 قضايا

المثلية الجنسية من منظوري الدين والعلم (2)

قاسم حسين صالحأشرنا في الحلقة ألأولى الى أن بعثة الأتحاد الأوربي كانت قد رفعت علم المثليين على بنايتها في بغداد، واختجاج وزارة الخارجية، وما اثاره الحدث من جدل رسمي وشعبي، وتغريدات نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بهاشتاغ "#كلا_لعلم_المثليين_بالعراق، وبين ساخر يقول:إن على العراقيين مراقبة "ميول الحكومة للسرقات" بدلا من "مراقبة حرية وميول الآخرين الجنسية".

وتضمنت الحلقة نتائج استطلاع بخصوص شيوع الجنسية المثلية في العصر العباسي بشكل خاص شارك فيه اكثر من (500) بينهم أكاديميون ومثقفون عرب، توزعت اجاباتهم على خمسة مواقف بين مؤيد ورافض وناقد.

في هذه الحلقة سنتطرق الى المثلية الجنسية في الدين الآسلامي، وما توصلت اليه الدراسات الحديثة بخصوص أسبابها وتحليل سيكولوجي.

الأسلام.. والمثلية الجنسية

أدان الأسلام المثلية الجنسية في قوم لوط، وعدّها القرآن فاحشة في آية صريحة: ( ولوطا اذ قال لقومه أتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العلمين).وقوم لوط هم انفسهم الذين وردوا في الكتاب المقدس في المسيحية بسكان سدوم وعموره الذين خسف الله بهم الأرض وجعل عاليها سافلها، فيما يرى باحثون أن ما حلّ بهم جاء نتيجة عدم ايمانهم بنبوة لوط وكفرهم بالله.

وهناك العديد من الأساليب التي دعا فيها فقهاء الشريعة الإسلامية لمعاقبة مثليي الجنس ومثلياته، بينها تعريض الشخص المثلي للرجم بالحجارة حتى الموت على يد حشد من المسلمين. وينسب البعض حديثا للنبي محمد :"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، فيما يحدد حكماء الفقهاء الاسلامي من السلفيين عقوبة المثلي بأن يلقى به من سطح منزل او مكان مرتفع.

وتشير الأدبيات الى أن جميع علماء الشريعة الأسلامية المعاصرين يحرّمون المثلية الجنسية، ويرون أن أي نشاط جنسي من نفس الجنس يعدّ جريمة بالرغم من انهم لم يتفقوا على تحديد نوع العقوبة بحق من يمارسه او تمارسه.. ويبررون ذلك بحجة تطهير المجتمع الاسلامي من الرذيلة.

وحديثا، تعدّ المثلية جريمة يعاقب عليها القانون تصل حد الاعدام في عدد من البلدان الاسلامية، وكانت الدول ذات الغالبية المسلمة قد عارضت التحركات لتعزيز حقوق المثليين في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع لها، الذي اصدر عام 2011 أول قرار للاعتراف بحقوق المثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسياً.ومع ذلك، وبتأثير الحضارة الغربية ومنظمات حقوق الانسان ابدى بعض علماء الدين تقبّلا لها في المجتمعات الاسلامية.

المثلية الجنسية.. علميا

الأشكالية العلمية في المثلية الجنسية تتحدد باربعة اسئلة:

هل هي اضطراب عقلي ناجم عن جين او شفرة (كود) في كروموسوم؟ أم هي سلوك يكتسبه الفرد من الآخرين؟ أم شذوذ او خلل نفسي ناجم عن تنشئة أسرية او عوامل اجتماعية وحضارية؟ أم انها سلوك طبيعي حالها حال السلوك الجنسي الغيري الشائع؟

ينبغي، بدءا، توضيح مفهوم التوجه الجنسي Sexual orientation اذ هو يعني، سيكولوجيا، "نمطا ثابتا من العواطف، الرومانسية، و/او الأنجذاب الجنسي نحو الرجال او النساء او كلا الجنسين، وشعور الفرد بهويته القائم على هذا الأنجذاب".

