سارة طالب السهيلتعاني المرأة من العنف في كل بيئات العالم، ويقع العنف على أساس نوع الجنس، فالتفوق الذكوري للازواج والاباء والابناء الذكور يدفع بوقوع العنف بحق النساء، في بعض الحالات بدلا

 من ان يكون البيت هو الملاذ الآمن للمرأة يتحول الى موطن الخطورة عليها. غير تعنيف المرأة في عالمنا العربي له خصوصية ثقافية ترتبط بعادات وتقاليد تفرض على النساء أن يتكتمن على خلافاتهن الأسرية، ومآسيهن من عنف واهانة، نتيجة سيادة العادات والتقاليد والاعراف الاجتماعية

 التي تكرس للخصوصية والحفاظ على سمعة البيوت. وسرعان ما تفقد المرأة المعنفة إنسانيتها اذا ما تعرضت للاهانة والضرب والطرد من بيت الزوجية وعدم النفقة وتواجه مصيرا مجهولا مع صغارها في الوقت الذي يلومها المجتمع ويلقي عليها بمسئولية الفشل في حماية بيتها واطفالها،

 وهكذا تكون الضحية التي تحتاج الى المساعدة في نظر الاعراف البالية هي الجاني!!! فالثقافة العربية تفرض على المرأة لزوم الصمت والتحمل، وعدم التذمر أو الشكوى، والصبر على سوء معاملة الأب أو الأخ، ومن بعدهم الزوج أو حتى أهل الزوج، كما تحملها مسئولية الحفاظ على الاسرة

 مهما بالغ الزوج في بطشه وقسوته. وكالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال تكرس الاعراف الاجتماعية لثقافة الطمس والصمت تجاه الفتيات ضحايا الاعتداء الجسدي اللواتي لا يجدن من يساعدهن من الاهل للخروج من هذه الكارثة، بل يعمد المجتمع الى اخفاء هذه الجريمة بوصفها عار اجتماعي

 يتوجب قهر الضحية مجددا اما بقلتها فيما يعرف بجرائم الشرف او تزويجها قسراً بنفس المجرم الذي اعتدى عليها. بيوت الرعاية الكثير من دولنا العربية أقامت مراكز وبيوت لإيواء النساء المعنفات، ولتوفير إقامة مؤقتة وآمنة لهن مع تقديم خدمات من الرعاية الطبية والنفسية

 والاجتماعية والقانونية بما يسهل عمليات اعادة التأهيل والدمج الاجتماعي. والبعض القليل من بيوت الرعاية، تعيد تأهيل المرأة وتمكينها اقتصاديا بالتدريب على اعمال تدر عليهن دخل يخفظ كرامتهن، غير ان اكثر هذه البيوت لا توفر آليات التمكين الاقتصادي، وتعاني من نقص التمويل.

 وبالرغم من هذه التجربة المهمة لبيوت الرعاية الا ان عددها قليل قياسا على زيادة عدد النساء المعنفات، كما انها تحتاج الى التزود ببرامج لتأهيل المرأة مهنيا، في الوقت نفسه، فان المجتمعات العربية قد تصنف النساء المعنفات والهاربات من بطش الاب او الزوج على انهن سيئات

 السمعة رغم انهن اطهار وشرفاء، وان سوء السمعة تلحق بيوت الرعاية التي يتواجدن بها. هذه النظرة المغلوطة قد تدفع مسئولي بيوت الرعاية الى التشديد مع النزيلات الضحايا مما قد يحول هذه الدور الى سجن موازي لعنف الآباء والازواج، وهذا يعني اننا في أشد الحاجة لاعادة تثقيف

 المجتمع بأهمية بيوت الرعاية ومقاصدها الشريفة في حماية المرأة المعنفة من التشرد والضياع الاجتماعي. في ظني ان عالمنا العربي في اشد الحاجة للتوسع في انشاء المراكز الخاصة برعاية النساء المعنفات، والأخرى الخاصة بنشر الوعي وتغيير النظرة الدونية للمرأة، وكذلك التوسع

 في انشاء مراكز تأهيل الشباب قبل الزواج بحقوق المؤسسة الاسرية. ولان الوقاية خير من العلاج، فان تجنيب المجتمع تعنيف المرأة يبدأ من الصغر عبر تعليم الطفل قيم احترام المرأة وتقديرها بعيدا عن الضرب، وتعليمه داخل الاسرة وداخل المؤسسة والمناهج التعليمية قيم المساواة

 في التعامل بين البنت والولد، مع اصلاح المنظومة الاعلامية التي تكرس لضعف المرأة واهانتها، مع نشر الوعي المتواصل بخطورة العنف ضد المرأة، وتحذير الرجال من العقاب الذي ينتظرهم حال ارتكابهم جرائم العنف بحق النساء. وتلاشيا لهروب المرأة خارج البيت وانجرافها مع

 رفاق السوء او سفرها للخارج وهو بنظري خطأ فادح تقع به الفتاة او المرأة حين توسع دائرة المشكله للمجتمع الدولي فمن المؤكد ان بكل دولة مؤسسات داخليه تحمي المرأة من العنف والبطش سواء من والدها او اخيها او زوجها او ابنها ومن هذا المنطلق نطالب بحل المشكلات داخليا

 باحتواء المرأة المعنفه والتفاعل مع مشكلتها اولا بتوعية الأسرة سواء الاب او الزوج بثقافة احترام المرأة فهي كائن مساوي للرجل بالحقوق والواجبات وهي مواطن درجة أولى مثلها مثل الرجل ولها حقوق في دولتها وحكومتها مثلها مثل الرجل فالتوعية تبدا من المدارس والجامعات

 ودور العبادة والخطاب الديني ووسائل الاعلام ببث برامج توعوية تكرس قيمة المراة وحقها بالعيش الكريم وحرية الرأي والفكر وحقها في التعليم والعمل وثانياً سن القوانين التي تجرم الاعتداء علو المرأة سواء اللفظي او الجسدي بكافة أنواعه وتطبيق القانون بعيدا عن

 التستر بسبب العادات والأعراف الاجتماعية فالمشكلة لا يمكن ان تحل الا بجذورها ثالثا وجود منصة شرعية تابعة للدولة تلجأ لها الفتاة او المراة في خال تعرضها للإهانة او الضرب والتعنيف تتكون هذه المنصة من سيدات ورجال منصفات يتبعن القانون والأعراف الاخلاقية الرحيمة

 لكل الديانات وبهذا البند نكون قد جنبنا المراهقات او الفنيات من الشكوى او أخذ النصيحة ممن ليسوا اهلًا لها فينصحوها بالانحلال والانحراف والخروج عن القيم والمثل التي تحفظ لها كرامتها وتصونها كإنسانة كما تجنبها الهروب خارج إطار الاسرة او الوطن رابعا يشترط

 على منصة الشكوى ان تكون مربوطة بشكل أساسي بعد تفنيد المشكلة وتحليلها بمراكز متابعة مع المشتكية واسرتها والتعهد والالتزام بحل المشكلة والمتابعة اليومية مع المشتكية الى ان تحل مشكلتها خامسا بما يخص المشكلات الكبيرة التي لا يمكن ان تحل في ضَل تواجد الفتاة

 في نفس بيئتها ومحيطها يجب نقلها الى دار الرعاية والتأهيل بعلم اَهلها وإجبارهم على تقبل حكم المؤسسة التي تعمل بشكل حكومي وقانوني لحماية المواطنين لانهم في عهدة الدولة سادسا دور التاهيل ليست فندق او مكان للنوم والأكل وإنما مركز معد بشكل حرفي للتأهيل النفسي

 ودورات تدريبية لتقوية المرأة من الداخل لمواجهة الحياة وتوازيا مع التأهيل النفسي يكون التأهيل المهني بتعليمها حرفة او صنعة تستطيع من خلالها العمل وكسب الرزق الحلال سابعا اذا اردنا كمجتمعات عربية محافظة على الإطار الأسري وشكل الاسرة التي نعهدها في مجتمعاتنا

 من ترابط ومحبة يجب بالتوازي العمل على معالجة المُعَنٓف المعتدي على المراة بعلاج تربوي اخلاقي وتعديل القيم والسلوك المنحرف الذي يسلكه والا كيف يمكننا اعادة ارسال المرأة المعنفه الى ذات البيت وذات البيئة دون تغيير فتعود المشكلة وكأننا نرمي بجهودنا في البحر

 وفي النهاية أوجه كلمة لأولياء الامور بإعادة النظر بالقيم المغلوطة والانتباه الى نتائج أساليبهم الظالمة فهل فعلا أدت الى الانضباط ام الى الانحلال فالضغط يولد الانفجار اما المحبة والرعاية الطيبة وزرع القيم الحميدة بأسلوب راقي وحنون ينتج أفراد صالحة لبيتها

 وأسرتها كما انني أوجه رسالة لكل رجل بأن المرأة ليست ملك احد اشتراها بل هي انسان خلقه الله ليعمر الارض يدا بيد مع الرجل وهي كائن صالح طالما زرعتم به الصلاح . ولا يزرع الصلاح بالعنف والقسوة ابدا وإنما بحسن التربية وإعطاء الوقت والاهتمام لهذا الزرع .و لم يكن

 أبدا تعليم المرأة وعملها مدعاة للفساد بل العكس لا تفسد الا المراة الجاهلة المعنفة الفاقدة للثقة بنفسها والتي تشعر بعدم أهميتها وعدم تأثيرها الإيجابي في مجتمعها هي التي تلجا للانحراف وختاما اتمنى ان يصل صوتي لاصحاب القرار لتبني مثل هذا المشروع

 

بقلم/ سارة السهيل

مجدي ابراهيممن المفروض المعقول أنه في الأزمات والكوارث ينشط فينا شعور التضامن، ويظل ناشطاً قوياً مادامت فينا بقيّة يقظة واعية من روح القومية، لكنه لا يزال شعوراً مجرد شعور قد لا يخرج إلى حيز التنفيذ الدقيق أو التطبيق الفعلي، ولازلنا إلى اليوم لا نعرف لنا هوية واضحة المعالم قوية التأثير؛ لأننا لا نعرف لنا أيديولوجية محددة تقوم عليها أركان تلك الهوية العصماء.

على المستوى الفردي مثلاً؛ وفي الحالات السّويّة، ترى أنه إذا حدثت لأحدنا أزمة ما، تسابق الجميع إلى فعل المشاركة الوجدانية مع هذا الذي حدثت له الأزمة؛ لتكون هذه الفاعلية الايجابية شعوراً طيباً جميلاً يتعاطف فيه المجموع مع البعض والكل مع الجزء الذي يندرج فيه، ولكن هذا الشعور الجميل الوردي مع صدقه وجماله، ليس هو الحل العملي في بعض الأحيان - إنْ لم يكن كلها - ما لم يكن موقفاً - يقوم فيما يقوم عليه - على دعائم روحيّة وثقافية بل وعقدية وأخلاقية، تتحدّد بها الهوية المفقودة والأيدلوجية الغائبة. وما ينطبق على الفرد في بقعة صغيرة في الوطن العربي، ينطبق بنفس الكيفية على "الكل" العربي إزاء العالم جملة وتفصيلاً.

الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها هى أزمة "ضمير" عربي أصابه العطب والتلف؛ فلم يعد يشعر قط بمعنى التكامل والتضامن، ولا بمعنى الأمل الواحد والمصير المشترك، ولا بمعنى "الوحدة" التي ترتفع متى أرتفع في هذا الضمير شعوره التقليدي بعصمة الاعتماد على الذات؛ فالضمير الذي لا يشعر بمعنى الوحدة، كائنة ما كانت مصادرها، دينية إسلامية أو عربية وطنية، هو في تقديري ضمير "تلفان" يحتاج صاحبه إلى علاج يُفيقه من نعاسه الدائم ووعيه المفقود؛ فمن فقدان الوعي بقوة الضمير العربي وشلل الحيوية في استيعابها أن تتقدم المصلحة الخاصة والمنفعة الشخصية على الروح العامة والفائدة الكلية، مع العلم أن بقاء المصالح المحدودة الجزئية، والمحافظة عليها، شيء لا يستقيم على وجه الدقة إلا إذا استقامت مثل هذه الروح العامة التي تسود القومية العربية، وتدفع الوطن العربي كله إلى الاتحاد؛ والاتحاد قوة، ومن ثمَّ إلى التقدُّم العاصم من التشتت والتفتيت، والدافع إلى مواجهة الكوارث والأهوال.

على أن المصالح المتعارضة شيءٌ نسبيٌ محدودٌ، إنما الشيء الباقي هو روح الوطنية العربية ينبغي أن تستيقظ من نعاس، وأن تحيا بعد موات وركود، وهى لا تستيقظ ولا تحيا إلا بحياة واعية ويقظة كاملة وقيم فاعلة في الضمير العربي كله من أقصاه إلى أدناه؛ ليجيء هذا الضمير بمفرداته وخصائصه؛ ومكوناته وأيدلوجياته، وثوابته ومعارفه ومقوماته، وجهاً لوجه أمام الضمير العالمي. فالمعركة الحالية ليست معركة جزء مع جزء، ولا دولة مع دولة، ولكنها معركة " ضمير عربي" مع ضمير عالمي. ومن سوء الطالع وقلة الحيلة أن يكون الضمير العربي على تشتت وتمزق في كافة الأحوال دائماً ما نراه متعارض المصالح متضارب المنافع مفترق الغايات والمطالب. التشتت فيه أقرب من الألفة، والتمزق في روابطه أولى من الاستقامة، والفرقة فيه - وليست الوحدة - هى السائدة.

فليس غريباً - والحالة كهذه - أن تجد ضروباً من انفصام العروة الوثقى؛ أعني الفُرقة والانقسام والسطحية في القول والفكر، بالإضافة إلى صنوف من التعالم البغيض تبتلى به الأمم في مثل هذه الأزمات مِمَّن يرسمون لها طريقها الذي ينبغي أن تسير فيه، وهو طريق لو سارت فيه وفق تخطيط الجهلة المتعالمين؛ لسارت حتماً إلى كارثة لا شك فيها عندنا ولا ريب.

أولى هذه الطرق وأولاها بالعناية هو إثارة مجموعة من الخلافات - قديمة كانت أو حديثة - وهى خلافات سطحية تثار عمداً بين الأشقاء تدعو إلى الفُرقة الدائمة والنزاع على لا شيء! أي والله على لا شيء إلا أن تكون مجرد مصالح لا تقيم للفرد ولا للمجموع حقاً ولا كرامة. ثم تدعيم تلك الخلافات بوسائل نحن نعلمها جيداً لكننا نتجاهل فاعليتها الحمقاء ونتائجها المشينة، وأقل تلك النتائج تكمن في تفتيت الصف العربي، وغرز الأحقاد بين أبنائه بصورة أو بأخرى.

ومن تلك الطرق التي تُرسم لنا: إننا نجد من يطالبنا بأن ننزوي على أنفسنا وننغلق حتى لا نكاد نعرف من نحن، ومن نكون، وماذا نريد؟ وأن ما يحدث على الساحة العربية أو العالمية لا يعنينا في شيء ما دمنا بمعزل عن كل شبهة، وما دامت أصابع الاتهام لا تشير إلينا من قريب أو من بعيد؛ فلنكن مطمئنين، هادئين، ساكنين، وكأننا لسنا جزءً من واقع مترهل، ومن ضمير معطوب. ومع شدة الأسف يتوالى علينا هذا الكلام في الصحف وفي وسائل الإعلام مكروراً في غير انقطاع من أناس متخلفي العقول فقدوا النخوة ومات فيهم وازع الضمير، فلا يهمهم - ولم يعد يهمهم - إلا النعيم المنهوب الذي يغدقون فيه وينعمون، لدرجة التخمة الروحيّة تصيب العقل والضمير والكيان الإنساني كله بالعجز والكسل وفقدان الإرادة؛ فلا يعقهم شيء عن الرؤية الواضحة في التعامل مع الأحداث، وقراءة الواقع كما ينبغي أن تكون القراءة مثلما يعوقهم هذا "الوخم الروحي"، وذلك الكسل العقلي العجيب الذي تشهد آثاره كل يوم في الشارع العربي: حالة من الفتور والخمول والحيرة والبلاهة والتشاؤم والخوف المرعب من مواجهة التحديات إلى آخر السلبيات التي لم نكن نتوقع حدوثها إلا إذا توقعنا على الفور قلة الرغبة أو عدمها في وحدة الصف العربي.

لنكن أكثر واقعية مع أنفسنا، ولنرفع عنها التناقض لنتسق مع ذواتنا، ولنُجِبْ: لصالح مَنْ ترانا جميعاً نغطُّ في سبات عميق لا تتسلح فيه ضمائرنا بسلاح اليقظة الواعية التي من شأنها أن تعصمنا من الفُرقة والتشتت والانقسام، وأمامنا أصول لا شك فيها من عصمة الوحدة الدينية، ومن عصمة الموقع الجغرافي المتميز، ومن عصمة الموارد البشرية والطبيعية، ما من شأنه أن يُهَيئ لنا سبيل الوحدة والاتحاد؟

ولصالح منَ ينادي فينا داعي الجمود الأخرق البليد قائلاً: أنا ومن بعدي الطوفان؟ ولصالح من نتذرع بذرائع المنافع المتضاربة والمصالح المتعارضة لتتقدم هى عندنا كل التقدُّم على سائر الاعتبارات الإنسانية والعقائدية؟

صحيح أن أمل الوحدة العربية حُلْمُ عظيم له كثير من العراقيل والعقبات المانعة من تحقيقه؛ ومن بينها على سبيل المثال اختلاف توجهات الأنظمة الحاكمة وتضارب فلسفتها العملية والسياسية، ولكن مع فروض وجود هذه الموانع والأعذار والعراقيل أيا كانت، وكائنة وما كانت؛ ثم خطورة الأزمات الحالية واختلاف أقوال المحللين في تفسير مصائرها النهائية .. ألا يقتضينا الواجب "القومي" ولا أقول الواجب "الديني" أن نبذل قُصَارى ما عندنا من جهد في سبيل توحيد الكلمة، وتوحيد الصف، ونبذ التفكك، ودحر الانقسام، وإعلاء صوت الضمير الحي اليقظ على أصوات المصالح والمنافع والخلافات؟

تتجدد الأحداث أمامنا، وفي كل حدث جديد ما من شأنه أن يوحي بمفرده إلى "خلخة الصف العربي" على وجه العموم. هذه الخلخلة ناتجة عن هلهلة: هلهلة في الوعي الإسلامي، أعني وعي المنتسبين إلى الإسلام. وهو وعي مفروض فيه أن يستمد مصادره من كلمة التوحيد، الكلمة الجامعة، الشاملة، التامة؛ والمفترض فيها أن تجمع أبناءها تحت راية واحدة، وتضم شمل التفرُّق الذي يعانونه، والانقسام الذي يمارسونه، والتشيع الذي ينشدونه، والتحزب الذي لا يعرفون له مصدراً ولا غاية، تحت شعور واحد، وفعل واحد، ويقين واحد: هو يقين الإيمان بالله والاعتصام بحبله القوى المتين.

وتكشف الأحداث فعلاً عن منطق مقلوب هو السائد في المفاهيم والدساتير والأعراف الدُّوَليَّة، ثم العمل بوثائق التقسيم التي دبّجها يراع بعض الباحثين الذين هم من أصول يهودية؛ فدفاع العرب عن حقوقهم المشروعة، يندرج بسرعة غريبة تحت مسمى الإرهاب. والبحث عن الشرعية الدولية أضحى أملاً يحيطه السراب، ولا شيء غير الوهم والسراب ننخدع به، فيخدعنا، راضين أم ساخطين. والكيان الصهيوني بأعماله الإجرامية يمارس باستمرار حرية العداء وعنت الإجرام بصورة بشعة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل المقهور ولا عقوبة ولا عقاب، ولكن تشجيع دولي رفيع المستوى للممارسات الدموية الإرهابية. والموقف العربي متأزم غاية التأزم ومنقسم على نفسه، وطوال تاريخه الطويل العريض وهو على نفس الحال: متشتت غاية التشتت والانقسام، لا يأوي إلى ركن أمين يلوذ به، حتى بين الفلسطينيين تنقسم الاتجاهات بين مؤيد للانتفاضة، وهى البقية الباقية من فضائل الجهاد الحر المنظم المنشود، وبين رافض لها داع إلى وقفها، وكل حزب بما لديهم فرحون.

