 قضايا

وددت أن أسمعه ولا أسرده، فضمني ثم على لساني أرسله

عبد العزيز قريش(وهكذا بت لا أفهمه).. خاطرة

رأيت شيخي ـ رحمه الله وقدس سره ـ الذي علمني السهو والغفلة بين حبات السبحة من فرط الخروج من الذات لأجل الذات، وما حوت من أسرار وأخبار تتجلى في شرنقة النفس تحت ظلال الروح السابحة في بحر الصمت وملكوت السكون، المتوهجة بلآلئ الوجد الموجود في طرب الحروف المكتوبة بريق العشق المدفون بين الشفتين في فترتين اثنتين. الأولى يوم البوح بالسر المدفون في الكون، بأن الذي نام هنا على الحصير ما عاد قادرا على الفعل غير التقصير والنداء والتوسل. والثانية يوم سمعت المنادي ينادي أن البلاد تسحب من تحت أقدام العباد، فلا الخرقة ولا اللون ولا اللزق بكافل للرزق، فهبوا إلى مقالع التراب والمعادن، وأشعلوا أتون النار لتبقى أبواب الديار مقفلة عن الأغيار. ففي الطين منابع الأطهار، فتلك معابد الأخيار.. رأيته هذه المرة في منامي على غير عادته، تجمل بطيب العطر ومحياه ابتسامة ود من شيخ لمريد تائه في الزمن والمكان مستيقظا ونائما، حاضرا وغائبا، تائبا وعاصيا ... ازدواجية أحسها الشيخ مني وكأنه عراف فنجان يطالع قهوة مقهور! فسبحان من فتح الحجب على دفاتر الشيخ للتدوين مما رأى في خلوته وجلوته، فأقرأني منها " باب الدخول إلى الوجود من مدخل الموجود الحاكم بأمر الله ". فقال لي، وهو هادئ جالس على قطيفة، وعلى يمينه عكازه، وعلى شماله قربة ماء من طين، وأمامه دفتر وقلم ومداد وسبحة وبلغة: (خذ يا ابني الصراحة من شيخك فيما دون وقال وأجاز، حتى تغمرك عطايا المنان، ويصرف عنك لهيب النيران. فاليوم العالم عالمان، عالم صفاء ونقاء وطهر قلوب وأبدان. وعالم خذلان وخراب بنيان. والوجود فيهما وجودان؛ وجود وجود، ووجود عدم وإن كان الموجود موجود، ومدخلهما باب واحد، ألفيته بعد تمعن، وسباحة عقل، ونداء روح، وقبس إحساس، هو الحاكم، والحاكم حاكمان؛ حاكم محكوم، وحاكم بأمر الله حاكم، وبما أني لم أر من الحاكم المحكوم شيئا لخروجه عن نطاق عالمنا وشطحاتنا وأورادنا، فلم يظهر منه شأن في دفاترنا. وأما الحاكم بأمر الله الحاكم، فشأنه قد استبان في أوراق دفاترنا ومداد محابرنا، من حيث هو مدخلنا في عالمنا العربي والإسلامي " يا ابني العزيز الشاب الظريف " للوجود، والوجود في دول الاستبداد والفساد والتخلف الإنساني والحضاري هو المستبد والفاسد والمتخلف عينه، الذي يهب نسمة الوجود لرعاياه مما استمده هو من خلافة الله في أرضه زعما. فالوجود الإنساني مرتبط بالضرورة بوجوده. وخارجه؛ فلا وجود للكائن البشري مهما كان موجودا، لأن الحاكم بأمر الله لا يمكن في تعاليه إلا أن يسبغ على نفسه من الصفات والألقاب ما أسبغه الوكيل على نفسه. فمعجم اللغة لديه جمع مفردات التبجيل والإجلال والتكريم للتعليم والتدجين والترويض، والتقزيم والتقويض للكيان البشري وشخصيته ونفسيته، حتى إذا ما دعاه أجابه، وإذا ما أمره أطاعه، وإن عصاه سجنه أو سحله أو قتله. فتتجلى عظمته وقدرته على منح الحياة أو منعها عن الفرد باسم المقدس الذي جمع له سدنة المعبد الديني للدلالة على قدسية التوكيل بالحرف والنص والإمضاء، فيلزم الرعية الطاعة والانقياد للتوكيل في زينة الخلق بالصمت والإقرار والهدوء والسكون والاطمئنان. فطاعة هذا المخلوق من طاعة الخالق في قانون المعبد الديني. لا يصح مطلقا الاعتراض عليه ولو بكلمة واحدة لأن الرعية ملزمة بطاعة الحاكم بأمر الله لكي يصح إيمانها واعتقادها بالخالق، وإلا خرجت عن طاعة الله، ودخلت ـ والعياذ بالله ـ في معصيته. فتكون رديفا للشيطان الرجيم في نار جهنم. لذا؛ فالاقتضاء هنا، يوجب الطاعة والامتثال للأوامر لما فيها من مصلحة عامة للرعية. فلا معنى للاعتراض أو