 قضايا

التحرش الجنسي.. من فتنة المرأة إلى إغواء الثقافة

التحرش الجنسي قضية يثور الصخب حولها من حين لآخر بسبب حوادث مختلفة تصيب الناس بمزيج من مشاعر الذهول والامتعاض والغضب... وأحيانًا الشماتة! بيد أنه إذا كان "فعل" التحرش أمر فردي ينصب فيه الاتهام على الفاعل بمفرده، فإن "تبرير" التحرش يشير بقوة وجلاء إلى خلل جيسم في الثقافة والوعي الجمعي الحاضن لمثل هذه الممارسات التي تبدو أنها فردية.

وبينما سيمضي الصخب الحادث حول حادثة بعينها بينما يظل آلاف المتحرشين يرتعون في حرية الغابة الوحشية، فإنه ينبغي لنا محاولة الفهم والتأطير لهذه الظاهرة كيما نحرز تقدما في سبيل حلها، وكيلا نظل نسلط الضوء على حوادث هي فردية مهما كثرت، ما دمنا ننظر لها من زاوية الاستهجان العنيف للفعل والفاعل فحسب دونما محاولة تبيّن الإطار الذي ينشأ فيه الفعل ويُحتضَن فيه الفاعلين.

وأول ما ينبغي وضعه في الحسبان حين نريد تأطير الظاهرة، هو أنه لا ينبغي نعت المتحرش بـ "الحيوان"؛ لأن في هذا النعت مشكلتين رئيستين: أولاهما، أننا معاشر البشر قد استولينا على كل شيء في البيئة وأخضعناه لمآربنا وأسرفنا في سوء معاملته، وهذا الحيوان الجميل البريء (أيا ما كان فصيله أو نوعه أو مملكته)، وبعدما أذاقه الإنسان ألوان الاستغلال والقهر، راح أيضًا يلصق به موبقاته الأخلاقية وقاذوراته السلوكية حتى لَيَصِم كل منحط أخلاقيًا بأنه حيوان! وعلى ذلك فإنه ينبغي لنا الاعتذار لكل الحيوانات عن مقدار هذه الإساءة التي يسديها إليهم البشر، ويعلم الله أني أقول هذا مخلصًا صادقا شاعرًا بوخز الذنب تجاه مخلوقاته التي لم تفسد شيئًا وإنما نحن المفسدون، لا نوعًا من الهزل أو المزايدة. وثانيهما، أن هذا النعت يباعد بيننا وبين الفهم الحقيقي للمشكلة؛ لأنه يفترض معايير وقوالب معينة للإنسانية من حاد عنها صار شيئًا آخر غير إنساني. وهم في زعمهم هذا إنما يفترضون سمات ملائكية ينبغي أن تتوفر لدى كل إنسان، وعلى ذلك فإن نعت المتحرش بالحيوان إنما يريحنا منه ومن محاولة النفاذ إلى ما ورائه بغية الفهم كخطوة أولى في سبيل الحلول الجذرية لظاهرة التحرش... فلقد حبسناه في فصيل غير إنساني إلى الأبد، وهذا كل شيء وغاية المبتغى، وما من حاجة إلى الفهم، فهو باختصار: حيوان!

على أننا نرى ها هنا رأيًا آخر، وهو أن هذا الذي يقوم بفعل التحرش إنما لا يعدو أن يكون إنسانًا، وبه كل معالم وخصال واستعدادات الإنسان! إننا إذا ما نظرنا إليه هذه النظر كنّا نحرز أول خطوة في فهم الإشكال عبر فهم جزئي – حتى – للطبيعة الإنسانية، تلك التي لها العديد من السمات والاستعدادات ما إن تتوفر لها بعض الشروط البيئية حتى تتخارج في أشكال شتى، وإن تتوفر لها شروط أخرى تتخارج في أشكال أخرى تخالف بها عن الأولى... وهكذا، وما ذلك إلا لأنه أخص ما يمتاز به الإنسان من سائر الأحياء أنه طور آلية لجملة استجاباته السلوكية تسمى بـ "الثقافة"، وهي بذلك تجعله أكثر الكائنات إمكانية للتشكل حسب بيئته الطبيعية والاجتماعية بما لا يقارن مع سائر الأحياء، وأكثر الكائنات – لذلك – تنوعًا وثراءً في سلوكياته؛ فنجد من البيئات الثقافية والاجتماعية ما تبذر في نفوس أفرادها مقومات الرقي والتحضر كما نجد منها ما يبذر في نفوس أفرادها ألوانًا من العقد وصنوفًا من مقومات الانحطاط والتردي... وهذا ما لا نجده حتى لدى أقرب الحيوانات شبهًا بالإنسان.

