 قضايا

وجودية دوستويفسكي

داود السلمانإذا كانت الوجودية تعتبر الانسان كقيمة عليا ومن ثم تتخذ من هذه القيمة معايير اعتبارية، تحاول من خلالها، رفع شأن الانسان، وجعله في قمة الهرم الذي يُبنى عليه كل شيء إنساني يليق به ككيان فاعل في الوجود، بل الصحيح هو الاهم من غيره قطعًا. بمعنى آخر أن يكون الانسان هو هدف الحياة، وبالتالي لا قيمة للحياة بدون الانسان.

واذا كان هذا صحيحًا، وهو مما لا شك فيه، فإن دوستويفسكي، أفاض، من خلال جُل اعماله الادبية، على الوجود كونه اعطى قيمة حقيقية للإنسان، بل ورفع من شأنه، وجعل من سير احداث رواياته، سيرًا يغوص في طبيعة الانسان وذاتيته وشرح مكنونه، بل وحتى حاول أن يدخل في نفسية الانسان، من الداخل، ليراه كيف يفكر.

الامر الذي جعل فرويد أن يقرّر ويعترف بأنه تعلم التحليل النفسي من اعمال هذا الاديب الكبير، دوستويفسكي، حيث وُجد، ومن خلال تلك الاعمال الروائية العظيمة، يحلل نفسية ابطال اعماله كأنه يعيش في داخل أنفسهم، وفي ضميرهم، وكيف أنهم يفكرون ويعملون. حيث لم يسبق لأديب قبل دوستويفسكي فعل مثل هذا.

لهذا نجد الكثير من الفلاسفة والادباء المحدثين يتأثرون به، تأثيرًا واضحًا، مثل فرويد كما ذكرنا، والفيلسوف الاماني نيتشة، وظهر ذلك من خلال كتاب نيتشة الشهير (هكذا تكلم زرادشت) فالسرد الذي قام به هو قريب جدًا مما كتبه دوستويفسكي- من ناحية الفنية- في روايته (مذكرات من عالم سفلي) والتي اعتمدناها في هذا المبحث على وجه الخصوص، وهي بترجمة زغلول فهمي، وكان قد ترجمها غيره آخرون، ومنهم سامي الدروبي.

ومن خلال ما طرحناه، نرى كما يرى الكثير من ذوي الاختصاص بأن دوستويفسكي يُعد من مؤسسي الوجودية، أن لم يكن هو الاول على الاطلاق، ثم هناك توافق بينه وبين الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجارد على انهما الاثنين قد أوجدا الفلسفة الوجودية أو هما رسما معًا ملامح الوجودية، على إن التاريخ لم يذكر لنا أنهما قد التقيا في مكان أو في محفل ابدًا، وبعضهم أوضح بأن افكارهما كانت متوافقة.

وبقيت مسألة أخرى، هي أن البعض لا يقرّ بأن دوستويفسكي كان وجوديًا، واعتبر أن من يقول بهذا فهو على خطأ، و"خطأ فادح"، إلا وهو الكاتب ابراهيم الزيني، في كتابه (تاريخ الفلسفة- من قبل سقراط الى ما بعد الحداثة) في فصل له حول الوجودية.

وفي هذه المناسبة تقول الكاتبة والناقدة الروسية آ. م. لاتينينا في كتاب (دوستويفسكي- دراسة في أدبه وأفكاره): "تشير مجموعة كبيرة من الابحاث والدراسات الى أن دوافع إبداع دوستويفسكي تتغلغل بصورة واسعة، الى أن الادب المرتبط بالممارسة النفية للنزعة الوجودية.  وعلاوة على ذلك، ثمة رأي واسع الانتشار، يقول بأن افكار الكاتب الروسي العظيم كان لها اثرها الكبير على الفلسفة الوجودية ذاتها.

وهكذا ينشأ موضوع "دوستويفسكي والوجودية" وهو موضوع لا يشك في اهميته كل من يطلع على كل الكتب والابحاث والدراسات الادبية الغربية الحديثة، المكرسة لدوستويفسكي وأدبه وأفكاره".

وحيث أن الوجودية تنقسم الى فئتين: الاولى مؤمنة والثانية ملحدة، فدوتسويفسكي هو يعُد من الفئة الاولى، أي هو مؤمن بوجود خالق لهذا الكون ومدبّر.

وهو القائل على لسان أحد ابطال رواياته: "لو لم يكن الله موجوداً لغدا كل شيءٍ مباحاً، حتى الجريمة".

