 قضايا

الخطاب الدينى بين مطرقة الحداثيين وسندان الأصوليين!

هاني عبدالفتاح شورةتراثنا فى فقه الخطاب الدعوى تراث أصيل ، ضارب بجذوره فى عمق الثقافة الاسلامية، وقد تم التأسيس لهذا الخطاب بقوله تعالى (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيل وهو اعلم بالمهتدين) ولو لم يكن هناك مرجع فى الخطاب الدينى سوى هذه الأية لكانت كافية فى بيان ماهية الخطاب الدينى المتوازن ولكانت ايضا فاضحة لواقع كثير من الخطباء الذين يعتلون المنابر او يطلون على شاشات التلفاز او تأتينا أصوتهم عبر أثير المذياع أو من يكتبون فى الصحف والدوريات فى وقت اصبح فيه الخطاب الدعوي خطابا ميكافيلليا لا يعبء بحال المخاطبين بقدر ما يعبء بالحصول على اعجاب الجماهير . بالعودة الى قوله تعالى من سورة النحل "ادع الى سبيل ربك ....." نجد ثمة اجماع بين جمهور المفسرين انها نزلت على النبى –صلى الله عليه وسلم-  بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمر الله –عز وجل- له أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، اذا فهذه الاية انما نزلت لتوجيه المسلمين الى صيغة وطبيعة الخطاب مع غير المسلمين وان كان الامر كذلك فانها بين المسلم والمسلم أولى .

نلحظ فى هذه الاية ايضا ان الضابط الاصيل فى الخطاب الدعوى ركيزته "الحكمة" ويكفينا ان نقف عند معناها اللغوى فهو كفيل بتقريب الصورة الى الاذهان فالحكمة – بكسر الحاء والكاف – مأخوذة من كلمة الحكمة – بفتح الحاء والكاف- وهى الحلقة التى توضع فى فم الدابة فتمنعها من العبث اثناء سيرها، وقياسا لهذا المعنى اللغوى على حال الخطباء او العاملين فى حقل الدعوة بشكل عام معناه ان يكون لدى الداعيه بصيرة نافذه تجعله يحدد الاولويات قبل الخوض فى اطروحته، ثم يحدد الاسلوب الذى يتناسب مع حال المخاطبين وخلفياتهم الثقافية حتى لا يتحول خطابه الى مجرد جعجعة لا طائل من ورائها ولا فائدة.

على مدار اعوام طويلة مضت كدنا ان نصاب بحالة من الغثيان وذلك لانحراف الخطاب الدينى عن مساره الصحيح اما الى تشدد بغيض يتنافى مع الطبيعة السمحة للاسلام  وينم عن سوء فهم للنصوص، واما الى ميوعة لا يرجى من ورائها سوى اتباع الهوى، والاسلام برىء من هذين النوعين الذين لا يقل احدهما خطورة عن الاخر، مما جعل تنقية التراث ضرورة ملحة للتخلص من حالة التشويش التى لا ينجو منها المثقف او العامى، ولا يخفى ان تجاهل هذا المطلب قد يعطى ذريعة للمتطرفين لارتكاب أعمال تتنافى مع روح الاسلام بدعوى موافقة ما يرتكبون لاحداث او اخبار اوردتها كتب التراث كما هو الحال عندما احرقت داعش – دولة الخلافة الاسلامية –(المزعومة)!! فى العراق والشام – الطيار الاردنى معاذ الكساسبة حيا بدعوى ان ابا بكر الصديق تعامل بذات المنطق مع المرتدين بشاهد احراقه للفجاءة السلمى الذى اتى اليه يطلب سلاحا ورجالا لمحاربة المرتدين فجهز الصديق معه جيشا فراح يحارب المسلمين والمرتدين معا ويسلب اموالهم، فأرسل الصديق من خلفه جيشا فأوقعه فى الاسر ثم أمر باحراقه حيا  وهذا الرواية لا تصح على الاطلاق لان ما جاء فيها يتنافى اولا مع السمات الشخصية لابى بكر الصديق الذى كان يوصف بأنه رجل رقيق لا يميل الى العنف والشاهد فى ذلك ان النبى صلى الله عليه وسلم  استشاره فى غزوة بدر فى أمر الاسرى فما كان منه الا ان قال  "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا" ثم ان رواية احراقه للفجاءة السلمى هى رواية باطله مدار سندها -كما يقول علماء الحديث- على "علوان بن دَاوُدَ البجلي" وهو رجل مطعون في روايته، قال الحافظ بن حجر في لسان الميزان: "قال البخاري: علوان بن داود- ويقال بن صالح- منكر الحديث". كما علق الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد على هذه الرواية بقوله: "رواه الطبراني وفيه علوان بن دَاوُدَ البجلي وهو ضعيف وهذا الأثر مما أُنكر عليه". وروى العقيلي في "الضعفاء الكبير" عن يحيى بن عثمان أنه سمع سعيد بن عفير يقول: "كان علوان بن داود زاقولي من الزواقيل" والزواقيل هم اللصوص، اذا فهذه الرواية مدسوسة على كتب التراث ولعل من دسها كان يقصد الصاق هذه التهمة بابى بكر الصديق لحاجة فى نفسه، وعلى الرغم من ذلك اعتبر الدواعش هذه الرواية من المسلمات حتى يبرروا فعلتهم التى لا يقبلها عقل ولا يتلقاها قلب سليم، مما يجعل تنقية التراث من اولى اولويات اصلاح الخطاب الدعوى ولا خلاف ان المنوط بالقيام بهذا الواجب هو الازهر الشريف وذلك لانه هو المؤسسة الرسمية وايضا لانه يمتلك اليات الوسطية التى تمكنه من القيام بعمله على اكمل وجه وذلك بنص القانون الذى يقرر فى مادته رقم 103 لسنة 1961م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها نصوصه، ألزم مجمع البحوث الإسلامية وحده بهذه المهمة، حيث أصبح «مجمع البحوث الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية التى تقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث، وتعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسى والمذهبى، وتجليتها فى جوهرها الأصيل والخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة، وبيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة".

