 قضايا

الكوسموبوليتية في زمن العولمة

بشار الزبيديبقلم :د. الكسندر أولفيغ

ترجمة: بشار الزبيدي

لقد تمت صياغة نموذج الكوسموبوليتية في العصور القديمة، وظهرت بشكل أوضح في الفلسفة الرواقية. حيث تنعكس القوانين الكونية في حياة الفرد والعكس بالعكس وإن حياة الفرد تنعكس في بُنية العالم والكون. ولكن لم تجد الكوسموبوليتية طريقها إلى النظرية السياسية إلا في عصر التنوير. في غضون ذلك كانت الانسانية ووحدة البشرية ذات أهمية خاصة أيضا، حيث كان يُنظر إلى الشخص في المقام الأول على أنه شخص وليس كممثل لأمة أو دولة.

بالنسبة لإيمانوئيل كانط، فإن الكوسموبوليتية هي موقف أخلاقي للإنسان، ينبغي أن يجد تعبيراً عنه في النظام السياسي العالمي، في علاقة الدول ببعضها البعض. وينبغي أن تكون نتيجة نقل هذا الموقف إلى الشؤون العالمية سلامًا أبديًا. يدعو كانط إلى مواطنة عالمية تقوم على الحركة الحُرة المطمئنة لشعوب العالم. ولكن في حياة كانط، كان نموذج الكوسموبوليتية حُلماً يصعب تحقيقه.

في عصر العولمة الحالي، فإن فرص انتصار الكوسموبوليتية أكبر من أي وقت مضى. تتم عملية العولمة على مستويات الاتصال والاقتصاد والسياسة. يُمكننا التواصل مع الناس في جميع أنحاء العالم في ثوانٍ عبر الإنترنت. لا يتم تحديد الاتصالات العالمية من خلال التقارب والقيود ، وإنما من خلال الانفتاح والاهتمام بالآخرين والناس الغرباء .إن إرادة التواصل مع العالم بأسره هي إرادة عالمية.

وقد برز سوق رأس المال العالمي في الاقتصاد ، حيث يتم توزيع الإنتاج في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أن أعضاء الشركات يتم توزيعهم في جميع أنحاء العالم ويعملون في جميع أنحاء العالم. يتم تدويل رأس المال: ولا يُمكن تعيين الشركات العالمية في "البلد الأم".

نلاحظ ظهور شبكات ومنظمات عبر وطنية في السياسة. ويُنظر إلى السياسة على نحو أقل على أنها سياسة وطنية. وبات المستقبل مرهونًا للشبكات السياسية العالمية. وبالإضافة إلى المنظمات عبر الوطنية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تدعمها الحكومات الوطنية الفردية، فإن المنظمات غير الحكومية العاملة في جميع أنحاء العالم تكتسي أهمية خاصة. ويركز عملها، على سبيل المثال، على قضايا حقوق الإنسان وحماية المُستهلك والتعاون الثقافي. والأهم من ذلك أن الأشخاص النشطين في مثل هذه المنظمات يتهربون إلى حد كبير من سيطرة الدولة (الوطنية). ولذلك، فإن الروح العالمية تعبر في عملهم بشكل خاص.

ومع ذلك، لا يمكن فرض الكوسموبوليتية على الناس وحدهم أو بشكل حاسم "بشكل فوقي"، من خلال نظام عالمي، ومن خلال الهياكل العالمية. ولا يمكن أن تطوير ذلك إلا من خلال الفرد "من الداخل". ولا يمكن للعوامل الخارجية إلا أن تكثف تشكيلها. وينبغي أن تحمل القيم العالمية "في قلوب الناس"، كما يشير عالم الاجتماع ناتان سنايدر. وتصبح هذه القيم جزءا لا يتجزأ من الهوية الشخصية للفرد، ويمكن أن يكون لها بالتالي أثر سياسي.

بالنسبة للفرد العالمي ، يكون الفرد أكثر أهمية من الانتماء إلى مجموعة. وبالنسة له فإن الهويات الجماعية مثل الأمة أو العرق أو الجنس أو الدين أو الثقافة، أمور ليست حاسمة. إن الإنسان الكوسموبوليتاني يشعر بالقيم العالمية: فالفردية والعالمية تدخلان بالنسبة له في اتصال خلق الهوية. ولا يكاد يوجد أي مجال للنزعة الجماعية. لذلك يتسم الموقف الكوسموبوليتي بشيء متناقض على ما يبدو: من ناحية بالتوجه نحو الفرد ، من ناحية أخرى ، التوجه نحو المجتمع العالمي والأُممي.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5086 المصادف: 2020-08-08 01:23:49