الانسان:

والانسان، كما عبّر عنه الكسيس كاريل، هو كائن مجهول. بينما عرّفه دوستويفسكي بأنه "مخلوق جحود ذو ساقين".

لكن هايدجر يعرفه بأنه "المخلوق الذي يكون في العالم الذي يحدده الموت، ويجربه القلق، بينما يعرّفه سارتر بأنه الكائن الذي لا يعرف الراحة أبداً، ويحيا بمعارضة ذاته، وترى الوجودية أن الإنسان شخص قلق، وممزق ولديه شعور عميق بالمسؤولية، وأن الشخص الذي يكذب غير مرتاح الضمير".

وهذا القلق الذي ينتاب الانسان دومًا، يأتي لعدم معرفته بمستقبله، وبما سيجري عليه في خفايا الايام، واين سيئول مصيره بعد الموت. وهي التساؤلات المشروعة التي شغلت فكره منذ آماد بعيدة، وحتى اليوم.

الانسان هو الكائن المفكر الوحيد من بين جميع المخلوقات الاخرى، وهذا التفكير جعله عرضة ابدية للقلق، بمعنى إنه لم يستقر على حال من الاحوال. لذلك فهو قلق، وهذا ما اطلق عليه بالقلق الوجودي.

واحيانًا يكون منقبضًا على نفسه، وهذا الانقباض، كما يرى دوستويفسكي يدفع بالإنسان الى اقصى حالات الهستيريا.

ففي حديثه عن الانسان، يقول دوستويفسكي:    "أما الانسان فهو مخلوق طائش متناقض وربما شابه لاعب الشطرنج الذي يهوى اللعبة في حد ذاتها لا نتيجتها. ومن يدري (فليس ثمة قول مؤكد) وربما كان هدف الجنس البشري الوحيد في الوجود ينحصر في ذلك السعي المتواصل لتحقيقه، أو بعبارة أخرى ينحصر في الحياة نفسها لا في الهدف الذي يجب تحقيقه وهو ما يجب التعبير عنه دائمًا بأنه قانون حتمي كاثنين مضاعفة تساوي أربعة ومثل هذه الحتمية.. ليست هي الحياة ولكنها بداية الموت".

ومن هذا المنطلق، تطرأ على الانسان قضايا كثيرة، وربما ينحرف عن جادة الطريق، ويضل عن الصواب، بل يؤكد دوستويفسكي عن انحراف الانسان، وهو وامر طبيعي.

ومن هذا المنطلق يرى دوستويفسكي، عندما يعلل ذلك فيقول:

"ولكن قد يكون سبب انحرافه فجأة لأن الانسان الواقعي العملي مهما كانت حماقته يخطر على باله أحيانا أن الطريق يؤدي في الاغلب الى غاية ما وأن هذه الغاية أقل شأنًا من عملية بنائه، وأهم ما في الموضوع هو انقاذ (الطفل الطيب) من احتقار الهندسة حتى لا يستسلم للبطالة القاتلة التي نعلم جميعًا أنها أس الرذائل كلها".

الالم:

يعتبر دوستويفسكي إن الالم فيه متعة، نرزح تحتها ولربما لا ندركها، وخصوصًا ألم الضرس، لذلك حينما نتأوه من جراء ذلك. يقول:" فالمتألم إنما هو يعبّر عن متعة التأوهات. فلو إنه لم يشعر معها بمتعة لما تأوه.. فهذه التأوهات إنما تعبّر أولاً عن خلو ألمكم  من الهدف، وفي هذا ما فيه من مهانة لإدراككم، كما تعبّر عن نظام الطبيعة المشروع بأسره، ذلك الذي تبصقون عليه بالطبع بازدراء، ولكنكم تعانون منه على الرغم من هذا، بينما لا تشعر الطبيعة بشيء من الألم".

فيرى دوستويفسكي إنه لا يوجد عدو حقيقي تقاومونه، بل كل ذلك ادراكات، وعليه فإنكم تلجؤون للدواء المُسكّن، وإنما تعبّرون عن عبوديتكم لإسنانكم.

واذا لم يجد الدواء نفعًا واستمر الألم، فأنكم ستسخطون وتحتجون على الالم، خصوصًا اذا لم يتوقف ذلك الألم. يقول: "فإذا مضيتم في سخطكم واحتجاجكم فليس أمامك إلا أن تضربوا أنفسكم ضربًا مبرحًا، أو أن تضربوا الحائط بقبضاتكم بكل ما أوتيتم من قوة ارضاء لأنفسكم، وليس في وسعكم مطلقًا أن تفعلوا أكثر من ذلك".

