ان العدالة في بلاد الرافدين كانت تتم في المحاكم التي يمكننا ان نميّزها وذلك من خلال الخطوط العامة الأجرائية وهنالك بعض السمات التي يمكن ان نعتبرها قديمة وهنالك ايضاً اعتراف واضح بأن الحقائق يتم جمعها قبل اصدار الحكم وهنالك علاقة ثابتة بين الجريمة والعقاب. وان سجلات المحكمة ووقائعها جعلت الامر اكثر وضوحاً بحيث يعتبر دليلاً قاطعاً ومن الممكن ان تكون شفوية او مدونة. ان الشهادة الشفوية يتم اخذها عادة من قبل المتخاصمين ويعزز ذلك الاٍدلاء الشفوي للشهود من الجانبين ومن هذه البيانات لابد من وجود شيء ما يكون صحيحاً فاذا لم تكن الحقائق واضحة يعمد القاضي الى اتخاذ خطوات للبحث عن الحقيقة . ولربما يكتبون الى السلطات المحلية ليقوم بارسال شهود او يتم الطلب من السلطات المحلية للقيام بالتحقيق موقعياً وهنالك نص يبين لنا ان القضاة استدعوا امامهم الشهود الاصليين في مسألة بيع بيت وقد دونوا ذلك في (نفّر) حيث ذكروا بأن الشهود تم استدعائهم من اجل التأكيد على الدليل الذي قدمه قبل سبع عشرة سنة في حالة نزاع حول الأبوة وهنالك شهادة للجدّة في ذلك الوقت والتي توفيت في الوقت الحاضر . ان قضايا من هذا النوع تعكس لنا ان الوثائق التي تعتبر نافذة قانونياً هي في الحقيقة تعتبر دليلاً مقبولاً على الرغم من ان المحاكم تفضل ان يتم تعزيزها بشهادة شفوية. وفي احدى القضايا وافق القضاة على نص عمره 52 سنة على الرغم من ان اللوح كان بحالة سيئة وقد تعرض للكسر ولذلك تمت قراءة اللوح من الداخل .

القسم واداء اليمين

عندما يتم الادلاء بالشهادة شفويا امام المحكمة فان الشهود يتم وضعهم تحت القسم كما هي الحال في الوقت الحاضر وهذا امر مألوف وكذلك لا يتم ذكره . كما ان اليمين يؤخذ في الصفقات القانونية اليومية وهي بكل بساطة وعد بعدم الاخلال بالاتفاق. وفي الحقيقة لدى المحاكم صيغ مقدمة وقانونية للاستئناف خاصة عندما يصبح من المستحيل اتخاذ أي قرار على المستوى البشري وذلك اما عند غياب الدليل او وجود ادلة متناقضة ويعدّ يمين التطهير سمة عامة للأنظمة القانونية القديمة حيث كانوا يأخذون بنظر الاعتبار العقوبات البشرية والالهية وفي الحقيقة هو الخوف من الحنث في اليمين حيث كانوا يخشون عواقبه التي تتمثل بالانتقام الالهي وهذا من الممكن ان يتم بصورة مستقلة تماما عن السياق القضائي. وعلى كل حال فان اخذ اليمين يمثل في كل الاحوال دليلاً على المستوى البشري وكما هي الحال في القانون الروماني فان اليمين يظهر بانه له علاقة مع القضايا ضمن المعرفة الخاصة للطرف الذي يعرض عليه . اما الامثلة على هذه الصيغة في الفترة البابلية القديمة فإنها قضايا تتعلق بالميراث وتوزيعه وفسخ شراكات الاعمال. ففي قانون حمورابي ان الراعي الذي فقد غنماً او خروفاً بسبب هجوم من اسد او بسبب المرض الذي يحدث عادة من دون وجود ي شهود فإنه من الممكن ان يطهر نفسه امام الاله وان مالك القطيع عليه ان يقبل الخسارة منه (المادة 226 حمورابي). يرجع هذا المبدأ الى فترة اور الثالثة حيث كان الرعاة يؤدون القسم في المعبد للاله فين – ماركي بسبب فقدان الاغنام . وقد تم اتباع هذا الأسلوب ايضا عندما تكون هناك شهادات متناقضة ولذلك تطلب المحكمة من المدعي عليه بأن يذهبوا الى المعبد ليؤدوا القسم على رمز الاله مثل سلاح مردوك. وفي بعض الاحيان يصبح الرمز الالهي موضع نزاع وبصورة خاصة عندما ينشب نزاع في قضايا الملكية فان القضاة ربما يقررون بأن العقوبة الالهية مطلوبة على الفور ويتم ارسال رمز الاله من اجل اداء القسم من قبل اطراف انزاع وكما هو معروف يعدّ ايجار السلاح الالهي مصدرا لدخل رجال الدين. ففي الفترة البابلية القديمة رمز شمش يدور في اراضي المعبد . وفي الوقت الذي يكون لقدسية اليمين اثر فعّال في الكثير من القضايا فإن احتمال الحنث باليمين وارد وذلك بوجود عقوبة معينة تتمثل بالمحنة النهرية او الاختبار النهري او ما يعرف بالتحكيم الالهي. ففي عهد حمورابي وباتباع التقليد الذي يعود الى اور الثالثة وقانونها فان المحنة النهرية كانت مخصصة لقضايا تتعلق باتهام خطير لا يمكن اختباره الا بهذه الوسيلة ومنها ومن هذه الاتهامات الخطيرة السحر والشعوذة والزنا والقتل ان استعمال المحنة لفض النزاعات والاتهامات ذات الطبيعة الخطيرة وخاصة مهنة السحرة كانت شائعة في مجتمعات عديدة وبخاصة في اوربا وفي بلاد وادي الرافدين كانت هذه العقوبة واردة وان القرارات القضائية تبين بأن المحنة النهرية كانت تستعمل في فترة اكّد لحسم قضايا مدنية وخاصة الملكية المتنازع عليها او الديون وان النتيجة كانت عقوبة صارمة تقع على مثل هذه المسائل الثانوية. ان اعتماد الشهادة الشفوية قد تؤدي كما هي الحال في الصفقات الى نزاعات يصعب حلها في المحاكم في حيث ان السجل المدوّن يضمن بأن النزاع لا يصل الى المحكمة وانه بالامكان ايجاد حل للمشكلة .

موظفي المحكمة وتنفيذ الحكم

لقد لاحظنا ان بعض الوثائق المختومة تعدّ سجلات نهائية لقرارات المحكمة وان دليلنا لسير المحاكم جاء من وثائق تحت عنوان قضايا قانونية متكاملة. وفي الفترة البابلية القديمة كان هنالك لوح حول التصريح المقدس الذي يعدّ ايضاً مهماً  هو الآخر وبكل بساطة تقدم  لنا سجلاً من قرار المحكمة وتشير ايضاً الى ما يتوجب عمله من اجل ايجاد حل للقضية مثل الخضوع للمحنة او الى قسم آخر . وهنالك حاجة لموظفي المحكمة من اجل مراقبة هذه المراحل النهائية. ففي فترة اور الثالثة فان موظف المحاكم يسمى ماشكيم عبارة عن عضو في جمعية مشكّلة من القضاة انفسهم ويعتبرون مسؤولين عن تنفيذ العقوبات على الرغم من عدم وجود أي ذكر لذلك في مصادرنا . وفي خارج نطاق المحاكم البابلية القديمة فان ذراع القانون هو الشرطي وبكل بساطة كان يسمى الجندي حيث كان يحمل الطفل الوليد الى المحكمة لكن يتم تسجيل ولادته او ان يقوم بزيارة الى بيت لاستعادة ممتلكات . وهناك ايضاً موظف محكمة موجود وهو الحلاّق الذي كان يتم جلبه لكي يقوم بحلاقة العبيد بتسريحة معينة ولكن فيما بعد كان له مهام اخرى مثل تحطيم الالواح التي لم تعد نافذة وذلك بامر ملكي ويعتبر المبلغ تحت تصرف المحكمة على الرغم من ان دوره هو فقط تبليغ المعلومات للجمهور وخاصة المعلومات التي لها تطبيقات قانونية وادارية. وفي حالة فقدان الختم يجب اعلان ذلك  من قبل المبلّغ ولذلك فإن الوثائق التي سوف يتم ختمها بعد تاريخ فقدان الختم سوف لا تكون نافذة وقد ذكر قانون حمورابي الأعلان الذي يقوم به المبلغ عند بيع البيوت وكذلك الصفقات القانونية الأخرى .

الصفقات النافذة قانونياً

تعتبر الوثائق المختومة سابقا استثنائية وذلك بتسجيل النفاذ الرسمي للمؤسسة القضائية لمشاركة المبلغ في البيع ولكن من الواضح بدأت المحاكم تقبل اية انواع من النصوص المدونة باعتبارها دليلاً ويتم ختمها وتصديقها ومراقبتها من قبلهم . وقد تطلب قانون حمورابي انه في بعض الحالات لابد من وجود وثيقة مدوّنة وهذا يعني ان القانون لا يعترف بخلق وثيقة كأساس للصفقة ولكن يقبلها كدليل اي ان الصفقة قد تمت فعلاً وذلك بطريقة نافذة قانونياً. ولم نجد في أي مصدر تعريفاً لما يمكن ان يجعل الصفقة نافذة قانونياً ولكن من خلال التطبيقات القابلة للملاحظة على الوثائق نفسها ومن خلال ملاحظات في تقارير المحكمة يمكن وضع معايير معينة .

وفيما اذا كانت الوثيقة رجعية الاثر أي انها سجلت صفقة متكاملة مثل بيع ارض او بيع عبد فإنها تثبّت التزاماً يقع على احد الطرفين ولابد من وجود دليل يتمثّل بكلمات معينة يتم النطق بها وافعال معينة يتم القيام بها بحضور اشخاص معينين. وهنالك اركان الصفقات القانونية موجودة قبل ان يفكّر أي شخص في تدوينها وهذه موجودة في تقليد من الالفية الثالثة في بلاد وادي الرافدين وفي ظروف خاصة تم طلب كتابة وثيقة فيما يخص الدعوة القانونية .

الصيغة الشفوية

لقد اعترفت كل الانظمة القانونية بصفة الكلمات ويفضّل المحامي ان يطلق عليها تسمية الشهادة الشفوية وهي في الحقيقة القيام ببلاغ شفوي معيّن امام شهود ان الصيغة المعروفة للادلاء الشفوي في مجتمعات الوقت الحاضر هي صيغة الزواج حسب الشريعة الاسلامية ولربما الطلاق والصيغة المعروفة بثلاث مرات وهذا يمكن ان يكون صحيحاً في بلاد وادي الرافدين القديمة حيث ذكر  حمورابي في قوانينه (المادة 128 – والمادة 264 والمادة 122-123) وان المكونات الضرورية لهذا العقد مهمة وقد تم عرض بعض العقود بصورة مقنعة اثبتت انه لا حاجة لوثيقة مكتوبة ولابد من وجود مراسيم معينة تصاحب ذلك وفي بعض الحالات في اور الثالثة يقوم الخطيب بأداء القسم بحياة الملك. وبالنسبة لعقد الزواج الفعلي فإن الصيغة التقليدية للكلمات يمكن استنتاجها من النص الأدبي الأخير وذلك من الصيغة المنفية التي تم اقتباسها في سياق الطلاق (أنك لست زوجتي) وهذا يطبق ايضاً على التبّني حيث يقول (أنت ليس أبي). وعندما نشير الى تشكيل عقد الزواج يقدم لنا قانون اشنونا تفاصيل اكثر من قانون حمورابي حيث لا يذكر فقط العقد الشفوي وانما هناك وجبة طعام رسمية يتم تقديمها لوالدي العروس، ويتم اتباع هذه الطريقة من اجل التأكيد على حقيقة ان بعض الحركات الشكلية تصاحب الصفقات القانونية . حيث اننا لا نزال نتصافح بالأيدي من اجل ابرام مساومة او نضع حلقة في مراسيم الزفاف. ان هذه الافعال لا تعتبر تكوينية من الناحية القانونية ولكن عندما تتم بحضور شهود تصبح نافذة . ففي الألفية الثالثة هنالك نصوص تشير الى نقل ملكية العبد لأن العبد مهيأ لذلك وهذا يعدّ رمزاً للعبودية وهنالك افعال رمزية أخرى تم ذكرها في الوثائق القانونية من ضمنها إيماءات استعارية مثل رمي قطعة في القناة للإشارة الى أن الأرض قد تم شراءها وهنالك أيضا حركات يتم استعمال أعضاء الجسم فيها منها الضرب على الجبهة كعلاقة للرغبة في التصرف كضامن وفي فترات اور الثالثة هنال أيضا بعض الدلالات الرمزية التي لها معاني متعددة. وقد علمنا ذلك أيضا من الوثائق ان كل هذه الاعمال وصلت الينا عن طريق الوثائق القانونية اذ ان هذه الحركات الرمزية صاحبها تطور في التقاليد القانونية الأخرى. ففي القرن الثامن الميلادي كان نقل ملكية الأرض في انكلترا الانكلوساكسونية  يتم بوضع تربة على المذبح إلا أن هذا اختفى فيما بعد ومن دون شك في الفترة التي سادت فيها الأمية كان لهذه المراسم الرمزية أهمية معترف بها وغير قابلة للخطأ وكانت في بعض الاحيان تعتبر بديلا عن غياب السجل المدون وفي كلا السياقين هنالك فترة الى ان مثل هذه الاعمال قد حدثت فعلا.

 

الدكتورة هبة حازم محمد مصطفى النعيمي

كلية الآثار – جامعة الموصل

 

عدنان عويدسؤال طرح نفسه على المهتمين بالشأن الفكري والفلسفي منذ بداية وعي الإنسان لنفسه، وهو: ماهي القوى التي تحرك التاريخ البشري وتشكل سيرورته وصيرورته، وتدفع بعلاقاته في سلبها وإيجابها إلى الواقع الذي نعيشه، حتى يترك أثره في حياتنا الخاصة والعامة؟.

نقول: إذا كان الفكر الطفولي للبشرية قد حصر هذه الحركة بقوى أسطورية تمثلت بهذا الإله أو ذاك من الآلهة البدائية التي اخترعها الإنسان نفسه لضبط علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المراحل الأولى من حياته، وغالباً ما تعددت هذه الآلهة وتقاسمت الأدوار والمهام في قيادة أو إدارة هذه الحركة أو تلك من حركات المجتمع، حيث وجدنا إلهاً للمطر وآخر للحرب وآخر للجمال والحب.. إلخ. إلا أن هذه الاجابات على هذا السؤال راحت بُختزل شيئاً فشيئاً بإله واحد متعال بالنسبة للخطاب الديني، بينما راحت عند الفلاسفة تأخذ منحاً آخر يتعلق بالإنسان نفسه وطبيعة علاقاته بكل مستوياتها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

نعم... لقد تعددت الاجابات عند المهتمين بالشأن الفلسفي والديني على هذا السؤال. حتى أخذت هذه الاجابات تأخذ طابعاً سلوكياً عبر التاريخ لعبت السياسة فيه (السلطة) دورا كبيراً ترك آثاره  بالضرورة على جملة حياة المجتمعات منذ أن طُرح هذا السؤال حتى اليوم.

على هذه السؤال: أجاب رجال ومشايخ الدين السلفيين في الديانات السماوية الثلاثة، بأن كل شيء مخلوق لله، وهذا ما قال به     في الخطاب الإسلامي مثلاً الأشاعرة والحنابلة والماتريدية والوهابية، وكل من يقول بالجبر من القوى السلفية.

وهناك مَنْ قال مِنْ  الفلاسفة الإسلاميين : إن الله خلق الكون ولكن لم يتدخل في الجزئيات التي ترك الله الأمر فيها للإنسان، كابن رشد والعديد من رجال التيار المعتزلي. فجزئيات هذا الكون عندهم لها قوانينها (سننها) الموضوعية التي تتحكم في آلية حركة ظواهر هذا الكون، وما على الإنسان إلا السعي لاكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتسخيرها لمصلحته، ثم إن الإنسان نفسه هو المسؤول عن أفعاله في خيرها وشرها، وعلى أساس ذلك يأتي الثواب والعقاب. في الوقت الذي نرى فيه من يقول من هؤلاء الفلاسفة الاسلامين إن الله لا يفعل، أو يأتي الشر من عنده، بل من الإنسان نفسه، أما الخير فمن عند الله، وهو الرحمن الرحيم.

التاريخ في الفلسفة الأوربية:

فهذا هيجل يقول: إن محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة. والفكرة المطلقة عنده، هي الصيغة العليا للفكرة بعد أن تجلت مفهوماً، كما هو الحال في ظاهرات الدولة والفن والفلسفة والدين، حيث تحولت هذه المفاهيم عند هيجل إلى فكرة مطلقة، تحوز على قوة قادرة عبر حواملها على تحريك الفراد والمجتمع، وبالتالي التاريخ. وحول الفكرة المطلقة انقسم طلاب هيجل  ومتابعي فكره، فمنهم من اعتبرها (الله) مثل "فرانسوا شاتيليه"، ومنهم من اعتبرها المفهوم في أعلى مراتب تكونه مثل فيورباخ وفورباخ وحتى هيجل نفسه، حيث يصل المفهوم هنا في تجليه بعد سيرورة وصيروة تاريخية طويلة إلى قوة يستطيع الفرد والمجتمع أن يعيد تشكيل الحياة من خلاله.. والمفهوم عند هيجل تجلى في الفن والفلسفة والدين والسياسة وخاصة (الدولة) كما أشرنا أعلاه.

أما فيورباخ: فقد رد عن الفكرة المطلقة قائلا: لا، ليس محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة، بل هو الانسان الملموس. أي الإنسان الذي يمارس نشاطه في هذه الحياة بغية تحقيق مصالحه. فالمفهوم عند "فيورباخ" يظل مجرداً، بينما يقوم الإنسان وحده في تشخيص التاريخ، أي إكسائه بحوادث فردية واجتماعية من خلال نشاطه اليومي والبحث عن مصالحه وتامين حاجاته، وإن العلاقات التبادلية بين الناس هي من يولد حركة التاريخ.

أما  "فرويد": فقد اعتبر بدوره أن محرك التاريخ، ليس هي الفكرة المطلقة، ولا الانسان الملموس، بل هو تسامي الطاقة الجنسية. فالجنس عنده (الليبدو) هو من يحرك التاريخ.

والتحليل النفسي عند الفرويدية يعتمد على شرطين رئيسيين: الشرط الأول ، الوراثي ، الذي يشير إلا أن التجارب التي يختبرها الطفل في مرحلة الطفولة لها تأثير هائل على تكوين شخصية في مرحلة البلوغ. أما الشرط الثاني، فجوهره يقوم على تلك الطاقة  الجنسية أو الرغبة الجنسية الأولية التي حاز عليها منذ البداية .

إن الغريزة الجنسية كما يرى فروريد يصبح لها دور كبير في سيرورة وصيرورة الحياة الاجتماعية للفرد والمجتمع معاً أثناء التطور البشري، حيث تمر الغريزة الجنسية (اللبيدو) بعدة مراحل وهي (المرحلة الفمية، والمرحلة الشرجية، والمرحلة القضيبية، المرحلة الكامنة، والمرحلة التناسلية)، وليس هنا مجال لشرح هذه المراحل، لأن الذي يهمنا هنا هو أن التطور البشري يُمثلُ في جوهره تلك العلاقة الوثيقة بين الغرائز، والنشاط الجنسي عبر مراحل تطوره، وحركة التاريخ.

إن  الاجابة على السؤال في التحليل النفسي بشكل عام تقوم على عزل الفرد عن محيطه الاجتماعي وإعطاء الدور والقدرة لتخيلاته وشعوره الباطني وغرائزه على تقديم كل ما يساهم في تحريك الطاقة النفسية عنده، كي تقوم هذه الطاقة بخلق أعمالها أو نشاطها كما تتصوره، وهنا تقوم حركة التاريخ.

أما سارتر فمحرك التاريخ عنده: لا هذا، ولا ذاك، بل هو المعنى الوجودي المادي. فالوجود المادي للإنسان الذي فقد لحمته الاجتماعية وكل ما يحقق له الأمان، ساهم في دفع هذا الإنسان إلى البحث عن نفسه داخل عالمه الخاص به بالطريقة التي يجدها مناسبة له. أن الوجود عند سارتر يسبق الجوهر، وهو ما يعني أن الاعتبار الأكثر أهمية للأفراد هو كونهم أفرادا (كائنات حية مستقلة ومسؤولة وواعية) بدلا من أي وصم أو دور أو قالب نمطي (نمذجة) أو تعريف أو أي تصنيف مسبق يمكن وضعهم فيه والقول بأنه جوهر هذا الإنسان . إن الحياة الفعلية المباشرة والبعيدة عن التكلف للأفراد هي ما يكوّن وما يُطلق عليه "جوهرهم الحقيقي" بدلا من كونه جوهرا اعتباطيا يستخدمه الآخرون لتعريف بعض الأفراد. وبالتالي فإن البشر، من خلال وعيهم بوجودهم المباشر الطبيعي البعيد عن التكلف والنمذجة، يخلقون قيمتهم الخاصة ويحددون معنى لحياتهم.

أما ميشيل فوكو فيقول: إن كل ذلك الذي قال به الفلاسفة مجرد أوهام.. فمحرك التاريخ الحقيقي هو السلطة.

يقول فوكو: حيثما وجدت السلطة توجد المقاومة، فالسلطة ليس لها الهيمنة المطلقة والثابتة، بل إنَّ المقاومة وبأشكالها المختلفة تخترق السلطة، فهي لا تمارس دورها من باب القانون، أو ما يُسمَّى بحقّ المقاومة، بل إنَّ السلطة والمقاومة تتجابهان بتكتيكات متغيّرة متحرّكة ومتعدّدة، في إطار حقل علاقات القوَّة، أي ليست في إطار القانون والسيادة، ولكن في إطار الصراع والاستراتيجيَّة التي يتوجّب تحليلها. والسلطة هنا لا يعني بها الدولة فحسب، بل كل ظاهرة لها دورها وتاثيرها على الفرد والمجتمع. فهناك السلطة الثقافية بكل انساقها، وهناك الأخلاقية والاقتصادية.. الخ.

هذا وقد ارتكزت رؤية ميشيل فوكو الأبستمولوجيا على النظرية البنيوية التي تأتي في سياقها العام : منهج بحث مستخدم في عدة تخصصات علمية تقوم على دراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية المكونة لبنى يمكن أن تكون عقلية مجردة، لغوية، اجتماعية، ثقافية. ... من خلال هذه الشبكات البنيوية يتم إنتاج ما يسمى "المعنى" meaning عبر شخص معين أو نظام معين أو ثقافة معينة.

أو عند ليفي شتراوس: فإن  للأثنلوجيا أو الأنثروبولجيا، وهي أيضاً رؤية تصب في البنيوية، ولكنها تركز على حياة المجتمعات القديمة وحتى المعاصرة من خلال دراسة التطور التاريخي لهذه المجتمع أو ذاك، والبحث عن العوامل التي تساعد على تطور تاريخ  المجتمعات من داخلها ذاتها. فللجماعات أو الشعوب أو المجتمعات حياتها الخاصة بها، وهذه الحياة بما تتضمنه من عادات وتقاليد ولغات ومهارات وما يقوم بين أفراد هذه المكونات المجتمعية من علاقات مادية وثقافية / روحية، هي من يقوم بتحريك التاريخ المجتمعي وإعطاء هذا المكون الاجتماعي او ذاك ملامحه المتميزة عن غيره.

أما عند ماركس: فالإجابة عن سؤال من الذي يحرك التاريخ البشري، فتأتي ممثلة بالعلاقة التناقضية الجوهرية على صعيد الانتاج المادي. أي  علاقات الانتاج بمعناها العام مع الطبيعة في مرحلة أولى، ومع البشر والطبيعة في مرحلة لاحقة. وعلى أساس علاقات الانتاج وملكية وسائل الانتاج، قامت التناقضات والصراعات الطبقية داخل بنية المجتمع بين المالك والمنتج. هذا الصرع الطبقي وتناقضاته، هو محرك التاريخ البشري، أو العنصر الموضوعي في حركة التاريخ.

هكذا ظل إذن كل فيلسوف يدلو بدلوه، ولائحة الفلاسفة الذين رشحوا أنفسهم للإجابة عن هذا السؤال المحير، لائحة كبيرة.

وقد تأتي الاجابة عند السياسيين أيضاً مختلفة، فهي عند هذا تكمن في الشورى، وعند ذاك في الديمقراطية، وعند الآخر في الوراثة، وقد نجدها في الأنظمة الاستبدادية قائمة في شخصية هذا الحاكم أو ذاك الذي يجد في نفسه القدرة على اختزال حركة الدولة وتاريخها في شخصه، كما هو الحال عند "لويس الرابع عشر" الذي وجد بأنه هو الدولة والدولة هو.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الخامس عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، حيث نتحدث عن الدور الأمريكي وفكرة ضرب اليابان وفي هذا يقول وهبة طلعت: كانت أمريكا تعلم تمام العلم أنه يستحيل عليها الانفراد بحكم العالم معتمدة في ذلك علي الأسلحة التقليدية وحدها؛ فالتجربة البشرية علي مر العصور قد علمتها أن التسليح التقليدي وحده يمكن أن يكون فعالا علي نطاق محدود فقط، ويستحيل أن يكون كذلك علي النطاق الشامل . كما أن تجربة الحربين بالذات قد كشفت لها صدق هذه الحقيقة. ومن ثم أضحت علي وعي تام بأن حكم العالم لن يكون ممكنا إلا إذا توافر إلي جانب الأسلحة التقليدية سلاح آخر تبلغ فعاليته حد الشمول الذي يعم الكل أو الجميع في لمح البصر. ولهذا سارت أمريكا في هذا الاتجاه منذ البداية إلي أن توصلت في نهاية المطاف إلي اختراع هذا السلاح الذي سمي باسم السلاح النووي أو القنابل الذرية أو وسائل التدمير الشامل .

ولكن اختراع هذا السلاح هو شئ، واستخدامه هو شئ أخر تماما؛ فقرب نهاية الحرب العالمية كانت أمريكا تمتلك بالفعل هذا السلاح كما يري وهبة طلعت، غير أنها كانت تفكر في طريقة لاستخدامه استخداما عمليا حتي يقتنع البشر أنها تمتلكه بالفعل، وأنها لن تتواني عن استخدامه مرات ومرات إذا كانت هناك ضرورة تحتم ذلك . وقد كانت أمريكا تدرك تماما أنها لن تستطيع أن تكتفي بمجرد التلويح باستمرار وإلي الأبد بأنها تمتلك هذا السلاح، وذلك لأنها تعلم تمام العلم أن أحدا من البشر لن يصدقها، وحتي إذا صدقتها سائر الدول، فسوف يشكون في قدرتها علي استعماله بالفعل منتهكة بذلك سائر الشرائع والقوانين الوضعية والإلهية، والأمر الذي يعني في هذه الحالة أن امتلاكها لهذا السلاح يساوي في حقيقة الأمر عدم امتلاكها له بمعني أنه لن يكون سلاحا رادعا بأي حال من الأحوال . لهذا استقر عزم أمريكا علي ضرورة بل وعلي حتمية استخدامه حتي نثبت للعالم أجمع أنها تمتلكه بالفعل من ناحية، وحتي تثبت لهم، من الناحية الأخري، أنها لا تتورع عن استخدامه في أي مكان إذا لزم الأمر وما دام في ذلك مصلحة أمريكا .

غير أن المشكلة الحقيقة التي كانت تواجه أمريكا لم تكن تكمن في استخدام هذا السلاح، بقدر ما كانت تكمن في أين، وفي أي مكان في العالم يجب استخدامه؟ لقد كان من المحال عليها في ذلك الوقت بالذات استخدام هذا السلاح علي أرض أوروبية .

فالأوروبيين هم أصلا أجداد الأمريكيين الذين تربطهم بهم روابط وطيدة تقف علي رأسها رابطة الدم أو العرق الأمر الذي يجعل إجراء مثل هذا العمل علي الأرض الأوروبية شيئا مستهجنا – وإن لم يكن مستحيلا لأن أمريكا علي استعداد لعمل أي شئ يحقق لها مصالحها – حتي بالنسبة لرجل الشارع في كل من أمريكا وأوروبا كما يري وهبة طلعت.

