 قضايا

التَّعْلِيْمُ.. فَرَائِدُ حَاضِرَةٌ وفَرَائِضُ غَائِبَةٌ

بليغ حمدي اسماعيلاستمتعت لمدة يومين متتاليين بالتقرير الإذاعي الذي بثته إذاعة بي بي سي اللندنية الذي اهتم برصد الحالة التعليمية في مصر لاسيما اشتعال الحركات والائتلافات النسائية المنزلية التي دشنتها أمهات وسيدات مصر بعنوان (مناهجكم باطلة) وهي حملة تمرد وهجوم وغضب مستدام ضد السياسات التعليمية في مصر تحديدا في المرحلة الثانوية،  وما سببه النظام التعليمي الذي يتلقى سلسلة من الهجمات المتتالية من الأقلام الصحافية ومرتادي صفحات التواصل الاجتماعي الإلكتروني، من أمراض وأعراض نفسية لدى أبنائنا الطلاب، وخلال إنصاتي لهذا التقرير الإذاعي الأكثر دهشة،  كانت ثمة مشاهد أخرى متوازية تتوافق زمنيا مع حدث التمرد النسائي المنزلي  مثل ترقب نتائج زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأكثر تميزا ونجاحا للملكة المتحدة مؤخرا، وأصداء فوز اللاعب المصري محمد صلاح بجوائز أسبوعية كثيرة جدا رغم أنه  لم يقدم شيئا يذكر للكرة المصرية ذات الحالة المريضة المزمنة.

أو حذف الناشط السياسي محمد البرادعي الذي لم يقدم شيئا لوطنه سوى الإثارة والفتنة وتحريض الشباب للعصيان والفوضى من كتب التاريخ بحجة أنه من الصعب على التلاميذ فهم طرحه الثقافي أو القانوني أو العلمي ثم إجراء الوزارة تحقيقات واسعة لبحث مسألة حذف ذكره الخالد دون أدنى اهتمام بالمشهد التعليمي برمته.

وفي الوقت نفسه الذي استمعت فيه إلى تقرير المشهد التعليمي بمصر بإذاعة بي بي سي اللندنية تابعت بعض الصحف المصرية البائسة أو الأشد فقرا في تناول الأحداث الجارية  فوجدتها لا تخرج عن سياق الحكومة المصرية التي لا تؤدي مهامها بنفس سرعة ودقة وإتقان السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أصبح أكثر سرعة ومهارة من الوزارات المختلفة، فجريدة ترفض هذا الوزير، وأخرى تؤيد وجود تلك الوزيرة المغضوب عليها جماهيريا، وثالثة تؤكد بأن المستشار فلان الفلاني لم تعرض عليه الوزارة أصلا وهو أحق بها وكأنها جائزة الدولة التشجيعية، ورابعة تشير بأن الدكتور العلاني رفض تولي حقيبة وزارية وكأنه يرفض تذكرة سينما حفلة منتصف الليل لفيلم زنقة ستات وليست مهمة وطنية قومية، ناهيكم عن أخبار اللاعبين المصريين المحترفين الذين يفشلون مع منتخب بلادهم بصورة مدهشة أيضًا .

لكننني أصبت بحزن شديد وعميق حينما لم أر صحيفة مصرية أو مطوية محلية أو حتى برنامجا إخباريا أو من خلال شريط الأخبار الصغير والسريع أسفل الشاشة يعلن مجددا الذكرى الماضية  التي احتفلنا فيها  بالرائعة والماتعة والأكثر تميزا حنان الحروب ! . وا أسفاه على إعلام كان ينفرد بالسبق وحده وكانت التربية صوب التميز!

حنان الحروب؟ ملايين المصريين بل والعرب أيضا لا يعرفونها وبالضرورة هم في غنى عن معرفتها أيضا لأسباب كثيرة متداخلة مقرها ومستودعا فشل المنظومة التعليمية في مختلف الدول العربية البعيدة عن أي تصنيف حقيقي، وهم بالطبع مشغولون باللمسات الكروية لمحمد صلاح الذي لا يعد سوى لاعب ضمن فريق يحظى بالنجوم لكننا نصر على وضعه تحت المجهر من أجل شغل وقت البرامج الرياضية الفكاهية،  وأخبار اعتزال المغنية الكبيرة والخطيرة والشهيرة شيرين الغناء ثم عودتها أو طلاق المغنية أصالة من المخرج المبدع طارق العريان، ولم يختلف المشهد الغنائي أصلا فلا يزال الأطفال والشباب يتراقصون على أغاني موسيقى الصفائح المعدنية الفارغة، وبرومو ألبوم الهضبة عمرو دياب الذي يبدو أنه لن يظهر للنور خلال هذا الشتاء القارس،  وأشياء أخرى طويلة وكثيرة ليست من بينها حنان الحروب التي يحتفي بها العالم كله منذ ثلاث سنوات مضت.

