 قضايا

السياسيّون في العراق.. لماذا فشلوا؟(2)

قاسم حسين صالحتحليل سيكوبولتك

 يعدّ (فشل العملية السياسية في العراق) هي السبب في كلّ ما اصاب العراقيين من فواجع وما حلّ بالوطن من خراب، وان من واجب الأكاديميين تشخيص اسبابها، ليس بمقالات تميل الى الذاتية وان كانت رصينة، بل بدراسات تستوفي شروط المنهج العلمي من حيث الصدق والموضوعية.

تناولت الحلقة الأولى تحليلا لنتائج دراستين (2016 و 2020).. ونخصص هذه الحلقة لمناقشة النتائج والتوصيات التي تهم حكومة السيد مصطفى الكاظمي والمعنيين بالشأن السياسي بهدف دعم عملية الأصلاح وتأمين نجاحها.

مناقشة النتائج

 احتل (التعصب او عدم النضج السياسي) المرتبة الاولى في اسباب فشل العملية السياسية في العراق، وهو تشخيص صائب.ولفهم ذلك نوضح ان المعنى العلمي للتعصب يعني (النظرة المتدنية لجماعة او خفض قيمتها او قدرتها او سلوكها او صفاتها ليس له اساس منطقي).

وما حصل بعد 2003 ان العملية السياسية صنفت العراقيين الى (نحن - الشيعة) التي تبالغ وتعظّم ايجابياتها وتغمض عينها عن سلبياتها، و(هم – السنّة ) الذين يضخمون سلبياتها ويغمضون عيونهم عن ايجابياتها.. وتبادل الأدوار بينهما على مدى سبعة عشر عاما.

 ومع ان الغالبية المطلقة من السياسيين العراقيين مصابون بهذه (العلّة)، فانها متضخمة اكثر عند السياسيين من الطائفتين السنية والشيعية.وبهذ المعنى فأننا نصف السياسي العراقي، سيكولوجيا، بانه (احول عقل).. وهو خلل ادراكي يؤدي الى استقطابات تعصبية تعمل على اشاعة الكراهية بين افراد الجماعات الطائفية والقومية على صعيد الناس، وخلق الازمات على صعيد السياسة، وتغليب مصالح الطائفة او الجماعة على صعيد الثروة الوطنية.

 واحتل (عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية) المرتبة الثانية. وسيكولوجيا، يتفق علماء النفس على ان الشعور بالانتماء حاجة اساسية لدى الانسان، لأنها تمنحه الأمان والحماية وتجنبه الشعور بالاغتراب النفسي والاجتماعي والسياسي.ويترتب على (الانتماء) التزام متبادل هو ولاء الفرد للجهة التي ينتمي لها(أسرة، طائفة، دولة.. .) مقابل حماية تلك الجهة له.ويكون الولاء هنا مرتبطا بالهوية المصحوب بنوعين من الشعور:التباهي، حين تكون الجهة متمتعة بالهيبة والقوة والاعتبار، وبنقيضه.. التباهي العصابي حين تكون تلك الجهة ضعيفة.وطبيعي أن الانتماء لجهتين في آن واحد يكون اقوى للجهة التي تتمتع بالاعتبار والتباهي بهويتها، واقوى للجهة التي تؤمن له حاجته الى البقاء.

 هذا يعني ان معظم السياسيين العراقيين من مزدوجي الجنسية، لاسيما امريكا، بريطانيا، كندا، السويد، يكون ولاؤهم للعراق ضعيفا، مقارنة بسياسي عراقي وطني ليس لديه انتماءان، او جنسيتان. فضلا عن ان المستجيبين اشاروا الى ان السياسيين يعانون من (عقدة الدونية لانهم عاشوا على الرعاية الاجنبية والعيش على فتات موائد اسيادهم)، وانهم (ما ان حدثت الازمة الحالية فان معظم النواب ذهبوا الى اوطانهم البديلة).

 في المرتبتين الرابعة والخامسة جاء السببان:

 - اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية، و

- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة.

 السبب الأول يفيد بان السياسي العر اقي لا يمتلك ارادته الوطنية، بل هو يعمل او يخضع او ينفذ توجيهات دولة خارجية يرتبط بها سياسيا او مذهبيا او قوميا او مصلحيا.ويتفق المحللون السياسيون على ان اقوى ثلاثة دول كان لها دور رئيس في العملية السياسية العراقية هي اميركا وايران والسعودية.واذا استثنينا اميركا بوصفها دولة محتلة تهمها مصالحها والموقع الاستراتيجي للعراق بوصفه الدولة الاولى التي سيبدأ منها تغيير خارطة الشرق الأوسط، وانها هي التي جاءت بهم ولا تهمها هوية السياسي العراقي، فان ايران والسعودية يذكيان الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في العراق، وان السياسي العراقي اضطر الى ان يسند ظهره الى الدولة التي تحميه في اوقات الازمات.ويعني هذا ان غياب الارادة السياسية الوطنية السيادية كانت احد اهم اسباب فشل العملية السياسية في العراق، والسبب الرئيس في اعادة انتاجها للأزمات.

