 قضايا

دولةُ المُتملِّق: في ذهنية الاحتيال (1)

سامي عبد العالالتملُّق لونٌ من المداهنة والمخادعة لأصحاب السلطة، وبالوقت نفسه يكشف افتعال الحيل لاقتناص مآرب أخرى. ولهذا يشكل مجسَّاً لردود الأفعال والاستجابة لنتائجه في الواقع. أي أنه قد يعدُّ سلوكاً فردياً، لكنه يختبر أبنية الدولة وسياساتها داخل نطاقها الكلي. ولا سيما أننا بسياق ثقافي عربي قائم على أنماط القرابة والطوائف والقبائل والعشائر والأحزاب مؤخراً. وهذا أحدث فوضى شوّهت المجال التداولي العام. فهل يستردُ التملقُ – حتى بفضل رياح الحداثة- أصول تلك المكونات وخلفياتها التراثية؟! إنَّ التملُّق ظاهرة عربية فرَّخ آثاره في السياسة والاعلام والثقافة.. إنْ لم يزدد اتساعاً.

القضية بالغة الأهمية، فلن يتم أيُّ تنوير حقيقي دونما تصفية الذهنيات السائدة. أي حزمة الخلفيات والطرائق الحياتية التي خيّمت على العقل في عصور التاريخ الثقافي للعرب. واستطاعت تكبيله وتحجم فرص التفكير الحُر أمام أفراده. التملُّق هاهنا معيارٌ لفوضى الحياة العامة والتسلق وضياع المعايير وقيم الفعل ونهب الرأسماليات الرمزية من ابداع وفنون وآداب واتجاهات فكرية أصيلة. لأن المتملق يأخذ موقعاً لا يستحقه وفوق ذلك يزيح الأجدر بهذا الموقع. والأخطر أنه يدمر الإنسانية، حين تدمر أفعالُّه تكافؤ الفرص وعوائدها على المجتمع. وليس أقل من إهدار المستقبل، لأن التملق سيكون الخطاب البديل لتطور الواقع.

لُغوياً يكشف المعجم مستويات الدلالة في كلمة التملق. فعل تملق: تودّدَ إلى آخر طمعاً فيه، تملق: تذلل له، تملق اللحمَ أي مضغه مضغاً حتى يسهل بلعُه.. واللغة توصِّف أن التملق هو التقرب والالتصاق عمداً نيلاً لما يطمع صاحبه. ولولا "الطمع في.." ما كان " التودد إلى..". والبذل هنا ليس حقيقياً، بل مخادعاً لدرجة المرور الناعم. يقال فلانٌ أكل فلاناً، أي بلعه في جوفه بالكلام المعسول والزلِّق. فالكلام الناعم أشبه بعمليتي المضغ والطحن. والمداهنة والحيلة والاحتيال أشياء لا تخفى وراء الاشتقاق، بل هي النسغ مما يفعل المتملقون، هي الديدن السري المعروف ضمنياً.

ولم يفُت اللغةُ أن تصدم متلقيها بغائر الدلالة حين تعتبر التملق نوعاً من التضرع فوق العادة. فالتضرع لا يكون عادةً إلا لخلوص العبادة. وكأن المتملق يتحرش بالإخلاص داخل الإنسان السوي، وهو يفعل بالتأكيد. ومع تعميم الفكرة، فإن التملق العام يمس كلَّ إيمان حي في نفوس أصحابه. وبالتحول إلى الحداثة جاء الإيمان بفحواه اللاهوتي إلى قيم الحق والحقيقة في شكل قانون لا يقبل المداهنة، فالقوانين السياسية ممارسة شفافة تستأصل التملق لأنه لن يجدي مهما يكن. كما أن القوانين قوة لا تميل مع المضغ، لأنها غير قابلة للابتلاع مهما يكن الفم الذي يلوكها والضروس التي تطحنها. وهكذا تبدو السياسة هي مزرعة التملق الخصبة للمزيد من غرسها القاحل.

في الأنظمة السياسية الفاشلةِ، يصبحُ التملُّقُ قُوْتاً يومياً لممالأة السلطة القائمة، يبلغ ذروته مع نمط الجهل الغالب وعلاقات التواصل ونيل المكانة المزيفة. يتخذه المسؤولون سلماً إلى ما يبتغونه. وقد عبّدُوا درجاته (أو بالأحرى دركاته) بلُعاب المصالح والغنائم التافهة. لتترسخ بالأفق العام -الفقير إنسانياً- الأساليب النفسية واللغوية والخطابية للانخراط في هكذا حال. تدريجياً يعتاد الأفراد تشرُب التملق كمَن يغرز ساقيه في الأوحال، لا هو يستطيع خروجاً ولا إزاحة ما يعلق بهما.