وهذه التأوهات التي يبديها المصاب بألم الضرس، كما يرى دوستويفسكي، هي متعة له، إلا أنها مصدر قلق وازعاج حتى لأقرب الناس اليه(زوجته وابناءه) فيتمنون من اعماقهم أن يكف عن ذلك، لأن متعته هذه أصبحت مصدر قلق لهم لا يمكن يقاوموها.

ويختم حديثه عن الالم بأن يقول: "أن الانسان لن يتخلى عن الألم الحقيقي أي عن التخريب والفوضى. فالألم هو المنشأ الوحيد للوعي والادراك..".

يعني بذلك، إن الانسان، ومن خلال ما يعنيه من الم، وغيره من معاناة أخرى، فأنه من خلال ذلك سوف يعي ويدري ما سيجري له وما ستؤول اليه من قضايا أخرى، وسيعيها عن ادراك.

كما إنه اعتبر العذاب مصدر للإدراك إذ يقول: "إن العذاب هو المصدر الوحيد للإدراك، رغم أنني قلتُ في البدايةِ إن الإدراك هو أسوأُ ما يتميز به الإنسان".

فالألم الذي يشعر به الانسان المتألم لا يمكان أن يدركه سواه، لأنّ الالم لا يألم الا صاحبه (لا يؤلم الجرح إلا من به ألم). وهو عين ما يراه دوستويفسكي بقوله:

"إنّ من الصعب على شخص آخر غيري أن يعرف عمقُ الألمِ الذي أعانيه، وذلك لسبب بسيط هو أنه ليس أنا بالآخر".

فالآخر ليس أنا، وأنا لست الآخر، ألمي اشعر به وحدي، وألم غيري لا اشعر به، بقدر ما يشعر به هو، وهذا منطق العقل.

العقل:

إما العقل فيعتبره دوستويفسكي "شيء ممتاز" فلا يطلب من أحد أن يجادل فيه، أي أن يطالب بماهية العقل، كأنه يريد القول أن العقل مفروغ من الحديث حوله. ثم يستدرك فيقول:" ولكن العقل لا يعدو أن يكون عقلا ولا يرضي إلا الجانب العقلي من الطبيعة، في حين أن الارادة هي مظهر الحياة كلها.. الحياة البشرية بما في ذلك العقل وجميع النوازع الاخرى. واذا كانت حياتنا مصدرها الارادة، هذا غالبا ما تكون غير ذات قيمة، فإنها مع ذلك حياة وليست مجرد استخراج بذور".

ثم يسئل دوستويفسكي عن العقل مستدركًا ما قال فيه آنفًا: "فماذا يعُرف العقل"؟. فيجيب: "إنه لا يعرف إلا ما نجح في تعلمه – وهناك بضعة اشياء قد لا يتعلمها مطلقا. قد تؤلمنا هذه الحقيقة ولكن لابد أن يصرح بها- حين تعمل الطبيعة البشرية كمجموع بكل ما فيها من قدرات من وعي أو عن وعي أو غير وعي وهي تحيا وتعيش ولو كانت مخطئة".

الاخلاق:

كما يقول ابن مسكويه: "الخلق: حال للنفس، داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويَّة، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكًا مفرطًا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتمُّ ويحزن من أيسر شيء يناله. ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر، ثم يستمر أولًا فأولًا، حتى يصير ملكة وخلقًا".

يجزم دوستويفسكي بأن جهل الانسان هو الذي يدعه أن يرتكب الحماقات ومن الاشياء التي من العقل والمنطق أن لا يرتكبها؛ وقضايا أخرى يعدها بأنها "قذرة" يقوم بها من دون تروي ولا شعور بمغبة ما سيحصل. وكل ذلك بفضل الجهل الذي هو مسيطر عليه، ولا ينفك منه إلا بفضيلة العلم والمعرفة، كي يتيقن بأن تلك الافعال هي غير صحيحة وأن مرتكبها غير سليم العقل، أو انسان لا يرعوي.

لذلك يتسائل:" من ذا الذي كان أول من صرح بأن الانسان لا يرتكب أعمالا قذرة إلا لجهله بمصلحته الخاصة، وإنه إذا كان مستنيرًا ومتيقظًا لمصلحته الحقيقية الطبيعية لتوقف في الحال عن ارتكاب الاعمال القذرة، ولأصبح في التوِّ خيّرًا ونبيلا، لأنه لاستنارته ولإدراكه مصلحته الحقيقية سيرى أن في الخير وحده نفعه الذاتي. وكلنا نعلم أنه ما من رجل يستطيع أن يعمل عن وعي ضد مصالحه الخاصة، وبالتالي فإنه من الضرورة سيأخذ في عمل الخير".

