 قضايا

التحول الديني عند أوليفييه روا

حيدر جواد السهلانيأوليفييه روا (1949 - ؟) هو عالم سياسة وفيلسوف فرنسي، أهتم بالكتابة عن الإسلام والعولمة والمجتمعات الشرقية ومجتمعات آسيا الوسطى، ويصفه البعض بأنه رحالة يعشق السفر والتعرف على المجتمعات والثقافات الجديدة، وخاصة الثقافة العربية والإسلامية، ويعد روا من أهم المفكرين الأوروبيين الذي تتقاطع خيوط أفكارهم مع الإسلام والمسلمين في العقود الثلاث الأخيرة، وقد بدأ نجمه يسطع في سماء البحث، منذ صدور كتابه الإسلام وعصرية السياسة عام 1985، وقد عمل روا استاذ في معهد الجامعة الاوربية في فلورنسا في ايطاليا، وعمل مديراً للبحث بالمركز الوطني للبحث العلمي ومديراً للدراسات بمدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، وفي عام 2008 دعي زائراً في جامعة بركلي وبعث كرئيس بعثة تابعة لمنظمة الأمن والتعاون في اوروبا لطاجكستان عام 1993 وعمل مستشاراً لمكتب الأمم المتحدة لأفغانستان عام 1988، حاصل روا على الاستاذية في الفلسفة وعلى شهادة من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، كما أنه حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية. ومن أهم مؤلفاته: الإسلام وعصرية السياسة 1985، تجربة الإسلام السياسي 1992، فشل الإسلام السياسي 2008، الجهل المقدس (زمن دين بلا ثقافة) 2012، جينولوجيا الإسلاموية، الجهاد والموت، أوهام 11 سبتمبر، علاقة الإسلام بالحداثة السياسية في أفغانستان، اسلمة التطرف، الإسلام والعلمانية.

يخالف روا كثير من الباحثين في الإسلام الذين يعتقدون بأن فهم الإسلام السياسي يتطلب البحث في جينولوجيا مفردات وعبارات النصوص الدينية الإسلامية، وأثرها على الإسلام، وبذلك يعتقد روا أن دراسة الإسلام يتطلب قطيعة مع الرؤية التقليدية التي تفرط في تقدير دور النصوص الدينية، ويشدد روا في مراحل مختلفة من كتاباته على احترام ومحبة الإسلام، مؤكداً أن هذا النوع من الإرهاب المسمى (جهادياً) لا يأتي من الإسلام بل يسميه روا (اسلمة الإرهاب)، ويرى أن مرتكبي العمليات الإرهابية بين الشباب الأوروبي المسلم أو المتأثر بالإسلام، كثير منهم لا يتقنون اللغة العربية المكتوبة ولا يتقنون اللغة العربية المتكلمة، وهم من الجيل المهاجر، وعدد كبير منهم عاشوا حياة صاخبة قبل تحولهم إلى ما يسمى الجهاد، فمنهم من ارتكب تجاوزات للقانون قادتهم إلى السجن حيث تأثروا بتعاليم سجناء آخرين ومنهم من ارتكب عمليات سابقة أو قبض عليهم قبل أن يرتكب هذه العمليات. ويرى أن الإسلام وبرغم تأييده للمقاومة في سبيل التحرير من الطغيان والدفاع عن الدين والوطن فإنه لا يشجع الإنسان المسلم على ارتكاب أي عملية تقوده للموت، لأن ذلك يخالف مبدأ القضاء والقدر ومذهب الجبرية، فأمر الحياة والموت في الإسلام بيد الله (جل جلاله) وحده ولا يحق للإنسان المسلم أن يسلبه من الإرادة الإلهية. ويعتقد روا أن الظاهرة المنتشرة بين الشباب اليوم من ارتكاب عمليات ارهابية ضد المدنيين في اوروبا والعالم هي توجه خارج الدين، وهي ظاهرة موجوده حتى عند الشباب الغير مسلم. (ونتفق مع روا في هذا الطرح فالإرهاب لا دين له فكثيرا ما نسمع عن ارتكاب عمليات دموية من قبل شذوذ بعض الشباب ولربما اقرب مثال ما حصل في مسجد النور في نيوزلندا من قبل شاب شاذ لا يمثل دينه ولا حتى عائلته) ويرى روا أن الإسلام في اوروبا يشهد تصاعداً على الرغم من أنهم يشكلون الأقلية، لكن ممارساتهم العلنية تلفت الانتباه، ويعتقد أن التحول داخل الإسلام مستمر.