ومن زاوية أخرى، فإن نعت المتحرش الجنسي بالحيوان إنما يقوم على افتراض خاطئ، وهو ذات الافتراض الذي ينطلق منه أولئك المبررين لجريمة التحرش الجنسي بلباس المرأة واتخاذها زينتها خارج بيتها. وهذا الافتراض أن المرأة حين تُسفر فإنها تستفز الغرائز الجنسية لدى الرجل. فراح المبررون يقولون بأنها تستفز هذه الغرائز على نحو (طبيعي) (مفطور) عليه الرجل، وراح المبطلون لهذا التبرير الفج يقولون بأنه أحرى بالحيوان ألا يتحكم بغرائزه، وأما الإنسان فكلا!

وأولئك وهؤلاء تشف عنهم حقيقة على قدر كبير من الأهمية، وهو أننا حين الحديث في سياق التحرش في حدوده المتطرفة التي تبلغ الاغتصاب الكامل، فإن الأمر وإن بدا في فعل جنسي إلا أن اتصاله بالدافع الجنسي ضعيف كل الضعف، وهو أقرب إلى دافع تفريغ العنف والحقد واستشعار النقص تجاه المرأة منه إلى دافع الرغبة الجنسية الحقة؛ لأنه لو كان كذلك فما أيسر أن يفعل ذلك بالمال إذا ما قرع بيوت الدعارة! ونحن نعرف كم يمكن للجنس في عرفنا – وفي عرف أغلب بقاع الدنيا نظرًا لرواسب غائرة عميقًا تسللت عبر الثقافات والأحقاب المتعاقبة – أن يكون أداة للإخضاع والإذلال، بل إن مؤسسة العبودية ذاتها، والتي ما زالت رواسبها تحضر بين حين وآخر، قامت أول ما قامت عبر إخضاع المرأة جنسيًا... وفي هذا من التفصيل ما من شأنه إخراجنا عن السياق والمسار الذي نبتغيه.[1]

وها هنا يقع المتَنَوِّرون تارة أخرى في خطأ جسيم، وهو أنهم يقرون من حيث المبدأ، وضمنيًا، بأن تبرج المرأة من شأنه إثارة الرجل جنسيًا وعلى نحو (طبيعي)، بينما يستخدم المبررون هذه الحيلة لاسترداد ما انتُزِع منهم من وصاية وسيطرة على المرأة جسدًا وروحًا، وردًا لها إلى حظيرة التحجيب والتحجيم والتدجين حيث كانت، وحيث لا إرادة لها ولا روح ولا عقل، بل هي ليست شيئًا سوى كومة من الجنس ما أحراها ألا تتحرك إلا تحت غطاء صفيق يُنسج على نول مجتمع الذكور. بينما هؤلاء المبررون يغفلون أو يتغافلون عن أن العري، مهما بلغ مداه، ليس مبررًا للاغتصاب وإن كان من شأنه إثارة الرغبة الجنسية (ولكن على نحو غير طبيعي أو فطري، وإنما هو على نحو اكتسابي، على نحو اشتراطي كما سنبين)، وأن الاغتصاب أو التحرش في حدوده المتمادية إنما هو جنس مقرون بالعنف، وهو في هذه الناحية عنف وإذلال يجد في الجنس أداته المثلى، ونافذة للتجلي في أقبح صوره. وما احتيال أدعياء الدين ونواب الله على الأرض إلا تمريرًا لأمر لا ينفكون يلوكون الحديث فيه ليل نهار، وهو ضرورة أن تتحجب المرأة وألا تسفر عن "مفاتنها"، بهذا حكم الله، وإن في هذا لحكمة بالغة؛ وذلك كيلا تشيع الفاحشة ويُفتن الناس عن دينهم ويُذهلون عن ذواتهم!

بهذا هم يقولون، وهم يهتبلون الفرص ما كان منها مناسبًا وما هو ليس كذلك كيما يعيدوا علينا ذات الكلام المكرر المنكر، فيقحمونه في غير سياقه وهم يعلمون، وكأن لسان حالهم يقول: "ألم نقل لكم؟ ها أنتم ذا ترون مآلات التعري والسفور"! منتهى الخسة والوضاعة أن يريد المرء تمرير أيديولوجية يتبناها حتى ولو كان في هذا التمرير تبريرًا لواحدة من أبشع ما مارس الإنسان... الاغتصاب. هو يريد أن يذكرنا أنه على حق، وبأي ثمن وبأي طريقة كانت، والدليل على كونه على حق ما نراه وما نسمع عنه من جرائم التحرش والاغتصاب! ولو قد أمعن الواحد منهم شيئًا في دراسة العلوم الإنسانية، ولم يسلم نفسه بالكلية لآراء الأقدمين وفتاويهم، لانكشف عنه غشاء الغباء، ولرأى كم كان سطحيًا إلى أبعد حد، وكم كان يدافع عن شريعة الشيطان بينما يزعم عنه يدافع عن دين الله!

