 قضايا

ابن طفيل : بين كتابه (حي بن يقظان) وكسلنا العقلي

يسري عبد الغنييتخيل ابن طفيل أن أحدًا سأله أن يبث ما تيسر بثه من أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس / ابن سينا، ودعا إلى طلبها، وهذا أمر لا يمكن أن يقوم به إلا من وصل إلى رتبة من الكشف تتجلى فيها حقائق الأشياء ذوقًا لا على سبيل الإدراك النظري المستخرج بالأقيسة، وتقديم المقدمات وإنتاج النتائج .

والأقدمون من الفلاسفة لم يبلغوا هذه المرتبة لا ابن باجه الذي دعا إليها، ولا الفارابي الذي جعل همه في المنطق، ولا الغزالي الذي كان يدور حسب الأحوال عند المخاطبين، يربط في موضع، ويخل في موضع آخر، ويكفر بأشياء ثم ينتحله، فضلاً عن أنه جعل كتبه مضنون بها على غير أهلها، لأنها تتضمن عظيم في الكشف على ما هو مبثوث في كتبه المشهورة .

كان هذا رأي ابن طفيل في الفلاسفة أنهم لم يصلوا إلى رتبة من الكشف تتجلى فيها حقائق الأشياء، ويود فيلسوفنا أن يبث صاحبه لمحة يسيرة على سبيل التشويق، والحث على دخول الطريق، وكما أن أفلاطون لم يستطع أن يعبر باللغة المعتادة المنطقية عن الحقائق العليا إلا بالرموز والأمثال فاستعمل الأساطير، كذلك يلجأ ابن طفيل إلى قصة رمزية يعبر بها عن بعض الحقائق التي سنحت له، فأنشأ قصة (حي بن يقظان) التي نحن بصددها .

وإذا أردنا الوقوف على مضمون هذه القصة لقلنا : إن هذه القصة (حي بن يقظان) للطبيب الفيلسوف الأندلسي / ابن طفيل، دعوة إلى الإيمان بالله تعالى عن طريق العقل والتجربة والرياضة، وإثبات وجود الله عز وجل إثباتًا عقليًا، وبذلك تكون على النقيض من قصة (رسالة الغفران) لشيخ معرة النعمان، الشاعر الفيلسوف / أبي العلاء المعري، التي قد يرى البعض فيها منافاتها في بعض الاتجاهات للروح الدينية السليمة، نضيف إلى ذلك أسلوبها الذي يشيع فيه الإبهام، والألفاظ اللغوية الغريبة والصعبة في كثير من الأحيان .

و(حي بن يقظان) وليد من غير أبوين، في جزيرة نائية من جزر بلاد الهند (جزيرة الوقواق)، يقال أنها تحت خط الاستواء، تراه ظبية من حيوانات الجزيرة، فتحنو عليه، وترضعه (معتقدة أنه ابنها المفقود )، وينشأ على سليقة أمه الظبية، فيحاكي الظباء في حركاتها وأصواتها، ويشب ويكبر قليلاً قليلاً، فيتعلم المشي .

وتمر الأيام فيفكر في أمر نفسه، ويوازن بينها وبين الحيوانات الأخرى في الغابة معتمدًا على دقة الملاحظة التي كانت ترافق نمو عقله، وقد عمل ستر جسمه، بأوراق الشجر، ورأى أن الحيوان ذو سلاح، وهو أعزل، فسلح نفسه ببعض من أغصان الأشجار، وقاته ملاحظته إلى فضل يديه، ففكر في الصيد .

وأخذت أساليب تعامله مع الحياة ترقى، وتتحسن، فاستبدل بأوراق الشجر التي كان يكتسي بها ثوبًا من جلد النسور التي كان يصيدها .

ومع دورات الزمان تصاب الظبية التي أرضعته بالشيخوخة، وتمرض ثم تموت، فيظن أن المرض الذي أمات أمه الظبية كان كامنا في صدرها، ويشق صدرها مستعملاً حجرًا حادًا فيكتشف القلب الذي هو مركز الحياة، ويستنتج أن شيئًا خفيًا فارق الجسد، وإنه سر الوجود .

