 قضايا

يُجهِضُ الاستبدادُ تشكّلَ مفهومِ الفردِ

عبد الجبار الرفاعيالاستبدادُ بنيةٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ وثقافيةٌ ودينيةٌ واقتصاديةٌ وسياسيةٌ عميقةٌ، تظهر آثارُها النفسية والسلوكية على كلِّ إنسانٍ في المجتمع. الاستبدادُ كالسرطان الذي يتفشى في الجسم البشري، فلو انتشرت خليةٌ منه تفتك بكلِّ ما تصل إليه. سلطةُ الاستبدادِ نسيجٌ اجتماعي معقدٌ، تعملُ كلُّ مؤسساتِ الدولة على توليدها، ويوظِّف المستبدُّ بخبث أفرادَ المجتمع لحياكة سلطته، كلٌّ حسب مهنته ومهارته وطاقته.

الاستبدادُ بنيةٌ تحتيةٌ صلبةٌ متكلّسة، نراها ماثلةً في العائلة، والمدرسة، والمجتمع، والدين، والثقافة، والاقتصاد، والإدارة، ومختلف مؤسسات الدولة. الاستبدادُ عدوُّ الفردية، لا يعرفُ الاستبدادُ معنىً للحقِّ في الاختلاف، ولا يعرفُ معنىً للحقِّ في الخطأ، ولا يعرفُ معنىً للحقِّ في الاعتراف بالخطأ، ولا يعرفُ معنىً للاعتذار عن الخطأ، ولا يعرفُ معنىً للغفران.

لا تنشدُ التربيةُ والتعليمُ في الاستبدادِ تعليمَ التفكير، والحقَّ في الاختلاف، والحقَّ في الخطأ، والحقَّ في الاعتذار عن الخطأ، بل تنشدُ تكريسَ الطاعةِ والإذعانِ والرضوخِ والعبوديةِ الطوعية، عبر تنميطِ الشخصية، وإنتاجِ نسخ بشرية متماثلة، تفتقد ملامحَها الخاصة، فيتوالد الاستبدادُ بوصفه نتيجةً طبيعيةً لكلِّ ذلك.

المجتمعُ في الاستبدادِ استبداديٌ، الثقافةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، الاقتصادُ في الاستبدادِ استبداديٌ، الأخلاقُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، السياسةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، الحزبُ في الاستبدادِ استبداديٌ، الجماعةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، العائلةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ.

ويشدد مونتسكيو على أن: "الدينَ في الاستبدادية هو بحد ذاته استبداديٌ، إنه خوفٌ مضافٌ إلى الخوف"1 . وهكذا يكون التديّنُ في الاستبدادِ استبداديٌ، إذ ترتسم صورةُ الله لدى الناسِ بصورةٍ تشتقّها المخيلةُ من صورةِ المستبدّ، فترسمها بألوانٍ مخيفة تثير الاكتئابَ وتهدّد بالأهوال، تحاكي تجّبرَّ المستبدّ وطغيانَه في الأرض. تشيعُ في فضاءِ الاستبدادِ حياةٌ دينيةٌ مسجونةٌ بمعتقداتٍ ومفاهيمَ مغلقة، تتغلغل في الوعي واللاوعي الفردي والجمعي، وثقافةٌ دينيةٌ لا تعرف معانيَ الحرياتِ والحقوق. الإنسانُ الذي يعيش في نظامٍ مستبدّ يعيش قلِقًا خائفًا مذعورًا، وبدلًا من أن يكونَ الدينُ في حياته مُلهِمًا لطمأنينة القلب وسكينة الروح، ومصدرًا لإيقاظِ الضميِر الأخلاقي، يتحول الدينُ إلى مصدرٍ للتخويف والاكتئاب والقهر والإذعان والتركيع.

الأخلاقُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، إنها أخلاقٌ يتوارى فيها الضميرُ الأخلاقي، بعد أن يخضعَ سلوكُ الإنسان لإكراهٍ يفرض عليه مواقفَ وسلوكًا مضادّا يحجب ما يخفيه من قناعات.  يشيع في الاستبدادِ النفاقُ السلوكي، الظاهرُ في شخصية الإنسان يُكذِّب الباطن، والباطنُ في الشخصية يُكذِّب الظاهر. الاستبدادُ من أخبث خطايا السلطة، لأنه يفسد كلَّ شيء يستحوذ عليه، وهو بطبيعته لا يبقي شيئًا في حياة الفرد والمجتمع من دون أن يستحوذَ عليه.

