 قضايا

عن مفهوم فلسفة الدين اتحدث

حيدر جواد السهلانيظهر مصطلح فلسفة الدين في بداية القرن التاسع عشر، بحيث بدا شيوعه واستعماله للدلالة على مجال فلسفي مستقل ومنفصل، ويرجع الفضل في ذلك الى حد كبير الى الفيلسوف الالماني هيجل في كتابه (محاضرات في فلسفة الدين) المنشور عام(1832)، ويدل مصطلح فلسفة الدين اليوم على فرع من الفلسفة يقوم بتأملات عقلية حول حقيقة الدين والظواهر الدينية. ويرى البعض ان مصطلح فلسفة الدين يحل محل مصطلح الالهيات الطبيعية الذي كان رائجآ انذاك، وكان المراد من الالهيات الطبيعية صنفآ من الالهيات التي تستعمل مناهج البحث ومعايير العقلانية. اذ فلسفة الدين حينما وضع واستعمل كان يدل على فرع من اللاهوت، وجل اهتمامه اثبات عقلانية وبرهانية التعاليم المسيحية، لهذا كان يتراوح بين الفلسفة والالهيات، فهو من جهة يعتبر لاهوتآ ومن جهة اخرى فلسفة.(1)

الدين ظاهرة وجدت مع البشر وستبقى مع البشر، فالدين كان دائمآ مع البشر ومن صميمهم، انه اقدس واقوى مؤسسة في حياة البشر وارسخها اصالة، وانه من الظواهر القديمة المولودة بولادة الانسان، والدين عاملآ قويآ ومؤثرآ بشكل مباشر وغير مباشر في القضايا الاجتماعية، حتى في البلدان العلمانية  التي تفصل الدين عن المشاركة في رسم مصائر الشعوب، فالدين ظاهرة اصيلة تنبع من صميم الانسان، والدين ذو صلة وثيقة بالعلو والقداسة، وبعبارة اخرى جوهر الدين حالة مقدسة متعالية، فلو سلخنا القداسة والتعالي من الدين لنزعنا الدين عن كونه دينآ.(2) اذآ الدين هو مجموعة من المعتقدات والافكار لدى الشخص وهو الايمان بمجموعة من السلوكيات والفرائض والقبول بها في الحياة واتباع دين معين والاخلاص له يعتبر تدينآ. ويعرف كانت الدين" هو معرفة الواجبات كلها بأعتبارها أوامر الهية". ويعرفها هيجل " الدين هو روح واعية جوهرها، وهو ارتفاع الروح من المتناهي الى اللامتناهي". ويعرفها دوركهايم" الدين هو منظومة متماسكة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأمور مقدسة، وهي معتقدات وممارسات تجمع في ايلاف اخلاقي واحد". اما اريك فروم" أي مذهب للفكر والعمل تشترك فيه جماعة ما، ويعطي للفرد اطارآ للتوجيه وموضوعآ للعبارة". ويعرفها لالاند" مؤسسة اجتماعية متميزة بوجود ايلاف من الأفراد المتحدين، بأداء بعض العبادات المنتظمة وبأعتماد بعض الصيغ، وبالاعتقاد في قيمة مطلقة" وايضآ " الدين نسق فردي لمشاعر واعتقادات وافعال مألوفة موضوعها الله".(3)