هذا بالإضافة إلي أن إجراء مثل هذا العمل علي أرض أوروبية سوف يجعل أمريكا تخسر كل أوروبا في ذلك الوقت، وستبدو في نظر العالم كما يري وهبة طلعت علي أنها دولة قامعة مكبلة للعالم لا دولة محررة له، وهذا شئ لم تكن أمريكا ترتضيه لنفسها في ذلك الحين لأنها لم تكن تمتلك بعد كافة الوسائل التي تمكنها من إحكام قبضتها علي العالم دون مساعدة أحد، ولهذا كان من المحتم عليها مهادنة الأوروبيين حتي تستخدمهم كأداة تستعين بها في إحكام قبضتها علي العالم إلي حين امتلاكها لكافة الوسائل التي تمكنها من الانفراد بحكم العالم دون مساعدة من أحد .

من هذا المنظور يقرر وهبة طلعت أنه علي الرغم من أن أمريكا كانت تملك كافة الوسائل لتدمير العالم في ذلك الوقت، إلا أنها لم تكن تمتلك بغد كافة الوسائل التي تمكنها من التحكم فيه معتمدة في ذلك علي نفسها – فهي مثلا لم تكن تمتلك بعد كافة الوسائل التي تمكنها من الانتشار السريع في كل مكان – ولهذا فضلت كسب ولاء الأوروبيين وبالتالي العالم أجمع حتي تضمن تقبل العالم لها باعتبارها دولة تريد نشر العدل والحرية والمساواة بين بني البشر، بدلا من النظر إليها علي أنها دولة دكتاتورية تريد قهر العالم أجمع واجهاضه لإرادتها الأمر الذي كان سيجعل مهمتها في حكم العالم مهمة صعبة في ذلك الوقت، حتي وإن كانت غير مستحيلة . لهذا فضلت كسب ولاء الأوروبيين .. ولكن إلي حين .

واستقر عزم الأمريكان علي اليابان باعتبارها الدولة غير الأوربية الوحيدة التي كانت تتمتع بشئ من التأثير الفعال في الحرب كما يري وهبة طلعت ؛ هذا هو السبب الذي جعل أمريكا تعمل عزل اليابان منذ دخولها الحرب وتؤخر أو تؤجل التعامل معها حتي أو لحظة وذلك حتي تنفرد بها انفراد بأحد أفراد القطيع – وبعد أن يكون الأوروبيون قد دمروا بعضهم البعض تماما- وحتي تجد أيضا سببا علنيا مزعوما تضحك به علي العالم وتجعله يتوهم أنها أقدمت علي ضربها لليابان اضطرارا علي طريقة مكره أخاك لا بطل .

وعندما وصلت الحرب إلي النقطة التي أيقنت عندما أمريكا أن أوربا قد انتهي أمرها، تحولت إلي اليابان ؛ واليابان كانت لا تزال تنبض بالطبع بشئ من القوة المزعومة بسبب عزل أمريكا لها لبعض الوقت عن دائرة الصراع كما يري وهبة طلعت. فعزلها لم يحدث بمحض الصدفة بل كان مدبرا من جانب أمريكا حتي توهم العالم بأن اليابان لازالت قوة خطيرة مدمرة يستحيل القضاء عليها بالأسلحة التقليدية ؛ وهكذا خلقت أمريكا الفرصة وأوهمت العالم أجمع أنها لا تستطيع الاستمرار في محاربة اليابان بالأسلحة التقليدية لأ، هذه الحرب سيطول مداها، ومن الأفضل للبشر وللبشرية الإسراع في إنهائها في أقصر وقت ممكن عن طريق عمل عسكري من نوع خاص لم تشهد البشرية مثله من قبل .

وقد كان وضربت اليابان بالقنابل الذرية تحت مسمع ومرآي العالم أجمع كما يري وهبة طلعت ؛ وفرح العالم بإنتهاء الحرب، وصفقوا لأمريكا لكونها أسرعت في إنهاء الحرب التي طال مداها وحاقت بالجميع – عدا أمريكا بالطبع – غير دارين أن ضرب أمريكا لليابان بالقنابل الذرية كان في حقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة الشرك الذي وقع فيه العالم أجمع ولن يستطيع الفكاك منه إلي الأبد .

ولهذا يقول وهبة طلعت : لتعلم عزيزي الإنسان أن الاعتقاد الشائع الذي مؤاده أن ضرب أمريكا لليابان بالقنابل الذرية كان من أجل الإسراع في إنهاء الحرب هو اعتقاد زائف ؛ فالتاريخ يشهد أن اليابان كانت علي وشك الانهيار، إن لم تكن قد انهارت بالفعل، مثلما في ذلك مثل سائر أطراف الصراع، في الوقت الذي انفردت بها أمريكا . وحتي البقية الباقية من القوات اليابانية سرعان ما دمرتها أمريكا تماما معتمدة في ذلك علي قوتها التقليدية وحدها .

لقد ضربت طيرانها، وحطمت أسطولها، وقضت علي قوتها البرية من دبابات ومدفعية وغيرها، وأصبحت اليابان مفتوحة تماما وبلا أي غطاء جوي يحمي سماءها، وبلا قوات برية يمكنها أن تدافع عن برها كما يري وهبة طلعت، ولقد كان من السهل تماما علي أمريكا محو اليابان نفسها من علي خريطة العالم بواسطة الطيران التقليدي وحده الذي كان بإمكانه إنجاز هذه المهمة في أسرع وقت بأقل – إن لم يكن بدون – خسائر ممكنة . ولكن أمريكا لم تسلك هذا السبيل، لأن النية كانت مبيته والعزم كان موطدا علي استعمال القنبلة الذرية .

ولكن لماذا القنبلة الذرية بالذات؟، يقول وهبة طلعت : هكذا يجب أن نتساءل علي استحياء . إن الإجابة علي هذا السؤال هي أن أمريكا كانت تريد أن تقدم للبشرية برهانا عمليا علي امتلاكها لوسائل التدمير الشامل بدلا من مجرد الاكتفاء بالتلويح والتهديد به . هذا بالإضافة إلي أن ارادت أن توضح للعالم وبصورة عملية مدي حجم الخسائر التي تنجم عن استعمال هذ السلاح الفتاك . وعلاوة علي ذلك يمكن القول إن أمريكا أرادت أن تثبت للعالم أنها لا تتورع عن استخدام هذا السلاح في أي وقت تشاء وضد أي دولة كائنة ما كانت دون مبالاة حتي بأبسط القواعد والقوانين والشرائع المتعارف عليها ما دام في ذلك مصلحة أمريكا . وأهم من كل هذا وذاك أن أمريكا أرادت ردع العالم من خلال ضرب اليابان، وذلك علي نظام أضرب المربوط يخاف السايب، حتي تجبر العالم علي الامتثال لها والرضوخ لكل شروطها ومطالبها .

في ضوء كل ما سبق يمكن القول إن الحربين العالميتين هما حربان أوروبيتان أساسا – حتي وإن شارك فيهما العالم أجمع – كان الهدف منهما تقديم إجابة حاسمة علي السؤال: من يحكم العالم؟ وسائر هذه الدول لم تنجح في تقديم الإجابة لأن توازن ميزان القوي بين سائر الأطراف قد حال دون ذلك وأفضي في نهاية المطاف إلي تدمير سائر الأطراف لبعضها البعض كما يري وهبة طلعت .

وحكم العالم حسم في نهاية المطاف لصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت في مهادنة الكل – يدخل في ذلك الهتلريون أنفسهم – مثلما نجحت في جعل الكل يحارب الكل، الامر الذي أدي إلي جعل الكل يدمر الكل لصالح أمريكا وحدها . لهذا يقول وهبة طلعت: أكرر من جديد إنني لا استبعد علي الإطلاق أن تكون أمريكا قد اتفقت مع هتلر – في الخفاء علي الأقل – علي أن ينفذ لها أهداف الخفية – أو قد تكون دفعته إلي هتلر دفعا سواء عن طواعية وطيب خاطر أو عن طريق التغرير به – أعني تدمير قوات الحلفاء، مثلما اتفقت في العلن مع قوات الحلفاء علي مساعدتها في تدمير قوات هتلر. وإذا كان الحلفاء قد رحبوا بانضمامهم لأمريكا في العلن، فليس من المستبعد أن يكون هتلر قد فعل نفس الشئ مع امريكا في الحلفاء – سواء بإرادته أو حتي رغما عنه – خاصة بعد أن ضاف الخناق عليه وأصبح أشبه بالفريسة السهلة في أيدي الحلفاء . لقد انقذته أمريكا من براثن الحلفاء لقاء رضوخه – بإرادته أو مرغما، عن وعي أو عن غير وعي – لمطالبها . هذا يفسر السر في عدم تمكن العالم حتي الآن من الوقوف علي حقيقة مصيره .

قد تكون هناك تكهنات حول هذا المصير، ولكن ليست هناك حقائق يقينية علي الإطلاق. والأمر كله لا يخرج في اعتقاد وهبة طلعت عن أيدي الامريكان الذين أصبحوا حراسا للعالم – أو حكاما له – في أعقاب الحرب العالمية الثانية . لقد أوهموا العالم أنهم جاءوا لإحلال العدل والسلام والحرية والمساواة بين سائر البشر، في حين أن حقيقة الامر الخفية أو المقلوبة هي أنهم جاءوا لحكم العالم – لحكم الحلفاء وحكم الهتلرين معا وفي نفس الوقت .....وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

عماد عبدالرزاقتمثل الفلسفة المحور الحقيقي لتقدم الأمم والشعوب، وتعتبر الأساس الذي تنهض عليه الحضارات. لذا يقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت في كتابه (مبادئ الفلسفة) أن حضارة الأمة وثقافتها تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها. ونشير في هذا السياق إلى أن من أهم قضايا الإصلاح الفلسفي في الوطن العربي، هي قضية تدريس الفلسفة في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، والتي تمثل إشكالية حقيقية في واقعنا العربي المعاصر. ومن الملفت للنظر والمثير للدهشة والعجب أن نرى تراجع لتدريس الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا في الدول العربية، ومن مظاهر هذا التراجع تلك الحملة الشعواء والهجوم الشرس على الفلسفة وتدريسها، ومحاربتها على مختلف الأصعدة، والسبب الرئيس في ذلك كما نرى هو ذلك الانطباع الذي رسخ في الأذهان على مر العصور أن الفلسفة ليس لها أهمية، كما أن دراستها عديمة الجدوى والنفع، كما أنها ضد الدين ومتناقضة معه، وفي هذا المسار يوجد تيار ممنهج لمحاربة الفلسفة، والاهتمام بالعلوم الدينية على حساب الفلسفة، في الوقت ذاته يتم تحريم الفلسفة والحد من حضورها في بعض الجامعات العربية عموما، والخليجية خصوصا. ومن هنا تعتبر قضية تدريس الفلسفة في الوطن العربي من القضايا المحورية والمهمة المطروحة على الساحة، والتي ترتكز على سؤال جوهري هل نحن بحاجة إلى تدريس الفلسفة أو دراستها في مناهجنا التعليمية؟ ومن الأهمية بمكان أن نضع في الاعتبار أن هذه القضية يكتنفها عدة إشكاليات يفرضها الواقع العربي المتأزم، كما أنه يوجد عقبات وعوائق تسيطر على تدريس الفلسفة وتقف كسد منيع يعوق انتشارها وحضورها في واقعنا العربي المعاصر. ولعل من أهم هذه العقبات والعوائق سيطرة العقل السلفي بما يمثله من جمود يعوق التفكير العقلي الحر، والوقوف الحرفي عند النص، ومصادرة الاجتهاد العقلي الذي يعتبره من المحرمات أو التابوهات، وهذه هي الطامة الكبرى التي أدت إلى تأخر الوطن العربي بوجه عام، والفلسفة بوجه خاص. أيضا من العقبات التي تعوق انتشار الفلسفة وانطلاقها إلى آفاق رحبة هي عملية النقل والتي ترفض كل تفلسف، وكل استخدام للعقل والتفكير، أيضا طغيان العلوم التطبيقية والتقنية على العلوم الإنسانية. ورغم هذه العقبات والعوائق التي تقف سدا منيعا من حضور الفلسفة وانتشارها، إلا أننا يجب أن نلفت الانتباه هنا إلى حقيقة مهمة وهي الوعي بأهمية ودور الفلسفة في المجتمعات الإنسانية بوجه عام والعربية بوجه خاص، إذا رجعنا إلى أبن رشد مثلًا الذي يمثل رائدًا من رواد التنوير العربي، والذي دعا في كل مؤلفاته إلى نهضة عقلية وتحرر عقلي عن طريق إعطاء الفلسفة مكانة كبيرة، عندما رأى أن الحكمة (الفلسفة) هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة. ويجب أن نوضح ونضع في الحسبان أن معركة تحرير عقول الأجيال العربية، لا تنفصم ولا تنفصل عن واقع إصلاح التعليم الديني في الوطن العربي، بمعنى أن هناك ارتباط وثيق وعلاقة لا تنفصم عراها بين واقع إصلاح التعليم في الوطن العربي، ودراسة الفلسفة . بناء على ذلك نرى أن تدريس الفلسفة والاهتمام بها والعمل على انتشارها، يمثل ضرورة ملحة وحاجة ماسة لا يمكن إغفالها أو غض الطرف عنها، لأن تدريس الفلسفة يؤدي وظيفة محورية وهي تشكيل وتكوين العقل النقدي الذي لا يقف عند حدود الأشياء، بل يبحث عن حلول مبتكرة للقضايا الشائكة، إن مهمة تكوين هذا العقل ترجع بالدرجة الأولى إلى الفلسفة، لما تطرحه من عمق في التفكير، وفتح آفاقًا رحبة من الإبداع ، كما تدعو الفلسفة إلى الحوار المثمر وفتح آفاقًا واسعة من التعددية والاختلاف الذي يثري الحوار الهادف. ومن هذا المقام ندعو إلى تدريس الفلسفة حتى في مدارسنا الابتدائية، لمحاولة غرس التفكير النقدي في عقول النشء. ولما لا والفيلسوف يمثل ضمير عصره، ومرآته العاكسة لكل ظروفها وأحوالها، وعلى عاتقه تقع مهمة التنوير، وتطوير المجتمعات، لأن الفلسفة هي عصرها معبرًا عنه بالأفكار كما قال هيجل. ولعل من أهم عوامل الأمل في تفعيل النشاط الفلسفي في الوطن العربي هو الديمقراطية، التي تشكل عاملًا محوريًا وأساسيًا في تفعيل الفلسفة على مستوى التعليم. لذا يوجد علاقة وثيقة بين الديمقراطية والفلسفة، وليس هناك أوضح على تلك العلاقة من قول المفكر اللبناني نصيف نصار عندما قال أنه يمكن التفكير في العلاقات بين الفلسفة والديمقراطية انطلاقًا من قضيتين مركزيتين هما أن الديمقراطية تحتاج إلى الفلسفة، والفلسفة تحتاج إلى الديمقراطية. من كل ما سبق سواء كان هناك عقبات أو عوامل تدعو للأمل، فإننا بحاجة لإنعاش وتفعيل الفلسفة في جميع مراحلنا التعليمية في الوطن العربي، من أجل خلق جيل واعي متحضر يملك أدوات من التفكير المبدع الذي سوف يعود على مجتمعاتنا العربية بالتطور وأن يلحق بالركب الحضاري، وأن يكون قادرًا على حل المشكلات التي تواجه، لأننا عن طريق الفلسفة وتدريسها والعمل على انتشارها نستطيع التخلص من التقليد والإتباع، ونكون أكثر قدرة على التفكير الإبداعي الحر ومن هذا المنبر أدعو إلى دراسة الفلسفة والاهتمام بها والعمل على انتشارها، وتفعيل وجودها في مناهجنا التعليمية المختلفة من أجل غدًا مشرق، ومستقبل أفضل لوطننا العربي. وفي النهاية يجب أن نشير إلى أن أزمة الفلسفة في العالم العربي هي أزمة الإنسان العربي، فالمجتمعات العربية يجب أن تتخلص من فكرة ضدية الفلسفة أو الضد العقلي، بمعنى الفلسفة الضدية التكفيرية على حد قول عالم الاجتماع خليل أحمد أن أزمة الفلسفة في العالم العربي تمثل محنة العقل العربي التكراري والتراثي، الذي يخاف من الانفتاح والتفكير. لذا يجب أن تدرس الفلسفة بجميع أشكالها ، ومن حق الأفراد في كل مكان أن يدرسوا بحرية الفلسفة، وأن يتولى تدريسها متخصصون متدربون ، كما ينبغي إلا تخضع الفلسفة لاعتبارات اقتصادية أو سياسية أو أيديولوجية ، كما ينبغي ربط الفلسفة بالواقع المهني والأكاديمي. ولو تم ذلك سوف يكون هناك جيلاً واعدًا قادرًا علي التفكير النقدي الإبداعي، ونتخلص من الإتباع والتقليد.  

 

الدكتور عماد عبد الرازق- أستاذ ورئيس قسم الفلسفة-آداب بني سويف

 

ابراهيم أبراشبالرغم من تصنيف البعض لـ (الجماعات الإسلامية) إلى معتدلة ومتطرفة إلا أنه في واقع الأمر فإن كل مجموعة وبمجرد أن تصنف نفسها كجماعة إسلامية فإنها تفصل نفسها عن غالبية المجتمع المسلم وتمنح نفسها صلاحية أو حق احتكار الإسلام وتُنصِب نفسها حاكماً وحكماً، بينما مفهوم الجماعة الإسلامية بالفقه وبالمفهوم الإسلامي الصحيح هي كل أمة المسلمين، وحيث إن هذه (الجماعة الإسلامية) عزلت نفسها عن الشعب وعن الإسلام الشعبي الفطري البسيط والذي حافظ على وجود واستمرار الدين الإسلامي لأكثر من ألف وأربعمائة عام فإنها تصبح جماعة إسلاموية أقلية، تبدأ نشاطها بالدعوة الحسنة وخطاب الاعتدال ومظاهر تديُّن شكلاني مُبالغ فيها، ولكنها سرعان ما تلجأ إلى العنف أو ما تسميه الجهاد، وبداية الجهاد تبدأ مع العدو القريب، أي الحكام الكفرة وأحياناً المجتمع الكافر أو الجماعات (الإسلامية) الأخرى الضالة والمنحرفة من وجهة نظرها، وبما أنها تُنَصِب نفسها وصية على الإسلام وتفسيره فلن تعوزها القدرة على تفسير وتأويل الآيات والأحاديث النبوية أو أحاديث ونهج (سلف صالح) بما يبرر نهجها وسلوكها .

إن تصنيف الاعتدال والتطرف بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي لا يصمد أمام شواهد تاريخية ومعاصرة لجماعات كانت تدعي أنها معتدلة وضد العنف ثم انقلبت إلى جماعات عنف وتطرف وإرهاب ليس من وجهة نظر الغرب بل كما يحكم عليها ويراها المجتمع نفسه الذي تتواجد فيه هذه الجماعات، ولا يغرنا اعتراف بعض الجماعات التي تصنف نفسها بالمعتدلة بقوانين البلد وأنظمتها أو مشاركتها بالانتخابات، فهذه تدخل في سياق (التقية) بمفهومهم وفهمهم للإسلام، أو التكتيك بالمفهوم السياسي الوضعي، كما أن الخطورة في هذه الجماعات حتى وإن زعمت أنها معتدلة فإنها تخلق بيئة لنشر الفكر الديني المتطرف وجماعات تمارس الإرهاب وتمارس التخلف والجهل والشعوذة باسم الإسلام، ثم ينقلب المتطرفون منهم على المعتدلين فتندلع حرب أهلية دينية تدمر البلد وتسيء للإسلام .

إن ما يسمى (المشروع الإسلامي) لا أساس له من الدين القويم، لأن الإسلام ليس مشروع تضعه هذه الجماعة أو تلك حسب مصالحها ورؤيتها الخاصة وتفسيراتها المنحرفة، بل واقع معاش لأكثر من مليار ونصف المليار ولا خلاف عليه في جانبه الإيماني والعقائدي عند جميع المسلمين .ومصطلح (المشروع الإسلامي) ظهر حديثاً ويمكن إرجاع بداية تداوله لجماعة الإخوان المسلمين وتعزز بعد الثورة الإيرانية الخمينية، وهو مجرد مشروع سياسي للسلطة والحكم يوظف الإسلام لهذا الغرض، ولو أردنا أن نفكك المصطلح فسنجده مجرد وهْم وأدلجة للدين لخدمة السياسة .

فمن فوض هذه الجماعات أن تنطق باسم الأمة بل وباسم الله ومن قال أنهم يفهمون ويعقلون ما لا يفهمه ويعقله الآخرون ؟ومن فوض رجال الدين والمُفتون بأن يفتون بل ويحاكموا الناس بما يخالف قوانين الدولة ؟ولماذا على المسلم أن يُطيع أوامر زعيم حزب إسلامي غير شرعي أو (أمير الجماعة) ولا يُطيع الحاكم الذي انتخبه أو اختاره الشعب ؟ ومن قال إن الإسلام مجرد مشروع وليس أمر واقع متواصل ويتزايد أنصاره وغير منقطع منذ ألف وأربعمائة عام ؟ ولو ذهبنا مع مزاعم القائلين بالحاجة لمشروع إسلامي فمن من بين آلاف الجماعات الإسلاموية المتصارعة والمتطاحنة مع بعضها البعض ستضع أسس هذا المشروع وتقوده ؟هل هي جماعة الإخوان المسلمين أم القاعدة أم داعش أم النصرة أم حزب التحرير أم الأزهر الشريف أم رابطة علماء المسلمين الخ، وهل سيكون لكل دولة إسلامية مشروعها الإسلامي أم ستخضع كلها لمشروع إسلامي واحد، من تركيا وإيران إلى ألبانيا والبوسنة وماليزيا والسعودية وقطر ومصر الخ ؟.

بالعقل والمنطق وبالفهم الصحيح للإسلام وأهدافه وقيمه النبيلة، ولأنه دين لكل زمان ومكان فإن من ينتخبه الشعب ويحكم بالقانون هو (أمير الجماعة) أو (خليفتها) لأنه كما قال الرسول الكريم :(لا تجتمع أمتي على ضلال)، أو كما قال أحد فقهاء المذهب الحنبلي في النصف الأول من القرن الثامن الهجري وهو أبن القيم : "فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله" . فكيف يزعم حاكم أو جماعة أنها تحكم بشرع الله فيما هي تحكم بالبطش والإرهاب، والعدل مُفتَقد، والفساد يعم، وغالبية الأمة تعارضهم وتعارض نهجهم؟ .

لسنا في وارد مراجعة لتاريخ الإسلاموية السياسية المعاصرة بشكل عام، حيث أفعالهم دالة عليهم، بداية من دورها التخريبي للمشروع التحرري القومي العربي منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى دورهم في الفوضى التي صنعتها واشنطن تحت مسمى (الربيع العربي)، ودورها التخريبي للمشروع الوطني الفلسطيني، حيث كتب كثير من المختصين حول الموضوع، إلا أن ما يدفعنا لمعالجة الموضوع، بالإضافة إلى اهتماماتنا الفكرية، أن هذه الجماعات وفكرها وصلت لفلسطين وتعيث خراباً بفلسطين وأهلها وأخرجت القضية الفلسطينية من سياقها كقضية تحرر وطني ضد الاحتلال لتدخلها في متاهات الصراع الديني مع اليهود، وصراع الجماعات الإسلامية ضد بعضها البعض .

 

إبراهيم أبراش

 

جواد بشارةهناك جوانب أخرى أكثر دهشة في مجال الثقوب السوداء وهي أن هناك ثقوب سوداء ساخنة كما تنبأ بها ستيفن هوكينغ، وهناك ثقوب سوداء باردة، سنتطرق لها لاحقاً. وهناك الموجات الثقالية التي يثبت نوع منها وجود الثقوب السوداء وهي ناجمة، ربما من دوران ثقبين سوداوين أحدهما حول الآخر بسرعة هائلة قد تصل إلى نصف سرعة الضوء، وفجأة يحصل بينهما اندماج أو تصادم وتسمى هذه الظاهرة coalescence  حيث نجد أن كمية الطاقة المتولدة جراء عملية الاندماج عملاقة على المستوى الكوني وتفوق عشرات المرات مجموع الضوء المنبعث من جميع نجوم الكون المرئية في لحظة الاندماج. وهي حادثة كارثية على نطاق الكون ما أتاح لنا رصدها بالرغم من بعدها الكبير جداً عنا. وفي الحقيقة لم يرصدها العلماء كما هي على نحو مباشر بل رصدوا الموجات المتولدة  منها التي هي عبارة عن تذبذبات مكانية ــ للفضاء لأن الفضاء أو المكان يتحرك كباقي مكونات الكون. وهذه نتيجة مباشرة من خواص ديناميكية الفضاء أو المكان الكوني وارتباطه بالمادة فهو يهتز ويتذبذب لأن الثقبين الأسودين اللذين يدوران مرتبطين بالمكان ــ الفضاء المحيط بهما حيث تمكن العلماء أخيراً قبل أشهر من رصد تلك الموجات الثقالية بفضل أجهزة ومعدات متقدمة تقنياً أي بفضل تكنولوجيا متطورة سمحت لنا بمراقبة ورصد الفضاء نفسه حيث بات بالإمكان رصد كل  مايحدث فيه حتى لو كان فارغاً، كرؤيتنا لاهتزازاته وتردداته أو ذبذباته. إذ أن الثقبين الأسودين اللذين رصدناهما يقعان بعيدين عنا بمسافة مليار سنة ضوئية والسنة الضوئية تساوي 10 مليار كلم، ورغم هذه المسافة البعيدة، وبفعل قوتها، وصلت أصدائها وآثارها إلى الأرض وشاهدناها من الأرض، أي رصدنا حركة الفضاء وذبذباته والثقبين الأسودين اللذين ولدا تلك الذبذبات على شكل موجات ثقالية.

لا ينبغي أن نخاف من الثقوب السوداء فنحن لن نسقط يوماً ما في وسط الثقب الأسود الفائق العملاق الذي يحتل مركز مجرتنا درب التبانة. والحقيقة أنه يوجد ربما أكثر من مائة مليون ثقب أسود أقرب إلينا من الثقب الأسود العملاق الموجود في مركز المجرة. لكن منظومتنا الشمسية تدور حول مركز المجرة، أي حول الثقب الأسود العملاق المركزي لكننا بعيدين جداً عنه، ونحن مجبرون على الدوران لأن الفضاء محدب فالثقب الأسود يحدب الفضاء الذي يغدو مدوراً، وسنستمر في الدوران في مدار ثابت ومحدد وآمن كما تدور أرضنا حول الشمس و لا تبتلعنا هذه الأخيرة رغم جاذبيتها الكبيرة.

عندما بدأ مسرع ومصادم الجسيمات الأولية العملاق LHC على الحدود السويسرية الفرنسية نشاطه وقام بتصادم الجسيمات الأولية بسرعة تقرب من سرعة الضوء تساءل كثيرون حول ما إذا كان بإمكان هذه الآلة العملاقة أن تخلق ثقوباً سوداء يمكنها أن تبتلع الأرض لو فلتت من السيطرة؟ الجواب هو بالنفي فليس من السهولة خلق ثقب أسود فالأمر غير مستحيل من الناحية النظرية لكنه شبه مستحيل من الناحية العلمية في الوقت الحاضر، وإن تجارب المسرع والمصادم الشهير ليست خطيرة فالطبيعة تقوم بذلك يومياً. فهناك مليارات الجسيمات الأولية الناجمة عن انفجار النجوم تأتي وتصطدم بالأرض وبطاقة تفوق طاقة آلة مسرع ومصادم الجسيمات، فلو كانت هذه الآلة خطيرة لتسببت باختفاء الأرض منذ عقد من الزمن فكل شيء يحدث تحت السيطرة والحسابات الدقيقة. ولو زدنا طاقة المسرع والمصادم فليس هناك ما يمنع من خلق ثقوب سوداء مجهرية حيث سنتمكن من مشاهدتها عن قرب لكنها سرعان ما ستتبخر كما تنبأ ستيفن كوينغ نظرياً ورياضياتياً. أما في النطاق الماكروسكوبي أي على مستوى المجرات والنجوم والثقوب السوداء الكبيرة والفائقة أو العملاقة فلايمكن لأي شيء أن يفلت منها حتى ولا الضوء وهي تبتلع كل شيء يقترب منها بحدود ماوراء أفق الأحداث. ولكن بالنسبة للثقوب السوداء المجهرية في النطاق الميكروسكوبي فهي تتبخر لأن عالم اللامتناهي في الصغر ومادون الذري، الجسيمات الأولية والذرات والجزيئات، لاتوصف بموجب وبنفس قوانين العالم الماكروسكوبي، فهناك فيزياء أخرى هي التي تتعاطى معها وهي فيزياء الكوانتوم أو الكموم والتي تجعل المستحيل ممكناً. فالفيزياء  الطبيعية  في اللامتناهي في الكبر  تقول أن من المستحيل ان تخترق يدي سطح الطاولة الصلد، في حين تقول الفيزياء الكمومية أو الكوانتية أن هناك إحتمال أن تتمكن يدي من اختراق الطاولة لكن نسبة الاحتمال هي بعد كل ألف مليار المليار المليار محاولة قد تتمكن يدي من اختراق الطاولة. وبالتالي فإن عملية التبخر للمادة الموجودة في قلب الثقوب السوداء الصغيرة أو المجهرية يمكن أن تخرج على شكل بخار بموجب فيزياء الكموم أو الكوانتوم .