واختيار الازهر للقيام بهذه المهمة ليس اختيارا عشوائيا، وانما هو اختيار دقيق لما هو ثابت من تمسك الازهر بمبدأ الوسطية التى هى جوهر هذا الدين، والتى كان من اسوأ نتائج تجاهلها افراز فريقين متصارعين كلاهما يريد ان يجر الازهر الشريف الى دائرة الصراع ويستميله الى جانبه حتى يضفى على مشروعه شيئا من الشرعية، يتفق هذان الفريقان فى شىء ويختلفان فى اشياء، وربما كان القاسم المشترك بينهما هو الخلط بين المقدس والتاريخى مع وجود حالة من التشويش فيما يخص مصطلح "التجديد"   وتحديد اولوياته، الفريق الاول هو فريق المحافظين او ان شئت فقل الأصوليين الذين يرون التراث مقدسا على الجملة لا يصح التخلى عن شىء منه، بل يتأولون للضعيف حتى يصير قويا، ويساندون المعوج حتى يبدو للعيان مستقيما، ويبدو ان توجه الاصوليين نابع من تلك الحالة النفسية التى تنتاب البشر فى تعلقهم بماضيهم وحنينهم واشتياقهم اليه الى درجة عدم قبولهم بالتخلى عن اى من اجزائه مهما كان قاسيا او مخالفا! فكل انسان ينظر الى ماضيه متندرا عليه مكنا له الاجلال والاحترام الذى قد يتحول مع الوقت الى تقديس لا يقبل المفارقة او التخلى، وقد اوهم هذا الفريق قطاعا عريضا من الناس ان ثمة عداوة بين الدنيا والاخره وبين الدين والعقل، وقد كان من نتائج هذه الحالة الشعورية لدى الاصوليين النظر الى مقولة التجديد على انها مقولة سيئة السمعه، وان ما خفى من مضامينها اسوأ بكثير مما يبدو للعيان، مع ان التجديد هو سنة الحياة، وقد شاءت ارادة الله عز وجل للبشر ان يدركوا هذه السنه دون عناء، فالشمس حين تنشر شعاعها كل صباح لتغمر الكون بالنشاط والحركة، وحين يتمطى القمر كل ليلة ليعلن حالة السكون والاسترخاء، وبقليل من التامل لجريان النهر الذى لا ينزله المرء مرتين لهو أقوى دليل على أن التجديد هو قانون الوجود، وبالبحث فى جذور هذا الاتجاه ومنطلقاته الفكرية اضافة الى مبرراته وجدنا كلاما نفيسا لوزير الاوقاف الاسبق الدكتور حمدى زقزوق -رحمه الله- حين أرجع منطلقات هذا التيار الى الظروف التى عاشتها الامة الاسلامية بعد أفول شمس الحضارة فى الاندلس اضافة الى الاطماع الاستعمارية فى العالم الاسلامى وفى ثرواته، ومن شدة خشية التيار المحافظ على الدين من الضياع تمسك بالقديم وعض عليه بالنواجذ، واغلق الابواب والعقول حتى لا تستقبل أى جديد ثقافى وافد قد يزعزع اركان العقيدة ويتسبب فى ضياع تراث الامة، ويعمل على محو شخصيتها، وقد كان لهذه العزلة الثقافية وهذا الانغلاق الحضارى اثار سلبية عمقت الانغلاق الفكرى والتخلف الحضارى وتجلى ذلك بوضوح فى العديد من المظاهر التى تعبر جميعها عن مدى تخلف الفكر الدينى فى محيطنا الاسلامى الى يومنا هذا.

