 قضايا

بنية العقل العربي.. بين السؤال النهضوي وإعادة بنية الوعي

في مشروع محمد عابد الجابري

بسقوط الأطروحة القومية، في السبعينيات، على أثر هزيمة الكيانات العربية في حرب 1967، وسرقة انتصار 1973، تشكل إرهاص جديد في الساحة العربية يهدف إلى البحث عن مخرج للازمة الحضارية، بين اليسار الماركسي، والاتجاه الإسلامي. وبعد أن سقطت مقولات إن الدين هو المعوق في إنحاء العالم جميعا، وان القومية والوحدة بين أفكار العرب هي البديل عن الكيان الإسلامي الموحد.

أتجه الخطاب العلماني إلى قبول الأصول النقلية الإسلاميّة، بوصفها أساسًا للثقافة المعاصرة في العالم العربي، ولكن الفكر البشري المؤسس على تلك الأصول وهو ما يطلق عليه بثقافة النص، هو نتاج القرون الهجرية الثلاثة الأولى، فلا بد من إعادة النظر بذلك النتاج كله.(1) فقدمت كتابات في هذا الاتجاه، ومنها مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري.

يعدّ الجابري مفكرًا منهجيًا صدرت عنه نماذج متقدمة في أكثر القضايا سخونة في الواقع العربي المعاصر، وهي علاقة الدولة بالدين، وثغرات التقدم الحضاري في الواقع العربي.

لماذا تأخرنا (نحن العرب، نحن المسلمين، نحن الشرق ) وتقدم غيرنا (أوربا المسيحية.. الغرب..)؟ سؤال مركزي شغل تفكير جميع مفكري النهضة العربية، منذ السيد جمال الدين الأفغاني(ت1314هـ) ومحمد عبده (ت1323هـ). وحتى زماننا الراهن. هل يكفي أن نعلق كل شيء على شماعة الاستعمار والتأمر الخارجي؟ أم أن هناك عيب في منهجية تفكيرنا فأصبحنا نستأنس التخلف ونجفل من الحضارة والتقدم؟! سؤال أجاب عنه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مشروعه الموسوم بـ: " نقد العقل العربي" .

كان محمد عابد الجابري من أوائل المفكرين العرب الذين قدموا نقدًا منهجيًا للتراث، فقد كان مقتنعًا أن في ماضينا الداء وكذلك فيه الدواء. فأمضى سنين عمره يبحث عن المعوقات التي أعاقت النهضة العربية وحرمتها من الالتحاق بركب الحضارة الإنسانية، حتى بات العقل العربي عاجزا عن التفكير والإبداع، متمسكا بالاجترار والتكرار. (2) فاستقال وخرج من التاريخ.(3)

لقد أمن الجابري في مشروعه القائم على ضرورة الهدم والبناء في التراث العربي. ان مشروع الجابري توزع على مجموعة من المؤلفات كان أبرزها الآتي:

1-(تكوين العقل العربي) صدر عام1984م.

2- (بنية العقل العربي) صدر 1986م.

3- (العقل السياسي العربي) صدر 1990م.

4- (العقل الأخلاقي العربي) صدر عام 2001م.

وتفصيل حديثنا في هذه المقالة نجعله في مبحثين:

المبحث الأول: السؤال النهضوي والأزمة في بنية الثقافة العربية.

ينبغي لنا أن نوضح ماذا أراد الجابري من عبارة العقل العربي وبنيته؟ وماذا أراد أن يجيبنا من كل هذا الكتاب؟ بعبارة أوضح: ما هو السؤال الأهم الذي من أجله كتب الجابري (بنية العقل العربي)؟ أو ما علاقة هذه البنية المعرفية بالتخلف ومعوقات الانطلاق الحضاري؟ وكيف أجاب عنه؟ وكيف برهن على الإجابة؟ في قناعتي هذه أبرز التساؤلات، لأننا من دونها لن نفهم ماذا أراد وكيف عالج.