وعلى ذلك فإنه حين مقاربة قضية التحرش والاغتصاب ينبغي لنا تبين شقين على الأقل: شق يتصل بالشبق والرغبة الجنسية، وهو في هذه الحالة ضعيف كما أسلفنا، ولكنّا سنأتي عليه الآن بالتفصيل. وشق يتصل بالعنف، وهذا مما يستطيع أن يفيض في عوامله أولئك المختصين في النفس والاجتماع والبيئة، وإنما نأخذ نحن بحظنا في إجماله هنا، ما دمنا قد أثرناه، فنقول بأن للعنف الذي يتجلى بصور مختلفة في المجتمع (منها التحرش الجنسي) عوامل كثيرة، منها ما يتعلق بسوء التربية وتأزمات في الأحوال الأسرية بوجه عام، كالتسلط في التربية والقهر الذي قد يمارسه الآباء على الأبناء. ومنها أيضًا، وفي إطار الأسرة أو المجتمع الصغير المحيط بالفرد، ما يتعلق ببعض العقد التي تنشأ في النفس وتحرك صاحبها كالدمية من دون شعور بها، ومن أسباب العنف ألوان القبح المنتشرة في كل مكان، وأشكال التلوث البيئي والسمعي والبصري، وألوان الفن العفن الذي ملأ حياتنا صخبًا وصراخًا، ومنها ما يتعلق بسد منافذ الأمل والطموح وتحقيق الذات في الحياة، ومنها ما يتعلق بسوء أو انعدام التعليم والتربية في منظوماتنا التعليمية الرسمية، ومنها ما يتعلق برجال دين أشبه شيء بالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.

وفي سياق التحرش الجنسي بالمرأة نجد أنه من عوامل العنف تجاه المرأة – إضافة لما سبق – ثقافة تربي أبناءها على أن العين الجريئة والألفاظ البذيئة والصوت المجلجل والقدرة على "اصطياد" الإناث بأكبر عدد ممكن، كل ذلك من عوامل الفحولة المحبَّذة التي ترفع من أسهم الرجل في عين المجتمع. كذلك، ثمة حالة من العدائية الظاهرة حينًا والمضمرة أحيانًا بين الرجل والمرأة في المجتمعات، تزداد اتساعًا وإمعانًا كلما ازدادت المرأة تحررًا واستقلالًا ونزعًا للوصاية وبترًا للأذرع الإخطبوطية الملتفة حولها للرجل، وحين لا تتوفر للرجل من المرونة العقلية ورفعة الذوق وتهذُّب المدارك والحرية الإنسانية الصميمة فإنه من المستحيل إساغة هذه الحرية للمرأة، حتى ليشعر أن كل امرأة تمر أمامه وقد بدا عليها شيء من الإباء والاستقلال إنما تمثل اغتصابًا لرجولته وفحولته وإرغامًا لأنفه، وبأخص الخصوص عندما يكون المجتمع فقيرًا وبه تزاحم وتهالك على لقمة العيش دخلت النساء في حلبته، وهذا ما يفسر لنا وجود نسب مرتفعة من التحرش الجنسي في أمريكا مثلًا؛ فليس العري هو السبب كما يزعم الزاعمون، وإلا فكيف يستقيم الأمر والجنس لديهم متاح ما دام الطرفان راغبان من دون عقد زواج؟! كلا، هو نوع من الإخضاع والإذلال لهذا الكائن الذي أبى الوصاية والاستعباد باسم القيم والأخلاق... ونحن، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، تتوافر بكثرة في مجتمعاتنا كل هذه العوامل مجتمعة  كليًا أو جزئيًا!

وبعد أن فرغنا من إجمال بعض من أهم عوامل تفشي العنف في المجتمع، دعونا نناقش الفرضية الأساسية في القضية، تلك التي يبرر (أو يفسر) بها أدعياء الدين جريمة التحرش، والتي وقع في فخها المتنورون للأسف الشديد، هذه القضية تقضي بأن إسفار المرأة من شأنه أن يثير في الرجل غرائزه الجنسية، وما ندري لماذا المرأة لا تثير في الرجل سوى الغرائز؟ أليس من الممكن أن تثير فيه الرقة والنبل والشرف والتضحية والسمو؟! أليس من الممكن أن تثير فيه المعاني الجميلة والمواقف النبيلة وتعيد تشكليه من طور وضيع إلى طور رفيع؟! ثم أليس من الممكن أن تثير فيه النبوغ والسعي صوب المجد والكمال حتى ليكاد يمس السماء؟! لا أدري لماذا تحول الجنس لدينا إلى بالوعة سقطنا فيها حتى ما عدنا نرى شيئا في الدنيا بطونها!

