 قضايا

التفلسف العلماني والاختزال البرهاني في دراسة الخطاب الديني

محمد بنيعيشأولا: أرستقراطية الوهم البرهاني في اختزال الفكر والتاريخ

من عيوب مفكرينا المعاصرين والباحثين الأكاديميين ،كما يسمون أنفسهم ،هو أنه حينما يعجز بعضهم عن دراسة الظاهرة من جميع نواحيها ،أو حينما يريدون تبرير اختياراتهم الذاتية وإقحام تصوراتهم الخاصة،فقد يلجأون إلى نوع من الانتقائية الذاتية للمرجعية المناسبة لقناعاتهم وميولاتهم ،سواء أكانت فكرية أم  نفسية وجدانية و مادية مترسبة.فالكل مغرم بشيخه ومرتع تقاطعاته.وهذا ليس معيبا في حد ذاته من حيث المبدأ،ولكن العيب حينما يصبح الباحث أسير مرجعيته ويرهن البرهان في أستاذه ومرجعيته ،ومن ثم تتسلسل الأخطاء والخطايا الفكرية والعقدية لديه مع توهم الموضوعية والالتزام بشروط الحد ومقدمات القياس السليم.

و هذا النمط من الإسقاط والاحتكار البرهاني عند كثير من فلاسفة عصرنا سيلصق رسميا بابن رشد الحفيد خاصة،وقد يذهب بالبعض إلى اعتبار أن أوربا لم تعرف نهضتها المادية إلا بعد أن توصلت بالشروحات الرشدية للكتب الأرسطية، وهذه أيضا مغالطة على نفس نموذج البرهان، إذ ابن رشد لم يكن يمثل سوى ذرة من أفكار وحضارة توالت عليها القرون وتطورت حسبها الأحوال وتغير الزمان. وما تواجد أو ذكر ابن رشد في هذه السلسلة التاريخية والحضارية إلا كحلقة صغيرة فيها لا يمكن أن تكون هي المحددة للتاريخ أو المؤثرة في الحضارة ككل، فقد سبقه عدة مفكرين وباحثين، ومتفلسفين ودارسين لا يكاد يحصون عددا ومددا، وكل واحد منهم ساهم في بناء المجتمع والعمران على مستويات فكرية ومادية وروحية.

ومن البطالة الفكرية أن ينسب النهوض الحضاري أو الانحدار إلى شخص بعينه أو جيل أو حتى أجيال محدودة، لأن التقدم والتأخر له عدة أسباب وله عمر كعمر الإنسان الذي هو عمر الدولة كما يرى ابن خلدون، ولا يستقل فرد في المجتمع بالمن المطلق عند تحقق إنجاز قد يبدو فيه كأنه المؤسس له أولا وآخرا كما نجد هذا الوعي الدقيق عند ابن عربي الحاتمي يقول عنه "من غيرة الله أن لا تكون لمخلوق على مخلوق منة لتكون المنة لله، ما خلق مخلوقا إلا وجعل لمخلوق عليه يدا بوجه ما، فإن أراد الفخر مخلوق على مخلوق بما كان منه إليه نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه، فالعارفون مثل الأنبياء والرسل والكمل من العلماء بالله لا يخطر لهم ذلك لمعرفتهم بحقائق الأمور وما ربط الله به العالم وما يستحقه جلاله مما ينبغي أن يفرد به ولا يشارك فيه، فنصب الأسباب وأوقف الأمور بعضها على بعض وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار عندما ذكر أن الله قد هداهم به، قال: لو شئتم أن تقولوا لقلتم وجدناك طريدا فآويناك، وضعيفا فنصرناك، الحديث، فذكر ما كان منهم في حقه، وكان الله قادرا على نصره من غير سبب ولكن فعل ما تقتضيه الحكمة لما جبل عليه من خلقه الله على صورته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" فهذا فخر ويد ومنة يتعرض فيها علة ومرض، لكن عصم الله نبيه من ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه العلة دواء كما هي دواء لما هو لها دواء فقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه" أمر بذلك، وإن تصور في الجواز العقلي أن يمتن بصلاته علينا منعته من ذلك صلاتنا عليه أن يذكر هذا مع كونه السيد الأعظم، ولكن لم يترك له سبحانه المنة على خلقه ليكون هو سبحانه المنعم الممتن على عباده بجميع ما هم فيه وما يكون منهم في حق الله من الوفاء بعهوده ..."[1]

