقم رحمها من استعداد حمل جينات المصطلحات الاقتصادية ...

وعليه مادامت اللغة العربية هي الوسيلة المثلى للنهوض بالمجتمع، والسير به نحو التنمية، وبما أنها ظاهرة اجتماعية تتبادل التأثر والتأثير بالاقتصاد، إن لم نقل هي المحرك الأساسي له، وجب أن نرقى بها عن طريق النفخ في صورها، وضخ دماء جديدة في جسدها بحوسبتها وإدخالها إلى عالم الكمبيوتر، وتزويدها بالتقنيات، وتوجيه الاستثمار نحو مشاريع، تعالج اللغة العربية بتطويعها على استيعاب هذه التقنيات، وبناء معاجم في هذا الشأن بكل تجلياته ومصطلحاته، مع تشكيل برامج الترجمة وإعادة الهيكلة، لخلق منها حقلا للدراسات التنظيرية اللغوية، مما يساعد على ترويجها وانتشارها في الحركات التجارية، وتخصيص لها حيزا في الاقتصاد قد تكون له أهلا، لكن لا بلوغ هذه الغاية دون تحسين اللغة العربية، وتطويرها وتجديدها حسب ما يستدعيه العصر ...

- اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

حيث أن العولمة احتكرت كل بقاع العالم، وتدفقت الثورة المعلوماتية بغزارتها المعرفية وتنوعها، وأصبحت بلمسة أيقونة يصبح العالم بين يديك، من خلال شاشة صغيرة لا تتعدى مساحتها شبرا، أصبح لزاما على اللغة العربية كجهاز للتنمية، أن تمْتَثل لهذه الثورة، وأن تدخل المغامرة للتفاعل والتطور والتجديد، لتواكب مستجدات العصر وتدفقاته وتعبر عن كل ماجد في هذا العالم، فتدخل للمعركة في صميم هذه التقنيات، وتؤكد قدراتها في أن تكون أداه للتخاطب والتواصل في جميع القطاعات، وعبر كل الآليات لتُستَثمر كأي سلعة اقتصادية، تستفيد منها التنمية باعتبارها عنصرا من عناصر التنمية، إضافة إلى كونها وسيلة لحمل المعارف، واللغة العربية قادرة على أن تستقبل هذه التقنيات بكل مصطلحاتها، وأن تسير في الركب الحضاري باستيعاب المصطلحات الحسوبية، وتدخلَ غمار البحث العلمي على اوسع نطاق، كلبنة أساسية لبناء الأمة العربية والنهوض بها .. يكفي من القيمين على الإعلام أن يتداولوا ما عربته مجامعنا العربية ..غير أنه يلاحظ مؤخرا تهجين اللغة العربية وتدنيها وتهميشها، بالانسياق وراء لغتين مهيمنتين، هما اللغة الفرنسية والإنجليزية وما جاورهما، تحت رؤية هشة جاهلة، تقصي، وتستثني قدرة اللغة العربية عن استخدام المصطلحات التقنية العلمية الحديثة، والتأكيد على عجزها في ذلك، رغم أنه يتضح لنا وبيقين تام، أن اللغة العربية قادرة على التطور واستيعاب الرموز والعلامات العلمية، شأنها شأن أية لغة أخرى، مادامت هذه المصطلحات غريبة كليا عن جميع اللغات ؛ وإذا جارينا تاريخ اللغة العربية، يثبت لنا أن اللغة العربية على مرّ العصور، ومنذ ان خرجت من أفواه أهل البدو، قد أثبتت حيويتها وتفاعلها، وقدرتها على التطور والتجديد، ومواكبة مستجدات العصر على اختلاف ينابيعها:علم فلك /طب /رموز رياضية/فلسفة منطقية / أو إسلامية، وأنها قابلة لتبادل التأثر والتأثير في أي مجال، وعلى أي مستوى، وفي أي عصر، وما يجري في ميدان الاقتصاد، إذا من خلال النظرة الدونية إلى اللغة العربية كيف يمكن حماية اللغة العربية وبالتالي كيف نرتقي بها؟؟