النقد بله العصيان والخروج عن الحاكم بأمر الله، فتلك كبيرة من الكبائر لا يأتيها المؤمن بالله الذي وكل حاكمه على عباده، ولا تبرر له منازعته الأمر أو نزع يد الطاعة منه، ولا يكفر عنها إلا بالتوبة وأداء اليمين بعدم العود ثانية مع البيعة من جديد أمام فقيه شرعي من فقهاء الحاكم بأمر الله. ففي كل ذلك موبقات وشر وفساد عظيم مهما كانت موبقات وشر وفساد الحاكم بأمر الله أعظم! فهذا الدستور الديني المنشور على عتبة المعبد الديني المقدس المكتوب بمداد الذهب على شواهد القبور والحفر والزنازين، الذي أمضاه كبير فقهائه العظام وكهنته الكرام، وصادق عليه بالإجماع أعضاء مجلس المعبد المبجلين المدججين بأطنان الكتب والأوراق بعدما اطلعوا على ما جاء في سكه من أدلة شرعية وقانونية وعادات وتقاليد تاريخية وأقوال شفهية، تحذر مما يؤدي إلى الخروج عن الحاكم بأمر الله، وتوجب شرعا الطاعة للموكل إليه بتدبير شؤون العباد في أرض الله طاعة تجلب للبلاد والعباد الاستقرار والأمن والهدوء ولو ضاق العيش وكثر النهب والفساد، وهتك العرض وقوضت الحريات، واستعبد الناس واضطهدوا وقهروا وعذبوا وتعذبوا، وأزهقت أرواحهم في الطرقات والمؤسسات ... فالحاكم بأمر الله في البلاد هو السيد والمولى والشريف والعفيف والكريم، والواسطة والوسيط بين الحاكم والمحكوم الذي يشكل مركز الوجود ودونه لا وجود. لذا؛ فالشرع محكوم بالحاكم بأمر الله، يدور حيث دار بدوران مصالحه ومنافعه؛ فالفتوى في المعبد الديني المقدس تابعة لا متبوعة، مقيدة لا مطلقة كتقييد الآيات بالأحاديث، وتسليطها عليها حتى تنقاد لسلطتها، فتسير تحت سقفها، ولا تعلو عليها. ألم يدرسونك وإياي من قبل يا ولدي في معاهدهم الدينية وجامعاتهم الشرعية أن " السنة قاضية على الكتاب!"؟ وفسروها في معابدهم وكلياتهم حسب فقهائهم وجهابذة علمائهم بحوج الكتاب لتفسير السنة له!؟ ألم يعلموا هم أنفسهم أنهم درسونا ـ  نحن الجاهلين ـ أن أعلى مراتب التفسير هو تفسير الكتاب بالكتاب؟! فكيف تكون إذن شيخي الفاضل السنة قاضية على الكتاب الكريم، سألته متعجبا لا مستنكرا؟ فأجاب: هذه قضية بسيطة في علمنا؛ لكي تقيد السنة مطلق الكتاب وتخصص عامه وقس على ذلك من القواعد الفقهية والأصولية الكثير الكثير، وهذا علم جليل رفيع في مجمع فقهنا المطهر والمقدس لأن مدخل السكينة والسكون والهدوء والسلم والسلام. فلا اعتراض يا ابني الودود على قول يقوله المجمع أو ينشره بين الرعية تبيانا لأصول العقيدة الشرعية عند الغالبية المغيبة إلا حين التصفيق لمن جاءنا وجوده ضمانا لحياتنا وديننا ورزقنا وأنفاسنا ... لأنه أدرى منك ومني فيما يتعلق بالتوكيل ومستلزماته وشروطه ومتطلباته وتفاصيله. ولا اقتراب من حياضه الفياضة إلا بإذن مسبق من كبير فقهائه ضمن حدوده التي يرسمها لك. وإياك وإثارة السؤال لأن السؤال مكمن الشيطان، أعاذك الله وإياي منه. ولتعلم يا مريدي البليد عفوا الفطن الذكي أن المهم الأهم هنا؛ هو الطاعة ثم الطاعة ثم الطاعة على ثلاث كما جرت العادة لأنها ضمان واق من الشر والفساد الأعظم ولو مثله الحاكم بأمر الله وزبانيته! فلزوم طاعته في غير معصية فريضة شرعية ثابتة في أصول الدين، ولا يغرنك الشيطان الرجيم بأقوال المتنطعين والمغرضين الناكرين للسنة المارقين، لهم منا شديد الدعاء بين الحين والحين حتى يعودوا عن غيهم المبين. فهم دائما في دائرتهم من الملعونين المخذولين والمجروحين في الدين. فلا صواب في قولهم مادام خارج نهج المؤمنين الغارقين في فعل ما يقوله به مجمع كبار فقهاء الدين العالمين، وما أمر به من فتوى تجري فيهم مجرى الهواء والدم والأكسجين. فذلك معلم من معالم الإيمان والاطمئنان للفتوى ومسار الحكم والدين، ولأجله لابد من شكر الله