على كل حال، دعونا نفرغ الآن إلى تفنيد هذه القضية الأساسية، وهي أن جسد المرأة مثير بالطبيعة لغرائز الرجل، وزعمهم في ذلك أن الرجل ما يكاد يرى امرأة سافرة حتى يأخذ منه الشبق كل مأخذ؛ وإقحام الطبيعة والفطرة على الأمر إنما يراد به تعميم القضية على الإنسانية جمعاء من دون اعتبار للسياقات الثقافية ما داموا يصرون على اعتبار الشريعة صالحة لكل زمان ومكان! ونحن نرد بالقول بأنه وإن كانت هذه النتيجة صادقة يمكن أن نتواضع عليها،وهي النتيجة القائلة بأن الرجل لدينا يستثار جنسنيا لدى وقوع عيناه على جسد المرأة، إلا أنها لا تعني أن هذه الاستثارة التي يحدثها جسد المرأة للرجل من عمل الطبيعة والفطرة، وإنما هي من عمل الثقافة والاكتساب. نعم! فالثقافة، لا الطبيعة، برموزها ولالاتها التي يعززها بقوة وإصرار رجال الدين،هي ما تمثل الشيطان الذي يسقي الإنسان كؤوس الإغواء حتى الثمالة؛ فليس يكفي ليستثار الرجل جنسيًا أن يرى جسد امرأة مهما أسرف في الإسفار، وحتى لو كان عاريًا تمامًا، وإنما تأتي الاستثارة، ما لم تنبع من تفاعلات هرمونية وانفعالات فسيولوجية محضة، من الدلالات الجنسية على منطقة بعينها من جسد المرأة، وهو ما يُعرف بـ "الترميز الجنسي". ومسألة الدلالة والترميز هذه مسألة ثقافية بحتة لا يد للطبيعية فيها، فهي عمليات اكتسابية تتربى عليها الناشئة وتفهمها عن البيئة الثقافية التي تجد نفسها فيها. وإن كثيرًا من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين ليذهبون إلى أن الإنسان معلق في شبكة من الدلالات، هذه الشبكة هي ما نطلق عليها مصطلح "الثقافة".

فإذا ما شرعت ثقافة في حجب رأس المرأة لتميز بهذا الحجاب الحرة من الأمة (تلك التي كانت تعمل في البغاء بالإكراه، وتلك التي ما أُخضعت ابتداءً لتصير أمة إلا بالاغتصاب!)، كما فعلت بابل وأشور، وسار على نهجيهما سائر الحواضر المحيطة من يونان إلى رومان إلى عرب قبل الإسلام إلى الإسلام ذاته، كان ذلك خليقًا أن يكسب رأس المرأة دلالة جنسية ما دام عدم التحجب دالّ على البغاء والغواية الجنسية، وكان ذلك – من ثم – حريا أن يثير في الرجل شهوته ريثما تقع عيناه على امرأة سافرة الرأس أو الوجه. والاستثارة الجنسية ها هنا لا تعدو أن تكون استجابة شرطية للإسفار، تمامًا كما الاستجابة باللعاب عند سماع الجرس لدى كلاب "بافلوف"؛ فالجرس "دليل" على اللحم مع التكرار، ومع كل جرس لاحق يسيل لعاب الكلب كما لو كانت قطعة اللحم في فمه فعلًا![2]

والغريب  أن سواد المسلمين الآن قد أُلقي في روعه – من قبل رجال الدين – أن الحجاب إنما أنشأه الإسلام إنشاءً وابتدعه ابتداعًا لخيرية أصيلة مطلقة فيه، حتى إن البعض لراح يبحث عن الإعجاز العلمي وراء هذا الحجاب زاعمًا أنه يحمي رأس المرأة من الأشعة فوق البنفسجية! وماذا عن الرجل؟ ما من جواب! ومن ثم تكون النتيجة ارتباط الحجاب بالدين ارتباطًا لا يقبل الفصم، ولا يكون الدين من دونه. غير أن الحقيقة التاريخية تثبت أن الحجاب سابق على الإسلام بألفين من السنين، وقد كان منشؤه الأول في بابل وآشور كما أسلفنا، ومنهما زحف إلى سائر الحواضر المحيطة عبر التلاقح الثقافي والتواصل الاقتصادي. ومن قبل هذا الزحف كان من الطبيعي أن المرأة في جزيرة كريت اليونانية، بل والمرأة المصرية القديمة، كانت تسير كاشفة عن نهديها، وما من حادثة تحرش بسبب النهدين. ومن الطبيعي أن يستفز مثل هذا الكلام القارئ الكريم حتى ليتأرجح بين الاستغراب وعدم التصديق من ناحية والغضب من ناحية أخرى، ولكن الحقيقة أنه معلوم لدى علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين أن منطقة الصدر مثير لدى بعض الثقافات بينما ثقافات أخرى لا ترى فيها ما نراه نحن من إثارة البتة. ويؤيد هذه النتيجة عالم الاجتماع "أنتوني غدنز" بقوله: "... وهناك توجهات لا ترى في صدر المرأة مصدرًا للإثارة الجنسية، بينما تعتقد مجتمعات أخرى أن للصدر أهمية كبرى في إضفاء الجاذبية الجنسية على المرأة".[3]

