منى زيتون﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

شتان بين نظرة الإنسان لإنسان من سلالة أو شعب أو قبيلة تختلف عنه على أنه أخيه من أمه وأبيه؛ من حواء وآدم، وبين أن ينظر إليه على أنه من سلالة أو عرق أدنى منه وأقل تطورًا.

كان لأفكار الباحث السكاني والاقتصادي الإنجليزي الشهير "توماس روبرت مالتوس" عن "التكاثر السكاني" أثرها الكبير على تشارلز دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء.

في كتابه "مقالة في مبدأ السكان" وضع مالتوس مبادئ نظريته، التي قارن فيها بين معدلات تزايد السكان ومعدلات زيادة الإنتاج الزراعي، وبينما قرر مالتوس أن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية (2، 4، 8، 16)، فإن الإِنتاج الزراعي في المقابل يتزايد بمعدلات أقل، وفق متوالية حسابية (2، 4، 6، 8)، وأوضح في نظريته أن استمرار هذه المعدلات على صورتها التي هي عليها سيتحتم معها نقص الغذاء عن كفاية جميع البشر.

جاء في كتابه ما نصه: "إن الرجل الذي ليس له من يعيله، والذي لا يستطيع أن يجد له عملاً في المجتمع، سوف يجد أن ليس له نصيبًا من الغذاء على أرضه، فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون، والطبيعة تأمره بمغادرة الزمن".

ونجد تلك الأفكار عن نقص الغذاء المتاح أمام أفراد الأنواع الحية ماثلة بوضوح في كتاب "أصل الأنواع"؛ حيث يحدثنا دارون عن الصراع من أجل البقاء، وانتخاب الطبيعة للأفضل! وهو كلام يبدو مغريًا بالتصديق للوهلة الأولى!

وقد أدت نظرية مالتوس للسكان -التي سادت فترة- وابنتها نظرية دارون إلى حدوث العديد من الكوارث الإنسانية التي تمت دون أن تطرف عين لمرتكبيها بعد أن وجدوا المبرر الذي يريح ضمائرهم، فأبيدت شعوب إبادة جماعية، وتم تعقيم عرقيات من تلك التي اعتبرت أقل تطورًا كالهنود الحمر والسود في أمريكا؛ لمنعهم من الإنجاب، لأنهم ليسوا الأعراق الأفضل لاستمرار مسيرة البشرية، وقتل النازيون المرضى في غرف الغاز، كما تمت إبادة ملايين في روسيا لتقليل الوقت اللازم لأجل الوصول للتقدم والتنمية.

فهل حقًا يعتبر الصراع لأجل البقاء أساسًا لاستبقاء الحياة على سطح الأرض؟

إن مراجعة بسيطة للتاريخ الإنساني تجعلنا نقرر أن البشر خاصة لم يتقاتلوا على الغذاء كغذاء، والله تعالى حين خلق الأرض ومن عليها، قدّر فيها أقواتها، فهو لم يخلقنا من أجل أن نتصارع من أجل البقاء، وموارد العالم تكفي كل الخليقة التي خلقها الله وأعطاها عمراً لتعيش، إن أُحسن توزيع تلك الموارد. الصراع نحن من خلقناه وأوجدناه، وليس ضرورة لاستمرار العالم.

كما إن ذلك التوازن بين أعداد السكان والموارد تم الحفاظ عليه من خلال آليات عديدة مثل الكوارث والأوبئة والحروب، وقليلًا ما لعبت المجاعات دورًا مشابهًا في تاريخ البشرية، وآلية مثل الكوارث –على سبيل المثال- لا دخل لها بصلوحية الأفراد للحياة.

أما الحديث عن تكاثر نوع حي واحد والأعداد المهولة التي يمكن أن ينتجها في فترة زمنية محدودة، وماذا لو بقيت كلها دون أن يكون هناك صراع، وأمثال ذلك مما يسوقه التطوريون، هو حديث مبالغ فيه، فالكائن الحي الضعيف الذي ينتج أعدادًا هائلة في دورة التكاثر الواحدة، لم ينتج كل تلك الأعداد إلا للحفاظ على النوع؛ لأن ما ينجو منها ويبقى أعداد قليلة، وذلك بفعل عوامل كثيرة، وكلما كانت عوامل التهديد أكثر أنتج أعدادًا أكثر، والعكس بالنسبة للأنواع الأقوى فنراها لا تنتج سوى أعداد قليلة في دورة التكاثر الواحدة، وفي الإنسان يتم إنتاج طفل واحد فقط، على الأغلب.

وفي حال الأنواع الضعيفة، فموت صغارها أو عدم بلوغ الأجنة الميلاد من الأساس، ليس هو الصراع الذي تحدث عنه دارون بين الأفراد البالغة على الغذاء، فهذه مغالطة واضحة، وطالما نتحدث عن الغذاء، فمن المعروف أن سلاسل الغذاء في البيئة الطبيعية لو تُركت تعمل دون محاولة للإخلال بها -كما يحدث عادة من قِبل الإنسان- فإن ذلك كفيل بالحفاظ على التوازن البيئي.

فهل كان دارون عنصريًا؟!

في ضوء ما سجله دارون من آراء في كتابه "رحلة البيجل" عن سكان أرض النار "الفوجيين"، وهي جزر قبالة الساحل الجنوبي لأمريكا الجنوبية، تتضح لنا نزعته العنصرية التي جعلته يراهم جنسًا بدائيًا لا يمكن أن يرتقوا أخلاقيًا وعقليًا لمستوى الإنسان المتحضر! وأنهم همجيون، ولا شك أن أسلافه كانوا يشبهونهم! ووصل الحد إلى أن قارن هؤلاء البدائيين بالإنسان المتحضر، وقال إن الفرق بينهم كالفرق بين الحيوان المستأنس المدجن ونظيره المتوحش!

ويمكن تفسير هذه النزعة العنصرية لدى دارون بنشأته؛ فهو من عائلة أرستقراطية مكنته من انتحال دور أكبر بكثير مما هيأه الله لأمثاله من ضعاف العقول. وتاريخه التعليمي الفاشل قبل رحلة البيجل يظهر مستواه العقلي المنحدر.

فحقيقة تشارلز دارون أنه ليس هو الإنسان الطيب الخلوق كما حاول كثيرون ممن تعرضوا لحياته أن يصفوه. دارون هو من صاغ العنوان الفرعي لكتابه "أصل الأنواع" ليكون "الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة"!

إن عنوانًا كهذا يظهر إلى أي حد كانت لدى الرجل نزعة عنصرية واضحة، أنتجت نظرية عنصرية، جرت على البشرية أهوالًا، فعلاقة نظريته واضحة بكل من الداروينية الاجتماعية وادعاء سيادة أجناس على أخرى، وما استتبعها من صهيونية ونازية وإبادة لبعض الأجناس في أفريقيا.

وقد وصل الأمر في أوائل القرن العشرين أن كتب البيولوجي إدوين كونكلن المعروف بآرائه العنصرية أن الإنسان الأسود أكثر شبهًا بإنسان نياندرتال من الإنسان الأبيض أو الأصفر، وهذا يثبت أنه أقل تطورًا. ويمكن القول إنه كان –وربما لا زال- هناك تصور عام لدى التطوريين  أن الإنسان الأسود يمثل السلف المشترك المفقود بين الإنسان والقرد، أو على الأقل إحدى تلك الحلقات المفقودة.

ومن أشهر الفضائح التي حدثت في ذلك الصدد ما عُرف باسم فضيحة "أوتا بينجا"، ووفقًا لموسوعة الويكيبديا: "هو قزم من الكونغو (1883 – 1916)، تم تقديمه في المعرض الأنثروبولوجي في سانت لويس (ميزوري) عام 1904، بوصفه أقرب حلقة انتقالية للإنسان، ثم عُرض في حديقة الحيوان في برونكس عام 1906 في قفص مع بعض القردة على أنه السلف الأقرب للإنسان".

كان ما حدث لهذا الإنسان البائس الحلقة الثانية من حلقات ظلمه، حيث سبقتها الحلقة الأولى عندما تم أسره بعد قتل المستعمرون البلجيك زوجته وطفليه وسائر أهل قريته، وكان من حظه السيء أن بيع إلى صامويل فيليبس فيرنر Samuel Phillips Verner الذي وصل أفريقيا في مهمة قذرة، وهي شراء أقزام أفارقة؛ ليتم عرضهم في حدائق الحيوان في أمريكا على أنهم سلف الإنسان الأبيض، والأقرب للقرود، وذلك بغرض إثبات صحة نظرية دارون!

وهنا قد يقول قائل مدافعًا عن دارون ونظريته إن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان مستمر ودائم منذ بدء الخليقة، وإنه حتى وفقًا لقصة الخلق التي ذكرتها الكتب السماوية فإن أول جريمة قتل على ظهر الأرض قد حدثت من أخ طوعت له نفسه قتل أخيه.

وهذا كلام بلا شك صحيح، فالتمييز العنصري والاستعمار وخلافه من أشكال الظلم الجماعي الذي تقوم به قوميات تجاه أخرى لم يكن وليد منتصف القرن التاسع عشر، لكن التطور هو أيدولوجية تحمل أفكارًا عنصرية، حاولت إعطاء مبرر علمي للتمييز العنصري والصراع بين الأعراق البشرية؛ أي أنه لأول مرة في تاريخ البشرية صار ذلك الظلم مبررًا، بل ويخضع لحكم الطبيعة التي اقتضته!

وقطعًا فإن هذا الاقتناع بنظرية التطور التي هي ليست علمًا؛ إذ لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة -رغم كل دعايات التطوريين- قد استتبعه الرغبة في الحفاظ على نقاء ذلك العرق الأبيض المتفوق، باستمرار التمييز والفصل بين الأعراق، حتى وصل الأمر في أوائل القرن العشرين لقتل وسرقة عظام جثث سكان الأعراق التي اُعتبرت أقل تطورًا، وبيعها للمتاحف في الغرب، ليتم ملء المتاحف بعظام ما سُمي زورًا بالحلقات الانتقالية لأشباه البشر! كما لا يخفى على ذي بصيرة كيف استمد الاستعمار دعمًا قويًا من نظرية دارون.

ولا زال التمييز العنصري ماثلًا في الغرب ضد الهنود الحمر والسود في أمريكا، وضد سكان أستراليا الأصليين، الذين لا زالوا يعتبرون وفقًا للنظرية أيضًا من الأعراق البدائية، وتؤخذ أراضيهم –حتى اليوم- بغير وجه حق لصالح المستوطنين البيض. وهناك الآلاف من الحالات الموثقة لتلك الجرائم العنصرية في تاريخ البشرية، من منتصف القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، ولن يكون آخرها أحداث شغب بالتيمور 2015.

إن الفرق بين الظلمة من مدعي التحضر في زماننا والبشر البدائيين أن البدائي كان أكثر وضوحًا واتساقًا مع نفسه؛ فلم يكن يختلق مبررات كي يتصرف وفقًا لقانون الغاب!

 

د.  منى زيتون

 

خديجة ناصريإنّ كل حديث عن الثقافة في العالم العربي يجرنا عادة للبحث فيما إذا كانت هناك ثقافة عربية حاليا أم لا، لكننا لا نبتغي من هذه الدراسة البحث عن مضمون هذه الثقافة كائنة أم أنها في حيز التكوين، وما نود أن نؤكد عليه في ختام هذا البحث هو أنّ الثقافة العربية الراهنة يجب أن تفهم أزمتها، في ضوء مستجدات العصر، فالأمة العربية في تجربة انبعاثها تحتاج إلى دليل نظري، يمس جوانب الثقافة كأفق تشتغل من خلاله للخروج من أزمة تخلفها الحضارية، ومن هنا جاز لنا طرح التساؤلات التالية كدليل منهجي ينير لنا الدرب خلال هذه القراءة:

- ما الذي يمكن استشرافه فيما يتعلق بدور الثقافة في مستقبل الأمة العربية ؟

- ما الدور المتوقع الذي يمكن أن تضطلع به الثقافة بناء على ما هو موجود ومتاح من معطيات واقعنا العربي؟

أولا: الخطاب الفلسفي العربي حول الفعل الثقافي:

إلى وقت قريب كانت محاولة إثارة قضية الثقافة ضمن آفاق المشروع النهضوي العربي يثير أكثر من تساؤل وذلك بسبب الغياب الشبه التام للدراسات العلمية التي تهتم بالمسألة الثقافية، في حالة افتقار لجدل معرفي وسجال فكري جاد وحاسم، يسهم في بلورة الإطار النظري والعملي لفكرة الثقافة، على الرغم من كون الثقافة من المفاهيم التي سجلت حضوراً مبكراً في الخطاب العربي، فمع بداية الاتصال الفكري والمعرفي بين المجتمع العربي والمجتمعات الأوروبية انتقل مفهوم الثقافة إلى القاموس العربي، فكان "سلامة موسى" في مصر، أوّل من أفشى لفظ ثقافة مقابل(Culture) [1]. وقد تأثر في ذلك بالمدرسة الألمانية في تعريف ربط الثقافة بالأمور الذهنية، حيث عرّف الثقافة بأنّها هي المعارف والعلوم والآداب والفنون التي يتعلمها الناس ويتثقفون بها. كما ميز في المقابل بين الثقافة (Culture) المتعلقة بالأمور الذهنية والحضارة (Civilisation) التي تتعلق بالأمور المادية. وإن كان ما يهمنا في هذا المقام ليس التأصيل اللفظي لكلمة ثقافة، إنّما ما يعنينا هو الممارسة الفعلية لهذا المفهوم.

هذا الفرض، أي غياب الاهتمام بالثقافة في إطار الفكر العربي، يبدو صحيح في بعض جوانبه إذا احتكمنا إلى منطق التأصيل المفهومي للثقافة، أما القول بغياب الثقافة في العالم العربي كممارسة عملية لا يجد له مبررات لتأكيد على صدقيته، فإذا كانت الثقافة كما يتم تعريفها هي ذلك "الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجرى حياتها، فالثقافة هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركبا كليا متكامل المعنى متماسك الوجود قابلا للحياة"[2]. فإنّه يتوجب علينا أن نصادق على ما قاله "أحمد برقاوي"، الذي يعتقد، "أنّه من النادر أن نجد أمة من الأمم المعاصرة، تجعل من هويتها الثقافية موضوعا للنظر والبحث، بكل قلق ممكن، ودون كلل أو ملل، كما هو الحال مع العرب"[3]. ومن هنا يمكن الحديث عن الثقافة العربية بما تشهده من حراك وتقلبات على مستويين: أولها الثقافة بوصفها أفكار يتم بلورتها على مستوى الوعي، وهذا يتموضع ضمن الخطوة المنهجية. وثانهما الثقافة بوصفها بنية موضوعية أي الثقافة واقعيا، وهذا ما يندرج ضمن الجانب المعرفي:

1- الجانب المنهجي:

تفرض هذه الخطوة نفسها لكون مفهوم الثقافة في الفكر العربي ما زال يفتقد للدقة والوضوح ولبس في التحديد، فالثقافة اللفظية وثقافة التجميع والاقتباس وثقافة الترجمة والنقل الاجتراري، حلت محل المضمون الحقيقي لمفهوم الثقافة، وهذا ما أدى إلى ظهور العديد من الدراسات التي دعت إلى ضرورة بناء مفهوم جديد للثقافة بمقومات عربية لأنّ المفاهيم والمصطلحات كما يقول "محمد عمارة" عبارة عن هوية فكرية تحمل رسالة حضارية وجب فهمها والتعامل معها كشرط لازم لأي حوار فكري هادف وجاد[4]، ومن هنا تبرز الحاجة لتشكيل تركيبة مفاهمية برؤية عربية إسلامية ولعل أبرز هذه المفاهيم مفهوم الثقافة الذي نال خلال العقد الأخير القسط الأكبر من الدراسة في الفكر العربي، ولأنّه بقدر اتساع هذه المحاولات بقدر ضيق الأفق الذي نشتغل من خلاله ولهذا سنخص بالذكر مفكرين عربيين وهما محمد "عابد الجابري" و"طه عبد الرحمان"، وقد وقع الاختيار عليها لانتمائهما للحقل الفلسفي.

أ- استراتيجية التجديد الثقافي العربي عند الجابري:

لقد حاول "الجابري" بكل السبل المعرفية المتاحة ضمن ما أسماه ب: "مشروع التأصيل الثقافي" أي التأصيل الثقافي للمفاهيم الحديثة، إعادة بناء مفهوم الثقافة من خلال كتابه الموسوم ب:"المسألة الثقافية في الوطن العربي"، وبناء مفهوم المثقف ضمن كتابه: "المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد" بالصورة التي تجعل هذه المفاهيم تعبر داخل الثقافة العربية عن المعنى الذي يعطى لها اليوم في الفكر الأوروبي حيث تجد مرجعيتها أصيلة، وتنتمي للأفق المعرفي الذي يتخذ منها وسائل وأدوات للتفكير من خلالها.

وقد خلص "الجابري" بعد تحليله للاختراق الذي أصاب الثقافة العربية، إلى ضرورة تجديد هذه الثقافة من الداخل وفق ما يسميه ب:"استراتيجية التجديد من الداخل"، والعبارة التالية توضح بجلاء ما كان يروم إليه "الجابري" مؤداها: "إنّ تجديد الثقافة أية ثقافة، لا يمكن أن يتم إلاّ من داخلها: إعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحـــاضر بالمــــاضي في اتجاه المستقبـل. والتجديد من الداخل يجب أن يكون استراتيجية عامة، سواء تعلق الأمر بالثقافة العالمة أم بالثقافة الجماهيرية"[5].

ومن هنا تأتي دعوة "الجابري" من خلال المحور الذي عنونه ب: لا انغلاق ولا اغتراب بل التجديد من الداخل. وعلى المفكرين والباحثين أن يتعاملوا مع الثقافة العربية كمقوم من مقومات الوطن العربي، لا بوصفها مقولة مبتورة عن المجال المعرفي التداولي الذي يشكل هويتها، يتلخص ذلك في قوله: "موضوعنا ليس هذه الثقافة العربية هكذا بإطلاق، أعني بوصفها حقلا أو حقولا معرفية وأيديولوجية يمكن أن تدرس وتحلل كما تدرس وتحلل المعارف والعلوم بقطع النظر في علاقتها بهوية حاميلها، بل موضوعنا، بالعكس من ذلك، هو الثقافة العربية كما تتحدد بالإضافة إلى الوطن العربي، أي بوصفها مقوما من مقومات الوطن العربي نفسه"[6].

كما حاول "الجابري" العمل على إعادة بناء مفهوم المثقف، ويظهر ذلك في مقولة "التبيئة" التي تعني بحسبه ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطا عضويا. و هذا ما يسميه "عمر كوش" أقلمة المفاهيم[7]، أي تبيئة مفهوم المثقف في ثقافتنا العربية الإسلامية، من حيث أنّه لا معنى للحديث عن مفهوم دون أن نكونّ له مرجعية أصلية واضحة، وإلاّ يكون الحديث عنه شبيه بشيء معلق في فراغ، يقول بخصوص ذلك: "لاحظنا ضبابية واسعة في الخطاب العربي المعاصر في استخدام مصطلح المثقف رغم رواجه الواسع، إذ هو لا يشير إلى شيء محدد و لا يحيل إلى نموذج واضح و لا يرتبط بمرجعية واضحة ذلك لأنّه بقي يفتقد إلى التبيئة الصحيحة في الثقافة العربية الإسلامية، ذلك لأنّ مفهوم المثقف الذي نقل إلى الثقافة العربية عبر ترجمة ناجحة دون شك، غير أنّه لم تتم تبيئته بالصورة التي تمنحه مرجعية واضحة في فضائنا الثقافي، فبقي غريبا رغم انتشاره الواسع"[8].

ب- التجديد القيمي للثقافة العربية عند طه عبد الرحمان:

يعرف "طه عبد الرحمان" برؤيته القيمية في عملية التجديد الثقافي، وهو يدرس هذه القضية من موقع الندية، حيث يؤمن بالمقدرة التي يتمتع بها المفكر العربي ليس فقط في إعادة صياغة وبناء المشروع النهضوي العربي على المستوى الداخلي كما ذهب إلى ذلك الجابري، بل يتعدى الأمر ذلك إلى فرض القيم الإسلامية على الفكر الغربي والتأثير عليه لا التأثر به. بحيث تصبح الثقافة العربية الإسلامية ثقافة عالمية لأنّ هذا هو موقعها في الأساس.

يكمن التحدي بالنسبة "لطه عبد الرحمان" في مواجهة الغرب الذي عمل على إفراغ الثقافة العربية الإسلامية من محتواها الأصيل واستبداله بمضامين ثقافته، وأول خطوة يجب القيام بها هي إعادة النظر في مفهومنا للثقافة نفسه وبناء تعريف جديد يستمد مادته من جوهر البيئة العربية الإسلامية. يلتقي هذا الطرح مع موقف "نصر محمد عارف" في كتابه: "الحضارة، الثقافة، المدنية، دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم" بخصوص ضرورة تحرير المفاهيم السائدة من مضامينها الغربية وتأصيلها عربيا وإسلاميا في إطار مرجعي أسماه أسلمة المعرفة[9].

يرى "طه عبد الرحمان" أن العمل على بناء مفهوم جديد للثقافة العربية ينطلق من درء المفاسد التي عمل الغرب على نشرها في الكيان العربي، يوجز هذه المفاسد في أربع:

- الاستتباع الثقافي: فقد عملت المجتمعات الغربية ولا تزال تعمل على إبقاء المجتمعات العربية تابعة لها.

- التخريب الثقافي: حيث تقوم الثقافة الغربية برأيه، بجملة من العمليات التخريبية، ترمي إلى هدم ونسف قيم الثقافة العربية الإسلامية.

- التنميط الثقافي: إذ يسعى العالم الغربي في ظل الهيمنة الاقتصادية إلى فرض نمطه الخاص في التفكير والسلوك على العالم بأسره مدعما لهيمنته الثقافية.

- التلبيس الثقافي: فقد قامت الثقافة الغربية على ثلاثة مبادئ حداثية قطعت من خلالها صلتها بالقيم الإيمانية العظمى:

- مبدأ الاشتغال بالإنسان بدلا من الاشتغال بالله.

- مبدأ التوسل بالعقل بدلا من التوسل بالوحي.

- مبدأ اعتبار الدنيا بدلا من اعتبار الآخرة.

هذه المبادئ التي ارتكز عليها المشروع الحداثي ولدت إنسانا ماديا لا يقيم للمبادئ الأخلاقية اعتبارا ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجديد مفهوم الثقافة العربية وربطها بالمجال التداولي العربي[10].

يتضح من خلال هذه القراءات أنّ البوابة للخروج من المأزق الحضاري العربي هي إعادة النظر في الجهاز المفاهيمي للفكر العربي بداية بمفهوم الثقافة بوصفها ذلك المفهوم الضام الذي تنصهر فيه كل الأفعال الإنسانية بالصورة التي تمكن العقل العربي من استوعاب للصلة بين ماضي الأمة العربية وحاضرها ومستقبلها، في موقف عملي من قيم الماضي والحاضر والمستقبل. لأنّ الثقافة موقف نظري وعملي من الحياة ومن المجتمع، كما أنّها موقف نظري وعملي من القيمة التي تخضع للتطور. هذا الموقف يحتاج إلى روح الفاعلية والإبداع والخلق والتجديد، في مقابل الابتعاد عن السكونية والثبات   والتقليد والتكرار. لذلك فهي تمثل للعقل العربي الصلة بين ماضي الإنسانية وحاضرها، وبين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها، في مركب ثقافي جديد يستوعب الصلة بين الواقع القومي العربي والواقع الحضاري للعالم الراهن.

2- الجانب المعرفي:

يأتي التركيز على الجانب المعرفي، كخطوة على طريق التحديث الثقافي العربي، من باب كون المعرفة لصيقة بالثقافة في كثيرة من جوانبها إن لم نحكم بالقول أنّ المعرفة تمثل جوهر ولب الثقافة فكثيرا ما نجد تعاريف تجعل من المعرفة مرادف للثقافة، فيقال "أنّ ثقافة مجتمع أو أمة أو طبقة أو جماعة اجتماعية هي طريقتها في معرفة الأشياء، وبناء إدراك حولها، أو قدرتها على تكوين صورة ذهنية عن الأشياء وتنظيمها وترتيبها"[11]. ومن هنا جاء هذا الطرح لمناقشة بعض القضايا المعرفية والتي أضحت تؤرق المفكر العربي وتثقل كاهله نذكر من بينها:

أ- الثقافة العربية ومشكلة التقليد (الأصالة والمعاصرة):

يعد التقليد أحد العلل التي تنخر جسد الثقافة العربية ولم تجد لذلك مخرجا أو حل، والتقليد يكون على مستويين:

- إما بالإنكباب على الذات واختزال الواقع بطريقة تعسفية في خطاب تطغى عليه النزعة الإنية، فالثقافة العربية المعاصرة ما تزال أسيرة وحبيسة الماضي، تقوم على تقليد التراث العربي القديم تقليد أعمى في كثير من جوانبه، في عملية تكرار لأشكال وصيغ تعبر عن واقع لم يعد موجود، وبعدة مفاهمية استوفت شروطها وانتهت صلاحيتها. وهي بسبب هذا التقليد لم تفقد قدرتها على الإبداع والتجديد وحسب، بل ترجم ذلك فشلا ذريعا حتى في تكوين صورة صحيحة للماضي القومي، وبدلا من إعادة إنشاء صورة هذا الماضي على ضوء مكتسبات الفكر المعاصر، ومستجدات الواقع الصناعي الحداثي الجديد، تستسلم بسهولة وكسل لمجموعة الصور المتناقضة التي تجمعت حول هذا الماضي.

- وإما بالتنصل والتنكر للتراث العربي مقابل الانصهار والذوبان في الآخر الذي يتمثل في وعينا العربي في الفكر الغربي، في شكل حالة مرضية كانت نتيجة صدمة اللقاء بالحداثة[12]، وما ترتب عنها من انبهار وانسحار بقيمها، وقد توهم أصحاب هذه الرؤية القيام بعملية فتح آفاق معرفية جديدة تتشرب من نفس مشارب الحداثة الغربية، في عملية استطلاع وتنقيب عن تربة جديدة ومناخ جديد للثقافة العربية هما تربة ومناخ الثقافة الغربية الحديثة. بيد أنّ الأمر أدى إلى استقاء حلول جاهزة تنتمي لبيئة مغايرة وغريبة عن كيان الثقافة العربية، فكان هذا المسعى يتطلع إلى النتائج ويتوقف عندها دون أية محاولة لربط الأسباب والنتائج والثمار بجذورها، وهو بهذا الموقف يحتفظ بنقطة الانطلاق التي انطلق منها الجانب الأوّل أي بالتقليد والاستسلام والكسل. فالفرق الوحيد بينهما هو القطب الذي تدور حوله الثقافة، الماضي أم الحاضر.

هذا ما جعل تجاوز مشكلة الأصالة والمعاصرة أحد المفاتيح الأساسية لتجديد الثقافة العربية وهذا ما تبرزه الفقرة التالية "لزكي الميلاد": "التجديد في الفكر الإسلامي لا يمكن أن يتحقق من دون إعادة قراءة التراث من جديد، وبمنهج العقل النقدي، وعلى أساس فلسفة التواصل وليس الانقطاع، وبخلفية الهضم الاستيعاب، وسعيا نحو التجاوز والإبداع. كما لا معنى للتجديد، إذا لم يبدع الفكر الإسلامي معاصرته وحداثته في إطار شروطه التاريخية والثقافية يبرهن على قدرته في مواكبة العصر، والانخراط في تجربة الحداثة العالمية، والمشاركة في إنتاج المعرفة[13]. إلاّ أنّ "زكي الميلاد" ينتهي في نهاية المطاف إلى عملية توفيقية إذ يعتقد أنّه لا يمكن أن نواجه علوم العصر بعلوم التراث، كما لا يمكن أن نواجه علوم العصر بالتخلي عن علوم التراث[14]. وقد لا يكون هذا الحل هو الأنسب للخروج من الأزمة التي تمزق الثقافة العربية، ويمكن النظر إلى القراءة التي أوردها "ناصيف نصار" الأقرب إلى جوهر المشكلة الذي اتخذ موقف الاستقلال الفلسفي كشرط للإبداع في هذا المجال، فهذا هو الشرط الضروري الذي يمكن الفيلسوف العربي المعاصر المشاركة الفعلية في الفلسفة في زمنه متجاوزا بذلك مجرد الوقوف عند محاولات التأريخ لها أو إتباع واحد من مذاهبها[15].

ب- طغيان السياسة على الثقافة (الثقافة والسلطة):

فقد حلت السياسة محل الثقافة في المجتمعات العربية وبذلك عجز الفكر عن تجديد ذاته، فقد رأى "عبد الإله بلقزيز" أنَّ الوعي العربي قد أضاع وقتا ثمينا في استهلاك بعض أوهامه، وفي استنزاف طاقته النظرية في معارك، خرج منها منهكا خائر القوى. لأنه قد استصغر شأن الثقافة كثيرا، ولم يطلب منها إلاّ القليل الذي لا يجزي، وأنّه انصرف عنها إلى غيرها متوسلا إياه أن يسد حاجته، ويدرأها عنه. وفي زحمة انصرافه عنها عاين كيف تتآكل رهاناته، وتتعرض للخواء، وكيف يفر نقع التاريخ عنه ويعقد موعدا مع أمم وثقافات أخرى[16].

ويفسر "بلقزيز" التجاهل العربي للمسألة الثقافية بالانصراف والمراهنة على الجوانب السياسية والاقتصادية، واعتبار الثقافة شأن هامشي عرضي، فقد سقط الوعي العربي حسب تعبيره تحت وطأة "الإغراء السحري الزائف للنزعتين الاقتصادية والسياسية"[17]، وهما نزعتان استبدا بالفكر العربي ردحا من الزمن، فهناك من يعلن دون هوادة أولوية ما هو سياسي على ما هو ثقافي، وعلى الرغم من اعتراف هؤلاء أنّ المتغير الثقافي بما ينطوي عليه من فكر وفلسفة يعد عاملا مهما وجوهريا فيما يتعلق بتحقيق خصوصية أو هوية أي أمة ناهضة. ومع ذلك يجب التسليم بأولوية العامل السياسي على أي عامل آخر، سواء تعلق ذلك بنهضة الثقافة عموما أم تعلق الأمر بنهضة الفلسفة خصوصا وتفعيل دورها في الثقافة. وأولوية العامل السياسي تتضح أولا في كونه العامل الذي يحدد سلم الأولويات الأخرى، وبالتالي فإنّه يحدد حجم ومكانة الثقافة في سلم هذه الأولويات.

وقد تذرعوا لإثبات مزاعمهم بالحضارة اليونانية التي شهدت نظاما فريدا في الحكم وهو النظام الديمقراطي الذي فتح المجال أمام الناس ليمارسوا حريتهم في الرأي والتفكير والنقد، فبقدر المساحة المفتوحة أمام الفكر، وبقدر ممارسة الديمقراطية كأسلوب حياة وتفكير، يكون حظ الأمة في بناء الثقافة. ولا شك أنّ النظام السياسي لا يخلق بذاته ثقافة، ولكن من المؤكد أنّه يوفر المناخ الملائم والشرط الضروري الذي يسمح بوجود ثقافة وفكر قادر على تشكيل عقل الأمة وتحقيق نهضتها[18].

تعرض هذا الموقف للنقد فنجد "محمد عابد الجابري" مثلا إلى جانب ثلة من المفكرين يدعون إلى ضرورة تحرير الثقافة من السياسة، لأنّ "السياسة سلطة والثقافة حرية، والسلطة تقتل الحرية وتكبلها وتلغيها"[19]. في حين نجد في المقابل بعض الأطراف التي تنظر إلى الأمور من زاوية مغايرة حيث ترى أنّ الثقافة العربية الراهنة مازالت معزولة عن إطارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأنّها لم تتعد حدود وصف هذا الواقع في أحسن الأحوال وصفا جزئيا، فهي لم تتجاوز مرحلة التحليل العلمي للواقع من وجوهه المختلفة إلى مرحلة إنشاء صورة هذا الواقع على أساس النظرة الشاملة إلى ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى واقع المجتمع البشري الراهن وإلى التيارات المستجدة في هذا الواقع. وبالتالي فإنّه على الثقافة أن تخلق مجال للتواصل مع الشأن السياسي والمشاركة فيه، وهذا لا يعني الدخول في الصراعات السياسية التي يشهدها العالم العربي، بل العمل على تشكيل صورة أوضح للتقليل من حدة هذه النزاعات.

