 قضايا

الكمال الأخلاقي ومدارج الخلود (3)

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

لقد وَرَد ذكر الخُلود في الكثير من الديانات والطوائف القديمة، ففي الحضارة الفرعونيّة وديانة المصريين كان الأعتماد بشكل كبير على فكرة الخلود التي عمّقت لديهم الشعور بالمجد والحرية والتميّز، خصوصاً أولئك الذين يمتلكون حالة سامية في الفكر والوعي.

ولعلّ أبرز ما يميّز الديانات المصرية القديمة أنّ لها أكثر من آلهة، كل واحدة كانت تمثّل الأقاليم الفرعونية، كالإله حور لإقليم شمال الدلتا، والإله ست لإقليم جنوب الدلتا. وأما (رع) فهو إله الشمس وهو الأله الرسمي للحضارة الفرعونية الموحّدة، وإن جميع الألهة للديانة الفرعونية القديمة إنكا، إنّما هي محاولات لفهم حقيقة الوجود والخلود أكثر من فهم ومعرفة الإله نفسه، لذلك مضى الفراعنة في عملية تحنيط الموتى من أجل عودة الروح أو ما أسمَوه القوّة الشاردة من الجسد لتحتلّ مكانها في الأجساد المحنّطة وفي اي زمن آخر لترجعها إلى الحياة مرة أخرى.

وأمّا الديانة الهندوسية فقد كانت تُؤمن بفكرة الخلود وأنّ الأرواح تُخلّد بعد فناء الجَسد، لتبدأ بالأنتقال من جسد الى آخر. ففي نصوص الاوبانيشاد (800-500 ق.م) وهو أهم النصوص التي تشرح فكرة الديانة الهندوسية في كتاب الفيدا، حيث تشير الى أنّ الحياة الدنيا إنما هي فترة من الزمن داخل جسد هذا الكائن أو ذاك. والبراهما في الديانة الهندوسية هو خالق  الكون بل وروحُهُ وجوهرُهُ ، وهو الثَّالوث ، الذي يتألَّف من "براهما": (الخالق) و"بشنو": (الحافظ) و"سيفا": (المُغْنِي)، وأمّا اتمان فهي الذات الفردية (النفس). وعليه فما جاء في اللاهوت الأحادية ووحدة الوجود الهندوسي كمدرسة أفايتا فيدانتا فإن الآتمان لا تنفصل عن البراهمان، وبالتالي يطلق على هذه المدارس الاثنائية، ففي عقيدة الكارما حيث التناسخ والوحدة والمساواة بين أتمان وبراهما، فإن أتمان ومن أجل الوصول الى مرحلة التناسخ والتحرر لابد له من الأرتقاء الى مستوى الوعي الكلّي للبراهما من خلال العزوف عن الترف الدنوي والسير في طريق الزهد والارتقاء بالوعي المعرفي من أجل بلوغ المعرفة الكليّة المُوصِلَة الى حالة انعتاق الذات من انغلاقية البدن، وليبلغ حالة ذوبان الذات (اتمان) في خالق الكون وموجهه وهو البراهما، ولتُصوّر حالة الاتحاد والذوبان هذه كالنهر الذي يصب في البحر.

ويَعتقد أصحاب الديانة البوذية بأن الخلود هو المصير الحقيقي، وأنّ الإنسان بعد موته يبدأ بمرحلة إعادة ولادته الى الحياة الدنيا مرة أخرى وعلى هيئة أخرى. والبوذيون يرون في الحياة عذاب وألم إذا ما قورنت بالراحة الأبدية لروح الإنسان بعد الموت وذلك حينما تكون أعماله حسنة، أمّا إذا كانت سيئة فإن روحه بعد الموت ستعود ويُحرم من الخلود والسير الى ما يُسمى بالنيرفانا والتي هي وصف لحالة التيقظ التي تَخمُد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام كالشهوة، والحقد، والجهل، فلا يحدُث التخلص التام للكارما (عواقب الأفعال) الّا عند بلوغ مستوى النيرفانا، فالنيرفانا اذن هي مستوى الوعي المعرفي وحالة الأدراك التي من خلالها يتخلص الانسان من كل الكارما الخاصة به، ليصل عند الموت الى ما يسمى النيرفانا الكاملة، والتي تمثّل خاتمة سلسة متعاقبة من الموت والولادة يبلغ من خلالها الانسان أعلى مراتب الكمال من بعد ما يبدأ فيها الانسان برؤية حقيقة ذاته وليبدأ بتسلّق سلّم الكمال عن طريق ممارسة الزهد والتنسّك، فيصل في نهاية المطاف الى النيرفانا الكاملة.

وأمّا في الفكر الإغريقي فقد كان للخُلود شكل آخر، فرغم أنّ المدارس الفكريّة الإغريقية كانت متعددة ولكنّ أعظمها شأناً وأعمقها فكراً هي فلسفة أفلاطون؛ إفلاطون الذي يعدّه الفيلسوف الإنجليزي وايتهايد (Whitehead) في مقاله  Process and Reality: An Essay in Cosmology عام 1929 أنّه المؤسس الحقيقي للفلسفة الغربية، حيث كان يرى جميع الفلاسفة الغربيين وما كَتَبوا إنّما هي هوامش وحواشي وتعليقات لكتابات أفلاطون الفلسفيّة.

افلاطون هو صاحب نظريّة المُثل، والتي كانت مُنسجمة مع العديد من الديانات، فقد قَدّم هذه النظريّة بناء على الرؤى الغير مُنسجمة بين الفيلسوف بارمنيدس الذي يرى العالم عبارة عن وجود غير متغيّر، والفيلسوف هيرقليطس الذي يرى العالم بحالة من التغيّر المُستمر خصوصاً حينما قال قولته المعروفة: (أنك لا تستطيع الاستحمام في نفس النهر مرتين!!)، فكان لأفلاطون نظرة فلسفية تجمع بين الرأيين، وهي التي أسماها بالمُثل والخلود، وفيها قدّم الوجود بطبيعتين مختلفتين، الأولى عالم روحاني، خالد، مثالي، كامل، بعيد عن التغيير ولا يتأثّر بالزّمان وهو من صنع الخالق، وأمّا العالم الثاني فهو الذي نعيشه، وهو واقعي، متغيير، غير متكامل، يخضع للزمان، ملئ بالآلام والشرور. والجسد الأنساني ينتمي الى العالم الواقعي المتغيير، أمّا الروح فتنتمي الى عالم المُثل، العالم الأبدي، الذي لا يتأثر بالزمان. لقد كانت هذه النظرية هي المُرتكز والأساس والأنعطافة نحو الفكر الميتافيزيقي الإغريقي والذي أضاف الى الفلسفة الشيء الكثير.

وفي ديانات وادي الرافدين هناك تأكيد لوجود الآلهة كما ذُكر ذلك في أسطورة اتراخاسيس وأسطورة التكوين البابلية. ومن أجل بلوغ الخلود، فقد تمّ رسم صورة لعالم الأبدية اللامتناهي من خلال الملحمة الأسطورية السومرية الشعريّة كلكامش والتي تُصوّر رغبة الأنسان وميوله نحو الخلود، رافضاً المَصير الذي كان بانتظاره، فبدأ بالبحث عن الخلود. وهو عينه الذي سمّاه المصريون سخت عارو وهو ملتقى الأرواح والنعيم الأزلي.

وللبحث تتمّة في الجزء القادم إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 01:46:40