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

خصوم الإسلام وأعداؤه أدركوا الترابط الوثيق، والأواصر المحكمة بعهودها ومواثيقها بين الإسلام واللغة العربية، وتيقنوا من مدى تمسك المسلمين بعقيدتهم بما تحمله من شعائر وطقوس، وعبـادات عميقة نابعة من الإيمان الراسخ كدين متماسك الحلقات، فسعوا إلى إضعاف اللغة العربية، والتقليل من أهميتها والإطاحة من شأنها، مع تحقير واسع للمسلمين، والمتشبثين بدينهم الحنيف، فأشاعوا أن اللغة العربية، ليست لغة العلوم العصرية الحضارية، من هندسة ورياضيات وفيزياء وطب وغيرها، ولا لغة العقل والفكر والثقافة والحضارة، وإنما هي لغة العبادات والطقوس الدينيـة، لغة الزوايا والأولياء، والكتاتيب القرآنية، فكرة استعمارية دخيلة حقيرة سياسيا، رُوِّجَ لها ليظل النهج الاستعماري اللغوي والثقافي مهيمنا على الحياة الفكرية والعلمية، وتمرير ثقافة الإحساس بأن اللغة العربية ليست لغة علوم وفنون، بقدر ماهي لغة شعائر دين، وفقه وعبادات، أسلوب خطير في توجيه الأنظار والأفهام إلى اللغة العربية، على أنها مجرد لغة الكهنة والخرافات والقصص والأساطير؛ متناسين التلاقح الفكري الثقافي، والتفاعل الحضاري عبر التاريخ، وأنها من اللغات العريقة، حيث خصّها بعض العلماء (أولستهوزن) بدراسة خاصة، كلغة سامية ..

انطلاقا من هذه النقطة بالذات، وجه العرب أصابع الاتهام بدقة إلى أعداء اللغة العربية، الذين يريدون الإطاحة بقيمتها، وزعزعة كيانها، كحبل متين يعتصمون به للحفاظ على هويتهم، وكرافعة أساسية للتنمية كباقي اللغات، فتضافرت الجهود، وانطلقت المساعي لحمياتها...

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

وبتظافر جهود بعض العلماء والمثقفين، والمتعاطفين الغيورين على اللغة العربية تعددت الأفكار، وتتالت النظريات، وأُنشِأت آراء متكاملة ومتناسقة لحمياتها، والذود عنها من الأيادي الآثمة التي تسعى لإلحاق الضرر بها ..

 ـ فهناك من اكتفى بحظ قليل من فصاحة القول وبلاغة التعبير تبعا للتقاليد وموروثاتها الخاصة، وبيئاتها الجغرافية المحدودة في صياغة جملها، وتركيب مفرداتها وفق قرائن متداولة لا يمكن البتة الخروج عن إطارها ..

ـ وهناك من تطلّع إلى صقل اللغة العربية وتحسينها، لتسمو في تعابيرها إلى مستوى أرقى من مستوى التخاطب العادي، باعتبارها أقدم اللغات السامية، فنمقوها بالمحسنات البديعية، وعمقوها بالمجازي والإيحائي والتلميحي ..

ـ وهناك من انشغل بها كلغة فصحى نزل بها القرآن، تستند دراستهم على منهج علمي دقيق، ينبني على الملاحظة والاستقراء، مع الإفراط في الحيطة والحذر، حتى تبقى اللغة العربية محضة لا يشوبها شائب، يمكن إفساح المجال لتطويرها وتجديدها، لكن دون الخروج عن الحدود ..

لكن ما ينبغي التأكيد عليه، هو أن اللغة العربية مهما حصّنّاها وأحطناها بأسوار فاصلة بينها وبين اللغات الأخرى، لابد من تبادل التأثر والتأثير، شأنُها شأن لغات العالم كلها، التي تتفاعل وتتلاقح ألفاظها مع بعضها البعض، فتندس في هيكل كل لغة .. وحصر اللغة العربية في حدود الفصحى، وإقفال جميع الشبابيك عن تعريب بعض المصطلحات الحضارية في حدود المعقول، وتطعيمها به، يوجه السداد لقتل اللغة العربية، والتوجه بها نحو الانقراض، إذا علينا حماية لغتنا العربية، ولكن بطرق حضارية تقوي جسدها، وتُمتّن ألفاظها، وتمكن من تعددها وتناسلها، وضخ دماء جديدة في أوردتها، لتحيا وتنمو، ولا نحرمها من سيرورتها التاريخية التي تزحف بها لغة التعامل والجوار، الشيء الذي لا يستطيع أحد منا أن يوقفه أو يتصدى له..

