 قضايا

حول الفرق بين القيمة والسعر

كثيراً ما يحصل الخلط بين مفهوم القيمة value ومفهوم السعر price ، مع انهما مختلفان تماماً.

القيمة هي مايستحقه المُنتِج فعلاً من مكافأة منصفة يفترض ان يحصل عليها عند عرض منتجه في السوق.

اما السعر فهو المقابل النقدي الذي يحصل عليه البائع والذي قد يتطابق مع القيمة ويكون سعراً عادلاً، او يكون اعلى من قيمة المنتَج وبذلك يسمح للبائع بتحقيق ربح غير عادل (تسمى الارباح غير الاعتيادية في الادبيات الاقتصادية)، او ان يكون اقل من القيمة ويسبب خسارة للمنتِج.

وسوف نتناول الموضوع من خلال محورين :

- النظريات المتعلقة بكيفية تحديد القيمة :

-دور اوضاع السوق في ايجاد الاختلاف بين القيمة والسعر:

بالنسبة للمحور الاول ، هنالك مدارس فكرية متعددة تقدم تعريفات مختلفة للقيمة ، اقدمها تاريخياً هي المدرسة الموضوعية والتي تعتبر ان القيمة تتحدد بغض النظر عن رأي وتقييم المستهلِك لما يستحقه المنتَج ..اي ان المنتج (جانب العرض) هو الذي يحدد قيمة منتجاته. وكانت المدرسة الكلاسيكية من اصحاب هذا التعريف وتحديداً الاقتصادي الكبير ديفيد ريكاردو ، الذي قال ان العمل مصدر القيمة.

ثم اكتسبت النظرية الموضوعية زخماً اعظم بظهور النظرية الماركسية التي اعتبرت ان العمل هو مصدر القيمة . وبناء على ذلك فسرت الاستغلال بشرح مصدر القيمة الفائضة الذي هو ، في نظرها، استحواذ غير شرعي على جزء من جهد العمال.

وهنالك المدرسة الذاتية التي تقول ان المستهلِك هو الذي يقرر  قيمة المنتَج بناء على حجم المنفعة التي يتوقع ان يحصل عليها من استهلاك ذلك المنتَج (اي ان جانب الطلب هو الذي يقرر).

وكانت المدرسة الحدّية تمثل هذا الفهم للقيمة.

وقد تطورت هذه المدرسة على يد ثلاثة مفكرين اقتصاديين هم (كارل منجر) في النمسا و(ليون فالراس) في سويسرا و(ستانلي جيفونز) بجامعة كامبرج بانكلترا.

واستمر الوضع على ماهو عليه الى ان جاءت المدرسة الكلاسيكية الجديدة( النيوكلاسيك) بزعامة الفريد مارشال والتي قدمت فهماًجديداً توفيقياً بين الاتجاهين السابقين. حيث اعتقدت ان القيمة الحقيقية للمنتَج تتحدد بتفاعل الجانب الموضوعي والجانب الذاتي (اي العرض والطلب)

تماماً كما يساهم حدّا المقص في قطع الورقة . اذ لايمكن تحديد اي حد من حدّي المقص كان مسؤولاً عن قطع الورقة.

اما بخصوص دور اوضاع السوق في التأثير على مدى تطابق القيمة مع السعر ، فأنه حاسم . حيث ان السوق الاحتكارية تسمح للاسعار بتجاوز القيمة لاسيما بالنسبة للمنتجات الاساسية ذوات مرونة الطلب السعرية المنخفضة.

كذلك فأن الشحة في المعروض قياساً بالطلب الحاصل على المنتَج ، تؤدي حتماً الى ارتفاع السعر عن القيمة.

تلك الاوضاع تسمح للبائع بتحقيق ما يطلق عليه في ادبيات الاقتصاد بالارباح غير الاعتيادية..

كذلك يسمى بالربح غير العادل في الادبيات الاخلاقية والدينية.

والعكس يحصل عند وفرة المعروض وزيادته عن الطلب حيث تنخفض الاسعار عن القيمة مسببةً خسائر للمنتجين وخاصة بالنسبة للمنتجات الزراعية والتي يصعب التحكم الفوري في انتاجها.

تلك الاسباب أدت الى قيام الحكومات بتشريع قوانين منع الاحتكار وكذلك دعم المزارعين.. وقامت بعض الحكومات بفرض اسعار رسمية او مايسمى بالتسعير الاداري (خاصة عند الازمات) بهدف حماية المنتجين والمستهلكين وضمان عمل السوق بشكل سليم.

في بداية الثمانينيات قمت بترجمة كتاب كامل عن الدائرة الوطنية السويدية للاسعار عن الانكليزية بمشاركة زميل آخر، ويظهر في الكتاب ان مفتشي تلك الدائرة كانوا يزورون الشركات ويحللون السجلات للوقوف على التكاليف الحقيقية لمنتجاتها ومقارنتها باسعار البيع لمعرفة مدى وجود ارباح غير اعتيادية.. وتجري محاسبة الشركات المخالفة..

 

د. صلاح حزام

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5067 المصادف: 2020-07-20 03:52:04