حينما يأخذ التملُّق مظهراً حياتياً، فهو أشبه بالحاجات الأولية (له أعراضه – أدواته - أشكاله الخطابية – مراوغاته - علاماته الجسدية والحركية). التملق سياسة المراوغين لبلوغ المآرب والمنافع الضيقة، يتقيأ ما في جوفه من حيلٍّ تُروِّج لذهنية الأفراد والسلطة طالما كانت مجديةً لخفاء أغراضها. فلن يُفلت الحاكمُ أيَّ تملُّقٍ إليه دون زيادة هيمنته وتقوية قبضته من الدولة. إنَّ تملقاً بمعناه السابق لا يتم بوجهٍ واحدٍ، دوماً له وجهان يغذيان بعضهما البعض (ذهاباً وعودةً )!!

وعليه يتأسس نظامٌ سياسي يدجِّن فئات المجتمع ويُخضِعها لضغوطه طالباً الدوران في شِراكه المنصوبة. ثمة تبادل للمنافع عبر المناطق الرمادية بين الزبائن (المتملقين) والسلطة. مصطلح " دولة المتملَّق" دال على أنَّ شخصاً أو أفراداً هم الظافرون بفرص العيش الرغد والعلاقات النافذة. يمتلكون ما يستحيل امتلاكه من خدماتٍ ومكانةٍ، تحتضنهم الدولة الفاشلة كما لو كانوا أبناءها الوحيدين. لأنَّ المتملِّق امتدادها الفاشل، هو قادر على اشعارنا بكونه الأهم ولا غنى عنه طوال الوقت. كأنه يحل محل القانون ويدعي نبوته الدنيوية بين الحاكم وشعبه.

ومع تجليات اللغة كما سبقت، علينا أن نسأل: كيف نفهم دور المتملق- ثقافاً وفكراً وسيطاً- لانتشار جماعات المصالح؟ ألم تستطع الحداثة وما بعدها أن تهدد المتملقين بالانفتاح وشفافية تداول الأفكار وحرية النقد والتفكيك من الأساس؟

هناك عدة معادلات شبه رياضية ثقافية:

- تملُّق + نفاق + حيل وألاعيب = مكانة وحظوة (حركة صاعدة).

- تملق + مصالح + قرب أو بعد = علاقات السلطة (حركة هابطة).

- تملق + ضياع الكفاءة والمعايير + دجل السلطة = ثقافة التملق (حركة أفقية).

- رئيس متملَّق + بيع أوهام + تخبط واستبداد = سياسات كاذبة (حركة مراوغة.

- شعب خانع+ نظام سياسي كذوب+ انعدام قدرات= دوائر التملق (الوضع السائد).

وتلك الدوائر ليست سطحيةً إلى تلك الدرجة، لكنها أشبه بخيط العنكبوت التي ينسجها المتملقون (من أعلى إلى أسفل والعكس). وهي ما تنتج في حقبة من الحقب ثقافةً جاريةً تكتسح مجتمعاً عبر مستوياته المتداولة. فيغدو التملق لغةً لها ابجدياتها ومعجمها السياسي والوظيفي والاجتماعي والطقوسي. ويأخذ في التراكم والترسب حتى يضيِّع آفاق العلاقات الحقيقية ويجعل أيَّ حوار فاقداً لمفاهيمه ودلالاته. وعلى المدى التاريخي يؤسس التملق لنماذج معرفية وحياتية من الجماعات البديلة التي تأخذ قدرات الدولة. ومن حين لآخر تستقطب أصحاب المصالح على ذات الدرب. وتبدو كما لو كانت تقضي الحاجات والمنافع (باللهجة الدارجة) لكنها جماعات تخرِّب مفاهيم السياسة وتفخخ بناء المجتمعات (كالأقرباء والأعوان والموالي عند ابن خلدون) بالنسبة للحكام على دائرة أعمق وأكبر.

ذلك نتيجة لما نراه يومياً في أروقة الأنظمة العربية حيث يمثل النفاق وصنع الدسائس أبرز آليات الشأن العام. أشياء يتعلمها المسئولون نتيجة الدربة والخبرة في بطن القطاعات التي يعملون بها. وإذا كنا نعرف ضعف القوانين وتطبيقها وفشل الكوادر للنهوض بالمجتمعات العربية، فالمتملقون هم أصحاب الرأي والغلبة والسلطة والاستشارة والفتاوى والأحزاب ورؤساء الهيئات التعليمية والثقافية... ماذا بقي من جثة الدولة لم ينتشروا فيها كانتشار الديدان في الجيف العفنة؟!!