أن التأمل الفلسفي حول الدين والعقائد الدينية قديم بقدم الدين نفسه الى درجة يمكن القول معها أنه توأم الدين، اذ ظهرت المدارس الكلامية المختلفة في احضان الاديان الالهية الكبرى لتساعد المتدينين على استيعاب وفهم معارف اديانهم بنحو اعمق وتسلحهم بأسلحة المنطق والفكر حيال معارضيهم، اذ كان هناك دومآ من اشكل على العقائد الدينية تارة بهدف معارضة الاديان المنافسة، وتارة بقصد البحث عن الحقيقة، واحيانآ بنيه بث الشبهات وممارسة الدين، وقد حث هؤلاء المشككون المتدينين على مزيد من التفكير والتعمق، ومع ذلك وأن كان البحث الفلسفي عن الدين وان كان يضرب بجذوره في عمق التاريخ، لكنه بمعناه الجديد حديث الولادة لم يمض عليه الابضعة قرون، وبالظبط بعد عصر التنوير، وقد توسع نطاق مباحث فلسفة الدين وانتشرت بين الباحثين ولاقت اقبالآ ورواجآ بسبب التقدم العلمي والتقني وما احدثته من تطورات معرفية وظهور نزعات ومدارس فكرية متنوعة، اظهرت القطيعة مع الماضي او حاولت عقلنته او قولبته بقوالب جديدة تواكب التقدم والتحضر.(4) وبذلك ان فلسفة الدين تتيح لنا قراءة تاريخنا الروحي، ومعرفة كيفية انتاج المعنى في هذا التاريخ والعلاقة بين السلطة وانتاج المعنى.(5) وتعد فلسفة الدين واحدة من الفلسفات المضافة، ويحددها بعض الباحثين بأنها التفكير الفلسفي في الدين، وعقلنة المعتقد الديني، والتأمل الفلسفي حول الدين، لذلك فهي بمثابة الفلسفة، أي انها تتحرر من النزعات الايديولوجية في البحث وتتسلح بمنطق ابستيمولوجي.(6) وتعد فلسفة الدين التفسير العقلاني لتكوين وبنية الدين عبر الفحص الحر للأديان والكشف عن الطبيعة الدين من حيث هو دين، أي عن الدين بشكل عام من حيث هو منظومة متماسكة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأمور مقدسة ومن حيث هو نمط للتفكير في قضايا الوجود وامتحان العقائد والتصورات الدينية للألوهية والكون والانسان وتحرير طبيعة العلاقة بين كل مستوى من مستويات الوجود والبحث في الطبيعة الكلية للقيم والنظم واللمارسات الدينية ونمط تطور الفكر الديني في التاريخ وتحرير العلاقة بين التفكير الديني وانماط التفكير الاخرى، بغرض الوصول لتفسير كلي للدين، يكشف عن منابعه في العقل والنفس والطبيعة واسسه التي يقوم عليها وطبيعة تصوره للعلاقة بين المتناهي واللامتناهي والمنطق الذي يحكم نشأته وتطوره واضمحلالة، وتستعين فلسفة الدين على تحقيق ذلك بمنجزات العلوم الانسانية والاجتماعية، مثل علم النفس الديني وتاريخ الاديان ومقارنة الاديان وعلم الاجتماع الديني والانثروبولوجيا الدينية، لكنها لاتقبل نتائج هذا العلوم قبولآ مطلقآ، بل تختبرها وتمحصها للتميز بين اليقين والمحتمل نتائجها، وفي كثير من الاحيان تستعين بنتائج العلوم الطبيعية.(7) وتعد فلسفة الدين احد اهم مجالات النشاط الفلسفي، هذا الى جانب ان بعض ضروبها تؤدي وظائف هامة في اطار المركب اللاهوتي للمذاهب المسيحية الغربية وتبدي تبعآ لذلك تأثيرآ كبيرآ على الحياة الدينية في بلدان الغرب، اذ فلسفة الدين هي مجموعة التوجهات الفلسفية فيما يخص الدين.(8)

وفي مدار الحديث عن فلسفة الدين، تعني في احد ابعادها التعريفية البحث الحر المفتوح في مناشئ ومقومات وطبيعة النظرة الى الدين، وكذلك التي يحملها الدين الى العالم، من موقع معرفي، فأن هذا المعنى هو اقرب الى التوصيف الحيادي والموضوعي، اذ فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي حول الدين، فتكون بهذا البيان جزءآ من الفلسفات المضافة وفرعآ من علم المعرفة بالمعنى الاعم، ذلك لأنها تتطرق بالانطلاق من موضوعآ أي استقلالية الدين، ومن الخارج الى البحث والتحقيق في الأمور والموضوعات الدينية. وبذلك ان فلسفة الدين هي الدراسة العقلية للمعاني والمحاكمات التي تطرحها الأسس وتفسيراتها للظواهر الطبيعية وماوراء الطبيعة.(9)

