 قضايا

هزائم التنوير!!

علي اسعد وطفة"أعني بالحكمة: النظر في الأشياء بما تقتضيه طبيعة البرهان" أبن رشد.

يحاول أفلاطون عبر "أسطورة الكهف" أن يحدد لنا طبيعة العلاقة بين عالمي الظلام النور. في هذه الأسطورة يحدثنا أفلاطون عن كهف مظلم فيه أسارى مثقلون بأصفادهم مشدودين بأغلالهم يستمتعون بالنظر إلى غور الكهف حيث ترتسم لهم ظلال وأشباح تلقيها نار مشبوبة في الخارج، وهم يخالون ما يرونه على الجدار من إسقاطات وخيالات وأظلة وأشباح حقائق كونية لا تحول ولا تزول. وحين يتاح لأحد الأسرى (وهو الفيلسوف المنور) أن يتحرر من أغلاله وأن يكسر أصفاده ليخرج من بوابة الكهف، فيرى ضياء الشمس حقيقة مشرقة بضيائها وسحرها الكوني، يعود إلى الكهف ليساعد المخدرين بالأوهام على تحطيم أغلالهم وتبديد أوهامهم والخروج من عالم الظلام إلى عالم الحق والجمال والخير والنور، يأبى المنومون ويرفضون الخروج لمواجهة الحقيقية ورؤية النور ويفضلون البقاء في ظلام الكهف تحت سطوة أهوائهم وغرائزهم وأوهامهم على العيش في الأنوار التي تفيض بها شمس الكون الساطعة.

هذه الأسطورة الأفلاطونية تكاد تختصر قصة الصراع الوجودي بين النور والظلام بين العقل والجهل، وتكاد تحكي لنا قصة التنوير في مختلف أصقاع الحياة الإنسانية. ولكن ما قد فات أفلاطون أن بعض الشعوب استيقظت وخرجت فرادى وزرافات إلى عالم النور والتنوير، بعض الشعوب خرج إلى عالم النور والتنوير وكثير منها ما زال يعيش في فضاء الظلام والأوهام. وما يمكننا قوله أن بعض الحكماء الذين خرجوا من العتمة ومن عمق الظلام استطاعوا أن يوقظوا شعوبهم بقوة الحجة وسحر البيان على خلاف الفيلسوف الأفلاطوني الذي انكر أمام إرادة النزوع الجماهيري إلى الجهل والظلام.

التنوير كما تدل أسطورة أفلاطون هو الحالة التي يدك فيها الإنسان جدران الأوهام، ويخرج من دائرة الظلام ليدمر أركان الوصاية على العقل بوصفه الجوهر الإنساني في الإنسان. إنها الوضعية التي يخرج فيها الإنسان من دائرة الخرافات والأوهام والسحر والأساطير ليحطم كل أشكال العطالة والجمود الإنسان مقاليد الوصاية على العقل، بل هي الحالة التي غالبا ما يستخدم مفهوم التنوير للإشارة إلى سيادة العقل وبرهانه، إذ تكون إمامة العقل وسلطانه المطلق فلا يعلو على العقل إلا العقل نفسه في الحضارات الإنسانية المضيئة، ولذا غالبا ما يقترن مفهوم العقل بمفهوم النور أو التنوير في الحضور والغياب، ويقابل هذا الاقتران الكبير والجوهري بين الجهل والظلام، وضمن توجهات هذه المعادلة يكون حضور العقل حضورا للتنوير وغيابه حضورا للجهل والظلام. ومن الواضح تاريخيا في هذا السياق أن حضور العقل والعقلانية كان في أصل كل حضارة وتقدم، حيث كان العقل وما ينتجه من حكمة وعلم وبرهان هو أداة الإنسان في السيطرة على الكون وإخضاع الطبيعة بكل مقدراتها لسيادته وهيمنته. فالعقلانية هي التي منحت الإنسان القدرة على التحرر من غوائل الطبيعة والانتصار على كل أشكال الضعف والقصور من أجل بناء حضارة الإنسان والإنسانية.