لقد كوَّن التملُّق لاوعياً جمعياً، ولا سيما لدى جماعات المصالح ومافيا العلاقات السلطوية. وهو ما اسميته "ذهنية الاحتيال"fraud mentality . وإذ ذاك لا يعد التملق في ذاته عقلاً، بل ذهنية غير محددة المعالم وتتبلور داخل دوائر السلطة السائدة وتخدم أهدافها بكل شراسة. والذهنية نوع من الظواهر الهامشية المصاحبة لتطور المجتمعات والتغيرات التي تحدث عميقاً في بنية الأنظمة السياسية. فحينما لا تكون الأنظمة قابلة للاتساق مع نفسها وعاجزة عن تطبيق القوانين والاجراءات الموضوعية، تنشأ جماعات التربح للقيام بمهامها البديلة. حيث يفقد الناس السيطرة شيئاً فشيئاً على الواقع وانجاز الأهداف العامة. وهذا ما يجعل التملق مظلة تجتذب تحتها رجال دولة ومسئولين وباحثين وفنانين ومثقفين ورجال علم واعلاميين وخبراء استراتيجيين ومحللين...!!

أكيد ليس الأمر خبط عشواء ولا قفزات لضفادع ليلية في وجه الحياة الراهنة. فلم تكن القضية عبثاً- داخل انظمة سياسية فاسدة- حتى وصلت إلينا في شكل جيوش من المتربحين وأدعياء الثقافة والمعرفة والعلم والتدين. وللأسف هم أصحاب مناصب داخل أمعاء الدولة هنا أو هناك أينما تذهب. ثم يأتي من يخرج علينا ليلاً ونهاراً زاعماً محاربة الفساد وتجديد القوانين والآليات الديمقراطية. أية قوانين إذا كان التملق معياراً والمحسوبية نبضاً لمواقع الأفراد من السلطة؟!

ذهنية الاحتيال عقل بديل ينهب الفرص نهباً للتكسب والتربح والتزلف. قدرة شخصية مدهشة (نفسية وبيولوجية وحياتية) لكل صاحب سلطة عبر وسائط إرضاء أصحاب المكانة الأعلى. وفي هذا يتفنن المحتال لمغالبة الأمور وقلبها التهاماً لمزيد من المصالح. ولا يتوقف عن الالتواء كلما لزم الأمر حتى يشتم ما يتطلبه الحال فيسرع لتقديم خدماته فوراً. وذلك يتم بمقدرة نادرة في حركات بهلوانية تمهيداً لجني أرباحها. وهو عقل يصفر (أصوات الصفير) بكل ما يحويه جراب المسئولين من مآرب وألاعيب ودسائس وبدائل يحاربون بها غيرهم ضمن أروقة الأعمال والمؤسسات والهيئات.

وذهنية الاحتيال عقل رعوي لا يعرف سوى الاحتماء بالسلطة، بالكنف، عقل طفيلي يلعق باستمرار أقدام الأسياد الذين يظهرون فجأة من مرحلة إلى أخرى. ويسعى في غير مرة إلى تكليلهم بالهالات والألقاب والأوصاف وعبارات الدجل السياسي والأكاديمي والاجتماعي. ونظراً لانتظار مواقفهم دائماً، فلا يستبق إلى أخذ أية خطوة من تلقاء نفسه. إنه عادة فقاعة رد الفعل، بصقة على جدار مهترئ، خرقة بالية لفظتها الريح على طريق متوّحِل دون الخروج من المستنقع. لسبب بسيط أن العالم كله، الحقائق، التاريخ، الجغرافيا... هي تلك الحزمة الباهرة لما يفعل بمهارة. بل يستمرئ ويتلذذ الوقوف أرضاً بمحاذاة الأقدام والأحذية. لا يدرك أنَّ هناك قامات سامقة لا تنحني، لكونه –كما يظن- في الجنة الموعودة (جنة العبيط بعبارة زكي نجيب محمود).

لنتخيل: ما هو الإنسان الذي يحمل هذا العقل الاحتيالي؟ كيف نرسم شخصيته من دم ولحم، بحيث نقول ها هو المتملق يمشي على الأرض؟ وما هي الثقافة التي كونت خلفياته؟ لماذا ينمو- كحشائش برية قوية- في بيئات عربية تزعم الحداثة والتطور وممارسة الديمقراطية والعدالة وحرية الرأي؟!