ومن هنا فالمرافق الاجتماعية مترابطة متشابكة ابتداء من الفرد وتعاون أعضائه إلى الأسرة إلى المجتمع المحلي والوطني وبالتالي الحضاري الإنساني عموما، وهذا ما يمكن استخلاصه من خلال مقدمة ابن خلدون التي كان فيها يفلسف التاريخ بموضوعية علمية ويرصد أحوال الأمم والمجتمعات وأسباب تقدمها الفكري والمادي والاقتصادي والسياسي وما إلى ذلك، بحيث يرتبط التعليم بالصناعة والفلاحة والفن والسياسة، بل إنه يرى على عكس دعاوي المتفلسفة أن الفلسفة كما سبق وبينا تكون بطالة وغير ذات جدوى في البناء الحضاري العام والالتزام الأخلاقي والديني وذلك إذا تجاوزت حدودها وأصبحت تهيم في السديم ولم تميز بين المحدث والقديم.

وعلى ذكر ابن خلدون في هذا المقام ينبغي أن أشير إلى أن غالبية متفلسفة عصرنا يستغلون مقدمته في توسيع دائرة استطراداتهم واجتراراتهم للطروحات المادية سواء منها الشيوعية أو الاشتراكية وكذا الرأسمالية كما سبق وبينا[2]، ولكن حينما يجدون ما يوافق أهواءهم في بعض جزئيات تحليلاته مع إسقاط مفاهيمهم الخاصة عليها، والوقوف عند ويل للمصلين، فمن ثم يصفون آراءه بأنها تمثل عبقرية وفكرا تقدميا وتحليلا موضوعيا وفلسفيا للتاريخ والعمران.

غير أنهم حينما يصلون إلى ما لا يوافقهم ولا يتناسب مع تفلسفاتهم يلغون هذا الحكم ويصفون المعترف به كأنه غبي وخرافي أو أنه ليس ببرهاني وربما ليس بيانيا حتى، كما هو الموقف من التصوف عند الجابري حينما يعرف العرفان كميدان بأنه "نظام معرفي ومنهج في اكتساب المعرفة ورؤية للعالم، وأيضا موقف منه انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية من الثقافات التي كانت سائدة قبل الإسلام في الشرق الأدنى وبكيفية خاصة في مصر وسورية وفلسطين والعراق ... "وهو في جانب منه موقف من العالم، موقف نفسي وفكري ووجودي، لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير، والطابع العام الذي يسم هذا الموقف هو الانزواء والهروب من العالم والتشكي من وضعية الإنسان فيه وبالتالي الجنوح إلى تضخيم الفردية والذاتية، تضخيم العارف لأناه"[3].

"إن موقف العرفاني كان دائما موقف هروب من عالم الواقع إلى عالم العقل المستقيل، كلما اشتدت وطأة الواقع على الفرد الذي لا يعرف كيف يتجاوز فرديته ويجعل قضيتة الشخصية قضية جماعية وإن لزم الأمر قضية إنسانية"[4].

ثانيا: اللغط البرهاني في التشويش على وضوح الخطاب الديني

هكذا إذن تعمم الأحكام وتسقط المفاهيم الغليظة المغالطة واللاغطة، على نمط المتسلف وأسوأ منه، لأن المتفلسف لا يظهر سوى الجانب السلبي النابع من الرؤية المسبقة والأحكام الجاهزة والمخطط المطبوخ لإقصاء الحقيقة، أخطاء متراكمة معبرة عن بطالة فكرية واضحة فيها دعوى الاقتباس والتأثر، وهي دعاوي ومزاعم المستشرقين الغربيين فيما يتعلق بكل إنتاج إسلامي، وفيها تصوير غير سليم للمسلك العرفاني في رؤيته للعالم ومعايشته للمجتمع ونظره إلى نفسه والتي من أهم أساسياته هو التواضع والتسليم لا التكبر والتضخيم.

وبعدها القول بالعقل المستقيل وإهمال الواقع ومتطلبات المجتمع وبالتالي الاستسلام للسلبية وعدم اعتبار قوانين الوجود والسنن الكونية، وكل هذه الدعاوي بطالية وباطلة، بل إنها صادرة عن نوع من العقل المتقاعس الذي قد استولت عليه الأوهام والهواجس فكان في الحقيقة هو نفسه المستقيل لكنه يأبى إلا أن يسقط حاله ونعته على من لم يستطع أن يلاحقه في سلوكه وذوقه وعرفانه!!!