في البداية لا بد من معرفة المقصود من العقل العربي وبنيته. يرى الجابري أن عبارة (العقل العربي) مثلها مثل عبارة (الفكر اليوناني)، (والفكر الهندي)، (والفكر الفرنسي) تعني في الاستعمال مضمون الفكر ومحتواه، أي جملة الآراء والأفكار التي يعبر بواسطتها هذا الشعب أو ذاك عن مشاكله واهتماماته، عن مثله الأخلاقية ومعتقداته المذهبية وطموحاته السياسية والاجتماعية، وأيضا عن رؤيته للإنسان والعالم. ولا يخرج عن هذا المعنى العام الا العلم. فالعلم كلي لا وطن له.

إذا فعبارة (العقل العربي) تتسع لكل ما ينتجه العرب من أفكار أو ما يستهلكونه منها، في عملية التعبير عن أحوالهم وطموحاتهم.(4)

ومعروف أن هذه المبادئ والمفاهيم والآليات إنما يكتسبها الإنسان نتيجة احتكاكه بمحيطه الطبيعي والاجتماعي والثقافي. ومن هنا تبرز أهمية خصوصية هذا المحيط في تشكيل خصوصية العقل(الفكر). وهكذا (فالعقل العربي) مثلا هو عربي، ليس لأنه تصورات أو آراء ونظريات تعكس الواقع العربي أو تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضا لأنه نتيجة طريقة وأسلوب في التفكير ساهمت في تشكيله جملة معطيات على رأسها الواقع العربي بكل مظاهر الخصوصية فيه.

أما النظام المعرفي عند الجابري فهو: "جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات تعطي للمعرفة في فترة تاريخية مّا بنيتها اللاشعورية."(5)

ويرى ان هذه المفاهيم والآليات الذهنية التي تدخل في تكوين العقل، عبارة عن عناصر متداخلة ومتشابكة بصورة تجعل منها بنية (أي منظومة من العلاقات الثابتة في إطار بعض التحولات) أي ان الجابري يعتقد ان العقل العربي ملتزم بثوابت معينة وان عمله لا يخترقها، وهي الحدود التي تنتهي عندها التحولات والتغيرات.

لقد اختار محمد عابد الجابري ربط (العقل العربي) بالثقافة التي ينتمي إليها، والثقافة التي أنتجته ويعمل على إعادة إنتاجها. ومعنى ذلك أنه نظر إلى العقل بوصفه عقلا مكوّنا أي فاعلية منتجة للثقافة، وعقلا مكونا، أي مجموع القواعد والمبادئ الفكرية المؤسسة لتلك الفاعلية. والتي تشكل في الوقت ذاته القاعدة (الابتسيمولوجية) لتلك الثقافة، أو نظامها المعرفي.

وقد أدت متابعة الجابري وتحليله إلى رصد ثلاثة نظم معرفية متمايزة ومتصادمة في الثقافة العربية، وذلك منذ بداية تشكيلها، كثقافة عالمة، مع عصر التدوين والترجمة في بداية القرن الثاني الهجري.(6)

وهذه النظم المعرفية الثلاثة تقدم كل منها رؤية خاصة للعالم وتوظف مفاهيم معينة وآليات في إنتاج المعرفة الخاصة بها. ولتوضيحها بالمجمل أضعها في العناوين الآتية (7: 

أولًا: النظام المعرفي (البياني) الذي تحمله اللغة العربية.

يؤسس هذا النظام وحده المجال التداولي والحقل المعرفي للفكر العربي على عهد الرسول والخلفاء الراشدين والدولة الأموية. لقد تقنن هذا النظام البياني برؤية ومفاهيم ومنهجية، من خلال نشأة العلوم العربية الإسلامية الخالصة، والمقصود النحو واللغة والفقه والكلام والبلاغة، فأصبح يكرس رؤية للعالم قائمة على الانفصال واللاسببية، ومنهجا في إنتاج المعرفة قومها قياس الشاهد على الغائب. أو الفرع على الأصل.

ثانيًا: النظام المعرفي البرهاني.

وهو النظام الذي دخل الثقافة العربية الإسلامية مع الترجمة، ولاسيما في عصر المأمون العباسي. ويتعلق الأمر أساسا في هذا النظام الذي يؤسس العلوم والفلسفة اليونانية كما صاغ قضاياها أرسطو. ومعلوم أن هذا النظام البرهاني يقوم على رؤية للعالم مبنية على الترابط السببي ويكرس منهجا في إنتاج المعرفة يقوم على الانتقال من مقدمات يضعها العقل إلى نتائج تلزم عنها منطقيا.