وقل مثل هذا في ذراع المرأة وفي ساق المرأة، بل قل ما شئت، وحسبك في ذلك لقاءات الرحالة والأنثروبولوجيين بالشعوب الأخرى، البدائية منها والمتحضرة. فلن أقول لك: انظر إلى الغرب المتحضر الذي تلبس المرأة فيه ما بالكاد يستر _ما نسميه في ثقافتنا_ (مناطق عورتها)، فلا ينالها أحد بأدنى أذى لا بالنظرة ولا باللفظة. بل لن أقول لك: انظر إلى النساء في شواطئنا العربية اللواتي يلبسن ملابس البحر العارية فلا يحفل بهن الرجال من حولهن. لن نقول شيئا من هذا لأن الإجابات الجاهزة تذهب إلى أن الرذيلة أمر مباح لدى هذا الغرب الفاسق. بل نقول: انظر فيما كتبه الرحالة العربي المسلم الشهير "ابن بطوطة" حين زار "ذيبه المهل" أو "جزر المالديف" حاليا، وأقام فيها مدة عام ونصف حتى لقد اشتغل فيها بالقضاء وتزوج فيها بامرأتين؛ مما أتاح له ولنا وصفًا دقيقًا لشعبها عامة ونسائها خاصة؛ فهو يقول عن أهلها:

"أهل صلاح وديانة، وإيمان صحيح صادق، أكلهم حلال ودعاؤهم مجاب". وأيضا: "أهل نظافة وتنزه عن الأقذار، وأكثرهم يغتسل مرتين في اليوم تنظفا لشدة الحر بها وكثرة العرق، ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية وغيرها، ويتلطخون بالغالية المجلوبة من مقديشو".

وفي ذكر نسائها روى ابن بطوطة ما يلي:

"ونساؤها لا يغطين رؤوسهن، ولا سلطانتهم تغطي رأسها، ويمشطن شعورهن ويجمعنها إلى جهة واحدة، ولا يلبس أكثرهن إلا فوطة واحدة تسترها من السرة إلى أسفل، وسائر أجسادهن مكشوفة، وكذلك يمشين في الأسواق وغيرها. ولقد جهدت لما وليت القضاء بها لأقطع تلك العادة وآمرهن باللباس، فلم أستطع ذلك. فكان لا تدخل إليّ منهن امرأة في خصومة إلا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليهن قدرة".[4]

وهكذا نرى أن سياقًا ثقافيًا كهذا، شَهِد ابن بطوطة لأهله أولًا أنهم أهل صلاح وديانة، لا يكون سفور المرأة فيه أزمة أو كارثة كونية، حتى وإن يكن هذا السفور على نحو متطرف (بالنسبة للإطار المرجعي الثقافي الذي نرصد منه). فلم يحدثنا ابن بطوطة عن تحرش جنسي هناك ولا كوارث إنسانية منشؤها إسفار المرأة عن نهديها وهي تمشي في الأسواق، ولا عن شيوع الفاحشة فيهم واستباحة الزنا بينهم، وإنما حدثنا بأنهم "أهل صلاح وديانة وتنزه عن الأقذار". ونحن نقدّر أن مرجع ذلك أنه لم يحدث ارتباط بين هذه المناطق من جسد المرأة لديهم وبين الاستثارة الجنسية، أو بعبارة أخرى: لم يتحول جسد المرأة في هكذا سياق ثقافي إلى "تابو" على نحو ما يحدث عندنا. كما أن رأي ابن بطوطة في نساء هكذا سياق ثقافي بنوع خاص يتلخص في قوله فيهم، وبحكم تزجه منهن: "ولم أرَ في الدنيا أحسن معاشرة منهن".[5]

ولقد كان سكان جزيرة "بالي" الأندونيسية كما سكان جزر المالديف فيما يحدثنا "ول ديورانت" في أروع قصة رويت عن الحضارة، ولم يستر النساء أجسادهن إلا مع حلول القرن العشرين ودخول السياحة إليهم، حتى إنهن ليعللن سترهن لمناطق من أجسادهن طالما أسفرن عنها (وهنا نقصد النهدين تحديدًا) بأن السياح الشهوانيين قد دخلوا أرضهم!

وعلى ذلك، ومدّا للخط على استقامته، فإنه ما إن نشرع تحفيز الارتباط بين السفور والجنس حتى يتضخم التابو الجنسي في الوعي الجمعي، وحتى يملأ حياتنا صخبًا وتشويشًا، وحتى يخرج علينا المزايدون يطالبون بمزيد من التحجيب للمرأة لأنه ما يزال هناك من الذكور من يستبد به الشبق ما إن يرى وجه امرأة، فإذا نحن بإزاء إلزام النقاب. ثم لن يلبث الأمر أن يزداد التابو الجنسي ضخامة على ضخامة وصخبًا على صخب؛ فيخرج علينا نواب الله على الأرض يطلبون إلى النساء ألا يعتبن بيوتهن إلا مع محرم... وهكذا، حتى نصير إلى ما عرفته الحضارة الإنسانية بطولها وعرضها من شيوع عادة اتصال الرجال بالرجال والنساء بالنساء. نعم! فلقد حدث هذا في كل أمة أمعنت في الفصل بين الجنسين مخافة التورط في اتصال بينهما.[6]

ونحن إذ نود أن نضع الأمور في نصابها ونطلق للمرأة عنان الحرية الكاملة والإنسانية الكاملة غير المنقوصة أو المسلوبة، فإننا ها هنا أيضًا قد حذّرنا من مغبة الوقوع في فخ التدرج في التحجيب والتدجين الذي لا بد منه ما دمنا مصرين أن نضع في بؤرة اعتباراتنا مسألة الاستثارة الجنسية، والذي سينتهي آخر الأمر إلى شر منكر. وبهذا فنحن نقطع الطريق على من يود أن يأخذ منّا ليرد علينا قائلًا: وليكن ما تذهب إليه، المهم أن الرجل لدينا في نهاية الأمر يُستثار جنسيًا لدى ظهور امرأة سافرة في مجال رؤيته!