 اما السبب الثاني فهو سيكولوجي خالص، اذ يرى السياسيون الذين كانوا في المنافي زمن النظام الدكتاتوري، ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة تعويضا لهم عن التضحيات التي قدموها سواء كانت تصفيات جسدية لأقرباء او اعضاء في تكتل او حزب معارض ينتمون اليه، او مادية ترتب عليها معاناة حياتية قاسية.

 وفي هذا خطئان كبيران، الأول: انهم ينظرون الى الناس الآخرين انهم كانوا من الخانعين او الراضين على النظام السابق الذين لا يحق لهم المطالبة بما سكتوا عنه من ظلم وهدر كرامة وحياة قاسية.والثاني:ان تفكيرهم هذا يقودهم الى ما يؤمن لهم البقاء في السلطة ويضمن لهم مصالحهم الاقتصادية والاعتبارية.. وهذا يفسر احد اسباب فشل الحكومة في ادارة شؤون الدولة.

 التوصيات

 في ضوء النتائج اعلاه، نوصي بالآتي:

 أولا: للمعنيين بالشأنين السياسي والأعلامي:

- اصدار تشريع او قانون يرتّب عقوبات مادية ومعنوية، بما فيها السجن ضد كل سياسي تتضمن خطاباته تحريضا طائفيا او تعصبا عنصريا او عشائريا.

- قيام وسائل الاعلام ورجال الدين والمؤسسات التربوية ومنظمات المجتمع المدني باشاعة ثقافة المواطنة والتسامح والسلام بين مكونات المجتمع العراقي.

- اجراء استفتاء بشأن اصدار قانون ملزم لا يسمح فيه لمن يحمل جنسيتين الترشيح لعضوية مجلس النواب، او تولي مسؤولية حكومية بمنصب مدير عام فما فوق، بدءا من الأنتخابات القادمة.

- اشاعة الوعي الانتخابي بين الناس وافهامهم بأنهم كانوا أحد الأسباب في توالي الخيبات والحياة البائسة التي عاشوها لأنهم جاءوا باشخاص اتفق الجميع على ان غالبيتهم فاسدين، وان الطريق لحياة كريمة يكون باعتمادهم معايير الكفاءة والنزاهة والولاء للعراق في الانتخابات القادمة.

- قيام القوى العلمانية والوطنية وشباب التظاهرات بتوحيد صفوفها على وفق استراتيجية سياسية واضحة منطلقة من حقيقة ان قوة السلطة الحاكمة تكمن في فرقة هذه القوى، وان توحدّها يشكّل ضغطا على سلطة فاشلة سياسيا لأنها مؤلفة من احزاب لا تملك استراتيجية لبناء دولة.

- اقامة دورات ثقافية لأعضاء مجلس النواب تتضمن موضوعات في سيكولوجيا التعامل مع الازمات واخرى في الصحة النفسية.

ثانيا:خاصة بحكومة السيد الكاظمي:

 - فرض سلطة الدولة بما يؤمن امتلاكها الأرادة الوطنية وقرارها السياسي واعادة الهيبة للعراق.

- اعتماد الحكمة في التعامل مع مرحلة حرجة وخطيرة مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها مواجهة مع قوى خارجية واحتراب طائفي سياسي.

- دعوة السيد الكاظمي الى احاطة نفسه بمستشارين في الاختصاصات كافة، يقولون له الحقيقة لا ما يحب ان يسمعه.. كسابقيه!

- تأمين انتخابات نزيهة وشفافة باشرف الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الانسان، بوصفها هي طريق الخلاص من الازمات وتوالي الخيبات.

- و.. القيام باصلاحات تزيل التشكيك وتولد اليقين لدى العراقيين، بما فيها تشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاكمة الفاسدين الذين وصفتهم المرجعية بـ(الحيتان)، واسترجاع المليارات التي نهبوها، وتأمين حياة كريمة في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية. 

 شكر وامتنان:

يتقدم الباحث بجزيل الشكر والامتنان لكل الذين شاركوا في الاجابة على هذا الاستطلاع في عاميه (2016 و2020).. فبدونهم ما كانت هذه الدراسة.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5052 المصادف: 2020-07-05 13:22:21