النسبية العامة تختص بموضوع الثقوب السوداء الكبيرة والعملاقة الفائقة بينما تختص الكوانتوم بالثقوب السوداء الصغيرة أو المجهرية. النظريتان تعملان بشكل جيد ولكن منفصلتين كما أثبتت ذلك التجارب العملية والمختبرية  لكننا لا نعرف كيف يمكننا استخدامهما معاً أو نوحدهما . فمنذ قرن يحاول العلماء الأفذاذ ذلك بلا طائل ولم ينجح أحد بصياغة النظرية الشاملة والموحدة أي نظرية كل شيء، والتي تسمى نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية La théorie de la gravitation quantique  وهي ضرورية لفهم ومعرفة حقيقة وماهية الثقوب السوداء وما يوجد في داخلها خاصة معضلة " الفرادة  singularité" في قلب ومركز الثقب الأسود . ويوجد لدينا اليوم نظريتين تتنافسان على تحقيق هذا الهدف وهما نظرية الأوتار الفائقة  la théorie des supercordes ونظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية la gravitation quantique à boucles. نظرية الأوتار الفائقة تقول بتعدد الأبعاد المكانية وتعدد الأكوان، وهي مثيرة ومدهشة رياضياتياً، معقدة وأنيقة جداً، وتتحدث عن أوتار تتذبذب، وحسب نوع الذبذبات تتولد مختلف الجسيمات الأولية التي نعرفها والتي نجهلها، وهي تسعى لأن تكون نظرية توحيدية بين فيزياء النسبية العامة وميكانيك الكموم الكوانتي، وتسهم في فهم أفضل للثقوب السوداء. النظرية المنافسة لها في تحقيق هدف التوحيد هي  نظرية الثقالة الكمومية  الحلقية أو العروية وهي ذات مقاربة منافسة للأوتار الفائقة. رغم كونها أقل طموحاً من نظرية الأوتار إلا أنها ابسط وأقل افتراضية ويبدو الفضاء فيها مكوناً من ذرات أولية لكنها ليست ذرات مادية بل ذرات هندسية أو كينونات رياضياتية حيث الثقوب السوداء ليست كما نعتقدها بل هي عبارة  أجسام وكينونات في حالة تقلص  أو انكماش  لتخلق ثقوب سوداء أو حالة نفور rebondir لتخلق ثقوب بيضاء وهي النظير  التماثلي للثقوب السوداء إذ لايمكننا أن نخرج من الثقب الأسود و لايمكننا الولوج إلى الثقب الأبيض وهذا الأخير حالة افتراضية نجمت عن حلول المعادلات رياضياتياً. لا يوجد لدينا إثبات علمي على وجود الثقوب البيضاء عكس ما هو الحال مع الثقوب السوداء، حيث توفرت الإثباتات على وجودها وتم تصوير أحدها مؤخراً. هناك من يفترض أن الثقوب البيضاء هي طرق أو دروب وممرات مختصرة على غرار الثقوب الدودية، قد تفضي إلى مناطق أخرى بعيدة جداً في الكون أو بوابات دخول لأكوان أخرى . وقد تكون مخارج  لثقوب سوداء تخرج منها محتويات مادية ابتلعتها الثقوب السوداء، ولفظتها على شكل ثقوب بيضاء، وكل ذلك مجرد فرضيات افتراضية نظرية.

يتبع

د. جواد بشارة

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الرابع عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، وفي هذا يقول وهبة طلعت: المهم أن الحرب العالمية الثانية قد بدأت، أو لنقل أن الحرب العالمية الأولي قد اشتعلت مرة أخري، بنفس أطرافها الرئيسية أعني الدول الأوربية ومعها باقي دول العالم النائم، واستمرت الحرب لسنوات عديدة كما يقول وهبة طلعت وكل طرف من الأطراف الرئيسية كان يحدوه الأمل في أن يتمكن من حسم الحرب لصالحه إما بما لديه من أسلحة تقليدية، أو عن طريق اختراع السلاح المأمول أعني وسائل التدمير الشامل وقصرها عليه . غير أن الاختراع المنتظر لم يحدث خلال هذه السنوات، ولهذا استمرت الحرب معتمدة علي الأسلحة التقليدية، الأمر الذي أدي إلي استحالة حسمها لصالح أي طرف من الأطراف، فتوازن ميزان القوي التقليدية بين الأطراق قد حال دون ذلك . وقبل انتهاء الحرب بقليل لم تكن هناك سوي نتيجة واحدة للحرب مشتركة بين الجميع هي: اندحار جميع الأطراف الرئيسية التي كانت تحلم كل واحدة منها بالانفراد بحكم العالم .هذا يصدق علي ألمانيا وإيطاليا، مثلما يصدق علي إنجلترا، وفرنسا، واليابان، وغيرهم . لقد دمرت أوربا بكامل دولها كما لحق الدمار بالعالم أجمع.

لهذا يخطئ من يظن كما يقول وهبة طلعت أن الحرب العالمية الثانية التي هي امتداد للحرب الأولي قد انتهت بانتصار إنجلترا وفرنسا وحلفائهما علي ألمانيا وإيطاليا، ومن دار في فلكهما . فالحرب لم تعلن قبل نهايتها بقليل إلا عن حقيقة واحدة يستحيل علي أي فكر ثاقب أن يتغافل عن إدراكها،ويستحيل علي أي إنسان طمسها دون أن يخدع البشرية جمعاء، أعني، أن الدمار قد حل بجميع الأطراف وبنفس القدر . فقبيل انتهاء الحرب بقليل كانت أوربا كلها، وكذلك دول الشرق التي شاركت في الحرب بصورة فعالة – كاليابان – لا كمجرد توابع، دولا محطة أو شبه محطمة علي أقل تقدير . فحرب الكل ضد الكل قد افضت إلي تحكيم الكل للكل . ولكن في وسط الدمار والتحطيم الذي شمل سائر الأطراف قبيل نهاية الحرب حدثت حادثة فريدة قلبت موازين العالم رأسا علي عقب كما يري وهبة طلعت.

فالدمار والخراب الذي ألم بجميع الأطراف الرئيسية في الصراع قد حفز دولة شابة فتية، تملك كافة مقومات حكم العالم، عل الدخول في الحرب من أجل حسمها لصالحها والانفراد بحكم العالم . هذه الدولة عي الولايات المتحدة الأمريكية .

فقبل نهاية الحرب العالمية الثانية كانت هذه الدولة هي الوحيدة التي نأت بنفسها عن الدخول في حلبة الصراع ؛ غير أن هذا الابتعاد لم يكن ابتعادا كاملا، أو حتي ابتعاد الغافل، بل ابتعادا كما يري وهبة طلعت مصحوبا بالترقب والانتظار والصبر والأمل، فالدولة كانت تضم خيرة العلماء والمفكرين في العالم أجمع، والذين طرد معظمهم من أوربا بسبب أفكارهم التقدمية التي كانت تدعو إلي الثورة علي التقاليد وعلي التراث والأصولية المفرطة في التفكير والسلوك، وعلي كل ما كان – ولا يزال- عقيما في أوربا في ذلك الحين، وذلك من أجل استبداله بالجديد الذي هو مغامرة ويتسم بالمخاطرة ولا يقيم وزنا للقيم والمعايير . وعندما ذهب هؤلاء المطرودون – الذين كانوا خيرة علماء الأرض !- إلي أمريكا أو إلي العالم الجديد – كما سمي في ذلك الحين – توحدوا جميعا علي شئ واحد هو، أن يجعلوا من منفاهم بلدا يملك سائر المقومات التي بفضلها سوف يتمكنون من حكم العالم فيما بعد .

ولهذا انغلقوا علي أنفسهم وعيونهم كانت مفتوحة في نفس الوقت ترصد ما يجري علي الساحة في العالم الخارجي . وبدأوا العمل في صبر وصمت، وانطلقوا بكل ما لديهم من طاقة وقوة في اتجاه تحقيق الحلم الذي راودهم مثلما راود أي دولة أخري . وبعد حين من الدهر تمكن هؤلاء العلماء – المفكرون

وذلك عندما تمكنت الولايات المتحدة من اختراع وسائل التدمير الشامل وقصرها علي نفسها الأمر الذي مكنها من حسم الحرب العالمية لصالحها ومن فرض سلطانها علي العالم أجمع بمئات بل وبآلاف وربما بملايين من السنين، وخاصة علي الصعيدين التكنولوجي والعسكري .

فالمطاردون بنوا لأنفسهم ترسانة عسكرية تقليدية تكفي لمواجهة العالم أجمع إذا لزم الأمر، والشئ الأهم من ذلك كما يقول وهبة طلعت هو أنهم تمكنوا من اختراع أول نوع من أنواع ذلك السلاح الذي حلمت به سائر دول العالم، والذي مكنهم لأول مرة في التاريخ من تحويل الحلم إلي حقيقة واقعة أعني وسائل التدمير الشامل أو القنبلة الذرية .

كل هذا الحدث والعالم الخارجي لا يعرف عنه أي شئ لأن أمريكا كانت كما يري وهبة طلعت، منغلقة علي نفسها من ناحية، ولأن سائر دول العالم كانت مشغولة، من الناحية الأخري، بحربيها التقليديتين أملا في أن تنفرد إحداها بحكم هذا العالم .

ولقد كان بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية الدخول في الحرب العالمية التقليدية منذ بدايتها، غير أن عبقرية علمائها ومفكريها – الذين أصبحوا حراس العالم فيما بعد كما يري وهبة طلعت – حالت دون ذلك . لقد قرروا الانتظار حتي تنهك سائر الدول بعضها البعض، لأن هذا سيجعل الطريق ممهدا أمامها لتحقيق حلمها وبأقل قدر من الخسائر علي كافة المستويات . وعندما أحسوا أن اللحظة قد حانت، أن الخراب المنظر قد عم الجميع، دخلت أمريكا الحرب كي تجهز بنفسها علي ما تبقي من فلول العالم .

ولهذا يقول وهبة طلعت: مخطئ من يظن أن أمريكا دخلت الحرب ضد هتلر والهتلريين ولصالح  من سموا باسم الحلفاء . صحيح أن أمريكا صرحت في العلن – وأقول في العلن لا في الخفاء – أنها دخلت الحرب ضد هتلر وأتباعه ولصالح الحلفاء . غير أن الحقيقة في اعتقادي مخالفة لذلك تماما . فهذا التصريح العلني ليس في رأيي سوي دليل قاطع علي ذكاء العبقرية الأمريكية ودهائها المنقطع النظير . لأنني لا أستبعد علي الإطلاق أن تكون أمريكا قد فعلت نفس الشئ مه هتلر والهتلريين إن لم يكن في العلن ففي الخفاء علي الأقل . فمن المحتمل أن تكون قد أمنتهم علي أنفسهم وعلي شعوبهم مثلما فعلت مع الحلفاء تماما، وما ذلك إلا لكي تكسب ود الحلفين من ناحية، وتجعلهما يهلك بعضهما البعض لصالحها هي نفسها من الناحية الأخري .

هذا يعني أن أمريكا دخلت الحرب وهي تعلن في العلن أنها مع الجميع، في حين أن حقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة هي أنها ضد الجميع؛ بمعني أنها سوف تحكم العالم أجمع . لهذا كما يري وهبة طلعت رحب بها العالم أجمع لانخداعه في الثغارات التي رفعتها في العلن، والتي تعد بالحرية والمساواة والخير لكافة الشعوب، ولم يدر بخلد العالم آنذاك أن هذا الترحيب ليس في حقيقة الأمر سوي ترحيبا بوضع نفسه في سجن لن يخرج منه أبدا وبتكبيل نفسه بأغلال لن يكون هناك سبيل إلي الخلاص منها . من هذا المنظور لا أستبعد علي الإطلاق احتمالية أن تكون أمريكا قد أمنت هتلر نفسه علي حياته لقاء مساعدتها علي إلحاق الدمار التام ب الحلفاء . وهتلر نفسه قد يكون لا يزالل حيا يرزق، أما ربما يكون قد مات ميتة طبيعية، أو ربما تعرض للغدر بعدما أدي الدور الذي رسم له أجبر علي اتباعه بعدما وجد نفسه علي وشك أن يقع في قبضة الحلفاء . هذا يفسر السر في عدم وقوف أحد علي حقيقته، ولا علي حقيقة موته، ولا حتي علي جثمانه . فالسر كان ولا يزال في يد الأمريكان وحدهم الذين سيصبحون فيما بعد حراسا للعالم أعني حكاما له .

إذا كان كما يقول وهبة طلعت:تحليلي هذا تحليلا صحيحا، فإنني أستطيع أن أقرر أن أمريكا لم تدخل الحرب إلا لكي تحقق حلمها الذي ظل يراودها إلي أن تمكنت من جعله يصبح حقيقة، ولهذا فهي لم تدخل الحرب لصالح أي طرف من الطرفين، ولا حتي ضد أي طرف من الطرفين . لقد كانت مع الطرفين، وضدهما معا في نفس الوقت   . فهي لم تحارب ضد هتلر فقط كما يقال في العلن، بل حاربت معه وضده معا وفي نفس الوقت . ونفس الأمر يصدق علي الحلفاء أعداء هتلر والهتلريين . فهي حاربت معهم وضدهم في الآن عينه، وذلك علي النقيض تماما مما أشيع ولا يزال يشاع في العلن . لقد كانت أمريكا تقدم التسهيلات للطرفين الرئيسين في الصراع – وهذا هو منطق حراس العالم السائد حتي الأن والذي سيتضح بصورة أكثر فيما بعد – من أجل جعلهما يسرعان في القضاء علي بعضهم البعض . هذه التسهيلات عسكرية أساسا، بل كانت تسهيلات تكنولوجية – تجسسية أكثر تقدما من تلك التي كانت لدي الأطراف المتحاربة في ذلك الحين . فبواسطة هذه الأجهزة التجسسية رصدت للهتلريين مواقع تحرك قوات الحلفاء حتي يتمكنوا من عمل أكمنة للإطاحة بها بنجاح ساحق، والعكس صحيح أيضا . فهي زودت الحلفاء بالمعلومات عن المواقع الهتلرية الخطيرة الأمر الذي سهل عليهم إبادتها .

هذا يفسر السر في تأرجح الانتصارات بين المعسكرين خاصة قرب نهاية الحرب، فإذا حقق الحلفاء نصرا علي هتلر هنا، سرعان ما كانوا يندحرون أمامه وبصورة بشعة هناك كما يري وهبة طلعت. ونفس الأمر يصدق علي قوات هتلر والهتلريين . وأمريكا هي العميل المزدوج الذي كان وراء ذلك، والذي يجعلهم يدمرون بعضهم البعض ويخسرون معظم – إن لم يكن كل – قواتهم علي كافة المستويات، دون أن تخسر هي شيئا يذكر . هكذا أدت الوساطة الأمريكية إلي الإسراع في إجهاز جميع الأطراف علي بعضها البعض وأصبح الطريق أمامها مفتوحا تماما لإملاء إرادتها علي سائر هذه الدول . غير أن أمريكا استبقت دولة واحدة بعينها لبعض الوقت لغرض في نفس يعقوب .

....وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثالث عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، وفي هذا يقول وهبة طلعت: صحيح أن الأسلحة الفتاكة من قنابل وصواريخ تقليدية قريبة وبعيدة المدي، ومن طائرات حربية تسير علي ارتفاعات منخفضة وعالية، ومدفعية بكافة أنواعها، ودبابات من مختلف الأنواع، صحيح أن كل ذلك قد مهد الطريق وجعله ميسورا أمام دول الغرب الأوربي لغزو كافة الدول والقارات التي كانت تغط في ذلك الحين في نوم عميق، والتحكم فيها، واقتسامها فيما بينها .

غير أن سهولة غزو دول الغرب الأوربي لدول العالم النائم كما يري وهبة طلعت أوقعها في خطأ فادح سوف تظل تدفع ثمنه إلي الأبد . فسهولة الغزو أعني سهولة اقتسام هذه الدول لبلاد العالم النائم قد أوقع دول الغرب الأوربي في براثن الغطرسة  أو العجرفة فاعتقدت كل واحدة منها، عن جهل وغير وعي، أنها قاب قوسين أو أدني من تحقيق الحلم أعني من حكم سائر الدول الأخري – فيما في ذلك جيرانها الأوربية نفسها- ومن ثم حكم العالم – وهكذا بدأت الحربان العالميتان المعاصرتان اللتان أطلق عليهما اسم الحرب العالمية الأولي والحرب العالمية الثانية.

ويخطئ من يظن أن الحربين العالميتين – الأولي والثانية – كما يقول وهبة طلعت قد اندلعتا من أجل القضاء علي هتلر وعلي النازية التي صُورت – ربما ظلما وعدوانا – علي أنها تجعل الشعب الألماني (ومعه الشعب الأوربي كله بمعني من المعاني) سيد الشعوب والحاكم المطلق للعالم أجمع . فالحرب العالمية الأولي – وكذلك الحال بالنسبة للحرب العالمية الثانية – كانت حربا أوربية أساسا أعني حربا بين جميع الدول الأوربية وبعضها البعض، هدفها لم يكن القضاء علي هتلر، بقدر ما كان حسما للأمل القديم المتمثل في أن تتمكن دولة واحدة من هذه الدول من قهر الجميع ومن اخضاع العالم لحكمها . فمع قرب بداية الحرب العالمية الأولي كانت فكرة حكم العالم قد اختمرت في كل دولة من الدول الأوربية الرئيسة وعلي وشك الفوران . وكانت كل دولة من هذه الدول تستعد لحسم هذا الحلم بحشد كل ما أمكنها من حشده من الأسلحة التقليدية. غير أن المشكلة الرئيسة التي كانت تواجه الساسة في كل دولة من هذه الدول كانت تتمثل في كيفية تعبئة شعبها للدخول في حرب عالمية تحسم هذا الأمل حتي وإن كان لا يمكن لأحد التكهن بأي نتيجة من نتائجها .

وكان هتلر الألماني هو الأسرع كما يري وهبة طلعت، فهو سليل نيتشه بأفكاره في إرادة القوة، والسوبرمان أو الإنسان الأعلي، وطالما هو كذلك، فقد كان من الطبيعي أن يسارع هتلر بإعادة ترديد هذه الأفكار علي مسامع شعبه حتي يذكي فيهم نار الحماسة والوطنية من ناحية، وحتي يذكرهم، من الناحية الأخري، بقرب تحقيق أملهم المنشود الذي لن يتأتي إلا عن طريق الحرب أعني أنهم الشعب المختار أو الجنس السامي أو الإنسان الأعلي الذي يجب أن يبذ كل أقرانه وأن يسود سائر البشر.

غير أن الحلفاء في رأي وهبة طلعت لم يتهاونوا بدورهم في اغتنام الفرصة . فأعلنوا علي شعوبهم (بل وعلي العالم أجمع) ظلما وبهتانا أن هتلر هو عدو الإنسان والإنسانية الذي يريد إخضاع العالم كله لشعبه، الأمر الذي يحتم الوقوف في وجهه للتخلص منه حتي يمكنن نشر السلام والعدل والحرية والمساواة بين كافة البشر.

هذه هي الواجهة التي استغلها الحلفاء في الظاهر لإشعال نار الحرب التي كانت تدق طبولها أصلاً في معظم – إن لم يكن في كل – الدول الأوربية . أما حقيقة الأمر الخفية فقد كان في اعتقاد الدكتور وهبة طلعت تختلف عن ذلك كل الاختلاف.

فحقيقة الأمر الخفية كما يري وهبة طلعت هي أن جميع الأطراف التي اشتركت في الحرب لم تكن سوي هتلر مهما اختلفت الأقنعة التي تتخفي تحتها . فالحرب كانت أصلا حربا أوربية الغرض منها حسم قضية من يسود العالم . وهتلر الألماني لم يكن الوحيد صاحب هذه الدعوة والدليل علي ذلك هو أن بعض الدول انحازت معه، والبعض الآخر ذهب مع من اختلفوا معه .ولو كان الألماني هتلر بالصورة التي صورها له أعداؤه لما انحاز معه أحد ولبقي وحده في الميدان ولسهل علي العالم أجمع القضاء عليه علي وجه السرعة . فالحرب كانت أصلا حرب الكل ضد الكل . فكل دولة من الدول ذهبت مع التحالف أو ذاك، ذهبت وهي تمني نفسها أن تتمكن في نهاية المطاف من الانقلاب حتي علي أصدقائها والانفراد بحكم العالم في النهاية . والجميع كانوا هتلر مهما اختلفت الأسباب والمبررات العلنية المزعومة.

ولهذا فإن الفكرة القائلة بأن الحرب العالمية الأولي – وكذلك الحال بالنسبة للحرب العالمية الثانية – كما يري وهبة طلعت قامت للقضاء علي هتلر الألماني الذي جعلوه زمرا للشر في العالم، هي فكرة زائفة . فحقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة في اعتقاد الدكتور وهبة طلعت أن سائر الدول لم تكن سوي هتلر أعني أنها كانت تأمل جميعاً في أن تتمكن إحداها من قهر العالم وإخضاعه لحكمها (فهذا المبدأ متجسد، علي سبيل المثال، في التعبير الذي كانت وربما لا تزال تطلقه إنجلترا علي نفسها والذي يفيد بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس)، فهتلر كان الواجهة العلنية التي اتخذها أعداؤه لتبرير اشتراكهم في الحرب، أما أصدقاؤه فكانوا يرون فيه شخصاً محبا للخير وللسلام وللبشر وللبشرية شصا سيقيم العدالة والمساواة بين سائر الشعوب .

والعكس صحيح أيضاً ؛ بمعني أن الهتلريين كانوا يصورون أعداءهم من الحلفاء علي أنهم رمز القهر والإذلال لكافة البشر، علي حين كانوا يجدون في أنفسهم المعني الحقيقي للخير والعدالة والسلام . وهكذا قامت الحرب وكل دولة تزعم أنها قامت لإحلال السلام، في حين أن حقيقة الأمر هي أن كل دولة دخلت الحرب وهي تمني نفسها بتحقيق حلم الانفراد بحكم العالم .

وهكذا أيضا نجحت الدول الأوربية في خلق زرائع وهمية لجر العالم أجمع – باعتبار أن كل دولة أوربية أجبرت ما تسيطر عليه من دول العالم النائم علي الدخول معها في الحرب – إلي حرب ضروس لم تكن دولة واحدة منها تعلم سلفا ما ستنتهي إليه، وذلك علي أمل تحقيق الحلم القديم بمعني أن تتمكن واحدة منها من الانفراد في نهاية المطاف بحكم العالم.

ولكن الحرب العالمية الأولي كما يري وهبة طلعت بدأت مثلما انتهت . فلم تتمكن دولة واحدة بعينها، أو حتي حلفا من الحلفين لكبيرين، من حسم الحلم لصالحه، وذلك لنفس السببيين الذين سبق ذكرهما أعني أن مقومات تحقيقه لم تقتصر علي دولة بعينها أو حتي علي حلف من الحلفين، وأن التسليح التقليدي بالذات باعتباره أهم المقومات في نظر الدكتور وهبة طلعت لم يكن وقفا علي دولة بعينها، علي حلف بعينه . ولهذا انتهت الحرب مثلما بدأت . فتوازن ميزان القوي حال دون حسمها لصالح أحد، مثلما أفضي إلي إلحاق الدمار والخراب والتحطيم بالجميع، الأمر الذي اضطر الكل إلي وقف الحرب اضطرارا.

غير أن توقف لم يكن يعني علي الإطلاق تخلي هذه الدول عن الحلم القديم؛ فهذه الدول كما يري وهبة طلعت كانت دخلت آنذاك في مرحلة اللاعودة . فإما أن يتحقق الحلم علي أي نحو من الأنحاء، أو الطوفان . والأمل كان يسير في أعقاب الحرب في اتجاهين الأول يكمن في حشد المزيد من المقومات اللازمة لتحقيق الحلم والتي يقف علي رأسها العنصر الخاص بالتسليح التقليدي، باعتباره العنصر الساسي الوحيد المتاح أمامهم في تلك اللحظة التاريخية، الذي يمكنه أن يلعب أهم الأدوار علي الإطلاق في حسم الحرب لصالح طرف من الأطراف . أما الآخر فيكمن في السير في طريق إنتاج نمط آخر من التسليح يتمتع بقوة تدميرية شاملة تفقد التسليح التقليدي كل ما له من قيمة مع السير في نفس الوقت في طريق إنتاج تكنولوجيا أخري أكثر تطورا عساها تسرع في حسم الحرب لصالح دولة من هذه الدول.

وفي غضون سنوات قليلة تمكنت الدول الأوربية من إعادة تسليح وتنظيم نفسها بعدما حشدت لذلك كل طاقاتها كما يري وهبة طلعت، وسرعان ما أصبح لكل دولة من هذه الدول ترسانة رهيبة من الأسلحة التقليدية، ومن ثم راحت كما يقول وهبة طلعت كل واحدة منها تمني نفسها من جديد، وفي ضوء ما تملكه من ترسانة مدمرة، بقرب نهاية تحقيقها للحلم . ولكن هيهات! هيهات؟! لقد عادت طبول الحرب تدق من جديد في سائر الدول الأوربية التي استطاعت أن تجر مها مرة اخري سائر دول العالم النائم الذي كان يقع تحت سيطرتها، وكل ما تملكه هو كم هائل من الأسلحة التقليدية – فالسلاح النووي (أو وسائل التدمير الشامل)، الذي كان هو الأخير بمثابة حلم جديد يراود كل دولة من هذه الدول، ثم لم يكن قد اخترع بعد . وسرعان ما اندلعت الحرب، التي سميت باسم الحرب العالمية الثانية، من جديد، ولكن تحت نفس الستار القديم تقريبا .

الكل يزعم في العلن أنهم دخلوا الحرب ضد بعضهم البعض من أجل إحلال السلام والحرية والعدالة والمساواة بين البشر، في حين أن حقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة هي أنهم جميعا يحاربون علي أمل حسم الحلم الدفين والإجابة علي السؤال الملح باستمرار: من يسود العالم ؟ وهكذا انخدع الشعب الأوربي البرئ – معه العالم أجمع – من جديد وانساق إلي ساحة الوغي – مثل القطيع – وهو لا يعلم لم وإلي أين المصير !! لقد كل ساسة كل دولة من الدول يحركون شعبهم البرئ بشعارات زائفة تقدف بهم في المصير المحتوم، كانوا يحركونهم تحريك الدمي أو العرائس من وراء ستار في الخفاء . والشعب – أي شعب – برئ بطبعه ينخدع بالشعارات العلنية الزائفة – الفارغة التي تخلو في العادة من أي مضمون فينساق في ضوئها غير دار أن كل ستار علني يخفي تحته حقيقة خفية مقلوبة تكون دوما وفي غالبية الأحيان هي المقصودة.