فلسفة الدين مفهوم يراد به امكانية الدرس الفلسفي لمقولة الدين، وفلسفة الدين هي دراسة اللامعقول بآليات عقلية، وفلسفة الدين هي البحث العقلي غير المقيد بالمسلمات الدينية ذاتها على نحو قبلي، كما هو الحال المعهود في علم الكلام، بحيث لايتحرك نحو هدف مرسوم مسبقآ من اجل اعادة انتاجه بطريقة تدفع شبهات الخصم، وانما يجد عبر المقارنات والنقد الى تأويل يشبع فضول العقول ويحل اشكالات ملحه في الواقع الراهن، فلا يفترض في فلسفة الدين الانطلاق من أي ادعاءات مسبقة او معتقدات وتهدف الى فحص اساس المعتقد الديني، ومن اجل هذا لاتستطيع الادعاء بأن اي معتقدات دينية هي صادقة او كاذبة.(10) اذ فلسفة الدين لاعلاقة لها بأيمان فيلسوف الدين والباحث والدارس في هذا الحقل او عدم ايمانه، كما هو حال المتكلم او اللاهوتي في اللاهوت وعلم الكلام، ذلك ان الباحث في فلسفة الدين يفترض ان يكون محايدآ،  اذ فيلسوف الدين باحث يتحرى الحقيقة، كما هو الباحث في اي حقل من حقول الفلسفة، فربما يكون الفيلسوف مؤمنآ وربما يكون ملحدآ او لا ادريآ.(11) ان فلسفة الدين ليست الدفاع العقلاني عن الدين، اي الذي يعني الدفاع الاستدلالي والفلسفي عن المعتقدات الدينية، لأن الهدف النهائي من الدفاع ليس سوى تبرير واثبات حقانية دين ما او مذهب خاص، بينما فلسفة الدين كأحد فروع الفلسفة هي الحركة العقلية والتفكيرية الحرة، في نطاق الدين والمذهب.(12) وبذلك ان فلسفة الدين تختلف عن علم الكلام او علم اللاهوت الذي يهتم بالدفاع عن العقائد الدينية ضد العقائد المضادة ومحاولة تفنيد العقائد المخالفة، فضلآ عن عقائد فرقة دينية من الفرق داخل الدين الواحد ضد الفرق الاخرى في نفس الدين، فعلم الكلام يبدأ من نقطة بدأ يقينية تقوم بالتسليم المطلق بصحة العقيدة، اذ يسير علم الكلام على وفق مبدأ (آمن ثم اتعقل) ويتخذ من فهمه للنص الديني معيارآ للتميز بين الحق والباطل ويعتمد على المنهج الجدلي، الذي يبدأ من مقدمات ضنية وليست يقينية بالتجربة والعقل، اما فلسفة الدين فتختلف عن علم الكلام او اللاهوت فهي ليست دفاعية ولامشغولة بدين دون اخر، بل هي معنية بالدين ككل من حيث هو دين وليس بدين محدود وهي تسعى لتفسير الشعور والتفكير الديني وتبدأ من نقطة بدأ موضوعية وعقلانية خالصة، أي تبدأ بداية غير منحازة، لكنها ربما تنحاز في نهاية التحليل لدين ما فبناء على اسس عقلانية محض، لأنها تنتج الاسلوب البرهاني، والعقل الواضح والواقع المتعين هما المعيار للتميز بين الحق والباطل وتبدأ من مقدمات يقينية بحكم التجربة او بحكم العقل، اما علم الكلام فهو منحاز من البداية الى النهاية وينتهج اساليب تبريرية وجدلية في اكثر الاحيان وهذا مالاتفعله فلسفة الدين.(13) وبهذا المعنى فأن ماطرحه فلاسفة العصور الوسطى في غالبيتهم هو ليس فلسفة دين بل هو لاهوت  او علم الكلام، فتوما الاكويني بالاصل رجل دين لكنه كان يتفلسف لعقلنة الدين او جعله مقبولآ، اما الفلاسفة المسلمون فأرادوا التوفيق بين الفلسفة والدين، ويبدو لنا ان عقلنة الدين هذا امر غير وارد للعقل الانساني فالعقل الانساني غير قادر على اكتشاف كل الحقائق لذلك يرى كانت ان التسليم بوجود الله وخلود الروح هو واجب اخلاقي، وبذلك ان العقل الانساني غير قادر لعقلنة الدين وماتريده فلسفة الدين هو شرح الدين بطريقة عقلية موضوعية، لا لعقلنة الدين.

تتحدث فلسفة الدين، وهي البحث الفلسفي في مجال الدين، عما يتعلق بشؤون الدين، منشأ الدين، ضرورة الدين، حقيقة الدين، اهداف الدين، المعرفة الدينية، واقعية القضايا الدينية.(14) ان التفكير الفلسفي لم يغادر بحث وتحليل قضايا الدين، منذ نشأة هذا التفكير حتى اليوم، فليس هناك من فيلسوف لم يتناول هذا القضايا ويعالجها اثباتآ او نفيآ، وقد صنف الفلاسفة مباحثهم في الحكمة النظرية الى الالهيات والرياضيات والطبيعيات. ويحصي الدكتور عبدالجبار الرفاعي اهم القضايا التي تناولتها فلسفة الدين وهي:

1-  ماهية الدين، مفهوم الدين ومناشئ وبواعث الدين، واثر الدين في حياة الفرد والمجتمع.