لقد أطلق المؤرخون على العصر الوسيط في الغرب عصر الظلام وأحيانا عصر الظلمات لأنه العصر الذي هزم فيه العقل وانتصرت الخرافات والأوهام التيولويجية من كل حدب وصوب ومكان. ثم جاء عصر الأنوار في القرن الثامن عشر ليسجل العقل الغربي انتصاره الكبير على الأساطير والخرافات والأوهام، فانتصر الإنسان الغربي على الوهم وانتصرت فيه الدلالة الإنسانية فتشكلت الحضارة على ركائز العلم والمعرفة الإنسانية فأصبح الإنسان السيد المطاع في الكون حيث أخضع الطبيعة لبرهان العقل والعلم فشيد ممالكه الحضارية علما ومعرفة وقوة وأنسنة.

وعندما نتأمل ملياً في القرن الثامن عشر، في عصر التنوير تحديدا، يمكن أن نرى عن كثب الكيفية التي انطلق بها العقل ليحطم أصفاد العبودية، ويحضّر العالم الغربي لأعظم حضارة عرفتها الإنسانية في العصور الحديثة. هذا التاريخ - بما ينطوي عليه أحداث وفعاليات وآليات اشتغال- يعلمنا الكيفية التي تنتصر بها الحضارة والكيفية التي ينبثق بها النور من عمق الظلام. إنه يعلمنا أسباب التصدع الحضاري وانهيار الحضارات، كما يعلّمنا أسباب التقدم والازدهار، كما يعلّمنا أن غياب العقل يرمز إلى غياب الحرية، وأن غياب الحرية يعني موتا شاملا لنسغ الحق والعدل والخير والجمال.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه أين نحن العرب اليوم من أسطورة الكهف عند أفلاطون؟ أين نحن من عصر الأنوار في صورته الزاهية؟ هل ما زلنا في قعر الظلمات وقاع والأوهام؟ أم أننا استطعنا الخروج أفرادا وجماعات إلى عالم الحق والنور والخير والجمال؟ وما الدور الذي قام به المفكرون العرب لإخراج العقل العربي والإنسان من عالم الظلام إلى عالم الحق والخير والفضيلة والجمال؟

إنها حالة مأساوية في حقيقية الأمر عندما نستعرض الواقع لتقديم إجابات موضوعية حول هذه التساؤلات الحضارية المريرة! حيث تأخذنا المؤشرات الإحصائية العالمية الموظفة عادة في قياس مدى تقدم الأمم وتحضرها إلى استحضار صورة التخلف التي تعيشها أمتنا العربية في مختلف مستويات الحياة والوجود، فالمجتمعات العربية تصنف وفقا لهذه المؤشرات بين أكثر المجتمعات الإنسانية تخلفاً وجهلاً وعسكرةً وتسلطاً ودمويةًً واستبداداً وغرقاً في مستنقعات الظلام. فالدول العربية تأتي دائما في أدنى سلم التحضر الإنساني من حيث التعليم والإبداع والبحث العلمي والتصنيع والديمقراطية وحقوق الإنسان !

وبعيدا عن هذه المؤشرات المقننة بخلفياتها السياسية وتنوعانها المنهجية، تكفي وقفة تأمل خاطفة في واقع الحياة العربية المعاصرة لتكشف لنا ظلامية المشهد الذي يرتسم على صورة غياب مخيف لكل معطيات العقل والعلم والابداع والعقلانية في حياتنا الثقافية والاجتماعية، حيث تنوء الثقافة العربية اليوم تحت أثقال التشبع بأعظم خرافات العصر وأوهام الوجود.

إنها صورة صادمة حقاً، عندما نتأمل في مدى غياب العقل والنقد والتنوير والعقلانية في العقلية العربية، وفي مستوى انحسار العلم وتراجع المعرفة العلمية والنظرة العقلانية إلى الوجود، وهذه الصورة تكون أكثر صدماً ومأساوية عندما نتأمل في مستوى الانحدار الأخلاقي والقيمي، وفي مستويات انتشار الفساد والرشوة والتسلط والظلم والخرافة والأوهام والتعصب والتسلط والطائفية والحروب الدموية والانقسام، وغياب حقوق الإنسان، وتغييب حقوق المرأة والطفل، إنه عالم متخلف بنيوي التخلف بامتياز.

لقد أبلى المفكرون والباحثون في الكشف عن عوامل هذا التخلف الأسطوري الذي تعيشه الأمة اليوم، وقد أجمعت غالبيتهم أن غياب العقل وتغييبه كان أبرز عوامل تخلف هذه الأمة وأكثرها أهمية وخطورة، وقد بين كثير منهم أن تخلف هذه الأمة يتم تحت تأثير استبداد سياسي يقوم على محاصرة العقل والعقلانية بتغييب كل أشكال الحرية والديمقراطية وإخضاع الأمة لحالة من الاستبداد الوجودي الشامل.