وها نحن ذا نرد بأن تحجيب المرأة هو آخر ما يمكن أن يكون حلًا، بل إن في ذلك كارثة نحن بالفعل مواقعوها، وقد تفضي إلى هذا الشر المنكر الذي وقعت فيه سائر الأمم التي انخرطت في هذا التدرج. وإنما يكمن الحل في أن يكفّ أدعياء الدين ونواب الله على الأرض بغير رضاه عن الحديث في مسألة زي المرأة المسلمة؛ لأنهم بهذا يصرون على إكساب جسد المرأة دلالات جنسية هي أول بواعث الغريزة الجنسية. وهم بذلك – أي أدعياء الدين (وأنا مصر على ألا أصفهم بأنهم دعاة) – أول من ينبغي أن نصوب إليه سهام النقد والمساءلة حين الحديث عن قضايا التحرش بالمرأة إذا ما اعتبرنا أن التحرش مجرد شبق يعتري المتحرش.

وكذلك يكمن الحل في تعليم جيد، وفي إعلام جيد، وفي فن راقٍ يرتفع بالذوق ويهذب المدارك ويفتح الآفاق، وفي ملأ فراغ الشباب بالطموح إلى المجد والسعي إلى الخير والحث على حب المعرفة ومثل الحق والخير والجمال، وإتاحة مجالات العمل وتحقيق الذات والبعد بهم عما يهدر طاقاتهم في منكر لا ينفع (ومرة أخرى ليس هذا على طريقة أدعياء الدين).

يمكن أن يكون الحل – جزئيًا – في إعادة الاهتمام بتعليم الفنون بالمدارس، الرسم والموسيقى، والاهتمام بحصص المطالعة والمكتبات؛ من أجل تهذيب الذوق والارتقاء بالمدارك والصبو إلى الجمال والمثل العيا... هنالك، حين يكبر المرء ويرى امرأة سافرة لن يرى فيها ما يثير شبقه، وإنما سيرى ما يثير أجمل المعاني وأنبل القيم، هذا إذا ما كانت امرأة بعينها تمثل بؤرة اهتمام له وليس أي امرأة والسلام؛ لأنه سيصير إنسانًا ممتلئ الوعي والوجدان بحق، وليس فراغًا يبحث عن امتلاء وحشو ولو بأي شيء!

إن الشق الأعظم من مشكلاتنا يمكن أن يحل بالتعليم الجيد المكتمل الجوانب من ناحية، وكف أفواه أدعياء الدين من ناحية أخرى، وملأ فراغ الناس وإشعارهم بقيمتهم وأهميتهم لأوطانهم – بحق وليس زيفًا – من ناحية ثالثة. وبعد ذلك إذا ما رأينا الناس يعيشون في احترام وكرامة وتقدير لبعضهم بعضًا، لا تميز لرجل على امرأة ولا العكس، إذا ما رأينا ذلك فإن أي حديث عن دين يطلب إلى المرأة أن تتزيّا بزي معين إنما هو أقرب إلى العبث وإلى رغبة أدعياء الدين في أن يركبوا أكتاف الناس بأي ثمن؛ لأن الدين في نهاية المطاف لا يريد لنا سوى الخلاص والارتقاء نحو الأفضل، وهو يريد أن يحل المشكلات لا أن يصطنعها على طريقة المثل الشعبي "خربها وقعد على تلها". وحين يحدثنا دعيٌّ من أدعياء الدين عن آيات الحجاب في القرآن فهو إما جاهل أو متجاهل للسياقات التي نزلت فيه هذه الآيات وارتباط هذه السياقات باتصال العرب بالحواضر المحيطة التي حجبت النساء استجابة لذات المشكلات!

إننا حين نتحدث في مسألة الزي فإن آخر ما يمكن الحديث عنه هو الشريعة أو القانون؛ لأنه لا ارتباط بين كلا المجالين: مجال الأزياء ومجال التشريع، حتى وإن كانت آيات الحجاب في القرآن واضحة إلا أن تأويلها على صحيح وجهها من ناحية وفهم طبيعة التشريع من ناحية أخرى ليسا بالوضوح البادي، وفي هذا تفصيل لا نريده هنا. وإذا كان كل شيء يتصل بالإنسان والمجتمع الإنساني لا بد له وأن يتغير، فما أحرى القانون والتشريع من ناحية، والأزياء من ناحية أخرى أن تتغير وتتبدل حسب الأحوال والسياقات الثقافية والأذواق والقيم الجمالية لكل عصر؛ فإذا كنّا لا ننكر على الرجل تغير زيه عن زي الرجل في شبه الجزيرة العربية منذ ألف وأربعمئة عام، فما لنا ننكر على المرأة ما لا ننكره على الرجل من تطور وتغير؟ والزعم باختصاص المرأة بالفتنة قد فرغنا منه تفنيدًا.