والانقسام الذي يدعو إلى الفُرقة والتنازع في الجبهات الداخلية العربية إنما هو انقسام يخرق كل المحاولات الدافعة إلى الوحدة والتوحيد. وإسرائيل هى المستفيدة من خلخلة الصف العربي، تبدو فيما بينها - رغم كل المناوشات المصطرعة داخل أحزابها - موحدة الهدف لا تجد في الفلسطينيين وكفى، ولكن في العرب جميعاً بغير استثناء سوى شعب غبي متخلف مقهور يجب إبادته، وليس هناك ما يمنع من إبادته تحقيقاً للحلم الكبير الذي تحلم به وتعيش لأجل تحقيقه: إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وليس هذا فقط بل طبعت منذ عقود على عملتها الورقية والمعدنية خريطة استعمارية - أو قُلْ استعبادية - تهدف إلى الاستيلاء التام على الأردن وشمال الحجاز وشبه الجزيرة العربية، وأرض سيناء، ولبنان، وسوريا، والعراق، والسودان، ودول أخرى قد لا تظهر على ساحة الوجود! حتى إذا لم يكن الهدف متاحاً اليوم ففي المستقبل القريب أو البعيد سيكون محققاً لا بمشيئة "الإله العنصري" الذي يؤمنون به دوناً عن سائر الشعوب، بل بمشيئة الولايات المتحدة الأمريكية التي تجعل من مكافحة الإرهاب الدولي (ومحاور الشر) إرهاباً للإسلام، وللمسلمين، وللدول العربية والإسلامية؛ بل وإرهاباً لكافة المواثيق والأعراف الدولية، إذا هى وقفت أمام طاغوتها المتغطرس المأفون؛ وقُلْ على العرب وعلى المسلمين وإسلامهم يومذاك كل السلام، لا بل كل الخراب والدمار؛ وبخاصة فيما لو وضعنا في الاعتبار أن الهدف الصهيوني هذا لم يكن محالاً على الإطلاق في ظل التشرذم العربي والانقسام الداخلي، ومع امتلاك إسرائيل أقوى الأسلحة النووية، والكيمائية، وأعتى وسائل الأسلحة البيولوجية والنيترونية؛ فلا بأس من استخدامها في منطقهم الأعوج ضد محاربة الإرهاب، ولا غضاضة عليها مطلقاً لو أنها استخدمت أسلحة الدمار الشامل - مع خطورتها - تحت ذريعة الدفاع عن الأمن القومي، وإقامة الدولة العبرية من النيل إلى الفرات أو إلى أبعد من هذا؛ لو شاءت.

ومن أعجب مفارقات المنطق المقلوب أن يطالب الأمريكيون العرب بنزع أسلحة الدمار الشامل إذا هى وجدت، وأن ينصاعوا من فورهم للأوامر الأمريكية، وأن تشتد حملات التفتيش وتقوى بعثاته، في حين يتركوا لإسرائيل حبل الوداد ممدوداً على غاربه، فيعطونها حق القتل والنهب وتشريد الشعب الفلسطيني، وإرهاب العرب على الجملة، ثم فوق هذا كله يعطونها الفرصة كاملة بغير قيد ولا شرط، لامتلاك أكبر عدة وأقوى عتاد من أسلحة الدمار الشامل .. ولا رقيب ولا حسيب؛ ثم يقالُ بأعوج لسان: إن العرب والمسلمين هم الإرهابيون! ألا قاتل الله "الجُبن" الذي يجعلنا نَهْرِف بما لا نعرف! ثم ألا ما أصدق شاعرنا العربي حين ذكر أنه: مادامت عين الرضا عن كل عيب كليلة، فلا تنتظر من عين السخط إلا أن تبْدي في جميع الأحوال المساوئ والعيوب .. وحقاً فعلت أمريكاً.

في نهاية هذه الكلمة الغاضبة؛ أسأل كل ذي ضمير يقظان: ماذا ينتظر منا غير "الوحدة" التي نستمدها من قوة الضمائر والعقول إذا هى كانت فعلاً شاعرة بقوتها، ولا بد لها أن تشعر بهذه القوة، وأن تسير في طريق القوة شاءت أم أبت؟

العالم العربي - وا حسرتاه على العالم العربي - غارق في غيبوبة دائمة ونعاس طويل: الفلسطينيون ممزقون مشرذمون في الجبهات الداخلية، ومع ذلك فهم صامدون أمام القتل والذبح والتشريد وعوامل الإبادة الجماعية التي تعصف بهم كل يوم في غير رحمة. والعراقيون مغلوبون على أمرهم، مأمورون بأن يطيعوا طواغيت العالم وهم صاغرون، وإلا حلت عليهم اللعنة الأبدية لتمزقهم إرباً، إرباً شرَّ مُمَزَّق. والمخاطر التي لم يسبق لها نظير تجتاح الأمة العربية والإسلامية وتحدِّق بها الأهوال من كل صوب وحدب؛ تارة بحجة الإرهاب، وتارة أخرى تحت ستار الأصولية الإسلامية ممثلة في شيعة إيران، والبعثيين في سوريا، والوهابيين في السعودية، لكأنما هذه الطوائف وحدها هى كل ما في الإسلام من عقيدة وتشريع أو من آداب ومعاملات، أو كأنها هى وحدها صاحبة التعبير الفريد عن صحيح الإسلام، على الرغم من أن هذه الطوائف نفسها هى التي أساءت إلى الإسلام، وشوهت دين السماحة قديما وحديثاً بعوامل التطرف والتشدد والتمزق والانقسام.

أمة تُهَاجَم وتدَمَّر وتُفْرَض عليها القيود، وتكبَّل حرياتها تكبيلاً وحشيَّاً بغيضاً لأجل ماذا؟! لأجل الديانة التي تنتسب إليها لا لأجل الذين ينتسبون إلى هذه الديانة، وقد يسيئون إليها في الغالب على غير قصد معلوم؛ فلم يعد أحدٌ يفرّق بين الإسلام والمسلمين. يوضع الإسلام اليوم عادة موضع الاتهام؛ لأن طائفة من المسلمين فهموه خطأ، وطبقوه خطأ، فتكال التهم مراراً وتكرراً إلى الإسلام، وإلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه. والإسلام ورسوله هما موضع الوحدة وموطن التوحيد، وهما في منأى عن أوصاف العجزة المفلسين الذين تحركهم مجموعة لا بأس بها من الأفكار الهدامة، فيسيئون إلى دين يدعو الناس كافة إلى إخلاص التوحيد لله تحت سيادة "ربّ العالمين".

*  *  *

الحق أن هذا الموضوع الحيوي قد قمتُ من قبل بنشر بعض أجزاء منه بجريدة الأهرام المسائي المصرية بنفس العنوان: "الوحدة العربية أو الكارثة"؛ كنتُ نشرتها منذ 18 سنة، بتاريخ 19/12/2002م، شعرت بعد قراءته مرة أخرى أن الحياة (سياسياً) متوقفة تماماً لم تتقدَّم خطوة إلى الأمام، وأن ما كنَّا نقوله في ذلك التاريخ نحن أحوج منا إلى قوله اليوم وغداً، وأننا وإنْ كنّا نتقدّم فإلى الوراء، وإلى الخلف، ندور حول أنفسنا في حالة أشبه ما تكون بالغيبوبة العربية، وقد يقضي المرء عمره كله، ولا يرى إلا النكوص والتردي وسوء الحال من العرب، والتوغل أو قُل التغوّل الإسرائيلي في المنطقة العربية. لكن هذه الثمانية عشر سنة غيرت ولا شك نوع العداء ووجهت السياسة إلى القتال الداخلي، فعوض أن يكون موجهاً إلى الخارج أصبح قتالاً داخليّاً، إذْ أشعلت شعور البغضاء بين العربي والعربي، وزكت بينهم فتيل الحروب الدينية البلهاء، وجعلت العربي يقتل أخيه العربي ويدمر نفسه ووطنه بنفسه، ليقف العدو الصهيوني موقف المتفرج. ولم يكن هذا التمزق الداخلي الذي كشفت عنه ثورات الربيع العربي إلا السياسة المسمومة شهدها واقعنا العربي وانتقلت إلينا بفعل الكراهية والتوحش وإرهاب الدولة ونحن في غفلة وتمزق وانقسام ونكوص.

إسرائيل هى السرطان الذي سيقضي على الجسد العربي فيما لو لم تتمّ له الوحدة. ولنأتي إلى الواقع المشهود الآن لنراه يشهد شهود العيان ليقول لنا بأصدق لسان إن: أمريكا نجحت في تنفيذ المخطط الصهيوني بمساعدة أنظمة الدول العربية، على انقسام السودان، وتدمير ليبيا، واستعمار العراق، ونشر الفتن بين الشعوب العربية، وتعزيز عصابات بالمال ودعمها بالسلاح في سوريا لإسقاط نظام بشار الأسد، وأخيراً محاربة اليمن بأيدي عربية - عربية، ودعم أمريكي لضمان استقرار إسرائيل؛ لأنها نقطة تمركز الغرب في الوطن العربي. وتسعى منذ عقود لتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات لغرضين أساسيين هما: السيطرة على حقول النفط كما فعلت في العراق، وحماية إسرائيل من جانب آخر؛ لأن إسرائيل عين الغرب في الوطن العربي، وطفله الوحيد المدلل.

ولنترك إنْ شئنا هذا كله جانباً، ولنأتي إلى بذرة الإرهاب الدموي في العقلية الصهيونية: كيف تتجسد الآن بالدعم الأمريكي في ظل التمزق العربي لتقول في وضوح:

"إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم، فسوف يفاجئون العالم المتحضّر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، والحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية ".

جاء ذلك بالنصّ في مقابلة أجرتها وكالة إعلام مع "برنارد لويس"، مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في عهدي بوش الأب والابن، وهو مستشرق بريطاني يهودي الديانة، وصاحب أخطر مشروع في القرن العشرين لتفتيت العالم العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، من 56 دولة إلى 88 دويلة صغيرة على أساس عرقي، وديني، وطائفي، وقد نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية، في 20 مايو 2005م. ولذلك؛ بات ضرورياً إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية. ولا داعي لمـراعاة خواطرهم - هكذا يقول برنارد لويس- أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم …. ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: (إمّا أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندَعَهم ليدمّروا حضارتنا).. ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المـُعلنة: هى "تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية".

وعندما دعت أمريكا عام 2007م، إلى مؤتمر "أنا بوليس" للسلام، كتب "برنارد لويس" في صحيفة "وول ستريت" قائلًا: يجب أَلا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك موقوت، غايته تعزيز التحالف ضد الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل. ويجيء نصيب مصر من خريطة "برنارد لويس" في التقسيم إلى أربع دول هى: مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى.

الواقع يقول إن هذه الخريطة أصبحت الآن في حكم التنفيذ، ومع ذلك لم يتمكن العرب ولا المسلمون من اليقظة لأهم مصدر لقوتهم أعني: الوحدة والاتحاد.

ولك أن تنظر اليوم إلى "داعش"؛ وهى صناعة أمريكية، وتقارن بين ما جرى بالأمس وما يجرى اليوم؛ بالأمس كانت أفغانستان، وكان العراق. ومَنْ تكون أفغانستان هذه، التي وجهت لها أمريكا ضربة فاشلة (ربما كانت لديهم مزرعة للإرهاب! على حسب ما نشرته وكالات الأنباء يومها من أن البيت الأبيض خَصّص مساعدات قدرها 158 مليون دولار لإعادة أعمار أفغانستان). ومَنْ تكون العراق أو يكون صدام بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حتى تحشد لها أو له آلاف الآلاف من العدة البشرية والعتاد الحربي؟! إن أمريكا بتلك الغارات تعادي نفسها؛ والإدارة الأمريكية كانت تهدد بضرب العراق ما قامت ببنائه سنوات وسنوات، وقد فعلت؛ فدمرت بغداد، وغير بغداد من مدن العراق. وعندها كنا نتوقع أن أمريكا ستتحول في نظر الرأي العام العالمي بما في ذلك أوربا نفسها إلى عدوة للإنسانية بعدما تصبح بجدارة عدوة لنفسها، لا تبقي مكاناً للقيم، ولا موطناً للأخلاق، ولا كيانًا للضمير الجمعي بل ستحل عليها الكراهية واللعنة محل المحبة والتواد بين أبناء العالمين .. أما اليوم فماذا يحدث؟!

تنفيذ خريطة اليهودي "برنارد لويس" في التقسيم بحذافيرها، وتفتيت الدول الكبرى: إجبار أمريكا أن تفعل مع العرب والمسلمين ما كانوا يفعلونه مع الهنود الحمر، أي دفع العرب والمسلمين إلى القتال والتناحر ليخرج الأمريكان والصهاينة من بينهم سالمين! أرجو أن نذكر هذه العبارة جيداً: دفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل. فهذا هو الواقع العربي المشهود: قتال العرب بعضهم لبعض أمر ظاهر لا يحتاج إلى أدلة:

ألم تعترف "هيلاري كلينتون" في كتاب لها أطلقت عليه اسم "خيارات صعبة"، عندما قالت إن الإدارة الأمريكية قامت بتأسيس ما يُسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المسمى بــ "داعش"، لتقسيم منطقة الشرق الأوسط". وأن الأمريكان دخلوا الحرب العراقية، والليبية، والسورية؛ وکل شيء کان على ما يرام، وفجأة قامت ثورة (30/6 - 3/7) في مصر،‫ وکل شيء تغير خلال (72 ساعة)" . وأضافت حسبما نشرته الصحف المصرية نقلاً عن كتاب هيلاري كلينتون إذْ ذاك: تمّ الاتفاق على إعلان الدولة الإسلامية يوم (5/7/2013م)، وکنا ننتظر الإعلان لکي نعترف نحن وأوروبا بها فوراً "؛ وأنها أي "كلينتون" كانت زارت (112) دولة في العالم، وتمَّ الاتفاق مع بعض الأصدقاء بالاعتراف بــ "الدولة الإسلامية" حال إعلانها فوراً، وفجأة تحطم کل شيء".

تحطم كل شيء بقيام ثورة (30 يونيه 2013م)، وهى التي وصُفت بالانقلاب! نعم! انقلاب على المخطط الصهيوني المدعوم من الإدارة الأمريكية، والذي يكون فيه حظ مصر من خريطة التقسيم "لبرنارد لويس" أربع دول هى كما تقدَّم: (مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها لإسرائيل الكبرى)، ونحن لا نستغرب بعد هذا تدعيم أمريكا للإرهاب، والإصرار الغريب على وصف ثورة 30 يونيه بالانقلاب !

ومضت هيلاري كلينتون تقول: "کل شيء کسر أمام أعيننا بدون سابق إنذار، شيء مهول حدث ! فکرنا في استخدام القوة ضد مصر، ولکن مصر ليست سوريا أو ليبيا، فجيش مصر قوي للغاية، وشعب مصر لن يترك جيشه وحده أبداً. وعندما تحرکنا بعدد من قطع الأسطول الأميرکي ناحية الإسکندرية تَم رصدنا من قبل سرب غواصات حديثة جداً يطلق عليها (ذئاب البحر 21) وهى مجهزة بأحدث أسلحة الرصد والتتبع، وعندما حاولنا الاقتراب من قبالة البحر الأحمر فوجئنا بسرب طائرات (ميغ 21 الروسيّة القديمة)، ولکن الأغرب أن راداراتنا لم تکتشفها من أين أتت؟ وأين ذهبت بعد ذلك؟ ففضلنا الرجوع. مرة أخرى ازداد التفاف الشعب المصري مع جيشه، وتحرکت الصين وروسيا رافضين هذا الوضع، وتم رجوع قطع الأسطول، والى الآن لا نعرف کيف نتعامل مع مصر وجيشها؟!

وتقوم "هيلاري كلينتون" بتحديد الاختيار الصعب بعد ثورة 30 يونيه، ودعم كل مَنْ وصفها بالانقلاب ثم فشل المخطط الأمريكي- الصهيوني أثناء حكم الإخوان بجدارة؛ تقول:" إذا استخدمنا القوة ضد مصر خسرنا، وإذا ترکنا مصر خسرنا. شيء في غاية الصعوبة، مصر هى قلب العالم العربي والإسلامي، ومن خلال سيطرتنا عليها عبر الإخوان عن طريق ما يسمى بــ"الدولة الإسلامية" وتقسيمها، کان بعد ذلك التوجه لدول الخليج، وکانت أول دولة مهيأة عن طريق أعواننا"الإخوان" هناك هى الکويت؛ فالسعودية، ثم الإمارات، والبحرين، وعُمان، وبعد ذلك يُعَاد تقسيم المنطقة العربية بالکامل بما تشمله بقية الدول العربية، ودول المغرب العربي، وتصبح السيطرة لنا بالکامل خاصة على منابع النفط والمنافذ البحرية، وإذا کان هناك بعض الاختلاف بينهم، فالوضع يتغير" !

*  *  *

الغرب السياسي لا يعرف الأخلاق، وبخاصّة مع الشعوب العربية: أعلمُ أن تلك الأخلاق لم ولن تعرفها سياسة إلا السياسة المكيافيللية، فإن مكيافيللي (1527م) الذي تابع السوفسطائية في رد الطبيعة إلى الهوى، هو الذي وصم الناس بالفطرة على الأنانية، وهو الذي أوجب أن تكون قواعد الأخلاق قد وضعت من أجل الأفراد، وليس للسّاسة والحكام؛ فإن السياسة تقوم على الحذر مقروناً بالقوة، وهو الذي أوجب على الحاكم أن يتخلى عن مبادئ الأخلاق إذا هى عاقته عن تحقيق أهدافه، وأن يلجأ إلى الجريمة والخداع والمكر والدهاء والالتواء متى أعانته هذه الصفات على تقوية نفوذه ونفع بلاده. وللحاكم الذي يريد أن يخفف من أنانية شعبه، وأن يرده إلى العدل والإنصاف أن يستعين بالقوة والإرهاب، وأن يمكن للدين في نفوس رعاياه، وإنْ لم يؤمن بصحته !إنّ شرار الناس هم الذين يشعلون فتيل الحروب، ويقضُّون مضاجع الأمن والاستقرار؛ فتتحول الدنيا كلها على أيدهم إلى كوارث من العبث الآدمي.

إنّ شرار الناس هم الذين يستلبون خيرات الأمم، ويشيعون في الأرض الفساد، ويتعالون، ويتجبرون، ويتغطرسون؛ وهم في كل واد إلا وادي "الإنسانية" يهيمون.

إنّ شرار الناس هم الذين لا يملكون القدرة على كشف عدوهم الحقيقي، ولا يعرفون كيف يُصيبون أهدافهم الحقيقية حين يصوبونها إلى صدور أعدائهم.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونسلوكيات خاصة بالمكان Spatial behavior

إضافة الى السلوكيات الاتصالية غير اللفظية المتعلقة بالإنسان، فإن للمكان أيضًا سلوكيات غير لفظية خاصة به تحمل رسالة عن العلاقات بين الأشخاص؛ فالحجرات التي تصلح للاجتماعات غير مكاتب العمل، وكلاهما يختلفان عن حجرة الصالون في المنزل أو غرفة المعيشة أو حجرة الألعاب للأطفال. شكل قطع الأثاث وتحريكها وتحديد المسافات بين الكراسي إما أن يعطينا مناخًا أسريًا أو يشعرنا بجو رسمي. وكل مكان يعطي انطباعًا عن طبيعة التفاعلات الاجتماعية التي يمكن أن تتم فيه؛ فبعض حجرات المنزل تكون خاصة بأفراد العائلة، وبعضها للنوم وبعضها للمعيشة وبعضها لتناول الطعام، وبعضها خاص بالضيوف.

كما أن الأماكن بالنسبة للشخص إما أن تكون أماكن مملوكة له، خاصة به، وإما أن تكون غير مملوكة له، لكن لها خصوصية لديه كمقعده في الصف الدراسي أو طاولته في الكافتريا، وإما أن تكون أماكن عامة سواء خضعت ملكيتها للدولة أو لمؤسسات مثل دور السينما.

والأماكن تُستخدم كإشارة لمكانة الأفراد، فحجم المكان المنسوب إليه وموقعه سواء كان منزلًا أو مكتبًا يحدد مكانته الاجتماعية، والتي تؤثر ولا شك في تفاعله مع الآخرين.