فالعقل العربي وتحت تأثير جملة من العوامل غارق في الظلمات منذ أكثر من ألف عام أي: منذ اللحظة التي تولى فيها  أبو الفضل جعفر المتوكل على الله الخلافة العباسية في عام 847 ميلادية، حيث يكاد يجمع كثير من المؤرخين على أن هذه اللحظة تشكل بداية فعلية لانحطاط الحضارة العربية الإسلامية، وقد بلغ هذا الانحطاط جلله في اللحظة التي سقطت فيها بغداد عاصمة الأنوار بيد المغول عام 1258، ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد هذه الأمة نقلة حضارية حقيقية، وبقيت حتى اليوم غارقة في لجة الظلام.

وفي مواجهة هذه الوضعية المتردية، حاول المفكرون والمصلحون العرب، منذ عصر النهضة حتى اليوم، اختراق جدار الظلام الحضاري للأمة، وتفجير أعتاب العتمة الوجودية التي لحقت بها، وفي دائرة هذه المواجهة الحضارية ولدت المشاريع التنويرية الكبرى التي أضاء شعلتها رواد النهضة الأولى أمثال: عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وبطرس البستاني، وجمال الدين الافغاني ولم تنقطع شعلة الأوائل حيث رفدتها جهود كبيرة لمنورين كبار محدثين من أمثال: محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وطيب تيزيني، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، ومما يؤسف له أن المساعي التنويرية لهؤلاء المفكرين التنويريين لم تؤت أكلها، كما كان يتوخى أصحابها، وبقيت الأمة غارقة في الظلام. ويعود هذا الإخفاق إلى نسق من العوامل الموضوعية والتاريخية التي حالت دون نهوض هذه الأمة وتحضرها، وحالت دون استحضار الحالة التنويرية العامة في المجتمعات العربية على غرار الحالة التي شهدتها أوروبا في القرن الثامن عشر، إذ بقي الفكر التنويري سجين النخب، ولم يتحول إلى حالة تنويرية جماهيرية فاعلة في العالم العربي، وهذا يعني أن التنوير الحقيقي لم يلامس العقلية السائدة لدى الجماهير العربية، وبقي سجين دوائر النخب الضيقة، وهذا هو برأينا أحد أهم العوامل التي أدت إلى إخفاق النهضة وتراجع مشاريع التنوير في العالم العربي في الماضي والحاضر على حدّ سواء.

وضمن هذه الوضعية خفتت أضواء التنوير، وتراجع تأثيره، وبقيت الساحة الثقافية غارقة في العتمة، وأخذت هذه الوضعية الظلامية حضورها الكبير في مختلف مناحي الفكر والممارسة والعمل في الحياة الثقافية العامة للجماهير والنخب على حدّ سواء. ويمكن إيجاز هذه الوضعية بالقول :إن محاولات النهضة في العالم العربي أخفقت تحت تأثير الطابع النخبوي للتنوير فلم تستطع هذه المحاولات أن تخترق حجب الظلام فبقيت لحمة الجماهير العربية تحت سيطرة الغرائز والعواطف والميول البدائية المناوئة بطبيعتها لكل أشكال العقلانية والتنوير. وكانت قوى الظلام في هذا المشار أكثر قدرة على تدمير منصات التنوير، وحجب أضوائه، ومحاصرة مريديه، وتجريدهم من القدرة على التأثير حضاريا في الحياة والمجتمع.

وفي دائرة الصراع بين حركة التنوير وخصومها، أدركت القوى المناوئة للتنوير، أن التربية هي الوسيلة الأنجع في مواجهة الأضواء والأنوار وتكثيف الجهالة في العقول، فوظفوها بفعالية في عملية توليد عقلية جماهيرية متصلبة جامدة ظلامية من أجل المحافظة على وضعية الركود، وتمكين الجهالة الفكرية في عقول الجماهير العربية، ومن ثم العمل على إغراقها في مستنقع العتمة والظلام. لقد دأبت الأنظمة التربوية على تكثيف الجهالة في العقول عن طريق الشعارات المضادة للعقل والتفكير، لقد أفنى معلمونا في المدرسة أنفسهم وهم يعلمون الأطفال والناشئة أن يصبوا اللعنة على التفكير والعقل وأن يبرمجوا عقول الأطفال بالشعار المضاد للتجديد وقوامه: كل تجديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والشعار المضاد للتفكير بالقول: من تفلسف تمنطق ومن تمنطق تزندق وكل زنديق في النار. لقد تعلمنا في المدرسة العربية أن التفكير حرام والسؤال جريمة أخلاقية وأن الفلسفة زندقة وأن العقل شيطان وأن العلماء ملحدون وزنادقة وكفار، عداك عن مئات الشعارات والأقوال المأثورة التي تمجد الجهل وتحقّر العلم وتزدري العقل.