يتساءل روا هل يمكن رد الدين إلى الثقافة أم إلى العقل، أم أنه متعالي وغير قابل للاختزال، كان ليبنتزا يرى ضرورة وضع نظرية لاهوتية عقلانية مقبولة من الجميع ومائلة من قبل جميع الأديان الكبرى في العالم، ويعتقد روا أنه ثمة ظاهرتان تلعبان دوراً رئيسياً في طفرة الدين اليوم وهما، زوال الصفة الإقليمية وفقدان الهوية  الثقافية، ولا يرتبط زوال الصفة الإقليمية بانتقال الأشخاص فحسب، بقدر ما يرتبط بانتقال الأفكار والمواد الثقافية والإعلام وأنماط الاستهلاك بعامة في فضاء غير إقليمي، ولكن المادة الثقافية تحتاج لكي تنتقل إلى أن تبدو عالمية، غير مرتبطة بثقافة معينة وينبغي فهمها قبل إدراك رسالتها، والحال أن الديني ينتقل خارج المعرفة، فالخلاص لا يتطلب معرفة بل إيماناً. وأن انفصال المعالم الدينية عن المعالم الثقافية ليس نتيجة لإزالة المعالم الإقليمية، فهو يتساوق معها ولكنه يصبح في بيئته، إذ يخضع لسياقات جدلية متغيرة، وهنا يدور الجدل بين اصولية وتوافقية، فالأصولية تضطلع بالقطيعة الثقافية، والتوافقية تعتبر أن تجسد الديني في ثقافة شرط لحضورها في العالم، والاصولي يرى أن معيار الانفصال هو الإيمان فلا تقاسم إلا في الإيمان، أما التوافقي فيرى أن المؤمن يمكن أن يتقاسم ثقافة وقيماً مشتركة مع غير المؤمن. ويعتقد روا أن فقدان الهوية الثقافية يترتب عليها نتائج اساسية، فهي أولاً تحول المسافة بين المؤمن وغير المؤمن إلى حاجز فلا يعودان يتقاسمان القيم المشتركة، وأن فقدان الهوية الثقافية هو فقدان البداهة الاجتماعية للدين، ويرى روا أنه على الدين أن يعقل الثقافة بوصفها دنيوية، أو علمانية، أو وثنية:

1 -  دنيوية، هي الثقافة غير المبالية بالديني، إنها مبتذلة وتابعة، لأنها إن لم تكن عامرة بالروح والإيمان فإن استقلالها الذاتي وهم.

2 - علمانية، هي الثقافة غير الدينية ولكنها شرعية إنها ترقى إلى الكرامة وتكسب مشروعية واستقلالاً ذاتياً، لأنها تمت إلى حسن إدارة المجتمع وليس إلى الموت والحساب والآخرة.

3 - وثنية، وهي تعارض الدين ويكون شعارها حرية الإنسان، وهي لا تعارض القيم الدينية فحسب بل تأخذ مكانها أيضاً.

وبذلك يرى روا أن الدين يتجرد من الهوية الثقافية عندما يريد استئصال الوثنية، ويتثاقف عندما يتكيف مع الثقافة المهيمنة، ويندرج في ثقافة عندما يسعى إلى الحلول في صلب ثقافة معينة، وينسحب من ثقافة عندما يخال أنه غائص في ثقافة مهيمنة. والدين يصنع شيئاً من الثقافة فهو يثبت لغات ويطور المكتوب ويلهم فناً دينياً يحتمل أن يتعلمن، ويمكن أن يتماهى مع شعب فيصبح بذلك ديناً شبه عرقي، كما هي الحال مع بعض الكنائس الارثوذكسية، ويمكن للدين إن يحل محل ثقافة، ويمكن أن يكون الدين معلماً للهوية الثقافية. (في الواقع أنه كل دين يحمل ثقافة معينة ولكن ليس كل ثقافة تحمل ديناً معينا، فالعلاقة بين الدين والثقافة علاقة جدلية وتحمل طابع الأثر والتأثير فكثير من الديانات السماوية أثرت في الثقافات وتأثرت بمرور الزمن بالثقافة). ويذهب روا إلى أن الدين يمكن أن ينبثق من الثقافة بطريقتين، من الداخل بواسطة وحي، أو من الخارج عن طريق العمل التبشيري بأشكاله كافة( فتوحات وإرساليات) وليست العلاقة بالثقافة هي نفسها في الحالتين، ففي الأولى يحافظ الدين على علاقة وثيقة بالثقافة وفي الحالة الثانية، فالعلاقة الخارجية غير أن المسائل المطروحة قد لا تكون مختلفة إلى هذا الحد. ويرى روا أنه في بعض الاحيان يقع انسحاب الدين من الثقافة عندما يفضل المعيار الديني على الثقافة ، وبذلك تبدو الثقافة فجأة كوثنية وليس كحقيقة دنيوية أو علمانية، وأن انسحاب الدين من الثقافة يفقد الدين مرساه الثقافي، وتنسى الثقافة مصادرها الدينية وكل معرفة دنيوية بالدين.(1)