2-  وجود الله، طبيعة وجوده وبراهين وجود الله وصفاته وافعاله، وطبيعة علاقة الله بالانسان.

3-  مشكلة الشر، كيف يتكون الشر، وتحديه لقدرة الله القادرة على كل شيء.

4-  الايمان والعقل والقلب، هل الايمان منبعه العقل والقلب، ام العقل فقط او القلب فقط، وهل يتعزز الايمان بالعقل او ان العقل يقوض الايمان.

5-  التجربة الدينية، بيان ماهية التجربة الدينية، وانماط التجربة الدينية.

6-  الوحي والايمان، حقيقة الايمان، وهل هو نقل الحقائق الالهية للبشر، او هو تجسيد للأله في الانسان.

7-  المعجزات والكرامات والخوارق، طبيعتها واثرها في الايمان الديني وثبوتها في مختلف الاديان.

8-  الخلود والبعث والقيامة، مصير الانسان بعد الموت، مفهوم الموت، وهل الموت هو انعدام للشخص البشري، او انتقال من نشأة الى نشأة.

9-  الدين والعلم، هل ينتميان الى حقل واحد، او ان كل منهما ينتمي الى حقل آخر.

10-  المعرفة الدينية، هل المفاهيم الدينة ذات معنى، او انها تفوق المعارف البشرية، وما العلاقة الدينية والمعارف البشرية، وهل المعرفة الدينية ثابتة او متغيرة.

11-  الدين والاخلاق، هل الاخلاق تنشأ من الدين، او ينشأ الدين من الاخلاق، او ان احدهما جزء من الاخر، او لا علاقة بينهما.

12-  التعددية الدينية، هل الاديان متنوعة لحقيقة الله الواحدة، بمعنى ان هناك حقيقة متعددة تبعآ لتعدد وتنوع الاديان.

13-  لغة الدين، هل لغة الدين عرفية.

14-  التأويل، يعرف الانسان بكونه كائنآ تأويليآ، ويستعمل التأويل في تأويل النصوص الدينية.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

1- ينظر مصطفى ملكيان: فلسفة الدين المجال والحدود، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي، ص247.

2- ينظرمحمد خاتمي: الدين في العالم المعاصر، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي، ص237- 238.

3- ينظر محمد عثمان الخشت: مدخل الى فلسفة الدين، ص14- 19.

4- ينظر محمد فتح علي خاني: فلسفة الدين عند هيوم، ص16وص18.

5- ينظر عبدالجبار الرفاعي: تمهيد لدراسة فلسفة الدين، ص22.

6- ينظر ابويعرب المرزوقي: فلسفة الدين من منظور الفكر الاسلامي، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي.

7- ينظر محمد عثمان الخشت: مدخل الى فلسفة الدين، ص35.

8- ينظر يوري اناتوليفتش كميليف: فلسفة الدين الغربية المعاصرة،ترجمة هيثم صعب، ص4- 5.

9- ينظر عامر عبد زيد: فلسفة الدين في فكر عبدالكريم سروش، ضمن كتاب فلسفة الدين، اشراف وتحرير علي عبود المحمداوي، ص425.

10- ينظر صلاح فليفل الجابري: الدين والاسطورة والعلم (مستويات مختلفة للفهم والتأويل)، ضمن كتاب فلسفة الدين، اشراف وتحرير علي عبود المحمداوي، ص11.

11- ينظر عبدالجبار الرفاعي: تمهيد لدراسة فلسفة الدين، ص15- 16.

12- ينظر مصطفى ملكيان: فلسفة الدين المجال والحدود، ضمن كتاب فلسفة الدين، اعداد وتحرير عبدالجبار الرفاعي، ص247- 248.

13- ينظر محمد عثمان الخشت: مدخل الى فلسفة الدين، ص37.

14- ينظر محمد فتح علي خاني: فلسفة الدين عند هيوم، ص15.

15- ينظر عبدالجبار الرفاعي: تمهيد لدراسة فلسفة الدين، ص6- 7وص17- 19.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لم تكتب دار طبع الكتاب وسنته وبلده وسنة الطبع وهي مهممة في البحث العلمي للنشر

سامي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4849 المصادف: 2019-12-15 00:48:09