وقد كان من ابرز مظاهر هذه الحالة اغلاق باب الاجتهاد وتعطيل العقل،ولا يخفى ما للاجتهاد من منافع فى تجديد حركة الحياة ووصل الحاضر بالماضى، والعمدة فى الدلالة على هذا المعنى ما صح ان النبى صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل الى اليمن قاضيا سأله يريد ان يطمان الى سلامة العقل المسلم فى التعامل مع النصوص فقال " بماذا تقضى اذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله قال : فان لم تجد فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله قال فان لم تجد؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو. والسؤال : ما هو الحال اذا عرضت للامة الان مسألة لم يأت بيانها تفصيلا  فى كتاب الله أو فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل المطلوب الاخذ باجتهاد معاذ بن جبل رضى الله عنه! ام الاخذ باجتهادات اهل الزمان من العلماء الراسخين فى العلم، مع مراعاة طبيعة الزمان والمكان!

من مظاهر هذه الحالة ايضا اختزال الاسلام فى الشعائر التعبدية مع المبالغة فى الحديث عن الغيبيات والمبالغة فى التبديع ايضا، اضافة الى التقليد الاعمى للسابقين مع ان الاسلام كما يقول الاستاذ محمد عبده " أنحى علي التقليد، وحمل عليه حملة لم يردها عنه القدر، فبددت فيالقه المتغلبة على التفوس، واقتلعت اصوله الراسخة فى المدارك، ونسفت ما كان له من دعائم واركان فى عقائد الامم، صاح بالعقل صيحة ازعجته من سباته، وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها، وجهر بأن الانسان لم يخلق ليقاد بالزمام، ولكنه فطر على ان يهتدى بالعلم والاعلام، أعلام الكون ودلائل الحوادث.

وفى ذلك اضرب مثالا لقضية اخذت من جهد المسلمين اكثر مما اعطت وانشغل الناس بها عما هو اسمى فى ادارة حركة الحياة وعجلة الانتاج، وكانت محل خلاف كبير يذدرى الناس بعضهم بعضا بشانها وهى قضية اسبال الثياب، وهى من القضايا الفرعية التى ما كان ينبغى الانشغال بها والاستغراق فى استقصائها، وانا هنا اذكر تعليقا لثلاثة من اقطاب الاصولية فى العصر الحديث فى مؤلف لهم يشرحون أحاديث رياض الصالحين للنووى (رحمه الله)، وهم يعلقون على بعض احاديث النبى (صلى الله عليه وسلم) التى جاءت فى شأنها، فأوردوا فى هذه المسالة جملة من الاحاديث اذكر منها :

- ما رواه ابو هريرة (رضى الله عنه) عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال ما اسفل من الكعبين من الازار ففى النار. رواه البخارى

- ما رواه  ابو ذر (رضى الله عنه) عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال: فقراها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرات قال ابو ذر خابو وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. رواه مسلم.

 - ما رواه ابو هريرة (رضى الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا ينظر الله يوم القيامة الى من جر ازاره بطرا .متفق عليه.

- ما رواه ابن عمر (رضى الله عنه) ان النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة فقال ابو بكر الصديق يا رسول الله ان ازارى يسترخى الا ان اتعاهده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انك لست ممن يفعله خيلاء. رواه البخارى

- ما رواه ابو هريرة قال بينما رجل يصلى مسبل ازاره قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء فقال اذهب فتوضا فقال له رجل يا رسول الله مالك امرته ان يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال انه كان يصلى وهو مسبل ازاره وان الله لا يقبل صلاة رجل مسبل. اخرجه ابو داوود وهو ضعيف.

