 قضايا

نظرات في أستراتيجية الأصلاح الأجتماعي (3)

اياد الزهيريهناك سياقات وأسس عامه للأصلاح تعمل عليها الكثير من المجتمعات والدول، والتي منها أصلاح التعليم، والقضاء على البطاله، ورفع المستوى الثقافي والصحي للمجتمع، ولكن ما يختلف بين هذه الأمم والشعوب هو في تبنيها للمعايير،فهم مختلفون في تبني معاييرهم، وهذا التباين مصدره المنبت الحضاري والخبرات والمتبنيات الفكريه والعقديه لهذه الأمم والشعوب، وتلعب موروثات الأمم كعامل حاسم في أختيارات وتبني هذه المعايير، ولا ننسى العامل الديني في ذلك . في الحلقه الأولى تطرقنا الى أثر روح الأمه، ومدى أثره على أستكانة أو أستنهاض الشعوب والأمم، وبينا مدى أستجابة عناصر هذه الروح للمتغيرات، وهل هي تميل بأتجاه النهضه والعمران والنظام، أم تميل بأتجاه الأسترخاء والسكون والفوضى، كما عرجنا في الحلقه الثانيه الى أثر المثل الأعلى كنموذج يستعان به في عملية ألالهام الجماهيري في تبني التوجهات الفكريه والقيميه، ولكن يبقى لنا في هذه الحلقه عامل مهم لا يقل أهميه من العوامل الأخرى، وهو لاشك يرتبط أرتباط عضوي مع العوامل السابقه بأعتباره من نتاجاتها وأن أختلف عن غيره من الأفراد، الا وهي النخبه، والتي يمكن تعريفها بأختصار بأنها عباره عن مجموعه من الأشخاص ذوي المواهب والمؤهلات الذين يمتلكون قدرات التأثير على المجتمع،أي يتميزون بالكفاءه والتأثير، وهذا النوع له أمكانيه قياديه، لأن هناك الكثير ممن يمتلك مواهب علميه أو أدبيه أو مهنيه وهو حبيس أختصاصه، وتأثيره فقط في دائرته الضيقه. فالنخبه أحد العناصر المهمه في عملية التغير والأصلاح لما لها من أثر في تشكيل الكثير من الأنساق، سواء كانت أقتصاديه أم سياسيه أم أجتماعيه، وهم من يساهمون في تغذية القيم الأجتماعيه وأدارة التوجيه العام للمجتمع بفعل ما يتمتعون به أيضاً من كارزمه وقوه في شخصيتهم. هذه الأهميه للنخبه هي من جعلت أفلاطون يختار فئة الفلاسفه كنخبه لقيادة المجتمع كما ورد في كتابه (جمهورية أفلاطون) . وهي من أشار أليها المفكر الأيطالي أنطونيو غرامشي ب (المثقفون العضويون) / كما أشار كذلك عالم الأجتماع الفرنسي غوستاف لوبون بمصطلح النخبه، وفي عالمنا العربي والأسلامي كان يسموا بأهل الحل والعقد، أو في بعض الأحيان بالصفوه، حتى في أدبيات الأحزاب، وخاصه اليساريه تسمى بالنخبه الطليعيه، كما هناك نخب على مستوى دولي كما في نخبة المحفل الماسوني الذي يخطط من داخل الغرف المظلمه لهندسة العالم بالطريقه التي يختارونها، وأن ما يحدث بالعالم أمر ليس ببعيد عن مخططاتهم ودسائسهم، حتى أننا يمكن الأشاره الى الولايات النتحده الأمريكيه التي تقودها نخب من رؤساء الشركات والمؤسسات الكبيره، والحال نفسه سابقاً في الأتحاد السوفيتي حيث كان هناك ما يسمى باللجنه المركزيه للحزب الشيوعي، وأيران هي الأخرى تتمتع بهذا النظام النخبوي، حيث هناك مايسمى بمجلس القياده . هذه المجموعه بصفاتها الذاتيه والمكتسبه هي من أهلتهم لهذا الموقع الذي يساهم في عملية الأصلاح، وهي ركن أساسي في العمليه التغيريه، والدليل على أهمية هذه الفئه هو ما مرت به العمليه السياسيه في العراق من تعثرات، وما أصابتها من هنات هو غياب هذه الفئه من المشهد السياسي والقيادي، حتى أن ما نراه من تبديد للثروات، وما نشهده من حاله تراجعيه في كل أبعاد عملية التنميه بالعراق سببه هو الأخفاق في تبوء عناصر النخبه لقيادة المجتمع، والمجيء بدل من ذلك لعناصر تفتقد كل مواهب القياده الذكيه .

