 قضايا

الجهل الفرضية الفاشلة

غالباً ما اقرأ او أسمع من كثير المثقفين والعوام عبارة: "هذا جهل" او "بسبب الجهل" او "جهلة" تستخدم كتفسير لظواهر اجتماعية سلبية كثيرة. على سبيل المثال: العنف ضد المرأة او عدم الالتزام بقوانين المرور او ممارسة طقوس اجتماعية الخ كلها تفسر بالجهل عادة. حتى صارت هذه الكلمة (الجهل) مثل فرضية شبه بديهية لاتحتاج الى مراجعة وتدقيق ونقد لأنها واضحة بذاتها وتصلح لتفسير كثير من الظواهر السلبية والمشكلات. فهل حقاً ان الجهل كفرضية هي دقيقة علمياً (العلوم الانسانية) لتفسير كثير من السلوكيات والظواهر الاجتماعية؟.

وحتى نراجع وندقق هذه الفرضية يجب معرفة معنى الجهل لغة وماذا يعني الجهل كمفهوم لدى قائله.

في لسان العرب: جهل: الجَهل: نقيض العِلمْ. والجَهَلة: ان تفعل فعلاً بغير العلم. والمعروف في كلام العرب جَهِلت الشيء اذا لم تعرفه.(ابن منظور، 2000، ج11: 129) من الواضح ان القاموس اعطى المعنى بدلالة سلبية وهي عدم المعرفة فقط. دون تكوين معنى للجهل بذاته.

اما الجهل كمفهوم فلا يوجد علم انساني استخدمه كفرضية او مصطلح اساسي اعتمادا على قواميس العلوم الانسانية.

اما المفهوم الاجتماعي المستعمل فيستخدم كلمة جهل كتوصيف لعدم المعرفة ايضاً. فيسمى الأمي والساذج والطفل ب"جاهل" (في المجتمع العراقي). واحيانا تطلق على الانسان الريفي. وعند الاستخدام للفرضية كتفسير يتوسع المفهوم ويغدو فضاضا ومطاطاً ليعني كل شيء دون ان يدل على شيء محدد. فالجهل يستخدم لتفسير الفساد الاداري والتجاوز السكني والنزاعات العشائرية والغش في البيع وضرب المرأة الخ. وقد يتغير حتى لفظه مع بقاء معناه من قبيل: "قلة وعي". وقد ينتهي القائل بالجهل الى الاتهام هو ذاته بالجهل لعدم تحديد مفهومه الذي استخدمه كفرضية بالتالي جهله هو بالمفهوم.

وهكذا ان الجهل كمفهوم اجتماعي يعاني من مشكلة عدم التحديد وعدم الوضوح ويؤشر مشاكل عديدة اخرى يمكن اجمالها:

1- ان فرضية الجهل تصح على الأفراد ولا يصح ان تطلق على المجتمع. وذلك لأن المجتمع يضم افراداً غير متساوين في المعرفة والتحصيل الدراسي. ويصح التعميم على عينة محددة من الناس وفق شروط خاصة (عينة مقننة).

2- وحتى لو اطلقت على افراد يسلكون نفس السلوك الذي يعتبر جاهل. فان بعض هؤلاء الأفراد ناجحون في مجالات اخرى مثل النجاح في المهنة او النجاح في الوظيفة او النجاح في العلاقات العامة او في العاب شعبية الخ. فكيف للجهل ان يظهر في سلوكيات وينعدم في سلوكيات أخرى في ذات الشخص الواحد؟. وكما يشير هادي العلوي الى البعض الذين "لا يفرقون بين الجهل والأمية فالعوام أميون أي لا يحسنون القراءة والكتابة لكنهم قد لا يكونوا جهلة بالضرورة لأنهم يزاولون مهناً وصناعات تحتاج إلى الفكر والمهارة ومن يملك الفكر والمهارة لا يسمى جاهلاً وإنما يسمى أمياً إذا كان لا يقرأ ولا يكتب."(العلوي، 2014 :45)

3- واذا اتفقنا ان كل الناس جهلة. فلماذا على مدى قرن من انتشار التعليم في العراق الحديث لم يستطيع هذا التعليم من تغيير هذه السلوكيات التي يمارسها المتعلم والأمي على حد سواء؟. ومن قال اصلاً ان كل من يسلكون هذا السلوك الجاهل، يجهلون كلهم تقييم هذا السلوك، او ليس لديهم تبريرات عقلانية على هذا السلوك؟.