العقل الاحتيالي يسكن جسداً اجتماعياً وسياسياً بعينه. ليست متحرراً حتى يعبر عن رأيه صراحة ولا يتحمل مسؤولية أفعاله. لكنه محمول بصورة بارزة على موضوع التزلف. وأغلبه لو أزيل موضوعه (الشخص المتملَّق- السلطة المتملَّقة) سيذبل المحتال وسيقع في حيص بيص. لكونه لا يقف واضحاً ولا يرتئي ممارسات العراء حتى لا يراه الناس عارياً. وإذا وَجد منفذاً لذلك، فلن يفعل، لأنَّه لا يعيش إلاَّ بالظلام وبين الأضابير القديمة وعبر الردهات الخلفية وعلى الجدران وبين العناكب والأطلال وآثار الخراب. هو بومة الشؤم التي تنعق مصالحها الضائعة وتجد ضالتها في التزلف والتضرع.

والجسد الاجتماعي الذي يغطيه ليس ولاؤه لأشخاص وإن كانوا يحملون أسماءه. فهم خلال هذه اللحظة أو تلك كائنات هشة مفرغة بفعل سياسي واجتماعي. يعلمون أنهم يمارسون نفاقاً لزجاً لينالوا الحظوة عن قصد وهم صاغرون. ولقد بات عندهم الصِغار نوعاً من التضخم الأجوف. أي يعيدون الاعتبار التافه لأنفسهم بممارسة القهر على الآخرين. حامل ومحمول من القهر الهابط على سواهم في مواقف الغلبة والضعة معاً.

فقد تراه أستاذاً جامعياً يُشار إليه – للأسف- بعبارات الفكر والثقافة والإبداع!! وهو ليس إلاَّ لاعقاً لأيادي المسئولين الكبار. ولا يفكر دون أن يفلتر جوانب عقله على مقاييس السلطة انتظاراً لنظرة تلقى إليه من فوق أو هبة تُعطى له. طمعاً في مكافأة أو منصب يتلاعب فيه بقوانين الدولة ومواردها أو رحلة  مدفوعة الأجر يدعو إليها أقرباءه وأعوانه أو يطبع نصوصاً ملفقة فكرياً على نفقة الدولة تحت بنود محاربة الإرهاب والتنوير. أحدهم قد يصل إلى رئاسة الجامعة وغيره نائبها، لكنهما يرشقان العالم في ياقات السلطة همساً بالأمجاد الفارغة وتوقيفاً للزمن حتى تمر كلمات التملق فوق عنقه. بينما يحتفيان ويمضغان لسانهما في وقت واحد إنْ كانا قد همهما – مجرد همهمة- في أيِّ شأن يغضب السلطة مهما صَغُر!!

وقد ترى اعلامياً لزجاً يثرثر عما يدور في كواليس السلطة والمجتمعات. وأنَّ احداثاً بعينها ستسير بالطريقة التي يرسمها وأنَّ العالم جميعه يتابع برامجه عن كثب لأن كلامه حقائق وأسرار بينما (هذا الاعلامي) مجرد كمية سائلة من الاوهام والأكاذيب والنفاق. بعض الإعلاميين هم " كائنات الزومبي " في عصر العولمة بامتياز. ينهشون لحم المشاهدين ووعيهم الغض أمام التطورات التي تشهدها المجتمعات العربية. وعندما يخدم مصالحه القريبة يأتي بمسؤول يبتزه أو يسند إليه انجازات غير موجوده أصلاً. ويعتبر ظهوره على الشاشة عربون مدفوع مقدماً لإنجاز الأمر.

أمَّا المثقفون، فحدث ولا حرج كشكل قميء من التملق العام، لقد تعلموا كل شيء في "سيرك التملق" الماكر، إنه لاعب رئيس في السيرك السياسي. لمجرد تملقه، يُعطى مساحات الكلام على أغلب الفضائيات والمنابر والمطبوعات والمقاهي. وهو يدرك كونه مستعملاً كدابة ليلية تقرض ما تبقى من معارف وأفكار حقيقية. لقد انشأت الدول العربية وظائف مبتكرة للمثقف. بدءاً من صناعته على أعينها، لأنه كان بيوم من الأيام متملقاً صغيراً في أحدى المؤسسات، وليس انتهاءً بقدرته الفذة بأن يكون مسخاً وبهلواناً بما يملكه من عبارات وحيل لتدجين مواطنيه والالحاح عليهم بالخضوع وقبول القهر.