جـ- أزمة تواصل (الثقافة والمجتمع):

الثقافة العربية المعاصرة اكتفت بالمحاولات الفردية و لم تأخذ شكل تيارات فكرية جماهيرية، فمهمة تجديد العقل العربي هي مسؤولية جماعية وهي ملقاة على عاتق كل فرد عربي، ويؤكد "طه عبد الرحمان" في هذا الشأن أنّ التجديد الذي يؤدي إلى التثقيف لا يمكنه إلاّ أنّ يكون جماعيا، ومنه يؤكد على ضرورة تقوية أسباب التداخل الثقافي بين الشعوب العربية والإسلامية والفقرة التالية على أهميتها تلخص هذا الشرط الرئيس: "لا يكفي في ذلك إقرار مبدأ التعاون والتنسيق بين مختلف الأجهزة الثقافية الموجودة في العالم الإسلامي، بل ينبغي أن تشترك بلدانه بالسوية عمليا في بلورة وتخطيط وتنفيذ مشاريع ثقافية متتالية على قاعدة سياسية ثقافية مدروسة بعيدة المدى لتوحيد الأمة"[20]. لأنّ هذا الانشطار بين الطبقات المجتمعية في بلادنا أدى إلى خلق غموض في صلة العقل العربي بالواقع العربي، ثم إنّ صورة هذا الواقع لم تتوضح لأنّ تراكمات كثيرة غلفتها بكثير من الأضاليل، وذلك مرده غياب للدور الحقيقي للمثقفين العرب لأنّهم لا يعيشون هذا العالم في صورته الكلية الشاملة، وتبقى قراءاتهم مسيجة وأحادية الجانب، فالمثقفين العرب لا يمكن أن يملئوا محتوى هذه الصورة إذا اكتفوا بالقليل من القراءة الصحيحة للواقع والمزيد من الكتابة. فيجب على المثقف أن ينهل من نطاق كبير من المعارف حتى يستطيع أن يتحدث عن الثقافة حديثا ذا مغزى[21]. دون أن نتجاهل الدور الباهت لوسائل الإعلام في العالم العربي والتي لا تسهم في عملية البناء الحضاري والثقافي بالقدر الذي تعمل على تدميره وتخريبه.

د- أزمة في المنهج:

إنّ محاولة التأسيس لثقافة عربية أصيلة، بتجاوز ما يعيق طريقها نحو التقدم لا يمكن أن يتحقق، إلاّ بوجود منهج علمي صارم، يعمل على توجيه هذا المسعى نحو المسار الصحيح. فالثقافة العربية المعاصرة تفتقد المنهج التطبيقي الذي يمكنها من تحديد استراتيجية للثقافة ولدور العقل العربي في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العربية، فالثقافة العربية ما تزال تتجرع ويلات الافتقاد والافتقار للمنهج الأمثل لقراءة الواقع العربي، فتارة تتخذ من المنهج التفكيكي الحفري طريقا ودليلا وتارة أخرى تستعين بالمنهج التأويلي، وتستخدم المنهج البنيوي طورا والمنهج الفينومينولوجي طورا آخر، وهكذا دوليك إلى حد لا يكاد الوضع العربي يستكن إلى منهج معين إلاّ ويظهر منهج جديد. وبهذا تبقى الثقافة العربية تتخبط بين المناهج الغربية، في وقت هي أحوج فيه إلى ابتداع منهج يلج إلى عمق الأزمة العربية في خصوصيتها وتمايزها عن غيرها.

إنّ الاهتمام المتزايد بالمسألة الثقافية في الخطاب العربي، هي أوّل خطوة على طريق تشكيل وعي عربي مدرك لعمق الأزمة التي تحتاج إلى إعادة النظر في البنى المعرفية المؤسسة لهذا الخطاب، لأنّ الثقافة هي التي تزود المشتغل في حقل الإنتاج المعرفي بالرؤية الكلية التي تحدد التركيبة الذهنية لأي جماعة بشرية، وهذا ما يحتاج إليه المفكر العربي حتى يتفادى الرؤى الجزيئية، التي تفتقد للعمق والدقة والنجاعة. ومنه فإن العمل على بناء مفهوم جديد للثقافة بمرجعية عربية حاجة وضرورة وليست اختيار، لأنّ بناء جهاز مفاهمي بصيغة عربية يمثل البوابة للعبور إلى نهضة عربية، فبعد المراهنة على السياسة وبعدها الاقتصاد بقي أمام هذا الخطاب المراهنة على الثقافة كآخر الدفاعات التي قد تشكل المنفذ للخروج من مأزق التخلف الحضاري العربي. ولا يكون ذلك ممكنا إلاّ بتجاوز مسألة التقليد بنوعيه: تقليد التراث أو تقليد الغرب، الذي يشكل حجر عثرة في وجه التقدم في العالم العربي، فتدارك هذا الإخفاق يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفك محنة التخلف العربي. وزيادة على ذلك تبرز الحاجة إلى صياغة منهج جديد يساعد على قراءة الأزمة العربية، بالشكل الذي يسهم في تشخيص دائها مما يتيح وصف الدواء، وفي الأخير فإنّ العمل الجماعي وتضافر الجهود خطوة ضرورية في سبيل التأسيس للمشروع العربي في كل جوانبه ومن ثمة تحقيق وثبة في مسار التقدم الحضاري.

 

بقلم: ناصري خديجة

ماستر 2 فلسفة القيم

...................................

[1] سامي الخشبة، مصطلحات فكرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1997م، ص89.

[2] معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة، الكويت 1987م، ص 35.

[3] رضوان السيد. أحمد برقاوي، المسألة الثقافية في العالم العربي الإسلامي، الطبعة الثانية، دار الفكر، سوريا، 2001م، ص17.

[4] محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، نهضة مصر العربية، مصر، ص 169.

[5] محمد عابد الجابري. المسألة الثقافية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، المغرب، 1999م، ص223- 229.

[6] المرجع نفسه، ص22.

[7] عمر كوش، أقلمة المفاهيم: تحولات المفهوم في ترحاله، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2002م، ص40.

[8] محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000م، ص 14.

[9] نصر محمد عارف، الحضارة الثقافة المدنية: دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض، ص31.

[10] طه عبد الرحمان، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق ص 98.

[11] جمال مفرج، قضايا الثقافة الإنسانية في مشروع نيتشه الثوري، (رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه، إشراف الربيع ميمون، جامعة قسنطينة، الجزائر،2003م - 2004م)، ص52.

[12] ينظر: أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الإتباع والإبداع عند العرب: صدمة الحداثة، الطبعة الأولى، دار العودة، بيروت، 1978م.

[13] زكي الميلاد، الإسلام والتجديد: كيف يتجدد الفكر الإسلامي، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2008م، ص279.

[14] المرجع نفسه، ص 281.

[15] ناصيف نصار، طريق الاستقلال الفلسفي: سبيل الفكر العربي إلى الحرية والإبداع، الطبعة الأولى، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1975م. ص17.

[16] عبد الإله بلقزيز، في البدء كانت الثقافة: نحو وعي عربي متجدد بالمسألة الثقافية، أفريقيا الشرق، لبنان، د سنة، ص13.

[17]المرجع نفسه، ص 14.

[18] أميرة مطر، الفلسفة عند اليونان، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977م، ص 35- 36.

[19] محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية في الوطن العربي، مرجع سابق، ص230.

[20] طه عبد الرحمان، الحق الإسلامي في الاختلاف، مرجع سابق، ص96.

[21] نبيل علي، الثقافة الإسلامية: رؤية معلوماتية: خصائص الثقافة العربية في ظل حوار الثقافات، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2006م، 89.

 

محمود محمد عليلا شك في أن أول ظهور لمفهوم حروب الجيل الرابع، كان قد صدر لأول مرة في عام 1989 من قبل فريق من المحللين الأمريكيين، من أمثال "وليم ليند William Lind "، و"جون شميث John Smith "، و"جوزيف سارتون Joseph Sarton "، و"جاري ويلسون  Gary Wilson " وغيرهم، لوصف الحروب التي تعتمد على الصراع الذي يتميز بعدم المركزية بين أسس أو عناصر الدول المتحارَبة من قِبل دول أخرى، وقد أُطلق اسم حرب الجيل الرابع على الحرب على " المنظمات الإرهابية حسب المفهوم الأمريكي، والتي يكون طرفا الحرب فيها جيشاً نظامياً لدولة ما مقابل لا دولة أو عدو أو خلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم" .

وقد كانت الحرب التي قامت بين الولايات المتحدة وفيتنام نموذجاً لحروب الجيل الرابع، وذلك عندما استطاعت القوات الفيتنامية في حرب فيتنام، أن تهزم الولايات المتحدة التى تعتبرأقوى جيش في العالم وإلحاقه بالخسائر البشرية والمادية، وهذا خير مثال لحروب الجيل الرابع؛ حيث استطاعت قوى ضعيفة أن تكبد الخسائر لقوة أكبر، وتعتبر أحداث  11 سبتمبر مثالاً آخر على تلك الحروب؛ حيث توضح مدى قدرة قوة غير نظامية والمتمثلة "في "تنظيم القاعدة" في استهداف البرج التجاري الأمريكي وإلحاق الخسائر بالولايات المتحدة واستهدافها في عقر دارها" .

كما يطلق على حروب الجيل الرابع "الحروب اللامتماثلة " أو "الحروب غير المتكافئة" والتى تعنى وفقاً لما قاله  المفكر الصيني" سون تزو Sun Tzu " منذ سنين مضت قائلاً :" إنه من الصعب أن تدخل في حروب ضد قوة عسكرية أقوى بنفس الأسلحة المتناظرة، ومن ثم يجب البحث عن أساليب مختلفة لاستخدامها بهدف إلحاق الخسائر بالقوة الكبرى، وفي رأيه يتمثل هذا الأسلوب في استهداف وحدة المجتمع حيث عندما يتم تحطيم التماسك الاجتماعي سيؤدي إلى تحطيم القوة العسكرية " ؛ في حين ذهب "أنطونيو إتسيفاريا" – الأكاديمى العسكري الأمريكي –  بأنها " تلك الحروب التى تعتمد على نوع من التمرد التى تستخدم فيه القوات غير النظامية كل الوسائل التكنولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية بهدف إجبار العدو – الذي يمثل قوة نظامية- على التخلى عن سياسته وأهدافه الاستراتيجية ". أما "ماكس ماينورج" - المحاضر في معهد الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكى- فيعرف تلك الحروب بأنها :"تلك الحرب التى تكون بالإكراه،  وتعمل على إفشال الدولة، ثم فرض واقع جديد يراعى المصالح الأمريكية، ويتم زعزعة الاستقرار" .

واختلف المحللون الاستراتيجيون والعسكريون في تعريف أجيال الحروب فبعضهم يعرفها بـ  :

أ- حرب الجيل الأول: هي الحرب التقليدية بين دولتين لجيشين نظاميين ،الخبير العسكري والكاتب الأمريكي "وليم ليند" يعرفها أنها حروب الحقبة من 1648 حتى 1860؛ حيث عرفت بالحروب التقليدية هي التى كانت سائدة في الحروب القديمة وتعنى وجود جيشين نظاميين يواجهان بعضهما البعض، باستخدام تكتيكات خطية وعمودية ويستخدمون السيوف كأداه عسكرية.

ب- حرب الجيل الثاني: تم تطوير هذه الحرب على يد الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى ، فتطورت الأدوات المستخدمة بدلاً من استخدام السيوف، مثل حروب الجيل الأول فأصبحوا يستخدمون المدفعية والطائرات، وذلك بسبب التطور التكنولوجي الذي حدث في تلك الفترة، كما أنه يعتمد على تكتيكات منضبطة ومازال يعتمد على العنصر البشري في الحرب، ومن أمثلة ذلك النوع : الحرب العالمية الأولى.

ج- حرب الجيل الثالث: يعرفه البعض بالحروب الوقائية أو الاستباقية:  كالحرب على العراق مثلاً ، ويعرفها الخبير الأمريكي "وليم ليند" ويوصفها بأنها طوُرَت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية، وسميت بحرب المناورات وتميزت بالسرعة الفائقة وعنصر المفاجأة، وتم استخدام الطائرات، والدبابات، وأدوات التجسس، والهجوم من الخلف، بدلاً من المواجهة المباشرة التي كانت تتميز بها الأجيال السابقة من الحروب، كما لديها القدرة على نقل المعارك إلى الأرض.

د- حرب الجيل الرابع: وهي التي تهدف إلي  تحطيم المؤسسة العسكرية أو القضاء على قدرة الدولة، ولكن تهدف إلى إنهاك قوة الدولة المعادية، والتآكل البطئ في إرادتها من أجل إجبارها على تنفيذ ما تريده القوة التي تستخدم هذا النوع من الحروب. كما تهدف إلى إفشال الدولة من خلال عمليات بطيئة تنفذ في الدول المعادية، بحيث يصبح هناك جزء من أرض تلك الدولة لم يقع تحت سيطرتها، ومن ثم سيسهل ذلك سيطرة الجماعات الإرهابية على هذه المنطقة، ويطلقون من خلالها العمليات الإرهابية، لضرب الدول المعادية، مثل ضرب المرافق الاقتصادية، وخطوط المواصلات؛ أي ضرب المؤسسات الحيوية لإضعاف قوتها.

كما تعمل على خلق حالة من التعقيد السياسي، سواء على مستوى المنظمات الدولية التي تقوم بمهام مختلفة أو محلية،  بالإضافة إلى أن هذه الحرب من الناحية السياسية، يمكن أن تؤثر على جوانب مختلفة، فمثلاً إن الموقف الأمني في بلد ما له تأثير مباشر على قدرة الدولة في الحصول على قروض، وهو ما يعطى حروب الجيل الرابع طرقاً مختلفة للتأثير على موقف الدولة أو القيام بفعل تمهيدي كافِ للتأثير على الحالة المالية للدولة المستهدفة وتشجيعها على المفاوضات، ومن ثم فالهدف هو إحداث حالة من الشلل في العملية السياسية للدولة المستهدفة. كما تهدف التنظيمات التي تقوم باستخدام مثل هذه الحروب إلى تحقيق نجاح سياسي وليس عسكري، وتركز على تغيير عقول صناع القرار أي تغيير أراء وسياسات صانعي القرار في الاتجاه الذي يرغب فيه الخصم،  وذلك من خلال الضغط النفسي والإعلامي .

بيد أن الدول المتقدمة لم تنتظر صياغة استراتيجيات وتكتيكات حروب الجيل الرابع ؛ حيث لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلي استخدام حروب الجيل الرابع في شكل ممارسة عفوية تلقائية، من خلال صراعها ضد الاتحاد السوفيتي الذي برز منذ 1945 حتي 1991، والذي أسفر عن سقوط الاتحاد السوفيتي إلي عدة دول.

ولتوضيح ذلك نحاول في هه المقالات أن نطبق هـذا المبـدأ المعرفـي الذي أومن به والقائل: " تمـر الحروب  في انتقالها من مستوي الممارسة التلقائية العفوية إلي مستوي الصياغة النظرية لاستراتيجيات وتكتيكات الحروب "، الأمـر الـذي قـد يحدث نوع من "المغايرة النسقية" في طبيعة الحروب؛ بمعني أن أي حرب من أجيال الحروب، قد مرت فـي تاريخها بمرحلتين أساسيتين ومتميزتين : مرحلة الممارسة اليومية التلقائية التي يغلب عليهــا الطابع الإيديولوجي للحرب، ومرحلة الصياغة النظرية للقواعــد الأساسية والمبـادئ العامـة التـي تجعـل مـن تلك الحروب علماً يُدرس بالجامعات والمعاهد والأكاديميات .

والانتقـال هنا هو انتقـال مـن مستوي الممارسة اليومية العفويـة للحروب إلي مستوي الوعي بالقواعد النظرية التي تنظم هذه الحروب وقد أصبحت علماً. وهذا الانتقال من المستوي الأول إلي المسـتوي الثاني لا يتم إلا عـن طريق" قطع الصـلة" إلي حد ما بالممارسات اليومية ذات الطابع الحدسي والتلقائي التي تسـيطر علي معرفة الحرب قبل أن تتحول إلي علم يُدرس.

ولتوضيح ما نعنيه نقول إن مرحلـة الممارسـة العفويـة التلقائيـة أخـذت لحروب الجيل الرابع من الصراع الأمريكي – السوفيتي خلال الفترة من 1945 حتي 1991م عدة مستويات ، وذلك علي النحو التالي:

المستوي الأول : ويتمثل في فكرة "الحرب النفسية"، وهي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع التي اتخذتها "الولايات المتحدة الأمريكية"، لمواجهة المد الشيوعي والأيديولوجية الماركسية في أوربا والشرق الأوسط، وفي  هذه الحرب النفسية شرعت الولايات المتحدة في تسخير كل الطاقات والقدرات والامكانات، التي تملكها للتأثير علي الطرف الآخر؛ حيث حاولت الولايات المتحدة من خلال الحرب النفسية بث الشائعات، من أجل إثبات أن الشيوعية صادمة للفطرة ، وأنها ضد الحريات وضد الدين وضد القيم، وذلك من أجل التأثير على مشاعر وأفكار المعتنقين للأيديولوجية الماركسية، ومحاولة تغيير سلوكهم وانتمائهم الإيديولوجي؛ علاوة علي إثارة المشاكل الاجتماعية، والنعرات الطائفية، والدينية، والعرقية، والسياسية بين دول الاتحاد السوفيتي. وقد برزت الحرب النفسية من خلال فكرة "الحرب الباردة"، والتي اتسمت بأن أطرافها كانت تسعى إلى استثارة الطرف الآخر وتوسيع نفوذها على حساب الطرف الآخر وإرهاقها باستخدام أسلوب إشعال نيران الفتن والحروب داخلها، وهي على العكس تماماً من الحروب الساخنة بافتقارها للنيران والضرب والقصف. وهذه الحرب تمثل " نهج سياسي عدواني اتخذته الولايات المتحدة ، للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وبالتحديد في نهاية الأربعينات" . وقد اتسمت هذه الحرب بسباق التسلح، وبالذات السلاح النووي وتأسيس القواعد العسكرية المحاطة بالاتحاد السوفيتي ، وكذلك استخدام القوة في العلاقات الدولية، ورفض كل المحاولات الجادة لحل النزاعات الدولية عن طريق المفاوضات .

المستوي الثاني : ويتمثل في "حرب العصابات" ، وهي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع، وهي حرب غير تقليدية بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد وجيش تقليدي؛ حيث تتكون هذه المجموعات من وحدات قتالية صغيرة نسبياً مدعمة بتسليح أقل عدداً ونوعية من تسليح الجيوش، وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد التنظيمات العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي. ومقاتلو حرب العصابات يتفادون الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيلجأون إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها؛ بحيث يكون تأثيرها موجعاً للخصم. والاسم الأجنبي أصله إسباني ويعني الحرب الصغيرة. وهذا هو ما فعلته الولايات المتحدة حين سلطت المجاهدين الأفغان بأن يؤججوا هذا الحرب، حين قام الاتحاد السوفيتي باحتلال لأفغانستان في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1979م .

المستوي الثالث : وقد بلغ هذا المستوي أعلي ذروته في تصدير فكرة "الدولة الفاشلة"، فالهدف الأساسي من حروب الجيل الرابع، هو أن تصبح الدولة  المستهدفة "دولة فاشلة"، حيث قاما "صندوق دعم السلام the Fund for Peace"، (وهو مؤسسة بحثية مستقلة)، ومجلة فورين بوليسي Foreign Policy الأمريكية بدراسة حول الدول الفاشلة أو الضعيفة، وتوصلا إلي بعض الخصائص لوصف الدولة الفاشلة، منها علي سبيل المثال لا الحصر : فقدان السيطرة الفعلية على أراضيها، وضعف السلطة الشرعية في البلاد، وعدم القدرة على تقديم قدر معقول من الخدمات العامة؛ وأخيراً عدم القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فعال في المجتمع الدولي .

ولاشك أن التاريخ يشهد بأن أعراض فكرة الدولة الفاشلة، تجسدت من خلال فترة حكم "جورباتشوف" للاتحاد السوفيتي من سنة 1985-1991 ؛ حيث خرج علينا بمفهومي "البريسترويكا" و"الجلاسنوست" ، وكان هذان المفهومان يمثلان مقدمات انهيار وتفكيك الاتحاد السوفيتي، فالبريسترويكا والذي يمثل "التفكير الجديد للسوفييت وللعالم أجمع"، فهو تعبير خرج به "جورباتشوف" على العالم بشكل عام، وعلى الشعب السوفيتي بوجه خاص - وعَدّه كما أسماه في كتابه الذي أصدره يحمل هذا الاسم - أنه تفكير جديد لبلاده وللعالم. ورأى "جورباتشوف" أن البريسترويكا ضرورة ملحة لتطوير المجتمع، الذي كان يمثل واحدة من أقوى الدول في العالم. ثم في مرحلة معينة، وبالتحديد في النصف الأخير من السبعينيات، بدأت البلاد تفقد قوة اندفاعها، وتكرر الإخفاق الاقتصادي بصورة أوسع، وبدأت الصعوبات تتراكم والمشاكل تتضاعف، وبدأ في الظهور ما يُسمى بالركود وتباطؤ في النمو الاقتصادي وتدهور في معدلات نمو الدخل القومي. وبدأت بحلول الثمانينيات تحدث فجوة في غير صالح الاتحاد السوفيتي في كفاءة الإنتاج وجودة المنتجات، والتطور العلمي والتكنولوجي، وبينما صواريخه كانت تطير إلى كوكب الزهرة بدقة عالية، كان هناك نمواً هابطاً أثر سلباً بشكل خطير على المجال الاجتماعي.

وأما الجلاسنوست والذي يعني "الانفتاح وازدهار النقد والنقد الذاتي"؛ حيث تكون ممارسة البريسترويكا من خلال توفير المعلومات كافة والانفتاح وازدهار النقد والنقد الذاتي لأداء الحزب الشيوعي السوفيتي، فيما عرف بالجلاسنوست، جعل كلاً من الحزب والشعب يضعان تقييماً عميقاً وموضوعياً بما يؤدي إلى التعجيل بالتطور الاجتماعي والاقتصادي. ويُعَدّ الجلاسنوست من وجهة النظر الحزبية الشيوعية شرطاً حتمياً للتعبير عن الجوهر الديموقراطي للنظام الاشتراكي، وهو شرط لممارسة الحقوق الدستورية، وحريات المواطنين، وهي أداة لتشكيل علاقات دولية حديثة، وتعكس علانية النظام السياسي للمجتمع.

وهنا سقط الاتحاد السوفيتي في 1991، وأصبح يمثل دولة فاشلة خاصة بعد أن ظهر عليه عدد من الأعراض، أولها افتقاد سلطة جورباتشوف قدرتها على السيطرة الفعلية على جميع أراضِ اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، وهذا الاتحاد كان يمثل دولة دستورية شيوعية، شملت حدودها أغلب مساحة منطقة أوراسيا في الفترة ما بين عامي 1922 وحتى 1991، وثانياً فقدان الاتحاد السوفيتي لشرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها. وثالثاً عجز الاتحاد السوفيتي عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة. ورابعاً عجز اتحاد السوفيتي عن التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية، الأمر الذي نتج عنه سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه وتحوله إلى كومنولث، وبالتالي إعلان رابطة الدول المستقلة.

وهنا أصبح المسرح العالمي للسياسة الدولية مُهَيَّئاً لاستقبال الولايات المتحدة الأمريكية، لتفرض هيمنتها وسيطرتها على العالم وتحكمه، من خلال القيام بدور شرطي العالم أو قاضي الصلح. وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمي، التي تحاول فرض السيطرة على العالم في المجالات كافة، سياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وثقافياً، وعسكرياً. كما تحاول فرض قواعد نظام عالمي جديد يتفق مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، تدعمها أدواتها الحربية والتكنولوجية والمادية.  وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جورج منصورفي اربعينيات القرن التاسع عشر، صاغ العالم الانكليزي جورج جاكوب هولياكي (1906- 1817) مصطلح "العلمانية". اشار من خلاله الى مجموعة متنوعة من المعايير الاجتماعية وطرق تطوير الانسان باستخدام العقل والعلم والتنظيم الاجتماعي، داعيا الدولة الى التسامح مع جميع الاديان والمذاهب الفلسفية والتزام الحياد، خاصة في ما يتعلق بقضايا الدين.

بعد هولياكي، جاء المصلح الاجتماعي الانكليزي تشارلز برادلو (1833- 1891) ليطرح شكلا آخر من العلمانية، وتوجها جديدا، انتقد فيه الاديان بما فيها الدين المسيحي لتدخلها في شؤون السياسة، داعيا الى فصل الدين عن المؤسسات السياسية والاجتماعية والتعليمية.

في منتصف القرن التاسع عشر، وتحت نفوذ وتأثير الثقافة الغربية، ظهرت في العالم العربي والاسلامي، مجموعة من المصطلحات المرادفة للعلمانية، مثل الحداثة والتغريب، اريد منها إعادة بناء المجتمع العربي على اساس النموذج الاوروبي الحديث وتحديث الحياة فيه على الطريقة الغربية.

على الصعيد العالمي، لقد قدمت التجربة التاريخية للمجتمع البشري نماذج عديدة من النظم السياسية والاجتماعية: الاستبدادية الفردية، الحزبية، العسكرية، القبلية، الدينية او الانظمة الشمولية التي ظهرت في الدول الاشتراكية السابقة، إلى جانب الانظمة السياسية الديمقراطية بكل تنوعاتها ومستويات تطورها، سواء أكانت انظمة ملكية أم جمهورية.

تتبلور المضامين أو الخصائص الأساسية التي تميز الدولة والمجتمع المدنيين، عن المجتمعات الأخرى، غير المدنية بكل تنوعاتها أو أشكال ظهورها، في النقاط التالية:

1- سيادة الحياة الدستورية والبرلمانية، التي تستند إلى مبادئ الحرية الفردية والديمقراطية، بما في ذلك حقوق الإنسان وحقوق المواطنة المتساوية وحقوق القوميات وحرية الإعلام، وكذلك احترام حرية المرأة ومساواتها بالرجل وحقوق الطفل.

2- الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

3- الفصل بين الدين والدولة، مع احترام احدهما الاخر، والمحافظة على المؤسسات المدنية والدينية وعدم التداخل في ما بينها.

4- التعددية الفكرية والسياسية والتداول الديمقراطي السلمي البرلماني للسلطة ووجود قوى في السلطة وأخرى في المعارضة.

5- وجود منظمات المجتمع المدني بجوار مؤسسات الدولة المدنية وأجهزتها الديمقراطية التي تمارس عملها بكل حرية لصالح المجتمع وأعضاء تلك المنظمات.

 6- اعتماد آليات ديمقراطية سلمية لمعالجة المشكلات وفض النزاعات في المجتمع ورفض ممارسة القوة والعنف أو التهديد والوعيد بهما ورفض الإرهاب بكل صوره واشكال ظهوره.

7- رفض الفكر العنصري والشوفيني والطائفية السياسية والتمييز ضد المرأة واستغلال الطفل.

8- مكافحة الفساد المالي والإداري عند ظهوره، وممارسة العدالة في توزيع واستخدام موارد الدولة المالية.

9- اعتماد مبادئ الأمم المتحدة في العلاقات الدولية والتعايش السلمي مع جميع الدول والشعوب واقامة علاقات تعاون وتنسيق مع منظومة المجتمع الدولي.

ان هذه المبادئ التي تشكل العمود الفقري للمجتمع المدني، وفي مقدمتها مبدأ فصل الدين عن الدولة يطلق عليها بالعلمانية أو المدنية، ولا يمكن ان تسود بصورتها السليمة والفعلية إلا في مجتمع تسوده الحرية الفردية والديمقراطية وتحترم فيه جميع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية، وتمنح لإتباعها الحقوق الكاملة في العبادة ومزاولة طقوسها الدينية والمذهبية بكل حرية وبعيداً عن تدخل الدولة في شؤون الدين واتباعه.

وتساعد هذه القاعدة بالحكم في تعزيز مبدأ احترام المواطن، لا على أساس الدين أو المذهب أو الفكر، بل على أساس كونه إنساناً وعضواً طبيعياً في المجتمع المدني الديمقراطي، يمتلك حقوقاً متساوية ويؤدي واجباته بالتناسب مع اختلاف المواقع والاساليب والادوات.

لقد علمتنا التجارب، ان التداخل بين الدين والدولة يقود إلى هيمنة الحكام على المؤسسات الدينية واستغلال رجال الدين لصالح الحكام والدين لإغراض سياسية، ولا تعود حصيلته في نهاية المطاف لمنفعة المجتمع اوالمواطن. في حين يفترض أن تسود في المجتمع المدني الديمقراطي، روح المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين اوالمذهب.

في كتابه (بين الثقافة والسياسة) طرح الروائي السعودي عبد الرحمن منيف جملة من المشاكل التي تواجه المجتمع والانسان وعرضها للنقاش، ثم خلص الى اعطاء رأيه في العلاقة بين الدين والسياسة، قائلا:

"يُفترض أن يبقىٰ الدين أي دين في إطار الأعتقاد الخاص والشخصي وحين يتوجه إلى الآخرين يُفترض أن يبقىٰ في نطاق القيم الأخلاقية ، أما إذا تحول إلى عمل سياسي فيصبح عندئذ ذريعة لسلب حرية الإنسان وإرغامهُ على الأمتثال، كما يصبح وسيلة لقهر الآخرين وتبرير أستغلالهم في الكثير من الأحيان".

ان العلمانية تعني سيادة الحرية الفردية وممارسة المبادئ الديمقراطية واحترام جميع الأديان والمذاهب دون التدخل في شؤونها او الاساءة اليها. إذ حينما تنعدم الحرية الفردية وتنحسر الديمقراطية، يبدأ التمييز وعدم المساواة بين المواطنين ويزداد التضييق على الاديان والمذاهب.

ان الاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في التطور والتقدم الحضاري، وفي مجالات العلم والسياسة والاجتماع وحقوق الانسان والفصل بين السلطات الثلاث وبين الدين والدولة، ليس مثلبا، اذا حافظ ذلك على قدسية الأديان والمذاهب واحترم اتباعها. وكان العراقيون في ثلاثينيات القرن الماضي سباقين بإطلاق مقولة ما تزال تتناقلها الالسن الى اليوم: " الدين لله والوطن للجميع".

 

جورج منصور

 

علي المرهج"التناص" مصطلح يستخدمه البعض بمعنى إيجابي حينما يُحاولون الكشف عن علاقات بين نصوص أدبية أو ثقافية وفق مبدأ الاعتراف بوجود ترابط بين القديم والجديد من جهة التشابه في المحتوى ومضمون الرؤية، الأمر الذي يعني أن أصالة العمل الأدبي أو الثقافي إنما تكمن في هضم اللاحق لأفكار السابقين له في مجال اشتغاله وفق قول (فاليري) "إنما الذئب مجموعة خراف مهضومة"، والأصالة عند الجديد إنما تكمن في إعادة انتاج القديم من الأفكار والرؤى بما يُناسب التحولات الثقافية في كل عصر، لأن كل عمل ثقافي إنما يتم انتاجها من ترميم أو تقطيع أوصال نصوص قديمة (فلسفية، أو فنية، أو ثقافية، بل وحتى علمية) للكشف عن مُعطيات جديدة كامنة فيها لم يكتشفها من قبل سوى الذين اشتغلوا عليها قراءة نقداً وفحصاً.

"التناص" بحسب فهم (رولان بارت) في مقولته "موت المؤلف" هو إعادة نسج لخيوط وألوان كانت موجودة من قبل، ولكل قارئ أو متلق للنص رؤيته ومُتبنايته وخلفيته الثقافية التي تمنح النص معناً آخر.

النص ليس حقيقة مُطلقة، لأنه نسيج سابق من اقتباسات من صنوف معرفية شتى، وشرح النص إنما هي مهمة المتلقي الذي يمتلك مُعجمية مفاهيمية أخرى ـ لربما ـ وعلى الأغلب، هي ليست مُعجمية مؤلف النص ذاتها، لذا يُعلن (بارت) (موت المؤلف) أو (موت الكاتب)..