ويستخدم الناس غالبًا علامات مختلفة للإشارة إلى ملكيتهم للأماكن، مثل الأسوار التي يحيطون بها المنازل، والجدران التي يفصلون بها الغرف، ووضع الموظف لافتة على مكتبه مدون عليها اسمه، وقد يضع حقيبته على كرسيه.

وتعامل الفرد بالنسبة للأماكن يختلف وفقًا لخصوصيتها، فيصعب تمامًا أن يفرط في مكان خاص به، ولكن ماذا تراه سيفعل إن وجد الصف الذي يفضل أن يحجز فيه مقعده في السينما غير متاح؟!

ومن الملحوظ أن توزيع المكاتب في أماكن العمل يعبر دائمًا عن العلاقات بين الأشخاص والتفاعل بينهم في بيئة العمل؛ فالحجرات المتسعة ذات الموقع المميز وذات الأثاث الفخم تكون للمدراء، ولا يشاركهم فيها أحد، ولو وُجدت حجرات إضافية بالحجم نفسه فلا بد أن يشترك فيها اثنان من الموظفين الأقل أهمية، وربما ثلاثة، بينما الحجرات الأشبه بالعنابر المكدسة بالمكاتب تُعطى للموظفين الأقل أهمية في الكادر الوظيفي.

وفي المنازل يأخذ الأبناء الكبار غرفًا أوسع من غرف الأبناء الأصغر سنًا، والذكور يُقدمون على الإناث.

ويمكن للأفراد الأعلى مكانة أن يقتحموا خصوصية الأماكن المنسوبة للأفراد الأقل؛ فالأب يمكنه أن يدخل غرفة أبنائه، كما يدخل المدير غرف مرؤوسيه دون استئذان، في حين لا يمكنهم دخول مكتبه إلا بعد استئذان السكرتارية.

وكلما كانت هناك أماكن مشتركة بين الأفراد قوي تفاعلهم الاجتماعي، على العكس مما لو كانت لكل منهم قدر أكبر من مساحته الشخصية الخاصة.

كذلك يؤثر ترتيب قطع الأثاث وشكل الجِلسة على جو التفاعل، فيمكن أن يُعطي مناخًا دافئًا وأسريًا عندما يكون في شكل دائري أو نصف دائري، كذلك يشيع الدفء عندما نجلس متقاربين متجاورين أو في شكل زاوية قائمة، وكلما اختفت الحواجز كان التفاعل أفضل، ويمكن أن يقل التفاعل ويشيع مناخ رسمي عندما تكون المقاعد متباعدة ما يقلل إمكانية حدوث حوار، أو عندما نجلس متقابلين، خاصة مع وجود حاجز.

وهناك سلوكيات تساعد في إعطاء مزيد من الألفة في المكان؛ أهمها أن يُخيَّر الضيف أين يجلس. كما أن إضاءة المكان الجيدة تعطي إحساسًا بالأمان، والنظافة تعطي إحساسًا بالارتياح.

وربما يسأل الضيف عن المكان الذي يفضل صاحب المكان –خاصة إن كان مكان عمل- أن يُجلسه فيه من باب اللباقة عندما لا يدرك تحديدًا أين يكون من المناسب له أن يجلس.

ومن المهم التأكيد أيضًا على أن الأماكن لا تؤثر فقط على تفاعل الفرد مع الآخرين، بل تؤثر عليه شخصيًا، فكل منا يستشعر الاطمئنان في الأماكن الخاصة به.

سلوكيات خاصة بالوقت Time behavior

هناك سلوكيات عديدة متعلقة بالوقت تؤثر في تفاعلاتنا الاجتماعية؛ فاختيار التوقيت السليم لبدء أي مهمة أو الخوض في أي نقاش هو جزء أساسي من أي تفاعل اجتماعي ناجح.

كما أن تحديد مدة الوقت الذي يقضيه الفرد مع الآخر يحدد قيمة هذا الآخر لديه، ويكون تأثير الوقت في العلاقات الشخصية أشد وضوحًا عنه في علاقات العمل. كذلك فإنه ومع تزايد المنافسة في مجالات الأعمال صارت سرعة إنجاز العمل تؤثر في تقييم نجاحه.

ويعتبر مفهوم التأخر من أكثر المفاهيم ارتباطًا بسلوكيات التفاعل الاجتماعي المتعلقة بالوقت؛ حيث يعبر تعامل الناس مع الوقت عن مكانتهم في التفاعل الاجتماعي، فأغلب المديرين يذهبون إلى أعمالهم في وقت متأخر عن الوقت الذي يذهب فيه مرءوسيهم. ويمكن للشخص الأعلى مكانة أن يتأخر عن موعده مع الآخر بتركه ينتظر في السكرتارية بينما هو موجود! أو بتأخر وصوله، بينما لو حدث العكس لأي ظرف طارئ فقد يتعرض الشخص الأقل مكانة اجتماعية إلى إلغاء موعده، وإن كان ذلك يعتمد على الثقافة.

لكن إن كان مفهوم التأخر يمكن تقبله في العلاقات المهنية فإنه لا يكون متقبلًا نهائيًا في العلاقات الشخصية؛ حيث يلعب دورًا سلبيًا للغاية بين الطرفين، وأحيانًا يدمر العلاقة بين الزوجين، فمفهوم القيمة والأهمية التي تصاحب التأخر –وفقًا لموروثنا الثقافي- حين يستخدمه أحد الزوجين –غالبًا الرجل- يرسل رسالة سلبية للطرف الآخر بأنه لا ينتبه لأي شيء يخص علاقتهما، ولا يعتبره من أولوياته، ولأجل ذلك دائمًا يكون متأخرًا. وبمرور الوقت تفتر مشاعر الطرف الآخر، وقد تنتهي العلاقة. وبشكل عام، في العلاقات الشخصية، فإن الأشياء تكون لها قيمة فقط عندما تأتي في موعدها، وحتى إن أتت متأخرة تكون لا قيمة لها. هل يُشترى الكعك بعد العيد؟!

الخصائص الجسمية Physical characteristics

تتضمن الخصائص الجسمية لون الشعر، ولون الجلد، والبناء الجسمي، والطول، والوزن، وغيرها من الخصائص التي تميز شخصًا عن آخر. وتؤثر تلك الخصائص في الشكل العام الذي نبدو به أمام الآخرين، وفي نظرة الآخرين إلينا، وهذا يؤثر في تفاعلهم معنا، لذلك تعتبر هي الأخرى أحد أنماط السلوك غير اللفظي.

وأغلب هذه الخصائص تكون ثابتة ولا يمكن تغييرها، فإذا كان بإمكاننا تغيير لون الشعر أو خفض الوزن على سبيل المثال، إلا أن جوانبًا أخرى ليس بإمكاننا تغييرها كالطول وبنية الجسم.

وتؤثر الخصائص الجسمية كلون الجلد والبناء الجسمي في تحديد العِرق الذي ينتمي إليه الشخص، وفي بعض الثقافات التي تتسم بالعنصرية يكون لهذا تأثيره العميق على تفاعل الفرد في المجتمع.

كما تعطي بعض الخصائص الجسمية ميزة للفرد في بعض الثقافات، فتكسبه ثقة في نفسه تؤثر إيجابيًا عليه في المجتمع، فكونك طويلًا في أمريكا يعطيك مزايا كبيرة للحصول على الأعمال والقيام بالأدوار القيادية، بل وحتى الترشح لرئاسة الجمهورية وفقًا للإحصائيات!

 

الملابس والمظهر الخارجي Clothes and appearance

لأن الملابس والشارات وكافة متعلقات المظهر الخارجي للإنسان كالحُلي التي يضعها، وطريقته في قص وتصفيف شعره، ونوعية سيارته، وغيرها، تعطي انطباعًا عن شخصية الإنسان، وتعطي معلومات تلقائية عنه، فهي تؤثر على ما يعتقده الناس عن الشخص، وعلى تفاعلهم الاجتماعي معه سواء كان الطرف المرسل أو المستقبل؛ لذا تُعد جميع السلوكيات المتعلقة بها من قنوات التواصل غير اللفظي معه.

وقد تُستخدم تلك المظاهر أحيانًا، وبشكل متعمد، في إرسال رسالة ما أثناء التفاعل الاجتماعي، ودائمًا لها آثارها البارزة. وقد قمت بتجربة صغيرة للتأكد من ذلك الأثر بنفسي؛ فارتديت عباءة بدلًا من الأزياء الرسمية التي تعتاد أستاذات الجامعة والباحثات العلميات ارتداءها، وقررت الذهاب إلى عدد من المصالح الحكومية والتعامل مع الموظفين، ورغم أن العباءة من خامة جيدة، ومن مقتنياتي من مكة المكرمة، إلا أن الانطباع العام عني الذي لاحظته لدى الموظفين أنني إنسانة بسيطة، ولم ينتبه إلى مستواي الثقافي سوى مهندس قال لي: أسلوب حضرتك في الكلام وألفاظك ونوعية تساؤلاتك تشعرني أنك أستاذة جامعية! فتبسمت، وقلت له إنني أخيرًا وجدت شخصًا واحدًا يُقيِّم الناس على أساس معايير صحيحة، ولا يكون رأيه عنهم بناءً على المظهر الخارجي وحسب. وإن كنت قطعًا لم أخبره أنني أقوم بتجربة اجتماعية.

والحقيقة إن هذا التقييم على أساس المظهر الخارجي قد يكون غير عادل، خاصة لو تعلق الأمر بالجمال والوسامة كمحدد أساسي للمظهر الخارجي، إلا أنه يؤثر بالفعل على تواصلنا الاجتماعي مع الآخرين، وعلى فرص نجاح الفرد في حياته الشخصية والعملية، خاصة في المجتمعات المتخلفة التي لا يُعطى فيها اعتبار كاف للكفاءة.

ولا شك أن ملبس الشخص يعطي انطباعًا خاصًا عما إذا كانت شخصيته متفقة مع قواعد وقيم المجتمع أم مخالفة لها، بالرغم من وجود فروق ثقافية كبيرة في نوعية الأزياء وتقبلها من مجتمع لآخر. وبوجه عام في عصرنا الحالي صارت صيحات الموضة الغريبة والإكسسوارات والساعات والنظارات وطريقة قصة الشعر والوشوم وغيرها تسهم كثيرًا في الرسالة التي يوصلها الشباب عن نفسه، خاصة وقد أصبح يبالغ في كل هذه المظاهر؛ فالأزياء تُرسل رسائل هامة عن كون الشخص محافظًا أم لا. وبينما قد نجد شخصًا من أبناء البلد يلبس ما يخالف الأزياء المعتادة في ثقافته، قد نجد غريبًا يُجرِّب الأزياء التقليدية للبلد التي يزورها، ويرى في ذلك احترامًا منه لقيم أهله.

كذلك فإن كمية الحُلي المقبولة وأحجامها تختلف كثيرًا باختلاف الثقافات. ومن أكثر ما يُعطي انطباعًا عن الشخصية أيضًا هو ما إذا كانت الملابس رسمية أو غير رسمية.

كما تعطي الملابس والحُلي انطباعًا عن المستوى الاجتماعي الاقتصادي وربما حتى الثقافي للشخص، وتعطينا انطباعًا أيضًا عن مستوى ذوقه وإبداعه. وكثيرًا ما تعرفنا البلد الذي ينتمي إليه!

وقد يشير الملبس أيضًا إلى مهنة الشخص؛ ففي بعض المهن يكون هناك زي أو شارة معينة تميزها؛ فرجال الدين لهم زي يميزهم، وكذا الأطباء وطاقم التمريض والمهندسون والعمال في المصانع، بل وحتى طلبة المدارس يكون لهم زي موحد يحدد مدرستهم، وبقدر التزامهم به يكون الانطباع بمستوى الانضباط الذي يُعرف عن المدرسة. بعض المؤسسات والشركات أيضًا تُلزم منسوبيها بقواعد زي معينة، ينتقون أزياءهم بحيث لا يتخطونها. نحن نحترم بيئة العمل التي تضع حدودًا واضحة غير متراخية للملابس المقبولة فيها، أو تحدد زيًا موحدًا، ونعتبرها بيئة عمل جادة ذات صِدقية، ولديهم عادات عمل جيدة، وجديرين بالثقة.

وتتميز الملابس والشارات وسائر المتعلقات الشخصية بأنه يمكن تغييرها بما يحقق الرضا للفرد، والذي ليس بالضرورة أن يتوافق مع ثقافة وتقاليد المجتمع، ويتحدد ذلك في ضوء درجة المسايرة/ المغايرة الاجتماعية للفرد.

كذلك فإن الملابس والمتعلقات قد تُستخدم لتخفيف القلق، فقد يُغير الرجال وضعية أكمام القمصان –غالبًا يطوونها- أو يعمدون إلى التلاعب بأزرار الأكمام أو ساعة اليد أو يوسعون ربطة العنق عند الشعور بالقلق أو الضيق، وقد تعبث المرأة في المقابل بساعة أو إسورة أو خاتم في يدها أو سلسلة في عنقها أو قرط في أذنها أو حقيبتها.

 

د. منى زيتون

 

باسم عثمانيتصور الكثيرون من الناس الاصالة فيربطونها بالزمن، ان يكون الماضي جذرك، وعمقك، وبذلك تكون الاصالة لها معنى في علاقتنا مع الماضي، على اعتبار ان للزمن جذوره كما للمكان، وجذر الزمن، وكل ماض استهلكتها الحياة.

لهذا-يخيل لهم البعض من الناس-ان الاصالة، والدخول الى الماضي لنغيب فيه، ونعتبر ان الماضي مؤصل في الشخصية، ومعمق في الوجود، فيجب علينا ان نقدس الماضي، حتى اننا نعتبر الاخطاء مقدسات.

وعلى هذا الاساس، تحدث بعض الناس، عن الاصالة كما ل وكانت تركيزا على التخلف، حيث ان الماضي يحتضن الكثير من التخلف في الفكر وحركة الحياة.

 ونجد بعض الناس يتحدثون عن التغريب في الجغرافيا والمكان، تماما، كما ل وكان هناك فاصل في الخطوط الفكرية بين الشرق كمكان والغرب كمكان اخر، لتكون المسألة وطنية الشرق ا وعصبيته مقابل وطنية الغرب ا وعصبيته، وكأن هؤلاء يريدون ان يقولوا"الغرب شيء والشرق شيء ولن يلتقيا"، على اساس ان تستغرق المسالة في المكان وتتشكل عقدة ضد الغرب، ولتنشأ كرد فعل عقدة في الغرب ضد الشرق، وهكذا، تضيع الاصالة في ضباب المفاهيم المتنوعة.

اننا عندما نتحدث عن الاصالة، فاننا لن نتحدث عن ماض يحتضنه الزمن فيما يسمى تاريخا، فقد لا يحمل هذا الماضي في بعض مواقعه وخطوطه شيئا يتأصل الانسان به، بل فد يكون شيئا في السطح وفي الشكل، وقد نجد في الحاضر كثيرا من عناصر الاصالة لان الانسان يجد فيها نفسه ككائن حي تتجذر في مسؤوليته في الوجود.

قد نجد في الغرب قيما انسانية لا نجدها في الشرق، وقد نجد في الشرق قيما انسانية سلبية- لا انسانية-لا نجدها في الغرب، وذلك لسبب بسيط وه وان الفكر لا وطن له، حيث انه يستوطن مكانا لانه ينطلق في وعي انسان مفكر، يعيش في هذا المكان وجاءت الظروف الموضوعية لتفرضه واقعا في حركة الفكر في هذا البلد.

ليس هناك وطن للفكر، الفكر اعلى واسمى من التاريخ ومن الجغرافيا، حيث ان الجغرافيا والتاريخ يكبران به، به يتقدس المكان والزمان، ولا يتقدس الفكر بالزمان والمكان.

ان المبادئ لا تدخل في عملية استيراد وتصدير، لانها ابنة الحياة، عندما تحمل عمق الحقيقة، وليست ابنة مكان معين، الانسان يصنعها ويبدعها، يستوحيها ويحركها، ثم لينطلق ليفعّل بها الواقع في كل المظاهر الانسانية، اذا، الفكر، وانساني، لان الانسان، والذي يبدعه عندما ينطلق به، قد تعطيك العروبة على سبيل المثال، بعض الخصائص التي تشجع حركة الفكر، ولكنها لن تعطيك الفكر بحد ذاته، لان الفكر انساني، ليس قومي ا ووطني، لذلك علينا ان نبتعد عن اعطاء الفكر المفاهيم التي تعلبه بالقومية ارضا وزمانا، لان الانسان عندما ينطلق ليفكر: فانه يبدع فكرا انسانيا انطلاقا من خصائصه الانسانية.

ما هي الاصالة:

هي العناصر الفكرية ا والروحية ا والأخلاقية التي تمثل الجذور الاساسية في انسانية الانسان، في انتماءه الذي ينطلق من قناعاته الفكرية، فالإنسان ذات اصالة فيما يحمله من فكر ا ومنهج ينتهجه، ويمثل هذا الفكر ا والمنهج عمقا في انسانيته في كل مواقعها وامتداداتها واعماقها، ان ينطلق الفكر من عمق، من عقل، من دراسة ومن حاجة الحياة ومن حاجة الانسان في الحياة.

اذا: انت اصيل بقدر ما يمثل فكرك عمق وجدانك وعقلك، والفكر يكون اصيلا في الحياة بقدر ما يمثل حاجة الحياة في كل ضروراتها.

لذلك عندما نعالج مفهوم التغريب يجب علينا معالجته على انه خط فكري تتحرك فيه الحضارة التي عاشت في الغرب وانطلقت فيها، ولهذا، يصبح هذا المفهوم خطا في الفكر والنهج ليكون حركة في الحضارة.

اذا: القضية ليست انفعالا ننفعل به، وليست انتماءً طائراً ننتمي اليه، بل هي حياتنا، وفكرنا، وحياتنا، لان الحياة صورة لكل مفاهيمنا التي تفرض نفسها سلبا ا وايجابا، تقدما ا وتخلفا على الحياة، وذلك من خلال الوجدان الذي نحمله، لذاك، لا يكون الانتماء حالة طارئة في الانسان بل، وحالة ثابتة في وجوده، لانك بما تنتمي.

لا بد لنا من ان ننطلق لنفكر اولاً، لا الفكر الذي ينطلق ليدرس الانسان في خطوطه العملية في الحياة، ان ندرس انسانيتنا!!!، ان نفكر وان يكون الفكر يساوي العقلانية والموضوعية، العقل الذي يقف مستنكرا ليلتقط ملاحظة هنا واخرى هناك، فكرة هنا واخرى هناك، ندرس كل انتماءاتنا لنعقلها ولنؤصلها في وجداننا، لاننا قد نكتشف ان كثيرا من انتماءاتنا كانت ارثاً ولم تكن فعلاً!!!، والبيان الالهي يؤكد على ذلك بقوله:" انا وجدنا اباؤنا على امة وانا على اثارهم مقتدون"، والارث ليس بالضرورة ان يكون سلبا دائما، لا بد لنا ان ندرس سلبياته وايجابياته، لان ارثا ما تركه لنا اباؤنا فد لا يكون له دور في حساب حياتنا، لانه ارث من زمن ماض انطلق من تجربة محدودة وتحرك في افق محدود، لهذا ليس بالضرورة ان نقدس التراث بل علينا دراسته، لانه كان فكر اناس جربوا وتجربتهم خاضعة للظروف الموضوعية التي كان يمثلها زمنهم، لذلك هم كسبوا فكرا وعلينا ان نكسب فكرا اخرا، يخضع للظروف الموضوعية والتي يمثلها زمننا: "تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم"، لها ما كسبت من فكر خاطئ ا ومصيب، ولكم ما كسبتم، لكل جيل كسبه وليس بالضرورة ان يكون كسب الاجيال السابقة، وكسبنا من مسالة الارث، وقد نكسب ما كسبوه لاننا اقتنعنا به ولاننا اردنا ذلك، لا لان الاخرين تركوا لنا ذلك.

القضية في عالم الفكر والانتماء، ليست ان يكون لك شيء جديد دائما، ربما يكون لك فكر الاخرين لكن على اساس ان يتحول ليكون فكرك بعد ان تقتنع به انت، لا لان الاخرين اقتنعوا به، وهكذا هي المسالة في عملية التفاعل "لنفكر معا" ولا تكون المسالة" فكروا لنا"، لان فكروا لنا يلغي وجودنا، ولكن لنفكر معا يمنحنا عمق هذا الوجود المتفاعل مع الوجود الاخر.