وفي الوقت الذي آمنت فيه القوى الظلامية بأهمية التأثير في الجماهير واكتساح عواطفها ومشاعرها ومحاصرة عقولها، انقطع دعاة التنوير إلى عالمهم النخبوي، فلم يأبهوا كثيرا بالجماهير وقضاياها، ولم يحاولوا التأثير في مكونات تفكيرها وطبيعة نظرتها إلى الوجود، بل وعلى خلاف ما هو مطلوب منهم، أعلنوا في كثير من المواقف احتقارهم للعامة وازدراءهم لجهلها، فانقطعوا عنها، ليحيطوا أنفسهم بهالة عاجية وأبراج عليّة بعيدا عن الآخر والناس والمجتمع، إذ اكتفوا بالدوران حول أنفسهم في مدارات أخذتهم إلى نشوة السكر بملذات الأنوية وتضخم متورم في النرجسية؛ وذلك في الوقت الذي انصرف دعاة الفكر التقليدي المنغلق إلى التفاعل مع الآخر يستلبون عقله ويمتلكون عاطفته من أجل البناء لوضعية اجتماعية تساعدهم في تعطيل العقل والعقلانية وتحويل الشباب والمتعلمين إلى طاقة جمود وانغلاق ايديولوجي متشبع بتعنت التطرف في السلوك والوجود والحياة والعمل. وضمن هذه الممارسات الخبيثة الذكية لهذه القوى، أصبح المجتمع كتلة ايديولوجية منغلقة بعقلية بربرية صماء، تمت برمجتها كليا وفقا لأهواء أيديولوجية وتطلعات فكرية سوداء، تعاند كل ما هو مبتكر جديد، وتناهض كل ما هو عقلاني ومدني وتنويري وخلاق، وبرمجوا العقول البازغة على أبجدية الصد والرفض لكل ما هو نبيل وجميل وحضاري متمدن ضمن حالة من الجمود الذهني والانغلاق الأيديولوجي الذي أحال عقولهم إلى مجرد ردود أفعال عاطفية ووجدانية في مختلف وضعيات الحياة والوجود.

وهنا يجب علينا أن نعترف، ومن جديد، بأن القوى الظلامية فرضت وجودها في الساحة بقوة واقتدار، وأن هذه القوى تواجه وتصد كل المحاولات التي تمكّن المجتمع من امتلاك قدرته الإنسانية على النهوض والنقد والتنوير. وغني عن البيان أن هذا الاستلاب الظلامي يأتي وفق استراتيجيات متقنة فرضتها الأنظمة الاستبدادية الشمولية العمياء ورسختها القوى السلفية المتطرفة المنغلقة على أصول معادية للإنسانية فارغة هوجاء، وكلاهما – العلمانيون الشموليون والمتطرفون التقليديون - يريد تحقيق السيطرة السياسية والاجتماعية وفرض الهيمنة السياسية الظالمة في المجتمع ضمن نطاق الأفراد والجماعات على حدّ سواء .

وفي دائرة هذا الصراع المستميت على استباحة العقل واستلاب الوعي كان الحقل التربوي محالا للفعل والصراع، حيث عملت القوى الظلامية العلمانية منها والسلفية على انتزاع العقل وتدمير العقلانية في الحقل التربوي، وذلك من منطلق الإيمان بأن المؤسسات التربوية هي الأنجع في مصادرة العقل واستلابه. ومن الواضح بمكان اليوم أن القوى الظلامية والقوى ذات المزاعم الليبرالية كلاهما وظفا في التربية، واستثمرا فيها، من أجل السيطرة على العقول وتدميرها، ومحاصرة كل أشكال العقلانية، وتكثيف أيديولوجيا التجهيل، ومن أجل هذه الغاية عملت هذه القوى على تكثيف برامجها وتعزيز أنشطتها من منطلق الهيمنة على المؤسسات التربوية وتحويلها إلى منصات للقصف ضد العقول، فجعلوها قوة تعمل على تفريغ العقل من قدرته على التأمل والفعل أولا، ثم العمل على إعادة برمجته غرائزيا وعاطفيا بما يخدم مصالحهم وبما يساعدهم على تكوين قوة أيديولوجية هائلة لا يشق لها غبار.