تابع باختين رؤية علماء اجتماع المعرفة بتأكيده على أن فهم النص تفرضه سياقات مُجتمعية مُحددة، لأن "اللغة "تدفق لا يتوقف عن الصيرورة"، وبما أن لكل لغة بُعدها الاجتماعي، فلا يُمكن أن يُفهم أي نص إبداعي بلغة موضوعية مُحايدة، الأمر الذي يجعل فهم نص فيلسوف أو شاعر ما، أو فنان ما، مرهون بسياقات المُتلقي (القارئ) الذي سيكون نصه ـ حتماً ـ أنه أقيم على وفق بناء نص سبق، ولكنه لا يتطابق معه بحكم سياقات ومورثات (الشارح) أو (القارئ) الاجتماعية والثقتافية، فنص أرسطو "ما بعد الطبيعة" معروف، ولكن شرح ابن رشد "تفسير ما بعد الطبيعة" هو تناص على النص، وإن حاول ابن رشد أن يُظهر مصداقيته في "تنقية أرسطو مما علق به من شوائب الشُرَاح" كما يقول، ولكن كل قارئ عارف بأرسطو، وله دراية بفلسفة ابن رشد سيجد أن نص ابن رشد "تفسير ما بعد الطبيعة" لأرسطو، إنما هو تناص على نص أرسطو ولا تنقية فيه لشوائب الشُرَاح، إنما هو محاولة رُشدية بامتياز ارسطو، وهنا لا يستطيع مُنصف أن يقول أن هذا ليس تفسيراً لفلسفة أرسطو في الميتافيزيقا، ولكنه في الآن ذاته هو "تناص" على نص أرسطو تحكم به ابن رشد بحكم موروثه الثقافي والديني، الأمر الذي جعل تفسير ابن رشد في كثير من المواضع يُظهر نص أرسطو وكأنه مُنتج في سياقات اجتماعية وفكرية إسلامية. إن مثل هكذا نص بعبارة (جيرار جينيت) يُمكن لنا أن نُسميه "النص الموازي"، لأن صاحبه لم يبق في مساحة الشرح أو ما أسماه محمد عابد الجابري بالقراءة الاستنساخية" إنما هو (أي ابن رشد) قد قدم لنا شرحاً "تفاعلياً" تماهى فيه ابن رشد بوصفه فقيهاً وقاضياً مُسلماً مع نص أرسطو الفيلسوف اليوناني، إذ جعل ابن رشد من نص ارسطو نصاً توجيهياً، يحمل في طياته نزعة اللاتعارض مع (الدين) الإسلام، وهو في الوقت ذاته نص مُحكم (لا يأتيه الباطل لا من أمامه ولا من خلفه) لأنه جاء على لسان رجل "كمل عنده الحق" كما يُصف ابن رشد أستاذه ومعلمه أرسطو.

كل رؤية إبداعية إنما تحمل في مضانها أو "المسكوت عنه" استجابات لفهم آخر وتجدد في الفهم يخرج ـ في كثير من الأحيان ـ عن مقاصد كاتبه أو مؤلفه. على قاعدة "النص حمَال أوجه" بعبارة الإمام علي (ع)، فكل قارئ (شاطر) يستطيع توجيه النص بحسب أهوائه ونزوعه العقائدي والأيديولجي، بل وحتى الثقافي (المعرفي).

تحدثنا عن "التناص" بشكله الإيجابي، وهو نتاج علائقي تُحتمه طبيعة "التثاقف" بين الأفراد والمُجتمعات، بل وحتى الحضارات، ولكن هناك وجهاً سلبياً للتناص يتعكز عليه المُنتحلون من الذين يدعَون علماً أو ثقافة، ولكنهم في حقيتهم سُرَاقاً لجهود غيرهم، وما أكثرهم اليوم في عوالم البحث والكتابة على صفحات وسائل التواصل الجتماعي.

البعض يذكر أنها توارد خوطر، وهذا امر نادر إن لم يكن ضرباً من المُستحيل، فأن نتشابه في مضمون الفكرة أو العلاقات المُتبادلة بين نصي وص مؤلف آخر كما تُصرَح بذلك طجوليا كريستيف" فذلك أمر وارد الحصول، ولكن أن تصل النصوص حد الاتباع "حذو النعل بالنعل" كما يُقال، فتلك السرقة بعينها، وهذا من شرائر الفساد وأفضحه ألا وهو (الفساد الثقافي) الذي من مظاهره سطو شاعر على قصيدة شاعر آخر، يأخذها بمضمونها ويُنشأ عليها نصاً لا جديد فيه خارج النص السابق، فتلك هي مصيبة كُبرى، وهذا الأمر حاصل في بحوثنا العلمية والأكاديمية، وفي الفن: في (السيناريو، والتمثيل، والاضاءة، والتصوير، والتشكيل بشتى صنوفه)!!.

لا يعني "التناص" التطابق شكلاً ومضموناً، إنما يوجد "التناص" ـ أحياناً ـ في المُغايرة، وهي وإن لم تكن حالها حال التطابق، إلَا أنها سطو غير مُسلح على نتاج آخر، إن لم يُشر مُنتج النص على أن نصه هذه من وحي رؤية تغاير فيها مع مُنتج أو مؤلف آخر.

أرى أن فعل "التناص" عند المُنكر له من جهة المطابقة التامة، أو من جهة المُغايرة التامة عند اللاحق شبيهة بعلاقة السيد بالعبد، فمُنتج النص هو السيد ووالعبد هو من لا يستطيع سوى السير على خطى السيد أو مُغايرته لمجرد أنه الأغنى فكراً أو مالاً!.

الأحرار لا يخشون اعلان تأثرهم واعجابهم بكتابة نص على غرار نص آخر، أو في مُغايرتهم للنص الابداعي حينما يكون محفزاً لانتاج نصاً آخر.

من مظاهر "العبودية الثقافية" "التقليد" والكتابة على غرار نص ابداعي مُبهر، فلا يُنتج "المقلدون" نصاً يُدرج ضمن لائحة النصوص الابداعية، لأنه نص مطابقة، ومن مظاهر "العبودية الثقافية" انتاج نص نص مُغير لنص آخر لمجرد المُغايرة، وتلك عُقدة نفسية أشدَ وأمرَ من عُقدة المُطابقة.

أعود لأقول أن انتاج النص الابداعي تحكمه شروط الثقة بالذات للقارئ الكاتب خارج نمطية "المطابقة المرضية" أو "المغايرة المرضية"، لأن النص نتاج الابداعي نتاج حالة شعورية شبيهة بالمخاض الذي لا تنشغل به المرأة (الحامل) لحظة المخاض بحوامل أخريات، إنما هو شعورها هي، وهي فقط بألم المخاض وألم الولادة، ومتعة انتاج الوليد الجديد الذي هو عندها من مصادر الابتهاج الحقيقي لأنه مخاضها هي وليس مخاض غيرها، وإن كانت تجربة الحمل والولادة قد مرَت بها كل النساء الحوامل.

الوليد الجديد هو ابن المجتمع لا كبير مُغايرة في شكله وحركته وبكائه وضحكه، ولكنه ابنها لأنها هي من شعرت بلحظات ولادته.

هكذا هو النص الجديد فيه "تناص" من جهة أنه يوجد في سياقات ثقافية واجتماعية مُعينة، ولكنه لا تطابق (كما الوليد الجديد) فيه لنص آخر، ولا (مُغايرة فيه) لمألوف الشكل ومُضمر المضمون للمألوف السائد كي يجد له مُستقراً ومقبولية في الوجود الحياتي إن كان وليداً، وفي الوجود الثقافي إن كانن نصاً ثقافياً ابداعياً.

الوليد الجديد لم يأت من دون تفاعل وحرك حيوي جسدي بين "االأنا" و "الآخر"، والنص لا يأتي من دون حراك ثقافي وتفعل فكري بين "الأنا" و "الآخر".

سأختم بالقول للسُرَاق الذين يسطون على نتاج غيرهم ولا يستحون، وحينما يحتج عليهم البعض يقولون بتبجح إنه "تناص": أقول لهم تناصّوا ما شاء لكم وتبجحوا فلن تكونوا بأفضل الأحوال سوى هامش على متن، ولن يذكركم التاريخ إلَا بأرذل الأوصاف، وإن كتبتم عشرات الكتب وألفتم مئات المؤلفات ستبقون صغاراً..

لا يُزيد الكاتب فخراً أن له عشرات الكتب التي كتبها وهو يعتاش على موائد كبار الفلاسفة والكُتاب والمؤلفين والفنانين.

 

ا. د. علي المرهج

............................

ملاحظة: فيما يتعلق بمفهوم التناص فهماً مني مُستوحى من قراءتي لكتاب التناص، تأليف جراهام ألين، ترجمة محمود الجندي، منشورات المركز القومي للترجمة بمصر، ط1، 2016. ومقالات أخرى. أما التوظيف والتفصيل والتوضيح فهو من عندياتي.

 

صادق السامرائيالشخصية نمطية سلوكية مُتعلمة وراثيا أو محيطيا، ولكل مخلوق هناك آليات تفاعلية متحفزة أكثر من غيرها، إنطلاقا من مكنونات الذات ومؤثرات الموضوع والمحيط ، وقد تكون الآليات المتحفزة متقاربة الإستجابات عند الذين يتعرضون أو يعيشون ذات الظروف والمؤثرات.

أي قد يشترك مجموعة من البشر بنمطيات سلوكية متقاربة لكنها لا تتطابق حتما.

ويخضع المنتوج السلوكي لكيفيات تصنيع وبرمجة الأدمغة البشرية ، ولهذا فأن السلوك  يتبدل وفقا للبرمجة وإعادة ترتيب  وتعزيز التواصلية العصبية.

فالشخصية البشرية ذات ثوابت ومواصفات واضحة تتأثر بالتفاعلات القائمة في محيطها، ولا يصح أن تلصق الشخصية بمكانها وخصائصها الجغرافية والإثنية وغيرها، فنقول الشخصية العربية، الروسية، التركية، الهندية، الأمريكية، الأوربية وغيرها.

فالشخصية عموما وبلا إستثناء نتاج محيطها، بمعنى أن معالمها وثوابتها ذات مطواعية عالية وقدرات تكيفية لا محدودة.

وهذا ينطبق على باقي المخلوقات الأخرى.

فالظرف المكاني ينعكس في الذات البشرية  وتتحقق تفاعلية حامية ما بين الإتجاهين للوصول إلى نتائج ذات قيمة بقائية.

وعندما نتحدث عن المجتمعات البشرية والحيوانية أيضا، فأن لكل مجتمع قوانينه وتقاليده وأعرافه التي تحافظ على ديمومته وتفاعله الصالح للمجموع، وهذه الآليات يتم إستنباطها من التجارب والمواجهات والتحديات التي تساهم في تشكيل السلوك الفردي والجمعي، ولا توجد دراسات كافية لتقرير العديد من النظريات والتصورات والأفكار السلوكية، ففي المجتمعات المتقدمة هناك نظام سلوكي محكوم بقوانين راسخة وفاعلة في مفردات الحياة اليومية وفقا لضوابط وأحكام قوية ثابتة، وأي شخص يأتي من أي مجتمع تجده يمضي في سبيله وفقا لآليات الضوابط والقوانين الفاعلة.

ولهذا فأن هذه المجتمعات تستوعب جميع الأجناس بأعراقها وألوانها ومعتقداتها وما تحمله من تراث وخصائص، وفي مجتمعاتنا يتم هدم الضوابط والتقاليد والأعراف، مما أدى إلى تواجد أجيال حائرة عشوائية السلوك مضطربة التفاعلات، لا تعرف إلى أي إتجاه تسير، وبهذا فأنها تمضي متخبطة في مسارات عديمة البوصلة والربان.

ونأتي لنزيد الطين بلة  فنجتهد بالتوصيفات والتوصيمات، ونمضي بهذا المنهج التصوري التدميري الخارج عن الثوابت الواقعية والتفاعلات اليومية، التي تصلح لصناعة الحالة المواكبة لعصرها ومنطلق صيرورتها الأفضل، مما أدى إلى تسويغ الإنهزامية وتمرير الإنكسارية والتوجهات العبثية الخالية من الأبعاد المجدية.

ويبدو أن القول بوجود شخصية عربية ومن ثم قُطرية، لا أساس له من الصحة، وعندما تثبت لنا الأبحاث والدراسات أن هناك شخصية إنكليزية أو أمريكية أو صينية أو هندية، عندها علينا أن نجزم بما نريد توصيفه أو إلصاقه بالعرب.

فهناك سلوكيات متنوعة للشخصية البشرية نابعة من مخزونها المتراكم في موروثاتها، وما يتأثر ويؤثر فيه وبه وهو في وعاء الواقع الذي يكون محكوما بالعيش فيه والتواجد المصيري.

فلو أخذنا أي إنسان من أي موطن أو جنس ووضعناه في نفس الظروف فأن السلوك سيكون متشابها أو متقاربا جدا، وقد شاهدت ذات السلوك الذي كان يحصل في مجتمعنا في مجتمعات أخرى عندما تتشابه ظروفها وما يدور في وعاء وجودها.

ولو خلطنا بشرا من جميع الأجناس ووضعناهم في ربوع البيئة العربية  فأن سلوكهم لن يختلف عن أي عربي آخر يعيش ذات الحالة.

ودليلي على ذلك أن البشر من كافة أنحاء الدنيا يأتي إلى المجتمعات الغربية، وبكل الخلفيات والثقافات والعادات والتقاليد، تجده ملزما بالقيام بذات السلوك العام الذي تمليه عليه البيئة التي عليه أن يعيش فيها ويتواصل.

فإذا قلنا أن هناك شخصيات بأسماء أوطانها وأجناسها فأنها وبلا إستثناء تبدي ذات السلوك المعمول به في البيئة الجديدة.

وهذه أمثلة حية بسببها تستوعب المجتمعات المتقدمة علينا  كافة البشر وتذيبهم في بودقة مجتمعاتها وتبني بهم حاضرها ومستقبلها، وتراني أقود فريق عمل من عدة مجتمعات وثقافات وإثنيات، لكنه يحقق إنسجاما وإنسيابية رائعة في العمل، وكأنه خلية نحل متوقدة النشاط.

إن الإمعان بالتوصيف العربي أو القُطري، هو من إنتاج أدب الإنكسار ومناهج الإندثار وترسيخ الشعور بالهزيمة والسقوط في وحل الإتلاف والإنقراض الحضاري، وهناك العديد من الأقلام والعقول التي تتوهم بأنها تعرف فتنزلق إلى هذه الهاوية الخطيرة المريرة.

ومن المحزن أن معظم رواد الوعي العربي والنهضة العربية قد وقعوا في هذه الحفرة، فإجتهدوا نحو تسويغ وتعزيز وتبرير ما هو قائم، وما تمكنوا من الأخذ بالمجتمع إلى ما هو أفضل، وحتى ما حصل في عام 1967 تم الإستثمار الهزائمي الفجائعي فيه، وتم تصوير العرب وكأنهم ما توا وإنقرضوا ولن تقوم لهم قائمة، وتواصل دفعهم بهذا الإتجاه الإنحطاطي، إنطلاقا من فكر الهزيمة والإمعان بإعادة إنتاجها والإستثمار في تداعياتها، وهذا لم يحصل في ألمانيا أو اليابان أو إنكلترا أو وارسو التي أصابها ما أصابها من الهزائم والدمارات المروعة الفتاكة في الحرب العالمية الثانية.

فديدن المفكرين هو الإجابة العقيمة على لماذا الحال على هذا الحال ، فيأخذون بتنضيد  ما يحلو لهم، لكي يبرروه ويعززوه ويحسبون أنهم قدموا شيئا جديدا نافعا.

وعلى سبيل المثال الإزدواجية  التي تم لصقها بالمجتمع العراقي من قبل رواد علم الإجتماع، هي فرية كبيرة ومحاولة لتطبيق نظرية التنافر الإنسجامي (كوكنتف دسّونّس) التي جاء بها ( ليون فستنجر عام 1957)، وهو يدرس ظاهرة تنافر السلوك مع المعتقدات ويحاول تعليلها والتنبيه إلى تأثيراتها وما ينجم عنها من تفاعلات.

وخلاصتها أنك تعتقد بشيئ وتؤمن به لكنك تأتي بسلوك يتقاطع معه، فتعمل على تسويغ ما تفعله وتوائمه مع ما تعتقده بأساليب متنوعة، وهي ظاهرة سلوكية معروفة ترجمها هولاكو بإجرامية فائقة.

أما ناقلوا هذه النظرية والذين كانوا يدرسون في أمريكا عندما ظهرت أخذوها ليطبقونها على الواقع العراقي، ويلصقون به تهمة الإزدواجية، وهذا ظلم وبهتان، لأن السلوك البشري يحتمل أكثر من الإزدواجية بعشرات المرات،  إذ تجد الشخص يتقلب في سلوكه وفقا لإرادته المصلحية البقائية بعيدا عن أي إعتبار، ولا يمكنك أن تجد شخصا في المجتمع المتقدم وفيه إزدواجية وحسب، لأنه يتصرف وفقا للمصلحة، وهذا ينطبق على التفاعل مع الآخرين في عالم السياسة والإقتصاد والمال والحرب، بل أن هناك ما يمكن تسميته بالسلوك الزئبقي، الذي أوجدته العولمة وتفاعلات البشر المتسارعة على شبكات التواصل الإجتماعي.

وعليه فأن هذه المفاهيم لا أساس  لها من الواقع ولا رصيد يعززها، ويبدو القول بوجود شخصية عربية، فرنسية، أمريكية  وغيرها، نوع من الإجتهاد الظالم الذي علينا أن نبتعد عنه ونرفضه بقوة وحزم.

ترى ما هو المقصود بالشخصية العربية؟

أي ما هو التعريف العلمي الذي تبنى عليه الإفتراضات  والتصورات، وهل توجد شخصية مقرونة بالعنصر والجغرافية والتأريخ؟

كيف نستسهل التوصيف والسقوط في حفر المسميات التي تعني الإستهداف؟

فلكي تقضي على أي موجود عليك أن تسميه وتلصق به  أقبح التوصيفات التي تتقاطع مع حق الحياة والبقاء وتسويغ الشروع بسلوك الفناء الذاتي والموضوعي.

فالعرب اليوم تحت مطرقة التسميات المذمومة . التي تبيح للآخرين إخراجهم من آدميتهم وإستهدافهم، والنيل من وجودهم أو السعي لمحقهم وإتلاف ما يشير إليهم.

والخلاصة أن لا توجد شخصية بهذه المواصفات، ومن المتعارف عليه أن الكيان البشري واحد، وما فيه ناجم عن تفاعلات متبادلة ما بينه وواقعه الذي يترعرع فيه، وكلما تواصل وجوده عبر الأجيال إختزن قدرات تزداد إنتماءً للمحيط الذي توالدت فيه مرتكزاتها وموروثاتها.

ويمكن القول أن الشخصية متشابهة المفردات وذات تعبيرات سلوكية متنوعة، وعند التفاعل مع مختلف الأجناس البشرية تكتسف أن الكيان واحد والإستجابات متشابهة، ولا بمكن فصلها عن أرشيف الذات البشرية وظروفها المحيطية، وما مرت خلاله من تحديات ومواجهات وما تعلمته من آليات أعانتها على البقاء والتطور والنماء.

وما علينا إلا أن نتنبه للتفاعلات النكيدة، أو النكداوية التي تسود العالم العربي  وتساهم في إنتاج الأدب النكيد!!

فلا عيوب ولا مثالب في شخصياتنا، وإنما العيوب الحقيقية في التصورات والتوصيفات الجائرة التي تريد إخراجنا من وعاء الدنيا ونهر الحياة، وتحسبنا على غير البشر!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

منى زيتونتُعرَّف السرقة على أنها أخذ ممتلكات شخص آخر دون إذنه، بقصد حرمانه منها، وانتفاع السارق بهذه الأشياء، وتملكها.

والسرقة من أهم المشكلات التي قد تعاني منها الأمهات مع أطفالهن، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة؛ إذ لها نصيب كبير من شكاياتهن، فيحدث كثيرًا أن يعود الطفل من الحضانة وهو يحمل معه متعلقات ليست له، مما يصيب الأمهات تحديدًا بالذعر. كما قد يسرق الطفل الوالدين، وإن كان هذا يجعل الوالدين أقل ذعرًا، غير مدركين أن اكتشاف حدوث السرقات من الوالدين يعني أن هذا من الممكن أن يحدث مع الآخرين.

وبداية، يجب أن نفهم أن سلوك الطفل في هذه المرحلة العمرية المبكرة بأخذ ما ليس له، والذي يشابه ظاهريًا سلوك السارقين من الكبار، لا يعتبر سرقة حقيقية لأسباب عديدة أهمها أن الطفل لا يفهم بالأساس المفاهيم المتعلقة بالملكية، وأهمها مفهومي الملكية الخاصة والملكية العامة، وكذا مفهوم ملكيته وملكية الآخرين. كما أنه لا يقصد كثيرًا بسلوكه حرمان الشخص من ملكه، وإنما تكون له دائمًا دوافعه الخاصة للسرقة التي تميز سرقات الأطفال.

بعض سمات الطفل النفسية في مرحلة الطفولة المبكرة

يُعد دخول الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة بداية انفكاك اعتماده الكلي على الكبار، وبداية احتكاكه بالبيئات الخارجية المليئة بالغرباء.

في هذه المرحلة يدرك الطفل نفسه كشخص مستقل، ولكنه يكون من الناحية النفسية متمركزًا حول نفسه، فليس لأقوال الآخرين أو أفعالهم أدنى أهمية لديه ما لم تكن مرتبطة بذاته أو مؤثرة عليه. كما أن الطفل في الطفولة المبكرة لا يميز بين الواقع والخيال.

وفي الطفولة المبكرة يتلقى الطفل أول دروسه الاجتماعية حول الأعراف والتقاليد، ويبدأ تكوين الضمير وتعريفه بالصواب والخطأ.

فما هي دوافع الأطفال التي تؤدي بهم إلى هذا السلوك السيء، الذي نسميه سرقة الأطفال؟

دوافع الأطفال للسرقة

لعل أهم دوافع الأطفال التي تؤدي بهم إلى السرقة هي:

- إشباع حاجة فسيولوجية مثل سرقة الطفل الطعام للأكل، وهو ما قد يحدث من جراء تفاوت المستويات الاقتصادية بينه وبين أقرانه، أو ضعف مستواه الاقتصادي بوجه عام؛ فتمركزه حول ذاته يجعله يبحث عن إشباع فوري لحاجاته الفسيولوجية، ولا ننسى أنه حتى قريب كان يبكي لمجرد تأخر الطعام، ولا يتحكم نهائيًا في إخراجه لفضلاته.

وكلما كبر الإنسان وصار أكثر نضجًا فهم أنه يجب عليه ضبط حاجاته الفسيولوجية، والصوم الذي يتدرب عليه الأطفال الأكبر سنًا هو إحدى الطرق إلى ذلك.‏

- إشباع عاطفي؛ فأحيانًا يكون افتقاد الطفل للاهتمام والحب دافعًا للسرقة لافتقاده ما لدى غيره من الأطفال، ‏ومحاولته إسعاد نفسه بامتلاكه. على سبيل المثال عندما يعطي خاله إلى ابنه هدية، بينما هو يفتقد مثل هذا الاهتمام من أبيه المنشغل عنه، تمثل له تلك الهدية رمزًا للحب والاهتمام الذين يفتقدهما، فيحاول الحصول عليها.

- الغيرة؛ فقد تكون الغيرة من امتلاك غيره لما يحب دافعًا للسرقة. وهنا يكون فهم الحالة النفسية للطفل دليلنا إلى التمييز بين الدافع في هذه الحالة وحالة الرغبة في الإشباع العاطفي، وتكون هناك صعوبة حقيقية في التمييز بين الحالتين.

- الانتقام؛ ‏قد يسرق الطفل للانتقام ودعم احترامه لذاته عندما يضربه طفل آخر مثلًا أو يتسبب له في العقاب.‏

- إشباع هواية؛ ويشيع هذا الدافع عند سرقة ألعاب الأطفال الآخرين، ويكون تركيز الطفل منصبًا على الغرض الذي سرقه، وليس على أي مشاعر سواء كانت افتقاد حب أو غيرة أو انتقام.

أسباب قد تؤثر في تكوين دوافع السرقة لدى الطفل

هناك أسباب عديدة قد تؤدي إلى نشأة تلك الدوافع للسرقة عند الأطفال، من أهمها عدم الاهتمام بالطفل، والمعاملة السيئة من الوالدين أو أحدهما، وأحيانًا قد تكون المبالغة في الاهتمام والتدليل بإعطاء الطفل كل ما يحب بلا ضابط هما المؤديان بالطفل لمحاولة الحصول على كل ما يرغب فيه وامتلاكه.

وينبغي أن نتفهم أن التفكك الأسري يفقد الطفل الأمان والطمأنينة، وقد يتسبب في محاولته التعويضية للإشباع العاطفي التي تؤدي به للسرقة.

وقاية وعلاج الأطفال من السرقة

لعل أهم سؤال تسأله الأمهات دائمًا كيف نقي أبناءنا من اقتراف هذا السلوك؟ وكيف نضمن أن يفهم من فعله مرة أن هذا خطأ فلا يكرره؟ وأقدم هنا أهم وصفات العلاج التي يجب إتباعها كاملة.

- بناء المفاهيم المتعلقة بالأمانة والملكية في ذهن الطفل

معروف أن أفكارنا تحكم سلوكياتنا، وهو ما ينطبق على الصغار كما ينطبق على الكبار. وأهم ما يجب أن نتأكد من تكوينه من مفاهيم في البنية المعرفية للطفل في مرحلة الطفولة المبكرة هو مفهوم الملكية بجناحيها العامة والخاصة، ومفهوم الأمانة.

ومن الأخطاء الشائعة أن يتصور الآباء أن مفهوم الملكية العامة يُكوَّن أولًا لدى الأطفال، وذلك من باب تحبيبهم في التعاون واللعب الجماعي، لكن عقلية الطفل ونفسيته تختلف تمامًا عما للكبار، فهو لن يفهم من جملة "دي بتاعتنا كلنا" إلا أن كل ما يحبه هو ملك له! وعليه يمكن أن تجده الأم قد أحضره معه من الحضانة أو من بيت صديقه!

والواجب أن يبدأ الوالدان والمعلمون بتوضيح مفهوم الملكية الخاصة، وبعد أن يعي الطفل ما له وما للغير يحدث التدرج إلى مفهوم المشاركة، كما يتم التوضيح له أن هناك أشياء تكون ملك الجميع أو ملك مجموعة من البشر كالمنزل الذي تمتلكه العائلة، وتوجد به ثلاجة واحدة ولكنها للجميع.

- توفير مناخ جيد في الأسرة والمدرسة

في حالات كثيرة تبدأ سرقات الأطفال بسرقة الوالدين، ثم تتوسع إلى السرقة خارج المنزل. وتكون بداية العلاج إضافة إلى تكوين المفاهيم هو خلق مناخ صحي لتنشئة الطفل.

إن إعطاء الطفل الحب والتقبل، والاهتمام الصحي به في المنزل والمدرسة؛ فلا إهمال ولا تدليل، وكذا إعطائه الحرية، وتجنيبه الخبرات المقلقة كقصص خطف الأطفال والجن والساحرة الشريرة ما أمكن، يؤدي إلى شعوره بالأمان والاستقرار، والثقة في الكبار، والحرص على أن يحوز ثقتهم في المقابل، وعدم اقتراف سلوك يهز هذه الثقة.

كما ينبغي أن نعي أن الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة يحتاج التعزيز بكافة أشكاله. ربما أكثر من احتياجه له في أي مرحلة عمرية لاحقة، فهي بداية استشعاره الاستقلالية، لكن لا بد أن يكون ذلك بحذر حتى لا تسوء العواقب؛ فيصبح مدللًا أو مغرورًا ولديه ثقة زائدة في نفسه لا تقابلها قدرات حقيقية. ومثل هذا الفرد عندما يكبر قد تصدر عنه سلوكيات سيئة كثيرة، ربما لا تكون السرقة أسوأها.

- الابتعاد عن العقاب البدني للأطفال عند السرقة

أوضحت أن سلوك السرقة لدى الطفل ليس سرقة حقيقية، لعدم وضوح مفهوم الملكية لديه في هذه المرحلة العمرية، ومن ثم فإن استخدام العقاب البدني معه، بل وحتى أساليب العقاب التربوية الأخرى لا تكون ملائمة في حالات السرقة، خاصة سرقاته الأولى.

واستخدام العقاب لا يكون إلا بعد أن نتأكد أن الطفل قد أدرك مفهوم الملكية، ويعلم أن الشيء الذي أخذه ليس له ومع ذلك قد امتدت يده إليه.

نتمنى لأبنائنا أن يحظوا بتنشئة حميدة وحياة سعيدة.

 

د. منى زيتون

 

ابوبكر خليفة ابوبكرالمقدمة: لا شك أن الباعث الأول لإنتفاضات الربيع العربي هو التخلص من ربقة الإستبداد والديكتاتورية، والتي دامت عقودا وذلك من أجل نيل الحرية والتي هي المفتاح الذهبي لما تبقى من الحقوق، يفهم ذلك من شعارات هذه الإنتفاضات العارمة حينما زحفت جموع الجماهير الهادرة وهي تهتف مطالبة بالحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية، فسقطت أنظمة جاثمة وعاتية، بكل ترساناتها الأمنية والمخابراتية والعسكرية، تهاوى نظام زين العابدين، وتصدع وإنهار نظام حسني مبارك، وانتهى نظام القذافي الموصوف بالجماهيري، وتوارى نظام علي صالح في اليمن، وتزعزع نظام الأسد في سوريا.. لم تكن هذه الإنتفاضات مخطط لها، رغم أنها بحكم تغول الأنظمة الشمولية فإن حدوثها كان مسألة وقت، ولكن غير المتوقع هو توقيت حدوثها المتزامن، والزخم الذي جاءت به، وسقوط الأنظمة المتوالي كأحجار الدومينو، وحيث إستفاد الثائرون أيضا من وسائل الإتصال التي أتاحتها ثورة التكنولوجيا، وليدوي ايضا صدى هذه الإنهيارات الهائلة حتى هزت أنظمة دول أخرى، أضطرت إلى إحداث إصلاحات إقتصادية أو ديمقراطية عاجلة حتى تتفادى إنتقال تيار التغيير الجارف إليها.. "وقد قامت الديمقراطية -كمبدأ- لمحاربة الحكم المطلق وإستئثار الحكام بالسلطة من دون غالبية المواطنين ومنع الإعتداء على حقوق وحريات الأفراد؛ ولهذا فإن الديمقراطية -كمذهب أو نظام للحكم-ترمي إلى كفالة الحقوق الفردية وحماية ممارسة الأفراد لمختلف الحريات، وعلى الأخص الحرية السياسية.(1) "إن مضمون الحرية كان معروفا لدى الأفراد في المجتمعات القديمة، فقد عالج إفلاطون في مؤلفاته العلاقة بين الدولة والفرد، وأبدى إحتراما كبيرا لشخصية الفرد في كتابه (القوانين) إلا أنه قصر ذلك الإحترام على الأحرار دون العبيد، أما أرسطو فيختلف رأيه عن معلمه إفلاطون بالنسبة لعلاقة الأفراد بالدولة، فالدولة في رأيه هي التي تمكن الفرد من تحقيق غاياته، وذلك عن طريق القوانين التي تصدرها لتنظيم حياة الأفراد، والتي يجب أن تتوخى فيها العدالة وأساس العدالة هي المساواة."(2) ويعد مبدأ المساواة على علاقة وطيدة ومباشرة مع الحريات العامة، فهو مبدأ دستوري وأساسي تستند إليه كافة الحريات العامة، وإعتبره الكثير من فقهاء القانون أنه ' المفتاح الرئيسي للوصول إلى الديمقراطية الحقيقية وكفالة الحرية منذ القدم، إذ أن المجتمع الذي تنعدم فيه المساواة وتسوده روح التمييز والتفريق يصل الأمر به في النهاية إلى الإنكار التام للحرية.(3)" ومن ثم لا مفر من إعتبار المساواة مرتبطة بالحرية، لأن المساواة إنما تعني قبل شي تنظيم الفرص organization of opportunities، ثم تعني بعد ذلك أن فرص الفرد لا يجوز أن يضحى بها في سبيل فرص فرد آخر، إلا من أجل الصالح المشترك".(4) وقد قسم الدكتور ' ثروت بدوي " الحريات العامة الى قسمين رئيسين من الحقوق؛ الحقوق الفردية التنظيمية والحقوق الإجتماعية، وتتضمن الحقوق الفردية التنظيمية: الحقوق الشخصية/ وتنقسم إلى حرية التنقل، حق الأمن، حرمة المسكن. الحريات الفكرية/ حرية العقيدة والأديان، وحرية التعليم والصحافة، وحرية المسرح والإذاعة وحرية الرأي.حرية التجمع/ حرية تكوين النقابات والجمعيات، وحرية الاجتماع .الحريات الإقتصادية/ حق الملكية وحرية التجارة والصناعة. والحقوق الإجتماعية وتتضمن: حق العمل وكل ماينتج من حقوق وحريات وضمانات. (5) .... فإلى أي مدى تحققت الحرية التي كانت الهدف الأول لحدوث هذه الإنتفاضات؟ أم أن الطريق مازال معقدا وشائكا؟ ماهي الحريات المتحصل عليها بعد الضريبة الباهضة التي قدمتها هذه الشعوب خاصة تلك التي تحولت الإنتفاضة فيها إلى صراع مسلح خلف آلاف الضحايا والمهجرين ?، والأمر متعلق في دراستي هذه بالحالة الليبية لذلك فإنني إرتأيت تقسيمها على النحو التالي:

اولا: الحريات في ظل أيديولوجيا " النظام الجماهيري".