الانسان الاصيل، والذي اختار فكره، ولم يتبع غيره، وه والذي جعل فضايا الحياة، قضايا هذا الفكر والانتماء، ليتاصل هذا الفكر في عمق الحياة وفالانسان يؤصل انتماءه من حيث يؤصل فكره ليربطه بعقله ووجدانه وبكل ثوابت الحقيقة في الحياة.

تكون لنا الاصالة حيث تكون لنا الارادة وحيث يكون لنا الاختيار، وعندها تكون الاصالة في مواجهة التبعية العمياء، ان تكون مجرد حركة تابعة لحركتهم، تتمثلهم لكنك لا تعيشهم، وجودك التابعي، والوجود في الظل، وليس الوجود الحقيقي،، والصدى والشبح لا الحقيقة.

لذلك نواجه كل الذين يريدون ان يفرضوا علينا ان نكون تابعين لهم، لا ارادة لنا ولا اختيار، عندها المسالة تتمثل في معركة الحرية في ان نريد ا ولا نريد، ان نكون ا ولا نكون، اذاً: لا نواجه مفهوم "التغريب" من موقع العقدة بين الشرق والغرب، على اساس، ان الغرب استعمره وفرض عليه ثقافته ومناهجه وذهنيته وعاداته، اي عقدة الضعيف من القوي، لان القوي فد يفرض عليك شيئا جيدا، وليس بالضرورة ان يفرض عليك القوي شيئا سيئا، لذلك، علينا ان لا نواجه الغرب في المسالة الفكرية ا والحضارية من موقع عقدة الشرق من الغرب، لأنها حينها لن نفهم الغرب ولن نفهم انفسنا، لن نفهم الا ضعيفا يريد ان يصارع قويا ويسترد كرامته، لهذا، نرى بعض الناس يدعون الى المحافظة على التراث حتى ل وكان متخلفا، والى رفض كل جديد حتى ل وكان متقدما.

 وها هو (محمد عبده) احد رواد الفكر العربي في عصر النهضة، دعا الى تقليد اوروبا في مدنيتها الحديثة وليس التقليد بالشكل، كما انه دعا الى تعلم اللغات الاجنبية للاخذ بالعلوم الحديثة عن الغرب، وه ومن اعتبر ذلك اصل من اصول الاسلام، و)الافغاني( يحذر من التقليد الاعمى ويعتبره خيانة لانه برايه يؤكد واقع التبعية والشعور بالنقص، مما يؤدي الى الانحلال الخلقي والسياسي.

لذلك نواجه التغريب من خلال دراسة القاعدة الفكرية والفلسفية والأخلاقية- وهي في تداخل مع بعضها- للمسالة الفكرية للغرب، ان ندرس قاعدته الفكرية ثم ندخل في مقارنة مع ما نلتزمه فكريا، لتكون المسالة قاعدة فكرية تحاور قاعدة فكرية اخرى ا وتصارعها اذا اردنا ان نعطي للصراع الفكري معنى العنف.

امامنا ركام هائل من الافكار والتقاليد والاوهام، لنحاول ان ندخل في حوار مع ذلك كله، حوار يرتكز على العقل، حوار ينطلق من موضوعية ولا ينطلق من انفعال، ان يكون هناك فكر يحاور فكرا، لا ان تكون هناك ذات تحاور ذاتاً، لان مشكلتنا هي الخلط بين الفكر والذات، فكرنا، والشيء الذي اخترناه وليس شيئا خُلق معنا، والتنازل عنه اذا كان خطأً ليس تنازلاً عن الذات بل، وتجديد وحماية لها، والانتقال الى فكر اخر ينطلق من القناعة، وعمليا تأصيل للإنسانية.

لنحاول ان نعيش معنى "الفكر في الفكر"، لا ان نعيش معنى" الارث في الفكر"، لا تقليد في الفكر، علينا ان نبدع قناعاتنا في كل شيء لنملك وضوح الرؤية، نعرف ما نريد ونقرر ما نريد، ان الساحة مفتوحة للذين يقرروا، لا للذين ينتظرون من يقرر عنهم.

 

د. باسم عثمان

 

 

هاني جرجيس عياد تعتبر القراءة قدر وأمر وسنة، إلا أنها قدر جميل، وأمر مطاع، وسنة تكوين، أما أنها قدر فلأنه لا فكاك منه، وأمر مطاع لأنه منزل من الخالق وباسمه: (اقرأ بسم ربك الذي خلق)، وهي سنة التكوين لأنها ضرورة عقلية تتحقق بتلبيتها متعة عظيمة، غير أن المتأمل في حال أمتنا اليوم يرى عزوفا أليما عن القراءة من سائر أفراد المجتمع وحتى من مثقفيها ومتعلميها، حتى أصبحت هذه الظاهرة سمة واضحة على جيل بأكمله، مما يزيد من حجم التحديات التي يعانيها الجيل القادم، وهو ما يتطلب تغيير جوهري للواقع الحالي، كما يتطلب تعزيزا أكبر لأدوات بناء الشخصية والتي تعتبر القراءة أهم أدوات هذا البناء، ولا شك أن العزوف عن القراءة يعد واحدا من أكثر الظواهر والإشكاليات الاجتماعية تعقيدا بالنظر لارتباطها بخلل وظيفي في المجتمع، لذلك لابد من تشخيصها ووضع حلول لعلاجها، فما هي أسباب عزوف الناس عن القراءة؟ وماهي الحلول المقترحة لعلاج هذه الظاهرة؟

القراءة من قرأ وقرأ الشيء أي نطق بما احتوى، واقترأ الكتاب أي نطق بما كُتب به، واطلع على محتواه. ومن الجدير بالذكر أن القراءة هي من أهم ما يتميز به الشخص عن غيره في المجتمع، والمجتمع القارئ هو المجتمع الذي ميزته القراءة عمن سواه من المجتمعات، والمجتمع القارئ هو مجتمع متقدم ومنتج للثقافة والمعرفة، فلا يمكن أن تحقق أي أمة التقدم والنجاح والازدهار وتصل إلى الرقي إلا بالقراءة والبحث والتفكير، فالقراءة من أهم الأسباب التي تعمل على تقدم المجتمعات والأمم، وهي التي تزيد من تقدم المجتمعات، كما أنها تزيد من تقدم الأمم اقتصاديا وصناعيا وعلميا.

تعد القراءة من أهم وسائل كسب المعرفة، فهي تمكن الإنسان من الاتصال المباشر بالمعارف الإنسانية في حاضرها وماضيها، وستظل دائما أهم وسيلة لاتصال الإنسان بعقول الآخرين وأفكارهم، بالإضافة إلى أثرها البالغ في تكوين الشخصية الإنسانية بأبعادها المختلفة، فالقراءة تحتوي على ثلاث أمور مهمة (الملاحظة، الاستكشاف، والبحث الذاتي عن المعرفة)، ومن هنا تأتي شمولية القراءة والاطلاع فهي الركيزة الأولى لعملية التثقيف واكتساب مهارات الوعي المعلوماتي والمعرفي والتعلم الذاتي، للاندماج في العصر المعلوماتي.

إن القراءة فعل حيوي يصعب الاستغناء عنه، فهي إحدى الوسائل المهمة لاكتساب العلوم المختلفة والاستفادة من منجزات المتقدمين وخبراتهم، كما أنها ضرورة ملحة لا تقل أهميتها عن أهمية المأكل والمشرب، ولا يتقدم الأفراد بدون القراءة، فبها تحيا العقول وتستنير الأفئدة، ويستقيم الفكر.

القراءة وسيلة أساسية في ملء الفراغ وإشباع الميول والرغبات الثقافية، فبالقراءة الجادة الهادفة نستطيع تحصيل أسباب الرفعة والنهضة والتقدم واللحاق بركب الحضارة الذي تخلفنا عنه.

تعتبر القراءة وسيلة لتوسيع المدارك والقدرات، لأن المرء حين يقرأ، يقرأ في اللغة والأدب والتاريخ، ويقرأ في العلوم المختلفة، ويقرأ فيما ألف قديما وحديثا، ذلك مراعاة لتوسيع مداركه وإثراء عقله ولعل هذا يفسر لنا التخلف الذريع الذي نعاني منه بين صفوف الكثير من شبابنا والمسافة غير المتوازنة بين قدراتهم العقلية وبين ما هم عليه من تفكير وقدرات.

تثري القراءة لغة القارئ بالعديد من المفردات، وتنمي ذوقه، كما توسع دائرة معارفه وأفق تفكيره، وتعطي للقارئ القدرة على التحليل وإبداء الرأي السليم، وإذا نقد فإنه ينقد بعين بصيرة كما تنمي قدرته على المناقشة وإثراء المجالس والمنتديات بكل ما هو نافع.

أن القراءة ليست هواية، بل ضرورة أساسية في حياة البشرية، وتتضح أهميتها من كلام الكاتب الكبير جرهام جرين: "أحيانًا أفكر أن حياة الفرد تشكلت بواسطة الكتب أكثر مما ساهم البشر أنفسهم في تشكيل هذه الحياة".

ودائما ما يكون الاطلاع على الإحصاءات الخاصة بمعدلات القراءة في الوطن العربي، يعطى مؤشرا عن حجم تدهور الواقع الثقافي الذى تواجهه الدول العربية، خاصة عند مقارنة هذه الإحصاءات والمؤشرات بمثيلاتها في الدول الغربية.

قدمت "روسيا اليوم"، مؤشر القراءة في الوطن العربي خلال 2016م، وشمل المؤشر مسحا ميدانيا لـ148 ألف شخص.

ورتبت الدولة العربية من حيث الأكثر قراءة، فاحتل لبنان المركز الأول، ومن بعده على الترتيب مصر والمغرب والإمارات والأردن.

المفاجأة كانت في التصنيفات الأخرى، إذ كشف المؤشر أن متوسط عدد الكتب المقروءة سنويا في الوطن العربي 16 كتابا، منها 7 كتب دراسية و9 غير دراسية، كما كان متوسط عدد ساعات القراءة سنويا 35 ساعة، منها 15 ساعة في الدراسة والعمل، و20 في المجالات الأخرى.

المؤشر أظهر أن تفضيلات القراءة الورقية تتوزع "28% كتب، 20% روايات، 20% مجلات متخصصة، 17% صحف، 14% قصص مصورة".

أما تفضيلات القراءة الإلكترونية فكانت "23% شبكات اجتماعية، 23% مواقع إخبارية، 23% كتب إلكترونية، 15% مجلات إلكترونية، 9% مدونات، 7% شبكات مهنية".

المؤشر لم يكن منضبطا بما فيه الكفاية، لعله جاء مجاملا إلى حد ما للعرب، إذ أن متوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويا، بحسب نتائج خلصت إليها لجنة تتابع شؤون النشر، تابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر.

يعتبر هذا المعدل منخفضا ومتراجعا عن السنوات الماضية، ففي عام 2003، وبحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو، كان كل 80 عربيا يقرأ كتابا واحدا، بينما كان المواطن الأوروبي يقرأ 35 كتابا في السنة، والمستوطن الإسرائيلي يقرأ 40 كتابا، ورغم الفارق الكبير في نصيب القراءة للمواطن العربي مقارنة بالأوروبي، إلا أنه يعتبر أفضل من الوقت الحالي، حيث تراجع إلى ربع صفحة فقط، وهو معدل كارثي.

وتقرير التنمية البشرية عام 2011، الصادر عن مؤسسة الفكر العربي يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويا، بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200 ساعة سنويا، وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية، كما يؤكد وجود هوة ثقافية شاسعة بين ثقافة المواطن العربي وثقافة المواطن الأوروبي.

ومن الملاحظ أن هناك اختلافات في الأرقام الخاصة بمعدل القراءة في الوطن العربي، ويعود ذلك إلى الأدوات المستخدمة في البحث والتحليل، لكن أغلبها تصل إلى نفس النتيجة، وهو إثبات وجود فرق شاسع ما بين المواطن العربي ونظيره في الدول الأوروبية.

ورغم ان الأمر لا يحتاج إلى عرض هذه الإحصائيات حتى نصل إلى نتيجة أننا مجتمع لا يقرأ، وأن القراءة لا تعتبر طقسا من طقوسنا اليومية، فظاهرة العزوف عن القراءة واضحة وترسخت في أذهاننا وسلمنا للأمر الواقع بأننا أمة لا تقرأ، كما ترسخت هذه الصورة السوداوية عنا في نظر الغرب مما جعل موشي ديان يقول: ”العرب لا يقرؤون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يحفظون وإذا حفظوا سرعان ما ينسون”.

والملحوظ أن أهم أسباب ظاهرة العزوف عن القراءة هي:

- قلة الوعي لدى العديد من الناس فيما يتعلق بأهمية القراءة لبناء الإنسان الجاد المثقف الواعي بأحوال أمته ومجتمعه، بالإضافة إلى حالة اليأس والإحباط التي يعيشها الفرد في المجتمع العربي بشكل عام، فالبعض يتساءل: ماذا سنجني من القراءة؟ هل سنصنع صاروخا نغزو به الفضاء؟ هل ستحل لنا مشاكلنا؟ هل ستغير واقعنا؟ وغيرها من التساؤلات التي لا تكاد تقف عند حد.

- ضعف مناهج التعليم التربوية في الوطن العربي، واعتمادها على عملية التلقين والحفظ في الأغلب، بالإضافة إلى كثافتها والتي تجعل الطالب يشعر بالملل إلى حد كراهية الكتاب والقراءة، إضافة إلى أن هذه المناهج لم تعد تحوي في طياتها ما يدفع الإنسان للبحث والقراءة فقد دخلت عليها مفاهيم غريبة سلخت الفرد عن بيئته ومفرداته، وغياب المعلم القارئ النموذج الذي يثري المناهج، بتلخيص الكتب ومناقشتها.

- غياب مفهوم التعليم والتثقيف الذاتي عند الكثير من الناس.

- الارتباكات السياسية الحاصلة في الكثير من بلداننا العربية، والتي أدت إلى انغلاق الآفاق أمام المتلقي الذي كان يعشق القراءة بفقدانه الاستقرار الحياتي.

- عدم تنظيم الوقت، فالكثير من الناس يدعي أنه لا يملك وقتاً كافيا للقراءة فتمر عليه الأيام والشهور وهو لم يقرأ كتاباً ولم ينم ثقافته تنمية تعود عليه بالنفع، بالإضافة إلى تضييع الوقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وإن كانت فيها صفحات تتحدث عن القراءة والاطلاع فإنها لا تجذب إلا المهتمين.

- تدني المستوى المعيشي الذي يعاني منه العديد من شبابنا والذي يمنعهم من الالتفات إلى القراءة، فهم مشغولون بالجري وراء لقمة العيش.

- عدم احترام المجتمع لمثقفيه واعتزازه بهم وعدم منحهم المكانة التي يستحقونها، فلابد أن يكون مجتمعا قادراً على انتاج مثقفين جدد، أما المجتمع الذي يحتقرهم ويسخر منهم فإنه يقتلهم ويلغي روح الإبداع لديهم، فلا ينتظر من هذا المجتمع أن ينتج مثقفين أو حتى مجرد قارئين.

- أزمة خطاب النخبة، وهي أزمة المثقف حين يرتفع بخطابه عن القارئ العادي مستنكفا عن تبسيط خطابه في طرح مشاريعه، ولعل هذه القضية باتت إحدى المشكلات الثقافية فمن يصعد للآخر؟ ومن ينزل للآخر؟ هل على المثقف أن ينزل بخطابه إلى القارئ العادي وبالتالي يخشى على نفسه أن يكون طرحه شارعيا؟ أم على القارئ العادي أن يصعد بنفسه ويرتقي بمعرفته ليصل إلى خطاب النخبة؟

- غياب ثقافة الكتاب في الكثير من البيوت والمؤسسات التربوية.

- غلاء أسعار الكتب نتيجة جشع كثير من الناشرين والمؤلفين.

- قلة الصبر خاصة مع كثرة الانشغالات، فالكثير يفتقدون الأناة وطول النفس في مداومة القراءة، ولا يملكون الجلد على المطالعة والبحث، فالساحة الفكرية اليوم تعاني من خلل ظاهر في بناء ملكة القراءة، فالكثير يدخلون في زمرة المثقفين من أصحاب الشهادات الجامعية، ومع ذلك تتفاجأ بان الكثير منهم ربما يعجز عن إتمام قراءة كتاب واحد خارج تخصصه.

- الغزو الثقافي الغربي، وترويج ثقافة الميوعة واللامبالاة، والأنانية، للسيطرة على الأمة فكريا وحضاريا، وغياب الروح التشجيعية وسيطرة النزعة الغربية الطاغية في الاهتمام بالجوانب المادية على حساب النظرة المعنوية للإنسان والحياة.

- غياب دور الأسرة التي تعتبر نواة المجتمع في صنع توجهات وقناعات أبناءها فهي قادرة على أن تجعل الطفل مولعا بالقراءة أو العكس، فالطفل الذي ينشأ في بيت به مكتبة عامرة وأبوين قارئين يختلف بالطبع عن الطفل الذي ينشأ في بيت يخلو من كتاب.

- عدم معرفة من يحاول القراءة بأي كتاب يجب أن يبدأ القراءة، فقد يصطدم بأمور صعبة الفهم، أو الافتقار إلى الخبرة في اختيار أفضل الكتب، أو عدم التركيز فينهي الكتاب دون فائدة، مما يسبب نفوره من القراءة.

- أنانية مثقفينا وعدم سعيهم ونضالهم لإقناع الآخرين بجدوى القراءة وضرورتها، بل على العكس تجدهم يتذمرون بالمحيطين بهم ممن لا يقرؤون، ويصفونهم بالمتسكعين.

ولا يخفى على أحد مخاطر العزوف عن القراءة على الإنسان والأمة، والتي تتلخص في:

- فقدان إرادة التغيير، نتيجة عدم امتلاك المعرفة التي تدفعنا إلى العمل والسعي لتغيير ما نعيشه من واقع سيء، وبالتالي سوف نقبع تحت براثن الفقر والاستبداد، مالم ندرك أن المعرفة هي الأساس في أي عملية تغيير.

- الاستسلام والخضوع الأعمى والإذعان للثقافة السائدة بمعاييرها وقيمها المادية وأهدافها، فأصبح شبابنا يسيرون مع التيارات كقشة في مهب الريح يحملهم حيثما يشاء هو، لا حيثما يريدون هم.

- الانغلاق الفكري والتحيز والتعصب نتيجة الالتزام بأمور معينة عن جهل أو بسبب معلومات خاطئة دون إمكان التفكير فيها وفحصها، مما يجعل البعض يقاوم وجهات النظر الأخرى كما يجعلهم غير قادرين على فتح أذهانهم لفهمها.

- انعدام الفكر النقدي مما جعل مجتمعاتنا العربية غير واعية لعيوبها، فالطالب الجامعي مثلا يتقبل طريقة التعليم بالتلقين دون أن يعي أن هذه الطريقة هي واحدة من أبرز وسائل القمع في هذا العصر، وقد يكون انعدام الفكر النقدي هو نتيجة لطريقة التدريس القمعية وهذا ما يذهب إليه بعض المفكرين.

- السطحية في التفكير مع ضحالة ذهنية مفرطة حجبت منافذ البصيرة في الكثير من الرؤى.

- انعدام قدرة الفرد على التعبير.

- أزمة الوعي التي نحياها جميعا، فقد أصبح شبابنا عرضة للتغييب والترغيب والانفصال عن الهوية العربية والإسلامية، مما جعل أمتنا تعيش خطر التفكك والتشرذم.

- ضياع الموروث التاريخي الأصيل والقصور في إنتاج المعرفة.

- الانحراف، لأن الشخصية خاوية العقل معرضة للانحراف والضياع بسهولة، بينما الشاب المثقف لديه من الثقل الداخلي ما يجعله يعزف عن الأمور المضرة وغير البناءة.