والمثقفون أصحاب ذهنية احتيال نافذة. فليس عملهم تنويراً بالقيم العقلانية والفكرية والثقافية الناقدة على الأصالة. فهم نتاج مغاير لقيم اللصوصية والنهب الرمزي وفساد الأخيلة والتصورات والخطاب الديماجوجي. ولذلك تجد أحدهم يلتصق بوزير أو رئيس محولاً إياه إلى" إله صغير" في عالم لم يعد يعترف بالآلهة. وقد يسوقه على أنه البطل التراجيدي الذي لولاه لحلت لعنات الإرهاب والتخلف فوق رؤوس الشعوب المسكينة. المثقف في هذا الوحل مجرد قفاز للسلطة آخذا برجم كل من يقترب. وقد تناول على عاتقه مهمة المداراة والمناورة والخدمات السرية لمن يحتمي في كنفها.

ذلك برغم أن العالم الافتراضي والمعلوماتية وانتشار أبعاد العولمة أشياء أنهت تلك الوظيفة الاحتيالية. كما أن السلطة تحولت من مجرد عيون مباشرة إلى قدرة على الاتساق مع الآخر الذي قد لا يكون محلياً بالطبع. فالمعايير الذي يضيعها المتملق قد تكون مبدعة لدرجة أنها تقزم وتظهر هذيان التملق تحت أقدام السلطة.

إن التملق – من خلال الثقافة- عمل لا أخلاقي وغير إنساني، ولكن من حيل الثقافة أنها تختلط بالأبعاد الاخلاقية والأبوية. ويبلغ مكرها أن الاحتيال يأتي مع القيم الضرورية، حيت تتلاعب بصورتها وماهيتها البراقة في المجتمعات. ولذلك فإن حرية الفكر كفيلة بكشف إلى أي مدى كانت الدولة العربية مؤسسة على ما يناقضها من الجذور.

وبعد الربيع العربي، تخطى التملق حدود الثقافة المحلية ليصبح في خدمة أمراء النفط والغاز وممالك الصحراء ودولها. لقد سال لعاب المثقفين العرب الذين تنادوا لمساندة هذه الدولة أو تلك عبر قنوات اعلامية وندوات ومؤتمرات. حتى أن هناك من وضع كافة إمكانياته البهلوانية في خدمة الدولة التي يسكنها. ولم يكن أي مانع لديه من انشاء تنظيرات خاصة لها وخالف القناعات الشخصية التي يؤمن بها.

1- هناك مثقفون تبنوا قضايا مؤامراتية لدول تحارب اتجاهات العقلانية والحرية والديمقراطية. وترتعب من التطورات السياسية وتمنع حقوق الإنسان وعدالة القوانين.

2- هناك مثقفون أيدوا انشاء مجتمعات مغلقة( كمحميات صحراوية) تناهض الانفتاح داعين إلى الاستبداد والديكتاتورية وقاموا بتبرير ذلك على طول الخط.

3- هناك مثقفون أعادوا عقارب الساعة إلى الخلف وقوفاً بجانب التيارات الدينية السلفية. لأن الأهداف واحدة في مداها البعيد حين يلتقي أقطاب التملق لأصحاب السلطة.

4- هناك مثقفون أكلوا على كل الموائد من أنظمة إخوانية إلى أنظمة عسكرية إلى أنظمة عائلية وبدوية إلى أنظمة مخابراتية عابرة للقارات.

5- هناك مثقفون تملقوا بالقطعة بحسب من يدفع أكثر. فالخطاب قد يكون زائداً أو متماسكاً بقدر الأموال التي تدفع والخدمات التي تجنى من ورائه.

6- هناك مثقفون ظهروا عند الحاجة. وهم من أصحاب التملق لمرة واحدة ثم يتوبون عن ذلك ليزعموا بعد عملهم هذا كل الشرف والنضال. وهم أشبه بالراقصات والفنانين اللائي تحجبن وتأسلمن بعد ترك الوسط الفني.

7- هناك مثقفون تملقوا في الخفاء ضمنياً مع السلطة ولكنهم أمام الرأي العام أعلنوا الحياد وأنهم من أصحاب المواقف والآراء الحرة.

8- هناك مثقفون اقتنصوا فرص التربح من المناخ العام بالكتابة الاعلامية أو بتقديم برامج فضائية وافرة الأجر دونما اقتراب من نظامهم السياسي في شيء.

يبدو أنَّ أشكال التملُّق ستواصل مضغها للوعي، فالدولة العربية أخفقت في بناء مجتمعات حرة، بحيث لا يخشى الأفراد– مهما كانوا- الإدلاء بأفكارهم وآرائهم. وقد يغيب سلوك التملق لدى مرحلة أو أخرى، ولكن أسبابه العامة ستولد أنماطاً أكثر خداعاً من سوابقه. لأن تلك الحركة مضمونه بضمان غطائه العام الذي ظل باقياً في انتظار أي متملق قادم.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5055 المصادف: 2020-07-08 03:19:57