ثانيا: الحريات التي تحققت بعد إنتفاضة فبراير 2011 .

ثالثا: مصير الحريات بين الإنقسام السياسي وهيمنة الإسلام السياسي وسطوة المليشيات.

أولا: الحريات في ظل أيديولوجيا "النظام الجماهيري"

جاء النظام السياسي الموصوف والمعرف ب" النظام الجماهيري" بزخم من الشعارات التي تمثل حزمة من الحقوق والحريات، هذا النظام الذي قام وتأسس على أنقاض النظام الملكي والذي تمت الإطاحة به في سبتمبر من عام 1969، وفق تغيير جذري للوضع الذي كان قائما، بدءا من التحول الى الجمهورية ثم " الجماهيرية" أو "النظام الجماهيري" في شكل للحكم لا ينتمي لأي من تصنيفات الأنظمة السياسية المعاصرة، هذا التغيير الذي يراه 'المؤيدون' له ثورة حقيقية بكل ما يحمله مفهوم الثورة من مضامين أزاحت نظاما ملكيا متكلسا وغير ديمقراطي قام بحظر الأحزاب وقمع الحريات. " وحيث كان يسيطر في هذا النظام الملكي نخبة من شيوخ القبائل والأعيان الحضريين بين ذوي الذهنية الأبوية، وهذه النخبة هي التي صاغت الدستور، وسيطرت على الدولة وإستغل أفرادها مواقعهم في إدارة الدولة بحثا عن الثراء لأنفسهم ولإفادة أتباعهم وجهاتهم"(6) وأيضا وصم هذا النظام بأنه كان رهينا للقوى الإمبريالية، "فعند تسلم السنوسي الحكم عمل على توقيع معاهدات مع دول أجنبية ومنها بريطانيا، حصلت الأخيرة بموجبها على نفوذ وسيطرة واسعة على بعض المناطق الليبية مما أدى الى عدم رضاء الشعب الليبي على هذة المعاهدات التي أعتبرها إعادة للسيطرة الأجنبية التي ناضل طويلاً للتخلص منها وفي يناير 1964اجتاحت المظاهرات ليبيا احتجاجا على سياسة الملك الذي اعلن تنحيه عن الحكم الا انه تراجع عن قراره فيما بعد واستمرت حالة المناوشات والمظاهرات المتكررة حتى قيام 'الثورة' والتي غيرت اسم ليبيا إلى (الجمهورية العربية الليبية)".(7) بينما يرى'المعارضون' للتغيير الذي حدث في سبتمبر عام 1969أنه كان "إنقلابا عسكريا" مكتمل الأركان لا يمت إلى الثورة الحقيقية بأي صلة، "إنقلاب" أطاح بنظام ملكي دستوري مستقر كان يتجه قدما نحو الإصلاح، في ظل بنية إقتصادية جيدة عززتها مداخيل الثروة النفطية الهائلة، لينخرط النظام الملكي في سياسات عامة " اجتماعية" إستهدفت التعليم والصحة والضمان الإجتماعي، حتى جاء هذا "الإنقلاب" ليطيح بمشروع الإصلاح والذي كان يتولاه الملك بذاته، ويذهب بالبلاد في ظل نظام شمولي فوضوي جمد ليبيا ما يربو عن الأربعين عاما ونيف. جاء النظام الجديد الذي كان مازال يتشكل والذي يمتليء خطابه بمفرادات الحرية والتحرر يتضح ذلك من "البيان الأول("8) له في سبتمبر عام 1969 ..مثلا/ " أيها الشعب العظيم تنفيذا لإرادتك الحرة وتحقيقا لأمانيك الغالية، واستجابة صادقة لندائك المتكرر الذي يطالب بالتغيير والتطهير، ويحث على العمل والمبادرة، ويحرض على الثورة: ..الخ وأيضا.. "وهكذا منذ ألآن تعتبر ليبيا جمهورية حرة ذات سيادة تحت اسم(الجمهورية العربية الليبية)، صاعدة، بعون الله إلى العمل إلى العلا، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية . كافلة لأبنائها حق المساواة، فاتحة أمامهم أبواب العمل الشريف، لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم ولا سيد ولا مسود، بل إخوة أحرار في ظل مجتمع ترفرف عليه - إن شاء الله- راية الرخاء والمساواة" ..الخ. وفي العاميين التاليين أصدر " مجلس قيادة الثورة" لضبط الأوضاع ولجم المعارضين للتغيير وتقنين معاقبتهم ومطاردتهم، مثل القانون رقم (45) لسنة1972، والذي يحرم الإضرابات والإعتصامات والمظاهرات، وقانون رقم(71) لسنة 1972، والذي إعتبرت أحد مواده ممارسة الحزبية خيانة في حق الوطن، حتى جاء خطاب " النقاط الخمس" في عام1973 بمدينة زوارة والذي هو في جوهره تفكيك للدولة التي كانت قائمة سياسيا وقانونيا وإداريا وتتمثل هذه النقاط في:

1 - تعطيل كافة القوانين المعمول بها.

2 - القضاء على الحزبيين وأعداء الثورة

3 - إعلان الثورة الثقافية.

4 - إعلان الثورة الإدارية والقضاء على البيروقراطية.

5 - إعلان الثورة الشعبية.

وبعد اختلاف المقاصد والرؤى بين "الضباط الوحدويون الأحرار" فيما يتعلق بمايلي إسقاط النظام الملكي، وانفراد العقيد القذافي بالسلطة الأمر الذي ترتب عنه محاولات إنقلابات متوالية، تم على إثرها تصفية بعض العناصر مع فرار بعض العناصر الآخرين، وبعد ذلك يكتفي القذافي ببعض من الضباط الذين يكنون له الولاء ... من أجل إزاحة المعارضين بكل حسم وعنف، حتى جاء عام 1977 حيث "إعلان قيام سلطة الشعب" ترجمة للكتاب الأخضر الذي ألفه معمر القذافي، وهو بمثابة دستور غير معلن، والذي قمعت وفق طروحاته الحريات المتعارف عليها عالميا مع صياغة حريات وفق إيديولوجيا "النظام الجماهيري" النابعة من "الكتاب الأخضر" ..وتبعا للنظام الجماهيري يصبح اسم ليبيا هو: الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية..وتم إضافة صفة العظمى لاحقا بعد الغارة الجوية الأمريكية على ليبيا في أبريل 1986 والتي كانت تستهدف خصيصا إغتيال العقيد القذافي...هذه "الجماهيرية" والتي كما يرى الدكتور 'علي عبداللطيف' "على الرغم من أنها دولة تسلطيةAuthoritarian وشعبويةpopulist وريعيةRentier إلا أنها كانت تقدم حلولا لأبرز المشاكل السياسية البنيوية في ليبيا الحديثة، والمتمثلة في الموروث الأليم للدولة الإستعمارية(1911-1943)، وضعف الدولة الإتحادية خلال فترة الملكية السنوسية(1951-1969)" .(9) ويقوم مفهوم الحريات والحقوق حسب" النظام الجماهيري " على مبدأ أن السلطة للشعب وهي الأطروحة الأساسية في الكتاب الأخضر، هذه السلطة التي يمارسها الشعب دوريا خلال أنعقاد مؤتمرات الشعبية لكي يقرر سياساته العامة، وبما أن الشعب هو الحاكم، بالتالي ترتب على هذه المرجعية الأتي:

1- إن الحزبية مرفوضة وتجرم لأنها تعني إنفصال مجموعة من الشعب عنه لتمثل وتعبر عن مصالحها، لذلك يقول الكتاب الأخضر " (الحزبية إجهاض للديمقراطية) و (من تحزب خان)"(10)، "حيث كانت ليبيا تصنف من أبرز دول العالم التي تمنع إقامة أحزاب سياسية، وفقا للوثيقة الصادرة عن ' مؤتمر الشعب العام ' الهيئة التشريعية في ليبيا سابقا: الأحزاب السياسية ممنوعة ويعتبر كل من يمارس الحياة الحزبية خائن وعميل ويقف أمام نهضة وتطور البلاد" .(11)

2- وتبعا لذلك فإن التمثيل النيابي " الليبرالي" يتناقض مع حكم الشعب، وفي ذلك يقول الكتاب الأخضر: " أما إذا إنبثق المجلس النيابي عن حزب نتيجة فوزه في الإنتخابات، فهو في هذه الحالة مجلس الحزب وليس مجلس الشعب " وأيضا " المجلس النيابي يقوم أساسا نيابة عن الشعب، وهذا الأساس ذاته غير ديمقراطي؛ لأن الديمقراطية تعني سلطة الشعب لا سلطة نائبة عنه..ومجرد وجود مجلس نيابي معناه غياب الشعب"12. لذلك فإن خطاب هذا النظام ظل رافضا للديمقراطية بمفهومها الليبرالي التعددي، بحجة أنها ديمقراطية زائفة وغير حقيقية.

3- ويترتب على ذلك أيضا أن المجتمع المدني المتمثل في الاتحادات والجمعيات والروابط المهنية هو جزء من الشعب ويجب أن يكون منضويا تحت مظلة سلطة الشعب ويجب أن يعبر عن همومه وقضاياه في دورات إنعقاد المؤتمرات الشعبية، فالمجتمع المدني بصيغته العالمية المتعارف عليها غير معترف به في " النظام الجماهيري"، لأنه أي المجتمع المدني إذا تكون مستقلا تبعا للنظام الليبرالي؛ فهو إذن خارج الشعب الذي هو الحاكم وصاحب السلطة، هذا المجتمع المدني الذي يتحرك بين المجتمع والسلطة، وبناء على ذلك فإن الخارج على سلطة الشعب هو خارج على الدولة ويجب محاربته.

4 - وأيضا ينطبق الأمر على الإعلام فيجب أن يكون نابعا من النظام الشعبي وسلطة الشعب والذي يعبر عن نفسه في المؤتمرات الشعبية. يقول الكتاب الأخضر: إن الصحافة الديمقراطية هي التي تصدرها لجنة شعبية مكونة من كل فئات المجتمع..في هذه الحالة فقط ولا أخرى سواها تكون الصحافة أو وسيلة الإعلام معبرة عن المجتمع ككل، وحاملة لوجهة نظر فئاته العامة".(13) ولقد ورد في الفقرة الثانية من "الوثيقة الخضراء" الصادرة في عام 1988 أن الصحافة إذا تجاوزت المحافظة على المصلحة العامة والمتعلقة بالمجتمع أو حاولت الإفساد فإنها سوف تجد من يصدها .(14) وأيضا "قانون تعزيز الحرية" الصادر في عام 1991 جعل من حرية الصحافة حقا للأفراد على أن يكون الرأي أو الفكر منسجما مع توجهات المجتمع وتطلعاته والمحافظة على الإنجاز الإنساني المتمثل في (سلطة الشعب).(15) لذلك تم تأسيس المؤسسة العامة للصحافة والتي تقع تحت إدارتها أربع صحف هي: الجماهيرية والشمس والفجر الجديد والزحف الأخضر الناطقة بشأن حركة اللجان الثورية، وهذه الصحف مكلفة بالترويج لفكر القائد المتمثل في الكتاب الأخضر، كذلك هناك قنوات تلفزيونية رسمية وهي: قناة الجماهيرية - قناة الليبية-قناة البديل-قناة ليبيا الرياضية- قناة ليبيا الهداية- قناة التواصل.

وقد تأسست في نهاية سبعينيات القرن الماضي حركة "اللجان الثورية" المكلفة بحماية سلطة الشعب، هدفها المعلن ترشيد ممارسة السلطة الشعبية ومنع الانحراف عنها، لذلك تم تمكين عناصرها في كل مؤسسات الدولة، وكلفت بمواجهة المعارضين للنظام الجماهيري في الداخل والخارج . "يقول القذافي في خطاب لرابطة الأدباء والكتاب في ليبيا في عام 1988 :" إن الجماهيرية هي البؤرة التي ترتكز فيها تطلعات الفوضوية والشيوعية والمدينة الفاضلة, إن الجماهيرية هي خلاصة وثمرة الجهود التاريخية الإنسانية لتطلعات الفوضويين والشيوعيين , إنها النعيم المفقود والفردوس الأرضي". ثم يضيف قائلا " أنا تعديت الشيوعية والفوضوية الباكونية (نسبة إلى باكونين) أنا عملت شيئا منظما ابعد منها".(16)

ثانيا: الحريات التي تحققت بعد إنتفاضة فبراير 2011

سقط النظام السابق الموصوف والمعرف بالجماهيري عبر انتفاضة 17 فبراير 2011 وبمساندة المجتمع الدولي بمنظماته بدءا من منظمة الأمم المتحدة والتي تحركت معها أيضا المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، من أجل مساعدة المنتفضين لإنهاء نظام القذافي الذي أبدى شراسة في المواجهة مع "الثوار" وحلف الناتو الذي تؤازره قرارات منظمة الأمم المتحدة...حتى جاءت لحظة السقوط النهائي بموت قائد هذا النظام " معمر القذافي" .. وكانت الحرية أبرز شعارات هذه الانتفاضة، حيث ورغم شعور المؤمنين بضرورة قيام الثورة على النظام السابق بالغبن الإقتصادي وعدم تمتع الليبيين بثروات بلدهم كما يجب وكما هو الحال في بعض الدول النفطية الغنية كدول الخليج العربي، إلا أن التعطش كان لنيل الحقوق والحريات أكثر منه للحاجات الإقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.. ليتلمس الليبيين أول خطوات تحقيق الحريات بصيغتها الليبرالية وذلك عبر الخطوات والمراحل التالية :

1- أصدر المجلس الوطني الإنتقالي الإعلان الدستوري المؤقت(17) لتقنين وتنظيم 'المرحلة الإنتقالية' قبل إقرار الدستور .... وقد تم تخصيص الباب الثاني من الإعلان الدستوري لتقنين الحريات والحقوق، وقد تم عنونته ب: "الحقوق والحريات" وضم عشرة(10) مواد، وتنص المادة (7) على: " تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتلتزم بالإنضمام للإعلانات والمواثيق الدولية والإقليمية التي تحمي هذه الحقوق والحريات، وتعمل على إصدار مواثيق جديدة تلزم الإنسان كخليفة الله في الأرض.اما المادة(8) فقد نصت على:" تضمن الدولة تكافؤ الفرص، والعمل على توفير المستوى المعيشي اللائق وحق العمل والتعليم والرعاية الصحية والضمان الإجتماعي لكل مواطن، كما تكفل حق الملكية الفردية والخاصة، وتضمن الدولة وعدالة توزيع الثروة الوطنية بين المواطنين وبين مختلف مناطق الدولة" . وأيضا تنص المادة(14) على مايلي: تضمن الدولة حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي، وحرية البحث العلمي، وحرية الإتصال، وحرية الصحافة ووسائل الإعلام والطباعة والنشر، وحرية التنقل وحرية التجمع والتظاهر والإعتصام السلمي، وبما لا يتعارض مع القانون. أما المادة (15) فإنها نصت على: تكفل الدولة حرية تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات وسائر منظمات المجتمع المدني، ولايجوز إنشاء جمعيات سرية أو مسلحة أو مخالفة النظام العام أو الآداب العامة، وغيرها مما يضر بالدولة ووحدة التراب الوطني. وفي المادة(30)من الوثيقة تم تحديد مراحل عملية صياغة دستور دائم للبلاد، أولها إنتخاب " المؤتمر الوطني العام" الذي بدوره عليه أن ينظم إنتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، مع مهل زمنية لكل إجراء حتى أن الدستور كان ينبغي أن يتم بحلول ديسمبر 2013 في أقصى تقدير ." وأيضا وبعد إنتفاضة فبراير 2011 أصدر المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت باعتباره السلطة التشريعية في الدولة القانون رقم (2) لسنة 2012; بشأن إلغاء تجريم الحزبية، وقد نصت المادة الأولى من القانون على مايلي: يلغى القانون رقم(7) لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية لتعارضه مع أهداف ثورة17 فبراير، وبتاريخ 2-5-2012 أصدر المجلس الوطني الإنتقالي القانون رقم(29) لسنة2012بشأن تأسيس الأحزاب السياسية، وقد نصت المادة الثالثة من القانون على : من حق المواطنين الليبيين تأسيس الأحزاب السياسية والإنتساب إليها وفقا لأحكام هذا القانون، ولايجوز للمواطن أن يكون عضوا في أكثر من حزب واحد في الوقت ذاته".(18)

2- وبناءا على هذه الأسس الدستورية والتشريعية بدأ الليبيون بممارستهم السياسية بتكوين الأحزاب للإنخراط في العملية السياسية، وبلغ عدد الأحزاب الناشئة عشرون حزبا أو يزيد، وأبرزها حزب تحالف القوى الوطنية بقيادة "محمود جبريل"، وكذلك حزب العدالة والبناء الممثل للإخوان المسلمين والجبهة الوطنية للإنقاذ، ليتم بعد ذلك إنتخاب اول برلمان بعد الثورة وهو "المؤتمر الوطني العام" وذلك وفق إنتخابات شفافة...رغم ان هذه التجربة لم تكتمل نظرا للصراعات التي تأججت تحت قبة هذا البرلمان، " فبخلاف ماحصل في بلدان الربيع العربي الأخرى، جاءت نتيجة التصويت على القوائم الحزبية لمصلحة التيار الموصوف بالليبرالي بزعامة 'محمود جبريل'' بواقع 39مقعدا، وجاءت نتائج الجبهة الوطنية للإنقاذ بزعامة "محمد المقريف" دون التوقعات، حيث لم يحصل إلا على ثلاثة مقاعد فقط، لكنها نجحت فى الحصول على رئاسة المؤتمر الوطني العام، وكذلك على رئاسة الحكومة بعد تحالفها مع حزب العدالة والبناء الممثل لجماعة الإخوان المسلمين الليبية، والذي حصل بدوره على 17 مقعدا وحصل أيضا تياران إسلاميان على ممثلان في حزب الأمة والحزب الوطن على مقعدين لكل منهما، كما حصل حزب الإتحاد من أجل الوطن بزعامة السويحلي المنتمي إلى مدينة مصراتة على مقعدين، وتنوعت بقية المقاعد على عدة أحزاب صغيرة بمقعد لكل منها".(19) .غير أنه عندما بدأت العملية السياسية بقيادة "المؤتمر الوطني العام" ظلت تتقاذفه الاستقطابات والتجاذبات السياسية فظهرت التكتلات داخل المؤتمر وخاصة تكتلات الاسلامويين في مواجهة الحزب العلماني حزب تحالف القوى الوطنية المتحصل على أكبر نسبة من المقاعد، وتم تمرير قانون 'العزل السياسي'، والذي يشبه قانون إجتثاث حزب البعث في العراق، هذا القانون الذي يمنع الذين عملوا مع النظام السابق من تولي مناصب في الدولة الجديدة، وبالطبع فإن هذا القانون يشمل أيضا حتى "محمود جبريل" نفسه، وهو القانون الذي تم الدفع إلى إقراره عنوة وبضغط من المليشيات المرتبطة بالتكتلات الإسلاموية والجهوية في البرلمان.

3- إندفعت فئات من الشعب الليبي بشكل محموم نحو تأسيس جمعيات المجتمع المدني . " فقد أبصرت النور مئات من منظمات المجتمع المدني في جميع قطاعات الحياة في ليبيا تقريبا، وقد أدت هذه الشبكة من منظمات المجتمع المدني دورا حاسما في دفع عجلة بناء السلام وتوحيد ليبيا، ويتراوح عدد منظمات المجتمع اليوم بين 1800و 1900منظمة وجمعية منتشرة في كل ربوع ليبيا.(20).

4 - وتم إنتخاب مجلس النواب الليبي ليبدأ عمله في 4 أغسطس 2014 خلفا للمؤتمر الوطني العام "وهو نتيجة مقترحات تقدمت بها لجنة قانونية عرفت بإسم (لجنة فبراير) وإلى المؤتمر الوطني العام الذي إنتهت ولايته الدستورية من دون تحقيق النتائج التي يفترض به تحقيقها، حيث تركزت نتائج اللجنة على هدفين أساسين للمرحلة الإنتقالية الثالثة وهي: إنتخاب مجلس نواب بطريقة الإقتراع المباشر من الشعب، إنتخاب رئيس للدولة بطريقة الإقتراع المباشر من الشعب، إلا أن المؤتمر الوطني العام وافق على الفقرة الأولى من مقترح اللجنة ورفض الفقرة الأخرى.(21)

5 - قبل إنتهاء ولاية المؤتمر الوطني العام قام هذا المؤتمر أو البرلمان بالإشراف على عملية إنتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أو ما يعرف بلجنة الستين كان ذلك في 20 فبراير2014 هذا الدور الذي تحدد للمؤتمر الوطني العام في الإعلان الدستوري المؤقت، وكان يفترض أن تنتهي هذه الهيئة المنتخبة من أشغالها في إعداد مشروع الدستور في عام 2013، لكن نظرا لحالة التشظي السياسي وأوضاع البلاد فإنها انتهت من وضع مسودة الدستور المقترح في عام 2017. ليقر مجلس النواب في عام 2018قانونا للإستقتاء على مشروع الدستور؛وقد كرس مشروع الدستور(22) الباب الثاني منه المعنون ب " الحقوق والحريات" (ويتضمن 36 مادة) لتنظيم وتقنين شتى أنواع الحريات والحقوق المتعارف عليها في دساتير الدول المتقدمة، من أجل تعزيزها وتحصينها من التجاوز والانتهاك. ونذكر من هذه المواد أبرزها وأهمها على النحو التالي: نصت المادة(41) المتعلقة بالمجتمع المدني على الآتي :تضمن الدولة حرية تكوين منظمات المجتمع المدني والإنتساب إليها وفق المعايير اللازمة للتوازن بين مطالب إستقلالها، ولوازم الشفافية، ولايجوز وقفها عن عملها، إلا؛بأمر قضائي، ولا حلها إلا؛بحكم قضائي. أما المادة(42) المتعلقة بحق المشاركة، فقد نصت على مايلي: تضمن الدولة للمواطنين ومنظمات المجتمع المدني في مجال نشاطها حق المشاركة الديمقراطية؛ بتقديم إلتماسات، أو مقترحات تشريعية؛ وفق ماينظمه القانون. أما المادة(43) المتعلقة بحق الإجتماع والتجمع والتظاهر فقد نصت على مايلي: تضمن الدولة حق الإجتماع والتجمع والتظاهر سلميا، وتتخذ التدابير اللازمة؛ لحماية الممتلكات والأشخاص، ولا تستخدم القوة ؛ إلا في حالة الضرورة، وفي حدها الأدنى. أما المادة (49) المتعلقة بدعم حقوق المرأة، فقد جاءت كما يلي: تلتزم الدولة دعم ورعاية المرأة، وسن القوانين التي تكفل حمايتها، ورفع مكانتها في المجتمع، والقضاء على الثقافة السلبية، والعادات الإجتماعية التي تنتقص من كرامتها، وحظر التمييز ضدها، وضمان حقها في التمثيل في الإنتخابات العامة، وإتاحة الفرص أمامها في المجالات كافة، وتتخذ التدابير اللازمة، لعدم المساس بحقوقها المكتسبة ودعمها.

6 - وأيضا إنطلق الإعلام ما بعد عام 2011 بقوة بعد أن حطم القيود التي كان مكبلا بها في ظل الحكم الشمولي، لكنها أيضا كانت انطلاقة بلا ضوابط أو كوابح فأنتجت مشهدا إعلاميا صاخبا ومرتبكا، ويمكن تصنيف مجتمع مابعد الإعلام الليبي في حقبة مابعد القذافي إلى ثلاثة مجموعات مختلفة لتشمل: (23)

الأولى/ موظفي جهاز الإعلام الرسمي السابق، ويعمل عدد قليل من هؤلاء الإعلاميين في المؤسسات الإعلامية بعد الثورة، وبعضهم عادوا إلى الخارج، وإتخذوا منابر إعلامية مضادة أولها أجندة مختلفة.

الثانية/ مايسمى بإعلام الثورة – أو إعلام خط المواجهة- من صحافيين مواطنين وثقوا عمليات الثورة وعلى الأرض. وتضم هذه المجموعة عموما أطباء ومهندسين وعامليين أخرين.

الثالثة/ تتألف من معارضين من عهد القذافي، وهؤلاء لايمتلكون خبرة سابقة لتحرير الصحافي، ومعظمهم من الكتاب والشخصيات الثقافية، ويدور رحى الصراع بين هذه المجموعات من أجل السيطرة على قطاع الإعلام.

ثالثا: مصير الحريات بين الإنقسام السياسي وهيمنة الإسلام السياسي وسطوة المليشيات

قدمت المرأة الليبية تضحيات جسيمة، حيث ساهمت بعض الرموز النسائية في دعم التغيير كالمحامية والحقوقية المعروفة سلوى أبوقعيقيص، والتي تم إغتيالها بدم بارد، وقد أشارت أصابع الاتهام إلى عناصر ذات توجه اسلاموي بضلوعهم في حادثة القتل، وأيضا العديد من حوادث الخطف والقتل والإعتقال التي طالت بعض الناشطات والصحفيات، المرأة الليبية والتي رغم مكتساباتها التشريعية، حيث منحتها الكثير من التشريعات والقوانين العديد من والحريات والحقوق إسوة بالرجل، ورغم ماحققته في سبيل تأسيس ذاتها إلا أنها ظلت محدودة الحركة وسط مجتمع ذكوري وقبلي تقليدي محافظ مثقل بالعادات والتقاليد...لتصبح المرأة بين مطرقة البيئة الإجتماعية المحافظة وسندان التيارات الإسلامية المتشددة في نظرتها لدور المرأة، خاصة وأن هذه التيارات صار لها أصوات سياسية وأذرع مليشاوية مسلحة بأدواتها القمعية، وأيضا تظل الحريات المكتسبة بعد التغيير تتخبط وسط حالة متفاقمة من التشظي المجتمعي والسياسي والتجاذبات والاستقطبات السياسية الحادة، وإنتشار السلاح فعلى سبيل المثال / في الوقت الذي أقر فيه مجلس النواب في الشرق الليبي قانون " العفو العام" وذلك ردا على قانون " العزل السياسي" الذي أقره البرلمان السابق له " المؤتمر الوطني العام"، حيث ترتب على إقرار مجلس النواب لقانون العفو العام عودة بعض الشخصيات التي كانت محسوبة على النظام السابق لأرض الوطن، وخاصة في المنطقة الشرقية، فإن قانون العزل السياسي مازال نافذا في المنطقة الغربية من ليبيا، وأيضا /فإن تغول المليشيات يحول دون ممارسة الحريات، خاصة المليشيات المتحكمة والمسيطرة على طرابلس، والتي شهدت العديد من حوادث الإبتزاز الخطف والإعتقال التعسفي حتى للشخصيات السياسية البارزة مثل حادثة خطف الأبرز والتي كان ضحيتها " على زيدان" رئيس الحكومة السابق ...أيضا/ فإن 'السلطة القضائية' والتي كانت توصف بأنها ظلت متماسكة رغم كل التجاذبات، إلا أنها اتهمت بأنها رضخت لضغط وهيمنة المليشيات خاصة في العاصمة طرابلس في أكثر من مناسبة ولعل حادثة طعن الدائرة الدستورية للمحكمة العليا في شرعية مجلس النواب أشهرها، "حيث قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة

العليا في ليبيا، ومقرها العاصمة طرابلس بعدم دستورية مقترحات "لجنة فبراير" وكل ما ترتب عنها، ما يعني ضمنيا حل مجلس النواب المنتخب.

ونص قرار المحكمة الدستورية على "عدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل الدستوري السابع الصادر بتاريخ 11 مارس 2014 وكافة الآثار المترتبة عنه"، ما يعني حل مجلس النواب وكل المؤسسات المنبثقة عنه".(24) لترد محكمة في مدينة البيضاء في الشرق الليبي بحكم يطعن في هذا الطعن حيث" قضت محكمة البيضاء الابتدائية الليبية بانعدام حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، الذي قضى بعدم دستورية تعديل الإعلان الدستوري المؤقت للبلاد والذي انتخب بموجبه مجلس النواب المعترف به من الأسرة الدولية، إضافة إلى انعدام الحكم، ونص قرار محكمة مدينة «البيضاء» الابتدائية الذي صدر في 5فبراير2015، على أن يتم "وقف نفاذ الحكم الصادر عن المحكمة العليا الليبية في الطعن الدستوري رقم 17/61 ق بتاريخ 6 نوفمببر 2014″، كما نص القرار على "انعدام الحكم الصادر عن المحكمة العليا الليبية في الطعن الدستوري رقم 17/61 ق بتاريخ 6 نوفمبر 2014 وإلزام الداعي عليه بالمصاريف".(25) لينتج عن هذا التنازع القانوني صراع مسلح على الأرض بين قوات أطلقت على نفسها قوات " فجر ليبيا " نسبة إلى عملية فجر ليبيا والمنبثقة عن المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، والذي أعاد إحياء هذا المؤتمر وشكل حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة " عمر الحاسي"، في مواجهة قوات " الكرامة" نسبة إلى عملية الكرامة والمنضوية تحت مجلس النواب ومقره مدينتي " طبرق" و " البيضاء " في الشرق الليبي، وبعد صراع خلف الكثير من الضحايا والخسائر المادية المتمثلة في بعض المنشآت الحيوية كمطار طرابلس العالمي، وانهاك الإقتصاد الوطني نتيجة الصراع على المواني والحقوق النفطية، وإستغلال الجماعات المتطرفة للفراغ لتتغلغل في بعض نواحي ليبيا، جاء إتفاق الصخيرات بين الأطراف السياسية المتنازعة لنصل إلى المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق المنبثقة عنه، والذي يتضمن أيضا تمديد عمر مجلس النواب، والذي ظل هو وحكومة الوفاق على طرفي نقيض، حيث رفض تضمينه في الإعلان الدستوري حتى اليوم، ليزيد الصراع تأججا، وتتسع هوة الإنقسام السياسي.

"وقد شهد الإعلام في ليبيا تغييرات جذرية بعد سقوط نظام القذافي، حين إبتعد عن المحتوى الإعلامي والدعم المعنوي الذي كان يقدمه للجماهير، كما إبتعد عن المعايير المهنية والأخلاقية للإعلام الوطني، وأصبح جزءا من الأزمة الأمنية والسياسية والإجتماعية في طول البلاد وعرضها، من خلال تبنيه لخطاب سياسي يوحي بالتحيز وإثارة الفتنة والإنقسام".(26) وكذلك/ تستمر التجاذبات بين الرفض والتأييد، حول مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، حيث تم مؤخرا إقرار قانون الإستقتاء على مشروع الدستور من طرف مجلس النواب، بين من يرى بأنه دستور معيب وبه الكثير من الهنات الشكلية والموضوعية، والتي تفتح الباب على مزيد من النزاعات والأزمات، مثل الدكتور "إبراهيم أبوخزام" أستاذ القانون الدستوري حيث يرى تحديدا بأنه "ولكي يحقق الدستور غاياته، فان الامم المتحضرة، تذهب الي صناعة دساتيرها في ظروف الهدوء والاستقرار، ففي هذه الظروف، يولد التوافق وتتحرر الإرادة ويبلغ الحماس الوطني ذروته ويولد الدستور باعتباره تعبيرا عن التوازنات الطبيعية في المجتمع وانعكاسا للرغبة في العيش المشترك، اما حين يوضع الدستور في ظروف الصراعات المريرة والحروب الأهلية المدمرة، فانه يتحول الي اداة مغالبة ووسيلة ارغام ؛ تفرضهاالجماعات الاقوي ؛ ليس للحفاظ علي توازنات المجتمع ؛ بل تكريس انتصار زائف، وهي بذلك تؤجج الصراع، ويتحول الدستور المفروض، الي ظاهرة ظلم وليس أداة للتوافق" .(27) وبين من رأى أيضا في مشروع الدستور مكسب كبير في إشارة ضمنية إلى عقود من الأستبداد والفوضى، في ظل نظام لاينتمي لأي من تصنيفات الأنظمة السياسية المتعارف عليها. كالنائب "صالح افحيمة" الذي يرى "إن مشروع الدستور الذي بين يدينا يلبي ولو الحد الأدنى من طموحاتنا، وعلينا ألا نضيع الفرصة، لأنها الدرجة الأولى في سلم الصعود نحو بناء الدولة". أما المحامي الليبي "صلاح طاباق" فقد اعتبر مشروع الدستور متوازنا في جميع بنيانه، سواء في توزيعه للسلطات وخلق التوازن بينها، أو من خلال جملة الحقوق التي نص عليها.(28) ومن القضايا الساخنة في صياغة الدستور الليبي والتي ظلت تواجه الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور:(29)

1 – تحديد دور الدين في الدولة (دور الشريعة الإسلامية في النظام القانوني).