لا يخفى على أحد أن الكتب في أمة من الأمم هي مظهر من مظاهرها الحضارية، بل لعلها أهم تلك المظاهر وأبعدها أثرا على ثقافتها والمقياس الأول لنبضها وحيويتها، فهي الوعاء الذي يضم ثمرات عقول أبنائها وإبداعات مبدعيها في مختلف مناحي الحياة. لذا فمن الطبيعي أن تحتل هذه الكتب المكانة الرائدة في حياة الشعوب والأوطان، وأن تلعب الدور الاساسي في المسيرة البشرية نحو التمدن السياسي والاجتماعي والتقدم الاقتصادي؛ وليس من المستغرب أن تسعى الأمم للعناية بها والاهتمام بمصدرها، فتنشئ المؤسسات والمعاهد لتطويرها ونشرها وذيوعها، وتكريس احترامها وتداولها بين الحيز الأوسع من القراء وبما يتفق مع اختلاف الميول والأذواق، حتى شهد العالم فيضا منها لا يحصى ولا يعد، متنوعة في موضوعاتها، مختلفة في مضامينها، توسعت بها حقول العلم، ورحبت مساحة المعرفة، وتعمقت العلاقة بين القارئ والكتاب ثقافيا، وبين السلعة المستهلكة والمستهلك تجاريا. وبناء عليه يبقى علاج ظاهرة العزوف عن القراءة ضرورة ملحة في وقتنا الحالي لتدارك الموقف لمسايرة الركب المعرفي والعلمي. ومن أهم الإجراءات العملية التي نحسبها كفيلة بتنمية عادة القراءة لدى شبابنا نذكر ما يلي:

- محاربة التسرب الدراسي بإلزام كل من بلغ السن الدراسي بالانتظام في مدرسة مع تخفيف الأعباء الدراسية عن كاهل الأسر حتى لا يكون التسرب نتيجة لثقل الأعباء المادية على الأسر.

- يمكن إلزام كل طالب جامعي لكي ينال شهادته الجامعية أن يتكفل بتعليم ثلاثة من جنسه – ذكورا للبنين أو إناثا للبنات - القراءة والكتابة على أن يظل هذا المطلب أثناء سنين حياته الدراسية كمشروع لتخرجه يؤديه في أي وقت منه ولا ينال شهادة تخرجه إلا بعد أدائه.

- يمكن أن يطلب من المعفين من التجنيد الإجباري والنساء الذين لا يقومون بخدمة جندية أن يكون هذا هو واجبهم الوطني الذي يجب أن يؤدوه لخدمة وطنهم بأن يقوموا بتعليم عدد معين من الأميين القراءة والكتابة كشرط لازم لسلوكهم سبل العمل الداخلي أو الخارجي.

- يمكن إنشاء مدارس خاصة وأهلية معتمدة ومراقبة من الحكومة لتعليم الأميين القراءة والكتابة، على أن تكون هناك قاعدة بيانات تجميعية لمن تحرروا من عبودية الجهل والأمية لمنع التكرار والعبث والتلاعب، مع وجود قواعد صارمة على أداء تلك المدارس الأهلية لأداء عملها وتقييم نتائجها ونتاجها.

- يمكن أن تجيز القوات المسلحة التي تلزم المجندين الغير متعلمين بمدة خدمة إلزامية أطول عن المتعلمين – مصر مثالا تلزم غير المتعلمين بخدمة ثلاث سنوات وتلزم المتعلمين بخدمة سنتين فقط كتعليم متوسط وسنة واحدة للتعليم العالي – بأن تفتح لهم باب التعلم الداخلي أو الخارجي في الأجازات وتسمح لهم بتخفيض المدة الإلزامية أن استطاعوا التعلم خلال مدة خدمتهم.

- ومن أكثر الملاحظات جذبا للانتباه في محاربة الأمية ورفع الثقافة هي تجربة الحكومة البرازيلية التي ابتكرت ذلك المشروع لرفع مستوى الثقافة وتغيير المجتمع للأفضل، فتقدمت الحكومة البرازيلية بإطلاق مشروع أطلق عليه "مشروع الخلاص بالقراءة"، وينص على أن قراءة السجين لكل كتاب جديد يعفيه من قضاء أربعة أيام من فترة عقوبته بإجمالي 48 يوما في العام بعد قراءة 12 كتابا، ويتم التأكد من قراءته للكتاب بكتابته لمقال يلخص فيه الكتاب الذي قرأه. ولنا أن نتخيل أن مدى تأثير قراءة السجناء للكتب النافعة على حياتهم تصوراتهم وأفكارهم بعد الخروج للمجتمع ومدى استفادة المجتمع من ذلك التغيير.

- البدء بحملات إعلامية مكثفة لترسيخ الحس الحضاري تجاه القراءة في وجدان الناشئة لأن الإعلام يشكل فضاءا واسعا يمكن استثماره إذا أحسنا فهم وظائفه المجتمعية أولا، والتفاعل المتزن معه ثانية.

- إن القراءة قضية مجتمعية والطفل هو المدخل الرئيس للتنمية الحقة، وبالقراءة الواعية يصقل عقل الطفل كي يفسر ما تنطوي عليه سنن الحياة الكونية والنفسية والاجتماعية ويتفاعل معها على نحو رفيع، وعلى الأسرة تقديم بيئة ملائمة لتكوين أرضية ثقافية تتيح لكل عضو في الأسرة فرص الاستكشاف والتعلم والتفاعل والرقي العقلي والروحي والجسدي، فمستقبل الطفل وعطاء الأسرة شقيقان فلا مناص من تسخير كل الإمكانيات المتاحة عند الأسرة لتثقيف الطفل، وإلا أخفق المجتمع وضاعت الأمانة، أمانة التنشئة الصحيحة.

- تعتبر القراءة ذات أهمية بالغة في تأثيرها على الطفل وتكوين شخصيته المستقلة، كما لها تأثير كبير أيضا على فعالية العملية التعليمية بكافة مراحلها، وعدم الاهتمام بها يؤثر سلبا على قدرة الطفل في الاستمرار في التعليم الجامعي والعالي، والقراءة تساهم في إشباع القدرة التخيلية للطفل إضافة إلى مساهمتها في تنمية قدراته اللغوية، والتركيز، والانتباه، والملاحظة الدقيقة للأشياء، وتنمية الحس الفني والنمو العاطفي والعقلي مما يساهم في بناء شخصية الطفل وإغناء وجدانه، وهذا يتطلب تعاونا وثيقا بين الأسرة والمدرسة. فمن أهم واجبات المدرسة خلق روح القراءة في نفوس طلبتها لأنها تعطي قيمه ذاتية للإنسان وبدونها لن يكون لها ثقافة أو ابداع وبذا يقبل الطالب على القراءة من خلال مكتبة المدرسة برغبة وبمحض الإرادة النابعة من القلب وليس بفعل الوعيد والتهديد أو الخوف من العقاب أو من أجل أن يجتاز الامتحانات المدرسية المطلوبة ولا يتأتى ذلك للمدرسة إلا إذا كان المعلم فيها ممن يحب القراءة ويزاولها فيكون بذلك قدوة لطلبته.

- الاحتكاك بمحبي القراءة فالجلوس إليهم وملاحظة أثرها عليهم، من خلال أحاديثهم الشيقة التي لا تمل، تدفع بالمرء لمشابهتهم في ما هم عليه من حب للقراءة.

- لابد من تحطيم العامل النفسي الذي يجعل الشخص يردد دائما عبارة أنا لا أحب القراءة، أنا عندما أمسك بالكتاب أنام، وغيرها من العبارات التي لم تبنى على تجربة حقيقية واقعية، بل مجرد وهم أو نتاج كسل.

- الالتزام بوقت يومي محدد للقراءة.

- التدرج في القراءة فيبدأ بالأيسر فالأيسر حسب عمره وفهمه ولا يحسُن أن يبدأ بالمطولات.

- تفعيل دور المكتبات العامة لتحقيق أهدافها بنشر الوعي بأهمية القراءة.

- تثمين المبادرات التي تدعو للقراءة وتشجيعها والاقتداء بها، مثل المبادرة التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بدولة الإمارات العربية المتحدة، تحت عنوان ”تحدي القراءة العربي”، وهي أكبر مشروع عربي لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي عبر التزام أكثر من مليون طالب بقراءة 50 مليون كتاب خلال عامهم الدراسي تشجيعا على القراءة بشكل مستدام ومنتظم عبر نظام متكامل من المتابعة للطلاب طيلة العام الأكاديمي 2015-2016، بالإضافة لمجموعة كبيرة من الحوافز المالية والتشجيعية للمدارس والطلاب والأسر والمشرفين المشاركين من كافة أنحاء العالم العربي، ويشمل التحدي أيضا تصفيات على مستوى الأقطار العربية وتكريم لأفضل المدارس والمشرفين وصولا لإبراز جيل جديد متفوق في مجال الاطلاع والقراءة وشغف المعرفة.

- ضرورة استثمار توافر عناصر البيئة الرقمية في مجتمعاتنا لدعم مهارة القراءة، ومن المواقع الإلكترونية المهتمة بالقراءة والتي يجب التعريف بها لمشاركة الناس بها، ولما لا تكون نسخة بالعربية من هذا الموقع، وهو موقع good reads وهو عبارة عن شبكة اجتماعية على الإنترنت تشبه مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك ولكن تهتم بالكتب فقط، فهذا الموقع أنشئ خصيصا ليكون المكان المفضل لجميع محبي القراءة والكتب على الانترنت، بإعطائهم الفرصة لتبادل الخبرات والآراء في كل ما يتعلق بالكتب، كما يتيح فرصة التواصل مع الكتاب والمؤلفين المشتركين بالموقع، كما يمكن للمشتركين الانضمام إلى مجموعات النقاش المتنوعة التي تمكنه من التجمع مع الناس لمناقشة الكتب المختلفة.

- توعية الناس وحثهم على تحويل الهاتف المحمول إلى وسيلة تتيح القراءة، خاصة وأن الجميع دون استثناء يملكون هواتف نقالة، فوفق دراسة قامت بها منظمة اليونسكو أشارت إلى أن الكثير من الناس الذين يعيشون في دول التي تعاني من نقص في الكتب والمطبوعات باتوا يستخدمون الهاتف المحمول للقراءة، لذلك تعتبر وسيلة فعالة لنشر ثقافة القراءة.

- إنشاء رابطة لمحبي القراءة يكون همها العمل على توفير الكتاب، وتسهيل وصول أكبر عدد من الناس إليه من خلال إقامة المعارض وتأسيس صندوق لدعم الكتب القيمة وتنشيط سوق الكتاب المستعمل.

- القراءة الجماعية بحيث يتفق الفرد مع أقرانه ليجتمعوا مرة في الأسبوع أو الشهر للقراءة وجمع الفوائد.

- حصر الإشكالات في الكتب المقروءة بالرجوع إلى كتب أخرى أو سؤال المختصين لأن الإشكالات والمصطلحات التي تواجه القارئ في الكتاب تجعله يرميه دون رجعة .

- أصحاب القرار ينبغي عليهم النظر في المناهج التعليمية، وتطوير المناهج وتحسين الكتب المقررة، لتكون مما تهدف إليه إذكاء حب القراءة في نفوس الطلاب.

- استغلال معارض الكتب التي تقام كل سنة بتنظيم الزيارات لها والحث على زيارتها.

- إصدار سلاسل معرفية بأسعار زهيدة، وتوزيعها بشكل واسع النطاق على المدارس والجامعات.

- خلق حوافز للتشجيع على القراءة حتى ولو كان الحافز هو تخصيص حيز واسع للإشهار من أجل جعل القراءة عنصراً أساسيا في التعليم باعتباره مكونا أساسيا للمواطنة، ويمكن أيضا التفكير في صيغ لمباريات ومسابقات للقراءة وتتوج بجوائز.

- تطبيق فكرة المكتبات المتنقلة التي تزور المدارس وحدائق الأطفال وأماكن الترفيه والتسوق، وتكوين المكتبات في المساجد والكنائس والدوائر الحكومية والشركات والمطارات وعيادات الأطباء، بحيث يشاع الكتاب فيها وتعتاد النفوس رؤيته ويجب تجديد تلك الكتب كل مدة زمنية بحيث لا يمل القارئ الكتب القديمة.

- عدم إهمال الأطفال الذين لم يدخلوا المدرسة، فالمتخصصين في التربية وسيكولوجية القراءة ينبهون لتدريب الطفل الذي لم يدخل المدرسة على مسك الكتاب وتصفحه، كما أنه من الضروري أن توفر له الأسرة بعضا من الكتب الخاصة به. وعدم إهمال قصة قبل النوم لهم، فالأطفال –بوجه عام- يحبون القصص والحكايات حتى وإن كانوا لا يحسنون القراءة، وحتى وإن كنا لا نملك هذه العادة، يجب علينا استحداثها داخل مجتمعاتنا العربية، فخبراء التربية وعلم النفس ينصحون الآباء والأمهات بأن يقوموا بقراءة بعض القصص الملائمة للأطفال قبل النوم، وبذلك تبني مهاراته اللغوية، فقصص قبل النوم تعتبر حجر الأساس في تنمية الطفل، وقد عبر الشاعر الأمريكي ستريكلاند جيلليان عن أهمية الأم القارئة في قصيدة تعتبر من أشهر القصائد وأحبها عند الشعب الأمريكي.

وخلاصة القول فإنه متى عرفت أمة للكتاب قدره وحفظت مكانته، نالت حظها من الرقي والسمو، واسترجعت حضارتها وازدادت قوة وعمقا، ومتى عزفت عنه واستهترت بقيمته، كانت الهلكة مآلها والتقهقر والتلاشي مصيرها، لأن الأمة التي لا تقرأ تحمل في ذاتها بذور النهاية والفناء كما قيل. فنحن الآن مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بدعم الكتاب وتشجيع القراءة خارج الحملات الموسمية والتظاهرات الرسمية، مطالبون بأن نعيد للكتاب مكانته في الحياة العامة، وأن نربي في الناشئة فعل القراءة.

لذا ما نأمله أن يحظى موضوع – القراءة – باهتمام وتركيز قويان في مقررات التعليم بدءا من رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية ومرورا بالسلكين الإعدادي والثانوي وانتهاء بالجامعة لتصبح القراءة عادة تمارس طوال الوقت، والشعوب المتقدمة هي شعوب قارئة.‏

القراءة منفذ عميق للهروب من صواعق الجهل، كما تعد موهبة وهواية ولا تدرك أهميتها إلا الشعوب الحية والواعية والحريصة على القراءة، فالقراءة تعتبر مفتاح المعرفة وطريق الرقي وهي وسيلة لتوسيع المدارك والقدرات، لأن المرء حين يقرأ ويطالع في مختلف أنواع العلوم، يكون ذلك مدعاة لتوسيع مداركه وإثراء عقليته، وما من أمة تقرأ إلا ملكت زمام القيادة والريادة.

 

 د. هاني جرجس عياد

 

امل ابراهيم الملاحيشير مفهوم التفكك الاجتماعي إلى كل ما يصيب النسق الاجتماعي من قصور أو خلل في أدائه لوظائفه الأساسية وهي تحقيق الاستمرارية والاستقرار وأي قصور في أداء الانساق الاجتماعية لوظائفها. وتتحدد مصادر التفكك الاجتماعي في صراع المصالح والقيم، وعادة ما يرتبط هذا الصراع بجماعتين كل واحدة منهما تسعى بالدرجة الأولى لتحقيق مصالحها.

هذا إلى جانب صراع المكانة والتزامات الدور والذي يرتبط بالتغيّر التطوري، نظرًا لتباين مكانة الأفراد داخل المجتمع الواحد، وتعدد الأدوار الاجتماعية للفرد داخل المجتمع الواحد يحدث له صراعٌ بين الأدوار بسبب غموض الدور فينتج عن هذا الصراع فشلٌ في أداء الدور وبالتالي يظهر التفكك الاجتماعي.

التفكك الاجتماعي هو اتجاه المجتمع إلى التدهور أو التفكك مع مرور الوقت، وقد يكون ذلك نتيجة تردي أو انهيار أنظمة الدعم الاجتماعي التقليدية. وفي هذا السياق، يشير "المجتمع" إلى النظام الاجتماعي الذي يحافظ على المجتمع، وليس النظام السياسي الذي يضع حدوده. والمجتمع بالمنظور الاجتماعي ليس هو نفسه الدولة.

تعود الأصول النظرية لهذه الفكرة إلى إميل دوركايم وفرديناند تونيز. وبالنسبة لكلا الباحثين، فقد قاما بالتقسيم إلى نوعين من التفكك الاجتماعي الذي يتوافق مع مرحلتين تاريخيتين. أولاً، يوجد تفكك بدائي قائم على التشابه والتفاعل الودي الذي أطلق عليه دوركايم التضامن الميكانيكي وسماه تونيز جيمينشافت (المجتمع). ثانيًا، يوجد تفكك أكثر تعقيدًا وحديث قائم على الترابط المجرد، المعروف باسم التضامن العضوي أو الجيسلشافت (المجتمع المدني).

يميل من يؤيدون أفكار التفكك الاجتماعي إلى التشكيك في قدرة التضامن العضوي التكاملية، حيث يدعون أنها إذا لم تكن قائمة على روابط وعلاقات بدائية، فإنها تكون ملفقة. وعلى الجانب الآخر، قد يجادل المتفائلون بأن أشكال التكامل المعقدة الجديدة ربما تنشأ عن مصادر عدة، مثلاً عن طريق أشكال تشكيل الهوية الجماعية الجديدة أو عن طريق الترابط الاقتصادي.

كما يُعدّ القصور في عملية التنشئة الاجتماعية أحد مصادر التفكك الاجتماعي حيث أن التنشئة الاجتماعية هي عملية يكتسب منها الأفراد الاتجاهات والقيم التي تتوافق مع أدائهم لأدوارهم الاجتماعية، ويترتب على القصور في عملية التنشئة الاجتماعية تفكك اجتماعي ناتج عن عدم وضوح للتوقعات المتبادلة بين الأفراد في المجتمع، بسبب الصراع القيمي، والصراع بين السلوك الجديد والسلوك القديم للأدوار.

أيضا قصور قنوات الاتصال الجماعي يتسبب في التفكك الاجتماعي وذلك بسبب قصور أو خلل في أداء الأفراد لوظائفهم داخل التنظيم الاجتماعي حتى ولو لم يكن هناك صراع بين المصالح أو القيم.

ويوجد فرق بين مفهوم التفكك وبين مفهوم اللا تنظيم حيث أن نسق العلاقات الاجتماعية في اللا تنظيم لم يتشكل بينما في حالة التفكك فالعلاقات الاجتماعية قائمة بالفعل والخلل يصيب تلك العلاقات الموجودة.

 

د. أمل إبراهيم الملاح

 

منى زيتونيمكن تعريف المسافة الشخصية Personal space بأنها المنطقة المحيطة بجسم الشخص ذات الحدود غير المرئية، والتي يشعر الفرد عند عدم اختراقها من قِيل من يتواصل معه بالارتياح، ويحاول منع أي متطفل من اختراقها.

تختلف المسافة الشخصية الملائمة بين موقف وآخر وفقًا لطبيعة التفاعل، وللعلاقة مع الأفراد المتفاعلين. واحترام المسافة الشخصية الملائمة يساعد على نجاح التفاعل، بينما يكون لانتهاكها تأثيرات سلبية حادة على عملية الاتصال، ما لم يحدث تعديل لإعادة التوازن النفسي وإنهاء قلق الآخرين بسبب انتهاك مسافاتهم الشخصية.

ولا يلزم وجود الحواجز المادية كالمكاتب والكراسي وأجهزة الكمبيوتر وغيرها لحماية المسافة الشخصية، فكل فرد يشعر بحدوده الشخصية رغم كونها غير مرئية!

وقد أظهر بحث هول (Hall,1996) عن المسافة بين المتفاعلين، والذي أجراه على مجتمع أمريكا الشمالية أن المسافة بين المتفاعلين يمكن أن تقسم لأربعة نطاقات اعتمادًا على طبيعة العلاقة والهدف من التفاعل وهي:

- النطاق الخاص الشخصي جدًا Intimate Zone

يكون بين هؤلاء الذين تربطهم ببعضهم علاقة حميمة، حيث يتفاعلون على مسافة 50 سم أو أقل. أي إنها إما اقتراب شديد أو لمس فعلي.

- النطاق الشخصي Personal Zone

هؤلاء الذين تكون بينهم علاقة شخصية سوف يأخذون مسافة بين 50 سم ومتر واحد. أي إن الشخص سيكون بمنأى عن اللمس، وإن كان بقرب من يحاوره. هذا النطاق يُستخدم كثيرًا في العلاقات الشخصية، مع أفراد الأسرة والأصدقاء.

- النطاق الاجتماعي/الاستشاري Zone Social /Consultative

ربما تكون 2 – 3 أمتار مناسبة للتفاعل بين زملاء العمل، غالبًا في وجود حاجز بينهم. ونظرًا للبعد يقل دور تعبيرات الوجه في التفاعل الاجتماعي.