ووفقا للمفهوم العلمي الحديث فان محور الانجذاب الجنسي الذي يشكل أساس التوجه الجنسي عند الكبار، يبدأ في منتصف مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة.وكشفت الدراسات ان مديات هذا التوجه تمتد عبر متصل يبدأ بالأنجذاب الحصري نحو الجنس الآخر الى الأنجذاب الحصري نحو نفس الجنس.. ويناقش (التوجه الجنسي) عبر ثلاث فئات:

- الغيرية Heterosexuality وتعرّف بأنها انجذاب رومانسي,وسلوك جنسي بين افراد من الجنس او الجندر المضاد، اي الاستمتاع بممارسة الجنس مع الشخص المضاد بايولوجيا، وهو الشائع والطبيعي، .

- والمثلية Homosexuality وتعرّف بأنها انجذاب رومانسي ,او سلوك جنسي بين أفراد من نفس الجنس او الجندر، وتوصف بأنها نمط ثابت من الأنجذاب العاطفي، الرومانسي، الجنسي نحو أفراد من نفس الجنس(الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة).

- والثنائية Bisexuality وتعرّفها القواميس الاجنبية بأنها انجذاب رومانسي وتوجه جنسي او سلوك جنسي نحو الذكور والاناث معا، بممارسة الجنس مع الصنفين (الرجال والنساء).. ويوصف هؤلاء بأنهم مفرطون في النشاط الجنسي، وغالبا ما تحصل في مرحلة المراهقة، يقرر بعدها الشخص ان يكون من صنف الغيرية او المثلية.

اجريت دراسات كثيرة تستهدف معرفة ما اذا كان للجينات دور في المثلية الجنسية بينها اكثر من ثلاثين دراسة استقصائية في بلدان غربية لتحديد نسب الشواذ جنسيا، افادت بأن النسبة تترواح بين(2الى3%).

والمفارقة، ان نسب الشذوذ الجنسي سجلت معدلات قياسية في اوساط الكنائس الغربية.ويفيد الكاهن الأسقفي الأمريكي "مالكولم بويد" أّنه: "قابل شواذًّا في المعاهد الدينية الكنسية أكثر ممّا قابل في حياته في هوليوود". وهناك ارتفاع هائل في نسب المثلية الجنسية في كليّات اللاهوت الأمريكية تصل احيانا الى 30% من المجتمع الجامعي.. ما يعني ان الأمر ليس متعلقا بالجينات بل بمتغيرات اجتماعية وحضارية وثقافية.

وتفيد دراسة لاستاذة علم الاجتماع آميباتلر راجعت كل البحوث ذات العلاقة وتوصلت الى ان نسب المثلية الجنسية تضاعفت بدءا من عام 1991، لأسباب تتعلق بالترويج الاعلامي واخرى سياسية واجتماعية، ما يعني، في رأيها، ان السبب لو كان متعلقا بالجينات فقط لظلت النسب ثابتة. يؤيدها في ذلك ان المحكمة الاتحادية في اميركا أقرت في 2015 بحق المثليين في كل الولايات بعد ان كانت محددة بـ(36)ولاية.

اكتشافات وخيبات

شهدت السنوات الأخيرة اعلان باحثين عن توصلهم الى اكتشاف الجين المسؤول عن المثلية الجنسية، وسارع الاعلام للترويج عن حل لغزها، فيما نفى علماء الوراثة ذلك بما فيها تلك التي اجراها فريق من الباحثين بجامعة (نورث ويسترن) التي شملت فحص الحمض النووي لـ 400 ذكرا من المثليين الجنسيين، ولم يتمكنوا من العثور على جين محدد مسؤول عن توجههم الجنسي.