إذن عمل الخير يحتاج الى عقل ناضج ووعي يدرك المسؤولية الواقعة على عاتقه على اعتباره إنه انسان مختلف جدًا عن لقية المخلوقات الاخرى، من التي غير مزودة بالعقل والذي من خلاله يدرك جميع افعاله شريرة كانت أم خيرة. وبالتالي يتصرّف بحسب هذه المستويات، محكمًا فيها ارادة العقل.

ويرفض دوستويفسكي شيء اسمه الرغبات، ويرى إن هذا ليس له وجود. ويعلل السبب بـ "أنه اذا ما نشب بين أحدى الرغبات وبين العقل فحينئذ سنحكم العقل لا الرغبة، إذ أنه من المحال ونحن نحتفظ بعقولنا أن نكون غير عقلاء أمام رغباتنا فنعمل عن وعي ضد العقل ونرغب في ايذاء أنفسنا، ولما كان من الممكن حساب كل اختيار وتعقل.. في يوم ما جدول خاص بها بحيث يمكن حقًا أن يكون اختيارنا متفقًا مع هذا الجدول".

ولكون الانسان فيه كثير من العيوب، لكن يبقى شر عيوبه قاطبة، هو انحرافه (عن وعي وعن غير وعي- وبكل معنى الانحراف)، كما يعتقد دوستويفسكي، وانحرافه هذا منذ زمن الطوفان الى عهد شلزويج وهو شلتين، كما يقول دوستويفسكي بالحرف الواحد.

وفوق هذا وذاك، فالزمن دائمًا ما يجود علينا، وسط كل هذا الركام والتعاسة التي يحظى بها الانسان عمومًا، هناك ضوء ينير انفاق الحياة المكتظة بتلك المكدرات التي تكدر صفو الحياة، مما تجعلها نكد لا مبرر له. "لا يفتأ يظهر في الحياة أخلاقيون حكماء ومحبون للإنسانية ممن يجعلون هدفهم طيلة حياتهم أن يعيشوا متمسكين بالأخلاق والعقل ما استطاعوا، ليكونوا نورًا يهتدي به جيرانهم.. لا لشيء إلا ليثبتوا لهم أنه من الممكن يعيش الانسان متمسكًا بالأخلاق والعقل في هذا العالم. مع ذلك فنحن نعلم عاجلا أو آجلا أن هؤلاء بعينهم كانوا يخادعون أنفسهم، وأنهم كانوا يمارسون لعبة غريبة، شائنة في أغلب الاحيان".

وهذه مشكلة أخرى ينوهنا اليها دوستويفسكي، وربما قد عالجها علماء الاخلاق، معالجة جذرية ومن ثم اعطوا الاسباب الكامنة وراء ذلك، وقد نشير الى ذلك في بحوث أخرى بهذا الخصوص، فليس ثمة متسع من الوقت في هذا المكان لإعطاء المزيد من الايضاح.

فلسفة الجمال:

ولفلسفة الجمال لها مأخذ من دوستويفسكي نجدها متناثرة هنا وهنا من اقوال دلت على اهتمامه، وذلك على لسان ابطال رواياته.

فمنها قوله في جمال الحياة: " نحن لا نفهم أن الحياة هي الجنة، لأننا لا نملك إلا أن نفهم ذلك، وسوف تتحقق في كل مرة بجمالها، سنحتضن بعضنا البعض ونبكي".

كذلك قوله في الجمال بشكل عام: "إن الجمال شيء رهيب وفظيع في نفس الوقت! إنه أمر فظيع لمن لم يتأقلم معه، لأن الله لا يميزنا إلا بالألغاز".

الله:

كما ذكرنا في مقدمة حديثنا هذا، هو إن دوستويفسكي كان وجودي مؤمن، أي إنه يقر بوجود الله على إن الكون لابد له من مهندس مدبّر، بضرورة عقلية، وهذا المهندس المدبّر هو الله، بحسب دوستويفسكي، ولولا هذا المهندس لأصبح كل شيء مباح حتى الجريمة، على حد تعبيره.

ولا يزيد على ذلك، في هذا الخصوص، وهو القائل: "لا يمكن للإنسان أن يتعلم فلسفة جديدة وطريقاً جديداً في هذه الحياة دون أن يدفع الثمن".