ثالثًا: النظام المعرفي العرفاني (الغنوصي).

وقد انتقل إلى الدائرة العربية من الموروث الثقافي السابق على الإسلام، وذلك منذ أوائل العصر العباسي حين أخذ يحتل مواقع أساسية في الثقافة العربية:ويقصد به الفكر الشيعي والفلسفة الإسماعيلية خاصة، إضافة إلى التصوف وكل التيارات الاشراقية والعلوم السرية من التنجيم والسحر والطلاسم وغيرها.

ومعلوم أن هذا النظام المعرفي يكرس رؤية خاصة للعالم قوامها المشاركة والاتصال والتعاطف ويعتمد منهجا في إنتاج المعرفة يقوم على العرفان أي الاتصال الروحاني المباشر بالموضوع والاندماج معه في وحدة كلية.(8)

يرى الجابري أن هذه النظم المعرفية الثلاثة (البيان، والبرهان، والعرفان) تعايشت في إطار من التداخل والتصادم داخل الثقافة العربية الإسلامية ابتداءً من عصر التدوين. وقد كرسها الصراع السياسي على امتداد التاريخ الإسلامي بين الشيعة بمختلف فرقها التي كانت تعتمد النظام العرفاني أساسا لأيديولوجيتها السياسية والدينية، وبين أهل السنة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم والذين اعتمدوا النظام البياني أساسا لرؤاهم الفكرية والسياسية، مع الاستنجاد من حين لآخر بعناصر من النظام البرهاني، الأمر الذي فعلته الشيعة أيضا من جانبها حيث عمل فلاسفتها، خاصة الاسماعيلين منهم والفلاسفة الاشراقيين على تأسيس العرفان على البرهان، تماما كما عمد المتكلمون الاشاعرة المتأخرون إلى تأسيس البيان على البرهان باصطناعهم المنطق الأرسطي أسلوبا في العرض والتقرير، فكانت النتيجة عمليات التوفيق المعروفة بين العقل والنقل، بين الفلسفة والدين، تلك العمليات التي تبدو في ظاهرها كمحاولات لإيجاد ثقافة موحدة وتشييد تصورات للكون والإنسان متقاربة.

غير أن ما كان يتم في عمليات التوفيق تلك هو تكريس مقولات ومفاهيم وتصورات متناقضة متنافرة داخل ساحة ثقافية واحدة.

وقد انتهى الصراع – بحسب الجابري دوما- بين النظم المعرفية الثلاثة المذكورة بانتصار العرفان، لا كنظام معرفي مؤسس لايدولوجيا سياسية أو دينية معينة، بل كبديل لكل نظام معرفي آخر ولكل ايدولوجيا  تريد تبرير سياسة ما أو تكريس واقع سياسي معين.

انه التصوف الذي اكتسح الساحة، والساحة السنية خاصة، فنقل خطاب اللاعقل ليس فقط إلى مملكة البيان والبرهان، مملكة النقل ومملكة العقل، بل أيضا إلى مملكة العامة من الناس، مملكة التقليد والتسليم، مملكة الجمهور الواسع الامي، فكانت الرُبُط الصوفية ونظام المشايخ والطرق وأهل التنجيم هي الإطار الاجتماعي الثقافي والسياسي التي يسير فيها ويتدفق من خلالها اللامعقول بلباسه الديني الذي حول العامة من الناس إلى قوة مادية تقف بالمرصاد لكل نهضة عقلية أو حركة إصلاحية. ذلك هو عصر الانحطاط الذي سجل استقالة العقل العربي، البياني منه والبرهاني.(9)

المبحث الثاني: الهيكل البياني عند محمد عابد الجابري.

بعد أن أوضحنا التساؤل المركزي في مشروعه، وبيان المراد من النظام البياني بالجملة سأضع أمامكم نظرة الجابري إلى أهمية هذه العلوم وأثرها في تشكل العقل العربي، ومشكلة التقدم فيها. مقتصرة في ذلك على البعد اللغوي من مشروعه.