وفي كتابهما (جيناتي جعلتني افعلها) يؤكد الكاتبان نيل وبريار وايتهيد: "أن الغرب كان موضوعًا لحملة من التضليل والخداع في السنوات الثلاثين الأخيرة، جعلت مؤسساته العامة من المشرّعين إلى القضاة ومن الكنائس إلى التخصّصات الذهنية الصحيّة يؤمنون بشكل واسع أن المثلية الجنسية موروثة عضويًا وبالتالي لا يمكن تغييرها"

وهناك تجربة طريفة، قام فيها فريق علمي بفصل مجموعة من القردة الذكور عن امهاتهم وتمت تنشئتهم دون وجود الأم، وحين كبرت تم تقديم قردة انثى مقبولة جنسيا اليهم فاحتاروا واستغربوا، وحاول بعضها التناسل مع القردة الأنثى الا انهم فشلوا.. ما يعني ان السلوك الجنسي يكتسب، ولو جزئيا، خلال التنشئة ويتأثر بالتربية منذ الصغر وليس شيئا فطريا فقط.

استنتاج

ان المثلية الجنسية حالة بشرية موجودة عبر التاريخ في كل المجتمعات وجميع الحضارات بما فيها المجتمعات العربية والاسلامية قديمها وحديثها. وبالرغم من ان العلم لم يتوصل بعد الى سبب بعينه او اسباب محددة الا ان الرأي المرجّح هو انها ناجمة عن خلل تكويني يؤثر في نمو وتكوين الدماغ البشري يبدأ في مراحل جنينية ويتفاعل مع اسباب تنشئة اسرية واجتماعية وحضارية واعلامية، ولا علاقة لها بالتفسخ الخلقي او الاجتماعي.واذا كان الارشاد الديني والاخلاقي ينفع مع الذين (تخنثوا) لأسباب اسرية واقتصادية وشعور بالضياع، فانه لايجدي نفعا" مع المثليين لاسيما المصابين بــ (اضطراب الهوية الجنسية) التي تعني شعور الفرد بانه ولّد في الجسم الخطأ، حيث يشعر الولد نفسيا" انه انثى ولكنه مولود في جسم ذكر، فيحصل بسببها اضطراب بين هويته النفسية ومشاعره الانثوية وبين هويته البايولوجية وما مطلوب منه التصرف كرجل.. والعلة نفسها عند المرأة المثلية حيث تشعر نفسيا انها ولدت في الجسم الخطأ.

المثلية الجنسية.. عراقيا.

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كنت اعمل خبيرا علميا بمركز بحوث تابع لوزارة الداخلية، فاستدعيت لمقابلة الشخصية الأكبر فيها السيد طاهر جليل الحبوش، فقال لي مازحا: (عدنه ولد يعجبوك ما تشوف شنو قضيتهم).

جيء بهم اليّ واحدا بعد الآخر.كان الأول ضارب حمره (متمكيج تمام)، والثاني (نافخ صدره)، والثالث (مايع صوره وصوت).. ووو.

اكملت الدراسة واوصيت فيها بأحالتهم الى مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية.. وفعلوا، ونوقشت في ندوة خاصة دعوت لها الراحل الدكتور علي الوردي الذي افاد بأن المثلية الجنسية كانت شائعة في بغداد زمن الأحتلال العثماني وان (البغاده) كانوا يتداولون مفردة (فرخجي) لمن كان مثليا (لوطيا) وان بينهم من كان يتباهى علنا بحسن غلامه.. واسرّني بأسم شخصية سياسية كبيرة! زمن النظام المالكي كان مثليا.

وفي 2010 ظهرت الى العلن حالات اصطلح على تسميتها شعبيا" (طنطا).. وتعني الشباب المتميعين الذين يستخدمون (المكياج) لتجميل وجوههم، وزرق الهرمونات لتكبير الصدر، والتشبه بالنساء في تصرفاتهم فيصفهم الناس بــ (المخنثين) أو (المثليين) أو (الشاذين جنسيا")، فقامت أحدى الميليشيات الأسلامية بقتل عدد منهم واحتجاز عدد آخر ولصق مادة السيكوتين على فتحات شروجهم، وراحوا على ما فعلوا بهم يستمتعون! .. وادنا هذا التصرف بمقال نشر في الصحف ولقاء عبر فضائية الحرة عراق.