4- ومع ذلك ان فرضية الجهل ان صحت، فهي تكتفي بالتدليل على وجود الجهل، ولاتفسر ديمومته واستعصائه على الحل. لانها تتعامل مع المشكلة عن بُعد، دون ان تقترب منها.

5- وهذه الفرضية تنتهي احياناً الى وجود ميتافيزيقي يتم ربطه بالطبيعة النفسية للعربي او العراقي. او تنتهي بالدوران حول نفسها ما بين هل الجهل سبب تابع ام سبب متغير، مثل تفسير الجهل كسبب للجهل.

6- ان فرضية الجهل فضفاضة ومطاطة وعمومية لأنها تعكس معايير قائلها. وتنتهي الى مغالطات منطقية مثل توصيف المتعلم بالجاهل عن طريق التعميم.

7- ان فرضية الجهل هي اقرب في استعمالها الى المعيارية وليس الى الفرضية، لانها تضع الخط الفاصل بين العلم من عدمه. وتصلح كمفردة تعبوية (شعارات ضد الجهل) او تربوية (لاستهاض العلم كالقول: الجهل ظلام) او دعائية ولا تصلح كفرضية للتفسير.

اذن ان هذه الفرضية تعاني من مشاكل جوهرية عديدة من حيث تحديد المفهوم ومن حيث المشاكل المصاحبة للتفسير الذي طرحته كما بينت في النقاط النقدية السالفة.

والاستخدام العلمي الصحيح لتفسير ظواهر اجتماعية سلبية هو الاقتراب من المبحوثين ونوع المجتمع الذي يعيشون فيه. لنرى ان هذه السلبيات ليست نتاج الافراد انما هي نتاج خصائص المجتمع او الثقافة. فمثلا ان العنف الاجتماعي ضد المرأة يأتي من اساس المجتمع الابوي وهو تشيء المرأة كملكية خاصة ضمن نظام تبادل الهبات، يبرره وظيفياً العرف والدين والتاريخ والمؤسسات والقانون والافكار العامة التي هي الواجهة الخارجية لهذا النظام الأبوي. فالموروث الديني (الاسلام الشعبي) والشعبي يزخر بالنصوص الشفهية والمكتوبة التي تنتقص من المرأة مثل: "ناقصات عقل ودين"، "لعن الله قوم تقودهم امرأة"، "كيدهن كيد عظيم"،  او سوء تربية المرأة لأطفالها، او توصيفها بالشيطان والفتنة والمغرية والساحرة. وقيمتها تأتي من السلبية والطاعة وانجاب الذكور للرجل، عندها فقط تصبح "الجنة تحت اقدام الأمهات". اي من استعمالها كأداة لاستمرار نسل ونسب الذكر وتوريث ملكيته وبالتالي ديمومة المجتمع الذكوري. وهذا الاساس الاجتماعي لاعلاقة له بالأفراد لأنه تشكل تاريخيا قبلهم وسيبقى بعدهم تدور عليه الاجيال ولن يتغير مالم ينتقل المجتمع من الذكوري الى المجتمع المدني التي سيرافقها تغير في قوانين واعراف المجتمع برمته. ولهذا يشمل هذا السلوك معظم افراد المجتمع بغض النظر عن مستواهم التعليمي ولا علاقة له بالجهل لا من بعيد ولا من قريب. ومثل ما سبق يمكن تفسير عدم احترام معظم العراقيين للقانون الى نوع السلطة التي تحكم المجتمع العراقي وفق تقسيم ماكس فيبر للسلطات الاجتماعية. لان المجتمع العراقي تحكمه السلطة التقليدية المستمدة شرعيتها من الماضي، بينما تحكم الدولة العراقية بالسلطة المكتبية (البيروقراطية) المستمدة سلطتها من القانون، التي تختلف في جوهرها عن السلطة الاجتماعية.

 

محمد لفته محل

.......................

المصادر:

- هادي العلوي، مدارات صوفية، تراث الثورة المشاعية في الشرق، الأعمال الكاملة 12، المدى، الطبعة الثالثة 2014.

- الإماِم العَلاّمة أبي الفضل جَمال الدّين محمَّد بن مكرم ابن منظور الافريقي المِصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت 2000.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5012 المصادف: 2020-05-26 01:20:05