في ضوء ذلك يقول وهبة طلعت أنه لا يهم في نظر الدكتور طلعت من بدا الحرب ولم؟ فهذه التساؤلات هي تساؤلات يستحيل أن نجد لها إجابة كما يقول الدكتور وهبة طلعت في عصرنا هذا . فالإجابة لا تكون إلا عند أولئك الذين  يملكون خيوط  لعبة الحرب والذين تجدهم في العادة يقبعون في الظل أو في الخفاء بحيث يستحيل عندك أن تتعرف عليهم .

هذا بالإضافة إلي أن طابع الحرب الحديثة كما يري وهبة طلعت كلها يجعل من المحال عليك التفرقة بين المعتدي والمعتدي عليه، فكل طرف من طرفي – أو أطراف – الحرب يزعم أنه الطرف المعتدي عليه، وأنه يقوم برد العدوان وبالدفاع عن نفسه ! كل هذا يحدث من خلال أبواق الدعاية الخاصة بكل طرف، والتي يوظفها علي أكمل وجه بحيث تكون بكاملها تحت تصرفه .

أما الشعب البرئ – الذي يدفع دوما الثمن – فلا يحق له أن يسأل ولا يملك حتي حق الاعتراض، لأن في ذلك خيانة للوطن !! وكل ما عليه أن يفعله هو أن يذهب إلي الحرب دون أن ينبس حتي بكلمة تبرم واحدة، ودون أن يتعلم لغة خلاف هذه: إما أن تَقتل، أو تُقتل، لأن الألسنة قد انعقدت ولم تعد هناك لغة سوي لغة الرصاص!! ولهذا فإن فكرة من بدأ الحرب ولم؟ هي فكرة كما يقول الدكتور وهبة طلعت:" ليس في قاموسي علي الإطلاق، مثلما يجب أن تكون في قاموسك أنت عزيزي الإنسان، سواء للحروب الحديثة عامة أو بالنسبة للحربين العالميتين بصفة خاصة، حتي وإن كنت أتفهم الدوافع والأسباب التي أدت إلي قيامهما .

فحقيقة الأمر في اعتقاد وهبة طلعت هي، باختصار، أن جميع الأطراف كانت مهيأة تماما للحرب وعلي استعداد خوضها تحقيقا لحلمها القديم، ولهذا اشتركوا جميعا في إشعال نارها. هذه المسألة أخذت أبعادا أخري جديدة بعد الحربين كما سنري فيما بعد في الحرب العراقية بصفة خاصة".. وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

اياد الزهيرييسود أوساطنا الأجتماعيه ظاهره يمكن تسميتها بعدوى الرأي. هذه الظاهره يكون فيها الفرد يردد أراء وتصورات وقناعات غيره بدون أن يعرف فحواها، ومن غير أن يتأملها مليا، والنظر فيها وفحصها فيما أذا كانت تتفق ومتبنياته الفكريه والعقديه أم لا، وهل هذه الأفكار المنقوله على لسانه تساير ما يرجوه من أهداف وتطلعات أم لا، فتراه يساهم في أشاعة مفاهيم وأفكار لا يعرف مصدرها، والأدهى من ذلك أنها مضره لما يتطلع من غايات. شيوع هذه الظاهره في مجتمعنا ساهم في تشكيل أزمه في الرؤيه المجتمعيه الفاقده للغائيه. للأسف هذه الظاهره أخذت بالتسارع في سيرانها بين أوساطنا الأجتماعيه، وهي تمظهر لحاله من السذاجه الفكريه التي أخذت بالأنتشار، وأصبح وسطنا الشعبي وسط موصل جيد للأشاعه والأفكار حتى المضره لشخصه ووطنه، وناقل لكلام يخلو من الفلتره والتمعن، وهذا مايذكرنا بكلام لأمير الكلام علي ع عندما يقول (ليت رقبتي كرقبة البعير، كي أزن الكلام قبل نطقه). أن ظاهرة عدوى الرأي أصبحت أداة مجانيه من أدوات الحرب البارده، التي تقودها مراكز القوى العالميه، وهي غير جديده، ولكن الخطير في الموضوع أنها تكون فعاله وخطيره في البلدان التي يسود بها الجهل والمصابه بأعراض (الأنوميا)، والعراق تتمظهر فيه ظاهرة الأنوميا بشكل كثيف مما جعله وسط ممتاز، وبيئه مثاليه لعدوى الرأي، حتى أستبيحت ساحته من أقصاها الى أقصاها مما خلق حاله ضبابيه مشتته للذهن، وبيئه يسودها الأختلاف بشكل يخنق الأنفاس. لعل سائل يسأل ماهي مسببات هذه الظاهره، طبعآ تلعب الفوضى الأعلاميه دورآ خطيرآ،وذلك من خلال التشويش الذهني على المتلقي،وخاصه أذا كان المتلقي يتمتع بعقليه ساذجه وبسيطه، تنطلي عليه كل أللاعيب، وتلفيقات الأعلام ذات الأجنده المشبوهه، كما أن الضعف في الحقل الثقافي يفتح الباب على مصراعيه لدخول هذه الظاهره الى أوساطنا الشعبيه، يضاف الى ذلك حالة الفراغ العقائدي والروحي، بالاضافه الى ضعف الواعز الأخلاقي للفرد يساهم وبشكل مخيف في السماح والقبول في أطلاق كل الكلمات والمفاهيم بغض النظر عن صلاحيتها أو عدم صلاحيتها على جميع المستويات الأخلاقيه و الأمنيه، كما لا يسعني الا أن اضيف النزعه الماديه التي أقتحمت مجتمعنا، والتي ساهمت بالتراخي بالمعايير الأخلاقيه والوطنيه في القبول وعدم القبول لما ينقل ويشاع من الكلمات والأفكار، ناهيك عن الانفتاح الغير منضبط لوسائل التواصل الأجتماعي، كما لا يسعني الا أن أضيف خصوصيه عراقيه قد لا يتصف بها الا القليل من الشعوب الا وهي قوة سطوة المشاعر وما تتمتع به من نفوذ يفوق سلطة الذهن والتعقل . والمشاعر من النوافذ الواسعه التي يتسلل من خلالها الكثير من الأنطباعات والأفكار بأنسيابيه مريحه الى دوائر اللا شعور من غير أن ينتبه لها، فتأخذ مكانها فيه، وتبدأ بعملية توجيهه من غير ان يعلم، وهذا معروف لدى الخبراء بعلم النفس ان أغلب توجهاتنا وما نمارسه من أفعال ونشاطات وردود أفعال مصدرها المشاعر والعقل الباطن. من الملاحظ أن هناك الكثير من الناس الذين كانوا يقفون موقف المعارض من النظام الصدامي في حربه القذره ضد أيران، يرددون اليوم نفس العبارات التي كانت تردد من اعلام النظام، وبنفس المصطلحات، وهذا ما يعكس تاثير عملية التكرار والتوكيد في الجهزه الأعلاميه لوجهات نظر النظام حول الحرب، وها انت اليوم ما ان تطلق خبر عبر وسائل التواصل الأجتماعي الا وتراه ينتشر أنتشار النار في الهشيم، بغض النظر عن معقولية الحدث أم عدم معقوليته على طريقة (ياحوم أتبع لو جرينه)، كما لا يفوتني خصيصة الجانب الأنفعالي لدى أفراد المجتمع من توفير جو يسمح بسهولة التصديق لأي خبر ينقل.كما لا يفوتنا عنصر عدم الأمان الذي يسوده الشك والريبه في الاوساط الأجتماعيه والذي يساهم بأنعاش الجو المساعد لنقل هذا الوباء (عدوى الرأي)، يضاف لها عامل البطاله بين الشباب وما يحمل صاحبه من شحنة الأستياء والنقمه أتجاه الدوله والمجتمع، فتراه يصدق كل مقوله تحمل التشفي والأنتقام منهم من باب أفراغ حمولة شحنة الغضب عليهم، كما يمكننا الأشاره الى عوامل مشجعه اخرى وهي لا تقل تأثير عما ذكرنا الا وهو أنتشار المقاهي ودور اللألعاب الغير بريئه مثل القمار والبليارد وغيرها، فهي بيئات مثاليه لشيوع عدوى الرأي، بسبب ما تحويه من ملهات لذهن المستمع، وعدم تركيزه على الخبر أو الرأي، مما يعمل على نقله حرفيآ الى الآخرين.

أن غياب الوعي و وضعف الجانب الثقافي والأخلاقي ساهم في تجنيد الكثير، كجنود متطوعون في الحرب البارده على بلدهم، من غير أن يعوا تداعيات ذلك عليهم، وأنهم أصبحوا جنود مجنده تقاتل مجانآ لصالح عدوهم .

الأشاعه واحده من هذه المفردات التي تنتقل بما سميناه بعدوى الرأي، ونتيجة توفر البيئه المناسبه لها في العراق، مهدت لدخول داعش، وهي ممن أسرعت بسقوط المدن العراقيه واحده تلو الأخرى وبشكل دراماتيكي، والتي جرت أزاءها أوحش الجرائم في التاريخ، وبلدنا واحد من أبرز البلدان التي كانت ضحيه لهذا الداء (عدوى الرأي)، والذي لا يمكننا أستبعاد أثر الفساد الحكومي على أستفحاله، حيث اصبحت الساحه العراقيه بفعل سرقات العصر تصدق كل ما يقال بسبب حجم السرقات الفلكيه والتي لم يسمعوا بها في حياتهم، ومن نافلة القول أتذكر كيف كانت عدوى الأشاعه ساهمت بهروب الويه بكاملها في الحرب العراقيه الأيرانيه، مما دعى صدام الى أعدام كل من يهرب او يتراجع من المعركه، واتذكر كلمة (أجو الساده) وأثرها في هز المعنويات على المقاتل، وبالتالي هروبه من ساحة المعركه، وحدث هذا في أكثر من جبهه في الحرب العراقيه الأيرانيه وحتى في حرب الخليج الأولى والثانيه مع الامريكان، وهذا ما مكن الأمريكان من أحتلال بغداد. ان ضعف الدور الوطني للأعلام الحكومي، وضعف البنيه الثقافيه والعقائديه للمجتمع،هي من توفر السوق الرائجه لهذه الظاهره الضاره، وتوفر الأرضيه الخصبه لأستفحالها، وتجذرها في البنيه الأجتماعيه،حتى تتحول الى آفه خطره تهدد كيان الدوله والمجتمع .

 

أياد الزهيري

 

سامان سورانييعتقد البعض بأن الحب هو أصل الوجود ومبدأ العالم ومُمِدُّه والإنسان منذ كان أحس به كحاجة عظيمة لە مظاهر شتى تختلف باختلاف الأفراد تعادل في مفهومها معنی الحیاة، بأعتبار الحب عاطفة قوية أو ربط متين بين إنسان وإنسان.

وقد تتعدد أوجه الحبّ وأنواعه تبعاً لاختلاف المراحل التي يمرّ بها الإنسان أثناء حياته، بالإضافة إلى اختلاف الظروف المحيطة التي يعيشها.

فلسفياً یمكن أن يقال بأن الحب كلمة غير مرتبطة بشيء حقيقي أو محسوس، أي إنّه شيء لا يمكن إدراكه بالعقل أو شرحه بالمنطق.

أما القدماء فقد رأو في الحب دعامة من الدعامات الأساسية للفلسفة وشرعوا في بناء نظريات متعددة، طوّرت الحبّ من مفهومه المادي إلى مفهومه الروحي في أعلى سماته، لکونه صفة أساسية تظهر آثارها في سلوك الكائنات الحیة، فمن خلالە یظهر شخصیة الإنسان الحقيقية بعد أن یقوم بإخراج مشاعره التي تتحدی العقل.

الحب إذن هي حالة قصوى من حالات الشرط البشري، وشكل من أشكال ممارسة الإنسان لذاته وبقائه، فهو أسمى وأرقى أنواع العلاقات في الوجود يتأتى نتيجة صفاء القلب ونقائه مما فيه من شوائب مختلفة الألوان.

ولأهمیة الحب في حیاة الإنسان کسب أسماء كثيرة، منها المحبة والهوى والصبوة والشغف والوجد والعشق والنجوى والشوق والوصب والاستكانة والودّ والخُلّة والغرام والهُيام والتعبّد.

عرفه البعض بالمیل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب حضوراً وغياباً، وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه، والطواعية الكاملة، والذكر الدائم وعدم السلوان.

أما علاقة المحب بمحبوبه فتسمو وتظهر وتتشابك لتؤدي إلى تطويع إرادة المحب تحت تصرف محبوبه، وفي نهاية المطاف يمنح المحب أغلى ما لديه وأشرف مايملكه لمحبوبه وهو روحه التي بين جنبيه.

الحب لدی المتصوفة نابع من الصفاء أي صفاء القلب ونقاء أسراره، فيذکر بأن قلب الصوفي لا يعرف إلّا الحب ولسانه لا يلهج إلّا بلغة الحب وصدق من قال بأن لقلوب العارفین عيـونٌ ترى ما لايراه الناظرون.

ما أحوجنا الیوم إلى لغة الحب ونحن نعيش في زمن الكراهية والأحقاد والعنف والحروب.

علینا أن نتعرف علی عالم المتصوف، الذي أنتخب الهجرة فلسفة، وهو يجيد فن النزوح نحو المتعاليات، من الأسفل نحو الأعلی، أي من الأرض نحو السماء‌، للوصول الی الانسان الكامل، الذي يتصف ضمن أعلی مراتب الإرتقاء الصوفي وهذه المرتبة لاتتحقق إلا بالوجد أو الحب، بعد تخليه عن المتع الدنيوية من أجل كشف المحجوب والاتحاد.

ففي نظر سلطان العارفين، جلال الدين الرّومي لايمكن تعليم درس العشق برسائل الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، فالعِشق لاتملك الأبجديّة، وكلّ سَعي إلى بيان العِشق وإيضاحه وتفسيره لا طائل من ورائە.

في کتابه "طوق الحمامة" يری ابن حزم الأندلسي أن الحُبّ يبدأ بالهزل وينتهي بالجدّ، وهو شيء لا تُدرَك معانيه ولا يوصَف إلّا بالمعاناة ولاتنتهي إلا بالموت.

أما إبن عربي فيقول: "في النهاية تستولي المشاعر الجيّاشة على صاحبها وتسيطر عليه، لدرجة أنّه لا يشعر بأحد إلّا بمحبوبه الذي يُغنيه عن الكون بأكمله".

الشرط الأساسي للحب هو التخلي عن كل نزوع نحو التملك من أجل محبة الآخر من حيث هو آخر وكما هو موجود.

الحب إذن هو وصال بين الذوات يُحطم قوقعتنا الذاتية، لكي يضعنا وجهاً لوجه أمام الآخر الذي وجدناه، حتى قبل أن نبحث عنه وأياً كان الحب فهو يعطينا دليلاً على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل.

 

الدکتور سامان سوراني

 

عامر صالحتحت شعار "المشاركة" احتفل العالم يوم الأحد، باليوم العالمى للديمقراطية، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 62/7 خلال سبتمبر 2007، باعتبار يوم 15 سبتمبر يوما دوليا للديمقراطية، والذى يتيح فرصة لاستعراض حالة الديمقراطية فى العالم.  سلط الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى بنده الثالث من المادة 21 منه أن "إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكم، فيجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السرى أو إجراء مماثل من حيث ضمان حرية التصويت".

والديمقراطية الحقة كما تؤكد الأمم المتحدة "هي سبيل من اتجاهين، مبنية على الحوار الدائم بين منظمات المجتمع المدني والطبقة السياسية. ولا بد أن يكون لهذا الحوار أثر حقيقي في القرارات السياسية. ولهذا السبب تعتبر كل من المشاركة السياسية والفضاء المدني والحوار الاجتماعي ركائز أساسية للحكم الرشيد. ويصح ذلك في حق أثر العولمة والتقدم التقني كذلك. ومع ذلك، فلم يزل الفضاء المدني يزداد تقلصا في كل أنحاء العالم بصورة تنذر بالخطر. كما أصبح عمل نشطاء المجتمع المدني أصعب بكثير. وغدا المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان والبرلمانيون والبرلمانيات يتعرضون للهجمات، في حين لم يزل تمثيل المرأة ضعيفا، ومواجهة الصحفيون لتدخلات في عملهم وتعرضهم للعنف في بعض الحالات. وبالتالي، فاليوم الدولي للديمقراطية هو فرصة لحث جميع الحكومات على احترام حقوق مواطنيها في المشاركة الديمقراطية مشاركة فعالة وجوهرية وهادفة".                             .

وجاء تقرير مؤشر الديمقراطية لعام 2018 الذي نشرته وحدة "إيكونوميست إنتيليغنس" وهي وحدة مستقلة تابعة لمجلة الإيكونوميست، أن تصنيف الديمقراطية يعتمد على 60 معياراً فرعياً مجمعة فى الفئات الخمسة التالية: العملية الانتخابية والتعددية، وعمل الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية الديمقراطية، والحريات المدنية . ومن المقرر أن يمنح مؤشر ديمقراطية الدول درجة من 10 اعتمادا على هذه المعايير، ثم يصنف الدول إلى أربعة تصنيفات، تبدأ من دول ديمقراطية كاملة، ثم ديمقراطية منقوصة، يليها نظام هجين يجمع بين الديمقراطية والاستبداد، وأخيراً الدول ذات الأنظمة الاستبدادية. وقد احتل العراق في حينها المرتبة 114 وضمن الدول ذات النظام الهجين الذي يجمع بين الديمقراطية والاستبداد، وضمن قائمة دول تجاوزت ال 165.

بالتأكيد ان الحديث عن ديمقراطية العراق شائك ومعقد استنادا الى الظروف القسرية التي أنشأتها والمتمثلة بالأحتلال الامريكي في عام 2003 الى جانب تراكمات القمع والدكتاتورية لعقود من الزمن والتي ساهمت في غياب البدائل السياسية الديمقراطية وغياب الفكر الديمقراطي مما سببا فراغا سياسيا كبيرا وعدم المقدرة على احتواء الأحداث ما بعد سقوط الدكتاتورية، ورغم هذه الاشكالية المفصلية والمعوقة للديمقراطية يرى الكثير من المتابعين للشأن العراقي، أن العراق بلدا ديمقراطيا ويستندون في ذلك الى الأسس النظرية او المحكات التي يمكن في ضوئها تأكيد ديمقراطية العراق، ومنها تعريفهم للنظام الديمقراطي كما يرد في الادبيات السياسية: هو نظام حكم من الشعب وإلى الشعب، ودستور يصوت عليه الشعب باستفتاء عام، والذي يمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة. يعني حكم الأغلبية السياسية مع احترام حقوق الأقلية، أي حكومة ينتخبها أبناء الشعب عبر صناديق الاقتراع بشكل دوري، فيختارون ممثليهم، أي النواب (أعضاء البرلمان)، وهؤلاء بدورهم يختارون السلطة التنفيذية، وهم الذين يسنون القوانين وفق الدستور. ومن سمات الدولة الديمقراطية أيضاً، الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ووجود أحزاب سياسية، ومنظمات المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان، وإعلام حر، وحرية التعبير والتفكير، والتظاهر والإضراب، وحرية المعتقد والأديان، ويرون ان هذا متحقق في العراق.

ما يعنيننا قي المقام الاول هو الأداء او محتوى العملية السياسية الضامن لبناء الديمقراطية وتنفيذ مقوماتها، فاليوم في العراق وبعد عقد ونصف من سقوط الدكتاتورية تأكد لشعبنا أن الدستور كان محطات ألغام، وأن الشك طال كل الانتخابات البرلمانية السابقة، من تزوير وحرق للصناديق والعبث بأرادة الناخبين وضعف المشاركة في الانتخابات وانعدام متزايد في الثقة باغلب الاحزاب السياسية، كما اصبح الحديث عن الفصل بين السلطات الثلاث ضرب من الخيال، والتجاوز على الحقوق الاساسية للمواطن العراقي لا يمكن حصره في امثلة عابره، التضييق بشتى الوسائل على الاعلام الحر والاعتداء على الصحفيين، الصراعات الاثنوطائفية سياسية اغرقت المشهد السياسي، والمحاصصات الطائفية السياسية والعرقية هي المصدر لتشكيل اغلب السلطات الرئيسية، والفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام واهدار الثروات هو سيد المشهد العام لأكثر من عقد ونصف من الزمن، انتشار الميليشيات والعصابات المسلحة وأقحامها في العمل السياسي أحد مصادر الديمقراطية الهشة في العراق، والفضائيات وسعة انتشارها واجندتها ومصادر تمويلها وخطابها اسئلة تثير الكثير من الشكوك حول الديمقراطية في العراق، فهل هي حرية مرتبطة بضرورات الديمقراطية أم معوقة لها.

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على الوطن، تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى، ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية،حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد،مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد، وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار، وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية، مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة، وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة، أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس..

كما أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد،بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ،بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه. فالحديث اليوم يجب أن ينصب على الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي " للديمقراطية " لا على مدى توفر الأطر الشكلية لها والمجردة من الكفاءة في الأداء.

أن من ابرز معضلات العراق في بناء ديمقراطية مستقره تنمو بالتقادم هو القوى السياسية التي ترى الديمقراطية وسيلة للأستحواذ على السلطة وترى في الدولة والحكم غنائم بعيدا عن مفهوم التدوال السلمي للسلطة كمدخل لأستقرار العملية الديمقراطية، وهي لا تؤمن في الديمقراطية السياسية ولا في التعددية الحزبية، فكيف من لا يؤمن بالديمقراطية ان يبني الديمقراطية. وكذلك تشوهات الوعي المجتمعي وتعرضه لمحاولات الغسيل الدماغي والتشويه، وهذا ليست وليد اللحظة بل لعقود خلت قبل اسقاط النظام السابق، غاب فيها الفكر النقدي وضاقت فيها خيارات الناس، واليوم يستخدم خلط المقدس بالمدنس واستغلال مشاعر الشعب لزج الدين في السياسية وتحويل خيارات الناس صوب بدائل معوقة للديمقراطية والاستقرار السياسي. وكذلك ارتهان العراق واستقراره للأجندة الاقليمية وفرض ارادات خارجيه عليه وتحويله الى ساحة لتصفية الحساب بين الاطراف الاقليمية والامريكية، وهذا بطبيعته يلغي فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وبمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية فأن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى اكثر من خمسة عشر عاما المنصرمة، وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي، إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي، أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية، وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت، وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية،بل لعلها أهم منجزات الحداثة، وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي، ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات، وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية، وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية، ويشكل هنا اعادة بناء أسس العملية السياسية وفي مقدمتها الدستور وقانون الانتخابات وقانون الاحزاب وغيرها مدخلا لازما لتصحيح مسار الديمقراطية وضمان استقرارها وثرائها وتقدمها. وليكن اليوم العالمي للديمقراطية حافزا قويا لمن يعز عليه العراق وبقائه وطن صالح للجميع.

 

د. عامر صالح

 

محمد الدعمياستقطب لفظ “حريم”، بعد إدخاله اللغات الأوروبية، كناية عن حال المرأة في الشرق العربي الإسلامي هالة من المعاني المشوهة حتى أضحى مفهوما لصيقا بنسائنا عبر العالم الغربي، للأسف.

ولذا، لا يفلت متابع أدبيات الثقافة والسياسة الغربية الخاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية من رصد تركيز هذه الأدبيات على موضوع المرأة وقضية تحريرها عبر هذه المجتمعات، تحت عنوان “الحريم” Harem أو Hareem. حتى إذا ما أدار المستمع مذياعه لالتقاط بث أي من المحطات الإذاعية الغربية، فإنه لا بد وأن يصادف برنامجا أجنبيا من نوع التصيد في الماء العكر تحت عنوان “قضايا المرأة”، وهي مبثوثات تعتني بأوضاع المرأة عبر البلدان العربية والإسلامية خاصة، دون نسيان تحريض المرأة ضد مجتمعها بادعاء العمل على “تحسين” حالهن وفك قيودهن من طغاة البيت السمر: مثل الأب والأخ والابن؛ أي هؤلاء الذين يوقعون (بحسب التصوير الغربي) أقسى العقوبات البدنية والنفسية ببنات أسرهم. ولا تختلف محطات البث الأثيري المحلية المتلفزة في بلداننا الشرقية (أحيانا) عن هذا النوع من التصوير الذي يُسيء تمثيل المجتمعات الشرقية عبر توظيف ثغرة يعدها العقل الغربي نقطة ضعف أو “جبهة رخوة” يمكن من خلالها اختراق مجتمعاتنا على سبيل تبرير التدخل في شؤونها ومن ثم الدعوة إلى “إصلاحها”. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لنلاحظ اشتراط الإدارة الأميركية في العراق (2003-2011) تمثيل المرأة بنسبة 25% في كل مجلس إداري أو تمثيلي، وكأن هذه الإدارة تلقن العراقيين دروسا من نوع جديد في كيفية التعامل مع المرأة وخصها بالاحترام المناسب!

ومن ناحية أخرى، يرصد المهتمون بالاستشراق وبنقده هذا الاتجاه المهم من المدخل الاستشراقي بسهولة، نظرا لأنه اتجاه دأب على فكرة العويل وذرف الدموع من أجل المرأة في المجتمعات الشرقية عامة والمسلمة خاصة، بوصفها واحدة من أهم “عوامل الإعاقة” التي حالت بين هذه المجتمعات، من ناحية، وبين التقدم، من ناحية مقابلة. بيد أن الأخطر في هذا السياق لا يكمن في حال “التأمل الرومانسية” المتعاطفة مع المرأة الشرقية “الحبيسة”، حسب تصويرهم غير العادل لها، بل هو إحالة هذه “النزعة الرومانسية” التي تبدو بريئة على السطح لتغدو سلاحا للصدام الثقافي: لقد تم “تسييس” قضية المرأة وتحريرها في الشرق كي يمكن تأبطها “شرا” على سبيل تجسيم مثالب هذه المجتمعات وتضخيمها، بل والتدخل في شؤونها. ومن الناحية التاريخية، تتجسد هذه الحال في الخطاب الاستشراقي والاستعرابي على نحو عام، ذلك أن واحدا من أهم المبررات التي اعتمدها التدخل البريطاني المبكر في الهند، إذ ارتكن إلى فكرة تحرير المرأة من الممارسات السادية التي كان يمارسها الهندوس من أقدم العصور، خصوصا بقدر تعلق الأمر بعادة “حرق الأرامل” أنفسهن طواعية، المسماة “ساتّي”، بعد وفاة أزواجهن. لذا عمد الصولجان البريطاني في الهند لتبرير بقائه (الذي كانوا يريدون له التواصل للأبد) عبر الحديث عن “الجميل” الذي أسداه التاج الإمبراطوري للمجتمع الهندوسي عن طريق منع ممارسة هذه العادة السيئة، ناهيك عن سواها من العادات التي كانت تحط من شأن المرأة.

 

د. محمد الدعمي

 

حسيب الياس حديدالعمل: اذا كانت هناك زيادة في القوى العاملة سوف يكون هناك زيادة في المخرجات الاحتمالية. وتحصل هذه الزيادة عادة نتيجة لمشاركة اكبر لسعر الفائدة أي زيادة اكبر نسبة من السكان في العمل او الذين يبحثون عن العمل وعلى سبيل المثال اذا ارادت نسبة كبيرة من النساء مع الأطفال المشاركة في سوق العلم فان القوى العاملة ستزداد لا محالة .

ومن ناحية أخرى يمكن ان تكون زيادة القوى العاملة ناتجة عن الزيادة في السكان . وهنا نواجه مشكلة . فاذا لم تكون الزيادة الكلية للسكان متناسبة مع زيادة في القوى العاملة سوف لن تطرأ اية زيادة على المخرجات. وان الناحية العملية تواجه العديد من الدول المتقدمة نسبة متناهية لسكانها فوق عمر التقاعد لذلك يكون من المتوقع انخفاض المخرجات .

الأرض والمواد الخام

تعد الأرض ثابتة في الكمية بصورة افتراضية . ولا تضيف اية مشاريع للأراضي الهامشية أي زيادة للمخرجات القومية حتى اذا ما تم اكتشاف مواد خام جديد (مثل النفط) فان ذلك سوف ينتج فقط على المدى القصير .