وحديثا ابن عمر وابى هريره كانا كافيان تماما لانهاء المسالة واغلاق بابها وذلك لوضوح علة النهى فى الحديث وهى الخيلاء و البطر ومع ذلك ففى شرحهم لهذه الاحاديث تم المرور سريعا على حديث ابى بكر، مع الاكتفاء بتضعيف قول النووى رحمه الله بتحريم الاسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء، ولم يتم الالتفات الى رواية ابى هريرة على الاطلاق، ثم جاء التعليق الصادم وانا انقله هنا نصا كما جاء فى الجزء الثانى من الكتاب ص 562 الفقره الخامسه " والصحيح انه حرام – اى الاسبال- سواء كان لخيلاء ام لغير خيلاء، بل الصحيح انه من كبائر الذنوب لان كبائر الذنوب : كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصه، ففيه الوعيد بالنار اذا كان لغير الخيلاء، وفيه وعيد بالعقوبات الاربع اذا كان خيلاء، لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر اليه، لولا يزكيه، وله عذاب اليم" ثم جاء التعليق على الرواية الثانية لابى هريرة وهى رواية المسبل فى الصلاة ومع القطع بضعفها، الا ان الشارحين الثلاثة افردوا لها صفحة ونصف، ليختموا حديثهم فيها بحالة من الحسرة على ضعف هذا الحديث بقولهم " وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا فى النزاع، لكنه ضعيف....!

فهل هذا من الاسلام الذى اتى بالتيسير على الناس ورفع الحرج عنهم؟ وهل هذه هى الصورة التى نريد ان ننقلها عن هذا الدين، انه دين يتوعد اتباعه يوم القيامة بالعذاب الاليم لاى سبب سواء من باب العبادات او العادات ! لا شك ان مثل هذه الاطروحات تسىء الى هذا الدين العظيم، وهى لا شك كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذب فى اختلاق النصوص وكذب تحميل النص الصحيح ما لا يحتمل.

العجيب فى الامر ايضا ان بعض المعاصرين يحاول أن يقصر فهم وتدبر القران على سلف الامة (رضى الله عنهم) دون غيرهم، مع تعطيل لحركة التفسير وقصرها على تلك المؤلفة فى القرون الاولى بحجة ان السابقين قد استقصوا القران ومعارفه ولطائفه، ولم ينقصوا منها شيئا!! وقد أطلق هؤلاء قولا،جعلوه قاعدة عامة وهو قولهم: ما ترك الاول للاخر" مع ان هذا يتعارض مع كون العقول تتفاوت فى تلقيها وادراكها وتحليلها والنبى (صلى الله عليه وسلم) يقول "من يرد الله به خيرا يفقه فى الدين وانما انا قاسم والله يعطى ولن تزال هذه الامة قائمة على امر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى امر الله" صحيح البخارى،  كما أن تلك الدعاوى من شأنها ان تجمد القران الكريم عند زمان محدد ووقت محدد وهذا يتعارض مع طبيعة التطور المكانى والزمانى الذى يتطلب تفسيرات بل وحلول لكثير من المشكلات المعاصره .

اما الفريق الثانى فهو الذى يمثل تيار الحداثة، وهذا التيار تكون فى ثلاث حقب متباعدة:  الحقبة الاولى تزعم لوائها جلال الدين السيوطى وهو من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري وله أرجوزة مشهورة سماها "تحفة المهتدين بأخبار المجددين" بين فيها أسماء المجددين من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجري وغيره كثيرون واما الحقبة الثانية فمثلها جلال الدين الافغانى وتلميذه محمد عبده والشيخ شلتوت والفليسوف الجزائرى مالك بن نبى وهو يستحق التوقف عنده قليلا فقد كانت جهوده في بناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسة المشكلات الحضارية عموما متميزة، سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو من حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك،وهو أول باحث يحاول أن يحدد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجا محددا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

