 قضايا

مؤاخذات الصعيدي ونقداته لمخالفيه في التجديد (2)

عصمت نصارلم يرد "الصعيدي" من نقداته ومثقفاته لأصحاب المشروعات الإصلاحية والخطابات التوجيهية، كما أشرنا في المقالات السابقة، الترويج لمذهب أو الانتصار لرأي أو الحط من شأن من يناظرهم, بل كانت موافقاته وخلافاته حول مدى استيعاب المجددين للمقاصد الشرعية التي جعلها الأساس الذي يجب على المجددين التعويل عليه والعمل من أجل تحقيقه.

فقد أقر "محمد رشيد رضا (1865-1935م)"، و"محمد فريد وجدي"، و"أمين الخولي (1895-1966م)" على أصالة التجديد في الإسلام من حيث قابلية أصوله الشرعية والعقديّة للاجتهاد والتطور، وكذا سمات المجدد وطبيعة رسالته والكثير من أحكامهم على المجددين المعاصرين.

وقد وافق الصعيدي أيضاً جمهور علماء المسلمين في حكمهم على (البابية، البهائية، والقاديانية) وكان، في نقداته لهم، أقرب إلى الإمام "محمد عبده"، و"محمد رشيد رضا"، و"محمد فريد وجدي" الذين وصفوا هذه الفرق بأنها فرقٌ ضالة مضلة شأنها من الإسلام شأن الباطنية، غير أن الصعيدي قد تجنب التصريح بكفرها الذي أقرته لجنة فتوى الأزهر وبعض رجالات الدين ومنهم "سليم البشري (1832-1916م)"، و"الخضر حسين (1876-1958م)"، و"محمد الفحام (1894-1980)"، و"محمد خاطر (1913-2004)"، وغيرهم. وذلك لأنه يرفض تماماً اتهام الجانحين والملحدين والمتطرفين بالكفر مقتفياً بذلك سيرة أستاذه محمد عبده. الذي كان يرى أن : جنوح تلك الفرق يرجع الى فهم خاطئ لأصل الدين ومقصده شأنهم شأن المرضى والحمقى والجهلاء ومثل هؤلاء لا يُكفرون ولا يُقتلون بل يُقومون ما دامت أخطأهم غير متعمدة، وأن أقوالهم لا تؤثر على المجتمع ولا تحرض على العنف الذي يستوجب حين ذاك محارباتهم لخيانتهم وتعمد إفسادهم للمجتمع والدين.

ومضى الصعيدي مع جمهور العلماء في أن السبيل لمجابهة هذه الفرق ليس التكفير أو التنديد أو التحذير بل عرض كتبهم عرضاً نقدياً للكشف عن أباطيلها وفضح أغراضها.

ولم يكن خلاف "الصعيدي" مع الاتجاه المحافظ الرجعي وبعض المتشددين المعاصرين خلافاً على مفهوم وأسس التجديد أو المبادئ التي تحدد وظيفة المجدد، بقدر ما كان خلافه معهم حول المنهج المتبع وسبل تطبيق الغايات، ومن ثم حول مفهوم الأصولية الإسلامية.

فالتجديد عند "أبي الأعلى المودودي (1903م-1979م)" وأنصاره يعني: تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصاً محضاً على قدر الإمكان، والمجدد هو صاحب البصيرة النفاذة والفكر المستقيم بلا عوّج، والقدرة على القيادة، والتوسط بين الافراط والتفريط، والتفرقة بين ظلمة الجاهلية ونور الإسلام، وذلك بابتعاده عن التلفيق بين النظم العصرية والثوابت العقديّة، ومحاربته البدع والشطحات، وتحديد مواضع الخلل في المجتمع الإسلامي، وإصلاحه عن طريق الضرب والشذب، والانقلاب الفكري الذي يرمي إلى طبع عقائد الناس ومشاعرهم ووجهة نظرهم الخلقية بطابع الإسلام، وإصلاح نظم التعليم والتربية وإحياء العلوم والفنون الإسلامية، وبعث العقلية الإسلامية الخالصة من جديد، وفتح باب الاجتهاد الذي يعني فهم كليات الدين واتجاه الأوضاع المدنية والرقي العمراني في عصره، ورسم طريق لإدخال التغيير والتعديل على صورة التمدن القديم الموروث الذي يضمن للشريعة سلامة روحها وتحقيق مقاصدها، ويُمكِن الإسلام من الإمامة العالمية والكفاح المسلح ضد القوى السياسية المناهضة للإسلام، والاستيلاء على السلطة لإعادة بناء الخلافة الإسلامية ثم إخضاع العالم لهذا النظام.