وفي التسعينيات كتب لي (مثليون) حالات لبرنامج (حذار من اليأس).. وأخرى هددت بالأنتحار ما لم يتم تحويلها الى الجنس الآخر.. واخرى راجعتني في مكتبي بالقبة الفلكية بينها حالات تعاني من اضطراب الهوية الجنسية، ما يعني علميا أننا يعوزنا الآن اجراء دراسات عن الظواهر الجنسية على غرار دراستنا عن ظاهرة البغاء (1987)التي اعتبرت اول دراسة عربية وعالمية في مجالها من حيث حجم العينة (221) بغيا وسمسيرة، وعدد الأختبارات وانواع المقابلات.

وثقافيا، نحن نحتاج الى مشروع يهدف الى اشاعة الثقافة الجنسية بين الناس تساهم فيه وزارة الثقافة والأتحاد العام للأدباء والكتّاب والمنظمات النسوية.وكنت ساهمت في كتابة ذلك المشروع ايام كنت خبيرا في الأتحاد العام لنساء العراق.. وتقدمنا فيه خطوات وكاد أن يشرّع بقانون لولا اعتراض رجل دين اصبح الآن داعية في احدى دول الخليج.

موقف شخصي

لست مع المثلية الجنسية كممارسة لأن (ما بيها ذوق) ولأن شيوعها فيه خطورة بشرية تؤدي الى انخفاض عدد السكان على المدى الطويل، وتقتل سيكولوجيا امتداد ذكر الانسان بانجاب من يخلد ذكره.. فيموت معنويا، وسيفقد الجنس متعته السيكولوجية، ويتحول الشعر الى التغزل بالغلمان، والعشق في الروايات الى هيام الرجل بغلام.. وسيكون الخاسر الأكبر فيها هو المرأة، لانها ستفقد حب الرجل والانجاب وغريزة الأمومة.

لكنني بالتأكيد ضد التعصب والتمييز وأرهاب الدولة والمجتمع والمتطرفين دينيا والمتزمتين اخلاقيا ومعاملة المثليين معاملة المجرمين.

والمؤسف ان الدراسة الاستطلاعية كشفت لنا، ان مثقفين وأكاديميين تحكمت بهم انفعالات بعضها طائفية! حين اشرنا الى ان المثلية الجنسية كانت شائعة في تاريخنا العربي والاسلامي، معتبرين المثلية الجنسية دعارة وفاحشة وان تاريخنا نظيف منها، مع أن الحضارة العربية والأسلامية لها فضل كبير على الحضارة العالمية والأوربية بشكل خاص.والمدهش ان الأندلس التي احتلها العرب.. اقاموا على كورنيش البحر الأبيض المتوسط تماثيل للمفكرين والعلماء العرب بينها تمثال لأبن البيطار.. وثقتها بصورة لي معه.. متباهيا به ومشيدا بفضل من خلدوه مع ان اجدادنا احتلوهم!

ما نرجوه من الحكومة، ونتوسم خيرا برئيسها السيد مصطفى الكاظمي، ان تكون الظواهر الاجتماعية والاخلاقية والنفسية من اختصاص الأكاديميين اصحاب الشأن.. لدراستها ميدانيا وتقديم التوصيات والمقترحات الى المؤسسات المعنية في الدولة لاتخاذ ما يلزم لمعالجتها، فالمجتمع بدون علماء يدرسون ظواهره السلبية وما يواجهه من تحديات، لن يتقدم .. ودليل ذلك ما حصل للعراقيين في 17 سنة كانت فيها السلطة طاردة للعلماء ومهمشة لدورهم، فيما اعتمادها عليهم سيساعد في تذليل الكثير من التحديات ويسهم في نقل العملية السياسية من سكة المحاصصة الى سكة الدولة المدنية الحديثة التي هي احد اهم أهداف الأخ مصطفى الكاطمي.

اخيرا.

شكرا لأكثر من (500) شخصية ساهمت في الدراسة الأستطلاعية، وارجو ان يكون قد توضح الهدف الآن للذين لاموا وانتقدوا.. والذين سبّوا وشتموا ايضأ.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5021 المصادف: 2020-06-04 02:29:45