لذا على المثقفين أن يهتموا باللغة العربية، شكلا ومضمونا وقيمة وتطويرا، من حيث الخاصية النحوية الصرفية والتركيبية، وتنامي ألفاظها وتطويعها حسب لغة العصر، وإبعادها عن القنوات التي قد تجرفها نحو التدني، كالانعطاف نحو العامية، والتصدي لتحريض الغزاة على إهمالها، باعتبارها ليست أهلا للعلم؛ وإغلاق المجال في وجه سطْو اللغات الأجنبية على المؤسسات، والتفاعل معها كأساسيات، مع تهميش وإقصاء اللغة العربية ..

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

اتخذت تدابير إجرائية سياسية وميدانية وإعلامية توصيات ضرورية يجب العمل بها لحماية اللغة العربية من ضمنها:

ـ أن ينهض الكوادر من لهم باع طويل في أمهات المعارف للنهوض بحماية اللغة العربية والعمل على تطويرها ..

ـ نهج سياسة تعليمية تستند على اللغة العربية، ونشر ثقافتها في المعاهد والجامعات، والمدارس والبرامج التلفزية والإذاعية والإدارات والمؤسسات العمومية ..

ـ تنقية اللغة العربية من شوائب العامية، اللهم ما تستدعيه الضرورة للإفهام عند مصادفة أشكال، لا مخرج لها غير توظيف العامية، أو توظيفها للتزين أو التنميق ليس بشكل أساسي ..

ـ التصدي للألفاظ الأجنبية بوضعها في قوالب عربية متينة، لا تساهم إلا بتكسير جذع اللغة العربية، أما إذا كانت مكملة ومغنية ومفسرة لإبهام ما، فلا ضير في ذلك ..

ـ العمل على توظيف المصطلحات العلمية والبحوث والتقنيات باللغة العربية، خاصة وأن اللغة العربية طيعة وتحمل في رحمها بذور النماء والتجديد، وقادرة على احتضان المستجدات..

ـ تفعيل مجامع اللغات العربية في الميدان العلمي، والتصدي بشدة لهيمنة اللغات الأجنبية واحتكارها الميادين ..

ـ هدم جدار الاختلاف السياسي بين الدول العربية، وتفرد كل واحدة بتوجهاتها وغاياتها من منظورها الشخصي، وتوحيد الرأي في تطبيق هذه المجامع خاصة وأن اللغة العربية هي لغة الكل ..

ـ التنسيق بغض النظر عن الاختلاف في مجال اللغة العربية لتكوين رؤية قومية واحدة، تشد عضد اللغة العربية لمواجهة التحديات وفق نهج مُحكَم للنهوض بها وتطويرها ..

* الخلاصة:  

وحتى تصبح اللغة العربية أكثر إشعاعا من أي وقت مضى، وتؤدي دورها المنوط بها حسب العصر، تحتاج إلى تجديد منهجي وإغناء معرفي، يقومان على أسس علمية بكل ما تحمله الكلمة من طرائق وأساليب حضارية سليمة، تستند على المنطق كالملاحظة والتجريب والتحليل والتطبيق، مع الانفتاح على المنهجيات الغربية المتقدمة في البحث وتعليم اللغات، واتباع المنهج العلمي الذي يُستَعمل في دراسة العلوم، كالمنهج التجريبي وعلم الأصوات، والتصدي للتحقير الصارخ بنظرة التمييز التي تُعلِي من شأن اللغات الأجنبية، وتُدنِي من قدرات اللغة العربية، وكسر وتحطيم الجدار الشاهق بين اللغة العربية والعلوم، الذي هو في حد ذاته تحقير ملموس للعرب والمسلمين، بنظرة دونية افتقد فيها الإنسان العربي المسلم الإحساس بالكرامة والعزة والقوة، ترتبت عنها هزائم نفسية أضعفت الشخصية العربية في إحدى مقوماتها التي هي اللغة، وحطت من قدرها. وخلَقَ شروخا واسعة في جذعها، لكن بما أن اللغة العربية هي القاسم المشترك بين الشعوب العربية، والإسلام هو الجناح الدافئ الذي يحمي بفيئه الكل، سيظلان دون شك الرابطين أشد توحيدا بين مكونات الأمة العربية وشعوبها ومجتمعاتها، لِلَمّ شتاتها وبناء وحدتها، والوعي بلغتها أنها لغة عربية لها مقومات وأسس غير قابلة للاختزال، وأنها السلاح الأوحد للتعبير عن مشاعر هذه الأمة العربية، وأحاسيسها، وأفكارها وأهدافها، ويدركوا عن وعي أن اللغة العربية ليست وعاء أو قالبا تصب فيه المعاني والأفكار فقط، وإنما هي محور للتفكير وقطب للتعبير، بينهما ترابط متين، بفضلهما يبقى التفكير سليما معبرا عما يحسه العمق، ويدور في الخلد، و يختلج في النفس، مما يعني أن سبيل وحدة هذه الأمة، يبدأ بتوحيد لغتها وثقافتها واستراتيجيتها المعرفية، والحط منها معناه المس بكرامة الناطقين بها ..

