 قضايا

جهاد الثائرين (3)

مجدي ابراهيمما زلنا نستمدُ من القرآن أصول ثقافتنا الثوريّة، ولن تخفى علينا مطلقاً ما دامت لدينا قلوب تعقل عن ربّها، فإنّ العقل عن الله لهو أبلغ الوسائل إلى مقاصده.

مجرَّد منطوق لفظ "الجهاد" يحمل في ذاته ثورة؛ إذ تتوحّد إشاعات اللفظة نفسها دلاليّاً فيما بين الثورة والجهاد، وتكاد تكون كل الآيات القرآنية التي وردت فيها لفظة الجهاد توحي بالثورة كتغيير فعلي وبالتثوير كحركة إيجابية تتقرّر في واقع النفس والمجموع معاً، ويترتب عليها حسب نطاق الفهم تلك الحركة الفعليّة القائمة في إطارها، سواء اتخذ هذا الجهاد الثوري لأغراض المتجه الدنيوي أو تحقق المقصود منه في خدمة الغرض الروحي الكادح لكمال الإنسان.

فلا تكاد تلمس إشاعات اللفظة في القرآن حتى تتفتّح أمامك آفاق حيويّة من سُنن العمل الروحي، ويترائىَ لك منها مقاصد الثورة على كل خمود كاسد وجمود مرذول، ولا عليك إذا توحَّد المعنى شعوريّاً بين مفهوم الجهاد والثورة في إطاره؛ ليتخذ في حركة العمل باتجاه النفس أولاً تغييراً فعليّاً لا مناص منه، لا بمجرّد لفظة عارضة في مشهد عارض، والسلام؛ فلا يتمُّ تغيير الواقع مطلقاً على المستوى الفردي ما لم يحدث تغييراً جذرياً في باطن النفس أولاً وقبل كل شئ، تتحوَّل به من اتجاه في الحياة إلى اتجاه آخر، مضادٌ له بالكلية؛ فما بالك بتغيير المجموع؟!

غير أننا إذْ نسمي الثورة التي نلمحها في الكتاب العزيز "ثقافة"، يتوَجَّب علينا تحديد معنى كلمة "ثقافة" حين نطلقها على الثورة في القرآن؛ إذ ليس المقصود بالثقافة كما سبقت الإشارة إليه فيما تقدَّم : هو ذلك الترف الفكري والعبث بأعز ما يملكه إنسان : العقل والروح والضمير والقلب والوجدان. لا ليست الثقافة بالعبث ولا هى كانت ترفاً فكريّاً وروحيّاً، ولا يمكن أن تكون شواغل الروح والضمير ومناشط العقل والوجدان والتفكير ترفاً فارغاً من المعنى لا يعوّل عليه.

وإنّما الثقافة الثوريّة جهاد وحياة تستمد مددها من الروح. وكفاحها بمقتضى الجهاد تحريرٌ للروح من القوالب الصماء، ومن غواشي الحياة المطموسة بلوثة الآفات المترسبة في أعماق الذات.

وفي كل جهاد ثورة، وفي كل ثورة يشتعل فتيلها من هذا الكتاب الأكرم حياة وأي حياة. حياة تستحيي موات الغافلين، وقوة ممدودة من أعلى يرومها الأقوياء القادرون. لولا أنها قوة القادر لا عجز الضعيف المتخاذل ما كان للجهاد فيها وبها معنى؛ ولبطلت الثورة المحفوظة في جهاد الثائرين. بالطبع، فإنّ معايشة الطبيعة الثورية شيء، والسماع عنها من خارج شئ آخر.

توحي المعايشة بالتجربة وتشي بالمعاناة، فالثائر يعاني ألم الرفض والكنود مع أنه على الحق ومن الحق. والسّماع بالثورة من خارج كالسّماع بالتجربة، وكحكاية ألم المعاناة، لكنه مُجرَّد سماع لا يعطي الحقيقة ولا يسمح بتذوقها على قسطاس السّعة والحضور. وتجارب الأنبياء والمرسلين أقدر على تثوير الحق إزاء الباطل، وأفعل في استحضار الغاية في معاناة الطريق. واستخلاص العبرة من تجاربهم القوية الممتدة، وخبراتهم الدائمة عبر التاريخ شيءٌ مرهون بالبقاء والدوام على أنه لا يصحُّ في النهاية إلا ما صَحَّ في الحق في ذاته، وما سواه باطل يسيغه ظلم الإنسان لنفسه، وللناس.

أي نعم ! مازلنا نتّجه في هذه الوجهة إلى حيث ثورة الإنذار الذي قدَّمه "هود" مرسلاً من عند ربّه إلى قومه :"وإلى عادٍ أخاهم هوداً، قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إنْ أنتم إلا مُفترون"، لا شك كانت ثورة تشمل تغيير وجه العبادة بل تغيير وجه الحياة برمتها بعد تغيير قاعدة الاعتقاد الأساسية.