تعالى على وجود هذا المخلوق العجيب الذي يحمي الملة والدين، والبلاد والعباد من مكائد الأعداء المغيرين، وينشر بظله السلم والأمن على الرعايا والمؤتمنين حتى يستقيم اعتقادنا وتكتمل عبادتنا في رحاب وجوده العظيم. والحمد لله الذي أمرنا بالطاعة لاستجلاب المصلحة والمنفعة، وعلى تاجها الاستقرار الدائر بين الصمت والسكوت والسكون حين الذكر أو المرور بين المطرقة والسندان حين الجهر بالذكر، فالعبادة عمودها محو الذات حين الذكر. فتعلم يا ابني كيف تصمت وتسكت حين الذكر في رحاب المقدس ... وإياك وفلتات اللسان عند الجهر بالذكر. حينها؛ سألت شيخي قدس سره: كيف يكون للسان فلتات في الذكر بالجهر؟ فأجاب رحمه الله: في الجهر تختلط العبارات والألفاظ والكلمات بالمعاناة والقهر والإحساس والشعور بالنفس الأمارة بالسوء، فتعتمر اللسان بالقول والقيل، فتطفو في مقام السكينة والهدوء والاطمئنان ألفاظها الدفينة على السطح، فتخرج من الجوف كالهواء من البطن مبطلة للذكر، فيجب الوضوء من جديد حتى تصفو النفس وتغدو نفسا مطمئنة بالذكر وفي الذكر. فمقام التجلي لا يليق به إلا الصمت، فالصمت لغة العارفين بالمقام العالي، ينطق بكل شيء ولا يقول شيئا. ويأخذ المريد منه كل شيء دون نطق ولا كلام ولا إشارة ولا عبارة، وإنما إحساسا ونفسا وتنفسا وسياقا وتساوقا. فكن في مقامي ومجلسي هذا كمن سمع ولم يسمع، وفهم ولم يفهم، وكتب ولم يكتب حتى تنجو يا ابني مما فيه أنا من تضاد وجودي، فأنا الحاضر الغائب، الناطق الصامت، الناصح المنصوح، الحي الميت ... سرعت بوضع يدي على جبهته لعلي أتحسس حرارة جسمه، فوجدتها بارة برودة أجسام الموتى، وهمهمت بعبارات غامضة، ظننت أنه لن يعرفها فإذا به يرد عنها قائلا: لست مريضا يا ولدي، ولا بي مس جن، ولا مخبول أو أحمق؛ هو حال العارفين والشرفاء والأولياء هكذا من حين لآخر، لأنهم يرون ما لا تراه العامة من الناس، ألم تراهم غارقين في ذكرهم وعباداتهم وشطحات وجدهم؟ أنصحك ألا تعود إليها مرة أخرى حتى تسلم من سخط الله. فحالهم في مريديهم كحال الحاكم بأمر الله. ألم تر يا ابني ورفيق دربي الحاكم بالله يرعى مصالح البلاد والعباد فيجمع من العلم والذكاء والفطنة والدهاء ما يظهر نعيمه على رعاياه الأوفياء؟ فيسهر الليالي في تمحيص وتدقيق الكليات المغلقة لأجل بصيص أمل هنا أو فتح رباني يأتيه في خلوة فكر لإجلاء مفرداتها الأولية أو مقدماتها الفلسفية، فينبلج الصبح وقد جمع في علمه ما يسعد به العباد والبلاد من رؤى وقرارات وإجراءات. وهو في ذلك كالذي رأى الوادي وقد علته السحب الممطرة بالمال والرفاهية والناس نيام؛ فأيقظهم من سبات الغفلة ساريا بهم نحو أسرة الخيال والوعود المثمرة في الوعود الموعودة بالحلم المهاجر من عالم النوم إلى عالم اليقظة. فذلك عطاء رباني عظيم منحه الخالق للحاكم بأمر الله دون غيره، وخصه به حتى يقيم صلب العباد والبلاد. ألم تر معي فعله فعلا ربانيا أجراه على يديه الكريمتين من عطاء حاتمي وغدق عيش للحاشية والحواشي والمواشي، ولا ينقص ذلك من العطاء مهما عظم وكبر وكثر لأن فيه بركة الحاكم بأمر الله، الذي لا يفرق بين الأظافر والحوافر، ولا بين الضفائر والأباعر، فالكل في النعيم سواسيه ما داموا من الرعية. فاحفظ هذا وقسه يا عزيزي علي، فأنا الشيخ العارف الغارف من كرامات شيوخي وأجدادي ما به أنادي، فيأتي جليا ظاهرا كفلق الصبح، يجري في يدي جريان الماء في النهر، فتسكن به روحي، وتشع به نفسي، فيسري في رعيتي سريان النور في العتمة. ويبدد الظلمة ويضيء سراج النفوس والأنفاس في أزقة المدينة وشوارع البلاد ماسحا كل الكلام المنطوق بالليل والمحرر بالنهار، وحتى في الفيافي والقفار يمحيه من كل الأوراق والأشجار بالماء والاحتراق ...