في هذا العمل يشتغل على البرهنة بشكل مفصل على ما أشار إليه في (تكوين العقل العربي) مفصلًا ومفككًا البيان في المنظومة الثقافية. وقد جاءت على ستة فصول تعقبهن خاتمة، تناول فيهن اللغة العربية والفقه وعلم الكلام وأثر هذه العلوم من الناحية المنهجية في صياغة الذهن العربي.

لقد فرض العنوان (بنية العقل العربي) على المؤلف أن لا يباشر الكتابة والتحليل بدون تقديم مدخل يكون بمثابة رؤية مختصرة للمتلقي، وقد كان ذلك منطقيا ما دام الجابري قد انتقل من (تكوين) العقل إلى (البنية). لذلك يوضح الهدف من هذا المدخل بقوله :" يهدف هذا المدخل إلى بناء تصور عام أولي وعام للنظام المعرفي البياني."(10)

وتعتبر هذه الإجابة بداية للإجابة عن السؤال الذي عَنْون به مدخله، وهو (البيان) مع التركيز المنهجي في هذه الإجابة على التفصيلية على نصوص البيانيين أنفسهم للوصول إلى الكيفية التي انتقل بها البيان كنظام معرفي من حالة اللاوعي إلى حالة الوعي، الشيء الذي سيمكننا – والحديث هنا للجابري نفسه من رصد أهم السلطات المرجعية التي تقود التفكير في الحقل البياني العربيّ.(11)

في ما يخص اللغة العربية وسلطتها، فانه يبرر إعطاء الأولوية للغة في دراسة مكونات العقل العربي، لأمور، كان قد أشار إليها في (تكوين العقل العربي) لا بأس بذكرها هنا، وهي ان العربي يحب لغته إلى حد التقديس، وهو يعتبر السلطة التي لها عليه تعبيرا ليس فقط عن قوتها، بل عن قوته هو أيضا. ذلك لان العربي هو الوحيد الذي يستطيع الاستجابة لهذه اللغة والارتفاع إلى مستوى التعبير البياني الرفيع الذي تتميز به. أما الباقي فهم أعاجم. (والأعجم: الذي لا يفصح ولا يبين كلامه). ومن هنا فكلما كان العربي أقدر على التعامل مع اللغة العربية، تعبيرا واستجابة، كان أكثر امتلاكا لما به الإنسان هو إنسان: فالعربي ( حيوان فصيح )، فبالفصاحة وليس (بمجرد العقل) تتحدد ماهيته.(12)

ويعطي للغة العربية الأولوية في دراسة مكونات العقل العربي من زاوية أخرى، وهي: ان أهم ما ساهم به العرب في الحضارة الإسلامية التي ورثت الحضارات السابقة لها هو اللغة والدين. فان الدين بقي عربيًا، ولا يمكن أن يستغنى عن لغة العرب لان القرآن هو ( كتاب عربي مبين)، حتى قال علماء الأصول: " العربية جزء ماهيته."(13)

وقبل عرض النصوص في معرفة البيان لا يغفل الجابري فحص المعنى في معاجم اللغة العربية، ما دامت القضية اللغوية تكتسي موقعا مركزيا في أطروحته، أما النصوص البيانية التي يستقي منها المؤلف فترجع إلى الشافعي والجاحظ وابن وهب، وهذه القراءة المتسلسلة للنصوص البيانية تصل إلى بالمؤلف إلى استنباط القضية التي يريد بسطها في الفصل الأول، وأولها تحمل عنوان : " اللفظ والمعنى" وفي تحليل هذا العنصر/الزوج ينطلق الكاتب من النحو بدءا بسيبويه والمُبرد، وهذا التأسيس للمباحث اللغوية هو الذي مد – بحسب الجابري- المباحث الفقهية والأصولية بالزاد المعرفي الذي قامت عليه، وهو ما يستدل عليه بما ذكره أبو إسحاق الشاطبي من أنَّ الجرمي الفقيه، قال : " أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه (في مسائل الفقه)(14) ويخضع اللفظ/ والمعنى عند الأصوليين لدى الكاتب إلى تقسيمات يعمل على عرضها، ولا يخصص الجابري لهذه القضية فصلا واحدا بل يضيف إليه فصلا آخر. ففي الفصل الثاني يطرح عنوان :" نظام الخطاب ونظام العقل" وقد اتخذت قاعدة الطرح في هذا الفصل صورة بلاغية، لان الذين خاضوا في هذه المسألة بعمق كانوا أساسا من المتكلمين البلاغيين."(15)

