 قضايا

ثمن الفرجة.. محاولة لفهم ألعاب الحواة

ماهر عبد المحسنمنذ حوالى ثلاثين عاما ً رأيت مشهداً لم يغب عن ذهني حتى الآن، لما له من دلالة، وما يتمتع به من غرابة.

فقد كنت طالباً جامعياً، وقتها، وكنت أتردد على صديق لي في حي إمبابة، مسقط رأسي، لمذاكرة دروس القانون. وفى أحد الأيام وجدت في طريقي مجموعة من الناس تقف على هيئة دائرة في مركزها أحد الحواة، الذى كان يقدم عروضه فى مشهد كان مألوفاً فى ذلك الزمان.

ولأنى كنت من هواة مشاهدة هذا النوع من عروض الشوارع منذ كنت طفلاً صغيراً، فقد وقفت لعدة دقائق للفرجة على ألعاب هذا الحاوي، المفتول العضلات، صاحب الملامح القاسية، والصوت الجهوري الذى ينم عن الثقة والسيطرة، والذى من فرط قوته تشعر وكأنه إنما يتوجّه بكلماته إلى الكون كله لا إلى تلك الحفنة القليلة من البشر، الراغبين فى المتعة المجانية، و إشباع الفضول.

فى هذه الأثناء اختار الحاوي، وكان يُدعي سيد، أربعة رجال أشداء من بين الجمهور، وكان من ضمنهم شاب مجند يرتدى زياً عسكرياً، فى إشارة إلى صعوبة التحدى، وطلب منهم أن يحكموا وثاقه بحبل خشن وغليظ. وهنا انبرى مجموعة الرجال الأشداء في لف الحاوي وتكتيفه بالحبال، وكأنه من أسري الحرب الذين ضلوا الطريق، فالتقطهم معسكر الأعداء.

بالرغم من الحالة، التي يُرثي لها، التي كان عليها "سيد الحاوي" ، إلا أنه كان يتعمد القيام بأداء تمثيلي، يجمع فيه بين القوة والشعور بالإنهاك فى الوقت نفسه، حتى يمكنه أن ينتزع إعجاب الجماهير وتعاطفهم كذلك. غير أن المثير والغريب فى الموقف أن "سيد" توقف فجأة عن محاولة فك الحبل، وطلب من زوجته، التى كانت تقف بجواره داخل دائرة المتفرجين، أن تقوم بلم النقود من الجمهور فى طبق كانت تمسكه بيدها، وما أن انتهت، حتى طلب منها أن تقوم بعدْ النقود التي في الطبق، وعندما علم أن المبلغ لم يتجاوز الجنيهات الثلاثة جن جنونه، وأخذ يلقى بخطبة عصماء، لا تخلو من تهديد ووعيد، مفصحاً عن نوع خاص وشاذ من التفلسف، خلاصته أنه يملك من القوة ما يمكّنه من اختيار طريق الشر والاستيلاء على أموال الآخرين عنوة، وأنه، بالرغم من ذلك، اختار الطريق المشروعة، وآثر أن يكسب المال بالحلال، غير أن جمهور المتفرجين بموقفه البخيل هذا، إنما يأبى إلا أن يدفعه إلى طريق الشيطان، ولأنه مازال حريصاً على سلك الطريق المشروعة، فلن يفك نفسه إلا إذا امتلأ الطبق بعشرة جنيهات على الأقل، وطلب من زوجته القيام بدورة ثانية حول الجمهور للم المبلغ الذي اشترطه لتحرير نفسه!!

وهنا تركتُ المشهد كاملاً، حتى لا أتأخر عن موعدي، ولأنى لم أعتد دفع مقابل لقاء فرجتي على عروض الحواة، التي تُقام فى الشوارع. غير أني ظللت أتساءل، إذا كان الحاوي هو الذى اختار القيد بنفسه، فلماذا يطالبنا بدفع ثمن حريته؟!.. وماذا لو انفضّ الناس من حوله دون أن يدفعوا شيئاً مما طلب؟.. هل يترك نفسه مقيداً إلى مالا نهاية؟!

بالطبع لا.. فالحاوي، لابد أنه، فى كل الأحوال، سيعمل على فك قيده، خاصة أن الموضوع برمته محض عرض تمثيلي، وربما كان هذا هو المسوغ الشرعي لمطلب "سيد الحاوي" ، الذى يبدو غريباً. فالمتفرجون هنا أشبه بجمهور السينما أو المسرح أو حتى مباريات الكرة، والفرق الوحيد أن عروض الحواة تُقدم فى الشوارع، وليس لها تذاكر ورسوم محددة. غير أن المتفرجين على الحاوي، من جانبهم، ربما يرون أن العروض التي في الشارع لا تقدم مع العرض خدمة حقيقية للجمهور، فليس ثمة مقاعد أو أضواء صناعية أو تكييفات، وإنما المناخ كله طبيعي، والعرض بهذه المثابة يعتمد على السلع الحرة، التي وفرها الله سبحانه وتعالى لكل البشر.