ولتلحظ أن قاعدة الاعتقاد هذه، إنما هي القاعدة الكبرى التي يكررها القرآن على ألسنة الرسل والأنبياء جميعاً تكرار تنويع متجدد وتجربة فائقة :"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"؛ فتغيير الاتجاه في العبادة يعني أن تغيير الاعتقاد يشمل ثورة لازمة يتغير فيها اتجاه العبادة من وجهة إلى وجهة مضادة، وأن استخدام لفظ "الافتراء" للتعبير عن وجهة العبادة التي كانوا يتجهون إليها يدل على استغراق الجهالة وتنكب طريق الهداية، فلم تكن ثمة عبادة سوى الباطل الذي يستغرقون فيه، ولم يعبدوا ما هو حقيق بالعبادة أصلاً، دليل ذلك أنهم قوم مفترون.

وحيث يستخدم القرآن لفظ "الافتراء" على لسان الإنذار الهودي، يخلق للخيال أجواءً رحبة ويرسم صورة قريبة المدى إذا هى التصقت بعنصر الخيال؛ ليراها القارئ أو السامع ملئ السمع والبصر، وليسبح فيها كاشفاً عناصر "الثورة" على الجمود والتقليد والاتباع الأعمى المرذول، وهو وحده عنصر يكفي لإشغال فتيل الثورة على كل تقليد مذموم، وإنك لتجد من الأدلة المبهرة في كلمة "مفترين" هذه، ما يُقوي علمك بأن العبادة التي كانوا يعبدونها لم تكن إلا الوصف المباشر على الافتراء، لكأنهم عبدوا أشياءً فجاءت مثالاً مُرَوّعاً للافتراء.

هذا المثال المُرَوِّع هو "الشرك" الذي يتبرأ منه كل من عرف عقباه ومرماه؛ فلا هي كانت تكون عبادة إذا أشرك فيها المشركون؛ ولا هى كانت تكون عبادة إذا هم عبدوا فيها الصورة وستروا الأصل الأصيل، فلم يروه، وهم، من ثمَّ، لم يعبدوه، بيد أنهم عبدوا الصورة، والله يعلم من عبادتهم أنها تجسيدٌ لصورة لا تنزيه فيها؛ فلا يؤمنن لك أحد إلا من كان من قبل مؤمناً، ولو شاء الله لهداهم إلى عبادته هو، ولهداهم إليه فيما يعبدون، أجمعين. أو أنهم لم يعبدوا شيئاً حقيقاً بالعبادة على الإطلاق؛ فإذا بهذا الفراغ المُعدم الخالي عن العبادة دليل افتراء، يجتر فيه المفتري جهالة التقليد بمقدار ما يرتكس في عماية الاتباع وظلمة المحاكاة لعبادة الأجداد والآباء من دون الله :" قالوا : أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ فأتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين".

لاحظ موضوع الدهشة هنا تجيء من ثقل الأمانة، من التوحيد من حيث هو أمانة حملها الإنسان، ومن حيث هو إذا أستقر في الوعي الباطن هدم كل ما عداه من صور الاعتقاد الباطلة، أزالها؛ فعبادة الآباء والأجداد على كثرتها وقداستها ليس فيها استقرار من توحيد الألوهية، بل تقليد يُمارس مع حركة باقية في إطاره من حيث كونه أصبح اعتقاداً راسخاً، ليس هو بالتوحيد المفرد بمقدار ما هو صورة وهمية تضخمت في أغوار الشعور وبواطن الوجدان حتى صارت عقيدة راسخة؛ فإذا جاء التوحيد أزال صور العبودية الزائفة، ولم يبق شيئاً من رواسبها الشعورية، وأحَلَّ في الضمائر الحيّة عقيدة الإله الواحد.

ولم يكن موعود الأنبياء بالذي ينفي اللجاجة والعناد ولا هو بالذي يرفع المحسوس المرئي إلى مراتب الأفق العقلية والروحيّة، لذلك لجّوا في عتوهم وتكذيبهم "فأتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين"؛ فالتكذيب عناد يطلب أن يكون الشهود الحسي حاضراً في المستوى المقرر سلفاً بحكم مجرى العادة، وبحكم الواقع الذي تجري فيه العبادة.      

تلك كانت صورة رائعة من واقع الذين سبقوا، ومُرَوِّعة يرسمها البيان الإلهي للعبادة حين تنقلب استعباداً : فالعبادة الحقة لا تكون ولا تصحُّ إلا لله، وإنما الاستعباد فهو مجعولٌ للأهواء والشهوات وللعادات والمألوفات، تنغلق فيه نوافذ الحرية بكل مفاهيمها : حرية الفكر، وحرية الاعتقاد، وحرية التنقل الدائم في هاته الرياض العلويّة حتى إذا انغلقت تلك المفاهيم للحرية انغلقت الحيوات الثقافية والأخلاقية والطبيعة والروحية والإنسانية على وجه العموم؛ ممّا يجعل الصورة المرسومة، وإنْ تكررت في جيل، هى بالضبط وصفاً لأخلاق العبيد وأهواء العبيد ومطالب العبيد وأفكار العبيد الذين يرتضون لأنفسهم جهالة التقليد بديلاً عن حرية العقيدة وحرية المعرفة والتفكير.