2 – ميزان القوى السياسية بين الحكومة المركزية والمسؤولين المحليين (الفدرالية والمركزية).

3 – مسألة الهوية، فقد أكدت الدساتير في مصر وتونس بعد الثورة على هوية الدولة العربية الإسلامية.

4 – حقوق الأقليات، فالغالبية العظمى هم من العرب، ولكن لايزال هناك جالية كبيرة من الأمازيغ تنظر إلى الأمازيغية بإعتبارها لغتهم الأم، بالإضافة إلى عدد صغير من السكان" التبو" التي تتحدث باللهجات المحلية، وسيكون منحهم الحقوق اللغوية مؤشرا هاما على مراعاة حقوق الهوية الإثنية لللأقليات العرقية.

 أيضا مازال المجتمع المدني مكبلا ومغلولا برغم أدواره في كبح جماح النزاعات القبلية المترتبة خاصة، على الانقسام حول النظام السابق بين مؤيدين ومعارضين، وأرى بأنه يمكن أرجاع ذلك للأسباب التالية:

1- حالة التشظي والإنقسام السياسي والتي ترتب عليها الإنفلات الأمني وتغول سطوة المليشيات في ظل تفكك الدولة، الأمر الذي يحول دون أداء المجتمع المدني لأدواره كما يجب .

2- هيمنة الولاءات القبلية والجهوية والتي تتعارض مع قيم ومباديء المجتمع المدني الذي يقوم أساسا على صهر هذه الولاءات الضيقة في بوتقة المواطنة الحقة.

3- إنعدام ثقافة المجتمع المدني الموروثة من النظام السابق، مما يجعل الناس ليسوا مستوعبين لماهية المجتمع المدني والأدوار التي تستطيع مكوناته أدائها.

الخاتمة

ختاما أرى أن ليبيا رغم كل هذا الواقع الراهن المتشابك بين الأجندات المتباينة والتجاذبات والاستقطابات الدولية والإقليمية وكذلك النزاعات المحلية فإن الليبين قد قطعوا أشواطا نحو دولة الحريات والحقوق، بعد أن أنجزوا خطوات دستورية وأهمها الإعلان الدستوري المؤقت، ثم مشروع الدستور الذي ينتظر من الشعب الإستفتاء عليه، وأيضا بعد أن إنتخبوا برلمانين في انتخابات نزيهة وشفافة، وإن لم يكتمل نضوج هذه التجربة الديمقراطية بعد، في إنتظار الإنتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، والتي يعلق عليها الكثير من الآمال، ولكي تخطو ليبيا نحو ترسيخ أسس الدولة المدنية دولة المؤسسات فإنه يجب كما أرى:

أولا / أن يكون المجتمع الدولي أكثر جدية في التعامل مع القضية الليبية للمساعدة في رأب الصدع بين الأطراف المتنازعة، من أجل تحقيق المصالحة الحقيقية والعميقة والشاملة كأساس موضوعي وصلب لبناء الدولة الجديدة.

ثانيا/ البحث عن آلية صارمة وحاسمة لجمع السلاح وتفكيك المليشيات بأصنافها الجهوية أو الإجرامية المشبوهة أو المتسترة بمسميات حكومية، لتأسيس وتعزيز جيش حقيقي وشرطة وأمن كما هو متعارف عليه عالميا.

ثالثا/ ضبط المشهد الإعلامي بأدواته وقنواته للحد من إنفلاته، ودفعه لتوحيد خطابه في إتجاه مفاهيم المصالحة والوفاق بين كل المكونات والأطياف السياسية رابعا/ ضرورة تجاوب المكونات الإجتماعية والسياسية المختلفة لإستيعاب التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، وقيم ومرتكزات الديمقراطية، وتجاوز النزعات الحزبية والجهوية والقبلية الضيقة والمحاصصة، في سبيل التأسيس للدولة المدنية دولة المواطنة والمؤسسات والحقوق والحريات.

خامسا/ السعي قدما نحو تحقيق المصالحة الحقيقية، والعميقة والشاملة ونبذ الخلافات وتخطي العراقيل، وإفساح المجال نحو هيئات وجمعيات المجتمع المدني للقيام بأدوارها لجسر الهوة بين المتنازعين، وإكمال دوره الذي بدأه في تحقيق هذه المصالحة، رغم التضحيات في ظل التشظي السياسي والإنفلات الأمني.

 

د . أبو بكر خليفة أبو بكر

.............................

المراجع والمصادر

بشناق صبحي، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، منشورات كلية الشريعة والقانون، غزة، ط 5 . 2017 .

عبد الوهاب محمد رفعت، مبادئ النظم السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية بيروت، لبنان، ط1، 2002 .

سانة رابح، محاضرات في الحريات العامة، معهد الحقوق والعلوم السياسية، المركز الجامعي نور البشير، البيض، الجزائر، السنة الجامعية 2015 /2016 .

زريق برهان، فلسفة الدولة، وزارة الإعلان السورية، ط 1، 2016.

الطعيمات هاني سليمان، حقوق الإنسان وحريته الأساسية، دار الشروق، عمان، ط 1، 2003 .

احميدة علي عبد اللطيف، دولة ما بعد الإستعمار والتحولات الإجتماعية في ليبيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ط1، 2012.

ابراهيم علي، معارضة الشعب الليبي لسياسة الملك وقيام الثورة، موقع الراصد الليبي، نشر في 07/06/2014 .

البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر 1969

معمر القدافي، الكتاب الأخضر، 1975 .

القطروني حسين يوسف، الوضع السياسي الليبي (2011 / 2016) : معوقات بناء الدولة وإشكالية استقرار النظام، شبكة ضياء للمؤثمرات، نشر 14/11/2016 .

الوتيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، الصادرة 1988

قانون (20) لعام 1991 بشأن تعزيز الحرية .

دون دكر الكاتب، القذافي.. تناقض غريب: القذافي مجنون عظمة أم زعيم فلتة ؟ نشر في 10/08/2003، صحيفة اليوم www.alyaum.com.

الإعلان الدستوري الليبي المؤقت، الصادر في 2مارس 2011 .

الشيخ محمد عبد الحفيظ، ليبيا بين جماعات العنف والديمقراطية المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، مجلة المستقبل العربي بيروت، العدد (432)، فبراير 2015 .

قوي أبو حنية، المجتمع المدني بليبيا وموريتانيا : صراع القبيلة والدولة، الجزء الثالث، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة 2014،

القطروني حسين يوسف، الأداء التشريعي للسلطات الإنتقالية في ليبيا (2011 /2016)، (كتاب دراسات عربية في العلوم السياسية . الجزء الأول) إشراف : سيف النصر عبد السلام بالحسن، منشورات جامعة بنغازي، ط 1، 2017 .

مشروع الدستور الليبي، 2017 .

العيساوي فاطمة، الإعلام الإنتقالي في ليبيا هل تحرر أخيرا ?، نشر في 14 /05/ 2013 مركز كارينغي الشرق الأوسط www. Carnegie mec .org

المحكمة الدستورية تقضي بحل مجلس النواب، نشر في 6/11/2014 موقع قناة روسيا اليوم، https://arabic.rt.com/

خالد صالح، محكمة "البيضاء الليبية تقضي ببطلان حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، نشر في 06/02/2015 صحيفة اليوم السابع www.youm7.com

أ .د ابراهيم أبو خزام ملاحظات حول مشروع الدستور الليبي نشر في 22/04/، 2016ly@blogspot www.aldalel

تقرير، مشروع الدستور الليبي بين الرفض والتأييد، نشر في 3/08/2017، موقع الجزيرة نت، www.aljazera.net

مارتينيز جيري، كريستوفر تيفيز، الآثار المستقبلية: ليبيا بعد القذافي، : ترجمة : ادريس محمد علي قناوي، مؤسسة RAND، ط1، 2014. 

1) صبحي بشناق، الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، منشورات كلية الشريعة والقانون، غزة، ط 5 . 2017، ص 67-68.

(2) محمد رفعت عبد الوهاب، مبادئ النظم السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية بيروت، لبنان، ط1، 2002، 247 .

(3) – رابح سانة، محاضرات في الحريات العامة، معهد الحقوق والعلوم السياسية، المركز الجامعي نور البشير، البيض، الجزائر، السنة الجامعية 2015 /2016، ص 11 .

(4) - برهان زريق، فلسفة الدولة، وزارة الإعلان السورية، ط 1، 2016، ص 45 .

(5) هاني سليمان الطعيمات، حقوق الإنسان وحريته الأساسية، دار الشروق، عمان، ط 1، 2003، ص 187 .

(6)علي عبد اللطيف إحميدة، دولة ما بعد الإستعمار والتحولات الإجتماعية في ليبيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ط1، 2012، ص5.

(7) علي ابراهيم، معارضة الشعب الليبي لسياسة الملك وقيام الثورة، موقع الراصد الليبي، نشر في 07/06/2014 .

(8) للمزيد أنظر، البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر 1969 .

(9)علي عبد اللطيف حميدة، دولة ما بعد الإستعمار والتحولات الإجتماعية في ليبيا، ، مرجع سبق ذكره، ص5 . (10)

(10) للمزيد أنظر، معمر القدافي، الكتاب الأخضر، 1975 .

(11) حسين يوسف القطروني، الوضع السياسي الليبي (2011 / 2016) : معوقات بناء الدولة وإشكالية استقرار النظام، شبكة ضياء للمؤثمرات، نشر 14/11/2016 .

(12) للمزيد أنظر، معمر القدافي الكتاب الأخضر، مرجع سبق ذكره

(13) معمر القدافي، الكتاب الأخضر، مرجع سبق ذكره

(14) للمزيد أنظر، الوتيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، الصادرة 1988

(15) للمزيد أنظر، قانون (20) لعام 1991 بشأن تعزيز الحرية .

(16 دون دكر الكاتب، القذافي.. تناقض غريب: القذافي مجنون عظمة أم زعيم فلتة ؟ نشر في 10/08/2003، صحيفة اليوم www.alyaum.com.

(17) للمزيد انظر، الإعلان الدستوري الليبي المؤقت، الصادر في 2مارس 2011 .

(18) حسين يوسف القطروني الوضع السياسي الليبي (2011 / 2016) : معوقات بناء الدولة وإشكالية استقرار النظام، مرجع سبق ذكره

(19) محمد عبد الحفيظ الشيخ ليبيا بين جماعات العنف والديمقراطية المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، مجلة المستقبل العربي بيروت، العدد (432)، فبراير 2015، ص 125 .

(20) أبو حنية قوي، المجتمع المدني بليبيا وموريتانيا : صراع القبيلة والدولة، الجزء الثالث، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة 2014، ص 6 – 7 .

(21) حسين يوسف القطروني، الأداء التشريعي للسلطات الإنتقالية في ليبيا (2011 /2016)، (كتاب دراسات عربية في العلوم السياسية . الجزء الأول) إشراف : سيف النصر عبد السلام بالحسن، منشورات جامعة بنغازي، ط 1، 2017، ص73 .

(22) للمزيد أنظر، مشروع الدستور الليبي، 2017 .

(23) فاطمة العيساوي، الإعلام الإنتقالي في ليبيا هل تحرر أخيرا ?، نشر في 14 /05/ 2013، موقع مركز كارينغي الشرق الأوسط. 

(24) المحكمة الدستورية تقضي بحل مجلس النواب، نشر في 6/11/2014 موقع قناة روسيا اليوم، https://arabic.rt.com/

(25) خالد صالح، محكمة " البيضاء الليبية تقضي ببطلان حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، نشر في 06/02/2015 صحيفة اليوم السابع www.youm7.com

(26) حسين يوسف القطروني الوضع السياسي الليبي (2011 /2016) معوقات بناء الدولة وإشكاليات استقرار النظام، مرجع سبق ذكره .

(27) أ .د ابراهيم أبو خزام ملاحظات حول مشروع الدستور الليبي نشر في 22/04/، 2016ly@blogspot www.aldalel

(28) تقرير، مشروع الدستور الليبي بين الرفض والتأييد، نشر في 3/08/2017، موقع الجزيرة نت، www.aljazera.net

(29) جيري مارتينيز، تيفيز كريستوفر، الآثار المستقبلية: ليبيا بعد القذافي، : ترجمة : ادريس محمد علي قناوي، مؤسسة RAND، ط1، 2014، ص 45 /46 .

 

عدنان عويدبروكوست: شخصية اسطورية يونانيّة، كان يعمل قاطعاً للطريق، حيث يقوم  بعد سلب ما لدى ضحيته من أموال، بضعها على سريره الخشبي، فإذا كان طول الضحية أطول من السرير قصقص من قدمي الضحية حتى تتناسب مع طول سريره، وإن كان طولها أقصر قام بمط الضحية حتى تتناسب مع طول السرير أيضاً. فسريره وساطوره في نهاية المطاف هما التعبير العملي عن قيمه وقناعاته تجاه الآخر المختلف.

بالتعبير الفكري والسياسي لهذه الأسطورة، نقول إن هناك من الشخصيات التي تحجر عقلها فكرياً، وراحت تأخذ من أفكارها قيماً معيارية ثابته تطالب الآخرين وبقوة الترهيب أن يقيسوا قيمهم وأفكارهم عليها، وأي خروج عن هذه القيم والأفكار يعتبر بدعة أو انحرافاً عن معاييرهم. وهذه النماذج من الشخصيات نجدها لدى اليسار المتطرف ولدى اليمين المتطرف معاً.

فعند اليسار وصفت هذه الحالة من التطرف بـ (اليسار الطفولي أو اليسار الحرن). ودلالاتها: أن الطفل عندما يريد حاجة من أمه أو أبيه يجب أن تتُحقق له حاجته دون مراعاة لظروف والديه وإمكانياتهما المادية والمعنوية على تحقيقها، أي دون مراعاة لقدرتهما المادية والمعنوية على تأمين هذه الحاجة المطلوبة للطفل.

أما نعت أصحاب  هذه الحالة باليسار الحرن، فهو تشبيه بليغ بسلوكية الحمار وعقله غير القابل على الأخذ والعطاء، وبالتالي مراعاة للظروف التي تحيط به. فالحمار مثلاً قد يحرن في وسط الطريق ويقطع السير دون مراعاة  أو اهتمام بكل ما يحيط به.

ففي كلتا الحالتين، نجد غياب العقل والمنطق هنا في مراعاة الظروف الموضوعية والذاتية وكل القيم الأخلاقية التي تحكم الواقع  وتفرض على الفرد أن يمارس قناعاته، أو يعبر عن قيمه الاجتماعية، من باب (الضرورات تبيح المعذورات).

إن هذا الموقف المتزمت الرافض لرأي وقناعات الآخر، نجده لدى اليمين المتطرف أيضاً الذي يعتبر فهمه للدين والحقيقة معاً هو الفهم المعياري الذي يجب على الآخرين تبنيه والسير على هديه، وكل ما عدا فهمه، أو لا ينطبق عليه، يعتبر كفراً وزندقة وخروجاً عن القيم المعيارية الصحيحة التي فهمها هذا المتطرف اليميني. وبالتالي فهو  يعتبر كل ما يقوم به الآخر المختلف أو يفكر به هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وعلى هذا الموقف المتطرف القائم على رفض الاخر في (اليمين واليسار) يأتي الارهاب، ممثلا بسرير بروكوست وساطوره بكل حيويتيهما لقتل وتدمير المختلف.

إن  أصل الإرهاب إذاً، هو عدم الاعتراف بالآخر حتى ولو بالحدود الدنيا التي تفرضها الضرورات كما أشرنا أعلاه. فالعنف سيقابله العنف، وهنا يأتي  العنف وسيلة للتعامل مع الآخر المختلف، أي بين من هم في أقصى اليمين مع من هم في أقصى اليسار بالضرورة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

صادق السامرائيالشخصية البشرية غالبا ما تشير إلى نمط ثابت من الوعي والإدراك والفهم والتفكير والتفاعل تجاه الذات والمحيط يمكن ملاحظته في مواقف اجتماعية وفردية مختلفة.

واستجابة الشخصية بمجملها ثابتة إزاء المواقف التي تمر بها، وأسلوبها مبني على قوالب منغرسة ومتمكنة في الأعماق، ومن الصعب أن تخرج الشخصية منها.

أي أنها تمشي على سكة معينة ذات إتجاه محدد في تفاعلاتها، ولهذا يمكننا أن نتنبأ بالإستجابات السلوكية للشخصية بعد معرفة مواصفاتها التفاعلية مع المحيط والذات.

وعندما تكون الشخصية البشرية طبيعية فأنها تبدو قابلة للمرونة والتكييف والتفاعل الصحيح مع المحيط الذي تتحرك فيه، ومع ذاتها والمتغيرات المتجددة حولها.

والشخصية قد تصاب بإضطرابات تؤدي إلى إضعاف أو إعاقة قدراتها على المرونة والتكيف مع المحيط الذي هي فيه، وتفاعلاتها ذات تأثيرات سلبية عليها وعلى وسطها، وعادة يكون الاضطراب منغرسا في أعماقها ويؤثر تأثيرا قاسيا على أطراف التفاعل.

أي أن الشخصية قد تكون سوية أو مضطربة.

والشخصية السوية هي الغالبة في أي مجتمع بشري، أما الشخصية المضطربة فأنها ذات نسبة معينة قد تتسبب بأضرار إجتماعية تتناسب وموقعها ودورها في المجتمع.

الشخصية بصورة عامة وجود معقد وصيرورتها تتأثر بعوامل متعددة منها وراثية ومنها محيطية، والتفاعل بين الذات والمحيط يحدد أنماط الشخصية ويرسم سلوكياتها وإستجاباتها.

وقد حاول الكثير من العلماء في القرن الماضي التوصل إلى نظرية لتفسير السلوك البشري الناجم عن تفاعل الشخصية مع المحيط لكنهم لم يتمكنوا من الإمساك بمنطوق شامل، وإنما إستطاع كل منهم أن يضيف شيئا قليلا في محاولته لسبر أغوارهما.

والكثير من الإفتراضات التي ظهرت في بداية القرن العشرين لم تتمكن من الصمود أمام المقاييس والمعايير العلمية الحديثة، التي تبحث عن الحقيقة العلمية وليس عن الرؤى والتصورات والتقديرات الخالية من ضوابط البحث العلمي الدقيق.

وقد درس علماء النفس والطب النفسي الشخصية البشرية، وبرعت في ذلك مدارس التحليل النفسي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

وظهرت مدارس ونظريات ومحاولات جادة وعلى مختلف الأصعدة، وجميعها قد أعطت بعضا مما يفيدنا في محاولة الفهم والدراسة. لكن أيا منها لم تتمكن أن تعطي الإجابة الوافية والمطلقة. وفي العقود الأخيرة برعت المدرسة الذهنية وخضعت للعديد من البحوث والدراسات الرصينة، التي تفيد بربط السلوك بالفكرة التي تتمكن من الدماغ وتتسيد عليه.

وأصبح من الواضح أن السلوك له علاقة متينة بما نفكر به ونراه ونعتقده.

وتعددت الدراسات وتعمقت وأظهرت التأثير المعقد ما بين المحيط القائم والحي الذي يتفاعل معه، وأن الظروف المحيطية تحقق تغيرات تؤدي إلى إنتاج بروتينات تؤثر على التفاهم ما بين العصيبات الدماغية وطريقة توليدها للإستجابات السلوكية والمعرفية.

وقد أثبت ذلك الدكتور أرك كانديل وحصل على جائزة نوبل لإكتشافه سرا من أسرار التفاعل ما بين الذات والموضوع، وكيف يحقق كل منهما تأثيراته البيولوجية والسلوكية على الآخر مما عزز دور العلاجات النفسية، وأعطى دورا أكبر للذاكرة في تقدير توجهات السلوك ورسم حدود الشخصية.

وفي كل المحاولات والدراسات العلمية لا زالت هناك صعوبة في فهم الشخصية البشرية وإخضاعها للدراسة العلمية الدقيقة والمحكمة.

وكلما إزددنا معرفة بعلوم الدماغ كلما إستطعنا أن نفهم شيئا جديدا عن الشخصية والسلوك البشري، يضع ما نعرفه على المحك ويدفعنا إلى مراجعة وتمحيص ما نراه ونعتقده.

وفي بداية القرن العشرين تسيّدت مدرسة التحليل النفسي بقيادة فرويد، ومَن إنشق عنها من مدارس في التحليل والرأي في نظرتها للشخصية.

ففرويد مثلا يرى أن ملامح الشخصية هي نتاج الثبات أو التوقف عند مرحلة من مراحل التطور النفسجنسي وأكد على الأنا والأنا العليا والسفلى.

ورايخ يرى أنها ناجمة عن نمط معين من الآليات الدفاعية ( وهي عمليات لا واعية يستخدمها الأنا لحل الصراع القائم) ويتعود على دوام استخدامها. وعندما تكون الشخصية سوية فأن الآليات الدفاعية تكون مرنة وقادرة على التكيف المحيطي والذاتي.

بينما تفقد مرونتها وقدراتها التكيفية في الشخصية المضطربة، مما يتسبب في إعاقات وظيفية متنوعة وعلى جميع المستويات. ومن خلال معرفة الآليات الدفاعية من الممكن فهم الشخصية والسلوك الناجم عن تفاعلاتها وتوقع ما ستقوم به.

وأدلر الذي إختلف مع فرويد وإعتبره قد أعطى قيمة أكثر مما يجب لدور الجنس في الشخصية والسلوك العصابي، يعتقد أن الغضب أو العدوان aggression  أكثر أهمية في تحديد معالم الشخصية والسلوك، كما أنه أكد على عقدة الدونية Inferiority complex في تحديد معايير السلوك والشخصية البشرية، وعلى الدونية العضوية Organ Inferiority .

بينما جوردن أليورت يرى أن كل شخص يمتلك قابليات موروثة لسلوكه ونموه، ويعتقد أن السلوك ناجم عن الفشل في تلقي الحب والحنان الكافي من الأم أثناء الطفولة، مما يحدو بالفرد أن يبحث بإستمرار عن إرضاء هذه الحاجة.

أما أرك بيرن فيرى أن المنبه الصادر من الشخص يولد إستجابة ما عند الشخص الآخر، ويفترض أنها لعبة نفسية سلوكية ما بين المتفاعلين ذات قدرة تعميمية وإنعكاسية ثابتة، ويمضي على مدى الحياة ويرى الأنا على أنها طفل وبالغ وأبوين.

أما يونغ الذي أكد على اللاوعي الجمعي والذي يمكن أن يفسر الشخصية بوضوح أكبر، فنتجاهله تماما. وكذلك سكنر ونظريته في التعلم والتي أثرت كثيرا في معارفنا عن السلوك البشري وتحديد إستجابات الشخصية لما يحيطها.

وهناك العديد من العلماء الآخرين الذين أفنوا أعمارهم لتسليط الضوء على جانب ما من شخصيتنا، ويبدو أننا نهملهم جميعا ونتمسك بنظرية التحليل النفسي التي أصبح معظمها في رفوف الماضي، وما عاد لها الدور الكبير في فهم السلوك ودراسة الشخصية، ونرفض تجاوزها إلى محطات التطور العلمي الجديدة.

السادية والماسوشية من المصطلحات القديمة في أدب التحليل النفسي، وقد كتب عنهما الكثير جدا في النصف الأول من القرن العشرين.

فالسادية هي إضطراب سلوكي يصيب الشخصية ويبدأ في سن مبكرة من العمر، وهو نمط سلوكي عدواني وحشي وقاسي ويمتلك قدرة عالية على إحباط الآخر، والقسوة والعنف فيه من أجل الإيلام وحسب وليس لهدف آخر.

والسادي يمتهن ويهين الآخر أمام الآخرين، ويكون تفاعله مع غيره وخصوصا الأطفال بقسوة بالغة، ويكون ميالا ومغرما بالعنف والسلاح والإضرار والتعذيب، ويكون صاحب رغبة نزقة لإيلام الآخرين بواسطة التعسف الجسمي والنفسي والفكري.

وقد أطلقت كلمة سادي بعد الكاتب ماركوس دي ساد في القرن الثامن عشر، والذي وصف أشخاصا يتلذذون جنسيا وهم يؤذون الآخرين.

ويُعتقد أنها ناجمة عن عقدة الإخصاء، وهؤلاء يحققون اللذة الجنسية فقط بواسطة فعل ما يخافون أن يُفعل بهم من قبل الآخرين.

والماسوشية مشتقة من إسم الروائي الألماني في القرن التاسع عشر ليويولد فون سجر- ماسوش، وتعني تحقيق الإرضاء الجنسي بواسطة إيلام الذات.

ويُعتقد أن الماسوشيي قد فقد قابلية تحقيق رغباته الجنسية إلى ذروتها، أو بلوغ ذروة الإشباع الجنسي بسبب القلق ومشاعر تأنيب الضمير عن الجنس، ويمكنه أن يتخلص منها بواسطة العناء ومعاقبة النفس، وفي الغالب يكون الشخص مصابا بالإضطرابين معا أي ساديماسوشي، هذا وفقا لرؤية مدارس التحليل النفسي التي نقيم عندها.

إن تعميم إضطراب الشخصية على مجموعة بشرية ما، مهما كانت، من الصعب أن يكون طرحا علميا موفقا أو بحثا جادا، وإنما محاولة لتطبيق تعريفات محددة ذات خصوصية معلومة على مجتمع بأسره دون أسباب كافية.

كما أن تفسير ما يجري على أنه سلوك الإيلام اللذيذ للذات والآخر وحسب، قد يجرد الأحداث من أهدافها ويسجنها في الذات الفردية، ويبرئ الذين يشاركون وبقسوة فائقة في تحقيق المشاريع اللامرئية، والتي يتم الوصول إليها وفق برامج وخطط وآليات سلوكية معقدة جدا، وفي غاية الدقة والخداع والتشويش والتضليل والتمويه والخلط المنظم، الذي يحول الضحية إلى جلاد ويستثمر طاقات الهدف من أجل الوصول إلى مبتغاه.

فالعنف الذي يكون مصحوبا بهدف غير اللذة لا يمكن أن يكون ساديا، وإنما هو شيئ آخر وآخر كبير.

ولكي نكون منصفين وموضوعين من الأفضل أن نستند على دراسات وبحوث رصينة ونظريات ذات قيمة تعيننا على فهم أنفسنا.

ولنتساءل ماذا سيحصل لمجموعة بشرية ما في مدينة متحضرة في العالم لو إنقطعت عنها الكهرباء لمدة شهر، وتوقف النقل وشح الماء وعز الطعام والفرصة لتحصيل لقمة العيش، ومنع الأطفال من الذهاب إلى المدرسة خوفا من اللاعودة.

وشاعت البطالة وفقدت الدولة سيطرتها، وتجولت الدبابات والمدرعات في شوارعها، وحلقت المروحيات فوق الرؤوس وضاع الأمان وعم كل ما هو مرعب ومخيف، وأصبحت مدينتهم عبارة عن ثكنة عسكرية أو ساحة لمعارك لا تنتهي.

كيف سيتصرف أبناء أية مدينة على وجه الأرض تحت هذه الظروف، وما هي التأثيرات النفسية الناجمة عن كل ذلك.

سؤال بحاجة لجواب واضح ومستند على دراسات وبحوث ومقارنات.

إن السلوك البشري هو إبن الظروف المحيطة المتفاعلة مع الشخصية على جميع مستوياتها وكياناتها الإجتماعية، ومن العسير تجريد الشخصية من التأثيرات الخارجية والجزم بالحكم عليها من غير موازنة دقيقة وجادة ما بين الذات والموضوع.

والمجتمعات البشرية مثل الماء الجاري، فماذا سيحصل لو حولنا الماء الجاري إلى بركة أو مستنقع.

إن قدرة الشخصية في بلاد الرافدين على التحمل والعيش في الظرف الإستثنائية الخيالية بالنسبة لبشر الدول المتطورة، يؤكد على أنها سوية بمرونتها وقدراتها الإبتكارية على التكيف لظروفها المحيطية القاسية، وهي تعطي الدليل القاطع على أن وصفها بالإنحراف والإضطراب غير صحيح.

ويبدو أن معظم الكتابات التي تتناولها متأثرة بدرجات متباينة بكتابات الدكتور علي الوردي رحمه الله في حقل علم الاجتماع، والذي حاول وفقا لرؤاه أن يفسر السلوك ويطرح منطقا لفهمه، وليس كل ما ذكره يمكن أن يكون قانونا وحجة ومعيارا، وإنما محاولات وإفتراضات تفسيرية نابعة من الملاحظة العلمية الدقيقة والمنهج الذي بنى عليه كتاباته بهذا الخصوص.

أن الموروث الحضاري الغائر في القدم له تأثير على الشخصية، إضافة إلى أن أول الحضارات قد ولدت على أرض الرافدين جعلتها تتصرف كما يتصرف الإبن البكر في العائلة.

ونحن نغيّب الكرسي في سلوكنا وهو صاحب الدور الأكبر في تشكيل مفرداته.

ويمكننا أن نرى الكثير من الدلالات والسلوكيات المتشابهة في حضارات وادي الرافدين.

وحبذا لو إستطعنا القيام بدراسات عن الشخصية في الحضارات الأربعة الأولى التي قامت على أرض الرافدين، لأنها ستغنينا كثيرا وتوسع آفاق تفكيرنا وتدفعنا إلى مجاورة الموضوعية والعلمية أكثر منا على مجاورة الإفتراضات والإستنتاجات الأخرى.

إن ملامح الشخصية في بلاد الرافدين قديمة ومتنوعة بقدر تنوع التأريخ، وما جرى على أرضنا من أحداث وتغيرات قد أثرت على التركيبة الخاصة للشخصية، وأملت عليها سلوكيات تحقق لها القدرة على البقاء والتواصل والإبداع والصيرورة برغم الصعوبات القاهرة.

كما أن للنهرين دور كبير في تشكيلها وكذلك النخلة، والآثار ساهمت في بناء معالم شخصيتنا وسلوكياتنا المتميزة.

ودور الأشهاد الأخرى ومعالم الثقافة والثورات الحضارية على مختلف مستوياتها وإقامة رموزها في العراق.

وكذلك تواجد قبورهم وإنتشار الأضرحة ومعالم الإسلام المتنوعة الأخرى، كلها طبعت الشخصية بسماتها وبدرجات متفاوتة.

البيئة والأحداث والجينات الموروثة والتأريخ والحروب وأنظمة الحكم جميعها لها دور في تشكيل الشخصية، وهناك عوامل أخرى عديدة قد ساهمت في تحديد ملامح شخصيتنا السوية.

ولا يتفق مع ما سبق ما نقرأه عن الشخصية من الإمعان بنعتها بالأوصاف والمسميات السلبية العديدة. وأن يكون كل ما يتعلق بها عبارة عن موجودات متناثرة بلا كيان ولا ترتبط ببعضها، وما تساءلنا هل أن مثل هذا قائم في شعوب الأرض الأخرى.

فظهرت كتابات عن الشخصية الشيعية والسنية والكردية والتركمانية، وربما سنقرأ عن الشخصية الكظماوية والعظماوية والكرادية والصدرية والمأمونية والمنصورية واليرموكية، والشخصية النجفية والكربلائية والحلاوية والبصراوية، وتتشعب المسميات والتوصيفات لتصل إلى شخصية الشارع والمحلة والبيت وأفراد العائلة الواحدة، ونمضي بتقطيع وجودنا بكل ما فيه وكأنه شاة ملقاة على مسلخ الجزارين.

وكأن الإنسان كما يراد له أن يكون متنافرا وممزقا إربا، ولابد من تسميته بأسماء أخرى تخرجه من منظومته البشرية والوطنية والإنسانية.

ووفقا لهذا التقطيع الفكري والتدمير النفسي وعن غير قصد نمعن بالقسوة على النفس والروح والعقل والوطن، كالضحايا التي عليها أن تعبر عن نفسها بكل ما تنتجه من فعل وقول وبحبر اليأس والإحباط اللذيذ.

نقرأ عن الشخصية وكأنها خيمة يمكننا أن نصفها ونحسب أوتادها وأعمدتها، وكيف تتفاعل مع الرياح التي تهب عليها بين الحين والآخر، ولا نجرؤ على الدخول فيها ومعرفة حقيقة ما يحصل تحتها بل نتخيله كأننا عشناه، ونحسبها موضوعا سهلا يمكن تناوله دون إسناد علمي وبحثي يأتي بنتائج ذات قيمة معرفية مفيدة، و نقفز إلى إستنتاجات وإفتراضات ونعدها نظريات.

وقد يكون ما نذهب إليه قريبا من الصواب فقط من زاوية نظرنا التي نقترب بها منه لنفسره ونحاول فهمه.

وختاما، لنثمن جهود الأخوة الذين تكلفوا العناء في البحث في هذا الموضوع الشائك ونشد على أيديهم جميعا، ونشجعهم، ولنتفاعل بصدر رحب من أجل أن نتعلم من بعضنا ونساهم في تحقيق ما يفيدنا.