ومن يلاحظ ويتأمل في الاستراتيجيات التربوية للأنظمة الشمولية، سيرى بأم العين كيف احتكرت هذه الأنظمة المؤسسات التربوية، ومنعت على غيرها من القوى السياسية الحضور في هذا الحقل الذي يعد حكرا على الأحزاب السياسية ذات الطابع الشمولي، كما كان هو الحال في سورية والعراق وليبيا. وهذا النهج نجده لدى الأحزاب والتيارات الظلامية المتشددة التي فرضت حصارها المطلق على مختلف مؤسسات التربية فجعلت منها أداتها الأيديولوجية الجبارة في السيطرة على الشباب والناشئة وتكوين عقلية ظلامية مخيفة بأبعادها الأيديولوجية.

ومع الأسف ومنذ عهد بعيد بقي معسكر التنوير الحقيقي هامشيا خارج سياق الـاثير في التربية، واكتفى اصحابه بالدوران حول الأنا النخبوية بما يكتنف هذه الأنا من نزعة نرجسية فاقدة للجاذبية والتأثير. ولم يستطع أصحاب هذا التوجه أن يشكلوا أي مدار مستقل أو اي ثقل كوني ففقد هذا التيار مع الزمن تأثيره، وخفت تنويره فأصبح خارج دائرة الفعل الاجتماعي يعيش حالة اغترابية بعيدة جدا عن مراكز التأثير والفعل والقرار الثقافي.

ومع الزمن وبفعل هذه العزلة التنويرية، تكاثفت في المجتمع عقلية سحرية خرافية ظلامية تنتفض إيمانا بكل أشكال الخرافة والأساطير، وتحولت إلى عقلية عمياء تتميز بخصائص الانصياع والاتباع والخضوع والقبول الصاغر لكل الإيحاءات التقليدية التي تفرضها نصوص وتعاليم مفرغة تماما من قيمتها وجداوها إلى درجة نجد أنفسنا اليوم في دائرة ثقافة جماهيرية استلابية بنيوية التخلف والمصير تعاند كل توجه عقلي وعقلاني.

ومن المدهش أن هذه الموجة الاغترابية استطاعت أن تدك معاقل التفكير لشرائح واسعة من دعاة الثقافة وحملة الألقاب والأكاديميين والمتخصصين والضالعين في حمل الشهادات العلمية العالية. حتى أنك لَتُذْهل عندما تجد أن جوهر ثقافة الأكاديميين قد لا تختلف كثيرا عن ثقافة العامة، ولاسيما في مدى قبولها لمختلف أشكال وأنماط التفكير الخرافي الأسطوري النصي المنغلق على الأصول الذ فرض نفسه في عقولهم كمقدسات غير قابلة للنقد والنقض والتحليل. ويبقى هذا دليلا على أن الانتاج الثقافي التربوي ما زال يعمل بقوة على انتاج أجيال مصممة على القبول الصاغر لشكليات النص المنغلق على التأمل والتفكير، وإضفاء الطابع القدسي على كل ما تعلموه من خرافات ونصوص وتعاليم وأوهام وأساطير.

ومن المؤكد أن أيديولوجيا التطرف والانغلاق قد دمرت في صميم التكوين الفكري لحملة الشهادات العلمية كل قدرة على المبادهة والابتكار والتحليل، والقدرة على النظر والتأمل بمعيار العقل والتأمل والنقد والتنوير. ومن هنا يمكن لنا تفسير موجة التعصب التي تجتاح الشرائح الواسعة من المثقفين والمفكرين في مختلف أصقاع الوطن العربي في ظل ما يسمى بالربيع العربي المنصرم. ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة الاغترابية اندفاع الشباب والمثقفين كثيرا إلى الانتصار لحركات متطرفة مجنونة تحت شعارات الدعوة إلى المزيد من القتل وسفك الدماء. وها هو الإعلام بكثير من رجالاته، والمؤسسات الدينية بأغلب علمائها، والأحزاب السياسية بأبرز سدنتها، والمؤسسات الثقافية في كثير من مفكريها، يدعون بقليل وكثير إلى التعصب الطائفي والعنصري والسياسي كما يدعو بعضهم إلى الفتنة والقتل والاقتتال تحت شعارات طائفية وعرقية ومذهبية ما أنزل الله فيها من سلطان. وعلى إيقاعات هذا الجنون يتم اليوم تدمير شواهد التاريخ والإنسان وتحطم الآثار التاريخية، وتدمر ذاكرة الإنسان والإنسانية في سوريا والعراق وفي ليبيا وتونس ولبنان واليمن والسودان.