والحقيقة أن مسألة الفرجة نفسها، وارتباطها بالعرض، هي أساس تحديد القيمة، خاصة أن الحاوي يبذل جهداً بدنياً وذهنياً، ويقدم عروضه من خلال مهارة خاصة لا تتوفر للكثيرين، وكلها أمور تستحق المقابل المادي، كأي سلعة ذات قيمة، بجانب التقدير الأدبي والمعنوي المتمثل فى تصفيق الجمهور وصياحه أثناء أداء الحاوي.

والمفارقة، أن الحاوي نفسه، ربما لأنه حاو، قد نجح في تقديم حلاً مبتكراً لهذه المسألة. ففى المنطقة الشعبية ذاتها، وفى تاريخ أبعد، كنت قد اعتدت فى الإجازة الصيفية على مشاهدة "رضا الحاوي" عصر كل يوم. ولم يكن "رضا" مجرد حاو، وإنما كان يشكل سيركاً شبه كامل، بمفرده أحياناً، وبمساعدة بعض معاونيه في أحيان أخرى، فكان يقوم بالألعاب الخطرة بنفسه وبالعروض السحرية كذلك. والحل الذى قدمه "رضا" كان توزيع بعض الهدايا المتواضعة  على الجمهور بأسعار فى متناول الجميع، ولا يلتزم بالدفع إلا من يرغب في اقتناء الهدية، وكان الإقبال عليها شديداً، لأنه كان يضعها فى أكياس ورقية مغلقة، بحيث يدخل عنصر الحظ في عملية الشراء، خاصة أن بعض الأكياس كان يحتوى على هدايا قيّمة نسبياً والبعض الآخر كان بداخله هدايا رخيصة، وهكذا.

وذكاء "رضا" هنا يكمن في قدرته على تحويل العرض إلى وسيلة لجذب الجمهور، لشراء هداياه المتواضعة، ضعيفة القيمة.

والحقيقة أن كلا الرجلين، الذى جعل من العرض سلعة ذات قيمة عالية، والذى جعل منه وسيلة لترويج سلعة أخرى رخيصة، إنما يلخصان المشهد الحالي لإنسان هذا العصر.

ففى ظل مصطلحات "مجتمع الفرجة" و"إنسان الشاشة" أصبحت الرؤية هي الحاسة الأكثر استخداماً، والأكثر استهدافاً. وفى هذا السياق أصبح نموذج "رضا الحاوي" هو السائد في المجال الاقتصادي، ونموذج "سيد الحاوي" هو السائد في المجال السياسي.

ففي ظل عالم يسيطر عليه الفكر الرأسمالي، ولا يهدف إلا إلى الربح المادي الصرف، تنفق الشركات التجارية مبالغ ضخمة من أجل تقديم صورة جذابة ومبهرة، من خلال الإعلانات، للترويج لسلع استهلاكية وهمية قياساً بالعروض الخرافية الضخمة، التي تخلب الألباب، وتدفع المشاهدين إلى التكالب على شراء السلع موضوع الإعلان.

وفى عالم البقاء فيه للأقوى، حتى لو لم يكن على حق، يختار الأقوى، أو يصنع، المأزق الذى يضع نفسه فيه على مرأي ومسمع من الجميع، ثم يعود ليخلص نفسه منه بمهارة يُحسد عليها، على أن تسدد الشعوب فاتورة الإنقاذ أو ضريبة النجاة.

إن استراتيجية خلق الأزمات، والخروج منها، هي واحدة من الحيّل السياسية القديمة الجديدة في آن، ربما بسبب فقر الخيال السياسي، وربما بسبب عجز الجماهير عن تطوير أدواتهم في الفهم والقدرة على قراءة الواقع، سياسياً وإعلامياً.

إن أهم ما يميز عالم الحياة المعاصرة، إنما هو سيطرة نموذج السيرك، وعروض الحواة. وما يميز جمهور هذا الزمان أنهم يدفعون دائماً، وفى كل الأحوال، رغبةً في الراحة الطويلة، والمتعة غير المتناهية، حتى أنهم، من فرط استغراقهم في الفرجة، أدركوا أن سر السعادة لا يكون في القدرة على الفهم وكشف الألاعيب، وإنما في التظاهر بالتصديق وانعدام الفهم، حتى تستمر اللعبة إلى ما لا نهاية، و تتضاعف اللذة دون حد.

 

د. ماهر عبد المحسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5074 المصادف: 2020-07-27 03:43:30