مشكلة انخفاض العوائد

اذا طرأت زيادة في تجهيز عامل واحد من عوامل الإنتاج مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة ستشهد العوائد انخفضاً ملحوظاً. وعلى سبيل المثال اذا كانت هناك زيادة في كمية رأس المال ولا توحد زيادة في عوامل الإنتاج الأخرى عندئذ سيكون هناك انخفاض في العوائد كما ان نسبة العوائد على رأس المال سوف تنخفض مالم تكن هناك زيادة في كل عوامل الإنتاج وينتج عن ذلك بطؤ في نسبة النمو اما الحل الأمثل لمشكلة انخفاض العوائد فهي زيادة في إنتاجية الموارد .

زيادة إنتاجية الموارد

يمكن ان تعمل التحسينات التكنلوجية على زيادة إنتاجية رأس المال الهامشية . فان كل الاستثمارات التي تعتمد على التكنلوجيا الحديثة تعمل على انتاج نسبة اعلى من العوائد فاجهزة الحاسوب الحديثة تقوم باعمال تتطلب اعدادا كبيرة من الناس كما ان الوسائل الحديثة للنقل (او وسائط النقل الحديثة) عملت على تقليل كلف السلع والمواد المنقولة . كما ان وسائل الاتصال الحديثة عملت على تقليل كلف نقل المعلومات والاخبار . ونتيجة للتقدم التكنلوجي نجد ان إنتاجية رأس المال اتجهت نحو الزيادة كما انه نتيجة للمهارات الجديدة والتدريب الحديث والجيد والتحسينات التي أدخلت على الصحة فان هذه العوامل كلها أدت الى زيادة إنتاجية العمل بمرور الزمن .

سياسات انجاز النمو (سياسات تحقيق النمو)

كيف تستطيع الحكومة ان تعمل على زيادة نسبة نمو الدولة ؟ تختلف السياسات في طريقتين الأولى ، يمكن ان تركز على الطلب او العرض في الاقتصاد،. وبعبارة أخرى انها تعمل خلق طلب اجمالي لضمان ان تقوم الشركات باستثمار يعمل على زيادة المخرجات. اما الثانية فانها تركز على التوجه نحو السوق او سياسات التدخل ويعتقد العديد من الاقتصاديين و السياسيين بان افضل بيئة لتشجيع النمو الاقتصادي هي السماح للقطاع الخاص بالازدهار والنمو حيث يستطيع المقاولين من ان يجنوا مكافاءات ضخمة عن طريق الاستثمارات في التقنيات الحديثة وفي المنتجات الحديثة ، ويوصي الاقتصاديون بسياسات من شأنها ان تعمل على تحرير السوق في حين يؤكد فريق اخر من الاقتصاديين على ان تحرر السوق سوف يؤدي الى تقلبات دورية كبيرة لذلك يوصون بان تتدخل الحكومة من اجل تقليل هذه التقلبات .

ماهية البطالة وانواعها

البطالة: ماذا تعني البطالة ؟

يمكن الإشارة الى البطالة اما بالعدد (مثلاً مليون ونصف) او بالنسبة المئوية (5%) ولكن من هو الذي سوف يدخل ضمن الاحصائيات هل سيدخل في الاحصائيات كل شخص بدون عمل؟ الجواب وبكل وضوح كلا . طالما اننا لا نريد ادخال الأطفال والسجناء . ويمكننا أيضا ان نستبعد أولئك الذين لا يبحثون عن عمل مثل الوالدين الذين يرغبون البقاء في البيوت للاعتناء بالأطفال

فالتعريف المعتاد والمستعمل من قبل الاقتصاديين للبطالة هو: أولئك الذين تبلغ أعمارهم اعمار القوى العاملة ولكن ليس لديهم أي عمل وموجودين من اجل العمل ضمن نسب أجور العمل السائدة .فاذا ماتم حساب ذلك بالعدد ففي هذه الحالة سوف تحسب نسبة مئوية من اجمال القوى العاملة ويمكن تعريف القوى العاملة: أولئك الذين يعملون والذين لا يزولون أي عمل . لذلك نقول 22.5 مليون نسمة في العاملين و 2.5 مليون العاطلين ويمكن حساب نسبة البطالة كما يأتي:

2.5   X 100 =10 PERCENT

22.5+2.5

القياسات الرسمية للبطالة

هناك قياسان للبطالة مستعملة في الاحصائيات الرسمية ، الأول البطالة التي يستلم فيها العاطلين علاوات مثلما هي الحال في (المملكة المتحدة) اما الثاني فهو نسبة البطالة القياسية (المعيارية) ومنذ عام (1998) تم اعتماد هذا القياس في المملكة المتحدة كما ان القياس المستعمل من قبل منظمة العمل الدولية ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي وتنشر هاتين المنظمتين احصائيات البطالة في دول عديدة في العالم.

وضمن هذا القياس يمكن تعريف العاطلين على انهم أولئك الذين هم في عمر العمل ولكنهم من دون عمل ومستعدين للبدء بالعمل خلال مدة أسبوعين ويسعون وبصورة فاعلة للحصول على العمل او انهم بانتظار التعيين .

ولكن هل ان نسبة البطالة المعيارية هي اعلى ام اوطأ من نسبة البطالة من النوع الاول ؟ يبدوان نسبة البطالة المعيارية اعلى لانها تشمل أولئك الناس الذين يبحثون عن العمل ولكنهم لا يطالبون بفوائد وتكون اوطأ عندما تستثني أولئك الذين يطالبون بالفوائد ولكنهم لا يبحثون عن العمل بصورة فاعلة وبكل وضوح كلما كانت ترتيبات الفوائد معقدة وكلما وصلت نسبة البطالة من النوع الاول نسبية فيما اذا قورت مع النسبة المعيارية .

كلف البطالة:

ان أوضح كلفة للبطالة هي العاطلين انفسهم حيث هناك كلفة مالية مباشرة لخسارة عوائدهم تقاس على أساس الفرق بين اجورهم السابقة والفائدة التي يجنوها من البطالة كما ان هنالك الكلفة الشخصية لانهم عاطلين عن العمل . وكلما طالت مدة البطالة للأشخاص كلما زاد احباطهم كما ان تقييمهم الذاتي سوف يتدنى  ولهذا السبب يكونون فريسة الامراض .وهناك أيضا كلف عائلة العاطل وأصدقائه حيث تتأثر العلاقات الشخصية بصورة سلبية وربما ينتج عن ذلك عنف داخلي وانشطار لمزيد من العوائل.

ثمة كلف أوسع للاقتصاد حيث ان فوائد البطالة يقوم بدفعها دافعي الضرائب وربما هناك زيادة في الانفاق العام للخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والأكثر من ذلك تمثل البطالة خسارة في المخرجات . وبعيدا عن الحاجة الى دخل للعاطلين انفسهم فان هذه الحالة تدفع عادة الى مدخولات قليلة:

-  تخسر الشركات الكثير من الأرباح في حالة البطالة

- تخسر الحكومة ضرائب الدخل طالما ان العاطلين عن العمل لا يدفعون ضريبة الدخل والضمان الاجتماعي

- يخسر العاملين الاخرين الأجور الاحتياطية التي كان بإمكانهم الحصول عليها اذا زادت المخرجات الوطنية (او القومية) .

البطالة وسوق العمل

نعود الى مسألة البطالة واسبابها وفي الحقيقة يمكن تصنيف البطالة الى صنفين:

التوازن وعدم التوازن ولمعرفة التمييز بين هذين الصنفين لابد من معرفة الكيفية التي يؤدي فيها سوق العمل دوره . فالمعدل الحقيقي للأجور ونسبتها تقاس على محور عمودي ويتم التعبير عن نسبة معدل الأجور بالقوة الشرائية وبعبارة أخرى بعد اخذ التضخم بنظر الاعتبار .

فالعرض الإجمالي للعمل المنحنى (ASt) يبين عدد العاملين الذين يقبلون الاعمال عند اية نسبة أجور ولا يتسم هذا المنحنى بأية مرونة طالما ان حجم القوى العاملة في اي وقت من الأوقات لا يتغير بدرجة كبيرة ولا يتسم بالمرونة للأسباب الاتية:

أ‌- تشجع الأجور الأعلى بعض الناس على الدخول سوق العمل

ب‌- يفضل العاطلين عن العمل قبول عرض العمل افضل من الاستمرار في البحث عن عمل باجور افضل

اما الطلب الاجمالي للعمل نجد ان المنحنى (AD) في حالة انخفاض وكلما زادت نسبة الأجور كلما دفع الشركات الى اقتصاد بالعمل وتحاول استبدال عوامل أخرى لانتاج العمل .

ويكون سوق العمل في حالة توازن في الأجور حيث يكون الطلب على العمل مساويا للعرض ، فإذا كانت الأجور اعلى من (WES) سيكون سوق العمل في حالة توازن وإذا كانت نسبة الأجور تؤشر (W16) يعني هنالك فائض في عرض العمل A-B وهذا ما نطلق عليه بعدم توازن البطالة (البطالة غير المتوازنة) وتحدث هذه الظاهرة في الحالات الاتية:

- يجب ان يزداد العرض الإجمالي للعمل على الطلب الإجمالي

- يجب ان لا تنخفض نسبة الأجور فجأة.

وحتى عندما يكون سوق العمل في حالة توازن فانه ليس بوسع كل من يبحث عن العمل ان يتم تشغيله فان قسم من العاطلين يبحثون عن عمل افضل. والفرق الافقي بين ذلك العرض الإجمالي لمنحني العمل (ASL) يمثل فائض الناس الذين يبحثون عن العمل على أولئك الذين يقبلون الاعمال . اما (Qe) فانها تمثل مستوى توازن العمل وان البعد D-E يمثل مستوى توازن البطالة وفي بعض الأحيان يعرف هذا المستوى (بالمستوى الطبيعي للبطالة) .

أنواع البطالة غير المتوازنة

هنالك ثلاثة أسباب للبطالة غير المتوازنة:

البطالة بالاجور الحقيقية والبطالة الدورية او نقص الطلب والنمو في عرض العمل

موازنة البطالة: البطالة المتوازنة

نجد ان البطالة في الثمانينات والتسعينات اكثر منه في السبعينات وان احد أسباب ذلك هو النمو في البطالة الموازنة. وعلى الرغم من وجود اقتصاد كلي متوازن مع الطلب الإجمالي للعمل مساويا للعرض الكلي لذلك لا توجد بطالة غير متوازنة وعلى مستوى الاقتصاد الكلي ولا يمكن ان تجري منافسة بين العرض والطلب . وبعبارة أخرى هناك بعض الفجوات في الاقتصاد الا ان فائض العمل (البطالة) موجود في جوانب أخرى من الاقتصاد . وهذه هي البطالة المتوازنة . وبالتاكيد هناك انوع عديدة من البطالة المتوازنة.

البطالة الاحتكاكية

تحدث البطالة الاحتكاكية عندما يكون هناك العديد من الناس الذين يتركون أعمالهم اما بصورة طوعية او انهم فائضين عن الحاجة لذلك يكونوا عاطلين عن العمل لفترة من الزمن في الوقت الذي يبحثون فيه عن عمل جديد . وربما لا يحصلون على العمل عند اول تقديمهم لطلباتهم على الرغم من وجود شواغر فالعامل يستمر في البحث عن العمل متأملا ان يجد عملا افضل او ان صاحب العمل يبحث عن شخص بكفاءة واهلية عاليتين . ولذلك فانه من المحتمل جدا ان لا يحصل العاطلين عن العمل على فرصة العمل عند اول تقديمهم ويستمرون في بحثهم عن افضل عمل او فرصة أخرى .

والمشكلة ان المعلومات غير متكاملة او ناقصة . إذ لم يتم اعلامرب العمل بدقة حول المتوفر كما ان العمال أيضا لم يتم اعلامهم بالأعمال المتوفرة ولكن يترتب على ارباب العمل وعلى الاُجراء على حد سواء ان يبحثوا أي ان يبحث ارباب الاعمال عن الاعمال الصحيحة وان يبحث الاجراء عن العمل الجيد .

البطالة البنوية (التركيبية)

توجد البطالة البنوية عندما يتغير الاقتصاد فالعمل في بعض الصناعات يتوسع في حين يتحجم في غيرها وهنالك سببان لهذه الظاهرة:

1- التغيير في نمط الطلب فقد اصبح لدى بعض الصناعات خبرة كافية حول انخفاض الطلب وتدهوره وربما يعزى ذلك الى تغييرات في ذوق المستهلك وربما هناك بعض السلع تصبح قديمة وخارج الموضة او ربما يعزى ذلك الى وجود منافسة شديدة مع صناعات أخرى وعلى سبيل المثال ان يقوم المستهلك بتغيير نوع المحروقات من الفحم الى نوع اخر من المحروقات او الوقود وهذا بوره سوف يؤدي الى بطالة بنيوية (تركيبية) في مناطق المناجم .

2- التغيير في طرق الإنتاج (البطالة التكنلوجية) هنالك تقنيات حديثة للإنتاج تسمح عادة بنفس المستوى للمخرجات ولكن بعدد اقل من العامين وهذا يعرف " التقدم التقني في ادخار العمل " " LABOUR-SAVING TECHNICAL PROGRESS" . ومالم تتوسع المخرجات بدرجة كافية لتستوعب فائض العمل فانه ستحصل فائض في العاملين . وهذا بدوره سوف يخلق البطالة التكنلوجية . مثال على ذلك وجود فائض في العاملين في المصرف لوجود الات ومكائن حديثة للنقد وكذلك التطور الذي طرأ في مجال الاتصالات والهاتف وشبكة الانترنت .

وغالبا مات حدث البطالة البنوية في مناطق خاصة من البلاد وعندما يحصل ذلك فاننا سوف نشير الى البطالة الإقليمية ويحصل ذلك عندما تقوم صناعات خاصة بالتمركز في مناطق خاصة

البطالة الموسمية

تحدث البطالة الموسمية عندما تكون هناك تقلبات في أنواع العمل من خلال فصول السنة ، والمشكلة معقدة هنا خاصة في مواسم العطلات

التضخم

يتم قياس التضخم بموجب نسبة الزيادة السنوية للأسعار . والمقياس العام للتضخم هو أسعار التجزئة وتعمد الحكومة في هذه الحالة الى نشر جدول للأسعار شهريا وان نسبة التضخم هي في الحقيقة النسبة المئوية للزيادة ولمدة (12) شهر وتجدر الاشارة الى ان اعلى نسب التضخم في الولايات المتحدة والاتحاد بلغت في الفترة 1973-1983 ومنخفضة نسبيا في الثمانينات وفي السنوات الأخيرة .

ومن الممكن إعطاء نسبة التضخم لاسعار أخرى . وعلى سبيل الماثل يتم إعطاء جدول مطبوع حول أسعار المواد الغذائية وأسعار المساكن وأسعار الاستيراد والاسعار بعد استيفاء الضرائب وغيرها . وتمثل نسب التضخم في الحقيقة النسب السنوية للزيادة وعلى هذا الأساس من الممكن إعطاء نسب التضخم الخاصة بنسب الأجور .ومن الأهمية بمكان ان نشير الى انه عندما يكون هناك تضخم لابد من الاهتمام بتقييم المخرج القومي والاستهلاك والأجور المتزايدة. .

كلف التضخم

تعد الحاجة الى النمو مشكلة واضحة للعيان اذا ما رغب الناس بمستوى معاشي عالي فالبطالة تكون مشكلة حقيقية للعاطلين انفسهم وللمجتمع على حد سواء خاصة وان المجتمع يعاني من خسارة في المخرجات وعليه ان يدعم العاطلين عن العمل ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يعد التضخم مشكلة ؟ اذا ما واجهت الشركات كلفا مرتفعة فهل ان في ذلك مشكلة اذا كانوا قادرين على معالجتها بأسعار اعلى؟ والشيء ذاته بالنسبة للعاملين فاذا كانت مرتباتهم تتجانس مع الأسعار عندئذ سوف لا تكون هناك مشكلة في التأثير على مستويات معيشتهم .

ولكن اذا ما توقع الناس وبصورة صحيحة نسبة التضخم ويحاولون ملائمة الأسعار والمدخولات فان كلف التضخم ستكون قليلة نسبياً وبالنسبة لنا كمستهلكين يترتب علينا ان ندرك مفهوم الأسعار " المعتدلة " لكل مادة من المواد ومن ثم ننطلق للشراء وبالنسبة للشركات سوف يكون الامر بسيطاً نسبياً حيث يتم تغيير الأسعار في المخازن او في الفهارس التي يطبعونها ولكن في الواقع غالبا ما يقع الناس في أخطاء عند توقعهم لنسبة التضخم وانه ليس بمقدورهم التأقلم معه بصورة كلية وهذا بدوره سوف يؤدي الى مشكلة اكثر خطورة من ذلك فانه كلما زادت نسبة التضخم كلما زادت نسبة التقلبات .

إعادة التوزيع

يعمل التضخم على إعادة توزيع الدخل بعيدا عن تلك الخاصة بالمدخولات الثابتة لأولئك الذين هم في موقف مساومة ضعيف والى أولئك الذين يستطيعون استعمال اقتصادهم او قوتهم الاقتصادية للحصول على مدفوعات اكبر ويتم إعادة توزيع الثروة لاؤلئك الذين لديهم موجودات (أي أموال) والتي تزداد قيمتها خلال فترات التضخم بعيدا عن أولئك الذين لديهم مدخرات والذين تبلغ نسبة الفائدة اقل من نسبة التضخم والتي قيمتها تأثرت بسبب التضخم .

عدم اليقين والحاجة الى الاستثمار

يعمل التضخم على ان يسبب حالة عدم اليقين اي (انعدام الثقة) في مجتمع الاعمال خاصة عندما تكون هناك تذبذبات في نسبة التضخم (وبصورة عامة كلما زادت نسبة التضخم كلما زادت التذبذبات والتقلبات) . فاذا يصعب على الشركات التنبؤ بكلفها وعوائدها فانهم سوف لا يتشجعون على الاستثمار وسيعمل هذا بدوره الى تقليل نسبة النمو الاقتصادي .ومن ناحية أخرى ربما تعمل سياسة تقليل نسبة التضخم على تقليل نسبة النمو الاقتصادي على المدى القصير وهذا بدوره سيجعل الحكومة في مأزق يصعب الخروج منه .

ميزان المدفوعات

يعمل التضخم على جعل ميزان المدفوعات بشكل أسوأ مما هو عليه فاذا ما كانت الدولة تعاني من نسبة تضخم عالي فان ذلك سوف ينعكس على صادراتها وبالتأكيد سوف يقلل من صادراتها من جهة ومن جهة أخرى سوف لا تكون صادراتها في موقع يسمح لها بمنافسة جيدة في الأسواق العالمية .وفي الوقت نفسه سوف تزداد الواردات في الوقت الذي سوف تقل الصادرات . ونتيجة لذلك سوف ينهار ميزان المدفوعات و/ او سعر الصرف سوف ينخفض كثيرا ويزداد سعر الفائدة. وان كل واحد من هذه التأثيرات سوف يسبب الكثير من المشكلات .

الموارد

يتم استخدام الموارد الاضافية من اجل معالجة تأثيرات التضخم ولابد من تشغيل المحاسبين والخبراء الماليين في الشركات لمساعدتهم لمعالجة حالات عدم اليقين بسبب التضخم وسوف تكون كلف التضخم معتدلة نسبياً اذا ما تم الاحتفاظ بالتضخم ضمن رقعة معينة واذا ما خرج التضخم عن السيطرة عندئذ سوف يكون الوضع اكثر خطورة واذا ما تطور التضخم الى ما هو اكثر من التضخم مع زيادة الأسعار بنسبة 100 % او اكثر فان القاعدة الأساسية للسوق سوف تنهار وتعتمد الشركات عادة على رفع الأسعار من اجل محاولة تغطية تكاليف المعيشة المتزايدة . وهكذا فان كل من الأسعار والأجور سوف تعاني من مطاردة عنيفة وفي هذه الحالة لا يرغب الناس في ادخار الأموال وبدلا من ذلك سوف ينفقونها بسرعة مذهلة قبل ان تفقد قيمتها اكثر مما فقدته وربما يعمد الكثير من الناس الى المقايضة لتجنب استخدام الأموال .

العرض والطب الاجماليين ومستوى الأسعار

يتم تحديد مستوى الأسعار في الاقتصاد بواسطة التفاعل بين العرض والطلب الاجماليين والتحليل مشابه لتحليل الطلب والعرض في الأسواق الفردية ولكن هنالك اختلافات مهمة

هل ان التضخم مات؟ كلا وانما يجب وضعه تحت السيطرة

يمكن ان يكون التضخم القليل والمعتدل مفيداً لان الأسعار والأجور تكون منخفضة فالاتحادات لا ترضى بقطع الأجور كما ان الشركات لا ترضى بقطع الأسعار فان وجود التضخم بهذه الصيغة المعتدلة يؤدي الى ارتفاع وانخفاض معتدل بين الأسعار والأجور . فاذا ارتفع الطلب ترتفع الأسعار والأجور واذا قل الطلب سوف تحافظ الأسعار والأجور على مستوياتها.

 

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

.................

المصدر

The Macro Economic Environment of Business {Wikipedia}

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، ونبدأ بعرض تحليلي لكتاب الوجود المقلوب والذي صدر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة عام 1997، ففي هذا الكتاب يحاول الدكتور وهبة طلعت ابو العلا أن يقدم لنا رؤية فلسفية - ذات صبغة سياسية للواقع المعاصر منذ عام 1945م، وحتي الآن، هذه الرؤية يقدمها الدكتور وهبة في شكل مختصر يصلح لأن يكون تخطيطا لمشروع فلسفي – أخلاقي وميتافيزيقي – أعم وأشمل، وهذا المشروع أطلق عليه اسم الوجود المقلوب، وفي رأيه انه منذ ذلك التاريخ أصبح هناك نوع من الوجود الخفي يتحكم في البشر ويوجهه حياتهم ولكن عن غير وعي منهم في معظم الأحيان.

والكتاب محاولة من كاتبه للكشف عن هذا الوجود الخفي علي حد تعبيره . وتأتي هذه المحاولة من منظور محاولات الإنسان وعدم قدرته عل مدار التاريخ من التوصل للإجابة علي هذا السؤال: تُري من سيتمكن في نهاية المطاف من تحقيق حلم الانفراد بحكم هذا الكون وبسط سلطانه عليه .

والوجود المقلوب عند وهبة طلعت هو وجود يناقض الواقع الشائع أو المعاش بالفعل في الحية اليومية . فهذا الوجود الشائع في اعتقاده وجود ظاهري وهمي، أو هو ظل للوجود الحقيقي الذي يراه وهبة طلعت يكمن خلف هذا الوجود، ويتخفي تحته، ويتحكم بالفعل في حياة سائر البشر قاطبة – ولكنهم لا يشعرون !!

وفي ضوء هذا المنظور حاول وهبة طلعت أن يبرهن علي تاريخ البشر يمكن النظر إليه علي أنه تاريخ محاولات الإنسان وفشله علي مدار الزمن في التمكن من حكم هذا الكوكب، بل الكون كله إن أمكن، وبسط سلطانه عليه . فهذا الحلم لم يتحقق في رأي وهبة طلعت إلا منذ عام 1945م، وذلك عندما حدثت حادثة فريدة زلزلت كيان العالم أجمع، وقلبته رأساً علي عقب . أخيرا، وبعد محاولة مضنية عبر تاريخ البشرية الطويل، تمكنت دولة واحدة بعينها من التوصل إلي ذلك الاختراع الذي كان أملاً يراود جميع الدول وتسعي جاهدة إلي تحقيقه أعني إنتاج القنبلة الذرية أو وسائل التدمير الشامل، الأمر الذي مكنها من الانفراد بحكم هذا الكوكب – وربما الكون كله – وبسط سلطانها عليه، ومن تحقيق النتائج المترتبة علي ذلك، والتي قلبت الوجود رأساً علي عقب، والتي يقف علي رأسها سجن التاريخ نفسه في زنزانة لا يمكن الفكاك منها أبداً . هذه الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلي الرغم من أن حلم انفراد دولة واحدة بعينها بحكم هذا الكوكب – والكون كله إن أمكن – لم يتحقق في اعتقاد وهبة طلعت إلا قرب منتصف هذا القرن، إلا أنه يري أن هذا الحلم كان يداعب باستمرار شتي الأمم والحضارات عبر مسيرة التاريخ منذ الماضي السحيق فهذا الحلم كان يشكل الأساس التحتي لفكرة العالمية، أعني لفكرة السيطرة علي العالم وإخضاعه لجنس من الأجناس أو لقوم من الأقوام أو حتي لفرد من الأفراد، التي عرفتها سائر الأقوام منذ الماضي السحيق.

صحيح أن هذه الفكرة بمعناها الدقيق قد تكون غير معروفة للإنسان البدائي أو لإنسان الكهوف، غير أنه من الاجحاف الزعم بأن هذه الفكرة كانت غائبة علي الإطلاق عن ذلك الإنسان . فمن الممكن الرد علي هذا الزعم بالقول بأن الكهف والبقعة – أو البقاع – المحيطة به كانا يمثلان بالنسبة لذلك الإنسان العالم بأكمله، الأمر الذي يعني ضمناً أن فكرة العالمية – أعني فكرة سيادة العالم – لم تكن غائبة عنه كلياً باعتبار أن سيطرته علي البقعة المحيطة كان يعني ضمناً سيطرته علي العالم أجمع – ولكن هذه العالمية لم تكن بعد عالمية بالمعني الدقيق .

وصحيح أيضاً أن التاريخ يدلنا علي فترات او أحقاب معينة في تاريخ البشر كانت تبدو فيها فكرة العالمية كما لو كانت فكرة غائبة . فشواهد التاريخ تحكي  كما يقول وهبة طلعت عن وجود فترات أو أحقاب كانت فيها كل أسرة من الأسر أو كل قبيلة من القبائل تعبد إلهاً خاصاً بها، بل وكانت تحرم عبادته علي أي قبيلة سواها، الأمر الذي قد يعني أو قل يدل علي غياب فكرة العالمية . غير أن هذا لا يقيم دليلاً علي الغياب التام لهذه الفكرة . فهذا الفعل قد يكون شاهداً علي حب التفرد والتميز، أكثر من كونه شاهداً علي غياب الفكرة؛ ففكرة العالمية لا يمكن أن تغيب عن البشر إلا في حالة واحدة أعني في حالة غياب اللغة.

فاللغة تمكن الإنسان من التحرر مما هو خاص وإدراك ما هو عام داخل ما هو خاص، أعني، إدراك فكرة العالمية حتي من خلال إدراك الجزئي، وبدون اللغة سوف يقتصر الإنسان في تفاهمه وإدراكاته علي الحواس والإشارات، وهذه تجعله حبيس ما هو جزئي أعني حبيس ما ليس بعالمي . فالحواس في مجموعها لا تدرك إلا الجزئي، وتفشل في إدراك ما هو عام داخل ما هو جزئي أو خاص . أما اللغة كما يقول وهبة طلعت  فتحرر الإنسان من هذا السجن – سجن الجزئي أو الخاص . فعندما عرف الإنسان اللغة عرف أيضاً وفي نفس الوقت كيف يتحرر من أسر الجزئي أو الفردي أو الخاص . فعرف، علي سبيل المثال، كيف يتحدث عن إنسان وإنسانية – أو عن البشر جميعهم – بدلا من مجرد النظر أو الإشارة إلي أحمد أو علي أو زيد وعمرو، مثلما عرف كيف يتحدث عن أشجار – حقاً من جنس الأشجار كله – أو عن مفهوم الشجرية في ذاته، بدلاً من مجرد الاقتصار علي النظر بالحواس إلي هذه الشجرة المفردة بعينها أو تلك، ثم عرف كيف يرتفع من الحديث عن الوقائع الجزئية المتعينة التي تقع تحت سمعه وبصره إلي حيث الحديث عن ذلك الذي يضم ويوحد بين سائر الوقائع في كل واحد منتظم أعني العالم.

حقا لقد استطاع الإنسان، بفضل اللغة وقرينها أعني الفكر أن يتحرر من أو الخاص وأن يدرك الكلي أو العام أو العالمي، بل وأن يشارك في الكون بلا حدود . فمن خلال إدراكه لشجرة معينة من الأشجار، استطاع الإنسان أن يدرك، وأن يتحدث عن معني الشجرية في ذاتها الأمر الذي جعله يستطيع أن يدرك وأن يتحدث عن جنس الأشجار أو عن سائر الأشجار أو عن الأشجار التي قد توجد في العالم – بل وحتي في سائر العوالم الممكنة – أو حتي في سائر هذ الكون .