وفي أحد الأيام يشب حريق في مجموعة من أشجار الجزيرة بفعل إحدى الظواهر الجوية، فيكتشف النار، فيأتي بقبس منها، ويودعه مسكنه، ويعمل على أن يظل هذا القبس دائم الاشتعال، وتترى الكشوف، ويؤدي الواحد منها إلى الآخر .

وتمضي معارفه في التطور السريع، فيتعلم الغزل، وصنع الإبر، ويدرس المعادن، وأعضاء الحيوان، ووظائفها، ويصنفها إلى أجناس وأنواع، ثم يعاود دراسة الروح، والتي فطن إلى وجودها، حين كشف قلب الظبية، فتقوده فكرته إلى فكرة النفس الحيوانية، وفكرة الوجود في النبات .

في ظل هذه التجارب يؤمن صاحبنا عن اقتناع بأن لكل موجود علة، ويبحث عن هذه العلة فيما حوله من الأرض والسماء، فيجد كل شيء عرضة للتحلل والفساد، أي كل شيء زائل مهما مر عليه من وقت، فيصل شيئًا فشيئًا إلى الحقيقة التي تقوده إلى معرفة الله والإيمان به خالقًا مبدعًا .

تلك هي أهم العناصر التي استخدمها ابن طفيل في قصته (حي بن يقظان)، وقد تناولناها بالشرح والتحليل في كتابنا عن حي ابن يقظان، وهي عناصر عقلية منطقية، سيقت من خلال ممارسة للحياة سليمة طبيعية غير متعسفة .

ولما كان ابن طفيل من المقدرة الأدبية الثقافية، تمكن بمهارة صياغة قصته في أسلوب سهل مشرق سليم كل السلامة، بعيد كل البعد عن الزينات اللفظية المألوفة، ذلك أن مثل هذا الفكر الفلسفي يحتاج إلى أسلوب من سماته اليسر والسهولة، والبعد عن التعقيد والغموض، حتى يتمكن المؤلف نفسه من حسن التعبير عما يجري في أعماقه، وبالتالي ينعكس ذلك على القارئ الذي يسهل عليه فهم مراد الكاتب وفكره، ليستفيد مما يقرأ أعظم استفادة .

بقى أن أذكر لك أن هذه القصة ترجمة إلى أكثر من لغة أوربية وغير أوربية، وأنها كانت الأصل الطبيعي لقصة (دي فو)، المعروفة (روبنسون كروزو) .

ولكن قبل أن أترك هذه الجزئية، أحب أن أقول : إنه فيما يتعلق بمسار القصة الطويلة المبتدعة على نحو ما تقدم فإنها توقفت بعد ابن طفيل نتيجة الكسل الأدبي والثقافي والفكري والعقلي الذي أصاب العقل العربي فترة طويلة من الزمان، حل فيها القصص الشعبي مكان القصة الأدبية الرفيعة الراقية الداعية إلى الجمع بين العقل والمشاعر، من خلال أسلوب محترم يرقى بالذوق العام .

ونحن لا نقلل من قيمة الأدب الشعبي، والذي نال ازدهارًا واسعًا لقربه من عقول الجماهير وثقافتهم، ولكن لا يصح أن يكون هو مصدرنا أو منطلقنا الوحيد، فنحن نقول أن فجر الرواية العربية الحديثة ظهر منذ أكثر من مائة عام، أي في مستهل القرن العشرين تقريبًا، فهل عجز هذا التراكم الروائي على مدى كل  هذا التاريخ أن يقدم لنا عملاً أدبيًا حقيقيًا يعلمنا التفكير السليم، والرؤيا الثاقبة لأمور حياتنا؟!!، فلعلنا نستفيق ونراجع أنفسنا، على أمل أن يقوم الفن الروائي أو القصصي بوجه عام بدوره في إعلاء قيم الحق والخير والجمال والتفكير العلمي السليم، والانتماء للأوطان، والتسامح، وقبول الآخر، والارتقاء بالمشاعر، والسمو بالغرائز، وتعلم الأخلاق الحميدة المتفقة مع ثوابتنا وقيمنا وأصولنا

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5007 المصادف: 2020-05-21 03:38:51