وجميع الفلاسفة والعلماء والمفكرين فعلا قد دفعوا الثمن، وكان الثمن غاليًا، وغاليًا جدًا، وهو انفسهم التي اعز مما يمتلكون. وهو نفسه قد دفع ثمنًا لفكره ولآرائه، لا يقل شأنًا عما دفع الآخرون ما دفعوا في سبيل حريتهم الفكرية.

فق اعتُقلَ دوستويفسكي هو والأعضاء الآخرين في الدائرة. وأمضى دوستويفسكي  ثمانية أشهر في السجن إلى أن أُطلِقَ سراحُ السجناء اخيرا دون سابق إنذار إلى ساحة سيمونوفسكي. وأُصدِرَ حكمٌ بالإعدام رميًا بالرصاص، وعُرضتْ آخر طقوسٍ، وجُلِبَ ثلاثة سجناء لإطلاق النار عليهم أولًا، ولكن في اللحظة الأخيرة من هذا الإعدام، خُفضتْ الأسلحة، ووصل رسولٌ بمعلومات مفادُها أنَّ القيصر قد تعمَّد العفو عنهم. وفي الواقع كان الإعدام الزائف جزءًا من العقوبة. وواحد من السجناء بعد هذا الحدث أصبح مجنونًا. أمّا الآخر فقد أصبح مؤلفَ أشهر رواية في العالم "الجريمة والعقاب".

الروائي الفيلسوف:

فيودور دوستويفيسكي 1821-1881م هو الأخ الثاني من بين سبعة أبناء لطبيبٍ جراحٍ سريعِ الانفعال، مستبدّ، يتعاقر الخمر باستمرار، وقد سكنت العائلة في حيّ فقير، قريبًا من دار الأيتام، وبالقرب من مستشفى مجانين كان يقصدها فيودور للاستماع إلى قصص نزلائها، حيث ترك المكانان أثرًا كبيرًا في شخصيّة دوستويفسكي، فضلا عن  تعرضه لنوبات صرع بدأت حين كان في التاسعة من عمره لتصيبه بعد ذلك في فترات متفرقة من حياته.

وما لبث أن بدأ اهتمامه بالأدب في مرحلة مبكرة من حياته حيث كان شغوفا بقراءة القصص الخيالية للكتاب الروس والأجانب أمثال تشارلز ديكينز وفيكتور هوغو، وعند بلوغه الخامسة عشر من عمره توفيت والدته في الوقت نفسه الذي قرر فيه ترك الدراسة والالتحاق بمعهد الهندسة العسكرية ليتخرج بعد ذلك ويعمل مهندسًا ويحيا حياة مترفة نتيجة عمله بترجمة الكتب كدخل إضافي له.

أصل الشر

يعتقد دوستويفسكي بأن الشر مغروس في داخل الانسان، ويجسد الانسان ذلك الشر حينما تقتضي حاجته للشر.

ويقول الكاتب حسني حسن: ثيمتان رئيستان في مشروع دوستويفسكي الأدبي. ثيمتان تتكرران باستمرار، وبلا هوادة، في كل ما خطه الكاتب، سواء رواياته أو قصصه القصيرة أو خطاباته في المناسبات الأدبية والوطنية أو حتى في رسائله الشخصية ويومياته الخاصة.. في الثيمة الثانية أولاً.. خلاصة القول في هذا الشأن إن دوستويفسكي لا يمكنه أن يرى الإنسان إلا واقعاً في حمأة الشر، فالشر حتمي في الوجود، وهو قدر البشرية القابض، والحكم الإلهي فيها والذي لا نقض له ولا إبرام. لكن، ما أصل الشر؟ ومن أين يأتي بالضبط؟. تتساوى كل الجرائم كونها، في الجوهر، شرٌ واحد، من جريمة قتل الأب الشهواني المهرج في الكارامازوف بداعي الانتقام أو السلب، إلى جريمة قتل أنستاسيا فيليبوفنا في الأبله بداعي الشغف أو الحب، لجريمة قتل المرابية العجوز بمطرقة راسكلينكوف بداعي البحث عن العظمة عبر سحق الحشرات البشرية التافهة التي تعترض سبيل النابوليون المسخ، إلى جريمة قتل شاتوف في الشياطين بداعي الثورة الأكذوبة، إلى جريمة انتهاك البراءة وتدنيس الطفولة بواسطة سفيدرجالوف في الجريمة والعقاب وستافروجين في الشياطين بداعي تحقيق العظمة الاستثنائية المترفعة على الأخلاق البرجوازية الشائعة والرخيصة، إلى وإلى …. وبلا حصر.

 

داود السلمان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5140 المصادف: 2020-10-01 04:53:19