السياسةُ في الاستبدادِ إلغاءٌ للسياسة. السياسةُ فعلٌ مجتمعي، والاستبدادُ يختزل المجتمعَ كلَّه بفردٍ واحد، يحتكرُ كلَّ شئ بيده. يحوكُ المستبدُّ نسيجًا متشابكًا متشعّبًا وعرًا مركبًا معقدًا للسلطة، يبدأ فيها كلُّ شئ منه وينتهي كلُّ شئ فيه، بل يختزل المستبدُّ المجتمعَ كلَّه بشخصه، بنحوٍ يفضي فيه نحرُ المستبدُّ إلى نحرِ المجتمع.

يتحول الماضي في الاستبداد إلى ماضي المستبدّ، الحاضرُ حاضرُ المستبدّ، المستقبُل مستقبلُ المستبدّ، الأيامُ أيامُ المستبدّ، الفرحُ فرحُ المستبدّ، الحزنُ حزنُ المستبدّ، الثقافةُ ثقافةُ المستبدّ، الآدابُ آدابُ المستبدّ، الفنونُ فنونُ المستبدّ. في الاستبداد يغدو الزمنُ تكراريًا، الحاضرُ فيه يستأنفُ أسوأَ ما في الماضي، المستقبلُ فيه يستأنفُ أسوأَ ما في الحاضر. يبدأ كلُّ شئ من حيث انتهى، ينتهي كلُّ شئ من حيث بدأ، البداياتُ تكرّر النهاياتِ، النهاياتُ تكرّر البداياتِ. كلُّ شيء يتكرّر فتتوقف حركةُ التطور، لأن قوانينَ التطور ينفيها الزمانُ التكراري. التكرارُ يبدّد الشغفَ في الحياة، وتندثر معه قدرةُ الكائن البشري على الخلق والإبداع. في الاستبدادِ يكون كلُّ شئ كفيلم يكرّر نفسَه آلافَ المرات، يتعطّل الزمانُ الشخصي، ويمسي الإنسانُ كائنًا محنطًا.

يتكلم المستبدُّ كثيرًا بالسياسة والدولة والقانون والوطنية، ويشغل الناسَ بالشعارات الثورية، لكنه عمليًا يعبثُ بالحياة السياسية فيهشّمها، ويبدّد مورادَ الوطن بحروبٍ عبثية، ويفكّك الأسسَ المركزية للدولة.

السياسيةُ في الاستبداد مهنةُ من لا مهنةَ له. أما العلماءُ والخبراءُ المختصون في الدولةِ، والنظم السياسية، والإدارة، والاقتصاد، والنظام المالي، ومختلفِ العلوم والمعارف الحديثة، فلا حضورَ لهم في بناءِ الدولة وإدارتها، وإن حضروا لا يمتلكون سلطةَ اتخاذِ قرار، ويظلّ دورُهم هامشيًا، يستخدمهم المستبدُّ ديكورًا لسلطته حيثما يشاء.

المستبدُّ يستثمرُ التراثَ والهوياتِ العرقية والمعتقداتِ الدينية وكلَّ ما يرسّخ تسلَّطه بدهاء، فيثير فزعَ الطوائف ويستعدي بعضَها ضدَّ البعض في الوطن الواحد، بإذكاءِ الضغائن والأحقادِ الراقدةِ في الذاكرة العتيقة، وتفجيرِها بصخبٍ دعائي يثير غرائزَ الثأر والانتقام، ويزجّ الطوائفَ والإثنياتِ في نزاعاتٍ لا تنتهي، يجيّش فيها الكلَّ في مواجهة الكلِّ.

قوةُ الدولة في عالَم اليوم تعكسها قدرتُها على: استيعابِ المتخصصين في مختلف العلوم والمعارف الحديثة واستثمارِ خبراتهم في التنمية الشاملة. كما تعكسها قدرتُها على: تدبيرِ الاختلاف، وإدارةِ التعدّد، وحمايةِ التنوع، وحسمِ النزاعات بشكلٍ سلمي.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..................

1- لوي ألتوسير.مصدر سابق. ص 76.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5133 المصادف: 2020-09-24 12:40:18