كلما زادت المسافة قلت الحميمية؛ لذا فإن مكاتب كبار المسئولين يُراعى في تصميمها وتصميم الكراسي المصممة معها أن تتفق مع هذا النطاق. وعادة كلما سُمح للضيف أن يجلس في كرسي أقرب كان لهذا أثره في تحديد شكل التفاعل الاجتماعي.

- النطاق العام Public Zone

يُرى هذا النطاق العام في المناسبات العامة؛ فالمتحدثون في تلك المناسبات يقفون على بعد 3– 4 أمتار فأكثر من المستمعين إليهم. عند هذه المسافة يفقد المتحدث تمامًا المعلومات الدقيقة لتعبيرات الوجه وتعبيرات العينين، ولا يتبقى له غير استدامة خط النظر كعلامة على انتباه المستمع لما يقول.

لكن هذه النطاقات تم حسابها بناءً على ارتياح الناس في الثقافتين الأمريكية الشمالية والأوروبية، في حين أن الثقافة اللاتينية على العكس من ذلك تسمح بالاقتراب الزائد بين الأفراد إلى حد يوشك التلامس، ولا يجدون غضاضة في ذلك. في أمريكا الشمالية، يُلاحظ أنه في الأماكن المزدحمة؛ حيث يتم انتهاك مسافات الآخرين الشخصية بغير قصد أو تعمد، يتعلم الناس عدم التواصل بالعيون مع هؤلاء الغرباء الملاصقين؛ لخلق نطاقهم الخاص على المستوى النفسي، ونرى هذا الحال أوضح ما يكون عند ركوب المصاعد. بينما في أمريكا اللاتينية حيث لا ينزعجون من الاقتراب الذي يوشك على التلاصق ينظرون إلى بعضهم في تلك الأماكن المزدحمة.

وكثير من العرب ينزعجون من وقوف الناس - خاصة الأوروبيين-  بعيدًا، ويعتبرونه دليلًا على عدم التقدير وعدم الاهتمام، وربما رغبة في إظهار السيادة. وهناك من على العكس يشعرون بالانزعاج في حال التقارب أو عدم وجود حاجز مادي بينهم وبين الآخرين، وربما وصل الأمر للشعور بعدوانية من يتفاعل معهم وينتهك مسافاتهم على هذا النحو. وينبغي علينا أن ننتبه لتعبيرات وجه وحركة جسم من نتعامل معه لنفهم إن كان لا يشعر بالارتياح إزاء مسافتنا منه، ونحاول تصحيح المسافة لنكون غير مبتعدين أو مقتربين منه كثيرًا.

ومن الطبيعي أن يختلف اختيار المسافة المناسبة للتفاعل الاجتماعي على عدة عوامل أخرى غير الثقافة، أهمها النوع والسن والشخصية ودرجة الألفة مع الشخص الذي يتم التفاعل معه. النساء يفضلن المسافات الأكثر قربًا كلما أمكن مع الأقرباء والعكس مع الغرباء. والناس كلما كانت أعمارهم صغيرة فضّلوا المسافات الأكثر حميمية إلى حد الالتصاق، وحتى يصلوا سن المراهقة –وربما ما بعدها-  يتهيبون التفاعل في النطاق العام، وكلما كان عمر الشخصين المتحاورين مقاربًا كلما اقتربا من بعضهما أثناء الحوار. كذلك تؤثر درجة انطوائية/انبساطية الفرد في إحساسه بانتهاك مسافته الشخصية، والمسافة التي يشعر عندها بارتياح أثناء التفاعل الاجتماعي. كما أنه كلما كان الشخص مألوفًا لمحاوره كان قرب المسافة بينهما أثناء التفاعل أكثر احتمالًا مما للغرباء. إضافة إلى تلك العوامل فإن للفروق الفردية أثرها في تحديد درجة المسافة التي يشعر الإنسان عندها بالارتياح.

كما أن محتوى الرسالة يؤثر في المسافة الشخصية بين المتفاعلين، حيث ينبغي أن يكون الشخص في النطاق المناسب، والمثال الأشهر على ذلك أنه لا يمكن الإخبار بسر على مسافة 2م!

وينبغي أن نعي أيضًا أن اختيار مسافة خاطئة لإجراء التفاعل الاجتماعي يمكن أن يُفسد التفاعل برُمته، فالاقتراب ممن لا يجب الاقتراب منهم يُعد انتهاكًا لمسافاتهم الشخصية، خاصة في الأزواج المختلطة من الجنسين، والابتعاد الزائد يُعتبر إشارة إلى عدم الرغبة في التفاعل بحميمية، وهو ما يكون مخيبًا للظن بين الأصدقاء. كما قد يكون مخيبًا أن يغير أحد الطرفين موقعه مقتربًا توددًا للطرف الآخر ليفاجأ بتعبيرات وجهية غير مرحبة وابتعاد الآخر.

وربما لأن الشخصيات العامة الجماهيرية معتادون على النطاق العام، الذي يكون فيه الغرباء على مبعدة منهم، فإنهم يكونون أكثر انزعاجًا ممن يحاول الاقتراب منهم وصولًا إلى النطاق الشخصي، وغالبًا سنجدهم يبتعدون أو يحاولون إنهاء الحوار، وربما عقدوا أيديهم خلف ظهورهم للتعبير عن انزعاجهم.

وأحيانًا يضع بعض الناس حواجز مادية كالمكاتب والطاولات بينهم وبين الآخرين للمساهمة في تحديد مسافاتهم الشخصية التي يرونها ملائمة. كما يمكن للناس إبراز الحاجز المادي وزيادة تحديد منطقتهم العازلة بواسطة وضع كومة من الأوراق أو الكتب على المكتب، وأشياء على حوافه لتزيينه، وكلها تساعد على خلق مساحاتهم الشخصية، خاصة عندما يتشارك عدد من الزملاء المكتب نفسه. لكن حذار من خلق فوضى تعطي انطباعًا سيئًا عنك.

يمكن أيضًا أن تمسك ذراعي الكرسي الذي تجلس عليه لمزيد من الشعور بالراحة، ثم تسحبه تجاه المكتب الذي يشكل الحاجز المادي. بينما عند وضعك يدك على كرسي فارغ بجانبك يشير هذا الوضع إلى انفتاح شديد على الشخص الذي تتحاور معه، على العكس مما لو حركت هذا الكرسي بحيث تضعه أمامك وتستند إليه أثناء حديثك مع الشخص نفسه، فأنت بذلك قد خلقت حاجزًا ماديًا بينك وبينه!

وفي عصرنا الحاضر صار وضع جهاز الحاسوب أمامك –وليس جانبًا- ، أو التلاعب بالهاتف المحمول - مع تقريبه من وجهك-  يُستخدم أيضًا كحاجز. والشيء نفسه يحدث عندما تضع المرأة الحقيبة كحاجز محمول أمام جسمها أثناء السير. كما يمكن للمرأة أن تستخدم خاتم الزواج كحاجز عندما تفركه أو تحركه في يدها، وذلك مع أي رجل يتعدى مساحة خصوصيتها.

وكثيرًا ما يخلق الناس حاجزًا بواسطة الجسد في حال عدم وجود حاجز مادي. في حال الشعور بالتهديد أو عدم الألفة بالمكان وعدم الراحة، قد يتم اصطناع هذا الحاجز بواسطة عقد الذراعين حول الصدر، وهي طريقة معروفة لدى كلا الجنسين. وهناك طريقة أخرى تشيع أكثر لدى النساء لخلق الحواجز الشخصية؛ عندما تفرد أحد الكفين وتضعه أمام نصف وجهها المواجه لشخص ما.

ونعود لنقول إن هذه الحركات بالنسبة لبعض الأشخاص قد تكون حركات نمطية معتادة، بينما هي بالنسبة لآخرين تعتبر تعبيرًا انفعاليًا عن شعور ما يؤخذ في الحسبان عند التواصل معه.

 

د. منى زيتون

 

الحسين اخدوشعندما اعتبر منظّر الوضعية العلمية الحديثة «أوغست كونت» المعرفة سلطة (Savoir c’est pouvoir)، كان يقصد جعل المعارف العلمية للقرن التاسع عشر (العلوم التجريبية والرياضية) (positivists) وسائل فعّالة لامتلاك القوّة والسيطرة. فالمعارف الطبيعية والإنسانية الناشئة للعصر الحديث سرعان ما تحوّلت إلى أدوات نظرية ومنهجية للتحكّم في الطبيعة، وخدمة سيطرة الإنسان على الكائنات الموجودة في هذا العالم من أجل فتح المزيد من الآفاق المجهولة له. نتيجة لذلك، كفّت المعرفة الإنسانية لأوّل مرّة عبر التاريخ عن أن تكون مجرّد قدرة طبيعية للعقل على التأمل والتجريد وتأويل العالم، ثم توصيف ما يقع فيه من وقائع مختلفة توصيفا أخلاقيا وجماليا كما كان الشأن عليه في العصور الوسطى والقديمة.

لقد كفّت المعارف العلمية عن أن تكون مقدارا من المدركات المتاحة للأفراد عن طريق حسّهم السليم le bon sens) وسرعة البديهة (réflexes)، أو بمجرّد سعيهم الدؤوب للتعرّف على الأشياء المجهولة لهم لاكتشافها، وتنمية قدراتهم الفكرية والذهنية عبرها لصالح تحقيق تقدّمهم عام في التاريخ. يقينا، تحوّلت العلوم الناشئة بدخول باراديغم الذات (Sujet) إلى مسرح الفكر النظري، متخذة طابع التحكّم والسيطرة من خلال مقولات العقل الجديدة (السببية والعلية، الموضوعية، القوّة، الفهم، الخ) التي أسّست للمنظور التحكّمي على قوى الطبيعة (Jean-Marc Lévy-Lebond: Auto-critique de la science, 1973).

نشأ هذا التصوّر الأداتي للمعرفة منذ عهد «فرانسيس بيكون» الذي افتتح العصور الحديثة بقولته الشهيرة "إنّ المعرفة سلطة". بشكل سريع، عمل «روني ديكارت» على تجذير هذا المنظور بعد ذلك، رافعا شعار المعرفة العلمية في خدمة تحكم تسخير الطبيعة لصالح الإنسان. وبذلك رفع هذا الفيلسوف مستوى نظرية التحكّم في الطبيعة إلى مستوى ميتافيزيقا الذاتية الشاملة، معلنا في القسم السادس من كتابه "المقال في المنهج" (Discours de la méthode) بأنّ معرفتنا العقلية الحديثة هي وحدها التي بمكنتها أن "تجعلنا سادة على الطبيعة وممتلكين لها." (Descartes René : Discours de la méthode).

هكذا، تخلّى مفتتح العصر الحديث كليّة عن نموذج توافق الإنسان مع الكون الذي وسم نظام المعرفة القديمة، لصالح نموذج الإعلاء من قيمة العقل من حيث هو ذات مفكّرة (Sujet pensant). ولقد كان الغرض من هذا الإعلاء من صورة العقل أن يتمكّن إنسان العصر الحديث من تحرير ذاته من الصور الفكرية الخاطئة التي حجبت عنه رؤية الحقيقة كما هي بنوره الفطري (الفكر الخالص). نتيجة لذلك، نصبّت ميتافيزيقا العلم الحديث الفيزياء الرياضية أداة تقنية لغاية السيطرة المادية على مختلف قوى الطبيعة المعروفة والمجهولة معا.

لقد كان هذا التأسيس الميتافيزيقي للعلم، كتقنية، مدخلا فلسفيا عاما لاعتبار الإنسان ذاتا مفكرة، أو قل بتعبير «بليز باسكال» غصنا مفكّرا عظيما (roseau pensant). غير أنّ قيام هذا الفهم التقنوي للمعرفة وبروزه إلى مسرح التاريخ الحديث، سرّع بظهور وتشكّل العلوم الطبيعية ذات المنزع التجريبي التقني خاصّة على مستوى علم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. كانت النتيجة من كلّ ذلك أَنْ لم يعد العلم ولا المعرفة قابلين أن ينجزا لأجل الفضيلة، كما كان عليه الأمر فيما مضى لدى قدماء اليونان والقروسطيين بشكل عام؛ بل أصبحت المعارف العلمية الجديدة تتنافس على تحقيق قدر كبير من السيطرة على الطبيعة، وذلك بحثا عن المزيد من الهيمنة على قواها للتغلّب عليها وتطويع صعوبات الحياة بقهر الطبيعة. لذا، قطعت العلوم الحديثة مع المنظورات الأخلاقية التقليدي للمعرفة الإنسانية، وذلك لصالح ما اصطلح عليه فيما بعد بعبارة "إقامة معرفة بديلة"، التي يمكن أن تمكّن الإنسان، بعد ضبطه لقوانين الطبيعة، من أن يقهر الطبيعة باستعمال قوانينها ضدّها لتحقيق المزيد من منافع البشر. غير أنّه، ونظرا لازدياد حجم التقدم العلمي والمادي التقني المحقّق بعد الثورة الصناعية الأولى والثانية، بدأت علاقة السيطرة تلك تفرز الكثير من ردود الفعل السياسية والاقتصادية والثقافية، حيث قطع الإنسان صلته الروحية بالطبيعة، وانفصل عن شروط وجوده الطبيعية الأولى.

لقد استجدت مسألة ترابط المعرفة والسيطرة في الفكر النقدي المعاصر، فاصبحت تثار بنوع من الحدّة أحيانا، خاصّة وأنّ القوى الصناعية الرأسمالية ما فتأت تروّج لتحقيق المزيد من المنافع المادية باستغلال الموارد الطبيعة إلى الحد الأقصى. غير أنّه، وبالنظر إلى كون التنافس الدولي على الموارد أصبح يهدّد باستمرار الحروب جرّاء التنافس بين القوى الامبريالية، فقد لزاما على الشعوب الضعيفة أن تبحث لنفسها عن موقع قدم في هذا السياق المحموم المسكون بهاجس السيطرة على كلّ شيء تماما. هذا الأمر لم يرق للبعض، خاصّة أنصار البيئة والتنمية المستدامة والايكولوجيين، حيث يلزم وضع تعاقد بيئي جديد يحفظ توازن الأنظمة البيئية المهدّدة. غير أنّ مثل هذا التعاقد ما كان له أن ينجح في ظلّ سيطرة المنظور الليبرالي الأنواري ذي الخلفيات الهيمنية والامبريالية. من هنا كان النقد الجدري للحداثة الانوارية يستوجب فضح دور العلوم الحديثة في تغذية نزعة السيطرة على الطبيعة التي تؤمن بأنّ المعرفة سيادة وهيمنة للإنسان على الطبيعة (Jacques Testart : L'humanitude au pouvoir, 2015).

من هنا روّجت النظرية النقدية المعاصرة لمقولة تحرير الوجود الإنساني من ظروف استعباده واستلابه. ولقد كان  لمنظر الاقتصاد السياسي الحديث كارل ماركس الدور البارز في فضح أيديولوجيا الأنوار العقلية التي روّجت لها بورجوازية العصر الحدث. ولذلك دعا هذا الفيلسوف إلى جعل الفلسفة تنتقل من مجرّد فهم العالم إلى ضرورة تغييره سياسيا واجتماعيا واقتصاديا حتى يتم كبح الالة الاستهلاكية الضخمة للرأسمالية الصاعدة في القرن التاسع عشر. ولقد أدركت مدرسة فرانكفورت النقدية، بعد قرن من الزمن، بعد ذلك أنّ عمليتا فهم وتغيير العالم كما دعا إليها ماركس ليست بالمهمة الهيّنة، إذ لا يمكن الفصل بينهما بسهولة.

الحاصل من كل ذلك، أنّ المعرفة التي أسّست لها أيديولوجيا الحداثة الغربية ليست محايدة في نسق القيم المعرفية والثقافية التي ترعرعت فيها؛ بل إنّها سرعان ما تحوّلت لتصبح أداة طيّعة قابلة للتوظيف الأيديولوجي والاستثمار السياسي للمزيد من الهيمنة، كما هو الحال في الليبرالية الجديدة. غير أنّ ظهور بوادر الشكّ والريبة من علاقة المعرفة بالسيطرة لدى مفكّري النقد الثقافي والسوسيولوجي المعاصرين، وكذا لدى بعض المفكّرين الرافضين لفكرة السلطة والناقدين للهيمنة المعاصرة الاقتصادية والسياسية، أمثال «مشيل فوكو»، «بيير بورديو»، «الآن باديو»، «سلافوي جيجيك»، الخ؛ كلّ ذلك حفّز إرادة الانعتاق من أيديولوجيا النزعة الأنوارية الحديثة التي تغذي الليبرالية وتروّج لقيمها الامبريالية. ولقد كان هؤلاء النظار النقديين متأثّرين بتصوّرات كبار فلاسفة الريبة والشك المعروفين بفضح أيديولوجيا العقلانية الحديثة للقرن التاسع عشر، وعلى رأسهم «كارل ماركس»، «فريدريش نيتشه» و«سيكموند فرويد»، والذين عزّزوا أهمّية النظرة النقدية الجذرية للثقافة الأنوارية الحديثة المنحازة لقيم البورجوازية المغلّفة بنزوع السيطرة والهيمنة.

حسب هؤلاء الفلاسفة النقاد للحداثة تخفي المعرفة الحديثة بطبعها القوة التي تنطوي عليها، غير أنّ الواقع الذي تنكشف فيه تلك السيطرة التي تسمح بها لمن يمتلكها هو ما يفضح تقنّعها الأيديولوجي الهيمني. بالتالي، فالمعرفة المكتسبة على ضوء أطرها الأيديولوجية إنّما هي التجسيد الكمّي والنوعي للقوّة التي تروّج لها ، وهي التي يتمّ الاستحواذ عليها بعنف تأويلات الذوات العارفة والمؤوّلة معا. أمّا العالم الذي تزعم تأويله بتلك القوى المستترة في بنيتها الأيديولوجية، فما هو إلاّ حصيلة تلك القوى التي تتناحر فيه بغية المزيد من الاستحواذ على مختلف كميات السُّلط الموجودة فيه. فالتأويل الذي تزعم انجازه ما هو في الحقيقة إلاّ التجسيد الواقعي لسيادة تلك القوّى  المحرّكة له، وهو الذي يمثّل علاقات السيطرة بداخله وفي بنيته (جيل دولوز). لمّا كان معنى الشيء هو هذه القوّة التي تستحوذ عليه وتُخضعه، أصبحت إمكانية فهم لماذا يسكن الصراع عمليات إنتاج المعاني في المجتمع مثيرا للمتأمل والقارئ النبيه، حيث إنّه سرعان ما يكتشف كيف أنّ كمّية تلك القوة لا تنصبُّ إلا على قوة أخرى مضادة لها. وهكذا، غالبا ما لا يتاح المعنى بشكل مباشر هنا، بل لا يكون أوّليا كما تعتقد ميتافيزيقا العقل، وإنّما يتمّ في صيغة عنف تأويلي يريد أن يستحوذ بقوّة على باقي التأويلات الأخرى للسيطرة عليها، أو إلغائها كلية (مشيل فوكو).

هكذا، تدخل السيطرة والقوة في نسيج المعرفة وتسكن قلبها، حيث لا تشكل تطبيقا لها وحسب كما يمكن أن يعتقد للوهلة الأولى، بل صياغة لبنيتها الأيديولوجية. إنّها لا تتجلى في تطبيق المعرفة فسحب، وإنما هي في قائمة ثناياها، وما الصراع بين التأويلات سوى تجلّ من تجلّيات الصراع بين الإرادات والفئات والطبقات، حيث يتولد عن التوظيف الإيديولوجي للمعارف. لذا، كان ينبغي زحزحة مفهوم السلطة عن معناه التقليدي وانتزاعه من الاحتكار الذي كان الفكر السياسي يمارسه عليه، وذلك لجعل القوة تقع في قلب المعرفة وداخل نسيجها، وبالتالي إقحام التسلط والاستحواذ في عملية المعرفة ذاتها (François Jarrige: Face au monstre mécanique 2009).