إن حجاب الرأس، ومن منظور عصرنا الراهن، ينبغي أن ينظر له لا باعتباره احتشامًا، وإنما هو طمسًا لهوية المرأة وكبريائها واستلابًا لاستقلالها وحريتها، وهو خليق أن يسبغ على رأسها، مناط شرفها الحقيقي، إسقاطًا جنسيًا ما أحراه ألا يكون، وإني لأحاول أن أسيغ كيف لامرئ أن يتصور "هيباتيا" أو "ماري كوري" أو "سميرة موسى" أو "أم كلثوم" أو "فيروز" وهي ترتدي حجابًا! وأما ما يتعلق بنوع أو شكل الزي لسائر جسد المرأة، فإننا لا ندعو إلى العري كما يريد البعض أن يصورنا، وإذ ضربنا أمثلة لأمم أخرى نرى عريها فجًا (بالنسبة لإطارنا المرجعي الثقافي الذي نرصد منه) فليس ذلك سوى لفك الارتباط المتوهم بين اللباس والأخلاق، أو بين العري والشبق. وما من عاقل يختلف على أن لكل ثقافة حدودًا دنيا من المعايير تتواضع عليها كيما تقيم كيانًا أو بناءً اجتماعيًا، ولكن ينبغي أيضًا لهذه الثقافة – إذا ما أرادت الانتعاش وتحريك المياه الآسنة – أن تقر وتعتمد الاختلاف في الأذواق والأزياء والأفكار ما دامت هذه أو تلك لا تؤذي أحدا؛ لأن بهذا الإقرار بالاختلاف يتعذر تعقب كل "مختلف" بالعين أو اللسان أو الضمير، بل إن الاختلاف سيغدو أمرًا طبيعيًا وبدهيًا لا يستدعي أي اهتمام أو انتباه تجحظ معه الأعين أو تُدس الأنوف أو تنطلق الألسنة بما لا يليق بإنسان متحضر مهذب، وأيضًا سيغدو الاختلاف تنوعًا وثراءً لا مخالفة. أما حين نضع معيارًا واحدًا صلدًا ينبغي للناس جميعًا، وبالأخص النساء، أن يسيروا وفقًا له، فإنه من الطبيعي أن تتعقب الأعين والأنوف والعقول كل "مخالف" ما دام ذلك ميسورًا، وما دام المختلف هو مخالف ناشذ عن معايير نموذجية لا موطن لها إلا في خيال الحالم، وحتى إن مجتمعًا بأسره قد يستجيب لها في العلن ويلعنها في السر والضمير، وحتى إن الفرصة لا تواتي أحد أفراده إلا ويفسق عنها ويدهسها بقدمه ليسحقها سحقًا.

 

كريم علي السيد

باحث حر في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية

.....................

[1] - ولكن حسبنا هنا أن نشير إلى العمل الرائد "نشأة النظام الأبوي" للباحثة الأمريكية "غيريدا ليرنر"، ترجمة أسامة إسبر، المنظمة العربية للترجمة، مراجعة الأب بولس وهبة. 

[2] - حين ووجه أحدهم بأن المرأة المحجبة، يتم التحرش بها كما الغير المحجبة، فلماذا تبرر التحرش الجنسي بعدم ارتداء المرأة للحجاب، جاء رده صادمًا لمنتقديه، فلقد علل ذلك بما معناه أن المرأة غير المحجبة هي المتسببة في ذلك أيضًا؛ فهي إنما تدس في نفس الرجل كبتًا لا يسعه إلا تفريغه في أي امرأة اتفقت له، سواء غير محجبة أو محجبة! وهذا الدعيّ قد استخدم حجة صحيحة ولكنها مقلوبة؛ ذلك أن العكس هو الصحيح إذا ما فهمنا الآلية التي تحدث بها الاستثارة الجنسية على نحو ما أشرنا من أنها ليست سوى استجابة شرطية لمثير ليس هو مجرد رأس المرأة العاري أو ذراعها، وإنما هو الدلالة الجنسية على هذه المناطق العارية. فتكون الحجة الصحيحة أن انتشار الحجاب هو الذي يدس الكبت الجنسي في نفس الرجل بما يضفيه على المناطق المحتجبة من جسد المرأة من دلالات جنسية ليتضخم التابو الجنسي حد الانفجار الذي يتجلى في سلوكيات التحرش والاغتصاب، ومن ثم لا تسلم المرأة غير المحجبة كما لا تسلم بالطبع المرأة المحجبة من هذا التحرش.

