 قضايا

معضلة الادب والعلم

يسري عبد الغنيأهم ما يربط بين الأدب والفكر هو المضمون الفكري والفني وتحليلات النقاد وتفسيراتهم، فالمضمون الفكري معنى النص وقيمته، أما النقد والتحليل فهو قراءته، أي قراءة النص وتفسيره بحيث يغدو فني المضمون وموصول الكلم.

ويرى بعض النقاد أن مفهوم الأدب لا يتعارض مع الدور الذي يقوم به العلم في تفسير الظواهر الكونية والطبيعية والإنسانية وإنما يضاف إلى ذلك لأن العلم لا يملك التجربة الجمالية والنفسية التي يستخدمها الفن في صياغة وجدان المتلقي وفكره، ولذلك فإن مفهوم المضمون الفكري في العلم يختلف عنه في الأدب: ففي العلم ينتهي دور المضمون بمجرد استيعابه عقليًا بصفته مجرد حلقة في سلسلة طويلة ومتطورة من الأفكار والنظريات العلمية المتواصلة، أم في الأدب في المضمون الفكري من خلال تفاعله مع الشكل الفني لا يجبه مضمون تال حتى لو كان يعجل نفس القضية الإنسانية.

ومجاراة لما سبق فإن المعنى في المضمون الأدبي لا بد أن تتعدد دلالاته وإيحاءاته من متلقٍّ إلى آخر من عصر إلى عصر. ولسنا مع هذا الناقد الذي أوردنا شيئًا من أقواله حين يقول: ولا بد أن يستقل معنى العمل الأدبي عن هدف الأديب بمجرد الانتهاء من إبداعه؛ لأن الأديب إنما يبدع وهدفه هو إفادة المتلقي؛ فكيف بالله نفصل هذا الهدف عن ذاك العمل! كما يحلو لهذا الناقد.؟ ونحن نرى أن العمل الأدبي وهدف قائله لا ينفصل أولهما عن الآخر؛ لأن أي أديب إنما يعمل بأدبه وله هدفٌ يهديه للمتلقي. ولا يبعد هدف المفكر عن هدف الأديب؛ لأن الأدب صنو الفكر، والفكر صنو الأدب، فلكل منهما أهداف جديدة وإن كان الخيال قد يدخل العمل الأدبي، أما الفكر فإنه ماسك بزمام عمله ولهذا يتجنب النقاد العمل الفكري إلا فيما ندر ويبدلون ذلك بالعمل الأدبي.

على أن المتلقي لهذين العملين العمل الأدبي والعمل الفكري هو الذي يميّز بينهما في سياق الكاتب المفكر أو الكاتب الأدبي.

في رأينا أن أي عمل ثقافي هو الذي يفرض نفسه على مبدعه أو كاتبه فينقله للجمهور ولكن هناك من يرى أن المضمون الفكري حتى لو كان فكرة شائعة أو قضية يعلمها الجميع متى تفاعل مع الشكل الفني للعمل الأدبي أصبح خاصًا به وليس له امتدادٌ خارجه أو اتصال بأي شيء آخر. ولذلك فإن مضامين الأعمال الناضجة تبدو جديدة كل الجدة بالرغم من أنها مستوحاة من أفكار ومضامين العامل الفكري. ونحن نسير في هذا السياق ونؤيده؛ لأن الأديب الواعي هو الذي يجسِّد هذا التفاعل بين هذه الأفكار والمضامين وبين تطورات العصر الذي يعيشه، الذي يلقي عليها أضواء جديدة وينظر إليها من زوايا معاصرة لم تكن تتأتى لمن سبقه من الذين عالجوها وجسَّدوها في أعمالهم. الذي نقصده هنا ليس التفرقة بين الأدب والفكر بقدر ارتباط الأول منهما بالآخر وقد اهتم نقاد الأدب والأعمال الفنية بالمسرح والدراما الفنية أكثر من الحديث عن الفكر الذهني والأدب الشعوري وحتى عندما يتحدثون عن الدراما فإنهم لا يعطون ذلك إلا بالقدر اليسير، فما بالك بالحديث عن الفكر البحت والأدب الجميل وكذلك عندما يأتي الحديث عن المسرح، فإنهم ينساقون فيه ويهملون في الوقت نفسه الفكرة الأدبية والأدب الفكري، بمعنى آخر لا تجد فيما يكتبونه الثقافة والفكر والأدب إلا من زوايا خافتة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5005 المصادف: 2020-05-19 03:12:10