وكل هذا أو بعضه بابٌ يؤدي إلى الافتراء قصداً من أول وهلة، وفي أشدّ معانيه خصوصية؛ فالمقلد رجل مفتري تركب عقله الجهالة العمياء، فلا يتسامح ولا يتعرّف على أفكار الآخرين بوجه من الوجوه، بل ينغلق على نفسه أشدَّ ما يكون الانغلاق، وينكفئ على ذاته انكفاء العزلة والتحجير. والمقلد مفتري لا تثور طواياه أبداً ثورات التجديد. وافتراؤه في اتباعه وتقليده ومحاكاته للآخرين بغير تحكيم عقل ولا تمكين فؤاد. المقلد تلفُّه العصبية ويطويه الكبر البغيض.

هذه الصورة الي يرسمها القرآن تكررها لنا النسخ الآدمية تكراراً معتاداً، توجد بين الناس من لدن آدم، وستظل إلى أن تقوم الساعة حتى إذا تكررت على ألسنة الأنبياء والرسل أعطت الإشارة المعجزة في طلاقة النّصّ القرآني بالإخبار عن حقيقة الإنسان الأصلية من جهة، ثم من جهة أخرى كشفت عن بديهة يغفلها كثيرون، وهى أن دين الله لا يؤخذ بالتقليد، ولا بدّ فيه من مباشرة ذاتية، ومواجهة مع الله، لا من حيث إنك نسخة آدمية بل حقيقة آدمية فيها سر الروح الإلهي، وفيها التكريم لا يجوز معها التقليد لأحد، ولا محاكاة أحد، ولا سلطان لأحد على أحد، بل تلقى من الله، وعن الله مباشرة بغير حسبان رقابة لأحد سوى سلطان الضمير.  

ولا يزال الافتراء بكل معانيه شركاً لا يقترب قط من معدن الإيمان. ولا يزال معدن الإيمان مقروناً بجوهر التقوى؛ فالتقوى من جوهر الإيمان. والشرك عنصر أساسي من عناصر الغفلة والتعمية، يتكئ عليه الفاسقون. فإذا رأيت الشرك ينبت في تربة فهى تربة الفسوق والفجور والطغيان. وإذا رأيت الإيمان يزدهر وينمو فهو في أرض التقوى وفي منبت القلب الطيّب :" والبلد الطيب يَخْرج نباته بإذن ربِّه والذي خبث لا يخرج إلا نَكِداً. كذلك نصرِّف الآيات لقوم يشكرون". والبلد الطيب هو القلب الطيب يُشبَّه في القرآن بالتربة الطيبة. والقلب الخبيث كالتربة الخبيثة والأرض السبخة لا تنبت إلا نكداً وعسراً وجفوة وإيزاءً، والأرضُ السَّبخة ذات نزِّ ومِلح لا تنْبُت، وإنْ هى نبتت فنكد وجفاء. ومنه المثل السائر :"ومَنْ يَزْرع الحَبَّ في السِّباخ يندم زَمَانَ الحِصَاد".

وفي مستودع القلوب تفور جذوة الإيمان. وفي مستنقع الشهوات والأهواء تطغى سطوة الكفر ويستطيل مع خبث القلوب الطغيان. في ذلك المستنقع الآسن يصبح الافتراء ابناً شرعياً للكفر والاستطالة، ودلالته على الشرك مؤكدة وهو بالطبع ضد آيات التقوى وعلامات الصلاح، ولأجل هذا جاء في سورة الأعراف :" قال يا قوم : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون؟".

أفلا تستبدلون قلبا خبيثاً بقلب طيّب لا خبث فيه؟ أفلا تستبدلون كفراً وشركاً وافتراءً بإيمان وتقوى واتصال بخالق هذا الوجود بكل ما فيه؟ ذلك هو الجهاد اللازم لأخلاق الثوار، ألزم ما يلزم لهم فيه أن يكونوا على هذا الخُلق العالي لا يحيدون عنه، وأن يصيروا على ثورة الإيمان، وأن يقاوموا الافتراء في شتى صنوفه وبكل معانيه، وأن يعلموا أن رد الفعل في كل ثورة أقوى وأعنف من ثورة الإنذار ..

وهذا كله، يحتاج إلى جهاد الثوار؛ وهو أشدُّ أنواع الجهاد.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5058 المصادف: 2020-07-11 02:58:44