 قضايا

رمزيات التمجيد الاستلابي للطاغية

علي اسعد وطفةوإن كان طاغيةٌ تودُّون خلعه عن عرشه، فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدّم" جبران خليل جبران

ازدهرت أيديولوجيا الاستبداد السياسي مع الاستقلال الوطني وهيمنة النخب العسكرية على السلطة في أغلب البلدان العربية. وتمخضت سلطة النخب العسكرية في صورة ديكتاتوريات ستالينية نازية الطبع في توجهاتها وممارساتها، ومن ثم اتخذت كل نخبة عسكرية حاكمة طاغية لها يحكم شعبه بالحديد والنار والقبضة الأمنية القاضية.

وقد أدرك الطغاة في أن الطاغية القوي لا يبقى قويا إلى الأبد ما لم يحول سلطته إلى حق وطاعته إلى واجب كما يقول جان جاك روسو، ومن هذا المنطلق ولدت الحاجة إلى تكوين أيديولوجيا استبدادية جديدة اعتمدت الرموز والتابو وفلسفة المقدس في فرض هيمنة الطاغية وإكسابه المشروعية السياسية المطلوبة. وقد برهنت الأيام على فعالية كبيرة لهذه الأيديولوجيا وقدرتها على تطويع الشعب وإكراهه على الخضوع المستمر لإرادة الطغيان والاستبداد السياسي.

ولم تقف الأنظمة الاستبدادية عند حدود ممارسة القوة الأمنية بل رسخت استبدادا أيديولوجيا وفكريا وثقافيا من أجل ترسيخ قوى الإكراه والاستبداد في شخص الطاغية. فجمعت بين قوة مادية طاغية وقوة رمزية ثقافية في ممارسة الهيمنة والتسلط السياسي بلا حدود أو قيود.

اعتمد الطغاة منذ القدم نسقا من التصورات الأيديولوجية الطبقية القومية والوطنية لتكريس مشروعيتهم السياسية مثل الدفاع عن الأمة والوطن ومصالح الطبقات الكادحة وتحقيق الوحدة الوطنية ودرء المخاطر عن الأمة ومقاومة الاستعمار ومقارعة التآمر الخارجي وهي القضايا التي تأخذ وقعا سياسيا وأخلاقيا في نفوس الجماهير وشكلت هذه التصورات الأيديولوجية الركائز الأساسية للطغيان والاستبداد السياسي في العالم العربي، كما شكلت منطلق الممارسات التسلطية القائمة على قهر الشعوب واستلابها.

 ومن أجل هذه الغاية يبدأ الاستبداد السياسي بإنشاء نسق من الرموز المجردة والحسية التي تمارس وظيفة الهيمنة السيكولوجية الرمزية على المقهورين. فمن أجل المحافظة على قوة التأثير السياسي في نفوس الجماهير العربية عمل الطغاة العرب على صوغ شعارات سياسية وإيديولوجية يدور قسم كبير منها حول شخص الطاغية مثل: القائد الرمز، القائد الخالد، القائد الأبدي، القائد المناضل. وتأخذ هذه الشعارات صورة شعارات وطنية وقومية مثل: شعارات الوحدة العربية، شعارات التقدم، شعارات نضال الطبقات العاملة، شعارات العدالة، شعارات الحرية، شعارات الديمقراطية، شعارات ضد الصهيونية، شعارات المعركة من أجل المصير، شعارات الأمة الواحدة والرسالة الخالدة، وشكلت هذه الشعارات طاقة فكرية وسيكولوجية هائلة وظفت في خداع الجماهير العربية وإخضاعها واستلابها لإرادة الطغاة وهيمنتهم. وهذه الشعارات تأخذ طابع رموز سياسية تمارس دورا نفسيا وسيكولوجيا قادر على تجنيد الشعب وإخضاع أفراد لإرادة السلطة تحت ضغط نفسي وأخلاقي ووطني تصعب مقاومته.

ويأخذ الشكل الثاني للرموز في عملية تمجيد الطاغية صورة حسية من الأشكال والصور والتماثيل التي ترمز إلى القائد ومثالها: صور الزعيم التي تنتشر في كل مكان في المكاتب الرسمية في المنازل على الجدران في المظاهرات حتى أصبحت الصورة جزءاً أساسيا في أي مشهد من مشاهد الحياة العامة والسياسية والفنية في دوائر الدولة جميعها، وهذا يشمل حتى المشاهد التمثيلية التي تتجلى في الدراما والكوميديا والأعمال الفنية والشعرية. فالصورة صورة الطاغية التي تتجلى بأحجام وأشكال وصيغ متنوعة تصبح جزءا من الحياة اليومية وهي توظف في إضفاء هالة من القداسة والتعظيم على شخص الزعيم والطاغية.

ومما لا شك فيه أن مقاومة هذه الأيديولوجيا بأبعادها الرمزية لا يمكن أن تكون إلا بنسق مقاوم من الرمزيات الأيديولوجية والتربوية المضادة التي يمكنها أن تعتمد أدوات النقد والكشف والتحليل والرصد واعادة الاعتبار إلى العقل الإنساني وتنمية الروح النقدية عند المواطن الإنسان. وهي نمط استراتيجي تربوي يمكن أن يعتمد في إسقاط ايديولوجيا الاستبداد برمزياتها ومنطلقاتها وتصوراتها المهينة للإنسان.

 

علي أسعد وطفة

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الدكتور الجليل علي أسعد وطفة أكرمكم الله وأعلا مقامكم الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سعدت كثيرا بقراءة العديد من مؤلفاتكم ومقالاتكم المتميزة التي تنير درب العقل، وتفتح آفاق التفكير لديه. وسأظل قارئا لأوراقكم العلمية أنهل منها المعرفة والتجربة والخبرة موظفا إياها في مقاربة المطروح الفكري العربي قراءة ونقدا وتصحيحا واستدراكا لعلي أجد نفسي مستقلا حرا غير مؤدلج ولا مقولب الفكر والسلوك.
صحيح أن محاربة الاستبداد يتأتى بمنظومة ناقدة لمنظومته لتهد بنيان فكره ورمزياته ومقولاته وأطروحاته وقاموس لغته واصطلاحاته ... إلخ، تلك التي ركبها من أجل استبداده وطغيانه. لكن بناء على واقعنا العربي المأزوم والمريض بمرض الأمية العلمية والأمية السياسية والسلوكية المخالفة لكل القيم الإنسانية ... والغارق في الجهل بكل أنواعه؛ ألا يؤدي إلى فقدان القدرة على إنتاج ( نسق مقاوم من الرمزيات الأيديولوجية والتربوية المضادة التي يمكنها أن تعتمد أدوات النقد والكشف والتحليل والرصد واعادة الاعتبار إلى العقل الإنساني وتنمية الروح النقدية عند المواطن الإنسان )؟ أليس الاستبداد يولد الاستبداد ويقتل الإبداع؟ ويحارب الحق والنور؟ أليس الاستبداد ينشر الظلام بدل النور؟ ويخلق العبيد لا المواطنين؟
أسئلة كثيرة يولدها مقالكم المكثف في رأسي مع واقعنا المر الذي طغت عليه قيم تستعبد الإنسان وتصيره سلعة رخيصة الثمن، هو بائعها ومشتريها في نفس الوقت!
دمتم مصباح تنوير يستقي العقل منه كيف يكون عقلا.

عبد العزيز قريش
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4993 المصادف: 2020-05-07 13:40:49