 قضايا

نظرات في أستراتيجية الأصلاح الأجتماعي (2)

اياد الزهيريقلنا في الجزء الأول من البحث أن التغير في السلوك الأجتماعي حاله لا يمكن تجنبها،أي حتمية الوقوع ولا مناص منها، ولكي نكون واقعين أذن علينا التعامل معها بواقعيه وموضوعيه بأعتبارها ظاهره حياتيه طبيعيه كغيرها من الظواهر، لها أسبابها ودوافعها بالظهور، ولكن ما يهمنا منها هو طبيعة هذا التحول الأجتماعي، فهل هو تحول أيجابي وفق المعايير المعتمده عندنا والذي ذكرنا مكوناته في الحلقه السابقه أم أسلبي، وهل يشكل صوره من صور الأنحدار المجتمعي الذي يؤدي أستمراره وأنتشاره في المجتمع الى عواقب وخيمه، تكون نتيجته أن يتمزق المجتمع بفعل مطرقة الفساد الذي يتخلله نتيجة تسلل قيم منحطه وسلوكيات منحرفه اليه.

أن الصحه المجتمعيه أحد أهم أسباب الرفاهيه المجتمعيه وأهم مقومات تقدم المجتمع وأزدهاره، وكلما كانت الصحه المجتمعيه في أعلى درجاتها، كلما يعطينا مؤشراً على واقع أجتماعي في غاية الأيجابيه والسعاده. هذه الأهميه هي من تجعل المهتمين والراعين للمجتمع وخاصه المختصين في علم الأجتماع وكذلك السياسيين بأعتبارهم مسؤلين بحكم وظيفتهم  كمعنيين بخدمة ورعاية شعبهم، لذى يجب أن يبتعد المفكر الأجتماعي بجديه وبعيداً عن المجامله أو التملق والتزويق والتلميع في وصف السلوكيات أو العادات أو التقاليد الأجتماعيه، لذى علينا أن نكون في غاية الشفافيه، وفي أقصى درجات الصراحه في تحليل وتقيم أي ظاهره أجتماعيه، وبنفس الوقت بأقصى درجات الحيطه والحذر، لأنه موضوع حساس يمس مشاعرالناس وأعتقاداتهم وحرياتهم الشخصيه، ويجب أن يتمتع  الباحث بأقصى درجات الحياديه في تناول الظاهره، وهذه تحتاج الى شجاعه أدبيه عاليه لا تأخذه كما يقال في الله لومة لائم، وأن يتخذ موقفاً أزاءها موقف المسيحي الجالس على كرسي الأعتراف، فهو يقر أولاً بالخطيئه وبحضور الكاهن كمصحح ومرشد روحي له، ومن ثم يقوم بأعمال البر كتكفير عن الخطيئه. هذا هو المطلوب لأن أي عدم دقه أو نكران أو غض نظر معناه أنه لم يستوفي التشخيص الصحيح، وأن المقدمات غير الموضوعيه، لا شك تؤدي الى نتيجه غير صحيحه بالمطلق، وبالتالي تصبح الجهود مبعثره ولا طائل من وراءها.

ما سلف من القول مقدمه لا بد منها لكي نفهم أليات العمل، وطريقة البحث، ونبعد نظرية المؤامره عن الباحث أو المرشد الأجتماعي، لأن هذا النوع من الدراسات فيه متسع لنفث رؤى وأفكار غايتها الأساءه لشعب أو طائفه أو أمه معينه، وأن بعض دراسات المستشرقين لدليل صارخ في الأساءه لمجتمعاتنا ومبادئنا الأسلاميه والعربيه .