من خلال ما سبق نلاحظ أن اللغة العربية أقوى الروابط التاريخية التي تشد أواصر الأجيال في الشعب الواحد، ضمن وحدة ملموسة رغم اختلاف العصور، لكونها سجلا يختزل تجاربهم، وأرشيفا يحتفظ بمكوناتهم الثقافية: من عادات وتقاليد وعقائد التي يتوارثها الأجيال، مما يضمن الاستمرارية لهذه الثقافة؛ وإحساس الخلف بأهمية ما تركه السلف لا يتأتى إلا بتقاسم اللغة بينهما، والكل يعي أن اللغة العربية أقوى حافز، له الكثير من الفضل على تشبث العرب بعروبتهم في أنسابهم ودمائهم، والعلاقات الرابطة في ما بينهم، وتعد أقوى سلاح للسيطرة على الأفكار والأشياء، الناقلة للقيم النبيلة، خاصة وأنها نابعة من جذور عربية أصلية؛ والأسف كل الأسف حين نصادف آراء مغلوطة من أطراف خارجية وداخلية، تنعتها باللغة الجامدة التي لا حركة فيها، أو ترى فيها اللغة العقيمة العاقر، التي لا تنجب بحوثا علمية، أو التي ترى في العامية أفضل منها لتقريب المفاهيم إلى المواطنين، أو التي أغلقت أبواب الاجتهاد، باعتبار أن الأجداد أتوا بالكمال الذي لا يمكن خلخلته بالحذف منه أو الإضافة إليه، أو التي ترى وجوب احترامها وتقديسها لأنها مرتبطة بالقرآن، مما أدى إلى تحريم الترخيص جملة وتفصيلا بالزيادة أو التوليد.. وحتى أنهي أوجه ندائي إلى الغيورين على اللغة العربية، أن يعتنوا بها، ويتصدوا لمن يحاول العبث بها ..

 

مالكة عسال

10/09/2018

...........................

المراجع والمصادر

ـ مناهج البحث في اللغة /للدكتور تمام حسان

ـ مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة للدكتور مشال زكريا

ـ بنية الشعر الجديد للمؤلف محمد عزام

ـ لغة الشعر العربي الحديث للدكتور السعيد الورقي

ـ بعض أقوال الأديب ميخائيل نعيمة

ـ بعض أقوال الأديب محمد مندور

ـ آيات من الذكر الحكيم (سورة البقرة)

ـ علم اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي

ـ دراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي صالح

ـ البنيوية في اللسانيات للدكتور محمد الحناش

ـ واقع اللغة العربية بين المتفائلين والمتشائمين للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ وسائل الإعلام والفصحى والمعاصرة للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ اللغة العربية والنشاط الاقتصادي للدكتور سعيد بيومي

***

عناصر البحث في اللغة العربية

* فتح مبين

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

2) تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية

3ـ مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

ـ اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

ـ اللغة العربية والأجناس الأدبية

ـ اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة

ـ اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

ـ اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

* الخلاصة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4849 المصادف: 2019-12-15 00:44:42