فهذا النوع من التوجه في التحليل والإسقاط المتفلسف هو الذي حول الفلسفة إلى مصطلح ولعب بالألفاظ من أجل البروز على مستوى الجماهير وكذلك السلطة، شأنهم كالمتعالمين الذين سبق أن عرضنا لأوصافهم وتحريفهم لمفهوم العلم ووظيفته. ومن ثم غلب على الساحة الاصطلاح الفلسفي الفارغ من المحتوى بدل الفلسفة بمفهومها السليم العامر وطلب الحكمة ومحبتها وبالتالي موافقتها وخدمتها لأحكام الدين الحق حينما يصفو العقل وينصف.

إذ أصل وضع الشريعة في العالم وسببها كما يقول محيي الدين بن عربي: "طلب صلاح العالم ومعرفة ما جهل من الله مما لا يقبله العقل أي لا يستقل به العقل من حيث نظره فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة ونطقت بها ألسنة الرسل والأنبياء عليهم السلام فعلمت العقلاء عند ذلك أنها نقصها من العلم بالله أمور تممتها لهم الرسل، ولا أعني بالعقلاء المتكلمين اليوم في الحكمة وإنما أعني بالعقلاء من كان على طريقتهم من الشغل بنفسه والرياضات والمجاهدات والخلوات والتهيء لواردات ما يأتيهم في قلوبهم عند صفائها من العالم العلوي الموحى في السموات العلى، فهؤلاء أعني بالعقلاء، فإن أصحاب اللقلقة والكلام والجدل الذين استعملوا أفكارهم في مواد الألفاظ التي صدرت عن الأوائل وغابوا عن الأمر الذي أخذها عنه أولئك الرجال، وأما أمثال هؤلاء الذين عندنا اليوم لا قدر لهم عند كل عاقل، فإنهم يستهزئون بالدين ويستخفون بعباد الله ولا يعظم عندهم إلا من هو معهم على مدرجتهم قد استولى على قلوبهم حب الدنيا وطلب الجاه والرياسة، فأذلهم الله كما أذلوا العلم وحقرهم وصغرهم وألجاهم إلى أبواب الملوك والولاة من الجهال، فأذلتهم الملوك والولاة، فأمثال هؤلاء لا يعتبر قولهم، فإن قلوبهم قد ختم الله عليها وأصمهم وأعمى ابصارهم مع الدعوى العريضة أنهم أفضل العالم عند نفوسهم"[5]

وهذا تصوير رائع ودقيق للبطالة الفكرية عند هؤلاء المتفلسفة الذين تطفلوا على الفكر والحكمة وحولوها إلى ميدان للارتزاق والانزلاق، بل إلى الزندقة والمروق، لا يختلفون من حيث الهدف النفسي مع كثير  ممن يسمون أنفسهم بالعلماء والفقهاء ،الذين يبيعون الفتاوى في سوق المزاد ويوالون كل من أصبح يسود السواد، رغم أنهم ليس لهم من العلم إلا الاسم، وليس لهم من شكله إلا الرسم، فاغتر بهم العامة والجمهور كما غرروا أيضا بالخاصة من الحكام والولاة، وبالتالي استفتوا فأفتوا بغير علم وبرزوا بغير حكمة ولا حلم، فكانت الطامة والبلية الكبرى التي ابتلي بها المسلمون وتقاعس بسببها عن الجهاد والمجاهدة: الحكام والمحكومون معا!

وهنا كما يقال:قد  استوى الماء والخشب وتآكلت النار والحطب واختلط الحابل بالنابل واحترق القدر ولم يعد تنفع معه توابل! لأن فساد العلماء والحكماء مؤشر بفساد العامة والأمراء، طالما أن هؤلاء الأخيرين لم يتفطنوا لخطر فساد أولئك ولم يلجأوا إلى الاستنصاح بأهل الصلاح لترميم ما تم هدمه، وأي هدم أخطر على الناس من هدم القلوب وتحريف العقول وتبريد المشاعر والإحساسات وقتل الوجدانات وتزييف السلوكات!؟

عن حذيفة بن اليمان قال: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، ثم قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"[6].

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

[1]  ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1 ص 540.

[2]  طيب تيزيني: من التراث إلى الثورة، ص 55-56.

[3]  الجابري: بنية العقل العربي، ص 253-255

[4]  الجابري: بنية العقل العربي، ص 259.

[5]  ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1 ص 325.

[6]  رواه البخاري في كتاب: "بدء الخلق" باب علامات النبوة في الإسلام.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5036 المصادف: 2020-06-19 13:38:58