وكل الكتابات إنما هي محاولات وخطوات تدفعنا إلى إكتشاف أنفسنا والوصول إلى حل معاصر لمشاكلنا، ولن يتحقق ذلك من دون تبادل الآراء وتفاعلها بروح رياضية معاصرة ذات قيمة حضارية متطورة.

وأنه لمن الشجاعة والمغامرة أن يخوض الكاتب في الشخصية ويحاول أن يفسر السلوك الإجتماعي ولا عيب في الأخطاء، فالمهم المحاولة لأن دراسة الشخصية أعيت جهابذة العلوم والدراسات النفسية، وما تمكن أحد منهم أن يقول أنا صاحب الحقيقة وسر المعرفة في فهم الإنسان معجزة الخالق في الأرض.

ولتتواصل كتاباتنا وبحوثنا ومراجعاتنا لشخصيتنا.

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. وقل ربي زدني علما.

مع أطيب التحيات وأحلى الأمنيات وخالص المحبة والاعتزاز للأقلام التي تكتب عن الشخصية، وتجتهد في بحثها المضني للتوصل إلى بعض الأجوبة، التي قد تنفعنا وكل رأي ووجهة نظر في هذا الميدان له قيمة وتقدير.

 

د. صادق السانرائي

 

تعريف التطرف والغلو:

التطرف: لغة هو حد الشيء وحرفه وعلى عدم الثبات في الامر والابتعاد عن الوسطية والخروج عن المألوف ومجاوزة الحد .

التطرف : هو الشدة او الافراط في شيء او في موقف معين وهو اقصى الاتجاه او النهاية والطرف او الحد الاقصى، هو مصطلح محدث يكون في الدين كما يكون في السياسة والفكر والاخلاق والسلوك وهو اتيان الشيء ومنتهاه، ويعني مجاوزة حد الاعتدال والغلو يطلق على الميل والانحراف ومن هنا كان الغلو والتطرف بمعنى واحد وهو مجاوزة الحد اي مجاوزة حدود الوسطية والاعتدال ً .

الغلو في الدين او التطرف والتشدد فيه عبارة عن (الزيادة او المبالغة في امور الدين وادخال ما ليس من الدين في الدين) فيكون هذا بمثابة تجاوز الحدود المشروعة، فالتشدد في العبادة غلو وتشدد وتعسف وميل عن المطلوب، والتشدد في المعاملات هو انحراف بها عن المعروف عرفاً والمشروع شرعا .

انواع التطرف

1- التطرف الاعتقادي الفكري: وهو الاعتقاد بآراء خاصة ويتعارض مع القران الكريم والسنة .

2- التطرف السياسي: هو ممارسة السلطة بتعسف ودكتاتورية ومصادرة الآراء السياسية المخالفة لتوجهاتها

 3- التطرف العلمي : هو استعمال العلم في غير مضامينه الصحيحة كأن يكون انتاج الاسلحة المحرمة دوليا وكذلك انتاج العقارات التي تنشر الامراض وكذلك في صنع المواد الكيمياوية التي من اجل الارباح وزيادة الاموال على حساب الناس، وايضا مصادرة الجهود العلمية من الشركات الاحتكارية ونسبها لغير مؤلفها مقابل الاموال.

4- التطرف الدولي (الارهاب): وهو احداث الثعر والخوف في اراضي الدول بأساليب مختلفة كتفجير القنابل وهدم المباني وتجريف الاراضي الزراعية والمفخخات والقتل على الهوية وغيرها .

اسباب الغلو و التطرف

 1- الفهم الخاطئ للآيات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة وكتب التراث الاسلامي

2- تفسير النصوص تفسيراً ينطلق من النفس والهوى بعيداً عن المفهوم الصحيح للدين الذي ينطلق من حفظ امور الدين والدنيا معاً .

3-الزج بالدين في مفاهيم التيارات السياسية المختلفة والتخفي وراء الشعارات السياسية للتأثير على الناس وكسب تعاطفهم

4- قلة الاقتراب من الشباب والتعامل معهم مما أفقد بعض الدعاة لغة التأثير .

5- ترك مساحة كبيرة للدعاة المغرضين في الفضائيات وخاصة في تلك الايام

6- دخول الكثير من الناس الذين لهم انتماءات وافكار معادية للأوطان والبشرية في ميدان الدعوة، وهذا ما نحذر منه

7- الغلو والمبالغة في الخلاف مما يؤدي الى صنع التعصب والتشرذم

8- المبالغة في الفروع الفقهية والعقائدية واشعال الخلاف فيها مما يؤدي الى اختلاط الفكر لدى الشباب .

 9- انفكاك بعض الدعاة عن مشاكل المجتمع وعدم ربط الدين بالواقع.

10 – الجهل الديني لدى الشباب نظراً لقلة البرامج والمقررات الدينية المشتملة على ثقافة الوسطية والاعتدال في المدارس والجامعات مما جعل فكر الشباب ارضاً خصبة لاستقبال كل ما يرد اليها من فكر سقيم .

11 – طغيان لغة المال وشراء الكلمة مما جعل الجماعات المتطرفة تخرج على الناس في الفضائيات التي تدعم افكارهم التطرفية وتدعو الى الفتنة وتفريق الامة .

12 – نشر فكر الجماعات المتطرفة من خلال الفضائيات والمجلات والمساجد والمنابر وعبر مواقع التواصل الاجتماعي التي كان لها الدور الكبير في استقطاب الشباب وزجهم في الصراعات الدينية والسياسية المتشددة .

13 – ان التطرف والغلو صنيعة الانظمة السياسية التي استطاعت ان تنشأ جماعات تنتهج الافكار المتطرفة والمذهبية واستطاعت تلك الانظمة السياسية ان تنشأ شبكات من المتطرفين وزودتهم بالمال والاعلام حتى تطورت تلك الافكار الى حمل السلاح وقتل المخالفين لهم بالعقيدة والدين والمذهب، فمن رحم التطرف ولدت القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة .

خطر الغلو والتطرف والتشدد على المجتمع

قال تعالى (أدعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

فالغلو والتطرف والتشدد ليس من الحكمة والموعظة الحسنة فتاريخ الامة وما سجله من مصائب عن الغلو والتطرف حيث كانت الشرارة الاولى في دفع الامة نحو الفرقة والتفرق الى احزاب وجماعات مما ادى الى ضعفها وتفرق كلمتها .

فالغلو والتطرف لم يرحم المسلم او غيره فالكل دمه مستباح عند اصحاب هذا الفكر مما جعل العالم يجمع ان الارهاب لا وطن له ولا دين.

ان الاسلام الحنيف جاء ليحذر من سفك الدماء والاعتداء على الاعراض والانفس وترويع الامنين قال تعالى (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الى بالحق) وتحذير الاسلام من الغلو والتطرف واضح قال تعالى (قل يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا اهواء قوم قد ظلوا من قبل واضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل) ففي هذه الآية نداء لاهل الكتاب وتحذير للمسلمين حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (وان الغلو والتشدد من قبيل التنطع في الدين وهو طريق الى الهاوية والهلاك) معنى التنطع (تعني التكلف والغلو) حيث قال صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) ويعني هلك المغالون المتجاوزون الحدود في اقولهم وافعالهم .

وقد ظهرت فرق التطرف والغلو منذ الصدر الاول للإسلام حيث ظهرت فرقة الخوارج التي قاتلهم الامام علي عليه السلام والذين كانوا يريدون تطبيق الحدود الاسلامية بالقوة والسيف .

وظهرت فرق كثير في ايام الدولة العباسية وقد تصدى ائمة اهل البيت عليهم السلام لكل مغالً من الشيعة والسنة، وقد كانت الفرقة الخطابية من ابرز الفرق المغالية في عهد الامام الصادق عليه السلام حيث ادعى زعيمها محمد بن مقلاص المكنى بابي الخطاب الذي قال بألوهية الامام الصادق عليه السلام وهذا من اشد المغالين حيث قال الامام الصادق (اللهم العن ابا الخطاب فأنه خوفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي.. اللهم اذقه حر الحديد) وقد امر الامام الصادق بمقاطعة الخطابية حيث قال للمفضل بن عمر اتق السفلة واحذر السفلة فأني نهيت ابا الخطاب فلم يقبل مني، يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم) .

وهذا التحذير الشديد من الغلاة جاء على لسان ائمة المسلمين الذين حاولوا التصدي لهم

وهذه الفرق المتطرفة قديماً وحديثاً انما هي صنيعة سياسية اريد بها تفريق الامة والخروج عن مسارها الذي رسمه لها الشارع المقدس وذلك للاستئثار بالسلطة السياسية وهذا ينطبق على ما نعانيه اليوم من ازمه الغلو والتطرف والتشدد الذي انتج الارهاب، وما القاعدة وطالبان والنصرة و داعش الا نتيجة لهذا الفكر .

فالمواجهة التطرف يجب تحصين الفكر بالوسطية والاعتدال

الوسطية والاعتدال

الوسطية : مأخوذة من كلمة تدل على العدل والفصل والخيرية والتوسط بين الطرفين لذا كانت الوسطية في الشرع بمعنى العدالة والتوسط بين الافراط والتفريط قال تعالى (وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)

ومن هنا كانت الوسطية وهي العدل والطريق الاوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة .

وخير تطبيق لها انما يظهر في كل ما يتعلق بمسائل الاحكام العامة المتعلقة بحياة الناس. فوسطية الدعوة تخرج من مفهوم عام يحدده المنهج العلمي وهو قوله تعالى (ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

فقدم تعالى الحكمة على الكلمة لتكون خير ضابطاً لها ثم اختار للداعية ان يخرج من منهج وسطي وهو الموعظة الحسنة التي تمتاز باليسر والسهولة لا الخشنة وغير الحسنة .

والوسطية في الفتوى هي اصل من اصول الفتوى وعلامة صحيحة على جودة الفتوى فالمفتي الجيد هو الذي يسهل على الناس امور حياتهم .

فاليسر والسهولة والتوسط والاعتدال من سمات الشريعة الاسلامية التي تتميز بها ومن هنا وصفت هذه الشريعة بالحنيفة السمحة قال تعالى (يريد الله ان يخفف عنكم) وقال تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) اي التسهيل في العبادة وقال تعالى (لا يكلف الله نفسً إلا وسعها) فيقول النبي صلى الله عليه واله وسلم (اذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .

اذا كانت هذه النصوص وغيرها من القران الكريم والسنة النبوية قد ارست المبادئ والاسس حول وسطية الشريعة واعتدال منهجها فكيف لهذه الفرق الضالة التعنت والتشدد والتنطع نحو الضيق والحرج فهل لهم من دين يبيح لهم ما يفعلون؟

هل من دين يبيح التطرف والارهاب؟

ان المغالين والمتطرفون لا يدينون بدين ولا يؤمنون بعقيدة انما هم جماعة صنعتهم الانظمة السياسية المتحكمة بالعالم واستطاعت تلك الجماعات ان تغري الشباب المنحرف وتزين لهم اعمالهم باسم التوبة والجنة والجهادة وحور العين وتكفير الاخرين واعطائهم سلطة القتل والارهاب .

التوصيات والنتائج

من خلال ما تقدم تبين لنا ان دعم الفكر الذي ينطلق من رحم الوسطية والاعتدال هو الحل الانجع لمواجهة الغلو والتطرف .

ان دعم المؤسسات وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تدعم الفكر الوسطي وتفضح التطرف والارهاب هي واحدة من الحلول لمعالجة الفكر المتطرف .

ومن التوصيات

1- تعميم فقه الوسطية والاعتدال في المدارس والجامعات في كافة البلدان الاسلامية

2- دعم المؤسسات الدينية كالحوزة العلمية في النجف الاشرف ودار الافتاء العراقية والازهر الشريف بكافة السبل من اجل رفض التطرف والغلو ونشر روح التسامح والدين الحنيف وفتح باب الحوار بين الاديان والمذاهب

3- دعم الدورات والندوات التي تنمي لغة التأثير لدى الشباب بالنسبة للدعاة مع استبعاد الدعاة الذين يميلون للفكر التكفيري .

4- وقوف المجتمعات صفاً واحداً ضد من يتاجرون بالدين ويتخذونه ستار للوصول الى اهدافهم السياسية وغيرها

5- فضح فكر تلك الجمعات المتطرفة في كافة وسائل الاعلام المحلية والدولية

6- دعم منظمات المجتمع المدني من اجل نشر الوعي عند الشباب ومحاربة التطرف .

7- زيادة اواصر التلاقي بين المؤسستين الدينية والاكاديمية وضرورة الانفتاح على بعضهم الاخر

8- معالجة اليأس والفقر والجهل والبطالة التي تشكل روافد للغلو والتطرف عند الشباب

9- اقامة مؤتمر دولي للحوار والتقريب بين المذاهب الاسلامية وتوحيد المناهج الدراسية للتربية الاسلامية وابعادها عن لغة العنف والتطرف

10- ضرورة نشر الفكر الاسلامي المعتدل وتعريف شعوب العالم الغربي بمبادئ الاسلام الحنيف وحث الشعوب من اجل الضغط على الحكومات التي تدعم الجماعات المتطرفة لإيقاف الدعم والتمويل وتجفيف منابع الارهاب في كل العالم

 

م . م . علاء كاظم ربع الموسوي

م . م . حميد ابولول الماجدي

.............................

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم

2- دور العلماء في الوقاية من الارهاب والتطرف، عبد الحي عزب، بحث منشور في المؤتمر العلمي جامعة نايف العربية للعلوم الامنية، السعودية

3- التطرف اسبابه وعلاجه، هشام الهاشمي، مكتبة عدنان للطباعة والنشر بغداد 2016

4- ذهنية التكفير الاصوليات الاسلامية والعنف المقدس د. حسن حماد القاهرة 2015

5- سوسيولوجيا العنف والارهاب، ابراهيم الحيدري، دار الساقي لبنان، 2015

 

نبيل عودةكارل بوبر (1902 – 1994) فيلسوف نمساوي استقر به المقام في انكلترا وحصل على مرتبة شرف (سير). يعتبر من اهم فلاسفة القرن العشرين ومن أبرز نقاد الفكر الماركسي، كان جل اهتمامه يتركز بفلسفة العلوم والفلسفة السياسية والاجتماعية. من كتبه الهامة كتاب "المجتمع المنفتح واعدائه" كتبه اثناء الحرب العالمية الثانية وصدر عام (1945). يشير في كتابه الى الفيلسوف الاغريقي افلاطون بصفته الأب للنزعة العسكرية الحديثة، وهي النزعة التي ميزت الأنظمة النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا والعسكرية في اليابان، والنظام السوفييتي في فترة ستالين.

قال عنه الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل ان كتابه عن "المجتمع المنفتح واعدائه" له اهمية كبيرة جدا ويستحق ان يقرأه الكثيرين، بسبب نقده لأعداء الديموقراطية في الماضي والحاضر. وأضاف أن نقد بوبر لأفلاطون هو نقد صادق تماما، وانه نجح بتشريح ماركس الى اجزاء واعطاه الوزن الذي يستحقه.

حسب مفاهيم كارل بوبر تحتاج النظريات العلمية والاقتصادية والفلسفية الى نقد ونقض وبدون ذلك لا تثبت صحتها، وهذه الحكاية الساخرة تصيب بدقة المفهوم النقدي الذي طرحه كارل بوبر امتدادا من افلاطون الى ماركس. كانت لبوبر رؤية تقول" ان الفاشية تشكل تهديدا للعلم والحضارة الانسانية كلها". هناك أهمية خاصة لنقد بوبر للفلسفات السياسة والتاريخية التي ظهرت في القرن التاسع عشر (خاصة الماركسية بطرحها فلسفة المادية التاريخية) والتي سادت في الفكر السياسي والأيديولوجي بشكل واسع، خاصة بتيارات اليسار الماركسي، واستمرت بقوة حتى نهاية القرن العشرين، وما زالت الأحزاب الشيوعية متمسكة بها رغم ان التجربة التاريخية والسياسية اثبتت بطلانها. وهي فلسفات سياسية معادية للفلسفة السياسية الليبرالية.

من ناحية أخرى كانت رؤية بوبر أن فلسفة العلوم لها اهميتها في الدفاع عن المجتمع المفتوح عبر التصدي للفاشية السياسية ومحاولاتها العودة للمجتمع المغلق، وهي ظاهرة تتزايد اليوم في المجتمعات الأوروبية لأسباب مختلفة. كانت رؤية بوبر ان الدافع للعودة للمجتمعات المنغلقة (الفاشية) يرتبط من ناحية بصدام الحضارة ومن ناحية أخرى بفشل المشروع الليبرالي للإصلاح. وحض في فلسفته على تقديم معيار للتمييز بين العلم من ناحية وبين العلم الزائف من ناحية أخرى، كسبيل وحيد لتحقيق التحالف على مقاومة الفاشية التي تهدد لا العلم فقط، بل تهدد مجمل الحضارة الإنسانية بما ذلك المجتمع المفتوح.

قصة ساخرة تلامس نقد بوبر للفكر المنغلق.

هل تسقط شرائح الخبز على جهة واحدة فقط؟

التقى الصديقان سامر وجميل على وجبة افطار في منزل أحدهما، واخذا يعدان ساندويشات الجبنة. كان سامر يدهن شرائح الخبر بالزبدة، وجميل يجهزها مع شرائح الجبنة للفران.

 سقطت احدى الشرائح من يد سامر وللأسف كانت الزبدة من جهة الأرض. بعد ان دهن شريحتي خبر أخريين سقطت من يده شريحة أخرى، وكالشريحة الأولى ايضا، كانت الزبدة من جهة الأرض.

قال سامر: هل لاحظت يا جميل ان شرائح الخبز إذا سقطت تكون الزبدة دائما من جهة الأرض؟

اجابه جميل: لا اظن ذلك.. نظريتك خاطئة.. هذا ما يخيل اليك ان الشريحة حين تسقط تكون الزبدة من جهة الأرض، السبب يا صديقي سامر انك لا تريد ان تنظف الزبدة التي لوثت الأرض. هل تعرف انا مستعد على رهانك ان نسبة سقوط الشرائح على الأرض بحيث تكون الزبدة من جهة الأرض لا تختلف عن نسبة سقوط الشرائح والزبدة من الجهة العكسية للأرض.

قال سامر: اعتقادك خاطئ، نظريتي صحيحة.. انا على ثقة ان شريحة الخبز تسقط دائما بحيث تكون الزبدة من جهة الأرض.  

تناول جميل شريحة خبز كان سامر قد دهنها بالزبدة وأسقطها على الأرض ..

 قال جميل: انظر يا سامر .. هذا اثبات لصحة نظريتي.. الزبدة من الجهة العليا.. وليس من جهة الأرض. هذا يعني ان نسبة السقوط على احدى الجهات لا تختلف عن الجهة الأخرى.

فكر سامر هنيهة  شبه مصدوم مما يرى، ثم قال: اعتقد انك مخطئ يا جميل، انا اعرف ما جرى.. السبب اني دهنت الزبدة على شريحة الخبز على الجهة الخطأ!!

******

اذن كل التبريرات والدلائل لن تنجح بإثبات صحة نقد بوبر للماركسية!!

هذا يقودنا الى عالم السياسة، انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وتقلص تأثير الأحزاب الشيوعية، بل واختفاء الكثير منها، لم يقنع بعد الحركة الشيوعية بان هناك تجاوزات وأخطاء يجب علاجها، وعنتريات حان الوقت للتخلي عنها والعودة والانفتاح على النقد والنقض للفكر الماركسي كطريق لتطوير النظرية الماركسية في عصرنا.

لنأخذ واقعنا كنموذج.

 يدعون منذ اصبحوا "لا في العير ولا في النفير" ان هزائم حزبهم وتقلص نفوذهم وسقوط قوائمهم، ليس بسبب سياساتهم الفاشلة، وعنجهيتهم الغبية، وتآمرهم على أقرب الناس اليهم، بل يدعون بدون خجل ان منافسيهم باعوا انفسهم للشيطان، في مثل حالتنا الشيطان قد يكون خيانة المبادئ السياسية، بوهم ان لا مبادئ في السياسة الا ما يثرثرون به، رغم ان معظم افكارهم لم تعد صالحة للتسويق. طبعا هناك تهم اخرى مثل التحالف مع اعداء الشعب، دعم السلطة، العضوية في أحزاب صهيونية، ولا ينسون اللعب على الوتر الطائفي، مثيرين بذلك نعرات سلبية بدل المساهمة العقلانية بالإقلاع عن هذه الأفكار التي حتى لو كان لها اثرا ما، يجب نفيها حتى لا ننميها ونكون كلنا خاسرين. طبعا هناك تهم اخجل من أن اسجلها ولا تصدر الا عن عقليات حاقدة.

هكذا الزبدة حسب مفاهيمهم تسقط دائما من جهة الأرض...ولن يغير هذا المفهوم أي اثبات عملي مناقض لما اغلقوا عليه عقولهم!!

 

نبيل عودة

 

ابراهيم أبراشفي عام 1893 كتب الشيخ عبد الله النديم (١٨٤٥-١٨٩٦) كتابا أو دراسة معمقة بعنوان :(بِمَ تقدّم الأوربيّون وتأخرنا والخلق واحد؟!)، وفي بداية القرن العشرين وضع المفكر الإسلامي الأمير شكيب أرسلان (1869-1946) مؤلفا تحت عنوان : "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ؟" وكان يقصد آنذاك الغرب المسيحي، ومن بعدهما توالت الكتابات حول سر تخلف العرب والمسلمين وتَقدُم غيرهم، وتفاوتت المقاربات دون يقين أو حسم في الإجابة .

إن كانت تساؤلات هؤلاء تزامنت مع مرحلة الاستعمار الغربي المسيحي وبالتالي كانت الإجابات ترجع غالبا السبب إلى الاستعمار وعدم تمسك المسلمين بدينهم أو خروجهم عن النهج الإسلامي الصحيح، فإن طرح نفس التساؤلات بعد مائة عام أو أكثر وفي زمن ما بعد الاستقلال وفي ظل وجود أنظمة حكم عربي ثورية وتقدمية وتحررية وإسلامية وإسلاموية الخ يتطلب إعادة النظر في اغلب التفسيرات أو الإجابات عن التساؤلات السابقة .

 أعاد مفكرون معاصرون طرح إشكال تخلفنا وتقدم غيرنا بتواضع وواقعية متسائلين ليس عن سر تخلف العرب والمسلمين وتقدم الغرب بل عن سر تخلف العرب وتقدم اليابان والصين وكوريا، وبعض هؤلاء كمحمد عابد الجابري ومحمد أركون وجورج طرابيشي وطيب تيزيني وصادق العظم وعبد الاله بلقزيز وبرهان غليون وهشام شرابي وغسان سلامة وحامد أبو زيد الخ عزوا السبب لبنية العقل العربي، ثقافة البداوة والموروث الثقافي بشكل عام، الشطط والانحراف في فهم وتفسير الإسلام، الاستبداد السياسي، غياب الديمقراطية، والتبعية للغرب الخ .

واليوم نتواضع مُكرَهين في طموحاتنا وفي النماذج والقدوة التي نريد الاحتذاء بها ولم نَعُد نقارن حال العرب بحال أوروبا والأمريكتين أو اليابان وكوريا والصين بل سنقارن ونضرب المثل بنماذج من مجتمعات كان حالها كحالنا بل أقل شأنا في مرحلة ما قبل الاستعمار أو بعده مباشرة كالهند ودول افريقيا .

ودون التقليل من شأن ما تم انجازه في بعض الدول العربية والإسلامية، ومع الأخذ بعين الاعتبار الجغرافيا السياسية للمنطقة وتأثير وجود إسرائيل في قلب العالم العربي، نتساءل :لماذا نجحت شعوب العالم الثالث التي كانت مثلها مثل الشعوب العربية تخضع للاستعمار والاستغلال الغربي كالدول الأفريقية والهند الخ في الخروج من دائرة التخلف والجهل ودخول عالم الحداثة والتطور والديمقراطية، بينما الدول العربية، وباستثناء قلة منها، ما زالت تراوح مكانها بل وتتراجع مكانتها على سلم التطور الحضاري ؟ .

هل العقل العربي عصيٌّ على الديمقراطية، وبنيته وبراغمادياته ومورثه التاريخي والديني مركبة بطريقة تجعلها في حالة رفض للديمقراطية ؟ هل تحتاج بنية العقل العربي وخصوصا السياسي إلى تفكيك ومراجعة وإعادة بناء ؟.

لماذا العرب يتصرفون كالقُصر الذين يحتاجون دائما لمن يوجههم ويقودهم، وإن ولجوا المسار الديمقراطي تكون ديمقراطيتهم مشوهة وأبوية وموجهة من الخارج وسرعان ما تنقلب إلى حكم استبدادي أو عسكري بواجهة ديمقراطية شكلية ؟ .

لماذا ما تسمى ثورات الربيع العربي والتي قامت أساسا، كما يزعم مؤيدوها والمدافعون عنها، كثورات ضد أنظمة استبدادية ترفض الديمقراطية وتنتهك حقوق المواطنين الخ، لماذا آلت للفوضى والحرب الأهلية والطائفية وتقويض مرتكزات الدولة الوطنية وإعادة انتاج أنظمة الاستبداد وحكم العسكر؟.

سأكتفي بشعبين كان العرب يتعالون عليهما فأصبحا نموذجين يُحتذى بهما وهما الهند وإفريقيا غير العربية أو السوداء .

1-  الهندي الذي تفوق على سيده الأول

 منذ عقود وإلى وقت قريب كان بعض العرب ينعتون كل جاهل أو متخلف بـ (الهندي) من منطلق أن الهند بلاد الجهل والتخلف من وجهة نظرهم، واليوم أصبحت الهند من الدول العظمى التي يُحسب لها ألف حساب ويُضرب بتقدمها الاقتصادي المثل ويصل معدل النمو فيها إلى نسبة 7.2 في المائة خلال العام المالي الحالي بينما يصل نمو الانتاج الصناعي إلى 8,3 بالمائة، وهي تحتل الترتيب الخامس عالميا وبالتالي تتجاوز المملكة المتحدة – بريطانيا - الدولة التي كانت تستعمرها، ويتوقع المختصون أن تحتل الترتيب الثالث بعد سنوات قليلة، وما ساعد الهند على نهضتها اهتمامها بتكنولوجيا المعلومات وما يرتبط بها من صناعات .

وفي مجال التنمية السياسية تعتبر الهند أكبر الديمقراطيات في العالم من حيث عدد السكان وأهمها من حيث مواجهة التحديات المُعيقة للديمقراطية سواء كانت ثقافية أو اجتماعية او دينية، وقد نجحت في بناء نظام ديمقراطي علماني بالرغم من أن تعداد سكانها يفوق المليار وربع المليار نسمة يعيش أعظمهم في الريف ويستعملون مئات اللغات ودستور الهند يعترف باثنين وعشرين لغة كلغات رسمية، كما أن السكان موزعون على عدة طوائف دينية، فيما العرب، الذي تحرروا من الاستعمار في نفس مرحلة استقلال الهند –استقلت الهند عام 1947 - ويتكلمون لغة واحدة ولهم ثقافة واحدة وتاريخ مشترك ومنَّت عليهم الطبيعة بثروات يُحسدون عليها، يراوحون مكانهم حضاريا بل ويتراجعون، ويستوردون من الهند ما تعجز (العبقرية) العربية عن انتاجه ؟ .

2- افريقيا تبيِّض صفحتها

إلى وقت قريب كان العرب ينظرون باستخفاف إلى افريقيا والإفريقيين ويعتبرونهم متخلفين وجهلة أو مجتمعات ما قبل الدولة والحضارة، وهي نظرة عنصرية فوقية لا تقل سوءا من نظرة الأوروبيين البيض لغيرهم من الشعوب، كما أنها تستحضر وتستلهم الماضي حين كان العرب يتعاملون مع إفريقيا كمصدر للعبيد .

في السنوات القليلة الماضية وبالرغم من سوء الوضع الاقتصادي إلا أن دولا افريقية وَلَجت عالم الديمقراطية حيث اليوم غالبية الدول الأفريقية تخوض تجربتها الديمقراطية باقتدار وتمر بحالة مقبولة من الاستقرار، والاتحاد الافريقي يراقب الحياة السياسية في افريقيا ويتدخل عندما تنحرف دولة عن المسار الديمقراطي، وقد تَدَخل الاتحاد في 18 محاولة انقلابية في القارة وأجبر الانقلابيين على الانصياع لإرادة الشعب، وكان آخر تدخل له عندما قرر قبل أسابيع تجميد عضوية السودان في الاتحاد حتى يلتزم المجلس العسكري بتسليم السلطة لحكومة مدنية .

أما بالنسبة للعالم العربي وباستثناء بعض الحالات فإن كل محاولات الانتقال الديمقراطي والتنمية الشمولية تتعثر بل ويفقد العرب حتى القليل من الانجازات التي راكموها في زمن ما قبل فوضى الربيع العربي، وجامعة الدول العربية بدلا من أن تكون الحارس والموجه للمسار الديمقراطي وللوحدة العربية أصبحت أداة بيد أنظمة تعادي الديمقراطية وشاهد زور على حالة الفوضى السائدة إن لم تكن مغذية لها .

لا نريد ممارسة جلد الذات أو الترويج لليأس وقطع الأمل بإمكانية تغيير حال العرب إلى الأفضل بل نؤمن بأن دوام الحال من المحال ولا بد للشعوب العربية أن تتغلب على مشاكلها وتأخذ بناصية الحضارة والديمقراطية يوما ما، ولكنها خواطر وتساؤلات فرضت نفسها ودفعتنا للتفكير بصوت عال عسى ولعل أن يصل الصوت ويحدُث التغيير المنشود .

من الجيد الإحساس بالمشكلة ومن الجيد أكثر تلمس أو وضع إجابات عن التساؤلات المرتبطة بالمشكلة أو السؤال عن سبب تعثر العرب وتقدم غيرهم، ولكن الأهم من كل ذلك هو كيفية تحويل الإجابات إلى استراتيجيات عمل ؟ ومن يأخذ بناصية الانتقال والتغيير ؟هل هي نفس الأنظمة والنخب القائمة التي تماهت مع حالة التخلف وأنتجت التخلف والاستبداد، أم أنظمة حكم ونخب جديدة بثقافة وعقلية جديدة؟.

 

ا. د. إبراهيم أبراش

 

 

 

منى زيتونمقالي اليوم سأحاول أن أضع فيه خلاصة خبرتي ومشاهداتي فيما يخص الأثر السلبي للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي في تربية الذكور في مجتمعنا.

لعل من الملحوظ للجميع زيادة أعداد المتفوقين من الإناث عن أقرانهم من الذكور بدءًا من المرحلة الإعدادية، وتزيد الأعداد كلما ارتقينا في المرحلة الثانوية، ثم تتزايد أكثر في المرحلة الجامعية، مما يعني أن عددًا متزايدًا من الذكور يخرج من ركب المهتمين بأمر التعليم عامًا تلو الآخر. والظاهرة ملحوظة منذ سنوات، ولا شك أن لها أسبابًا كثيرة سأحاول اليوم التركيز على أحدها مما لم يُوجه الانتباه له من قبل الباحثين.

تزامنت ظاهرة ضعف اهتمام البنين بالتعليم مع تدرجهم في مراحله مع ظاهرة أخرى وهي تكثيف الأمهات الضغط التنافسي على أبنائهن وبناتهن في المرحلة الابتدائية، وكثرة حديثهن عن الدرجات الكاملة full marks التي يحصلون عليها، وضرورة أن يكون الطفل هو الأول على أقرانه، حتى صار الأمر مظهرًا من مظاهر تفاخر النساء مثله مثل كثير من المظاهر التافهة التي استشرت في المجتمع دون قيمة حقيقية لها.

هذه الظاهرة لم تكن موجودة حتى قريب، فلم ألحظها في أمهات جيلي إلا قليلًا. أما الجيل السابق على جيل أمهاتنا فكن لا يفتحن كتابًا مع طفل ليتعلم، بل يُترك العبء في تعلمه عليه وعلى مدرسيه بالمدرسة، ونادرًا ما كان الطفل يُعطى درسًا خصوصيًا للتقوية.

لم تكن الدرجات بالنسبة للأجيال القديمة لها نفس القيمة التي تُعطى لها في عصرنا، وكان الأوائل بل النابغون تنقص درجاتهم كثيرًا عن الدرجات النهائية، ومع ذلك كانوا يُحصّلون علومهم جيدًا، ولم يكن أحد حتى أوائل الثانوية العامة يحصل على درجات نهائية. لم يكن أحد يأمل بها من الأساس أو يبحث عنها.

ومع مرور الزمن، تواتر اهتمام الأمهات المدفوع بحمى الدروس الخصوصية على تدريب الأبناء على تجاوز الاختبارات والحصول على درجات مرتفعة فيها، مع علمهن أنهم لم يُحصِّلوا من العلم ما يتفق وتلك الدرجات. ومنذ بدأ الاهتمام المبالغ به بالدرجات لوحظ التراجع المتواتر في مستوى التعليم، وتراجع أعداد من لديهم رغبة حقيقية ذاتية في الاستمرار به، وليس بضغط من المجتمع.