 لهؤلاء المجددين -السالف ذكرهم- فى شأن التجديد جهد عظيم يستحق الرجوع اليه والاهتداء به، واما من اتى من بعدهم وهم الذين يمثلون الحقبة الثالثة فجهودهم اقل من أن تذكر فى هذا الموضع ومحاولاتهم محاولات هزيلة وخبيثة فى كثير من الاحيان ولا تستحق الالتفات اليها او الوقوف عندها، اضافة الى ان هذا التيار يلقى مقاومة ورفضا على نطاق واسع، فالسواد الاعظم منه من غير ذوى الاختصاص، ويكفى فى العزوف عن اطروحاتهم اعتقادهم انه ما من سبيل لتصحيح المفاهيم الا باضرام النيران فى كتب السنة بل فى كتب التراث جميعا بلا استثناء، وان نجعل القران هو الحكم الوحيد فى ادارة عجلة الحياة، وهذا لا شك اجتراء كبير، وسوء فهم لوظيفة السنة النبوية المطهرة فى تقريب البعيد وتوضيح الغامض، وحجتهم فى هدم التراث المقارنة بين مجتمعات مسلمة مازالت فى طور النمو ومجتمعات غربية اخترقت الفضاء دون الحاجة الى صحيح البخارى ومسلم، ولا يعنيها الفارق بين الوضوء التيمم، وهذه المقارنات هى مقارنات جائرة لا اظن الغاية من ورائها المقارنة بين مجتمعين بقدر ما هى مقارنة بين ايمان والحاد، وبين تحرر مطلق وقيود مشروعه، والدليل فى ذلك ان هذه المجتمعات المتهمة بالتخلف والرجعية هى ذاتها التى وضعت اول لبنة فى طور التنمية البشرية، وان هذه المجتمعات المسلمة هى التى انجبت الخوارزمى الذى لولاه لما استطاع من يدعى ذلك كتابة او طباعة الورقة التى يقرأ منها عن تخلف المسلمين ورجعيتهم.

ختاما فان التراث هو بالأساس منتج بشرى قد يخضع فى كثير من الاحيان للانطباعات الشخصية أو الانفعالات الداخلية او لطبيعة العصر الذى أنتج فيه، ونحن لا ننكر أن فى تراثنا سواء التفسيرى او الحديثى أو الفقهى أو حتى التاريخى كثير مما يجب العناية بمراجعته وتنقيته مما علق به خاصة بعد القرون الثلاثة الاولى نتيجة لحركة الصراع المذهبى والفكرى التى انهكت قوى المسلمين وشغلتهم عن حركة التطور والعمران لقرون متعاقبة، وكان نتيجة لذلك هذا الكم الهائل من المرويات الضعيفة والموضوعة والمكذوبة التى لا تقل شانا عن النفايات الخطرة التى يجب التخلص منها واهالة التراب عليها. والتراث في نظر الإسلام غير مقدس، فالفقه والتفسير، وكذلك العلوم المتعلقة بالقرآن والسنة، كل ذلك ليس بمقدس؛ لأنّه من فعل البشر. ومن هنا فكل ما هو تراث قابل للمراجعة وغير متسم بالعصمة، على خلاف النّص القرآني الكريم، والسنة الشريفة، ونفى القداسة عن التراث لا يعني الاستهانة والاستخفاف به، او ان نطرحه جانبا، بل ان الواجب هو العناية به وتنقيته مما علق به، ولا نخفى ان محاولات فردية كثيرة جرت فى هذا المضمار تاليفا وشرحا وتحقيقا، لكن يبقى العمل المؤسسى هو الحل الناجع من خلال تشكيل هيئة مستقلة من العلماء الربانيين الذين يتميزون بروح التجديد المنبثقة عن أصالة في الفكر والانتماء. تضم هذه الهيئة كافة التخصصات الشرعية والادبية والمدنية تحت مظلة الازهر الشريف، يكون دورها التوسع فى حركة التحقيق والمراجعة، واصدار الموسوعات العلمية، وان تكون الخطط البحثية لجميع الاقسام بالكليات الشرعية والادبية –للعشر سنوات المقبلة على الاقل- هى شرح وتحقيق التراث وتنقيته مما علق به، مع تحقيق للوقائع التاريخية، وتشخيصها، وتوصيفها، ومناقشتها، وربط الحاضر بالماضى بغية خلق حالة من الوعى لدى الانسان تمنحه القدرة على التحرر من سلبيات التاريخ وتساعده في التمييز بين ما هو تاريخي وما هو مقدس.

 

دكتور/ هانى عبد الفتاح شوره

أكاديمى مصرى

مدرس بكلية التربية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5050 المصادف: 2020-07-03 02:47:06