ولما سمعت من شيخي قدس سره هذا المنطوق الغامض الواضح في متناقضاته ومحمولاته على حد تعبيره، قررت أخذ الأمر على جدية علمية موضوعية تفشي سره هذه الليلة، فقست حرارة ذراعه الأيمن بمنظار الحرارة الإلكتروني وهو يهب بالخروج من شخيري المزعج، فإذا هي تربو على الأربعين درجة وهو غارق في هذيانه وشطحات لسانه. فتطلعت إلى باقي العلامات والإشارات التي أخبرونا بها رسميا عن وباء كوفيد 19، فوجدتها محققة في شيخي، مما أخذني يقينا إلى أنه مصاب بهذا الداء الخبيث اللعين، الذي أخرجه عن أطواره الطبيعية وأغرقه في أقوال مرضية، عصية الفهم على مريد مبتدإ مثلي لا يكاد يفقه من عالم العارفين والأولياء شيئا، ويستنجد بكم في تفسير ما رآه هذه الليلة من شيخ كريم سجاه كوفيد19 بكفن وحنوط وقبر وماء زهر وآي قرآن كريم ولحد، وكتب على شاهد قبره: " وددت أن أسمعه ولا أسرده، فضمني ثم على لساني أرسله: وهكذا بت لا أفهمه ". فهل فهمته أنت؟ هنا أحسست بيد تهزني هزا عنيفا ويقول لسانها: " كفى شخيرا لقد أيقظت سكان العمارة جميعا، يجب عليك زيارة الطبيب هذا الصباح لتكف عن هذه العادة السيئة " ثم راحت هي الأخرى تغط في شخير مسترسل!

 

عبد العزيز قريش

                  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5155 المصادف: 2020-10-16 01:26:47