ولا أكتب اليوم لأقارن مستوى التحصيل قديمًا وحديثًا، فلا يخفى على بصير ما آل إليه مستوى خريجينا، ولكنني أكتب لألفت النظر لتأثيرات تربوية أكثر خطورة لتلك المستويات المرتفعة من التنافسية في التحصيل، ومعاتبة الطفل على نقصان نصف درجة، والاهتمام المبالغ فيه بترتيب الطفل على فصله وبين أقرانه، وأكثر من تضرر من تلك التصرفات غير الواعية كانوا الأطفال الذكور.

واقع الحال أن الأمهات –خاصة- والآباء لا يعوون تأثيرات الضغط على الطفل ومعاتبته على أي نقص في التحصيل الذي تعبر عنه درجاته، حتى وإن بدا لهن أنه قد حصّل علومه بشكل جيد، وعليه فإن أول التأثيرات التربوية الخطيرة التي خلّفها ذلك الوضع هو شعور الطفل الذكر بأنه فاشل دراسيًا، ومن ثم نفوره من التعليم والتحصيل عندما يدخل في المراهقة وترتفع سلطة الأبوين عنه رويدًا رويدًا.

ولمزيد من التوضيح، فإنه بمقارنة الماضي بالحاضر، نجد أن أمهات الماضي كن يتركن أطفالهن يدرسون ويتعلمون دون تدخل سوى بالتعزيز عند النجاح، فنشأ جيل يُقدر المسئولية والعلم، ويُقدر ذاته ويعلم حجم ومستوى كفاءته، والأهم أنه يعلم أنه غير فاشل، وبإمكانه النجاح وحده، أما أمهات اليوم فيحشرن أنفسهن في تدريس أبنائهن ويؤدين بعض المهام عوضًا عنهم –خاصة النشاطات المدرسية- ويصررن على الطفل أن يحصل على الدرجات النهائية وأن يكون الأول، فيفشل في ذلك لأنه لا يوجد غير فرد واحد بإمكانه الحصول على هذا المركز في كل فصل بمدارسنا، ولأنه لم يحقق ما أرادته منه أمه فحتى درجاته المرتفعة وترتيبه العالي لا يشعرانه بأنه ناجح، ويتعاظم إحساسه بالفشل ويكره المدرسة والتعليم لذلك، ويفقد اهتمامه به، والمؤسف أن هؤلاء الأمهات لا يفهمن أنهن قد تسببن في خراب جيل بأكمله، وأن النصف درجة والدرجة والدرجتين بل والثلاثة لا وزن لها ولا قيمة قياسًا بشعور الطفل أنه ناجح وتقبله لنفسه.

والغريب أن كراهية التعليم تبدأ بسبب رفع سقف التنافسية بين الأقران، ولكن مرور الأطفال –خاصة الذكور- بنفس الحالة تكون سببًا في تقاربهم؛ إذ تدفعهم عندما يكبرون إلى تكوين جماعات لها أنشطة غير تعليمية، يشكل وجودها في حياة المراهق الذكر دعمًا اجتماعيًا له بإزاء الضغط المقابل من الأسرة للاستمرار في التعليم والنجاح فيه، والذي يتزامن مع تراجع طموحات الأبوين كثيرًا وكفهم عن الحديث عن الدرجات النهائية والأمل بها.

أما عن سبب تأثر الذكور تحديدًا بشكل أكثر من الإناث برفع سقف التنافس مع الأقران، فيرجع في نظري إلى عاملين، العامل الفسيولوجي المتمثل في تأثير هرمون الذكورة المتزايد في نهاية مرحلة الطفولة مع اقتراب الطفل من مرحلة المراهقة ثم دخوله فيها، والعامل الاجتماعي المتمثل في ضعف السلطة الأبوية على الذكور بدءًا من المراهقة بدرجة أكبر بكثير مما يكون عليه الحال مع الإناث.

ويمكن القول إن الإناث لا يستطعن الانفلات من ضغط الأسرة ويستمررن في الاهتمام بالتعليم مكرهات رغم معاناتهن الأكيدة من الشعور بالفشل مثلما هو الحال لدى الذكور، ولكن تتحول المشاعر السلبية المتخلفة عن هذا الأسلوب غير التربوي إلى التحاسد والتغاير من القرينات. والأمر لا يخلو من إضمار المراهقين الذكور أيضًا لمشاعر سلبية تجاه من استمروا بالاهتمام بالتعليم من أقرانهم، ولكنهم يجدون عوضًا فيما يتلقونه من دعم اجتماعي من جماعات النشاط التي يندمجون فيها حتى لا يكاد يصبح للأسرة تأثير عليهم مقارنة بها، ولا تتُاح للإناث عادة في مجتمعنا نفس الدرجة من الحرية للمشاركة في نشاطات شبيهة وبنفس القدر.

والآن لنأتي إلى الأثر الأسوأ للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي لدى الأطفال، والذي سيكون صادمًا للقراء. هذا الأثر هو الإلحاد‏!‏

كلنا يلحظ زيادة أعداد الملحدين والمتشككين من المراهقين والشباب في مجتمعاتنا، وأغلبهم أيضًا من الذكور، ولكن لا يلحظ أغلبنا أثر التنافس التعليمي في الصغر ودفع الطفل لأن يكون الأول على أقرانه بكل وسيلة، وأن يحصل على الدرجات النهائية دائمًا وأبدًا، في زعزعة ثقته في وجود الله.

ما يحدث ببساطة أن الطفل بعد أن يبذل كل ما في وسعه لأجل تحصيل الدرجات التي تؤهله للمركز الأول ولا يحصل عليه عادة، يلجأ إلى الله تعالى فيدعو ويدعو، وهو لا يدرك أنه ليس وحده من يدعو بل كل أقرانه يفعلون، ولمّا لا يُستجاب لهم لأنه من المحال أن تُجاب دعواتهم جميعهم يبدأ الشك يتسرب إليهم من وجود الله في أواخر مرحلة الطفولة تحديدًا؛ ذلك أن إيمان الأطفال هو إيمان شكلي وليس حقيقي؛ فهم يقلدون الكبار ويكررون كلماتهم بغرض إرضاء الكبار فقط، وطالما الطفل قد قرر التمرد لأنه فشل في إرضائهم وصار يشعر أنه هو ذاته فاشل، فلا يعنيه ذلك التقليد ولا يرغب في الاستمرار في فعل ما ليس مقتنعًا به، لذا فقد تظهر عليه بوادر الإلحاد في نهاية الطفولة وبداية المراهقة، وتكون إشارته الأولى عدم انتظامه في الصلوات من تلقاء نفسه، والكذب حول أدائها عندما يكون بعيدًا عن رقابة الكبار.

لذا أقول للأمهات، رجاءً خففن من المنظرة الفارغة بعدد المواد التي حصل فيها أبناؤكن على الدرجات النهائية، وبترتيبه بين أقرانه، فلا الدرجات ولا الترتيب يساويان أن يشعر ابنك بالفشل ويهجر التعليم ويكرهه بعدما ترتفع سلطتك عنه، ولا يساويان أن يشك في وجود خالقه.

 

د. منى زيتون

 

إن الوضع الصحي لسكان البلاد العربية سيئا وسيئا بلا حدود، ويعتبر مرض القلب هو السبب الرئيسي للوفاة وليس بعيداً عما نراه فأنه يعد مشكلة مستمرة في النمو بشكل عام، وهناك عوامل عديدة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل سلوك ظاهرته في كل بلد، ولكن العوامل السياسية المحفزة للمرض لا بد من تأجيلها لتحقيق نتائج إيجابية في الحد من معدلات الاعتلال والأزمات وارتفاع معدل الوفيات المفاجئ، وإن هناك علاقة وثيقة تعمق العلاقة بين الإقصاء السياسي والاجتماعي وبين الأمراض القلبية الوعائية مما يثير بقوة تساؤلا عما إذا كان كلا من الاستعباد السياسي والاستبعاد الاجتماعي يؤديان دورا مؤثرا وحاسماً في ارتفاع معدل الوفيات القلبية المفاجئة في العصر الحالي؟ غير انه قد لا يمكن العثور على الإجابة الوافية على هكذا تساؤل إلا عبر ادراك واستيعاب الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة في الدول العربية !

هنا نتساءل ونحن جميعا نعرف الإجابة !! هل أوضاع البلاد العربية تتيح لمواطنيها الحصول على العلاجات والتكنولوجيات الجديدة والمتطورة في مجال الطب لمواجهة التحدي الكبير المتمثل في زيادة وباء القلب والأوعية الدموية؟ وان آفة الموت المفاجئ تتسبب كل يوم بضحايا أكثر من فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" أو السل أو وباء السرطان إذ قد لا تسبب اغلب الإمراض في جميع تطورات ومعدلات الفتك الموتية كما تتسبب بها افة الموت المفاجئ, وإن نطاقها قد يكون قابلا للمقارنة فقط مع تأثير هجوم إرهابي واسع النطاق والذي يؤدي فجأة إلى الموت، وتأثير تلك الظاهرة يتجاوز حجمها إطار عدد الأحداث المؤدية للموت التي تحدث سنوياً والتي يحدث ثلثاها خارج محيط المستشفيات ليصل الضحايا إلى أنظمة الطوارئ فيها مع سجلات تشير إلى نهاية حياتهم المأساة قبل الأوان وهم في الأعمار الصغيرة لتحدث الوفاة مثل البرق ولتعطي دلالة مريرة ونظرة مريرة لا تقدر بثمن لهذه الخسائر المتواصلة ما تتسبب بنكسات في اوضاع الأسر وفي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإن الحزن الذي يترجمه الموت المفاجئ والأسئلة المحيطة بالحدث تساهم بزيادة الشكوك ومشاعر التشاؤم في الأسرة وأصدقاء الضحية.

متعددة ومتنوعة هي العوامل التي تشترط هذه الحقيقة غير إن أبرزها يتكشف على شاكلة العوامل الطبية كتلك المتعلقة بانتشار مرض الشريان التاجي والتي تكون مسؤولة عن اغلب الوفيات المفاجئة نتيجة لعدم وجود أو توفر السجلات الإحصائية الرسمية لتحليل مديات الاستعدادات لهذه الآفة او على الاقل توفير الظروف السياسية والحياتية المكافحة لها، إضافة إلى وعدم وجود تعريف مقبول من قبل المختصين خاصة عند التعامل مع الوقت الذي يجب أن يمر المستهدف قبل أن يعتبر الحدث فجأة، ومما لا شك فيه أن النقطة الأكثر أهمية في الأمر والنظر في حالات الوفاة المفاجئة لذا يجب أن تؤخذ هذه العوامل في الاعتبار عند تحليل سلوك الظاهرة في كل من البلدان ولذا يمكننا أن نطرح تساؤل حول هل هذه العوامل الطبية هي محددات لذلك الواقع المحزن في بلاد العرب عندما تواجه الارتفاع التدريجي لهذا الوباء المفاجئ لأمراض القلب والأوعية الدموية؟ مما يعني ترابطها وتشابكها مع العوامل ذات الطبيعة السياسية الحاسمة لكنه لن يغرب عن بالنا مسألة الاستبعاد الاجتماعي الذي يتترجم إلى عدم وجود الفرص للجميع في الصحة والفقر وشيوع التهميش والأمية وتعقيد النماذج الاستهلاكية التي تبعد المجتمعات عن المساهمة في تطوير الطب فلا تمتد نتائج الثورة العلمية والتقنية بشكل متساوٍ إلى الطبقات الاجتماعية المختلفة.

إن النوبة القلبية هي نافذة لتقييم آثار الطبقة الاجتماعية على الرعاية الصحية المختلفة، من أحداث الموت القلبي المفاجئ تتجلى في عموم السكان مع عوامل الخطر التي تعزز تطور بعض أنواع أمراض القلب والسمنة وداء السكري وعدم النشاط البدني وارتفاع ضغط الدم الشرياني، وتشكل الأوبئة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين تغذيها النزعة الاستهلاكية وإساءة استخدام التطور التكنولوجي على حساب نظام النشاط البدني والأنماط الثقافية وفقدان المعايير والظروف المعيشية والتوتر المزمن والحتمية للحياة مع النتائج المنطقية التي تجلبها كالتدخين وسوء التغذية الجودة وقلة النشاط البدني والسمنة وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكولسترول والإجهاد هي أكثر شيوعا بين الأقل حظا من التعليم والدخل وأيضا صعوبة تحمل تغيير نمط الحياة لا يبقيه بعيدا عن خطر الوقوع بنوبة قلبية محتملة. فكيف يمكن للأنظمة الاقتصادية التي تعزز الإقصاء الاجتماعي والنزعة الاستهلاكية أن تسهم في منع تطور أمراض القلب والأوعية الدموية؟ وهناك سؤال آخر سيكون وهل سيتم ضمان إمكانية الوصول إلى هذا النوع من الرعاية بالتساوي لجميع المرضى، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية والحالة الاقتصادية التي هي مشارك فيها؟ كما يجدر طرح السؤال التالي هل يمكن أن يؤدي الاستبعاد الاجتماعي، الذي يقوده النموذج الاستهلاكي الرأسمالي حتمًا، إلى تحديد نوع الرعاية والتشخيص والعلاج للمرضى الذين تم إنقاذهم أحياء من الموت القلبي المفاجئ؟ ويسمح لنا بطرح سؤال آخر هل الاستبعاد الاجتماعي من الضحايا هم حتما الملايين من البشر في المنطقة العربية سوف تلعب دورا حاسما في ارتفاع حالات توقف القلب المفاجئ في عصرنا الحالي؟ ومن الواضح أن الإجابة على هذه الأسئلة بغض النظر عن الأيديولوجية التي لديها، لا يمكن العثور عليها في مصدر آخر غير النظام الاقتصادي والسياسي وبالتالي الاجتماعي الذي يسود في الدول العربية، وسياسات الحكومات العربية للحفاظ على الصحة والحياة "الإرادة السياسية"، وينبغي أن توجه لتوفير الرعاية الطبية ممتازة مع أقل قدر من المخاطر للمريض، بغض النظر عن القوة الاقتصادية والحالة الاجتماعية أو الدين أو العقيدة أو العرق أو الجنس أو الأيديولوجية لأولئك الذين يعانون من فقدان الصحة.

هنا يجب أن نكون مدركين أن الحكومات هي المسئولة الحقيقية عن مصير شعوبها ولذلك فهي بسببها يجب أن تكون الإرادة السياسية للحكومات لعكس هذا الواقع المشترك قاسما مشتركا لجميع الدول العربية بهذه الطريقة فقط يمكن التصدي للتحدي الهائل لوباء القلب والأوعية الدموية في القرن الحادي والعشرين .وان الفقر والجهل ما هو إلا نتيجة الأمية والإقصاء الاجتماعي للأنظمة الطبيعة الأنانية لا تكون بالضرورة أفضل مستقبل نحلم به للبشرية، مهما كانت الإجابة كقناعة بالنموذج والقيم التي ندافع عنها، فلذا ما الذي يجب أن يكون الحل الأساس للنموذج السياسي والاجتماعي للشعوب العربية المنهكة هل هو الوجود أم انه غير الوجود؟ وذلك هو من سيحدد في النهاية الحلول وهو ما سيسمح بالنظر في العلاقة القائمة بين الاستبعاد الاجتماعي والموت القلبي المفاجئ.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

كتبَ المُستَشرِقونَ كتباً عديدةً، وفي مختلفِ حقولِ المعرفةِ، وصَنَّفوا مصنفاتٍ ضخمةً بمجلداتٍ كثيرةٍ، تَناوَلُوا فيها تأريخَنا وحضارتَنا ودينَنا. وكان أكثَرُهُم منحازين متعصبين، لم يَكُن رائِدُهم البحثَ العلميَّ؛ لانَّ اغلبيَتَهُم كانوا موظفينَ يعملونَ لصالح وزارة المستعمرات. واستثني القليلَ القليلَ منهم الذين كتبوا بانصاف .

اثارَ المستشرقونَ قضيةَ قسوةِ العقوباتِ الاسلاميَّةِ ووحشيتِها ؛ وانها عقوباتٌ أَفرَزَتها الصحراءُ وَقَسوَتُها وَجفافُها . وتابعهم في مقولتهم هذهِ بعضُ الحداثويينَ من أَبناءِ امتنا.

العقوبةُ والأَلَمُ

قبلَ أَن يَتَهِمَ هؤلاء الباحثونَ نظامَ العقوباتِ في الاسلام، كان عليهم أَن يَتَأَمَلُوا في العُقُوباتِ بشكلٍ عامٍ، فهل بامكانِهم أَن يُقَدِّمُوا لنا عقوبةً من دون المٍ؟ لايمكن ذلكَ؛لانَّ العقوبةَ متقومةٌ بالالم، والالمُ جزءٌ لايتجزأ من العقوبة ؛ لان الغرضَ من العُقُوبةِ هو تحقيقُ الردع، ولايمكنُ أَن يحصَلَ رَدعٌ من دون ألَمٍ.

وانا هنا أتَكَلَمُ عن اصل الايلام في العقوبة، لاعن كميةِ الالمِ وكيفيتِهِ.

فالعقوبةُ قد تَتَضَمَنُ أَلَماً خفيفاً او شديداً، ولكنَّهُ الم. هذا عن الكميّة، امّا الكيفيّةُ ؛ فالعقوباتُ انواعٌ مختلِفَةٌ وليست نوعاً واحداً .... فقد تكونُ العقوبةُ سجناً أو اِقامةً جَبريّةً، أوابعاداً، اوحرماناً من بعض الامتيازات، أَو غرامةً ماليّةً، ولكنّها جميعاً تشتركُ بعُنصر الالم؛ لانَّ وظيفةَ الالمِ في العُقُوبةِ هي تحقيقُ الردع.

التَجانُسُ بين الجريمةِ والعُقُوبةِ

في العقوبةِ لابُدَّ أَن يكونَ هناك تَجانُسٌ بينَ الجريمةِ والعقوبةِ؛ من اجل أَن تَكونَ العقوبةُ عادِلَةً . فلايصح ان يعاقبَ كبار المجرمين مع من ارتَكَبَ مخالفةً بسيطةً بعقوبةٍ واحدةٍ، كما يحصل -اليومَ- في اغلب سجون العالم .

المُماثلةُ بين الجريمةِ والعُقُوبةِ

من اجلِ أَن يَتَحَقَقُ الردعُ في العقوبةِ، لابُدَّ ان تكونَ هناك مُماثَلَةٌ بينَ الجريمةِ والعقوبة .

في نظام القصاص الاسلامي هناك مماثلةٌ بين الجريمةِ والعقاب، وهذا مااشارت اليه الاياتُ التاليةُ :

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). البقرة : الاية:179.

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).البقرة : الاية : 194.

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). المائدة: الاية : 45.

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). النحل: الاية : (126) .

والمماثلة بين الفعل والعقوبة ليست مماثلةً تامةً في كل الخصوصيات، فالقاتل الذي مثَّلَ بضحيتهِ، يقتلُ قِصاصاً ولايجوزُ التمثيلُ به مماثلةً لفعلِ القاتلِ .

ولاتشترط المماثلةُ بالخصوصيات الطارئة، كأن يقتصَّ منه في الليل ؛ لان القتلَ وقعَ في الليل.

العقوباتُ الاسلاميّةُ وحمايةُ القِيَمِ

العقوباتُ الاسلاميةُ تستهدف حماية الكليات الضرورية، كحماية الدينِ والعقل والنفس والمال، اي حماية القيم الكبرى، ولاتستهدف حمايةَ حاكمٍ او نظامٍ او مصالح فئاتٍ محدودة، وطبقاتٍ معينّةٍ .

الذين يتحدثون عن قسوة عقوبة الزنا، لايتحدثون عن هذه العقوبة ضمن سياقها الثقافي والقيمي، فاقامة الجلد اوالرجم في مجتمعٍ أُطلِقَت في الغرائزُ والشهواتُ من عقالها، اقامتها في مجتمعٍ لايقيم وزناً للفضيلةِ .. تكون العقوبة قاسية.. اما العقوبة في السياق الثقافي والاخلاقي للمجتمع المسلم الذي تسود فيه الفضيلة، مجتمع تؤمن فيهِ حاجاتُ الناسِ الغرائزية عبر الزواج، ومجتمع تسيجه الفضيلة وتحرسهُ القيم، لاتكون فيه هذهِ العقوبة قاسيّة .

الذين يتحدثون عن قسوة عقوبة الزنا،ينبغي ان ينتبهوا الى ان الشروط التي وضعها المُشَرِّعُ في اثبات الزنا شروطٌ صعبةٌ يصعبُ اثباتُها. فالاسلامُ يشترط لاثبات الزنا حتى يقام الحد، اربعة شهداء يرون العملية كاملةً .وفي حياة رسول الله (ص) لم تثبت جريمة الزنا الا بالاقرار، لحالتين هما: ماعز بن مالك، والمرأة الغامدية، هما أَقَرّا على نفسيهما بالزنا .

والذين يتحدثون عن السرقة يتناسون ان السارق في عام المجاعة لاتقطع يده .ويتناسون ان الفقه الاسلاميَّ وضعَ قاعدة: (درءُ الحدودِ بالشبهات) .

الاسلام وصفةٌ كاملةٌ للحياة، يجب ان تطبقَ كاملةً غيرَ منقوصة . الذين طبقوا الحدود مبتورةً عن سياقها التشريعي، قدموا صورة مشوهة للاسلام . شوهوا لوحة الاسلام الجميلة باقتطاعِ جزءِ مهم من التشريع وانتزاعه من سياقه التشريعي، فشوهوا اللوحةَ الجميلة.

 

زعيم الخيرالله

 

 

اياد الزهيرييحكي تاريخ الأنسانيه بأنه مسيرة كفاح من أجل الحريه، وهي أنشودتها التي تغنت بها عبر الزمن، ومعشوقتها التي هامت بها عبر مسيرتها النضاليه . بدون الحريه لا يمكننا الكلام عن الأنسانيه، فهي عنوانها وصميم وجودها، فلا معنى للأنسانيه بدون الحريه، ولكن من المفارقات أن هناك من يهرب منها وكأنها تمثل حالة الا معقول والمقبول، وهذه لا شك مفارقه لا يمكن فهمها الا بالغوص بها والتعرف عليها والكشف عن أسبابها أملآ بأجلاء هذا الغموض وتعرية دوافعه الحقيقيه لكي يتجلى السبب الحقيقي للنكوص الذي أصاب بعض المجتمعات والأشخاص عبر أستمراءهم للعبوديه والتأقلم معها، بل والرغبه بعدم مغادرة قفصها الى حيث فضاء الحريه . لاشك ولا ريب بأن هناك علل قادت الى التلبس بالعبوديه وأستمراءها بل والممانعه عن مغادرتها. من الواضح أن هناك نوع من البشر تعرضوا الى حاله طويله ومزمنه من الأستعباد والقمع مما أنساهم حريتهم وأفقدهم الأحساس بها تمامآ. هذا النوع من البشر خضعوا الى نوع من الحكام الذين يتسمون بالساديه، والمصابون بأدمان السلطه، ويتمتعون بسلوك عنفي شديد، ومصاديق هؤلاء الحكام المستبدون من نيرون وفرعون الى هتلر وستالين وصدام حسين الى ملوك السعوديه، مقابل شعوب خضعت لظروف قاسيه في جو من الأستبداد والقهر والحرمان البسهم ثوب العبوديه والخضوع، طبعآ الناس في هكذا ظروف تنقسم الى ثلاث أصناف، واحده مقاومه وأخرى منزويه ومنكفئه وثالثه متزلفه خانعه، وطبعآ طبيعة الشعوب وموروثها الثقافي والقيمي يساهم في أتساع واحده من هذه الأصناف على الأخرى، ومن الملاحظ أن هناك نسبه غير قليله من الشعوب العربيه قد تكيفت مع الأستبداد وألفته حتى عادت تعتبره شرطآ من شروط السلامه والعيش الهنيء . هذه الشريحه التي أستطيبت العبوديه يطلق عليها صفة المازوخيه وهي شريحه تتلذذ بالقسوه الموجه لها من قبل الحاكم الذي يتصف بالساديه، وهو بالضد من الأول حيث يستمتع بتوجيه القسوه والعنف الى الأخر الضحيه، وبالحقيقه أن الفئتين مصابه بالشذوذ النفسي وأحد الطرفين ضحيه للأخر، فواحد كان له أستعداد للقسوه أما  الآخرفكان له أستعداد لتقبل القسوه، وخير من عبر عن هذه الحاله المفكر الأسلامي الجزائري مالك بن نبي عندما وصفهم بأن هناك جهه مستعمره وأخرى لها القابليه على الأستعمار، ولو رجعنا الى هذه الظاهره لوجدنا لها حضور شديد في بلداننا العربيه وخاصه الشرقيه منها ومنها العراق، حيث تعرضت شعوب هذه المنطقه الى زمن طويل من القسوه من قبل حكامها حتى قال أحد طغاة بني أميه ( من قال لنا برأسه هكذا قلنا له بسيوفنا هكذا) أنه أسلوب القوه والعنف وهو المبدأ الذي سار عليه كل من حكم هذه الشعوب ومنذ قيام الدوله الأمويه ولحد هذه الساعه ترزخ هذه الشعوب تحت حد السيف والقوه العنفيه الظالمه، حتى أن بعض هؤلاء الحكام ممن قتل أخوانه خوفآ من أن ينازعونه الحكم ومنهم المأمون العباسي والسلطان العثماني مراد الأول الذي قتل شقيقه محمود وأبنه وعمل على نفس المنوال السلطان محمد الفاتح وسليم الأول وهناك الكثير في تاريخنا الملطخ بالدم والجريمه. ولو رجعنا لما تعرض الشعب العراقي من تاريخ طويل من الظلم والأضطهاد من قبل الدوله الأمويه والعباسيه والعثمانيه أنتهاءآ بحكم البعث الذي أستمر 35 سنه والذي تعرض فيه الشعب العراقي الى أقسى أنواع الظلم والأضطهاد مضاف اليه الحروب والحصار الأقتصادي والذي تعرض له الشعب الى مجاعه قاسيه .كل هذه الظروف ساهمت بكسر أرادة الكثير، وأستسلام العديد من الشرائح الأجتماعيه، وهي حاله معروفه ومشخصه لدى علماء النفس الأجتماعي والتي يتعرض فيها الأنسان الى ضغوط قاسيه تساهم في تغير منظومته القيميه والأخلاقيه ويستسلم فيها الى القدر وتنتج شعبآ يمتاز بالأتكاليه واللأمسؤوليه بالأضافه الى أستخدام أساليب التذلل والخنوع من أجل البقاء.أي يتعايش مع الظلم والعبوديه من أجل السلامه. هذه الأسباب والظروف التي مر بها الشعب العراقي هي ما فسرت لي أسباب ميل الكثير لرجوع النظام الصدامي، بل والترحم على الدكتاتور .صحيح فشل الحكام الجدد كان أحد الأسباب لكن الشعوب التواقه للحريه لا تسمح لنفسها بأن تعبر عن رغبتها برجوع الدكتاتور مهما كان الثمن .

من الواضح أن القبول بالخضوع والتكيف معه لم يكن نتاج الأنظمه الحاكمه فقط،بل نوع التربيه الأسريه ذات الطابع البطريركي، والنظام العشائري بمنظومته القيميه وأعرافه العشائريه القائم على أساس السطوه والقوه أتجاه الأبناء،والذي يخلق منهم أبناء خانعين الى حد الذله والمسكنه، مما يفقدهم حس الحوار والأعتزاز بالذات، ويسلبهم القابليه على النقاش فيكونون فقد متلقين قانعين، كما أن هذه المنظومه الأجتماعيه دفعت بالفرد الى القناعه التي تصور له أن لا مفر من العيش بسلام والحصول على فرصة القبول أجتماعيآ الا من خلال التأقلم مع الواقع الأستبدادي وأعتباره هو الحاله الطبيعيه والتصور أن العكس هو المشاكسه والشذوذ، وهذا هو ما جعل من الأغلبيه هي الخانعه والأقليه هي المناهضه والمقاومه، والواقع في كل العالم يظهر وبوضوح أقلية الطبقات المكافحه مقابل أكثريه مهادنه خاضعه . يمكننا أضافه لما سبق من الأسباب للتأقلم للعبوديه هو أن هناك أسباب أخرى لا تقل أهميه من الأولى الا وهو الأميه الثقافيه والتي يعبر فيها الفرد عن أهماله للقيم الحضاريه وعلى رأسها الحريه، فتراهم يضحون بها من أجل حفنه من المال، كما حصل عندنا بالعراق في فترة الأنتخابات البرلمانيه والتي باع فيها الكثير أرادتهم البرلمانيه مقابل بطانيه أو مدفأه كهربائيه، بل هناك من باع صوته مقابل شريحه تلفون، هذا المواطن يكون مستعد لبيع وطنه بأقل الأثمان، وله القابليه أن يبيع حريته حتى للشيطان، كما أن أزدياد ظاهرة الأستهلاك وبروز النزعه الماديه ساهم وبشكل مخيف بظهور ظاهره غايه في الخطوره على مستقبل الوطن الا وهي غياب الشعور بالمواطنه، وهذه لا تظهر الا عندما ينكفأ المواطن على نفسه ولا يفكر الا بمصلحته ورفاهيته فقط، وهذه الظاهره تنضج في الظروف الماديه وغياب المثل العليا في المجتمع، فيصبح كما يقول المثل (كل شيء يباع ويشترى في روما). ان الشعوب التي تخضع لفتره طويله للقمع والقسوه تصاب لا شك باليأس والأحباط والركون للأستسلام فتفقد أحساسها بالحريه وتكون تبعيتها للأقوى، وهذا ما يفسر تصفيق الجماهير لكل حاكم قادم وخاصه اذا كان دكتاتورآ، لذى تكون الحكومات المستبده في غاية السعاده والأطمئنان عندما تتصف شعوبهم بالمسكنه وقبول الأمر الواقع، وهذا ما يذكرني بواقعه عندما كنا في معسكر اللجوء في المملكه السعوديه عندما سأل احد المحتجزين الحرس السعودي لماذا انتم لحد الان يحكمكم ملك فكان رد الجندي بجواب يفوق التصور وقد شكل لي صدمه عندما قال (ان الملك متفضل علينا نحن نعيش على ارضه) انه يعتبر ان الملك يملك الأرض وما عليها ويملكه هو، هذه الشعوب وصلت الى هذا المستوى من الآستلاب، وهذا المستوى هو ما يسعد كل دكتاتور لأنها الحاله التي توفر له قدر كبير من الأستقرار وعدم خروج المعارضه عليه . كما ينيغي ان نشير الى ان هناك مذاهب دينيه تكرس حالة الخضوع الى ولي الأمر وتثقف عليها على انه التزام ديني وعقائدي وان ولي الأمر احق ان يتبع ويطاع في كل الظروف والأحوال وأن الخروج عليه من الموبقات، وأعتبار الخروج عليه خروج على الجماعه وهنا يعاقب بحد السيف، حيث يسوقون عليه مبدأ ( من خرج على الجماعه أضربوه بالسيف كائن ما يكون)، وما أحكام قطع الأعناق بالسيف في المملكه السعوديه الا مصداق لهذا . أن أستئناس بعض الشعوب بالعبوديه يشكل أخطر حالة نكوص أجتماعي مما يستصعب فك أسرها منها، ويشكل عائقآ كبيرآ لكل رجالات الثوره الذين يبغون تحرير هذه الشعوب من واقعها فتشكل لهم حاجزآ منيعآ لحماية الدكتاتوريات، ويعطون فرص أكبر لبقائهم متسلطين على رقاب الناس، وهذا ما يتطلب جهدآ أضافيآ لكل الأحرار الذين يسعون الى رفع الحيف والظلم من شعوبهم، ومنها على سبيل المثال توفير جهد أستثنائي للقيام بحاله التوعيه لهم وهو أمر صعب في ظروف يستخدم فيها النظام أقسى درجات العنف ضد معارضيه وكل من ينشط في تعريف الناس بحقوقهم الأساسيه والذي تعتبرها هذه الأنظمه أخلال بالأمن العام وجريره يحكم على القائمين بها بالخيانه العظمى والتي تكون أحكامها الأعدام أما شنقآ او رميآ بالرصاص وفي زمن صدام أضافه لذلك الأعدام بالتيزاب أو الدفن حيآ . كل ذلك لا يمنع صيرورة الشعوب من المسير الى الأمام عن طريق التوعيه الجماهيريه التي يتعرف من خلالها الجمهور على حقوقهم الأساسيه، وغرس حب الحريه في نفوسهم، وأن الأنسان لا يمكنه العيش بدونها، وأنها هي من تعطي المعنى الحقيقي للحياة، وأن يتعلم الأنسان بأن مطلب الحريه هو مطلبآ دينيا كما قال الأمام علي (متى أستعبتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارآ، وكذلك القران الكريم (وكرمنا بني أدم).