كما من الضروري الأشاره الى نقطه ضروريه لدى الباحث او المصلح الأجتماعي، الا وهو عدم الأنجرار الى مشاعره، وهذه لها علاقه بما ذكرنا أعلاه من شفافيه وموضوعيه، لأن البعض وبحسن نيه يتصور أن غض النظر عن بعض الأنحرافات والعلل الأجتماعيه في مجتمعه،هو من باب الأنتصار له، أو رد الطعن عنه من قبل الأخرين، والذين هم بالأغلب منافسين أو خصوم له، وهذا خطأ كبير، بل وتعتبر جريمه علميه، لذى ينبغي التوازن بين العاطفه والعقل، بل بالأحرى الأنحياز للعقل، لكي يستوفي الشروط الموضوعيه في التشخيص والمعالجه.

طبعاً يجب أن تكون هناك أستعدادات وأعمال تسبق هذه العمليه، هذه الأستعدادات تتلخص بتوفر الرؤى النظريه التي تستخدم كمعيار في تشخيص الظاهره الأجتماعيه المراد نقدها، وذلك لتحديد أتجاهها، وتميز طابعها، وقياس مديات خطورتها . هذا الأمر يتطلب منا البحث في موروثنا الثقافي والديني، ومحاولة تنقيته مما تعلق فيه من شوائب، وما دس اليه من أضافات في محاوله ماكره لأضعافه في سعي شيطاني يهدفوا من وراءه لأيجاد الثغرات التي تضعفه وتكون السبب لتسقيطه بأعتباره موروث لا يصلح للحياة ولا يصمد أمام التحولات الجتماعيه التي تمر بها البشريه عبر مسيرتها الطويله . هنا يكون من ضروريات الأصلاح هو أن نوفر موروث قابل للتبني بالمستويين العقلي والمشاعري، لأن هذه المستويين ضروريين لتبني أي مبدأ سواء كان ديني أم ثقافي أو أجتماعي . هذا الأمر يتطلب جهود مؤسساتيه وبالأخص من الحوزات العلميه لأن المراجعه النقديه عندما تقوم بها المؤسسه الدينيه سوف يوفر الكثير من الوقت، والجهد، ويبعد الساحه الفكريه والأجتماعيه عن الكثير من المماحكات والصدامات بين ما هو ديني وما هو ثقافي، وبالتالي عندما يكون الأصلاح من معاقل الفكر الديني يكون أكثر مقبوليه وأسرع تصديق من قبل الجمهور، لأنه سيكون نقداً خالي من الشبهات . هذا من جانب ومن جانب اخر بعد أن نستوفي حضور الجانب الذي يمثل المنظومه القيميه المعتمده من قبل المجتمع والذي يمثل ثقتها وقناعتها ودرجة الأمان العاليه بها، حينئذ يكون المجتمع جاهز للدفاع عنها، ويجعل منها مسطره لقياس الظواهر والسلوكيات الوافده عليه، وعندها سيقرر المجتمع قبوله بالوافد الجديد ام رفضه لها. كما أن هناك جانبأ اخر ينبغي التطرق له باعتباره أداة من أدوات الأصلاح الأجتماعي والذي هو مكمل للمنظومه القيميه هو توفر المثل الأعلى لدى المجتمع، وهو أداة فعاله جداً، ولتأثيره السحري على الجماهير أستوحت بعض الأمم شخصيات أسطوريه لتكون رمزاً قومياً أو وطنياً أو دينياً للكثير من الشعوب والأمم، ولنا بأسطورة كاوه الحداد مثل قريب لدى الكرد، متخذين منه مثل للبطل القومي الذي قام بقتل الملك المستبد وخلص شعبه من اضطهاده لهم، وهناك الكثير من الأمثله عند الشعوب الأخرى . يتبين لنا أن هذين العنصرين، المباديء العقديه والأجتماعيه، والمثل الأعلى،عنصرين مهمين في صناعة رؤيه نقديه واضحه بيد المصلح، كما تشكل جهاز مناعي قوي، يمنع أي محاوله أو ظاهره أجتماعيه شاذه تحاول أن تجد لها حيزاً في مجتمعنا العراقي، وتكون سبباً لبؤره تلوث فضاءه الأجتماعي. يتبع

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4984 المصادف: 2020-04-28 13:14:21