بارقة أمل :

في مواجهة هذا الواقع الفكري العربي الذي يجأر بكل دلالات التخلف ومؤشرات السقوط في مستنقع العدمية، ما زالت فئة واسعة وكبيرة من النخب تحمل شعلة التنوير والضياء، طائفة من المفكرين الشباب ما زالوا يستلهمون شعلة البطل الأسطوري بروميثيوس الذي نزع الشعلة المضيئة من أيدي الآلهة ليضيء بها أركان الأرض فلا يترك منها ركناً خافياً في عتمة الظلام، فكثير من المفكرين والمنورين العرب يضحون اليوم من أجل الإمساك بقبس النور بشعلة بروميثيوس من أجل رسالة التنوير تبديدا للظلام الذي يغرق هذه الأمة في ظلماته العميقة. وفي قلب هذا الظلام بدأت حركة من الشموع المضيئة تتلألأ هنا وهناك، حيث انبرى عدد كبير من المفكرين - من كل الاختصاصات والمشارب العلمية والفكرية - يعملون بصمت وصبر وإيمان وعمق وتُؤَدَةٍ من أجل تشكيل حزمة هائلة من الضوء قادرة على تبديد الظلام الذي تعيشه الأمة، وكل شراب من مورد العلم والنور عندهم سائغ من أجل رسالة التنوير والنهضة.

فالساحة العربية تفيض بأصحاب التنوير ومريديه الراغبين في عملية البناء الحضاري للأمة، ولكن تفرقهم وتشرذمهم في الأنحاء يضعف مسيرتهم التنويرية ويقلل من دورهم الحضاري الفاعل، وهم اليوم في أمس الحاجة إلى تشكيل حزمة ضوء كبيرة قادرة على ممارسة الدور الحضاري في مهاجمة ظلام العقول وبناء الطاقة التنويرية للأمة. ومن هذا المنطلق التنويري حملت مجلتنا مجلة نقد وتنوير مصباج ديويجين ليس بحثا عن الحقيقة هذه المرة بل بحثا عن ينابيعها الكامنة في المفكرين أصحاب الرؤية النقدية والرسالة التنويرية. ومن هذا المنطلق نشأت فكرة المجلة التي تريد تشكيل حزمة ضوء ونقد تضيء الجوانب المظلمة الفكرية في حياتنا الثقافية والفكرية.

فما أكثر ما يكتب وما أقل ما يفيد في عالم الفكر في العالم العربي المعاصر، فالمطابع العربية تضخ أطنانا من الكتب سنويا، ودور النشر تقذف بعدد هائل من المنشورات والمطبوعات التربوية في مختلف أصقاع البلدان العربية. ولكن نظرة خاطفة في هذه الانتاج الضخم ستكشف عن الخواء الكبير في قيمته النوعية ومضامينه الفكرية، فأغلب ما نقع عليه من انتاج يفتقر إلى الأصالة والجزالة والعمق لا يعدو أن يكون خواء وأضغاث فكر يترنح في فضاءات عدمية فاقدة للجدوى والمعنى والدلالة. فالإنتاج الفكري ولاسيما في مجال التربية يفتقر إلى الأصالة العلمية والروح الإبداعية والقدرة على استكشاف الجدة للقضايا الاجتماعية والتربوية وما هي في أغلبها إلا تكرار مسطح واجترار استلابي يغشاه التبسيط والتلقين والاجترار والتكرار. وليس أقله أن هذه الكتابات تعاني في منهجها وفي غاياتها وفي القيم التي تبشر بها وفي الوظيفة التي تدانيها وتقاربها.

ومن يتأمل في الشريحة الكاسحة من الكتاب والمفكرين في مجال الفكر التربوي سيجد بوضوح أن جلّهم يفتقر إلى ثلاثة أمور أساسية أولها القدرة الإبداعية وثانيها الطاقة النقدية وثالثها المنهجية العلمية التي تقارب بها القضايا التربوية والاجتماعية. ومن يتأمل أكثر في الكتابات القائمة سيجد التكرار والعدمية والتناسخ والاجترار.