ومن خلال إدراكه لكوكب الأرض مثلاً، استطاع الإنسان أن يدرك وأن يتحدث عن جنس الكواكب أعني عن سائر الكواكب التي قد توجد في هذا الكون . وهكذا انفتحت سائر أبعاد الواقع، وسائر أبعاد الكون، أمام الإنسان، وشخص الإنسان ببصره منذ زمن سحيق إلي كيفية سيادة العالم والسيطرة عليه وعلي الكون كله إن أمكنه.

ولهذا يقول وهبة طلعت: لتعلم عزيزي القاري الإنسان أن حلم سيادة العالم قبيلة من القبائل أو قوم من الأقوام أو حضارة من الحضارات، أو حتي فرد من الأفراد – باعتبار أن هناك حلم دفين في داخل كل فرد من الأفراد يجعله يأمل دوماً في أن يسود سائر البشر أو حتي أن يصير إلهاً إن أمكنه – للعالم هو حلم قديم ربما قدم الجنس البشري نفسه . هذا الحلم العزيز جاء حتي في المعني الحرفي لقصة الخلق نفسها حيث رمز إليه علس هيئة إقدام آدم علي الأكل من شجرة المعرفة بالخير والشر حتي يصير كالإله أعني عارفاً بكل شئ .

ولكن علي الرغم من أن هذا الحلم هو حلم قديم قدم البشرية نفسها، إلا أنه لم يتحقق، كما ذكر الدكتور وهبة طلعت، إلا قرب منتصف القرن العشرين. من هذا المنظور يفسر الدكتور وهبة طلعت البشر والحضارات علي انه تاريخ محاولات البشر وفشلهم في السيادة علي العالم وإخضاعه لسيطرة طائفة أو جنس أو حتي فرد بعينه . هذا الفشل قد يكون راجعاً قد يكون راجعاً إلي أسباب عديدة مختلفة، وقد تكون متناقضة، فيما بينها . غير أن هناك في اعتقاد وهبة سببا رئيسياً يراه بأنه يشكل الأساسي التحتي لسائر أسباب الفشل . هذا السبب هو : توازن ميزان القوي المادية، والبشرية، والتكنولوجية، والسياسية، والعسكرية – وهذه القوة الأخيرة هي في اعتقاد وهبة طلعت أهم هذه القوي علي الإطلاق – بين الأمم والحضارات.

فمنطق سير التاريخ يدلنا دوماً كما يقول وهبة طلعت علي أن حضارة أي شعب من الشعوب كانت تقوم علي هيئة فكرة، سرعان ما تقابلها حضارة شعب آخر تكون مخالفة، بل ومتناقضة ومحددة لها، فتشكل، بتعبير فلسفي، نقيض الفكرة (الحضارة الأولي) وسرعان ما يحدث الصراع والصدام بينهما وغالبا ما كان الصدام بين الحضارتين لينتهي في الغالب بدحرهما معاً، لتقوم علي أنقاضهما حضارة جديدة تكون بمثابة فكرة، سرعان ما تقابلها حضارة أخري جديدة، مناقضة لها وتكون نقيض الفكرة، ثم سرعان ما يحدث الصراع بين الحضارتين لينتهي في الغالب بدحرهما معا، لتقوم علي أنقاضهما حضارة جديدة تكون بمثابة فكرة، سرعان ما تقابلها حضارة أخري جديدة مناقضة لها، ثم سرعان ما يحدث الصراع بينهما ... وهكذا . والسبب الذي كان يجعل الصراع بين الحضارات المتناقضة في الغالب ينتهي دوما بتحللها واندحارها يكمن في اعتقاد وهبة طلعت في توازن القوة . فتوازن القوي لم يكن يسمح علي الإطلاق بسيادة أي حضارة علي أخر سيادة مطلقة . هذا يفسر السر في عدم تمكن أي حضارة من الحضارات القديمة من تحقيق السيادة المطلقة علي العالم وبسط سلطانها عليه . لقد كان ميزان القوي العسكرية _ التكنولوجية علي وجه الخصوص في حالة توازن نسبي علي الأقل، ولم يحدث أن مالا بصورة مطلقة لصالح قوة معينة وعلي نحو جعلها تحقق الحلم المأمون _ أعني تحقيق السيادة المطلقة علي العالم وإخضاعه بسلطانها .

هذا يفسر السر في التقدم المذهل المضطرد في تكنولوجية التسلية الذي واكب مسيرة التاريخ الإنساني منذ القدم وحتي وقتنا الحاضر ؛ فهذا التقدم لم يكن الا انعكاسا لتزايد الوعي بضرورة تحقيق الحلم مع تقدم الزمن . غير أن هذا الحلم لم يتحقق منه ولو حتي النذر اليسير في العالم القديم وذلك لأن مقومات تحقيقه - خاصة المقاومات العسكرية التكنولوجية _ كانت مقومات بدائية مقصورة علي أدوات حجرية أو معدنية بسيطة كالسيوف أو الرماح . ولهذا كان الصدام أو الحروب تحدث دوما علي نطاق محدود للغاية .

هذه الحروب لا يجب النظر إليها علي أنها كانت حروبا محدودة لتلبية احتياجات مباشرة ليس إلا، بل يجب النظر إليها كما يقول وهبة طلعت أيضا علي أنها كانت محدودة لأن الإنسان القديم لم يكن يملك بعد المقومات التي تمكنه من تجاوز نطاق المحدودية أو المحلية – ولهذا يمكن القول إن هذا التجاوز حدث علي صعيد الفكر فقط في ذلك الوقت وليس في الواقع الفعلي _  والارتقاء إلي مستوي العالمية، أعني إلي حيث التمكن من حكم العالم . فالحلم كان بعيد المنال بالنسبة للإنسان القديم إما بسبب عدم توافر مقومات تحقيقه، أو بسبب عدم تمكن طائفة واحدة بعينها من الانفراد بهذه المقومات، خاصة أدوات التسليح التي كانت أدوات بسيطة في ذلك الوقت، وقصرها علي نفسها – فميزان القوي كان في حالة توازن نسبي أو حتي توازن مطلق.

ونفس الأمر يصدق علي العصر التالي للعصر القديم والذي يفضل الدكتور وهبة طلعت بأن يسميه اسم عصر البارود . فهذا العصر كان يشكل خطوة جديدة في طريق تحقيق الإنسان لحلمه القديم الذي لولاه ما كانت ثمة حاجة إلي اختراع البارود . فالغاية من هذا الاختراع لم تكن تحقيق مزيداً من السيطرة المحدودة ومزيداً من تلبية الاحتياجات المباشرة أو حتي غير المباشرة،بقدر ما كانت بعثاً لأمل جديد علي طريق تحقيق الغاية الكبري التي ينتظرها الإنسان في شوق ولهفة أعني حكم العالم . غير أن هذه الغاية لم تتحقق بدورها في ذلك العصر، وذلك لنفس السببين السابقين أعني أن إنسان ذلك العصر لم يكن يملك بعد كافة الوسائل التي تمكنه من تحقيقه، ولأن ذلك العصر نفسه لم يشهد قصر اختراع البارود – إلي جانب المقومات الأخرى – علي فئة أو طائفة أو مجموعة بشرية معينة دون سواها . فما إن اخترع البارود حتي تلقفته سائر الأقوام بل وتمكنت من تصنيعه فيما بينها ربما بنفس الكم والجودة، الأمر الذي أدي إلي حدوث توازن في ميزان القوي وبالتالي إلي استحالة تحقيق الحلم.

ولكن هذا العصر – عصر البارود – شهد قرب نهايته نوعا من التفاوت بين حضارات الشرق، وحضارات الغرب الأوربي، فحضارات الشرق سرعان ما انتابها اليأس- وذلك ربما لقصور الوعي – من تحقيق ذلك الحلم، ومن ثم راحت تغط في نوم عميق كما يقول وهبة طلعت مكتفيه بالعيش في وهم أن تحقيق هذا الحلم ليس في مقدور البشر، وأن ما تملكه من مقومات بسيطة يكفيها للدفاع عن نفسها في حالة حدوث أي  غزو خارجي ! لقد تراءى لها، ربما عن جهل، أن مقومات الغازي- خاصة العسكرية منها – يستحيل أن تصل إلي درجة أرقي من المقومات التي تملكها والتي اعتقدوا أنها تمثل أقصي ما يمكن للبشر اختراعه ! أما الغرب الأوربي فلم يعترف بالمستحيل الشرقي، وأصر علي المضي في الشوط إلي أبعد منتهاه . فأخذ فكرة تحقيق الحلم علي عاتقه – وهذا راجع إلي ارتقائه في سلم الوعي – وجعلها تشكل جوهر اهتمامه المطلق، حتي غدت مسألة حياة أو موت، أكون أو لا أكون، بالنسبة له . ولقد ترتب علي ذلك دخول البشرية في عصر جديد يفضل الدكتور وهبة طلعت أن يطلق عليه اسم عصر الأسلحة التقليدية . هذا العصر وصل إلي ذروته في تلك الحقبة المسماة بالحقبة الحديثة .

ولكن الغرب الأوربي وقع، لحسن الحظ! في خطأين سيظل في اعتقاد وهبة طلعت يدفع ثمنهما إلي الأبد . الأول هو أنه لم يعرف كيف يتوحد كدولة واحدة يمكنها أن تسود – أو تحكم – سائر الأمم والحضارات الأخرى . أما الآخر فهو أن التسليح التقليدي بكافة مقوماته الفتاكة لم يقتصر علي دولة أوربية واحدة بعينها، بل انتشر في سائر الأقطار الأوربية، بل وتعدي أقطار أوربا نفسها إلي بعض دول الشرق كاليابان . ولقد ترتب علي ذلك حدوث توازن جديد في ميزان القوي الأمر الذي سيفضي إلي استحالة انفراد دولة واحدة بعينها بحكم العالم .

وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

 

عبد الجبار نوريالليبرالية الجديدة هي حزمة من السياسات الأقتصادية التي أنتشرت على نطاق واسع في العقود الأخيرة، وتشير إلى أفكار سياسية وأقتصادية وحتى دينية، وأشتهرت المدرسة الليبرالية الأقتصادية في أوربا عندما نشر الأقتصادي الأسكتلندي " آدم سميث " كتابه (ثروة الأمم) عام 1776، مدافعاً لألغاء التدخل الحكومي في الشؤون الأقتصادية برفع القيود عن عملية التصنيع، ورفع الحواجز والتعريفات الكمركية، وأعلن في كتابه: أن التجارة الحرّة هي أفضل وسيلة للنهوض بأقتصاد دولة ما، وهي أشارة لأصحاب رؤوس الأموال أنكم أحرار في الوسيلة التي يجنون بها أرباحاً طائلة خيالية .

يتضح من تأريخ الغرب الأوربي أن اللبرالية سبقت الرأسمالية، بل أن اللبرالية هي الأساس الفكري للرأسمالية كنظام أقتصادي تكون اللبرالية هي السياسة والرأسمالية هي الأقتصاد، وقد بدأت اللبرالية فكراً منذ الأصلاح الديني في القرن 15 ثم النزعة الأنسانية في القرن 16، فتحرير الفكر في القرن 17 والثورة الفرنسية في القرن 18 لتبلغ الرأسمالية أوجها في القرن 19، وقبل أن تبدأ أزمتها في القرن العشرين رغم منجزاتها ومآثرها في حرية الفكر ورفض سلطة الكنيسة والأقطاع وتأكيد حرية الفرد وديمقراطية المجتمع فأنها وقعت في أخطاء فادحة منها أستعمار بعض مناطق من العالم القديم للبحث عن المواد الأولية واليدالعاملة الرخيصة نتجت تراكم الثروة وظهور العبودية من جراء أستيراد عبيدا من أفريقيا .

إذا تعتبر اللبرالية الجديدة قناعاً يخفي تغوّلْ الرأسمالية وتفتيت أنساق القيم وتدمير المقومات الخلقية، سادت الليبرالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في العالم العربي طُبقت كمحاولة لدراسة أحدى الظواهر الفكرية التي أجتاحت العالم في ظل العولمة وخلال أربعة عقود من سياسات اللبرالية الجديدة في خططها الأقتصادية والتنموية (أنتهت) بالفشل وأخفاقات مشهودة حتى طفحت أسقاطاتها وسيئاتها في الكساد الأقتصادي العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين .

إلى أن الأزمة الرأسمالية في العقود الأخيرة أتسمتْ بتقليص معدلات الربح دفعت الشركات العملاقة بأعادة أحياء الليبرالية الأقتصادية وهو ما يولد ليبرالية جديدة، أن صعود الليبرالية الجديدة ظهرت تطبيقاتها الشمولية في تسعينات القرن الماضي بعد أنهيار منظومة الأتحاد السوفيتي الأشتراكية، فأعلنت اللبرالية كنموذج فكري وسياسي لتنظيم المجتمع كما يعتقد الفكر الرأسمالي والتي أظهرت صيغة "اللبرالية الجديدة " للتخفيف عن غلواء الرأسمالية فسمحت نسبيا بتدخل الدولة في النشاط الأقتصادي ضمن القطاع الحاص، والآن في ظل العولمة المتسارعة للأقتصاد الرأسمالي، بتطبيق الليبرالية الجديدة على نطاق عالمي بحيث تتضمن الملامح الرئيسة للبرالية الجديدة التي تظهر (مساوئء وتداعيات وأسقاطات) الرأسمالية الجديدة:

-هيمنة السوق برفع كافة القيود التي تفرضها الحكومات على المشروعات الخاصة مع الأنتفتاح الواسع على التجارة والأستثمار الدولي وتخفيض الأجور .

- حل النقابات العمالية وتهميش حقوق العمال التي حصلوا عليها عبر سنوات في الكفاح .

- أتاحة الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات .

- تقليص الأنفاق على الخدمات الأجتماعية مثل التعليم والصحة، وخفض الأنفاق على خدمات الضمان الأجتماعي، وصيانة البنى التحتية من سكن ومواصلات وماء وكهرباء .

- الخصخصة ببيع المشروعات والبضائع والخدمات التي تمتلكها الدولة إلى رجال الأعمال وتتضمن بيع البنوك والصناعات الحيوية وسكك الحديد والكهرباء والتعليم والمستشفيات .

- القضاء على مفهوم الصالح العام وأستبداله بمصطلح المسؤولية الفردية، فهي تدمر برامج الرفاهية الأحتماعية وتهاجم حقوق العمال والطبقة الوسطى.

- يحاول اللبراليون عند تعريف اللبرالية بأنها (الحرية) وهذا تزييف، فالحرية أدعتها كثير من المذاهب والفلسفات، وليس هناك تعريف متفق عليه للبرالية .

- زيف زعم أن اللبرالية هي الحل لمشاكل العالم، وأن اللبرالية في الحقيقة موظة سرعان ما تزول كغيرها من الشعارات الديماغوجية الدعائية الرخيصة .

- تضع ترتيبات أقتصادية وسياسية جديدة تسودها الفوضوية من جراء زيادة المرونة الأقتصادية Flexibiliy lean Production أي الأنتاج اللين المرن .

- أضعاف النمو الأقتصادي وخصوصاً عند الدول النامية التي تظهر فيها الأزمات مضخمة أكثر من الدول الغربية لضعف قدرتها الأحتمالية .

- اللبرالية الجديدة تولد التقشف الذي بدوره يقود إلى المديونية وأستلابات البنك الدولي وقروضها المتعسفة .

- ومن تداعياتها الحداثوية تعدد الأشتراكيات دون أساس لبرالي مثل : تجربة التسيير الذاتي في الجزائر والأشتراكية الأفريقية والأشتراكية المسيحية والأشتراكية الأسلامية والأشتراكية الحميدة والمجيدة في العراق (العهد العارفي) .

 

عبد الجبار نوري

..........................

بعض المصادر والهوامش

* نقد اللبرالية الجديدة / د. الطيب بو عزّه 2009 - النت

* عبدالله الغذامي / أسئلة في الحرية والتفاوضية الثقافية -2013 المغرب

* د. أشرف منصور – الجذور الفكرية للبرالية الجديدة

* أدم سميث – ثروة الأم

 

جواد بشارةفي فجر الكون المرئي، وفي الجزء الأول من مليار من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم وتحت درجة حرارة تجاوزت العشرة آلاف مليار درجة مئوية، حيث تنبث وتتبخر الكواركات التي ستشكل فيما بعد الذرات الأولية للمادة، وبالتوافق مع التقلبات والتخلخلات والتموجات الكمومية أو الكوانتية للبلازما المكهربة أو المشحونة كهربائياً، بلغت الكثافة طاقوياً قيماً تكاد تكون لانهائية إلى درجة جعلت الفضاء أو المكان المتولد حديثاً ينهار على نفسه ويفضي إلى تشكل " ثقوب سوداء أولية بدئية منها ماهو مجهري ومنها لا يتجاوز قطرها بضعة عشرات الكيلومترات وبكتل تقارب كتلة شمسنا وفي كل مكان في الكون الوليد في كل 10000 كلم . وكانت هناك موجات ناجمة عن التصادمات ذات قوة عنف مهولة انتشرت بسرعة الضوء في الحساء الطاقوي الساخن وقامت ببلورة المادة cristallisent la matière، بالتزامن مع تمدد الكون وانخفاض حرارته أو برودته. بعض العلماء اليوم يعتقدون أن هذه الحالة هي الأصل لما نعرفه اليوم بالمادة المظلمة أو السوداء، أي الثقوب السوداء البدئية ألأولية التي خرجت سالمة من سعير الغليان البلازمي الأصلي، وانتشرت فيما بعد في الفضاءات ما بين المجرية وداخل المجرات نفسها بين النجوم، حتى أن مجرتنا درب التبانة تحتوي على 10000 مليار ثقب أسود بدئي أولي، أي أكثر عشر مرات من عدد النجوم التي تحتويها مجرتنا، حسب تقديرات العالم الذي افترض وجودها العبقري البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ سنة 1971. ولقد فشلت حملتان لرصدها وهما ماشو MACHO  سنة 1998 و إيروس EROS سنة 2006 أو العثور على آثار لمثل تلك الثقوب السوداء البدئية الأولية . لكنها عادت للواجهة بقوة نتيجة اكتشاف ورصد الموجات الثقالية ondes gravitationnelles  منذ العام 2015 إذ أ، بعض تلك الموجات نجم عن تصادم ثقوب سوداء تبلغ كتلتها 30 مرة كتلة الشمس وهي كتلة خفيفة غير قادرة على خلق  ثقب أسود فائق الكتلة كذلك الموجود في مركز مجرتنا، ومن جهة أخرى هي كتلة كبيرة بالنسبة لثقوب سوداء نجمية، أي تلك النجوم التي تنهار على نفسها في أواخر حياتها، الأمر الذي أدى إلى إنعاش فرضية ستيفن هوكينغ حيث أعيد تحليل ودراسة وإعادة النظر في نتائج تجربتي ماشو وإيروس. الفرضية  أنيقة وملخصها يقول أن المادة السوداء هي في الحقيقة عبارة عن نجوم بدئية صغير وأجسام فضائية غير مرئية تنتشر كالنمل في الكون وتمارس في كل مكان جذبها الثقالي وهي فرضية قابلة للتدقيق حيث يمكن رصد مثل هذه المكونات يوماً ما وهي عرضة لحملات رصد ومراقبة مكثفة من قبل فرق علمية جادة متخصصة في هذا المجال. التلسكوب البولوني OGLEالذي يبحث في قلب مجرة درب التبانة منذ سنة 2001، رصد ثمانية ثقوب سوداء من هذا النوع كتلها تتراواح بين ضعف  وخمسة أضعاف كتلة الشمس أي تتطابق مع تقديرات كتل الثقوب السوداء النجمية البدئية والأولية كواشف الموجات الثقالية ليغو LIGO و فيرغو VIRGO ترصد وتبحث هي الأخرى بدورها هذا النوع من الثقوب السوداء البدئية الأولية trous noirs primordiaux،وتم رصد عشرات التلاحمات والتصادمات والاندماجات بين مثل هذه الثقوب السوداء. فلو كان وزن بعض الثقبوب السوداء أقل من خمسة أضعاف كتلة الشمس أو أكثر من ثلاثين مرة كتلة الشمس، وهي القيم المحددة الموضوعة لنظرية الثقوب السوداء النجمية، مع البقاء أدنى من 1000، وهي الحد الأدنى للثقوب السوداء المجرية العملاقة، عندئذ يمكننا اعتبارها ثقوب سوداء بدائية أولية أو بدئية ولدت مع ولادة الكون المرئي ونفس الشيء لو كان دورانها يقرب من الصفر.

بالرغم من أن الثقوب السوداء نفسها ليست مصدراً للإشعاعات والضوء إلا أن قرص التراكم المكون من الأغبرة  والغازات التي تحيط به، هو الأصل لإنبعاث أشعة كهرومغناطيسية قوية، خليط من الضوء المرئي وأشعة إكس وأشعة غاما  والأشعة الراديوية الخ، من المحيط المباشر  لثقب أسود هو الذي يبعث الضوء وهو أمر نادر فلقد رصد فريق من علماء الفيزياء الفلكية ثقباً أسود مجري يحتوي على دورة إشعاعية ومضية كل تسع ساعات وهو الأول من نوعه الذي يبعث على نحو سريع ومنتظم إشعاعاً قابلاً للرصد والمراقبة أو المشاهدة التلسكوبية في حين لا يعرف العلماء سبباً ذلك لحد الآن. فكل تسع ساعات يقوم ثقب أسود يوجد في مركز مجرة GSN 069، التي تقع على بعد حوالي 250 مليون  سنة ضوئية عن الأرض، ببث دفق ضوئي منتظم. وهو ثقب أسود نشط في عملية التراكم حيث تسخن المادة وتبث إشعاعاً كهرومغناطيسياً عندما تسقط نحو أفق الأحدث vers l’horizon des événements. ولقد لاحظ العلماء المتابعون والمراقبون لنشاط الثقب الأسود المشار إليه والذي يستخدمون تلسكوب XMM-Newton التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، بين ديسمبر 2018 و شباط 2019، أنه في كل مرة في قمة الدفق الإشعاعي، كل تسع ساعات، يحدث ذلك، ربما بسبب سرعة دوران الثقب،  حيث يكبر إشعاع أو ضوء الثقب الأسود GSN 069 100 مرة أكثر و أقوى سطوعاً، ضمن إشعاعات إكس . فبالعادة تكون الإشعاعات الناجمة عن ثقوب سوداء فائقة عملاقة تقارن بضوء شمعة، في حين كان الأمر مختلفاً تماماً مع  الثقب الأسود GSN 069. هناك فرضيات لهذا الشذوذ تعزى، إما لإضطراب وخلل في قرص التراكم المحيط بالثقب الأسود، أو بسبب وجود ثقب أسود آخر غير مرئي بالقرب يتسبب بعملية الإضطراب في القرص على نحو دوري منتظم، أو بسبب حدوث بعض الظواهر الكمومية أو الكوانتية الغريبة في الفضاء المجاور والتي تم رصدها مؤخراً وراء هذا النوع من الخلل والتميز والشذوذ. وهناك احتمال افتراضي يتعلق بإمكانية تشكل غيمة من الإلكترونات بالقرب من هذا الثقب الأسود، والجدير بالذكر أن الثقب الأسود الفائق العملاق القابع في مركز مجرتنا درب التبانة أصبح فجأة أكثر سطوعاً بقوة 75 مرة أكبر من العادة لأسباب لا تزال مجهولة لدى العلماء.

ماذا يحدث فعلاً داخل الثقب الأسود؟

لم يذهب أحد إلى ثقب أسود وعاد إلينا ليخبرنا لأنه لايمكن لأي شيء أن يخرج من الثقب الأسود وليس أمامنا من خيار سوى أن نصدق ونعتقد بما تقوله لنا " النظرية" وهذه الأخيرة تم التحقق من صحتها عدة مرات، والمقصود بها نظرية النسبية العامة التي ثبتت صحتها بالمشاهدة والرياضيات. تخبرنا النسبية العامة بأن من المستحيل البقاء ساكنين إذا كنا بالقرب من ثقب أسود فسوف نسقط حتمياً في داخله ونتجه نحو مركزه حتى لو كنا داخل مركبة فضائية سريعة فلن تستطيع الإفلات من جاذبية الثقب الأسود الهائلة. وأفضل شيء هو ألا نفعل شيء ونحن بداخله. تقول لنا النظرية أننا لا نشعر بشيء عندما نتخطى حدود أفق الأحداث لكن ذلك لايعني أن الولوج داخل ثقب أسود خالي من المخاطر فهناك أولاً تأثير المد والجزر على الجسد الذي يتعرض للتمدد إلى أن يتعرض للتقطع فالأقدام تسحب بقوة قبل سحب الرأس وتقوم الجاذبية بتمزيق الجسد ويمكن أن يحدث ذلك في بداية دخولنا للثقب أو  في داخله تماماً حسب حجم الثقب الأسود فالثقوب السوداء الصغيرة هي الأخطر من الثقوب السوداء العملاقة فعملية تمزيق وتفريق أجزاء الجسد قد تحدث متأخرة في حالة سقوطنا داخل ثقب أسود فائق عملاق، وذلك بسبب تعرضنا لحالات إنحناء وتحدب الزمكان بقوة شديدة داخل الثقب الأسود.  خاصة في الثقب الأسود الأعلى trou noir toupie الذي يدور حول نفسه، كباقي الأجسام في الكون، النجوم والكواكب والمجرات التي تدور حول نفسها، فهذه هي الحالة السائدة والطبيعية في الكون، عدا حالات شاذة و نادرة، ولكن مع الثقب الأسود الذي يدور حول نفسه الأمر مختلف كلياً والذي وصفه العالم الفيزيائي  كيرKerr بدقة رياضياتاً وصار يقرن بإسمه والحال أن كل الثقوب السوداء هي من هذا النوع الذي يدور ولكن بسرعات مختلفة ومتنوعة. فعندما يدور الثقب الأسود يسحب معه في حركته المكان أو الفضاء الذي يتواجد فيه. فحتى من يتواجد خارجه سيكون مجبوراً على أن يدور مثله لأن الفضاء أو المكان المحيط كله يدور. النظرية تقول أن مركز الثقب الأسود ليس نقط مركزية بل حلقة أو خاتم يمكن المرور خلاله. فلو كان المركز نقطة تعرف بالفرادة فسوف يسقط الداخل للثقب عليها، ولكن لو كان حلقة مجوفة فيمكن المرور خلالها وربما الخروج من الجهة الأخرى نحو عالم آخر أو نحو منطقة أخرى في الكون بعيدة جداً، أي  طريق مختصرة،  أو تأخذنا نحو كون آخر، وعندها يمكن وصفها بالثقب الدودي. ومن الناحية النظرية يمكننا استخدام واستغلال الطاقة الهائلة داخل الثقب الأسود والمسماة بتأثير بينروزeffet Penrose، العالم البريطاني الذي افترضها. وهي موجودة نظرياً ورياضياتياً ولكن فيزيائياً من غير المحتمل أن نعثر عليها بتكنولجيتنا البدائية لأن هناك احتمال أن ينغلق الثقب الدودي ويمنع المادة من  المرور خلاله والخروج منه من الجهة الثانية. 