 

أياد الزهيري

 

منى زيتونكثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن التحرش الجنسي والمسئول عن انتشاره في المجتمع المصري، والقاهري تحديدًا، وكان الحديث مصحوبًا بتبادل لإلقاء التهم عن النوع المسئول عن انتشار الظاهرة، هل هم الرجال أم النساء؟ والعجيب أن كلا الجنسين قد تباينت آراؤهم حول إلقاء مسئولية تلك الجريمة الاجتماعية التي انتشرت في مجتمعنا؛ فقسم من الرجال والنساء بالمجتمع يصرون على أن ثياب النساء المثيرة –على حد وصفهم-  هي السبب الرئيسي، في الوقت الذي يعجزون فيه عن تفسير عدم وجود تلك الظاهرة في عقود مضت كانت أزياء النساء فيها أكثر تحررًا، وقسم يُصرون على أن الثياب لم تكن يومًا في مجتمعنا وفي مجتمعات أخرى سببًا في انتشار التحرش كما هو الحادث في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، وعليه فهم يرون أن سلوكيات الشباب أصبحت مشينة، وحدث تغير في الثقافة الفرعية لتلك الفئة العمرية إزاء ما يكون مقبولًا عند التعامل مع المرأة.

في بدايات القرن العشرين كانت المرأة محوطة باهتمام وعناية الرجل المصري بشكل يكاد يقارب الوضع في المجتمعات الخليجية اليوم؛ فهو يبالغ في حمايتها ويقلل وقت خروجها من المنزل قدر المستطاع، وحتى عندما بدأ تعليم المرأة في الانتشار كانت أغلب النساء يتعلمن حتى يبلغن، ونادرًا ما كان يُسمح لهن بإكمال دراستهن الثانوية، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة مع بدء عقد السبعينيات، انتشر التعليم الجامعي بين النساء في مصر، وأصبح المجتمع المصري ككل أكثر تحررًا إزاء تقبل تعليم وأزياء المرأة، ومع ذلك بقي الرجل شهمًا معها، يحرص عليها ويحميها، ولكن بدرجة أقل بكثير من الحماية المفرطة التي كانت تُحاط بها في بدايات القرن.

ثم تغيرت ثقافة المجتمع المصري فيما يخص المرأة. تغير الرجل المصري بشكل لافت في العقود الأخيرة، فلم تعد المرأة تحظى بالحماية والرعاية مثلما كان يحدث في جيل أبيه، ولم يتوقف الأمر عند انتشار ضعف الإحساس بالمسئولية لدى فئات عريضة من الرجال، بل انتشر التحرش الجنسي في المجتمع المصري‏!

فماذا يرى علم النفس؟ وكيف يفسر انتشار هذه الظاهرة الاجتماعية؟

وإجابتي أنا شخصيًا عن هذا السؤال بأنه يمكن تفسير انتشار تلك السلوكيات في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي بالنمذجة، لعالم النفس الأمريكي المعاصر روبرت باندورا.

قديمًا، كان النموذج الذي يعرض ‏سلوكًا معينًا ذا نتائج تعزيزية، فيما يتعلق بمعاملة النساء، هو نموذج الشاب الشهم الجدع، الذي ‏يرعى الحرمات ويحافظ على بنات منطقته، حتى أنه يمكن أن يدخل في مشاحنات لأجلهن مع ‏شباب من منطقة أخرى، ولا يجرؤ شاب غريب أن يتعرض لهن، وإلا ووفقًا لتعبير أهل الشام (راح ياكل قتلة من شباب الحارة). هذا النموذج يكاد يكون اختفى الآن من المجتمع المصري، وسبق ‏اختفاؤه من المجتمع اختفاؤه من الإعلام؛ حيث ساعدت النماذج السلوكية الحقيرة التي يعرضها الإعلام على تعلم الأنماط ‏السلوكية الجديدة الخاصة بالتحرش، وعلى كف السلوكيات التي سبق أن تعلمها المصريون طوال تاريخهم عن معاملة ‏الشهم للنساء؛ حيث يسهم التعلم بالملاحظة والنمذجة في نقل ثقافة المجتمع إلى الناشئة، والتي من الواضح تمامًا أنها قد تغيرت.

ولمزيد من الإيضاح أعرض لأهم ملامح النظرية؛ إذ يرى باندورا أنه بما أن الإنسان في تفاعل دائم ومستمر مع بيئته، فإنه يتلقى العديد من المثيرات التي تؤثر عليه وتدفعه للاستجابة لها، وأن الإنسان يتعلم المعايير والقيم والعادات الاجتماعية والمعارف والمهارات من خلال النمذجة، حيث يحدث هذا التعلم من خلال المواقف التي تتضمن علاقة فرد بآخر أو فرد بجماعة، حينما يحدث تأثير متبادل بينهما، فيتم تعلم أنماط السلوك من خلال ملاحظة الآخرين وتقليدهم؛ والبيئة الخارجية تقدم للفرد نماذج كثيرة من السلوك التي يقوم الفرد بتمثل سلوكها، كالطفل الصغير يحاول دائمًا أن يقلد سلوك الكبار.

والتعلم الاجتماعي يؤكد أننا نتعلم الكثير بملاحظة من حولنا، فعملية النمذجة هي عملية نسخ سلوك آخرين مهمين للفرد، واكتساب السلوك الاجتماعي يقوم على الملاحظة، فإذا فعل أشخاص صغارًا أو كبارًا سلوكًا غريبًا في المجتمع فهذا دليل ملاحظتهم لشخص قام به أمامهم. ولا يُشترط أن يتم تنفيذ ما تم تعلمه من خلال الملاحظة مباشرة، أي بعد الانتهاء من عملية الملاحظة، وإنما يتم تخزينه في الذاكرة على شكل حوادث حسية أو استجابات رمزية، على أن يتم استدعاؤه لاحقًا عندما يتطلب الأمر القيام به.

كما أن الملاحظة لا تتم بشكل أوتوماتيكي بل تتم على نحو انتقائي، وقد لفت باندورا الانتباه إلى النموذج أو القدوة أو ما يسمى بـ البطل (hero) بالنسبة للطفل أو للمراهق. فإن كان الوالدان هما الأبطال لدى الأطفال، فإن الأفراد ذوو المكانة الاجتماعية العالية أو الجاذبية يمكن أن يكونوا مثارًا للملاحظة والتقليد، خاصة من قبل المراهقين، وقطعًا نعرف من هم هؤلاء النماذج الأبطال الذين يقلدهم المراهقون بمجتمعنا في العقود الأخيرة.

والأدهى أن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا إذا كانوا متشابهين؛ فجماعة الرفاق تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك المراهق، وإذا ما اعوج أحدهم فقد يؤثر في الباقين حسب وضعه ومكانته في الجماعة الصغيرة.

والآن، وبعد هذا التحليل والتفسير، ما هو العلاج لظاهرة التحرش السلوكية الخطيرة؟

1-  الناس يتعلمون فعل ما يقومون بملاحظته في سلوك الآخرين، فيجب أن نكون منتبهين إلى تقديم نماذج من السلوك المرغوب أمامهم، والإقلال ما أمكن من نماذج السلوك غير المرغوب. ولا يلزم فقط تقليل انتشار نموذج المتحرش والبلطجي في المسلسلات والإعلام، وهو ما يُلقي العبء على الرقابة على المصنفات الفنية، بل إن تلك الحملات التي تتم ضد عرض تلك الأفلام وإظهار الاستهجان والكراهية لتلك النماذج السلوكية هو أمر ضروري لتحويل التعزيز الإبدالي لدى المراهقين الذين يقلدونها إلى عقاب.

والجيد أن ما يتأثر به المراهق بدرجة أكبر هي النماذج التي تنتمي لمجتمعه، ومن ثم فإن أي مزاعم تُلقى عن عدم القدرة على التحكم في الأفلام الأجنبية التي يمكن للمراهقين مشاهدتها عبر شبكة الانترنت ليس ذي بال؛ لأن ما يؤثر فيهم أكثر ويقلدونه هو السلوكيات التي يقوم بها أفراد من مجتمعهم.

2- يجب أن يتلقى المراهق عقابًا على سلوكه الشخصي السيء تجاه المرأة، كي يتمكن من مقارنة التعزيز في المقابل على سلوكه وأفعاله الحميدة في مواقف أخرى، وفي كلتا الحالتين يؤثر الثواب والعقاب على السلوك تأثيرًا كبيرًا. وينبغي ألا يكون هذا العقاب فقط بالحبس أو الضرب من الآباء، بل يجب أن نعي جيدًا أن إظهار الاستهجان والاحتقار لتلك السلوكيات أقوى تأثيرًا من أي عقاب آخر.

3- إذا تغيرت الأفكار تغيرت السلوكيات؛ لذا يجب تعزيز مفاهيم الرجولة الحقة لدى النشء؛ فالرجولة لا تعني إظهار فحولة زائفة قذرة، والرجل الحقيقي لا يتهافت على النساء حتى لو كن متبذلات، بل إن إهمال الرجال للمتبذلات واحتقارهن هو مدعاة لهن لتغيير سلوكهن. فهل تسمح لنفسك بأن تغير متبذلة سلوكك؟

4- يجب إعادة نموذج ابن البلد الشهم الجدع كنموذج يُقتدى به في حياتنا وفي إعلامنا، مع إظهار الإعجاب به؛ كي يكون هذا تعزيزًا كافيًا للمراهقين يدعوهم لتقليده، مع التأكيد على نماذج دينية وتاريخية تؤكد على السلوكيات المرغوبة عند التعامل مع المرأة، تعطي مزيدًا من التعزيز.

5- مراقبة الآباء والأمهات لسلوكيات جماعة الرفاق التي ينخرط فيها أي من أبنائهم ضرورة؛ لأن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا، ورأي الرفاق في سلوكيات المراهق يكون أهم من رأي والديه؛ لذا يجب أن تعرف مع من يقضي ابنك أوقاته.

 

د. منى زيتون

 

عبد الرضا حمد جاسمفي حواره المفتوح مع المثقف الحلقة (41) بعنوان: [اين اختفت خطب الرسول؟] كتب الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي التالي:

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/922972

 [اتضح مما تقدم أن الرسول لم يتصد لجمع القرآن بنفسه، ولم يجمع أحاديثه وخطبه، ولم ينص صريحا على خلافة أحد من بعده. وهذا يجعلنا نشك بكل ما جاء في التراث، ويفتح آفاقا واسعة للتفكير بجدوى الانقياد لماضٍ لم نعاصره، ولم نستطع التحقق من صدقه. فمن أين جاءوا بهذا العدد الكبير من الأحاديث، وكيف تراكمت الموسوعات الحديثية عبر السنين؟ وما هي حقيقة فتاوى وأحكام رجال الدين؟] انتهى

ووفق ما وصلنا اضع تصور على بعض ما جرى ودار في تلك الحقبة:

الحلول وبشكل مباشر في تطوير مفاهيم الإسلام التي فصلت على مشاكل تلك الحقبة والحدود المحدودة لتطلعات وأمنيات الناس هناك.

أما المشاكل فأعتقد هي بمن نّصب نفسه وصياً على الإرث الخالد الذي تركه محمد الذي قاد ثوره بكل مقاييس عصرنا الحالي مستخدماً ما متوفر من إمكانات فكريه وحركيه ماديه ومعنوية لمعالجة مشاكل عصره وساهم مساهمه راقيه في رفد الفكر الإنساني بشكل لازال محل تقدير ودراسة وتحليل منها:

1- اهتمامه بالقراءة والكتابة بشكل مبكر لما لها من تأثير على الواقع وللمستقبل.

2- أبدع في اقامة تنظيم سري منظم ومتسلسل ومحدد الواجبات وعمل من خلاله على تحريك الناس وتوعيتهم وتثوير ما كان راكد لديهم.

3-  فكر بإقامة تنظيم بديل خارج منطقته من خلال انتدابه لثلة مختارة من أتباعه لترك المنطقة والتوجه إلى الحبشة طالبين اللجوء السياسي وهذه أوائل عمليات اللجوء السياسي الموثقة.

4- قدم نموذج راقي للتكافل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية من خلال بيت المال الذي وضع أسسه التنظيمية.

5- قدم نموذج راقي للنظام الضريبي من خلال الزكاة تعمل به كل دول العالم اليوم تقريباً.

6- قدم نموذج للتسامح والعفو عند المقدرة من خلال العفو الذي أطلقه بعد فتح مكة.

7- قدم نموذج مبدع لمكافحة العبودية من خلال احتضانه بلال الحبشي وتكليفه برفع الأذان ووقوفه مرتفعا أعلى من هامات من كانوا أسياداً قبل الاسلام.

8- قدم ما لم يأخذ حقه من التفسير ولم يتم التطرق اليه بما يناسبه من قبل المفسرين والمحللين وهو أنه أدارَ رأسه عن المسجد الأقصى وتوجه للكعبة رغم قدسية الأول ليتفرد ويترك للآخرين ما يتعبدون لأنه أدرك مبكراً أن هذا الموضوع سيكون مثيراً للمشاكل مع العقائد الأخرى التي يحترم ويقدر ولتأكيد ذلك لم يفكر بأن يحرك جيوشه باتجاه المسجد الأقصى بينما تحرك ومن بعده أبو بكر شمالاً وجنوباً.

9- وضع الأسس لتنظيم الجيش والقيادة والخطط العسكرية وتهيئه ما يحتاج له من أعدد وإعداد وإمداد وشحن معنوي.

10- قدم نموذجاً للتواصل وإدارة اللقاءات واحترام المواعيد من خلال تحديده لمواقيت الصلاة التي كان يديرها ويتابع من خلالها تقلب الأحوال وتطورها وألزم اتباعه بضرورة حضور الجمعة كموعد أضاف عليه القدسية لأهميته والمستمر لليوم حيث يهرعون اليه ويتعطرون له دون حتى امر فهو موعد ثابت للاجتماعات في كل مكان منذ أكثر من 1400 عام لا يوجد موعد بقدسيته واكتظاظه وطواعية حضوره الكثيف وانضباط المشاركين فيه والتهيؤ له من الذي قبله.

لقد قاد محمد ثوره هادئة متصاعدة بشكل مدروس سواء في الطروحات النظرية أو المعالجات العملية في مجتمع متخلف مستخدماً فيها خزينة الاجتماعي وشخصيته المتميزة كما يبدو وذكاءه وما تعلمه واستنتجه وطوره من خلال احتكاكه بالحركة التجارية وتواصله مع المحيط القريب والبعيد في رحلتي الشتاء والصيف وكما معروف إن التجارة وأجوائها تعني الصدق والدقة والأمانة والاحترام الغير والوقت والشجاعة والقدرة على خوض العملية والنجاح بها والتقدير الجيد للأمور وحسابات مستقبليه متجددة. لقد استفاد كثيراً من رحلات الشمال التي كانت متواصلة مع شمالها ولاحظ اختلاف الأشكال والمعتقدات والآراء والطباع والطبيعة وأستمع جيداً وناقش تلك المختلفات ليحاول نقل ما يجده مناسب إلى محيطه القريب في مكة والى الجنوب إن أمكن.

كان يقارن بين جمال الطبيعة هناك وبين قساوة الصحراء عند قومه وبين التسامح هناك والعصبية المقيتة عند قومه أثارت فيه هذه الأمور الكثير مما دفعه للتفكير جيداً بعمل شيء وكان كلما أراد أن يستمع لنفسه ويكلمها بصوت عالي يبتعد لينزوي في غار حراء مقتفياً آثر من فعل ذلك قبله من الذين سمع عنهم فقرر البدء بمعالجة الحال سالكاً طريقين هما::

1- سرد حكايات لم يعرف بها الناس للتشويق والاستفادة والتحذير والتخيل لحال أحسن مثل قصص الأنبياء والعقائد السائدة رغم عدم الحاجة إليها دينياً لكنها تثير الاهتمام وتتداول وتتبادل بسرعة.

2- البدء بحل المشاكل التي تواجه الناس يومياً بشكل مقنع ومتدرج مراعياً الحساسيات المتنوعة متبعاً الإقناع وتقديم المثل الحسن فعالج وأد البنات والخمر والزنا والمال والتعاون والاحوال الشخصية وتعدد الزيجات التي حددها بالعدل بعد إن كانت مشاعة وسائبه وبلا ضوابط وغيرها الكثير.

بهذه الطريقة أصبح محمد مع مرور الوقت هو المرجعية لكل من يتعرض له البشر لذلك تجد إن الكثير من هذه الأمور أتُبِعَتْ بعبارة (سؤل ...فنزلت الآية......عمل كذا فنزلت الآية.... "أُعْتُرِضَ" عليه فنزلت الآية).

بمثل هذا المنهج أصلح عصره ومجتمعه ولما كانت مشاكل البشرية لم/لا تنتهي أو تنحصر بمشاكل تلك الحقبة عليه يجب أن نسمع الآن عبارة  (ف....نزلت الآية) مع تطور المشاكل بتطور الحال.

إن محمد كان يستمع للمشكلة ويحللها ويتفنن في إدارتها وإيجاد الحلول التي تُرضي الجميع لأمرين الأول إن يكون مقبول من الجميع والثاني إشاعة الاهتمام بالأخر.

ناضل سياسياً في مكة بالممكنات المتوفرة كأي مفكر ثم أنتقل إلى يثرب لمعرفته أنه ترك أثر مهم في مكة وفي يثرب أشاع اللحمة بين أهلها والوافدين اليها وتعاهد مع اليهود بشكل يجنب ما يفكر به وما جاء من أجله إي هزات أو صدامات غير محسوبة وأستمر بهذه السلوكية في صلح الحديبية.

لقد كان يفكر بأن كل ما يقوم به متسلسلاً يراعي موازين القوى وعندما يشعر بأنه لصالحه كان يتصرف ليقدم شروطه ويحسن موقفه حتى لو أضطر لخوض معركة.

لقد تحولت هذه الحركة إلى دين وبالذات بعد تحويل أنظار الناس من التوجه إلى الأصنام إلى التوجه الى السماء البعيدة غير الملموسة ولكن هذا التحول أزداد بعد أن ترسخت الدولة واحتياج السياسة والسياسيين من أولي الأمر إلى فرض سيطرتهم على عامة الناس وبداء يتصاعد تقديس أولي الأمر على حساب مبادئ محمد معتمدين على نصوص وأحاديث هم من كتبها او شجع على كتابتها.

لم يسجل محمد ما أعلن أنه نزل عليه أو ما قاله لأنه كان يريد التطور من بعده تاركاً الباب مفتوح للاجتهاد والتفكير لكن أولي الأمر أعادوا كتابة ما جرى بعد عشرات ومئات السنين وهنا ظهرت المذاهب حسب أهواء أولي الأمر أو اجتهاد البعض بعد أن قارن ما بين ما يعرف وما مكتوب وما يقول به العقل والمنطق لينتقل التقديس من محمد إلى أولي الأمر ثم إلى أصحاب المذاهب ومن هنا بداء التخلف والانغلاق والجمود والاعتماد على ما قاله الأولياء الأولين وتم اشتقاق طرق وأساليب للسياسة الدور الكبير فيها.

وهنا أسرد حادثه شخصيه فيها عبره هي:

1- سألني أحدهم لماذا لم تؤدي الفرائض ..قلت له هل تستطيع إقناعي ..قال نعم...حددنا الموعد وحضر ومعه ما يريد أن يستند إليه فبادرته مشترطاً أن يعتبر نفسه محمد وأنا من جاهلية مكة ولا يستند إلى أي نص قراني أو حديث لافتراض اني لا اعرف ذلك أو أن هذا اللقاء في بداية الدعوة، فارتبك وضاعت عليه الأمور ليتحول إلى مصلح اجتماعي ويتكلم عن الصدق والإخلاص والسلام وصلة الرحم والجيرة وحب الناس والعادات والمستقبل.

2-  كان جاري يحمل شهادة الماجستير في علوم التربة وموظف بدرجه مرموقة ويؤدي الفرائض وفي أحد أيام الجمع ظهراً التقيته وهو يهم للصعود إلى سيارته المرسيدس الحديثة للذهاب الى الجامع "جامع فخري شنشل" الذي لا يبعد عن سكنه أكثر من 200متر وبعد التحية رأيته يضع السواك في فمه فقلت له مازحاً ...ما هذا؟ قال إنها سنه فقلت له أليس من السُنه أن تذهب ماشياً إلى الجامع أو تعتلي بعير فضحك وقال هذا التطور

هذا هو مصدر التخلف ليس بسبب السواك انما بسبب عدم الانتباه الى مثل هذه السنن البسيطة ذات المعاني الكبيرة حيث كما اعتقد لو فكر المسلم بالموضوع لأصبح المسلمين اليوم الأكثر ابداعاً بمشاكل الفم وصناعات تطبيب الاسنان والفم وأدوات ومحاليل ومواد تنظيفها والعناية بها. وهناك الكثير على هذا القياس.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

قاسم حسين صالحلنبدأ بتحديد مفهوم التحرش الجنسي ولنعتمد تعريف المركز المصري لحقوق المرأة بأنه "كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان.. يأخذ صيغة من الكلمات غير المرحب بها أو الأفعال ذات الطابع الجنسي والتي تنتهك جسد أو خصوصية أو مشاعر شخص ما وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإهانة، أو الإساءة، أو الترهيب، أو الانتهاك ". ونضيف بأن التحرش الجنسي هو اكراه على فعل جسدي، او وعد غير لائق او غير مرحب به بمكافآت مقابل خدمات جنسية. وهناك تعريفات أخرى تختلف باختلاف الثقافات.

أسبابه التقليدية:

تحدد الدراسات العلمية اهم اسباب التحرش بـ: سوء التربية الأسرية والحالات الناجمة عن التفكك الأسري، الكبت الجنسي واعتبار التحرش وسيلة ترفيهية من العناء، ثقافة مجتمعية متخلفة تزود المراهقين بفكرة ان التحرش يعدّ نوعا من الرجولة، ضعف الوازع الديني، عدم وجود عقوبات قضائية رادعة، وجود تاريخ سابق من التحرشات الجنسية او تاريخ اجرامي او تاريخ من الأمراض النفسية.

اسبابه العراقية

بهدف تحديد اسباب التحرش الجنسي في مجتمعنا العراقي، توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي باكثر من استطلاع.. لحضراتكم نماذج من الأجابات:

- احسان الفرج: ثمة انهيار تام لمنظومة الاخلاق يمر بها المجتمع العراقي ولن تنفع اية حلول آنية للحد منه.

- امير القيسي: عملنا بحثا عنه في الجامعات واقتصر على الطالبات وكانت النتائج ان التحرش الجنسي موجود وله عدة مظاهر وموجه نحو الطالبات من قبل بعض الطلبة وقلة جدا من التدريسيين ولكنه لا يشكل ظاهرة.

- هدى العزاوي: نعم ظاهرة اجتماعية ظهرت على مجتمعنا خلال ال 15 سنة الماضية، اسبابها انهيار الحكم، وضياع التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ادى الى الاستهانة بالقيم الاخلاقية وكذلك غياب الرادع والعقوبات.

- خالص ابراهيم: موجود ولكن ليست ظاهرة مستشرية سببه انهيار منظومة القيم الاجتماعية وطريقة اللبس والمكياج واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة لا تتناسب مع قيم المجتمع العراقي الاصيل وغياب الوازع الديني والفارق في المستويات المادية للمجتمع.

- أمل التميمي: تحرش الرجل العراقي بالمرأة يعتبره غنيمة يتلذذ بها.

- اكرم الانصاري: نعم موجود ولكن بسبب عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي، ولأنه كلما زاد التدين بالمجتمع زاد التحرش.

- عامر المعموري: التحرش الجنسي والجنسية المثلية ظواهر شاذة في ظروف ضياع القيم الناجم عن ضياع السياسي والامني والمجتمعي بسبب اناس لم يحسنوا ادارة البلد.

- د جمال العزازي: 75% من جانب الانثى بسبب التبرج باشكاله المختلفة الناجم عن انهيار الاخلاق الحميده وعدم مخافة الله من الطرفين. الحجاب امر الهي في حالة الالتزام سيكون الاستقرار الاجتماعي الرقيب الداخلي اقوى من الخارجي.

- نضال السعدي: الانغلاق المجتمعي بسبب تحريم الاديان واسلمة المجتع.

- ابراهيم ملا : تشهد هذه الايام تحرش البنت بالولد، وحالما يتم التواصل تستنفر العشائر امكانياتها لتبدأ المشكلة الكبرى حيث يتم التشهير بالبنت مقابل حفنة ملايين.

- حسين راشد الجبوري: اصبح ظاهرة وسببها زيادة في المعروض الانثوي الذي قلل من شموخ المراة حتى اضحى بعض الرجال لا يقيمون لها وزنا من الاحترام بعد ان كانت سورا منيعا.

- انس الغزي: اضطراب السياسة ادى الى غياب القانون مع توافر مصادر تشجيع الرغبات وغياب الواعز الديني وضعف المؤسسة التعليمية .

تحليل واستنتاجات

اختلفت الآراء ما اذا كان التحرش الجنسي في العراق اصبح ظاهرة ام لا، وهذا يعود الى اختلاف مناطق المستجيبين، ففي الناصرية، مثلا، لا يعد ظاهرة فيما يعذ ظاهرة في العاصمة بغداد بحسب المستجيبين. واتفق المستجيبون على وجود الاسباب التقليدية للتحرش في المجتمع العراقي، مضيفين لها بطالة الشباب، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وعلميا، يعدّ التحرش حالة معقدة يتداخل في دراستها الطب النفسي، علم النفس، علم الأجتماع، العلوم الجنائية، وعلوم الدين. وهو حالة موجودة في كل المجتمعات بما فيها المجتمعات الأوربية، لكن نسبتها تختلف اذ تبلغ بحدود 5% في المجتمعات الأوربية، فيما تزيد على 80% في المجتمع المصري، وتشكل ظاهرة مقلقة اجتماعيا ومتعبة انضباطيا للأجهزة الأمنية في دول عربية واسلامية.. وللأسف فاننا لا نمتلك مؤشرات احصائية عن حجم وجوده في العراق.

وعراقيا، كانت اول (حملة) للحد منه حصلت في سبعينيات القرن الماضي يوم قامت شرطة الآداب بصبغ سيقان من تلبس (تنورة) قصيرة من طالبات اعدادية الحريري بـ(البويه).

وفي الثمانينيات عملت خبيرا بمركز البحوث التابع لوزارة الداخلية، وكانت وقتها قد زادت حالات التحرش، فعمدنا الى التحقق من الأسباب ميدانيا بينها ان لون الملابس التي ترتديها الفتاة يشكل سببا. فتم تكليف فتاتين تعملان بالوزراة ارتداء الوان مختلفة وكانت احداهما تقف بمدخل جسر الصرافية (محمية من مفرزة شرطة بمكان خفي).. فتبين ان اللون الأصفر جذب سائقي السيارات الخصوصي الى التوقف عند (فتاة الأختبار) يليه اللون الأحمر. وتبين لنا ان الفتيات اللائي يمشين في الشارع ويتناولن الآيس كريم (الموطه) يتعرضن للتحرش، وكانت أحدى اجابات الشباب :

-(دكتور اذا هي تمص موطه وتمشي تتمايل اشلون ما اتحرش بيها!)

وقد نوقشت الدراسة في ندوة علمية دعوت لحضورها الصديق الراحل الدكتور علي الوردي وكانت احدى تعليقاته الجريئة قوله باننا اذا منعنا الاختلاط بين الجنسين فان الذكور سيلجأون الى اللواط والاناث الى السحاق.

وعلميا، ليس صحيحا تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، فكل الأطراف مسؤولة بدءا من الفرد، شابا كان ام فتاة، مرورا بالأسرة، والمؤسسات التربوية وصولا الى السلطة.. غير ان نسب هذه المسؤولية تتباين من طرف الى آخر.

واللافت ان التحرش الجنسي بنسخته العراقية!أفرز ثلاث مفارقات:

الأولى: ان كثيرين اشاروا الى غياب الوازع الديني.. والمفارقة.. أن الدولة تحكمها احزاب الاسلام الساسي وهنالك اكثر من خمسين فضائية عراقية بينها من يملكها قادة احزاب اسلامية واخرى يملكها معممون!

والثانية: ان التحرش الجنسي اصبح قضية عشائرية، اذ يطلب من المتحرش دفع ملايين الدنانير لعشيرة البنت التي تحرش بها، او اجباره على الزواج منها.

والثالثة: ان كثيرين يدعون الى الحجاب بوصفه وسيلة ضامنة ضد التحرش الجنسي، فيما افادت محجبات عراقيات بأنهن تعرضن الى التحرش.

والاستنتاج (العراقي الجديد) هو ان التحرش الجنسي.. ازمة قيم ناجمة عن ازمة سياسة، تتعلق بالضمير الاخلاقي تحديدا. فما لا يدركه كثيرون ان افدح كوارثنا الاخلاقية والاجتماعية هو ما حصل (للضمير العراقي) في السنوات الأربعين الأخيرة، بوصفه (القاضي) الذي يحاسبنا على اخطائنا، او(الحارس) او (الرادع) الذي يردعنا حين نهم في القيام بعمل غير اخلاقي.

وتشير الدراسات الاجتماعية عبر التاريخ الى ان ألد ثلاثة أعداء للضمير هي: الحروب والظلم والكراهية، وأن افدح الاضرار الاجتماعية للحرب الطويلة انها تحدث تخلخلا في المنظومات القيمية للأفراد، وتضعف الضمير عند كثيرين، وتهرؤه عند آخرين، وتدخله في غيبوبة عند اغلبية مطلقة.. فكيف بالعراقيين الذين خبروا اربعة حروب كارثية في الأربعين سنة الأخيرة. فضلا عن اننا نفتقد الحاكم القدوة، بل ان البرلمان الذي ينبغي ان يكون ممثلا للشعب في الأخلاق ايضا، صار مضرب الأمثال في الفساد المالي والأخلاقي.

ومع ان بعض الدول اتخذت اجراءات صارمة بحق المتحرش جنسيا في العمل الوظيفي، فان دولا اخرى بينها العراق ما تزال اجراءاتها دون مستوى الحد منه. فالمشرّع العراقي، وفقا للدكتور رياض السندي( لم يورد تعريفا محددا لـ (التحرش) في قانون العقوبات العراقي رقم 111لسنة 1969 المعدل النافذ، بل اورده ضمن الجرائم المخلة بالاخلاق والاداب العامة حيث نصت المادة 402 منه على ان:

1- يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين دينارا او باحدى هاتين العقوبتين :

أ- من طلب امورا مخالفة للاداب من آخر ذكرا كان ام انثى،

ب. من تعرض لانثى في محل عام باقوال او افعال او اشارات على وجه يخدش حياءها).

ويضيف بأن تعريف التحرش الجنسي ورد (في قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 النافذ بأنه اي سلوك جسدي او شفهي ذو طبيعة جنسية، او اي سلوك اخر يستند الى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال ويكون غير مرغوبا وغير معقولا ومهينا لمن يتلقاه ويؤدي الى رفض اي شخص او عدم خضوعه لهذا الوضع صراحة او ضمنا لاتخاذ قرار يؤثر على وظيفته، ونصت في المادة 11 منه بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر وبغرامة لا تزيد على مليون دينارا او باحداهن). ومع ان هذه العقوبة تبدو مقبولة لكنها تتعرض لأنتهاكات في التطبيق فضلا عن عدم وجود ثقافة اعلامية تشيعها بين الشباب بشكل خاص.

ولأن اصلاح العملية السياسية في العراق امر صعب ما يعني انها ستبقى منتجة للأزمات فان هنالك أربعة مصادر قوية يمكنها ان تحول دون تحول التحرش الجنسي الى ظاهرة تتمثل بالأسرة لاسيما متابعة الفتاة من حيث نوعية ملابسها، مساحيق الزينة، وطريقة مشيها في الأماكن العامة، والحركات ونظرات العيون وكل ما يجذب المتحرش او يفهمه بانها دعوة ليتقدم، والمؤسسات التربوية، ووسائل الأعلام، ورابعها خطباء الجوامع والحسينيات.

ولتحقيق ذلك، فأن الأمر يتطلب عقد ندوة علمية تخرج بتوصيات ملزمة، يشارك فيها ممثلون عن الحكومة(وزارة الداخلية)، ومجلس النواب، واكاديميون ورجال دين.. ونقترح على وزارة الثقا فة او وزارة التعليم العالي ممثلة بمركز البحوث النفسية.. القيام بهذه المهمة الأخلاقية النبيلة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

رئيس المجلس الاستشاري للثقافة والاعلام بالعراق

الأتحاد الدولي للصحافة العربية