أن عملية النهوض لا يتم لها النجاح ولا تتحقق لها الديمومه الا بتوفر النخبه كحاله تكميليه للعناصر الأخرى، لأن العناصر الأخرى تدار وتوظف من قبل النخبه أو من يحل محلها في القياده، فأن كانت النخبه هي من تقود سنرى حينها توظيفاً ذكياً لباقي القدرات، وأن كانت الأداره بأيدي لا تتوفر فيها خواص النخبه ستتبدد ويبدأ التخريب والفوضى بكل مفاصل الدوله وهذا ما يحدث الآن ببلدنا منذ زمن بعيد وخاصه ما بعد 2003 حيث سارت عملية التخريب والتدمير بخطى متسارعه، حتى أوصلونا الى حافة الهاويه. طبعاً عندما نعني بالنخبه القياديه لا نعني فقظ النخبه السياسيه، بل يجب أن يكون هناك نخبه ثقافيه وأخرى أقتصاديه ورياضيه وهكذا، ولكن النخبه السياسيه هي من توظف عمل كل هذه النخب ذات التخصصات المحدوده لكي تصنع سياسه عامه للبلد وقيادته على ضوء التعاون والتنسيق مع النخب الأخرى.

من وظائف النخبه عادتاً هو صناعة القرارات، وأصدار التعليمات والتشريعات وأدارة الدوله، وما يندرج تحت هذه الوظائف الرئيسيه من ملحقات مكمله لها .

يتضح الأمر لنا من كل ما تقدم، أن هناك ثلاث عناصر مهمه وأساسيه، بل هي المرتكز في عملية التغير والأصلاح، الا وهي وجود النمط الفكري الذي يجب العمل على ضوءه والجمهور ذو الأراده المتوثبه للتغير، وهذا ما يتطلب منه أيمانا ورغبه وأراده قويه للأصلاح والتحديث، وأن يؤمن ويثق بالنخبه القياديه، الموكل لها عملية الاصلاح، وهذه من أهم عوامل النجاح لأن فقدان ثقة الجمهور بقيادته سوف يؤدي الى فقدان عملية التفاعل بينهم والمتمثله بالنسق الصاعد والنسق النازل كما في العمليات الحيويه، وأما العنصر الثالث فهو النخبه وما تتمتع به من مواهب وقدرات وطموحات، وأن تكون على شكل عصبه كما يسميها أستاذ التاريخ الحديث الدكتور سلمان الهلالي، والتي يحدوها الطموح والعزم والأراده والأيثار، والتي أجملها أبن خلدون بالعصبيه . هذه هي أستراتيجية الأصلاح في خطوطها العامه، والقائمه على مرتكزاتها الثلاثه،هي من تمتلك القدره التغيريه، والضامنه لمسيرتها للأمام بخط تصاعدي واضح المعالم تؤمن به الجماهير وتتفاعل معه، بل وتضحي من أجل تحقيقه أمام كل المؤامرات سواء كانت داخليه أو خارجيه، وأن أي تراجع أو فقدان لأي عنصر من هذه العناصر، سوف تتجه لا محال عملية الأصلاح نحو الهاويه والفشل، لأن التاريخ وفر لنا تجربه حيه يمكن أن نستقي منها العبر والمواعظ، وهي تجربة الأمام علي (ع) في الحكم، حيث توفرَ المنظور الفكري، متمثل بالأسلام، وتوفرت النخبه القياديه التي كان الأمام على رأسها، ولكن أفتقدت لجمهور لم يخلص ويتفاعل معها بما ينبغي له التفاعل العضوي بين القائد وجمهوره، والأمام قد عبر عن آهاته وحسرته من عدم تفاعل الجمهور، لأنه لم يكن بدرجة النضج المطلوب، فقد أبعدته ترسبات الماضي الجاهلي وأزدواجيته بالولاء، وعدم تشربه بالفكر الجديد، في ضعف ولاءه وتفاعه مع قيادته، فساهم ذلك بفشل التجربه، التي لم تفلح قوة قيادة وحكمة وطموح القياده في نجاحه، والسبب هو فقدان أحد العناصر الأرتكازيه لمشروع الأصلاح وهو وعي وتفاعل الجمهور.

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4990 المصادف: 2020-05-04 02:15:48