اكتشف ستيفن هوكينغ، وهو من أشهر المتخصصين بالثقوب السوداء، أن هذه الأخيرة تمتلك انتروبيا  عملاقة هائلة gigantesque entropie، أي اللا انتظام الكبير، فأحد قوانين الطبيعة يقول أن الأشياء تتطور عفوياً وذاتياً وعشوائياً مما يجعل اللانظام  le désordere يكبر، والأنتروبيا هي اللانظام. ولقد استنتج هوكينغ أن الثقوب السوداء تتضمن فوضى ولانظام كبير . والثقب الأسود إن هو إلا كرة هندسية باستطالة اسطوانية مفترضة غير مرئية والعلماء يعملون ما وسعهم رياضياتياً ويحسبون ويجربون ليعرفوا حقيقة ونوع الفوضى واللانظام داخل الثقب الأسود الذي تحدث عنه ستيفن هاوكينغ. لكن الدليل الأقوى الذي توفر لدى البشر عن الثقوب السوداء هو موجاتها الثقالية، وبالطبع الصورة التي تمكن العلماء من تحقيقها قبل أشهر حيث نجحوا في تصوير ثقب أسود فوتوغرافياً وعلى نحو فعلي وحقيقي وليس افتراضي بطريقة المحاكاة الكومبيوترية كما كان الحال في السابق.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

"هذا العالم عبارة عن جبال.. وأعمالنا صرخات فيه.. وعن الجبال دوما ألينا.. ترتد صدى صرخاتنا!! "

القضايا البيئية وفي العديد من دول العالم تعتبر ذات أهمية قصوى، ولذلك تعد كأنها وظيفة مستقلة للدولة لأن توفير حماية البيئة والاستخدام الرشيد واستنساخ الموارد الطبيعية أمر مهم لبقاء المجتمع بقدر أهمية حماية سيادة القانون، وهذا مهم بشكل خاص بالنسبة للمنطقة العربية فهي دول ذات مواد خام وطاقة كبيرة لابد من توظيفها للسيطرة والتحكم في تطوير التنمية الاقتصادية، غير إننا لابد إن ندرك أولا ماهية الأشكال والإضرار والإعراض الجانبية والرئيسة لتأثير استخراج المواد الخام والطاقة على البيئة، والتي نجدها بشكل كبير في تلوث الغلاف الجوي عبر التأثير الحراري وانبعاث الغازات والغبار في الغلاف الجوي وتلوث الغلاف المائي عبر التلوثات الحرارية للأجسام المائية وانبعاثات الغازات الملوثة وتلوث الغلاف الصخري أثناء نقل الطاقة والتخلص من النفايات في إنتاج الطاقة والتلوث بالنفايات البيئية المشعة والسامة والتغيير في النظام الهيدرولوجي للأنهار بسبب محطات الطاقة الكهرومائية، ونتيجة لذلك التلوث في منطقة المجرى المائي كان لابد من إنشاء مجالات كهرومغناطيسية حول خطوط الطاقة واستخراج واستخدام الموارد غير المتجددة بتشكيل مقالب نفايات كبيرة الحجم أدت إلى تغيرات خطيرة في المناظر الطبيعية وابادت الكثير من الحيوانات والنباتات في مناطق بأكملها، كما أدت إلى تشكيل الأخاديد والفراغات والتغيرات في النظام الهيدرولوجي مما إزال شبه الغابات واوجد الظروف المسبقة للحوادث الصناعية والكوارث الطبيعية.

كما إن النمو السريع للإنتاج الصناعي والأنشطة البشرية والنمو السكاني يتسبب بنقصا متزايدا في المياه العذبة والتي تنتمي أيضا إلى الموارد الطبيعية غير المتجددة ونحن في عصر نفتقر فيه إلى المياه في العديد من مناطق العالم، وفي الوقت ذاته فإن أحد أسباب النقص المتزايد في المياه العذبة هو إهدارها واستخدامها بصورة غير عقلانية، إضافة إلى إن نوعية الهواء تتدهور أيضا بشكل كبير وجرائها يتعرض الحوض الجوي للأرض لضغط من صنع الإنسان عبر اطلاق مليارات من اطنان غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو سنويًا، مما يفاقم الوضع بسبب اختفاء الغابات وتصحر مساحات شاسعة من الأرض

حسب بعض التقديرات فإن 15٪ من كتلة الأرض في العالم قد تدهورت بالفعل بسبب التدخل البشري وزاد تآكل المياه والرياح في التربة وتغير المناخ وتضاعف تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ولاستكمال قائمة جوانب الأزمة البيئية هذه فلابد إن نذكر أيضا مشاكل استنفاد طبقة الأوزون في الغلاف الجوي وخطر تغير المناخ على الكوكب واختفاء بعض الأنواع النباتية والحيوانية والموارد البيولوجية المائية، وما إلى ذلك من كوارث بيئية والتي بالتالي هي وبقوة تؤدي إلى تحولات هجرة كبيرة تهدد الأمن الدولي وتحدد مستوى صحة وعمر الشخص مما تؤثر بشكل مباشر على الأمن الديموغرافي وتؤدي إلى تهديد الأمن الروحي والأخلاقي للجميع عبر السير بغير حذر نحو الوقوع بكوارث بيئية.

البيئة ليست فئة طبيعية فحسب بل هي أيضًا فئة روحانية تعكس موقف الأنسان تجاه العالم فيه ومن حوله وتعكس احتياجاته وكلما زاد تذبذب الشخص قلت به الأنانية وتسبب في ضرر أقل للأشخاص الآخرين والطبيعة بشكل عام في الوعي الحديث فيتم تشويه الصورة الحقيقية لأسباب الكوارث البيئية من خلال معلومات حول الاكتظاظ السكاني وثقب الأوزون والاحتباس الحراري وما إلى ذلك، لكن المشكلة البيئية الحقيقية والفعلية تكمن في التدهور الأخلاقي للإنسان الحديث وإن الأسباب الرئيسة لجميع الكوارث البيئية ليست التقلبات والتغيرات الطبيعية وليس "القوانين الصارمة للتقدم العلمي والتكنولوجي" وليس الاكتظاظ السكاني على كوكب الأرض والافتقار إلى الموارد الطبيعية، وتكمن أيضا في التوزيع غير العادل للموارد والثروات والخيرات العالمية واستخدامها بصور تبجحية وغير إنسانية وغير فعالة مما يعكس موقف الفرد الإنساني وبأشكال سلبية تجاه البيئة والطبيعة وتجاه العالم من حوله.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حسيب الياس حديدتهدف الحكومات من سياساتها للاقتصاد الكلي الى  تحقيق هدفين رئيسيين لكي تضمن ان متغيرات الاقتصاد الكلي (مثل النمو الاقتصادي والتضخم) تكون عند مستويات مقبولة. العمل على خلق بيئة اقتصادية مستقرة  تستطيع من خلالها تحقيق ازدهاراً واضحاً وحقيقياً وبعبارة أخرى تقليل التقلبات في النشاط الاقتصادي .

وفي هذا المبحث نعمل على تشخيص  المتغيرات الرئيسة في الاقتصاد الكلي وكيفية عملهم  وسوف يتم التطرق  الى الكيفية التي بوساطتها تتمكن الدولة من التأثير على هذه المتغيرات لخلق بيئة افضل للأعمال .

اهداف الاقتصاد الكلي

هنالك متغيرات عديدة تبحث عنها الحكومات من اجل السيطرة والرقابة الا انه بالإمكان تصنيفها الى أربعة محاور:

النمو الاقتصادي

تعمل الحكومات جاهدة من اجل تحقيق اعلى نسب فائدة من النمو الاقتصادي وعلى الاجل الطويل، وبعبارة أخرى النمو الذي يمكن استدامته لسنوات طويلة بحيث  لا يعد ظاهرة وقتية ولهذا الهدف تسعى الحكومات الى تحقيق اقتصاد مستقر وتعمل على ان تتجنب الركود الاقتصادي والنمو الاقتصادي السريع والفائض عن الحاجة قصير الأمد والذي لا يمكن استدامته.

البطالة

تهدف الحكومات ضمان انخفاض معدلات البطالة ليس فقط من اجل العاطلين عن العمل وانما بسبب ان البطالة تمثل هدرا للموارد البشرية واستنزافا لموارد الدولة.

التضخم

نعني بالتضخم ارتفاع في الأسعار من خلال الاقتصاد لذلك يتوجب على الحكومات ان تجعل  التضخم منخفضاً ومستقراً . وان احد الأسباب المهمة هو المساعدة في إجراءات صنع القرار. وعلى سبيل المثال سوف تكون الاعمال قادرة على وضع أسعار معينة ونسبة أجور محددة  واتخاذ قرارات خاصة بالاستثمار وبثقة عالية . ففي الوقت الحاضر هناك تضخم تبلغ نسبته بين 2% او 3 $ ولكن ليس بعيدا اذا كانت الأرقام والنسب في الدول الأكثر تقدما اعلى من ذلك بكثير . ففي عام 1991 بلغ معدل التضخم في المملكة المتحدة 11%وفي عام  1975 بلغ المعدل نسبة 24%

ميزان المدفوعات:

تهدف الحكومات الى تقديم بيئة من شأنها ان تزيد من الصادرات بحيث تتجاوز نسبتها نسبة الواردات . كما تحاول ان تجعل الاقتصاد اكثر جديا مع تشجيع الاستثمارات الداخلية . وبعبارة أخرى تعتمد الحكومات على خلق مناخ يجعل عائدات الدولة من العملات الصعبة تعادل الطلب عليها ان لم  تفوقها وبهذا تبحث الدول عادة عن ميزان مدفوعات مفضل.

وبغية بلوغ هذه الأهداف تحاول الحكومات البحث عن عدة " خيارات او متغيرات متوسطة  " ويشمل ذلك سعر الفائدة وعرض الأموال والضرائب والانفاق  الحكومي . وعلى سبيل المثال، يعتمد تحقيق افضل ميزان مدفوعات جزئياً على حقيقة فيما اذا كانت سعر الصرف يسمح لسلع الدولة وخدماتها ان  تحافظ على منافسة سعرية (واسعار تنافسية) (باليورو او بالجنيه إسترليني) وسوف يعمل ذلك على زيادة صادرات  الدولة لذلك تبحث الدولة عن استخدام سعر الصرف لتجعله مفضلا.

التمييز بين النمو الحقيقي والنمو الاحتمالي

يعني النمو الحقيقي نسبة الزيادة السنوية في المخرجات او GDP (اجمالي الإنتاج الداخلي)، وبعبارة أخرى، نسبة النمو في المخرجات الواقعية .

ويعني النمو الاحتمالي (المتوقع) السرعة التي يستطيع فيها الاقتصاد ان يحقق النمو المطلوب.  اي نسبة الزيادة السنوية في قدرة الاقتصاد في الإنتاج ونسبة النمو في المخرجات الاحتمالية وتمثل المخرجات سقفا لمخرجات البلاد .

فاذا زادت نسبة النمو الاحتمالي  على نسبة النمو الحقيقي سوف تكون هناك زيادة في القدرة الإضافية وزيادة في البطالة وسوف تكون هناك هوة متزايدة بين المخرجات الحقيقية المحتملة . ولسد هذه الهوة ينبغي على نسبة النمو الواقعية ان تزيد وبصورة وقتية على نسبة النمو الاحتمالي وعلى المدى البعيد سوف تتجدد نسبة النمو الحقيقي الى نسبة النمو الاحتمالي . هنالك مسألتان   جوهريتان تتعلقان بالنمو الاقتصادي  الاولى مسألة ضمان جعل النمو الحقيقي الذي  يعمل على الحفاظ على المخرجات الحقيقية القريبة من المخرجات الاحتمالية وتكون هذه  المسالة على المدى القصير . اما على المدى البعيد فهي مسألة  تحديد نسبة النمو الاقتصادي الاحتمالي.

النمو الاقتصادي ودورة الاعمال:

وعلى الرغم من ان المخرجات المحتملة تختلف الى حد ما عبر السنين بالاعتماد على نسبة تقدم التكنلوجيا  يعمد مستوى الاستثمار واكتشاف مواد اوليه أخرى الى ان يتصف بثبات اكثر من النمو في المخرجات الحقيقية .

ويميل النمو الحقيقي الى التذبذب . وفي بعض السنوات  نلاحظ نسبة عالية في النمو الاقتصادي في حين انه في سنوات أخرى نجد ان النمو منخفض حتى انه سلبي وفي هذه الحالة تواجه البلاد حالة من الركود، وتعرف هذه الظاهرة بدورة الاعمال (حلقة الاعمال) او الحلقة التجارية او الدورة التجارية .

وهناك أربع مراحل  لهذه الدورة:

1- الارتفاع  في هذه الحالة يبدأ الاقتصاد بالنمو والزيادة.

2- نجد  في هذه المرحلة نمواً اقتصادياً سريعاً وهنا نجد ان الاقتصاد في حالة ازدهار وفي هذه الحالة تصبح  الهوة الموجودة بين المخرجات الحقيقية والمحتملة ضيقة .

3- الانخفاض: في هذه المرحلة  يميل النمو الى الانخفاض او انه حتى  في بعض الأحيان يتوقف .

4- الركود: في هذه المرحلة هنالك نمو قبل اوانه لا يوجد نمو اقتصادي اصلاً وحتى ان نلاحظ  تدهوراً في المخرجات .

فجوات المخرجات

اذا ما تحقق النمو الاقتصادي  ثمة سؤال  يطرح نفسه:  ماهي السرعة التي سوف يتم فيها النمو الاقتصادي وماهي المدة قبل ان تظهر المشكلات الخاصة بالتضخم؟ وما هو مستوى النمو والى أي حد سوف يكون مستديماً على المدى الطويل؟

للإجابة عن هذا السؤال قام المتخصصون في الاقتصاد بتطوير مفهوم "فجوات المخرجات". ويمكن ان نعرف الهوة بانها الفرق بين المخرج الواقعي والحقيقي والمخرج المستديم . فالمخرج المستديم هو مستوى المخرجات المرتبطة بالتضخم المستقر .

قياس النمو:

تتمثل ابسط طريقة لحساب هوة المخرجات في قياس معدل النمو للاقتصاد ثم معرفة الى أي مدى يختلف المخرج الحقيقي عن اتجاه المخرج.  وهنا  نلاحظ ان المستوى المستديم للمخرجات ينمو بثبات . وتعد هذه النقطة من نقاط الضعف الرئيسة لهذه الطريقة . فالتقديم التكنلوجي يأتي على شكل موجات تؤدي الى حدوث  تأثير قوي على الاقتصاد وعلى المخرجات . اما معدلات التجديد فإنها تعتمد على مرونة الاقتصاد والى أي مدى تسمح تلك المرونة  بالتكيف للتكنلوجيات الحديثة  وحجم الاستثمارات التي سوف تحدث .

حسومات الاعمال:

هناك طريقة أخرى لقياس الهوة الموجودة في المخرجات وهي الطلب من الاعمال  والشركات بصورة مباشرة اذ تقوم (CBI) بالطلب من المصنعين ويمكن توجيه السؤال الاتي: هل ان مستوى المخرجات الحالية اقل من القدرة؟ وبدورها توجّه غرف التجارة البريطانية أسئلة مماثلة. ويمكن ان تقدم هذه المسوحات معلومات ومؤشرات حول نسب قدرة الاستعمال. كما تركز بعض المسوحات  على قطاعات خاصة والتي من الممكن ان تشير الى موقف القدرة او كفاءة الاقتصاد ككل . ونجد ان  بعض الشركات تتمتع  بمستوى اعلى من القدرة الاعتيادية (وذلك عن طريق العمل الإضافي) وربما يكون ذلك في قطاع معين في حين نجد في شركات أخرى تتمتع بخصائص قدرة في قطاع اخر .

دورة  (حلقة الاعمال) في المجال التطبيقي

من الناحية العلمية  تكون حلقات الاعمال غير منتظمة بطريقتين:

طول المراحل: تكون بعض مراحل الازدهار قصيرة حيث انها تستغرق عدة اشهر فقط  في حين ان الاخرى  تستغرق وقتا أطول وربما تستغرق فترة قد تصل الى ثلاث سنوات او ربما في بعض الأحيان الى اربع سنوات . وفي هذه الحالة  نلاحظ حالات الركود قصيرة في حين ان الأخرى تكون طويلة .

حجم المراحل

في بعض الأحيان تكون نسبة  النمو الاقتصادي عالية  وربما تبلغ في  المرحلة الثانية  هذه النسبة (5%) سنويا او اكثر من ذلك . وفي مناسبات أخرى تشهد المرحلة الثانية تقدما اكثر. وفي بعض الأحيان يظهر الركود في المرحلة الرابعة  مع وجود انهيار او انخفاض في المخرجات (كما هو الحال في أوائل الثمانينات واوائل التسعينيات) وفي بعض الأحيان او المناسبات نجد ان المرحلة الرابعة تشكل " توقفا " مع بطؤ بسيط في النمو .الا انه على الرغم من عدم انتظام التقلبات يمكن فهم الحلقات  خاصة عندما نخطط النمو على محور عمودي اكثر مما نخطط على مستوى المخرجات.

أسباب التقلبات في النمو الحقيقي

تمثل التغييرات والاختلافات في نمو الطلب الإجمالي الأسباب الرئيسة للتغييرات في نسية النمو الحقيقي على المدى القصير:

الطلب الإجمالي

يمثل ذلك الانفاق او النفقات الاجمالية على السلع والخدمات في الدولة. وتتضمن عادة أربعة عناصر: مصروفات المستهلك (C) ونفقات الاستثمار من قبل الشركات (i)، الانفاق الحكومي (G) وأخيرا النفقات من قبل المقيمين الأجانب في مجال السلع والخدمات (أي مشترياتهم من صادراتها واستثماراتهم في الدولة) (X) . ومن هذه العناصر لابد من طرح النفقات التي ذهبت الى الاستيرادات (M) وطالما ان هذه نفقات قد " تسربت " الى الخارج فانه لم يتم انفاقها على السلع الداخلية وكذلك الخدمات الداخلية لذلك فان:

AD=C+I+G+X-M

الطلب الإجمالي = مصروفات المستهلك + نفقات الاستثمار من قبل الشركات + الانفاق الحكومي + النفقات من قبل المقيمين الأجانب – الاستيرادات

أسباب النمو الاحتمالي

هنالك محددان اثنان للمخرج الاحتمالي:

(e) مبلغ الموارد المتوفرة

(c) انتاجيتها .

زيادات في كمية الموارد

رأس المال: يعتمد مخرج الدولة على اسهم رأس المال (k) وتعمل  الزيادة في رأس المال على زيادة المخرجات فاذا ما تجاهلنا مشكلة المكائن التي تصبح خارج العمل والتي تحتاج الى تبديل فان رأس المال سوف يزداد وذلك عن طريق مبلغ الاستثمار . وتعتمد  زيادة المخرجات على إنتاجية رأس المال .

كما لاحظنا  آنفا تعتمد نسبة النمو على نسبة هامش راس المال / المخرجات (K) وهذا هو مبلغ فائض راس المال (ΔK) مقسم بمبلغ المخرجات السنوية الإضافية التي تنتجها (ΔY) وكلما كانت قيمة (K) منخفضة كلما كانت إنتاجية راس المال اعلى . كما تعتمد نسب نمو المخرجات الاحتمالية على نسبة الدخل القومي الذي تم استثماره (i) مفترضين انه تم استثمار كل المدخرات التي سوف تكون مساوية لنسبة الدخل القومي الذي تم ادخاره (ٍS).

ماهو الشيء الذي يحدد الاستثمار ؟ هناك عوامل عديدة تحدد الاستثمار منها ثقة رجال الاعمال حول مستقبل الطلب على انتاجهم وربحية الاعمال ونظام الضرائب ونسبة النمو في الاقتصاد وسعر الفائدة.

وعلى المدى الطويل اذا كان هناك زيادة في الاستثمار يجب ان تزيد المدخرات  من اجل تمويل الاستثمار . وبعبارة أخرى ينبغي على الناس الإمساك بمبلغ معين من الاستهلاك للسماح بتحويل الموارد الى سلع راس مال إنتاجية مثل المعامل والمكائن .. الخ (يتبع)

 

ترجمة: الدكتور حسيب الياس حديد

 

محمود محمد عليقبل أن نشرع في عرض نظرية الوجود المقلوب عند الدكتور وهبة طلعت أبو العلا، نود في هذه المقالة أن نعرض أولا للسيرة الذاتية وفلسفة الدكتور وهبة، وفي هذا نقول:  قليلون هم الرجال الذين يتركون بصماتهم على وجه الحياة ابداعًا وآثارًا تتذكرها الاجيال، رجال حفروا في الصخر وقاوموا المستحيل من أجل أن يكونوا ضمن هؤلاء الرجال؛ ويعد وهبة طلعت أبو العلا (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب – جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية) من ذلك النوع من المفكرين الذين يمكن أن يطلق عليهم الفكر الفلسفي المزدوج ؛ فإنتاج وهبه طلعت الفلسفي يغلب عليه الطابع الفكري الوسطي "، مصداقا (كما يقول نفسه في سيرته الذاتية) لقوله تعالى في سورة البقرة آية 143: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا..." صدق "الله" العظيم ؛ ولعل الولع بالفكر "الوسطي" نفسه هو الذي ربما يفسر السر أيضاً في محبة وهبة طلعت "للقاضي عبد الجبار"، وفي عدم كراهيته "لمحيي الدين بن عربي"، رغما عن أنه لم يطابق نفسه فكرياً مع أي واحد منهما في أي وقت من الأوقات. فمحبته للفكر "الوسطي"، ربما هي التي حالت دون ذلك، باعتبار أن أولاهما كان له علاقة بالموقف العقلي، وكان الآخر يميل كثيراً إلى الاتجاه العاطفي؛ وهو في هذا يقول بصريح العبارة " ولعل الولع بالفكر "الوسطي" نفسه هو الذي ربما يفسر السر أيضاً في محبتي للإنسانيات بما تنطوي عليه من روحانيات وأخلاق وفن وتاريخ وسياسة وغيرها، وهو نفسه الذي ربما يبرر السر في عدم  كراهيتي "للعلم" في أي يوم من الأيام. هذا يبرر السبب في كتابتي لأعمال لها علاقة بالدين والأخلاق والفن وفلسفة التاريخ وفلسفة السياسة، من ناحية، وفي ترجمتي لأعمال كثيرة تخص فلسفة العلم، من ناحية أخرى."

ويستطرد وهبة طلعت فيقول " وربما يكون لذلك علاقة بمحبتي للفلسفة منذ وقت مبكر وتفضيلها على أي فرع آخر. فالفلسفة تمكن صاحبها من الاهتمام بالإنسانيات من ناحية، ومن الاهتمام بالعلم أو على الأقل بفلسفة العلم، من ناحية أخرى. حقا، لقد كانت درجاتي في الثانوية العامة تؤهلني دوما، كغيرها من الدرجات التي حصلت عليها عبر مراحل تعليمية مختلفة، لاحتلال مراكز متقدمة، إن لم تكن تؤهلني لاحتلال مراكز في الصدارة. فكنت في الابتدائية ضمن فريق أوائل الطلبة في قريتنا الصغيرة وحققنا أنا وزملائي مراكز متقدمة، على مستوى مركز أبو قرقاص، مكنتنا من الحصول على جوائز تشجيعية".

ومن هنا يمكن القول بأن وهبه طلعت يأتي في السياق الفكري العربي المعاصر في مكانة مركزية بين بين السابقين عليه والمعاصرين له والتاليين عليه، ليس في ميدان الترجمة فقط، بل في مجال البحث والتأليف والكتابة، فقد توزعت اهتماماته الفكرية وتنوعت في جوانب شتي من الفلسفة المعاصر ؛ وبالذات الفلسفة الوجودية، سواء في الميتافيزيقا أو الانطولوجيا أو الأخلاق، أو الدين عند رودلف بولطمان وبول تيلش وروجر تريج ووليم كارتر وريتشارد شاخت، وإن كان بول تيلش قد حظي النصيب الأوفر من بحث، ترجم له وكتب عنه.

ولد الدكتور وهبة طلعت أبو العلا في الثاني من إبريل عام 1954م، وذلك بقرية "بني حسن الشروق، التابعة لمركز أبو قرقاص، محافظة المنيا، جمهورية مصر العربية،  وعرفت هذه القرية (كما يقول) بأنها تنقسم إلى نصفين؛ أحدهما غربي ويقع، بحكم موقع النصف الآخر منها، على الجانب الشرقي للنيل، والآخر شرقي، ويكمن في حضن الجبل.. وهذا الانقسام ترك بصمه لا تنمحي على تفكيره؛ حيث تعلم منذ البداية (كما يقول) كيفية "التنقل" العقلاني بين الطرفين، بين "الغرب" مسقط رأسه، وبين "الشرق" الذي يتوق إليه لأسباب كثيرة ومختلفة، منها العاطفي ومنها العقلاني!!.

وهكذا تعلم وهبة طلعت منذ البداية كيفية "التنقل" بين الجليل، وبين العميق، بين الجبل المطل بشموخه على أحد الطرفين، وبين النهر الذي يتدفق بغزارته وبعمقه أسفل الطرف الآخر. ولعل غرامه (كما يقول) بممارسة لعبة الكرة الطائرة، التي تجبرك على أن تنظر إلى "أعلى"، من ناحية، وبكرة القدم، التي تتيح لك فرصة النظر إلى "أسفل"، من ناحية أخرى، كان له علاقة بهذا "التنقل".

وعندما بدأ وهبة طلعت يشب عن الطوق انتقل، في سن الثالثة عشرة، إلى حيث المدينة، التي تقع غرب النيل، من أجل التمكن من مواصلة تعليمي في المدرسة الإعدادية والثانوية، وعندما دخل جامعة المنيا والتحق بقسم الفلسفة عام 1972م بدأ ينتقل فكرياً وبصورة أكثر شغفا وربما أكثر وعياً عما مضى بين المعارف "الشرقية"، وبين الفلسفات "الغربية". وهذا ربما أدى إلى أن يتسع عنده معنى "التنقل" تدريجياً حتى أصبح كونه "تنقلا" فكرياً بين "الشرق"، وبين "الغرب"، بين "العاطفة" الشرقية الدافئة، وبين "العقلانية" الغربية الباردة.

وفي عام 1976م، تم تكليفه معيدا بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة المنيا، والتي ظل بها إلي أن توفاه الله في 2011، وعقب تعيينه بفترة أتيحت له فرصة السفر إلي انجلترا بجامعة Warwick بمدينة Coventry CV4 7AL بإنجلترا، للحصول على درجة الماجستير والتي اجتازها في عام 1982م، وتم تعيينه عام 1991 في درجة مدرساً مساعداً في ذات الكلية، ولم يكمل وهبه طلعت دراساته في الدكتوراه بإنجلترا بسبب تجربة فكرية مريره ؛ حيث قال عنها :" لا شك فيه أن هذه التجربة بكل ما شابها من توتر كان لها تأثيرها العميق على اتساع تفكيري وبلوغه إلى حيث معانقة "العالم" بأكمله، وذلك من خلال وجودي الفردي المحدود. وبالرغم من أن هذه التجربة كانت، كغيرها من التجارب، مريرة أحياناً، ورائعة في معظم الأحيان، إلا أن متطلبات مبدأ التسامح الذي يعد من أهم سمات التوجه العقلاني الوسطي، تجعلني أفضل عدم الحديث عنها بشكل مفصل، حتى وإن كنت سوف أكتفي بالتنويه عنها في الموضع الذي خصص لها. ولعلك تفهم عزيزي القارئ مغزى الحكمة المأثورة التي تقول: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى!!" حقاً ليس المهم أن "تحترق" بفعل فاعل!! وإنما الأهم أن تبزغ منتصراً في كل مرة رغم من كل ما يحدث!!".

عاد الدكتور وهبة طلعت للوطن وبدأ يستعد للتسجيل لدرجة الدكتوراه في مصر علي يد الدكتور" محمود رجب" (والذي كان من كبار المفكرين بجامعة القاهرة، الذين تفتخر بهم مصر في دراساته الرائعة في فلسفة الفينومنولوجيا وفلسفة المرآة وفلسفة الاغتراب)، وقد حصل وهبة عليها عام 1993، ثم حصوله علي درجة أستاذ مساعد عام 2000، وأخيراً  حصوله علي الأستاذية عام 2010.

وللدكتور وهبة طلعت العديد من الكتب والبحوث نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أخلاق الفضيلة بين النظرية وبين التطبيق: مايكل سلوت نموذجا (بحث)، أخلاق الفضيلة بين النظرية وبين التطبيق: مايكل سلوت نموذجا- بحث مكون من أربعة فصول يناقش الفصل الثاني منها الجوانب الأخلاقية عند هذا الفيلسوف، والفن التعبيري-الديني عند بول تلش (بحث)، والتفسير الوجودي للاهوت عند بولطمان: حالة القديس بولس وهو كتاب يتناول في مجمله الفارق بين الوجود الخير وبين الوجود غير الخير تحت مسمى الفارق بين الوجود الأصيل وبين الوجود غير الأصيل بلغة هيدجر. وغنى عن البيان أن البحث يحتوي في مجمله على مسحة أخلاقية، والعقل الإنساني ومشكلاته: رحلة في أعماق بول تلش، ومعيار الطبيعة الإنسانية بين روجر تريج وبول تلش: رؤية تحليلية مقارنة (بحث)، والفلسفة الوجودية بين الرومانسية والواقعية: رؤية تحليلية نقدية (بحث)، وتحديث المجتمع والمعضلة الراهنة (بحث)، ومشكلة الحرية بين الطرح التقليدي والوعي المعاصر: قراءة في فكر بول تلش (بحث)، وجذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الأول: "بول تلش"، وجذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الثاني: ردولف بولطمان، والوجود المقلوب: رؤية فلسفية معاصرة (بحث)، "في طبيعة القرآن الكريم وخواطر أخرى (كتاب)... الخ.