فالساحة الفكرية التربوية تعاني من غياب النقد التربوي بأبعاده المختلفة، وهذا الغياب النقدي يشكل بدوره ظاهرة عامة في مختلف مستويات الحياة التربوية فكرا ومنهجا وممارسة. فالممارسات التربوية بما تنطوي عليه من مضامين فكرية تحتاج اليوم إلى فعالية نقدية متمرسة للكشف عن أبعاد ومضامين هذا الركام التربوي الذي بدأ يشكل بذاته خطرا داهما على مجمل الحياة الفكرية والتربوية في العالم العربي. فنحن في أمس الحاجة إلى هذه الممارسة النقدية للكشف عن الجذور والحفر في الأعماق لتحرير العقل العربي من صدأ الوجود وأورام الكينونة. ومثل هذه الممارسة النقدية يجب أن تنطلق لتشكل تيارا فكريا عاصفا يكنس غبار الزمن وأوهام الممارسات السطحية في التربية والفكر التربوي على حدّ سواء. ومثل هذا التوجه النقدي يمكن أن يتحول في المستقبل إلى طاقة تنويرية هائلة تنطلق بالحياة والإنسان العربي إلى مراكز الفعل الحضاري ليكون قادرا على تفجير طاقاته الإبداعية حضاريا وإنسانيا.

إننا اليوم في أمس الحاجة إلى قراءة نقدية للواقع الفكري والثقافي، قراءة تضعنا في مواجهة التحدي الظلامي الذي يعصف بوجودنا وهويتنا. قراءة جديدة تجعلنا أكثر قدرة على رصد حركة العقل بكل ما تفيض به هذه الحركة من جمال. وكمربين علينا أن نجعل طلابنا يدركون عوامل العطالة والجمود التي تؤدي إلى محاصرة العقل وإضعاف الخيال وجمود ملكة الحكم والنقد. نريد لهم أن يدركوا إدراكا علميا الكيفية التي يتصلب بها العقل ويتصدع ويتآكل ويعلّب، كما نريد لهم أن يعرفوا الآليات والفعاليات التي تعتمدها التربية لوضع العقل في الأوصاد والأغلال والأصفاد، كما نريد لهم أيضا أن يدركوا الأسباب التي يمكنها أن تطلقه مضيئا ينشر ومضه إلى آفاق بعيدة. بل علينا أن نناشد عقل الطالب، ونستلهم قدرته على التفكير في الصيرورة التاريخية، والاستفادة من دروس التاريخ وأحكامه وقوانينه لتأصيل اتجاهات العمل على بناء عقل عربي منفتح، يمتلك القدرة على امتلاك الحقيقية وتفجير طاقة العقل التنويرية نحو مزيد من العطاء والإبداع في مسار الحضارة الإنسانية.

 

علي أسعد وطفة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة رائعة للمفكر الدكتور علي اسعد وطفة، فتهنئة للكاتب الكريم.
توجه المقالة الأنظار إلى أن تقدّم الأمة العربية لن يتم إلا بتنوير العقل بالمعرفة، والطريق إلى ذلك هو التعليم الجيد لجميع الأطفال؛ في حين أن أن الأنظمة العربية تضع التعليم في آخر اهتماماتها.
تحية تقدير وإكبار للدكتور الكاتب، مع متمنياتي له بالصحة والهناء والإبداع والعطاء.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة جيدة الواقع والمسار الذي عرفه العقل العربي شكرا لك اخويا الكبير علي

عبد القادر الجزائري
This comment was minimized by the moderator on the site

طرأ في بالي حركة النهضة في ايطاليا فكم من شخصية سعت لتحرير العلم و الفكر من هيمنة الايدولوجيات .
و كما يقول ايمانويل كانت "التنوير هو خروج الانسان من القصور اللذي ارتكبه في حق نفسه "
لما نقصر في حق أنفسنا ؟ في الماضي كنا نواجه عناء الذهاب للمكتبات أما الآن نحن في زمن يسهل علينا العثور على المعلومة بثوان قليلة !
لذا علينا الخروج من النمطية في التفكير و الروتين و حث أنفسنا على الاطلاع .

ساره مبارك الخالدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4849 المصادف: 2019-12-15 05:27:24