أن التحولات الدينية كانت موجودة على الدوام، لكن في ما مضى كانت التحولات الدينية جماعية وتحصل في أغلبها في سياقات سياسية معينة من فتوحات وإرساليات، أما اليوم فالتحولات قائمة على اختيار فردي وفي سياقات بالغة التنوع وهي تتصف بالكثافة وتتساوق مع الاندفاع السريع للتيارات الدينية الجديدة، التي تنتشر إما داخل الأديان مثل انتشار السلفية في الإسلام، وإما على شكل أديان جديدة، غالباً ما تنعت بأنها بدع، ويعتقد روا أن هذه التحولات هي الانفصال بين الديني والثقافي، فالتحول الديني يدل على الانفصال بين الدين والثقافة، لأن المتحول يبحث عن دين وليس عن ثقافة، وأن كلمة التحول يقصد بها التغيير الديني، فالمرء لا يتحول من الدين إلى الثقافة، ولعله يتكيف معها أو يتعلمها. ولهذا السبب يعامل المتحول غالباً معاملة المشتبه في آمره، المتحول خائن في نظر شركائه القدامى في الدين، وحديثه بالدين الجديد مدعاة للريبة في نظر أعوانه الجدد، فالمتحولون غالباً ما يشتبه في أنهم مازالوا منتمين إلى الدين القديم، وبذلك أن المتحول وأن كان شاهداً على عالمية الدين فهو أيضاً الدليل على انفصال الدين عن الثقافة، وبذلك يعتقد روا أنه لم يعد ثمة اتصال تلقائي بين الثقافة والدين، فقد عدت معالم الدين طليقة وعائمة بل سوف تزداد التوترات حدة مع انتشار حالات التحول وتغير الدين في عالم اليوم، إلى أن تحل اللحظة التي يصبح فيها الفصل بين الأديان والثقافات مستقراً في الأذهان، وأن التحولات هي مفتاح لفهم ما يحدث، غير أن نعيمها المحتم سيكون أيضاً الدليل على أن الأديان ستسعى من الآن فصاعداً على هواها في ما يتعدى الثقافات وأن صدام وحوارات الحضارات ذائع الصيت، الذي يفترض وجود علاقة دائمة ومتبادلة بين الثقافات والدين يبقى استنباطاً وحلماً عقيماً. ويعالج روا التحولات الدينية التي تشهدها الأديان في العالم تحت معالم متداخلة، تبدأ بالهوية والعرق والإقليم والتهجين إلى أن تنتهي بمشاكلة دينية عابرة للقوميات، ويتطرق روا إلى فرضيتين، رفض مقولة عودة الدين، وتأكيد التحول داخل الأديان نفسها، ويجهد روا في تحليل التجاذب المحموم بين الثقافي والديني. ويصل روا إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الأديان الأشد قدرة على اختراق الطبقات والقوميات والأعراف هي التي تجذب المتحولين على اختلاف انتماءاتهم، وهؤلاء بدورهم يعملون على إضفاء صيغ جديدة بعد تحولهم إلى مولودين جدد، مما يؤدي إلى خلق نوع من المشاكلة أو النماذج الهجينة التي تفعلها العولمة وثقافة السوق، وفكرة السوق الدينية التي اضحت موجودة حالياً، هي من حولت الأديان إلى بضاعة يأخذ منها المتدين، بدون أن يولي أهمية بسياقات النصوص.(2)   

 

حيدر جواد السهلاني

..................

الهوامش: 

1- ينظر أوليفييه روا: الجهل المقدس (زمن دين بلا ثقافة)، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، 2012، ص17 - 28 - 29 - 30 - 31 - 58 - 59 - 65 - 69 - 187.

2 -  ينظر المصدر نفسه، ص36 - 66 - 67.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5135 المصادف: 2020-09-26 03:11:32