وأما عن ترجماته فنذكر منها : أنطوني أو'هير، الفلسفة في قرن جديد، وروجر تريج، أفكار في الطبيعة الإنسانية: مدخل تاريخي، وجيني تكمان وكاترين إيفانز، مدخل إلى الفلسفة، ووليم كارتر، عناصر الميتافيزيقا، وبول تلش، تاريخ للفكر المسيحي، الجزء الأول، وريتشارد شاخت، مستقبل الاغتراب.

ويمكن من خلال تلك البحوث والكتب المؤلفة والمترجمة أن نبرز تطور تفكيره الوسطي الذي دعا إليه، ونبدأ بأول دراسة قام بها عقب حصوله علي الدكتوراه وهو بحثه الذي الذي يحمل عنوان: "الوجود المقلوب: رؤية فلسفية معاصرة"، وهذا البحث يمكن تفسيره في ضوء نفس التفكير الوسطي للمؤلف، رغماً عن أن وهبة طلعت أعترف بأن الوسطية؛ كمفهوم عقلي  واضح المعالم، لم تكن قد اتضحت بعد في أثناء كتابته لهذا الكتاب. إن ذلك هكذا لأن الكتاب يعج في تفسيره الشمولي لطبيعة العالم المعاصر منذ عام 1945م بمصطلحات من قبيل التأرجح بين جدل السلب ـ الإيجاب، الهدم ـ البناء. كما أن تفسيره لسجن التاريخ الذي جاء في هذا الكتاب يتأرجح بين السجن المطلق في الدائرة التي سجن فيها العالم وإلى الأبد، والتي يخضع فيها كل شيء وبطريقة مقصودة لجدل السلب ـ الإيجاب، وبين التقدم المطرد الذي يخص أولئك الذين يقفون وحدهم خارج الدائرة، أعني أولئك الذين أطلق عليهم  وهبة طلعت اسم: "حراس العالم".

وحتى تفسير وهبة طلعت لمعنى العولمة الذي جاء في هذا الكتاب المبكر، ربما قبل أن يطفو المصطلح نفسه على السطح كمفهوم واسع قابل للتفسير والتطبيق بطرق مختلفة تختلف جميعها حسب طريقة فهمه لطبيعة المستجدات، هذا التفسير يقوم هو الآخر على فكرة التعددية أو على الوحدة رغما عن الاختلاف، أو unity in difference، كما يقولون؛ ففي لحظة من لحظات التاريخ اتجه العالم إلى التوحيد بعد  التفريق، حتى وإن كان التوحيد يقوم على قبول حق الاختلاف أو على قبول حق التعدد.

وهذا يمكن أن يصدق أيضاً على كتابه الذي يفضل أن ينعته وهبة طلعت "بالأول"، أعني "جذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الأول، بول تلش"، الصادر عن نفس دار النشر السابقة، في طبعة ثانية عام 1997م، والموجود ضمن مقتنيات مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي حصل وهبة طلعت بمقتضاه على درجة الدكتوراه من جامعة المنيا عام 1993 حتى وإن كان ذلك الكتاب يحمل في الأصل، وبدون تغيير اللهم إلا في العنوان، عنوان: "الموقف الوجودي عند بول تلش: دراسة نقدية في علاقة مفهوم الاغتراب بفكره ككل"، يقول وهبة طلعت:" على الرغم من كل هذا، إلا أنني اعتبر هذا الكتاب أكثر أعمالي أصالة ويباري في ذلك "الوجود المقلوب"، رغما عن أن العمل الأخير يحمل خلاصة خبراتي الشخصية بأكملها، وحتى إذا كان من الممكن تفسير كتابي "الأول"، وكما يزعم البعض ضمنا، بأنه عبارة   عن عملية إسقاط قام المؤلف ـ "وهبة طلعت أبو العلا" ـ من خلالها بإسقاط توجهه الفكري الشخصي القبلي على موقف "بول تلش" موضوع الدراسة. فهم يقولون: نظرا لأن "بول تلش" لم يطرح موقفه بالشكل الذي تم تفسيره بصورة علنية على الإطلاق، فإن هذا يعني: لولا هذا التوجه  الفكري القبلي من جانب لما أمكنني تفسير "بول تلش" بالشكل الذي قدمه الكتاب "الأول"!! "

كما أن كتابه الذي ينعته بـ "الثاني"، أعني "جذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الثاني، رودلف بولطمان"، الصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة في طبعة أولى عام 1996م، هذا الكتاب يمكن تفسيره هو الآخر بأنه تعبير عن التوجه الفكري "الوسطي" للمؤلف ـ "وهبة طلعت أبو العلا" ـ رغماً عن أن البعض يمكنهم أن يوجهوا له نفس الزعم الذي تم توجيهه ضمنا إلى كتابه "الأول"، بمعنى أنهم يعتقدون أن التفكير القبلي الذي كان يراود وهبة طلعت هو الذي يفسر في رأيهم السر في تفسيره لـ "رودلف بولطمان" على هذا النحو، نظرا لأن "بولطمان" نفسه لم يطرح هذا التفسير بصورة علنية في أي موضع من المواضع!!

وما يصدق على هذه الأعمال يصدق أيضاً على كتاب وهبة طلعت الذي يحمل عنوان "مشكلة الحرية بين الطرح التقليدي والوعي المعاصر: قراءة في فكر بول تلش"، الصادر عن منشأة المعارف بالإسكندرية في طبعة ثانية عام 2001م. فهذا العمل يمكن أن يفسر في ضوء توجهه الفكري "الوسطي" القبلي، بمعنى أن السمة "البينية" الوسطية ذاتها تلقي بظلالها على الكتاب، حتى وإن كان التفسير ينحاز في النهاية إلى المعاصر على حساب التقليدي؛ الذي لم أصبح واعيا بضرورته إلا في وقت لاحق على هذا التفسير.

كما أن ما يصدق على هذه الأعمال يصدق أيضاً على سائر الأعمال الأخرى سواء المؤلفة أو المترجمة إلى العربية، ولك أن تنظر عزيزي القارئ، على سبيل المثال، أولا، إلى مقال وهبة طلعت المطول الذي يحمل عنوان "الفلسفة الوجودية بين الرومانسية والواقعية: رؤية تحليلية نقدية"، الذي نشر لأول مرة في مجلة كلية الآداب، جامعة المنيا، في عدد يناير 2005م، وهي مجلة علمية محكمة تعنى بالآداب والعلوم والدراسات الإنسانية، ثم أعيد نشره ضمن طبعة خاصة لكتاب "دراسات وتراجم في الفلسفة المعاصرة"، تأليف وترجمة وهبة طلعت عام 2005م، وأنظر، ثانيا، إلى مقاله أيضا المطول الثاني الذي يحمل عنوان "المشروع الفلسفي عند ريتشارد شاخت: دراسة في مستقبل الاغتراب"، الذي نشر لأول مرة في صدر ترجمة وهبة طلعت العربية لكتاب "ريتشارد شاخت" الذي يحمل عنوان "مستقبل الاغتراب"، والذي نشر في منشأة المعارف بالإسكندرية في طبعة ثانية عام 2002م، والذي يعد تتمة لكتاب "شاخت" الذي يحمل عنوان "الاغتراب"، الذي كان قد ترجمه من قبل إلى العربية الأستاذ "كامل يوسف حسين"، وأنظر، ثالثا، إلى مقال وهبة طلعت الذي يحمل عنوان "تحديث المجتمع والمعضلة الراهنة"، الذي ألقاه لأول مرة في مؤتمر بعنوان "العلوم الإنسانية وتحديث المجتمع المصري"، عقد بكلية الآداب، جامعة المنيا عام 2002/2003م، ثم نشر في مجلة الكلية المذكورة سابقا في عدد أبريل عام 2003م، وأعيد نشره أكثر من مرة كان آخرها ضمن خواطر كتابه الذي يحمل عنوان "في طبيعة القرآن الكريم وخواطر أخرى"، إنما يرجع إلى أن هذا المقال يعد تتمة لكتاب وهبة طلعت "الوجود المقلوب"، الأمر الذي جعل يقوم بنشره في أكثر من عمل حتى يصل لأكبر كم ممكن من القراء، وأنظر، رابعاً وأخيراً، إلى مقال وهبة طلعت المطول الذي يحمل عنوان "معيار الطبيعة الإنسانية بين روجر تريج وبول تلش ونبيل عبد اللطيف: رؤية تحليلية مقارنة"، الذي نشر لأول مرة في مجلة كلية الآداب سابقة الذكر عدد يناير 2005م، ثم أعيد نشره في كتابه الذي يحمل عنوان "في طبيعة القرآن الكريم وخواطر أخرى، أقول للقارئ الكريم أنظر إلى هذه الأعمال لوهبة طلعت وحدها وسوف تجد أن ما كتبه الرجل، إنما كتبه في مجمله  بقصد عرض التوجه الفكري الوسطي له بصورة مقصودة في بعض الأحيان، وبدون قصد في أحيان أخرى. فالمقالة الأولى يفوح من عنوانها التوسط الفكري بين الرومانسية وبين الواقعية، حتى وإن كان يصحح وهبة طلعت في نهايتها خطأ المثالية وخطأ الواقعية معا دون أن يختزل إحداهما في  الأخرى. والمقالة الثانية تشير إلى الموقف البراجماتي النسبي لوهبة طلعت وهو موقف يشير، من الناحية الفكرية، إلى التعدد، وليس إلى الواحدية، أما المقالة الثالثة فتتأرجح، من الناحية الفكرية، بين التحديث كإمكانية، وبين التحديث كمعضلة، أما المقالة الأخيرة فتقارن بين ثلاثة معايير ممكنة للطبيعة الإنسانية وتنتهي إلى التأكيد على أن وهبة طلعت يصل في كل حالة إلى موقف متشابه، حتى وإن كان قد حاول أن يبرر كيف أن التشابه القائم بينها رغما عن تعددها لا يجب أن يطمس حقيقة أن الموقف الإسلامي أكثرها أصالة. كل هذا تحقق وهو لا يستطيع أن يجزم إذا ما كان حدوثه يرجع إلى الصدفة، أم أن له علاقة بالتوجه الفكري الوسطي القبلي له! وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حسن خليل حسن

تسبب قرار مجلس الامن المجحف ذي الرقم 833 في  العام 1993  بتداعيات سلبية على حدود العراق البحرية مع الكويت، وترك جرحاً غائراً في ملف الحدود بين البلدين، اذ لم يأخذ ذلك القرار المنحاز بنظر الاعتبار مسارات خط الثالوك في ترسيم الحدود البحرية لخور عبد الله (النقاط الاعمق في المجرى الملاحي المشترك بين البلدين) بل اعتمد على تنصيف القناة ضمن التقسيم الحدودي للجزء الشمالي الغربي من خور عبدالله لغاية الدعامة (162)، الشكل (1)، حدث ذلك بغياب المفاوض العراقي الذي انسحب معترضاً في حينها، وكان من مفارقات اللجنة المسؤولة انها شددت في مقرراتها النهائية على ان (مدخل خور عبدالله من عرض البحر يقع في مكان يحدث فيه تغير هام في اتجاه الخطوط الساحلية للدولتين) بينما اغفلت هذه الحقيقة في حيثيات قرارها في النهاية، اذ حصل تجاهل القرار اكثر العوامل الطبيعية المؤثرة سلباً على مياهنا الاقليمية وهي ظروف التعرية والترسيب التي رسمت وترسم باستمرار النقاط الصالحة للملاحة وفق حركة واتجاه التيارات البحرية وفيزيائية الترسيب للحمولات الترسيبية التي تميز خور عبدالله وتحتل منه مساحات اوسع كثيرا من المساحات المائية التي تصلح للإبحار وخصوصا للبواخر ذات الغاطس الكبير، وهذه الملايين من الاطنان من الترسبات تعمل باستمرار على احداث تغيير هام في مواقع النقاط الحدودية، وهذا ما حدث فعلاً حين زحفت القناة الصالحة للأبحار لتقع ضمن اراضي الكويت.

وعلى ما يبدو ان الكويت ادركت محنة العراق الكبرى بسبب هذا القرار (الحربي) الذي خرج عن كل اشكال القرارات الحدودية الطبيعية، حينما اوكل الى لجان من مجلس الامن لوضع حدود بحرية (احترازية) لمنع التعديات الحربية على الكويت من قبل النظام السابق،  ومن يراقب امتداد الحدود البحرية بين الدولتين يُدرك حجم المعضلة التي تواجه العراق في هذا الملف المصيري، فبين دولة تمتلك 499 كيلومتر من الواجهات البحرية ذات الخصائص الاوقيانوغرافية المُهيئة لجميع اشكال الاستثمارات الساحلية على الخليج العربي، ترزح موانئ العراق في نطاق ما يشبه الشلال الرسوبي الدائم الذي يضخ اطيانه على ساحل بحري لا يتجاوز امتداده المتعرج سوى 64 كيلومتر يطل العراق من خلاله على خور عبدالله والخليج العربي بين الفاو وام قصر، وهو جميع ما يمتلكه العراق لمختلف الانشطة الساحلية المتاحة، وهذه الحقيقة جعلت جيرانه يدأبون على سياسة حرب حدودية ناعمة في ظل حكومات مقصّرة في حماية مستقبل البحر العراقي.

1134 خور عبدالله 1

الشكل (1) الحدود المرسّمة وغير المرسّمة في خور عبدالله

واصدق مثال على حقيقة ما نقول مشكلة تنمية الجزر الضحضاحية للكويت وهي جزر عشوائية تبتعد او تقترب من ساحل جزيرة بوبيان على خور عبدالله في الجانب الكويتي، وقد اكدنا في دراسة سابقة (العلي وجماعته، 2012) حدوث عمليات تعرية وتراجع خط الصفر في  الساحل العراقي عند مدخل خور عبد الله بحدود 284متر خلال 46 سنة أي بحدود 6.17 متر/سنة تبعا" لطبيعة تربة الساحل ذات النسجات الناعمة والسرع العالية لتيارات الجزر، كما تصل عمليات التعرية في الجانب العراقي عند خور شيطانه قُبالة جزيرة وربة الكويتية إلى 370 متر أي بمعدل 8.04 متر/سنة لان سرع التيارات اكبر في هذه المنطقة.

1134 خور عبدالله 2

الشكل (2) تأثيرات الظروف الطبيعية والتدخل البشري في مدخل خور عبدالله

وعلى ما يبدو ان الكويت بدأت مؤخراً بمحاولة تنمية حجم هذه الجزر والتدخل من اجل زيادة امتدادها واعادة تشكيلها لتلتصق بالساحل الكويتي، لتكون اساساً لخطوط ترسيم الحدود المنصّفة لخور عبدالله مع العراق، الشكل(2)، وهذا الامر ليس جديداً وقد نوهنا عليه قبل اكثر من 7 سنوات في بحث مفصل حول المساحات المتغيرة خلال مقارنة لفترات زمنية، كما عرضنا في مقالة تفصيلية بعنوان(خور عبدالله ام الفتنة الكبرى) في العام 2017 وبعدها سلسلة مقالات عرضت حال السواحل

العراقية في ظل نهم الجانب الكويتي بتوسعة الاستثمارات في ساحل بوبيان المقابل للعراق لا لضرورة او جدوى سوى محاولة لتعطيل اي جهد عراقي لتطوير ساحل طيني محدود ومنسي لما يقرب من 40 عام مضت من الحروب والمآسي السياسية. ولسهولة تحري الموضوع بواسطة الخرائط يلاحظ من الشكل (3) تظافر التأثيرات الطبيعية مع التدخلات البشرية في كسب نقاط خط الاساس في خور عبدالله باتجاه العراق، وهذا يحصل قبل الاتفاق على وضع هذه الحدود بشكل نهائي، اذ لم تتضمن الاتفاقات السابقة بين البلدين على المناطق في مدخل خور عبدالله الجنوبي (المناطق الواقعة جنوب شرق الدعامة (162) اذ كانت هذه الدعامة  آخر نقطة في خور عبدالله جرى الاتفاق عليها في العام 1993 ، ومن المؤكد ان التدخلات البشرية والتأثيرات الترسيبية سوف ترسم امتداد حدودي بحري لصالح الكويت باتجاه العراق مستقبلاً بشكل تدريجي، اذ سيشكل التدخل الاصطناعي في جزيرة فيشت العيج (Fasht al Ayk Island) حاجزاً لاصطياد وتجمع الرسوبيات امامها وخلفها وسوف تتشكل كتلة ارضية واسعة متقدمة باتجاه البر العراقي في خور عبدالله بعد ان تتكون جزيرة رسوبية متسعة امام جزيرة بوبيان، وهذا سيكون من مصلحة الكويت لانها سوف تسعى بكل قدراتها لجعل اساس ترسيم الحدود البحرية يبدأ من النقاط الجديدة، وقد اثبتت دراسة عراقية نُشرت في العام 2012 ان هنالك فرقاً يصل الى نصف المقطع العرضي في خور عبدالله فيما لو تم اعتماد خط اساس الترسيم من هذه الجزيرة المصطنعة، وهنا من المهم الاشارة نقطة حساسة لها علاقة وثيقة بهذا الاهتمام بمدخل خور عبدالله، اذ تجري الكويت منذ العام 2013 او قبل هذا التاريخ ااستعدادات على قدم وساق لإنجاز اكبر مشروع استثماري عالمي في الشرق الاوسط في هذه المنطقة، اذ انها خصصت اراضي واسعة استعداداً للعب دور محوري بعد وضع خطط متكاملة لإقامة (المنطقة الشمالية للصناعات الصينية في الكويت) واختارت خمس جزر تقع قبالة الساحل الشرقي للكويت (بوبيان، وربة، فيلكا، مسكان، عوهة لإقامة منطقة متحررة وبنى تحتية جاذبة، وخططت لإقامة مدينة استثمارية كاملة تخص المشروع اطلقت عليها (مدينة الحرير)، وحجزت مساحة واسعة في الطرف الشمالي الشرقي من اراضيها ضمن خطة (الامل – العمل) التي انطلقت ضمن استراتيجية وطنية للفترة 2010-2035  لمدة 25 عام، وكانت الكويت أول دولة عربية خليجية توقيع مذكرة تفاهم للتعاون مع الصين في إطار المبادرة الصينية (طريق الحرير الجديد) او ( الحزام - الطريق) على مستوى اعلى سلطة في الكويت، وبهذا فتحت افاق خطة تطويرية انطلقت في بدايات اعلان المشروع ليس فقط لتحقيق دور في مرور طريق الحرير عبر الكويت، ولتكون بؤرة انطلاق هذا المشروع في الشرق الاوسط وجنوب غرب اسيا وقد اطلقت لطموحها العنان ليكون الاستثمار في هو البديل الرئيس لمدخلاتها القومية المتأتية من عوائد تصدير النفط(البناء بعيداً عن النفط، وكانت البداية من تأهيل جزيرة بوبيان الكويتية لتكون مدينة استثمارية انموذجية، وتهدف الكويت من هذه الاجراءات لإنشاء استثمارات بقيمة 600 مليار دولار بأرباح متوقعة تبلغ 35 مليار. وبهذا فقد وضعت الكويت بدائل استراتيجية للتنافس مع القناة الجافة التي خطط العراق لربطها مع ميناء الفاو الكبير كظهير ارضي للربط السككي حيث تنوي الكويت استخدام اراضي العراق لنفس الغرض بعد تشغيل ميناء المبارك الكبير، ووضعت بدائل استراتيجية للربط السككي عبر دول الخليج وبالاخص عبر الاراضي السعودية كبديل في حال رفض العراق فتح اراضيه للمعبر المفترض، وهذه المنافسة تحاول اقصاء مشروع  العراق البحري – البري عن طريق نقل البضائع من  ميناء بوبيان (مبارك) من الخليج الى الكويت ثم العراق او السعودية ثم الاردن ثم تركيا الى اوربا، بينما لا توجد جدوى اقتصادية من هذا المشروع في طرف الخليج الشمالي وهو الاقرب الى البر العراقي سوى التنافس مع العراق وضرب المصالح الاقتصادية للموانئ واجهاض مشروع الفاو الكبير، ولهذا اقدمت الكويت على وضع التصاميم الخاصة بميناء مبارك الكبير بعد سنة واحدة من وضع تصاميم ميناء الفاو الكبير، وهذه التقارب في التوقيت يُظهر حجم التنافس المحموم، وبنفس الطريقة واجهت الكويت اعلان العراق عن اتمام كاسر الامواج الشرقي والغربي في ميناء الفاو الكبير المزمع انجازه بعد عشرين عاماً.!  والاعلان في البدء ببناء قاعدة بحرية عراقية في احد اطراف الميناء لحماية موانئها النفطية والتجارية في رأس الخليج، وقد قامت قيامة الدولة الجارة وارادت ان تنغص على العراقيين توقيت حلمهم البحري الذي طال انتظاره فمعدت الى تخطي العرف البحري واستحداث جزيرة مصطنعة في مياه غير مرسمة لحد الان، وقد تناست الكويت ان العراق يعمل في حدود بحره الاقليمي المحدود المواجه للخليج(البحر المفتوح) ولم يجري تحركاته في المقطع الطولي لخور عبدالله تلافياً للاحتكاك مع دول الجوار، بينما تنوي الكويت العكس عن طريق تطوير موانئها المنافسة وتدريعها ببعض الجزر المغمورة لتحولها الى نقاط ارضية جديدة في وسط خور عبدالله ذي المقطع الضيق بين الدولتين، وبهذه وتلك يستمر مسلسل منافسة الحقوق البحرية للعراق بتغيير واقع موانئه الحبيسة بإدخال بذور المشكلات الحدودية مرة وبتدخلات مباشرة بتحريك الشخصيات القلقلة في مواقع القرار العراقي تارةً اخرى.

1134 خور عبدالله 3

الشكل (3) تغير موقع الحدود البحرية للعراق مع الكويت في خور عبدالله

يشار الى جزيرة بوبيان عبارة عن جزيرة طينية موحلة قريبة الى مستوى سطح البحر تغرق اجزاء منها عند أعلى مد، وهي منطقة هامشية فارغة لم تسكن من قبل، اضافة الى مناخها الحارة الرطب، ولأجل استثمارها وجعلها صالحة للإنشاءات والسكن وشق الطرق ومدها بالماء والكهرباء والاتصالات تحتاج الى ما يقارب 10مليار دولار لبعدها وصعوبة الوصول للجزيرة من اليابسة وتحتاج الى فترات زمنية طويلة لتحقيق ذلك.  ومن اجل مواجهة هذه الكارثة المرتقبة في الحدود البحرية في خور عبدالله، ومواجهة طرق مصادرة البحر الاقليمي للعراق من قبل دول الجوار، من المهم اتباع التوصيات التالية:

1- الاسراع بتشكيل فريق بحثي من الاختصاصين في الجانب البحري (الطبيعي والقانوني) لدراسة ابعاد الخطوات الكويتية ومدى تأثيرها على مستقبل الحدود في خور عبدالله، وانشاء دراسة متكاملة مدعمّة بالخرائط التفصيلية والادلة التاريخية للطعن بأي محاولة لادخال متغيرات جديدة في الحدود البحرية في خور عبدالله لصالح الكويت.

2- يجب الغاء جميع الاتفاقات الاولية حول الربط الشبكي مع جميع دول الجوار وبالاخص (الكويت وايران) والرفض بشكل حتمي للربط السككي مع الكويت، لان هذا الربط سيوجه ضربة قاصمة لاقتصاد الموانئ العراقية وبالأخص الجدوى الاقتصادية لميناء الفاو الكبير، وسوف يشجع على مصادرة مياهنا البحرية بشكل مباشر او غير مباشر.

3-  يجب ان تؤخذ طبيعة الترسيب في خور عبدالله بنظر الاعتبار في اي اتفاق حدودي بحري فضلاً عن ضرورة وضع بنود اتفاق حول ضرورة معالج الرواسب مناصفة مع الدول المتشاطئة بشكل مستمر.

4- اعادة النظر بالقرار 833 بعد دراسة الفقرتين(2 و 3) من المادة (16) اذ انهما تتيحان امكانية رفض الاتفاقية او تعديل بنودها من قبل الطرفين بما لا يضر مصلحة اي منهما.

5- وضع خطط طويلة الامد لتطوير البيئات الساحلية العراقية ترتكز على نظرة استراتيجية تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الاقليمية والعالمية، على ان تضع تلك الخطط في اولى حساباتها الاندماج مع مشروع طريق الحرير الصيني

6- توسعة الدراسات الاكاديمية والمنشورات الثقافية في مجال السواحل البحرية واهمية مشاريع الادارة الساحلية كجزء من نظام وطني لحفظ الاقتصاد القومي وحفظ تاريخ الوطن، ومن المهم تثقيف الرأي العام والجماهير العراقية بجغرافية البحر العراقي واهميته والتحديات التي تواجه ملف الحدود البحرية.

7- اطلاق برنامج بحري عراقي للمنافسة المينائية مع دول الجوار لمواجهة المشاريع التي تهدف الى تضعيف او الغاء دور الملاحة البحرية للعراق .

8- تسريع العمل بالمراحل المتبقية من مشروع ميناء الفاو الكبير، والعمل مع مزاوجة العمل بالمقتربات البحرية(Offshore) مع العمل بالمنشآت الساحلية  (Onshore)، واعتبار انجاز العمل في هذا المعلم الاقتصادي جزء من دواعي الامن القومي العراقي واعادة تفعيل خطط مشروع القناة الجافة المنسي وتنفيذها لربط ميناء الفاو بأوربا لإكمال الحلقة المفقودة في خطة عبور مشروع الحرير الصيني عبر العراق وهذا سيوفر مردود مالي هائل للبلد وسوف يوفر فرص عمل لآلاف العاطلين في جنوبي العراق.

9ـ فتح آفاق الاستثمارات الاجنبية في قطاع تطوير الموانئ العراقية وطرح المشاريع الكبرى للقطاع الخاص العراقي.

10- تعميق الصلات البحثية والاستشارية بين قطاعات الجامعات ووزارة النقل والهيئات العاملة في مجال الاستثمار البحري والساحلي.

11- تعزيز دور القرار البصري في الاستثمارات الساحلية والبحرية كونه الاجدر باتخاذ ومتابعة تلك القرارات.

 

ا. د. حسن خليل حسن

جامعة البصرة- مركز علوم البحار

.........................

الهوامش:

- العلي، جميل طارش المحمود، حسن خليل حسن وحمود، عدي ادريس(2012) دراسة التغيرات  الطوبوغرافية والملاحية لقناة خور عبدالله ، مجلة ابحاث البصرة/العلميات العدد(38).المجلد (4) B .

- المحمود، حسن خليل حسن(2017) تحليل اوقيانوغرافي لخور عبد الله جنوبي العراق، المؤتمر العلمي الدولي الخامس- جامعة بغداد- كلية التربية ابن رشد.

- مطشر، وسام رزاق (2005) دراسة التاريخ التكتوني والترسيبي لمناطق الاهوار (جنوب العراق)، وقائع المؤتمر الأول لإنماء الاهوار، مركز علوم البحار-جامعة البصرة.

- المحمود، حسن خليل حسن(2018) سواحلنا البحرية وطريق الحرير الجديد..!!، موقع النور- صحيفة المثقف.

- المحمود، حسن خليل حسن(2018)مقالة ميناء الفاو الكبير اوله العثرة واخره الحسرة- مقالة منشورة في موقع صوت العراق- صحيفة المثقف – كتابات في الميزان 25-11-2018..

- جعفر، محمد راضي (2013) الآثار الاقتصادية لإنشاء ميناء مبارك الكويتي على الموانئ العراقية، مجلة الاقتصادي الخليجي العدد24،         26 ص.