ومصادر المؤلف في هذا العرض التفصيلي تقوم على عبد القاهر الجرجاني في نظرية(النظم) مع نقد بعض الآراء الاستشراقية التي تعرضت للبيان العربي، وبعد الجرجاني يقف المؤلف مع السكاكي إلى أن يصل إلى طرح خلاصته من معالجة قضية (اللفظ والمعنى) وقد توزعت هذه الخلاصات تباعا حسب المجالات التي تم عرضها بدءا من مجال النحو، فمجال الفقه، وعلم الكلام، ثم مجال البلاغة.

وفي الفصلين الثالث والرابع نجد عنوانا عريضا موحد بينهما وهو (الأصل والفرع) مع عنوانين جانبين: الأول هو( الخبر والإجماع) وسلط السلف، والثاني هو :"القياس البياني وإشكالية التعليل"

في القسم الأول من الفصل الثالث، يبدأ الجابري بتقديم يبين فيه ظهور ثنائية الأصل والفرع لدى النحاة ثم عند الفقهاء، ليرتشف منه المراد من طرف القضية والمعبر عنه بقوله: " .. وما يهمنا من هذا التقديم هو أن عملية التفكير في هذا العقل البياني محكومة دوما ب (أصل) ولا يقبل ممارسته أي نشاط إلا انطلاقا من أصل معطى .. كما يقوم التفكير البياني أساسا على قياس فرع على أصل."(16  لينتقل بعدها إلى ملامسة قضية الخبر والإجماع اعتمادا على الغزالي، وصولا إلى تقرير نتيجة في الموضوع مفادها إن : " الإجماع أصل من أصول (التشريع) في النحو واللغة، .. والإجماع كما يقول الغزالي: (أعظم أصول الدين) كيف لا يكون كذلك وهو الذي يُحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة."(17)

أما في القسم الثاني من الفصل الرابع، من داخل الأصل والفرع، فيبدأ الكاتب بالتمهيد لمرقع (القياس) المركزي في التفكير البياني، ثم يفصل القول والتحليل في عرض أنواع القياس ومعانيه والاختلافات بين تلك الأنواع عند الفقهاء خاصة، وبهدها ينتقل إلى القياس عند النحاة، ليصل إلى ملامسة القياس عند علماء الكلام، وصولا إلى خلاصة لهذا الفصل مفادها: " يتضح مما تقدم أن التعليل في الفقه مثل التعليم في علم الكلام، مثل التعليل في النحو، إنما يقوم على الجواز، لا على الوجوب، وبالتالي فوظيفته لا تتعدى المقاربة."(18)

وفي الفصل الخامس يطرح محمد عابد الجابري ثنائية مفاهيمية أخرى كعنوان عام، وهي ثنائية الجوهر والعرض، ليستل منها عنوانا جانبيا، وهو: " المكان والزمان ومشكلة السببية" في البدء يحدد مفاهيم العنوان بناءً على أقوال المتكلمين، متوقفا عن المكان والزمان ثم يتحدث عن مفهوم السببية عند الاشاعرة والمعتزلة إلى أن يصل إلى خلاصة يقول فيها: " واضح مما تقدم ان موقف المعتزلة من السببية لا يختلف في جوهرة عن موقف الاشاعرة، فالسببية عندهم، جميعا ليست علاقة ضرورية بين الحوادث، وإنما هي علاقة اقتران بينهما.."(19)