ويرى أنصار هذا الاتجاه - ومنهم جماعة الاخوان المسلمين والسلفية الجهادية - أن المجدد الحق هو الذي يستطيع أن يحقق كل الغايات، وهو نائب المهدي المنتظر الذي سوف يأتي في آخر الزمان بعلمه وقدرته على الموائمة بين علوم الدين والدنيا، وبالجهاد الذي يحقق عالمية الإسلام.

وقد وضع هؤلاء "ابن تيمية 1263-1328م" في صدر المجددين الذين فهموا المعنى الحقيقي للتجديد في الإسلام - وفق وجهة نظر أصحاب ذلك الاتجاه - وذلك لحملته على العلوم الفلسفية والبدع الجاهلية وخرافات الصوفية وأكاذيبها، وتحريضه المسلمين على إرهاب التتار بالسيف.

ويمكننا أن نتبيّن أن "عبد المتعال الصعيدي" و" أبا الأعلى المودودي" قد اعتمدا في دعوتهما للتجديد على الثوابت الشرعية والأصول العقدّية، وينحصر خلافهما في تفسير هاتيّك الأصول وفهمها، الأمر الذي انعكس بوضوح على موقفهما المتباين من العلوم العقلية والأفكار الفلسفية والنظم المعاصرة والتعامل مع ثقافة الآخر.

"فالصعيدي" يفضل سبيل المسايرة والمصالحة بين الثوابت الإسلامية والمتغيرات الحضارية بغض النظر عن مصدرها، والتجديد الهادئ والإصلاح الموافق لمنطق الدعوى الإسلامية، ولم يشترط على التعامل مع الآخر سوى عدم المساس بالأصول التي تحافظ على الهوية الإسلامية.

في حين نجد أن "المودودي" ومن بعده سيد قطب ( 1906 – 1966م ) والجماعات الإرهابية, تفضل طريق الصراع للدفاع عن الأصول والثوابت، مؤكدة أن إحيائها بعد تنقيتها من أثر الجاهلية، سوف يمكن المسلمين من سيادة العالم وإعادة بناء حضارتهم من جديد.

ورغم اتفاق الصعيدي معهم في أحقية الإسلام دون غيره من الملل والنحل؛ ليكون دستوراً للعالم، فإن كلا منهما قد اتخذ سبيلاً مغايراً للآخر لتحقيق هذه الغاية؛ إذ ذهب "الصعيدي" إلى أن الأصولية الشرعية هي التي ترشح الإسلام لعالميته، وذلك يرجع لما فيها من مبادئ سامية بداية من التسامح وانتهاء بالعدالة والسلام والأمر بالمعروف بغير منكر، والنهي عن المنكر بالمعروف، الذي تنشده جميع الأديان وجل الفلسفات المثالية الراقية. وعلى النقيض من ذلك نجد "المودودي" يتخذ من القوة العسكرية والجهاد المسلح للوثوب على السلطة السياسية ضرباً لاجتياح المجتمعات الجاهلة -على حد تعبيره- وذلك لتحقيق ما يُسمي (بالحاكمية والخلافة الإسلامية وأستاذية العالم).

"فالصعيدي" -كما بينا - يرغب في الحوار، أما "المودودي" فيحرض على الصراع، ومع أن كليهما ينادي بقيام ثورة تعمل على الموائمة بين الأمور الشرعية ومقتضيات أمور العصر الذي يعيشون فيه، إلا أن "الصعيدي" قد انتهج نهج "ابن رشد" لتحقيق ذلك، أما "المودودي" فآثر اقتفاء نهج "ابن تيمية" والوهابيين.

والجدير بالإشارة أن عبد المتعال الصعيدي قد نبّه الى خطورة آراء أبي الأعلى المودودي على الشبيبة، وبين أن جنوحه سوف يؤدي إلى ظهور عشرات الجماعات المتطرفة التي تغلب منطق الإرهاب والعنف والتطرف على غيره من النهوج الإصلاحية.

وحسبي أن أشير إلى أن منهج الصعيدي في التجديد لا ينحصر في هذه النماذج بل نجده في سائر القضايا التي تصدى لها.

(وللحديث بقية)

 

د. عصمت نصار

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5055 المصادف: 2020-07-08 03:03:11