 قضايا

إبن خلدون والحركة الكونية

يقدم لنا إبن خلدون في عمله المتكامل، المقدمة، نظريات متعددة الاتجاهات والمواقع. حيث تمثل المقدمة كثافة انتروبولوجية أغناها المؤلف بالقوانين الشاملة والجزئية لتوصيف الحال المعاش والأحوال المرتقبة حسب قانون المشاهد والملاحظة وقياس الغائب بالشاهد. ورغم أن الوضع الحالي لا يشبه الزمن الخلدوني، كما ان تطبيقه الجزئي علي المنطقة الاسلامية عامة واقليم المغرب، ولكن حسب الزمان ذلك، يمثل امتثالا لحالات تتكرر بالمنطق الخلدوني المفعم بالتجارب والابحاث المتواصلة.إذن النظرية الخلدونية عمل مشهور عالميا، لم يؤكده علماء العرب والاسلام بل استشهد بها حتى علماء الغرب منذ مترجمي المقدمة حتى دارسيه.من البارون دي سلان حتى يف لاكوست وجاك بارك وغيرهم. فالمؤدي لنظري للخلدونية، تمكن التآلف حتى مع تطور المجتمعات الغربية في القرون الوسطى، حيث كانت القبائل الجرمانية والسلافية والافرنجية تهاجم مواقع المدن لتغير السلطة وتقيم دولا جديدة.

لقد كانت الفكرة العامة التي قادت ابن خلدون إلى تأصيل قوانينه، هي فكرة بناء الحضارة، وأركان تأسيسها ومراحل نموها، التي هي ثلاث تبدأ بالبناء ثم الازدهار ثم السقوط، ولكن ماذا يقف وراء ذلك؟

حسب ابن خلدون إن الإنسان مدني اجتماعي بطبعه، وهو دائما في حالة بحث عن التطور والكسب المضاف.و هو يعيش في حالة تقليدية مع العائلة والقبلية التي نما فيها وكبر.والحياة القبلية تنتج روح نفسية واجتماعية تحكمها عاطفة متأججة لحماية الإرث والنسل والمعاني الاجتماعية والثقافية لتلك القبلية.وهي بذلك رابطة العصبية التي تعايش روح الفرد والمجتمع بكافة تمثلاته.فهي رابطة اجتماعية وثقافية ودموية.وهي تعبر عن تماسك متنامي لأفراد تلك القبيلة وحماية رموزها وقوانينها وأملاكها وبالتالي يقوم أفرادها بالنزوع إلى القوة ضد الأجنبي والدخيل وبالتالي المقاومة والحرب على كل من يتجرأ للطعن في كرامة وشرف الجماعة المتعايشة في ظل قواعد وتراتيب للحياة المتعارف عليها وهذا يسهله زعيم أو رئيس القبيلة يمثل الموجه والمرشد والحكم في كل الامور الاجتماعية والسياسية وهذا ليس معناه ان يكون فقيها وإماما في كل الحالات، بل تفرضه الرأسمال الثقافي، والجاه والزعامة البطولية لبعض الأشخاص.

هنا تنطرح علينا مسألة مواجهة الغير من طرف القبيلة في صفة مقاومة لغزو خارجي.تؤججها الحمية القبلية والزعامة الفردية لبعض الأشخاص.لذلك يخضع الأفراد لأوامر الزعيم من خلال مشورة جماعية للكبار وأهل الحل والعقد.وقد يكون ذلك الفعل مجرد مقاومة للتوقيف والطرد والإبعاد، وقد تكون نهاية الأهداف وهي القضاء على سلطة المعتدي وقوته، وربما يكون المعتدي يمثل جهاز دولة، فتصبح المقاومة حربا ضروسا لتأسيس دولة أخرى، من خلال الوعي السياسي والثقافي الذي تملكه القبيلة في نظم الحياة.هنا تندرج الأطروحة الخلدونية، في أن البداوة أصل العمران، وتقوم الدولة بعد هجوم البدو على الحضارة الفاشلة، لكي يؤسسوا دولة لاحقة تبدأ بقوة حربية متماسكة.

خاتمة

رغم المجادلات حول نظرياته من طرف الجابري وطه حسين والوردي وحسن حنفي وغيرهم، إلا إن الوصف الجديد والإنجاز العلمي الدي تعمق في الديناميكا الإجتكاعية قد وضع مبددات الطمس الخرافي والهتر التعقلي المتكدس عبر الأزمنة المفقودة، لدا تم إكتشاف تلك الكثافة الأنتروبولوجية في مباحثه، حول السلوك والبناء والعلم والتسيير اليومي للحياة، لكن يجب فهم مقولاته ونظرياته حتى لا نسقط في التعسفية الفكرية والإستنباطية ونربط عقولنا خارج الزمن لأن التطو الحداثي جعل العالم قرية واحدة.وفتح مجالات الفعل والعمل وبناء الحظارات بعيدا عن التعكلف الحلزوني والتقوقع البيولوجي والفيزيائي لأن الإنسان عالمي بطبعه.

 

أ.عتيق العربي - الجزائر       

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5134 المصادف: 2020-09-25 04:49:24