باختصار شديد، حنان الحروب هي الحائزة على لقب وجائزة أفضل معلم في العالم في العام 2016، ففي منتصف شهر مارس منذ ثلاثة أعوام وفي ختام فعاليات المنتدى العالمي الرابع للتعليم والمهارات، تم الإعلان عن فوز المعلمة الفلسطينية حنان الحروب، بجائزة أفضل معلم في العالم وبالضرورة تم ترشيحها للفوز بإحدى جوائز نوبل للعام نفسه أيضا، وهذه الجائزة تمنحها سنويا مؤسسة فاركي وهي مؤسسة غير ربحية تستهدف تقديم الخدمات التعليمية ومساعدة غير القادرين على مواصلة واستكمال التعليم النظامي، وذكر سوني فاركي مؤسس الجائزة عن حنان الحروب إنه يأمل أن تلهم قصة حنان الحروب أولئك الذين يتطلعون لدخول مهنة التدريس. وحنان الحروب الفلسطينية هي من مواليد الدهيشة في بيت لحم، وتعمل في مدرسة بنات سميحة خليل الثانوية في البيرة، وبرغم سنوات الفاقة والأزمة الفلسطينية التي لم تنته حتى كتابة السطور نتيجة التقاعس العربي المزمن، وأيام والتشرد والغربة التي رغم قسوتها ومرارتها كانت حافزا ودافعا قويا ومتينا لتخرج حنان عن صمت المرأة الفلسطينة صوب إحداثيات المشهد العربي القابع في الخرس وليس السكوت، أنهت دراستها الثانوية وتزوجت وأنهت دراستها الجامعية في عام 2005  من جامعة القدس المفتوحة، وهي بالمناسبة من الجامعات والمؤسسات العلمية الرصينة التي تصدر عدة مجلات متخصصة محكمة دوليا ولها تصنيف عالمي ضمن النشر العلمي الدولي . لاسيما وأن السيدة حنان الحروب نشأت داخل مخيمات اللاجئين وليس في فنادق خمسة نجوم أو في معسكرات مكيفة الهواء وسط الخضرة ومباهج الحياة .

لكن قبيل تعرف أبرز الميزات التعليمية التي جعلت حنان الحروب تتفوق وتقتنص الجائزة التعليمية البالغة مليون دولار أمريكي، وجب التنويه على بعض المتنافسين معها على الجائزة ومن بينهم من بينهم مدرسون ينحدرون من دول حققت قفزات قوية في مجال التربية والتعليم، مثل معلمين ومدرسين من بريطانيا والولايات المتحدة واليابان وفنلندا وأستراليا والهند. ومن أبرز الذين تأهلوا للمسابقة النهائية المعلمة الفلندية ماريت روسي التي طورت طريقتها الخاصة لتعليم الرياضيات، وعقيلة آصفي التي لجأت إلى باكستان من أفغانستان وأنشأت مدرسة لتعليم أطفال المخيمات، والكيني أيوب محمد الذي تقدم بمشروع للتصدي للعنف، والهندي روبن شوراسيا الذي أنشأ منظمة لتعليم المراهقين، والأسترالي ريتشارد جونسون الذي أقام معملا لأطفال مدرسة ابتدائية. يضاف إليهم كل من الأميركي مايكل سوسكيل الذي نجح في تحفيز تلاميذه بربطهم بمشروعات حول العالم، ثم الياباني كازويا تاكاهاشي الذي ابتكر طرقا جديدة لتربية النشء على قيم المواطنة العالمية، والأميركي جو فاثري الذي يعتبر من رواد التدريب على المشاريع باستخدام الطابعة الثلاثية الأبعاد وتكنولوجيا الطائرة بدون طيار وألعاب الإنترنت. ورغم ذلك استطاعت الفلسطينية الماتعة المتميزة حنان الحروب أن تنال جائزة أفضل معلم، أما في معظم البلدان العربية  فللأسف أمر يحتاج إلى ثورة تعليمية جادة تنسف كل إرث الماضي التعليمي والتربوي البائد، وكم كنت صادقا عندما واجهت بعض أساتذتي بأن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لليابان والسعي إلى نقل التجربة اليابانية في التعليم في ظل فضاءات المعرفة والمعلومات هو خير دليل على فقر التربية الراهنة في مؤسساتنا التعليمية وأن كل محاولات التطوير القائمة هي ديكور تعليمي لم يصب قرار المهنية ولم يحلق في فلك التحديث ومن ثم لابد من إجراء خطوات استباقية للنهوض بالتعليم المصري ليس فقط من أجل المنافسة بل في سبيل البقاء .

لكن ماذا صنعت هذه المرأة التي صادف فوزها شهر الاحتفال بيوم المرأة العالمي وعيد الأم وكأن المرأة على موعد مع الاحتفاء والتتويج ؟ باختزال واختصار شديدين أنها استخدمت شعار لا للعنف حيث ألفت كتابا حمل عنوان (نلعب ونتعلم) تحدثت فيه عن استخدام الوسائل التعليمية وطريقة التدريس التي تجذب الطالب وتجعله يحب العلم والمعلم . وكان طرحها التعليمي ودورها التربوي الأصيل يقوم على دور المعلم في تحرير الأطفال من العنف وثقافة التطرف وإطلاق خيالاتهم التي يمكن تجسيدها في حوارات من الواقع .

إن حنان الحروب أعلنت صباح كل يوم دراسي لها أنه يمكن لأطفالنا العرب العيش بحرية وسلام كبقية أطفال العالم .علاوة على أنها تستخدم اللعب التعليمي  بالوسائل البسيطة كوسيلة للعلم وتغيير سلوكيات الأطفال وبناء الثقة معهم وغرس الأخلاق والقيم فيهم قبل تعليمهم المعارف والمعلومات لتلاميذ الصف الثاني الابتدائي بصورة حقيقية بعيدة عن الشعارات غير القابلة للتطبيق .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4893 المصادف: 2020-01-28 01:24:10