وفي الجانب الثاني من عنوان:" الجوهر والعرض" والذي خصص له الفصل السادس يعود الجابري إلى ما قام به في الجزء الأول من مشروعه، أي تحديد المعنى المعجمي للعقل في كتب ومعاجم اللغة العربية مرورًا بالمعنى في القرآن الكريم، ليجمع بعدها النتائج وينتقل بعدها إلى الوقوف بتفصيل عند مفهوم العقل عند رواد المعتزلة.(20) ثم يعرج بعد ذلك على هذا المفهوم عند الاشاعرة. وتنبني قراءات المفهوم عند هذه الفرق لدى الجابري بناء على روادها الذين يذكر منهم القاضي عبد الجبار، وأبو بكر بن العربي، والباقلاني، مع إرفاق هذا العرض بتسجيل ملاحظاته لإفادة المتلقي بها.(21)

وتكمن أهمية هذه الملاحظات والاستخلاصات والوقفات في أن الجابري لا يحشد النصوص والآراء التراثية للعرض أو الصَّف، وبذلك ينتهي عمله، بل إن العمل يبتدئ قبل إيراد النصوص والاستدلالات التراثية ويستمر بعدها بنفس أطول إلى أن يصل إلى الخاتمة التي تحمل هي الأخرى عنوانا مفاده:" البيان أصوله وفصوله". وحينما يفصل خلاصته حول الرؤية البيانية لا يدعها مطلقة وإنما يقيدها بالصفة العالمة، معتبرا أن ما يحكمها هما مبدأ الانفصال ومبدأ التجويز، معتبرا أن المبدأين اسْتُدعيا للوقوف ضد اللاعقل ومنتجاته.(22)

وما أن يعود إلى ترسيخ السلطة المرجعية الأولى التي تحكم التفكير البياني العربي، وهي سلطة اللغة العربية – والتي طالما ركزها في فصول سالفة وبتلوينات متعددة- حتى يعمل لدعم هذه السلطة عبر فحص بيئة الأعرابي الجغرافية والاجتماعية الرَّملية، وبنية القبيلة،23) ليعود إلى الترسيخ السابق في قوله: ".. من هنا كانت الرؤية البيانية للمكان والزمان، الرؤية التي تحملها اللغة العربية معها رؤية تقوم على الانفصال وليس على الاتصال.."(24)

إلى أن ينتهي في نهاية الخاتمة بالتوطئة للقسم الثاني والموضوع الذي سيعالجه :" إنه العرفان" الذي سيطرح نفسه كبديل للبيان.

 

الباحثة: سُميّة إبراهيم الجنابيَّ

.......................................

(1) د. عبد الأمير زاهد، قراءات في الفكر الإسلامي المعاصر، الناشر: المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة، النجف، الطبعة الأولى-2008م، 37.

(2) عنون أكثر من فصل من كتبه بالاستقالة، فتارة بعنون الاستقالة، وتارة أخرى العقل المستقيل، وتارة ثالثة باستقالة العقل.

(3) ينظر:  محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت، الطبعة السابعة، 20.

(4) محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، 51.

(5) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، الطبعة العاشرة-2009م، 37.

(6) ينظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي،60-62. وقد عقد لبيان ذلك فصلًا كاملًا اسماه (عصر التدوين-الإطار المرجعي للفكر العربي).

(7) ينظر: محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، الطبعة التاسعة، 2009م، 13-14.

(8) ينظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، 195. عالج ذلك في فصل (العقل المستقيل).

(9) محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، 60.

(10) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، الناشر: المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء، الطبعة السابعة، 2000م، 9.

(11) ينظر: المصدر نفسه، 10.

(12) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، 75.

(13) ينظر: الشيخ محمد الخضري، أصول الفقه، الناشر: مطبعة الاستقامة – القاهرة، 1938م، 204.

(14) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، 39.

(15) د. حسين الادريسي، محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي، الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي- بيروت، الطبعة الأولى-2010م، 83-84.

(16) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، 10.

(17) المصدر نفسه، 120.

(18) المصدر نفسه، 165.

(19) المصدر نفسه، 194.

(20) ينظر: المصدر نفسه، 201.

(21) د. حسين الادريسي، محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي، 85-86.

(22) بنية العقل العربي، 227.

(23) د. حسين الادريسي، محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي، 87.

(24) بنية العقل العربي، 229.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5137 المصادف: 2020-09-28 12:52:09