وللقيام بهذا الأمر، يلزم تنقية مفهوم السلطة من رواسب سياسية ولاهوتية ظلت مقترنة به، وجعلته يحيل على تراتبية قمّة الهرم كما فهمه المنظور السياسي التقليدي المحتكر الحديث عن السلطة. والسلطة بهذا المعنى لم تعد تحمل دلالة سياسية حصرا، ولا هي تشير فقط إلى موقع معين يمثّل رأس هرم الدولة. لقد تجاوزت نظرية السلطة المعاصرة هذه الدلالة المحصورة في المعطى السياسي فقط، حيث التموقع السياسي هو ما يقسِّم المجتمع إلى من يمتلك السلطة ومن لا يمتلكها. بذلك، لم تعد مشكلة السلطة تُطْرح ضمن النطاق الضيّق لنظرية الدولة والحكم؛ وإنّما هي تشمل مختلف مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وبصفة خاصّة المحدّدات الثقافية للمعرفة، أو ذاك الذي يمكن نعته بالأطر الاجتماعية للمعرفة. من جانبه، سعى اتجاه التحليل النقدي للخطاب إظهار تلك العلاقات الوثيقة بين اللغة والسيطرة، وعمل على سحبها لتطال علاقة المعرفة بنظرية السلطة عبر نقد أيديولوجيا الهيمنة والسيطرة. وهكذا، تحوّلت المعرفة، في دوائر إنتاجها والتحكّم بها (المؤسسات والدول والشركات)، من مجرّد بحث أكاديمي ينجز ضمن دائرة المهتمين المتخصّصين في الجامعات والمعاهد العليا إلى وسيلة فعّالة لكسب الربح وبسط النفوذ والسيطرة على الآخرين (Denis Gautier: Environnement, discours et pouvoir, 2012).

يُستخلص ممّا سبق أنّ امتلاك المعرفة يُعَدُّ سلطة، بل سيطرة بمكنتها تحقيق التفوّق والسيادة للذي يحوزها كما نعاين في عالم اليوم، حيث الدول المسيطرة هي التي تمتلك ناصية العلم والتقنية والاقتصاد الذي يمكنها من بسط سيطرتها على كلّ شيء بدءً بالطبيعة وانتهاءً بالمجتمعات والمؤسسات الدولية المختلفة. لذلك، لم يعد غريبا أن يتم الاستثمار في التقنيات العالية الدقّة خاصّة منها الذكاء الاصطناعي الذي يعد بالمزيد من التحكّم والسيطرة للكيانات التي تمتلكه. لقد كفّت المعرفة عن أن تكون مجرّد قدرة كامنة في عقول النجباء، وها هي الآن تتحول لتكون سلاحا رقميا واقتصاديا للسيطرة من منظور تحكُّمي ربحي، ولهذا تحوّلت نظرة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين للتركيز على تطوير الذكاء الاصطناعي، وعيا منهم بكونه الأداة الجديدة للسيطرة وكسب رهان التنمية غير المرهونة بندرة الموارد الطبيعية.

 

الحسين أخدوش

 

علي رسول الربيعيياتي خطاب الطهطاوي في سياق الحركة الإصلاحية الأسلامية، التي تنظر الى الإصلاح السياسي من مرجعية اسلامية في تناول للحداثة، وفي طريقة تلقيها أو الاقتباس منها. فقد قدم الطهطاوي وصفا وشرحا للأسباب التي أسهمت في تقدم أوروبا، ومنها تلك التي تعود الى سيادة أشكال الحكم التي تقوم على الحرية والعدل.

نهتم في هذه الدراسة بالخطاب السياسي للطهطاوي (1801- 1873)؛ أيً على افكاره السياسية سواء في صورتها المباشرة في " تخليص الابريز" أو في المضمرة في كتابيً " مناهج الالباب، والمرشد الامين"، ولاسيما البنية الداخلية لهذا الخطاب من خلال إجابة عن السؤال. كيف استجاب هذا الخطاب لتحديات الفكر السياسي للحداثة؟

يمثل خطاب الطهطاوي أول حلقة في سلسلة اتصال العالم الإسلامي بالحداثة الأوربية، فهو " أول رواية تطورية في الأدب العربي، تأخذ بنظرية التطور الحضاري وأسباب الرقي والتأخر". (المعوش1998، ص 90) فقد عبر هذا الخطاب عن الوعي باشكالية التأخر التاريخي الإسلامي، وأوضح الفارق بين تقدم اوربا الحداثة وبين تاخر العالم الاسلامي. لهذا جاء يحمل في مطافه الاخير هدفا واحدا هو الجواب على السؤال " كيف السبيل إلى ربط الإسلام بالحضارة الحديثة، " ؟ (شكري 1983، ص190)

لقد عرّف الخطاب السياسي للطهطاوي العالم الإسلامي بقيم ومبادئ الحداثة السياسية ممثلة بالحقوق المدنية، مساواة المواطنين جميعا أمام القانون والقوانين، اشراك الشعب في عملية الحكم، حقه في اختيار ممثليه‏، ومحاسبتهم علي أعمالهم‏، الحكومة يجب أن تكون مسؤولة أمام ممثلى الشعب، وأن تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة بين الحقوق والواجبا؛ فتناول موضوع الحريات العامة بالتفصيل، لاسيما الحرية السياسية‏، وحقوق الانسان ً التي شرعتها الدساتير الأوروبية.

موقف الطهطاوي من الحداثة السياسية

حاول للطهطاوي في خطابه السياسي إيجاد نقاط مشتركة بين الإسلام والحداثة. وهذا نتيجة لما طرأ على تفكيره من افكار جديدة استلمها من الحداثة، يظهر فيما كتبه عن النزعة العقلية المتحررة، التي سادت فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في جانبيها القانوني والاجتماعي. (محمد حسين 1997، ص 38) انه يعكس اطلاعه على الفكر السياسي لأمثال مونتسكيو وروسو وفولتير، وعلى مبادئ الثورة الفرنسية. فيعتبر خطاب الطهطاوي من أولى محاولات تضمين الإسلام ببعض جوانب الحداثة.

كان خطاب الطهطاوي محاولة لأدخال المبادئ العامة والافكار السياسية للحداثة في اطار النظرية السياسية الاسلامية. فمضمون الحداثة السياسية التي قصدها الخطاب تتعلق أساسا بمفاهيم العدالة والحرية السياسية. يتضمن الخطاب تفاصيل مهمة عن النظم السياسية والحكومة والدستور فهو يعد أول محاولة لتأصيل الفكر السياسي الإسلامي عن طريق الاحتكاك بالحداثة الأوربية وأنظمتها السياسية.

لقد انعكس الفكر السياسي للحداثة في الخطاب السياسي للطهطاوي بدرجات متفاومة من خلال شرحه نظام الحكم الدستوري والحقوق المدنية للمواطنين، وعـرض وثيقة حقوق الإنسان التى نادت بها الثورة الفرنسية. وكذلك من خلال ترجمته للدستور الفرنسى الصادر عام 1814م، والاعجاب بثورة سنة‏1830 فى فرنسا مبينا أسبابها، وبموقف الفرنسيين منها. (سابايارد 1992، ص 28) فقد رسم خطاب الطهطاوي صورة مفصًلة لمؤسسات الدولة الفرنسية وسلطاتها التشريعية والتنفيذية، مدركا أن المقصود من هذا النظام هو تقيـيد سلطة الملك واخضاع الحكومة لرقابة نواب الامة وإلزام الجميع باحترام الدستور‏؛ وأن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد. فملك فرنسا ليس حاكم مطلق التصرف ولكن عليه ان يعمل بالقوانين وتحت نظر مجلس الشيوخ الذي يمثل الارستقراطية الملكية‏، ومجلس النواب الذي يمثل الأمة. (الطهطاوي 1973، ص95)

يوظف الطهطاوي منهجية القياس، والمقارنة، والمماثلة في تناوله مسالة التوفيق بين بين الاسلام والحداثة؛ فيماثل بين طريقة أصول الفقه وبين منهجية استنباط الأحكام في الفكر السياسي للحداثة، فيقارن بين النظام السياسي الإسلامي والنظام السياسي للحداثة في أوربا، ورغم ان الاول يستند الى الشريعة الإسلامية والاخر الى قانون طبيعي، الا انه يرى الاختلاف الظاهر بينهما يتعلق بالتفاصيل لا بالمبادئ الاساسية التى يقوم عليها كليهما. فتنظيم الشريعة لا يتناقض مع اغلب القوانين الطبيعية. فقد نظر الى الفكر السياسي للحداثة في علاقته بالاسلام من وجهة النظر هذه فيقول : " من زاول علم اصول الفقه … جزم بان جميع الاستنباطات العقلية التى وصلت عقول اهالى باقي الامم المتمدنة اليها، وجعلوها اساسا لوضع قوانين تمدنهم واحكامهم، قبل ان تخرج عن تلك الاصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية.فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يسمى مايشبه عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عارة عن قواعد عقلية، تحسينا وتقبيحا، يؤسسون عليها احكامهم المدنية، وما نسميه بفروع الفقه يسمى عندهم بالحقوق او الاحكام المدنية، وما نسميه بالعدل والاحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية " (الطهطاوي 1973،ص469).

ويستعمل هذه المنهجية، ايضا في محاولته وصف وتأصيل مفاهيم الفكر السياسي الليبرالي مثل المواطنة، والحرية، والعدالة، فيقول "وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يُطلق عليه عندنا العدل والإنصاف وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة ". (الطهطاوي 1973، ص 102)

الأقتباس من المدنية الاوربية

قدم الطهطاوي صورة عن الحداثة؛ داعيا المسلمين الى الاقتباس من ثمراتها، مما هو جدير بالاقتباس، باعتبار أن البلاد الإسلامية تحتاج منها الى كسب ما لا تعرفه، وجلب ما تجهل صنعه؛ (الطهطاوي 1973، ص16). لقد نصح المسلمين باكتساب وتبني الحضارة الاوربية الحديثة المتفوقة ليتغلبوا على ضعفهم وتخلفهم. ومن هنا تاتي ضرورة الإحتكاك المباشر بالأوربيين فهي الطريق الوحيد للإستفادة منهم؛ أذ أنً " مخالطة الأغراب، لاسيما إذا كانوا من أولى الألباب، تجلب للأوطان من المنافع العمومية، العجب العجاب". (الطهطاوي 1973، ص398)

لقد شكل خطاب الطهطاوي صيغة ثنائية توفيقية تجمع في مركب واحد بين " الإسلام الصحيح " و" الحضارة الحديثة "، ولم يرى اي تناقض او تعارض بينهما، لانه كان يعتقد ان نهضة اوربا الحديثة قامت في احدى ركائزها على تمثل واستيعاب التراث الإسلامي، وبالتالي من المبرر الأقتباس منها. (شكري 1983، ص 158) وانطلاقا من ذلك اكد على مشروعية الاقتباس من الحداثة فيما يتعلق بالنظام السياسي والقانوني للدولة، لا لانه لا يتناقض مع الاسلام فحسب، ولكنه يجسد قيم العدالة الاسلامية.

لقد حاول الطهطاوي، وفق صيغة التوفيق، البحث عن التشابه بين علم اصول الفقه الإسلامي ومنهج الحداثة في الاستنباطات العقلية كما توصل اليها الاوربيون، لكن لابد من الاشارة الى ان هذا لايعني تبنيً تلك الاستنباطات ولكن ليبين السبق الاسلامي لها. والامر نفسه فيما يتعلق بالحرية فهي موجودة في الإسلام تحت مفهوم العدالة. وهذه هو مستوى تسويغ الطهطاوي لأفكار الحداثة (الطهطاوي 1973، ص469)

إن تمعين النظر في خطاب الطهطاوي، ووضع المفاهيم التي يستعملها في السياق الداخلي لهذا الخطاب يكشف ان الطهطاوي يقدم وصفا للافكار السياسية للحداثة ويوضح ما شاهده من تطبيق لهذه الافكار في اوربا " فقد أظهر حسنات التمثيل الديمقراطي في فرنس، لكنه لم يوجبه بالنسبة الى المسلمين (سابايارد 1992، ص65)، فهو لايتبنى هذا الفكر ولايدعو الى تطبيقه كايديولوجيا في مصر او العالم الإسلامي. فعندما يتناول نظام الحكم الاسلامي يعود الى السياسة الشرعية والفقه السياسي الاسلامي، واقصى مايقوم به هو محاولة التوفيق بين بعض تلك الافكار والاسلام.

لقد مثلت مسالة التقدم نقطة مركزية في اهتمام الخطاب السياسي للطهطاوي، الا أن هذه الاهتمام لم يستدعي معه المفاهيم المرتبطة بهذا المفهوم مثل الحرية، والحقوق الطبيعية، والعقد الاجتماعي بقدر ما اتجه الخطاب نحو مفهوم التمدن، الذي اعتبره الطهطاوي مطابقا للتقدم. فهو عندما يستعمل مفهوم التقدم يترجمه باستمرار الى المترادف في مفاهيمه، وهو مفهوم التمدن. انه يستعمل هذا المفهوم بوصفه تصورا يقدم بديلا لأوضاع الانحطاط السائدة؛ حيث يكون فيه " التنظيم عين التمدن.") الطهطاوي 1973، ص469). فيقوم التمدن عن الطهطاوي على محورين رئسيين يشكلان مجموع اهتماماته النظرية : محور الإصلاح السياسي، ومحور المنافع العمومية ولايمكن الفصل بينهما في خطابه، ولكن مقتضيات الدراسة تدفعنا للتركيز على الجانب السياسي من خطاب الطهطاوي. أيً على الدلالات والابعاد السياسية للمنافع العمومية فقط.

كانت الفكرة المحورية التي توجه خطاب الطهطاوي السياسي، أذن، هي فكرة المنافع العمومية التي لايمكن ان تتحقق الا بتقليد بالاوربيين بوصفهم اكتسبوا اسباب القوة؛ وأن المنفعة الأساسية للممالك الإسلامية هي في اكتساب هذه القوة؛ لذلك الواجب : " هو حث اهل ديارنا على استجلاب مايكسبهم القوة." (الطهطاوي 1973، ص399) يستعمل الطهطاوي، أذن ن مفهوم التمدن الإسلامي ليفكر بواسطته في صلاح العمران، وصلاح الأمة الإسلامية. ان تفكيره في التقدم والتمدن أنتج نصا هاما في سياق الخطاب الإصلاحي الإسلامي في القرن التاسع عشر، يرسم من خلاله نهجا في طريقة التعامل مع اوضاع التاخر وسبل تجاوزها.

رغبته الطهطاوي في اقتباس أفكار الحداثة هذه دفعته للتقريب بين هذه الافكار والاسلام؛ وقد وظّف طريقة التأويل للتوفيق بينهما فيقول: " إنه قد لا تقتضي الأوضاع الشرعية المتأدب بها في المملكة عين المنفعة السياسية إلا بتأويلات للتطبيق على الشريعة." (الطهطاوي 1973، ص265) ويبرر أهمية الأقتباس من الحداثة لأنها كانت فى الأصل إسلامية، استمد الأوربيون أصولها من الحضارة الإسلامية ثم عملوا على تطويرها وإذا تبنى منها المسلمون اليوم، فهم يستردون ما كان لهم فى الماضي. فأوربا قد نهلت من معين التجربة الإسلامية، ولا يوجد ما يمنع من التواصل مع اجدادنا عن طريق الغرب (شكري (1983)، ص157)

لذلك يرى الطهطاوي ان الرافضين للاقتباس من الحضارة الاوربية الحديثة واهمون، لان الحضارة دورات متلاحقة، ومتعاقبة تنتقل من مجتمع الى آخر، فعلى المجتمعات ان تقتبس من بعضها وهذا ما فعلته اوربا وبنت لنفسها حضارتها الخاصة، فالتمدن هو جهد وليس حالة فطرية للانسان. (جدعان، فهمي 1985، ص108) ويحذر المسلمين من اتخاذ موقف رافض للحداثة، قائلا :" إياك أن تجد ما أذكره لك خارقاً عن عادتك، فيعسر عليك تصديقه فتظنه من باب الهذر والخرفات، أو من حيز الإفراط والمبالغات. » الطهطاوي 1973، ص11)

يتضمن خطاب الطهطاوي بعض الافكار الجديدة رغم انها محمولة على مصطلحات من التراث الاسلامي التقليدي مثل: الوطن، ابناء الوطن، الوطنية، فاول مرة مع خطاب الطهطاوي أصبح مفهوم ابناء الوطن يشير الى " أن ابناء الوطن دائما متحدون في اللسان، وفي الدخول تحت اسرعاء ملك واحد، والانقياد الى شريعة واحدة وسياسة واحدة "، (الطهطاوي 1973، ص433) في حين كان الانتماء قبله يعني الانتماء الى الأمة الإسلامية، او الى دار الإسلام مع اختلاف اللغات، وتعدد السلطة السياسية، فهذا الذي يطرحه خطاب الطهطاوي لم يكن متصورا قبله في الفكر السياسي الإسلامي. انه يدل على تاثر هذا الخطاب بمفهوم الدولة القومية. (الدوري 1984، ص143)

ماثل خطاب الطهطاوي بين معنى المساواة في الشريعة الإسلامية ومعناها في الدستور الفرنسي، فاعتبر الشريعة والقانون مترادفين فيقول: "إن المادة الأولى في الدستور الفرنسي تذهب إلى أن سائر الفرنسيين مستوون قدام الشريعة " (الطهطاوي 1973، ص102.) لقد ساوى بين مفهوم العدل، والمساواة، وبين مفهوم الحرية؛ وكذلك بين العدالة في الدستور الفرنسي والعدالة في الشريعة الإسلامية؛ فأعتبر الدستور الفرنسي قائم على العدالة رغم مخالفته للشريعة الإسلامية، وهذ ه العدالة سبب اعمار البلدان؛ فيقول عنه "وغالب ما فيه ليس في كتاب الله ولا في سنته رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولنعرف كيف حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك، وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهـم." (الطهطاوي 1973، ص95.) لكي يبين ان العقل بذاته توصل أن العدل والانصاف من أسباب تمدن البلدان، وان الحكم بالدستور من قبل الحكام يحقق هدف الحكم وهو رعاية مصالح المحكومين ويقيم أسس العدالة؛ فالعدالة أساس العمران.(الطهطاوي 1973، ص95)

انه ينطلق بخصوص الاقتباس من مبدا مفاده أن الافكار الصادرة عن العقل لاتتنافى مع الشريعة، لذلك فان ما احتوت عليه الحداثة من افكار تتعلق بالدولة والقانون، كما هي مطبقة في الدولة الفرنسية، رغم انها غيرمستمدة من القرآن والسنة النبوية الا انها تـُقيم العدالة التي تعمر البلدان، والعدالة في جوهرها لاتتناقض مع مبادئ الإسلام فيقول عن الفرنسين، بوصفهم يطبقون افكار الحداثة، لقد توصلوا بواسطة العقلانية الى ان العدل والانصاف والحكم وفقا للقانون من اسباب تعمير البلدان فعمرت بلادهم.(الطهطاوي 1973، ص102)

قام الطهطاوي بتبرير الأقتباس من خلال مناداته بإستعارة العناصر النافعة من الحداثة لأنها برايه تساهم في حل المعضلات الإنحطاط التي تواجه الاسلام. فحاول التوفيق بين افكار الحداثة السياسية المتعلقة بانظمة الحكم وبين مبادئ الفقه السياسي الإسلامي، وقارن بين شرعية الحكم التي تاتي من تطبيق الشريعة وبين الشرعية في الفكر السياسي للحداثة التي تستمد من من ارادة المواطنين، ومن تعاقدهم على تقسيم السلط. اذ يرى ضرورة خضوع السلطة الحاكمة للقوانين تطبيقا لمبدأ سيادة القانون، وهذا لايتعارض مع جوهر الإسلام، لانه ليس الا تطبيق حديث لمبدا اساسي في الحكم الإسلامي، وهوخضوع الحاكم للأحكام الشرعية الإسلامية، فالحكم الإسلامي يقيد سلطة الحاكم، مثل الدساتير الحديثة التي تقيد سلطة الحكومة. (حجازي 1974، ص45)

وكان من رأيه أنه لا تعارض بين الشريعة والقوانين الوضعية، فالشريعة يمكن أن تفسر طبقا لحاجات العصر. فعلى العلماء، وهم يفسروا الشريعة، أن يكونوا على دراية وفهم عميق بإحتياجات العصر. وأن يتعرفوا إلى العالم الحديث، ويدرسوا العلوم التي أنجزها العقل البشري.