[3]- انظر أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة وتقديم الدكتور فايز الصُّياغ، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الرابعة، ص211.

[4]- انظر حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 98، ص57-58.

[5]- حسين فيهم، المرجع السابق، ص58.

[6]- فاقرأ إن شئت قصة الحضارة لـ "ول ديورانت"، حيث نجد أن ذلك حدث في كثير من المجتمعات البدائية، كما حدث في الصين واليونان القديم وكثير من الأمم ولا يزال. انظر ول ديورانت، قصة الحضارة، مجموعة من المترجمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، مصر. وبالتحديد: الجزء الأول من المجلد الأول ص 58-59، والجزء الرابع المجلد الثاني ص 267، والجزء السابع المجلد الرابع ص 108-110. وفي مواضع أخرى كثيرة متفرقة من هذه الموسوعة القيمة.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ارجو ألا يكون طول التعليق واتساع التساؤلات اكبر إتساعا من صدر " المثقف" الباحث عن الافكار السامع القول والقول الآخر..
ألا يعتبر من" التطرف العلمي" القول ان "جسد المرأة مهما أسرف في الإسفار و حتى لو كان عاريا تماما" فإنه لا يكفي ليستثار الرجل وأن الامر لايعدو كونه مكتسبا من مكتسبات الثقافة المحلية لكل مجتمع والتي تضفي "دلالة جنسية" على أجزاء محددة منه تختلف باختلاف الثقافات؟
وهل إن ثقافة المجتمع عند بعض انواع الحيوانات والحشرات هي التي أضفت على الفرمونات التي تطلقها الإناث" دلالة جنسية" صارت تثير غريزة الذكر الذي "اكتسبها ثقافيا" ؟ وهل "المجتمع الأنثوي " للطواويس هو الذي الصق بذيل الذكر "وصمة المثير الجنسي" فراح هذا المسكين يتبختر بوصمته جاهلا ؟ ام من الذي اودع فيهما هذه الصنائع ولاي غرض؟
و إذا كان الفصل بين الجنسين هو الذي ادى الى ظهورالشذوذ عند بعض المجتمعات الغابرة فماالسر في ازدياد هذا الأمر بصورة طردية مع زيادة حالة "الانفتاح" في زمننا هذا؟ حتى صار زواجا رسميا في بعض الأمصار؟!!
يذكر الكاتب ظاهرة انتشار التحرش الجنسي في المجتمع الامريكي -رغم الحالة الاباحية للمجتمع- ويستدل بها على ما يتبناه من أن ذلك لا علاقة له بالعري فمادامت غريزة الرجل تقضى بكل سهولة فهو لا يتحرش نتيجة لحالة الاستثارة التي تسببها أجسام النساء شبه العارية او ربما حتى العارية وإنما مرده لرغبة الرجل في إذلال و إخضاع المرأة التي تأبى الوصاية والاستعباد والتي زاحمته على لقمة العيش وما إلى ذلك ولكن لم لم يذهب خيال الكاتب إلى تفسير ثالث او رابع اوخامس أو....الخ مادام باب الخيال مفتوحا فلماذا -مثلا- لم يرجع ذلك الى الإدمان فهل يقنع مدمن الخمر بكأس او كاسين اذا أبيح له زق كامل؟
ثم يعود الكاتب بعد عدة فقرات ليقول ما مضمونه ان المرأة في "الغرب المتحضر" ترتدي مابالكاد يستر -ما نسميه-في ثقافتنا "عورتها "لكنها لا تؤذى بلفظة او نظرة،فليت شعري اليست أمريكا جزءا من هذا الغرب إن لم تكن رائدته؟ الا اذا قال انه يقصد أمريكا اللاتينية لكن هذا لا يظهر من إطلاق الاسم،فان قال ؛ فليس على المتقصي الا ان يبحث عن موضوع التحرش الجنسي في الولايات المتحدة ليرى العجب العجاب حيث تشير بعض التقارير الى وقوع اعتداء جنسي كل98 ثانية وان واحدة من كل ست نساء قد تعرضت لاغتصاب أو محاولة اغتصاب.
ثم لنعرج على الفوطة التي لم تكن نساء المالديف ترتدي غيرها -حسب ابن بطوطة- و لنسأل لماذا لم تشكل "دلالة جنسية" على ماتحتها؟ولم ينتج عنها ما نتج عن غيرها من "الدلالات الجنسية"؟؟ وبالتالي فانها تصلح دليلا لنسف الاساس الذي يبني عليه الكاتب بنيانه، فبحسب هذا المنطق فإننا لا نستطيع أن نبني مجتمعا فاضلا إلا بتحطيم جميع "التابوهات" وذلك عن طريق إماطة كل "الدلالات الجنسية " !!!
كل ما تقدم من تساؤلات لا تعني الدفاع عن مرتكب رذيلة التحرش أو التبرير له، لكن أعتقد أن من يسمح لنفسه بفسحة من التدبر سيجدها تساؤلات مشروعة.

عبد الكريم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5060 المصادف: 2020-07-13 02:45:07