(Hourani (1983): pp.75)

لكنه أعطى الطهطاوي الأولوية للشريعة الإسلامية على أي قانون وضعي، فهي تتضمن كافة المسائل الصغيرة والكبيرة، والاحكام السياسية ايضا لاتخرج عن المذاهب الشرعية ((الطهطاوي 1973)، ص544). ويرى أن العدل لا يقام الا بقدر ما يكون للشريعة من دور في التنظيمات السياسية؛ لأن الشريعة الإسلامية ساوت بين الجميع في العدل والإنصاف، ولهذا أصبحت معيار السياسة، وميزان السلطنة؛ والحكم وفقا لها يمنح الفوز بسلامة الدنيا والآخرة، ويقيم العدل في صيانة النفس والمال؛ فـمن اسباب التمدن هو تطبيق الشريعة. (الطهطاوي 1973)،ص470)

يتبنى خطاب الطهطاوي العقيدة الأشعرية التي تقول بأن الحسن والقبح تحددهما الشريعة الإسلامية، ولهذا هو يعطي الأولوية لأحكام الشريعة على أحكام العقل، فيقول: "ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه. " (الطهطاوي 1973، ص467) وأن سـبيل تمدّن الممالك الإسلامية يقوم على التحليل والتحريم الشرعيين دون الحاجة الى العقل في ذلك.

و هذا يعني أن الطهطاوي يحتكم إلى العقيدة الأشعرية في تقييم الأفكار والمفاهيم السياسية للحداثة، ويظهر ذلك جليا عند تناوله مسالة اعتبار العقلانية مقياس الحكم في تفسير العالم والوصول الى الحقيقة "إن الفرنساوية من الفِرق التي تأخذ بالتحسين والتقبيح العقليين، وهم ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلاً." (الطهطاوي 1973)، ص79) وجهة النظر هذه جعلت خطاب الطهطاوي يضع هوة واسعة تقف حائلا دون انتاج رؤية نظرية متماسكة بين الفكر السياسي للحداثة وموروثه الأشعري. فالقول " كان الطهطاوي " مفكرا " يعتمد التحليل والتركيب. ولم تجئ دعوته تلفيقا وترقيعا، بل " ثنائية توفيقية "(شكري 1983، ص158). قولا يفتقد التماسك لانه ينظر للافكار خارج سياقها الداخلي وبنيتها العامة. أذن ان ما لعب دورا مؤثرا ماثر في طريقة تشكيل خطاب الطهطاوي وهو يتناول الفكر السياسي الليبرالي هو هيمنه العقيدة الإسلامية الاشعرية التي تعطي إعطاء الأولوية للنقل على العقل، وأعطى الأولوية الشريعة في نظرته للحداثة.

فكل ما كان يهدف اليه الطهطاوي من وراء ترجمته أفكار روسو، ومونتسكيو وفولتير، ومواد الدستور الفرنسي، هو وإطلاع اهل الحل والعقد والفقهاء على ما انجزته الحداثة الاوربية لابراز اهمية التجديد في التشريع؛ والأشارة الى أن تقدم أوروبا يعود الى نظامهم السياسي القائم على الحرية، والدليل على الامر لايتعدى الوصف والشرح، نجده في خطاب الطهطاوي نفسه، عندما يرفض طريقة تشريع القوانين الاوربية فيقول: "إن أحكامهم القانونية ليست مستنبطة من الكتب السماوية، وإنما هي مأخوذة من قوانين أخرى أغلبها سياسي، وهى مخالفة بالكليًة للشرائع. (الطهطاوي 1973، ص106. أنه بالنهاية يعود فيغلّب الشريعة؛ اذ إن تحسين النواميس لا يعتد به إلا إذا كان قد قرره الشرع. (الطهطاوي 1973، ص467)

هناك تجاهلاً واضحاً في خطاب الطهطاوي بأن الفكر السياسي للحداثة لم يتقدم في أوروبا إلا بعد الانتقال من اللاهوت السياسي الى الفلسفة السياسية، وبعد فصل سلطة الكنيسة عن سلطة الدولة،، لقد ظل في المطاف الاخير يحتكم الى عقلية معيارية اسلامية تقليدية تقيم كل شيء وفقاً لرؤية المعيار الديني الكفر/الإيمان، والهداية/الضلال.

 

الدكتور علي رسول الربيعي

 

منى زيتونيُقصد بلغة الجسد Body Language الرسائل الاجتماعية غير اللفظية التي يرسلها ويستقبلها الأشخاص باستخدام حركات الجسد المختلفة.

تشمل لغة الجسد مجموعة متنوعة من السلوكيات غير اللفظية، وهي اللمس Touch، والتوجه الجسدي Body orientation، والجِلسة Posture، وإشارات الأيدي Hand gestures، وإيماءات الرأس Head nods.

وتعتبر هذه الحركات من أكثر السلوكيات غير اللفظية التي تتفاعل مع الكلمات لتوصيل الرسائل الاجتماعية، فقليلًا ما تُستخدم بشكل مستقل مثل رفع الكتفين مع تعبيرية وجه تشير إلى الاستهجان. وأحيانًا تكون هذه الحركات أقرب للعالمية، لكنها في الغالب تتأثر باختلاف الثقافات.

تصنيف الحركات الجسمية

يصنف ديسموند موريسDesmond Morris,197 الحركات التي يؤديها الشخص بجسمه بناءً على طريقة تعلمها واكتسابها إلى خمسة أنواع:

- الحركات الفطرية Inborn actions

وهي تلك الحركات التي يؤديها الفرد دون حاجة للتعلم، وبإمكاننا التعرف على هذه الأفعال بملاحظتها؛ حيث إنها تؤدى عبر الثقافات في العالم، ويؤديها أشخاص لم تتح لهم الفرصة ليتعلموها، والأمثلة الأشهر لمثل هذه الحركات الابتسام Smiling والعبوس Frowning والبكاء Crying.

وبالرغم من كون هذه الحركات فطرية إلا أنه ينبغي ألا نغفل تأثير العوامل الثقافية عليها، ففي بعض الثقافات يذرف الدمع في هدوء، بينما في ثقافات أخرى يحدث نشيج (بكاء وتنهد بأنفاس سريعة).

- الحركات المكتشفة Discovered actions

هي تلك الحركات التي تحدث بتكرار عظيم عبر ثقافات عديدة، لأنه من السهل اكتشافها بالنسبة للبشر، مثل تشابك (عقد) الأذرع بوضع معاكس، وكذلك وضع إحدى الأرجل على الأخرى أثناء الجلوس، ولسهولة هذه الحركات وشيوعها عبر الكثير من الثقافات فإنه يصعب أحيانًا التمييز بينها وبين الحركات الفطرية.

- الحركات المتعلمة بالمحاكاة (المُقلدة) Absorbed actions

هذه الحركات يتم تعلمها من الآخرين –مبدئيًا من الآباء والمعلمين- ، وهي متميزة ثقافيًا، ولكنها ليست بالضرورة إجبارية ثقافيًا، ومن أمثلتها الحركات الجسمية التي تعكس أنماط أدوار الذكورة أو الأنوثة، وإن كانت لا تعكس الأنماط التقليدية لتلك الأدوار، ولكنها تنتقل دائمًا من الأشخاص ذوي التأثير القوي إلى غيرهم ممن لا يمتلكون هذا التأثير.

- الحركات المكتسبة بالتدريب Trained actions

هي حركات يتم تعلمها والتدرب عليها بشكل متتابع، وهي تتضمن أغلب المهارات الحركية، ومن أمثلة هذه الحركات الوثب والانزلاق ورقص الباليه وتنظيف الأسنان بالفرشاة، ومثل هذه الحركات تأخذ وقتًا أطول للتعلم.

- الحركات الخليطة Mixed actions

هي حركات تنشأ من امتزاج النوعين السابقين، أي إنها حركات يتدرب الفرد على أدائها وفي الوقت ذاته يمتصها عن طريق المحاكاة، وتحدث عندما يكون الفرد عضوًا في جماعة خاصة، كحال الأطفال الذين يتربون في السيرك.

ويندرج تحت لغة الجسدBody Language كل من الأنماط السلوكية غير اللفظية الآتية:

أ- اللمسTouch

أظهرت الدراسات العلمية أن التلامس بين شخصين يؤدي إلى إفراز الأوكسيتوسين Oxytocin (هرمون الحب والثقة)، والذي يُعتبر أحد العناصر الرئيسية في كيمياء الحب في أجسام الكائنات الحية، وهو ناقل عصبي هام للغاية في تكوين الذاكرة الاجتماعية، وتحسين تصور الفرد عن ذاته في المواقف الاجتماعية، ويؤدي إلى نجاح التواصل الاجتماعي للشخص.

زيادة إفراز هذا الهرمون تزيد من الاستقرار النفسي والاسترخاء وثقة الفرد في الآخرين، وتؤدي كذلك إلى التأثير على مشاعر الآخرين! وفي العلاقات الزوجية، تشير الدراسات إلى أن ارتفاع نسبته لدى الزوجين يزيد الترابط بينهما ويرفع قدرتهما على الحوار والتفاهم حتى في أعقد المواضيع التي يمكن أن تسبب الجدل بينهما. وهناك دراسات تبحث في تأثير نقص هذا الهرمون على حدوث اضطرابات نفسية ومشاكل اجتماعية وربما مرض الرُهاب الاجتماعي.

وتعتبر المصافحة باليد أكثر درجات التلامس الشائعة عالميًا، ويمكن من خلالها توصيل رسائل كثيرة. هناك من يلامس بالكاد يد من يصافحه، وهناك من يصافح ويسحب يده بسهولة، وهناك من يضغط بقوة، وهناك من يكاد يعتصر اليد، وهناك من يهزها بشدة، وكل من تلك الطرق يختلف في المعنى، ويتفاوت تقبله باختلاف الثقافات. وربما يضع شخص يده اليسرى أيضًا فوق يد من يصافحه فتبدو يد من يصافحه وكأنها معتقلة بين كلتا يديه! وتشتهر تلك المصافحة بين السياسيين، ولا تحبذ على الإطلاق. وهناك من يقوي المصافحة بوضع يده اليسرى بجوار مرفق يد الآخر التي يصافح بها، وهذا أفضل كثيرًا من اعتقال كف يد من تصافحه بين كلتا يديك.

في بعض الثقافات أيضًا ينتشر التقبيل كطريقة للتحية، ويعتبر العِناق أقوى درجات التلامس، ويحدث بين الأقارب والأصدقاء والأحباب؛ حيث يواجه كلا طرفي التواصل بعضهما، مع الميل للأمام، وفتح الأذرع، في تعبير عن أقصى درجات الارتياح والسعادة والثقة. وعلى العكس منه تمامًا تأتي الاستدارة بعيدًا عن الشخص الذي لا نشعر نحوه بالارتياح بأن نعطيه ظهرنا.

وترتبط درجة التلامس المقبولة وغير المقبولة بالمسافات الشخصية (الحيز الشخصي المقبول)، والذي سنُفصِّل فيه لاحقًا. هناك ثقافات تتسع فيها هذه المسافات، وثقافات يزيد التقارب وتقل المسافات التي يقف فيها الناس على مبعدة من بعضهم. علماء الانثروبولوجيا يميزون بين بعض الثقافات التي يُستخدم فيها التلامسContact cultures مثل شمال أفريقيا، والثقافات التي لا يحدث فيها التلامس Non- contact cultures مثل أوروبا والهند وشمال أمريكا. إضافة إلى ذلك فإن تتابع اللمس يبدو أنه يقع تحت تأثير الثقافة بوضوح، وقد يختلف وفقًا للثقافات المحلية الضيقة. في دراسة أجراها Jourad عن عدد مرات اللمس التي يقوم بها فردين أثناء حديثهما في أحد المقاهي وجد اختلافًا شاسعًا من مدينة لأخرى حول العالم، فبينما وصل هذا المعدل للشريكين إلى 110 مرة في الساعة في باريس، لم يلمس أي من الشريكين الآخر على الإطلاق في لندن!

كما توجد فروق واسعة بين الأفراد وبين الجنسين في تقبل اللمس. وتعتمد الكيفية التي تتم بها ترجمة اللمس على السياق وطبيعة العلاقة بين المتفاعلين، على سبيل المثال فإنه في العلاقات غير الشخصية يتم تجنب اللمس من أجل تجنب التلميحات الجنسية.

ب- التوجه الجسدي Body orientation

يعتبر توجه جسم الشخص ووضعه وشكل وقفته أثناء الحوار عاملًا هامًا في قراءة الرسائل الاجتماعية الصادرة عنه؛ ولا تقتصر الرسائل التي يبعث بها توجه الجسد على تفاعل الشخص مع غيره من الناس، بل يرسل به الشخص رسائل عن نفسه؛ فالشخص الذي يمشي مرفوع القامة يعطي علامة على ثقته بنفسه، على عكس من يمشي موجهًا نظره إلى الأرض. كذلك تؤثر سرعة الخطو على إرسال رسالة بالثقة والحزم، وعكسها بطء الخطوات. وإن كانت الفروق بين الأفراد لا تقتصر على التعبير الانفعالي، بل تتعداها إلى الحساسية والتفسير، فهناك من يرى في التوسط في مستوى رفع الرأس وفي سرعة الخطوات تواضعًا، ويأخذون عنه انطباعًا إيجابيًا.

نحن نعبر دائمًا عن الرضا والانبساط برفع أجزاء من جسمنا لأعلى، والعكس صحيح. رفع إصبع إبهامك لأعلى يعني موافقتك، ورفع رأسك هو دليل على الارتياح والثقة، وكذلك إن راقبت أصابع قدميك ستجد أنها ترتفع تلقائيًا عندما تكون راضيًا عن شيء تفعله أو في مزاج معتدل.

مظهر الكتفين تحديدًا يعطي انطباعًا قويًا عن الإنسان؛ الكتفان المفرودتان علامة على الثقة والسيطرة، بينما الكتفان المرفوعتان لأعلى يشيران إلى الشك والاضطراب، وأحيانًا يكون إحناء الكتفين مع التوجه للأمام رغبة في إظهار القوة وإخافة الطرف الآخر في الحوار.

وهز الكتفين معًا إشارة تكاد تكون عالمية للامبالاة، ولنفي المعرفة بالأمر الذي يتم السؤال عنه، وتصاحبها كثيرًا حركة راحتي الكفين المنفتحتين للأمام. ويكون الشخص صادقًا في إدعاء عدم معرفته بما يُسأل عنه، لكن هز كتف واحدة للنفي قد يعني أن الشخص خبيث ويعرف حقيقة الأمر الذي يُنكر معرفته به.

أما إلقاء الذراعين لأسفل مع تدلي الكتفين فعلامة سخط واضحة، يمكن تقويتها بإمالة الرأس إلى الخلف ودوران العين وعدم استقرارهما، ويمكن أن تصاحب بأصوات تنهد.

وضم الذراعين متعاكسين إلى الصدر أو إشارة الاحتضان تعبر عن حب وتقدير الشخص أو الأشخاص الذين تُصدر ذلك التعبير لهم. وهو تعبير ينتشر بشكل واسع في الثقافات الآسيوية، وانتقل منها إلى غيرها.

وتشبيك اليدين خلف الظهر بحيث لا يمكن السلام بهما، هو تعبير عن الانعزال عن الآخرين بفوقية. كانت هذه وقفة الملوك في أوروبا في عصور ماضية أثناء مرور العامة، ولا زال يستخدمها رؤساء العمل عند مرورهم بين مكاتب واستراحات موظفيهم لمراقبة الأوضاع، وكذلك يستخدمها أساتذة الجامعة عند السير في قاعات الامتحانات. هذه الوضعية المنسحبة لليدين تفهم الأقل مرتبة أنه لا سبيل للتودد مطلقًا. وأحيانًا يكون هذا التشبيك تعبيرًا عن الرغبة في الانعزال، لانشغال الفكر بأمر ما.

أما وضع الذراعين أو أحدهما على الخصر بقوة أثناء الوقوف، بحيث يكون الإبهام إلى الخلف، فهو إشارة إلى القوة والسيطرة، وربما عبّر أيضًا عن الغضب والتحدي، والنساء من المستويات الدُنيا في الثقافة المصرية يستخدمن هذا التعبير غالبًا باستخدام ذراع واحدة عند إظهار التحدي للرجال أو لغيرهن من النساء، وغالبًا يكون مصحوبًا بالتحديق وهز الرأس والجذع مع إمالتهما جهة الذراع المستخدم. أما الرجال ففي حال استخدام ذلك التعبير يتم وضع كلا الذراعين على الخصر، وبدون هز الرأس والجذع، لكن مع تعبيرات وجه صارمة.

كذلك فإن الوقوف أمام منضدة أو مكتب مع وضع أطراف أصابع الكفين بقوة عليه، مباعدًا بينهما، هي حركة لا يقوم بها إلا رئيس العمل، أو الأب في المنزل، أو شخص يريد بسط نفوذه، ولديه ثقة تامة فيما سيقوله من كلمات وتعليمات وهو على هذا الوضع. وإذا صاحب ذلك ميل الجذع إلى الأمام فهي وإضافة إلى الثقة والسيطرة تحمل إشارة تهديد لمن يتلقى التعليمات في حال خالفها.

ورفع الذراعين لأعلى مع قبض الكفين هي علامة شهيرة على الانتصار، وهي أقوي من رسم حرف V بالإصبعين السبابة والوسطى. نراها كثيرًا بين السياسيين الكبار أوقات الانتخابات. لكن عندما نرفع الذراعين لأعلى ونحركهما مع تبادل قبض وبسط راحتي الكفين فنحن ننشط أنفسنا ونستجلب المزيد من الطاقة، وهي حركة نقوم بها كثيرًا في الصباح أو عند ممارسة الرياضة.

وضعية الأقدام أيضًا هامة للغاية في فضح الانفعال، ربما لأن الناس لم يتدربوا بالقدر الكافي على التحكم فيها. ومن ثم، فهي أصدق إنباءً عما إن كان الإنسان يشعر بالثقة أو التهديد أو الخجل، بالسعادة أو بالانزعاج، وربما الرغبة في مغادرة المكان.

وقد يعتبر تباعد أقدام الواقفين أثناء الحوارات دليلًا على الرغبة في إنهاء الحوار، خاصة عندما يقف الشخص بزاوية توضح في العادة الاتجاه الذي ينوي الذهاب إليه، لكنها ليست دائمًا علامة على الرغبة في المغادرة، فعادة يباعد الرجال بين سيقانهم أثناء الوقوف، وأحيانًا أثناء الجلوس لزيادة المساحة التي يحصلون عليها. وسنتكلم لاحقًا على المسافات وأثرها. هذا يعطي انطباعًا بالثقة بالنفس والسلطة، وتُعتبر الشُرطة أشهر المهن التي يشتهر أصحابها بهذه الوقفة. بينما في الحقيقة قد تُستخدم هذه الوضعيات عند نقص الثقة بالنفس! ويُنصح بتضييق التباعد بين الساقين كإجراء لتخفيف التوتر. ومن المعروف أن تحديد مساحة النفوذ هو إجراء تتبعه ذكور الحيوانات، وكلما اتسعت المساحة التي يترك فيها الحيوان رائحته دل على قوته وهيمنته، واحذر أن تقترب من عرين الأسد.

ووقوف شخصين وجهًا لوجه واشتراكهما في حوار يعني أنهما يتحدثان في موضوع لا يرغبان انضمام أحد إليهما فيه، وينبغي تأجيل أي محاولة للاقتراب منهما في هذا الوقت، أما في حال تحريك أقدامهما بحيث لا يتواجهان تمامًا فهذا يعني إمكانية الاقتراب منهما.

وكما أن عقد الذراعين مع إخفاء الأصابع قد يكون علامة على الاسترخاء فكذلك الوقوف مع عقد الساقين، فهو من أقوى علامات الاسترخاء الشديد، ويستخدمها الأقران عند وقوفهم سويًا لفترات طويلة؛ فهذه وضعية لا تُسهل المغادرة ولا تُوحي بها بأي حال.

ويُعتبر التربيت على الساقين كما لو كان الشخص يمسح الغبار عنهما سلوكًا يُستخدم للتهدئة، سواء فعله الشخص أثناء وقوفه أو جلوسه.

وكالعادة تلعب الثقافة دورًا في تحديد التوجه الجسدي المقبول، فالثقافة الآسيوية على سبيل المثال تؤكد على الانحناء كعلامة على الاحترام.

كما توجد فروق بين الجنسين، على سبيل المثال فإن بسط الذراعين لأسفل مع ملامسة كف أحد الذراعين لأعلى الفخذ من طرق النساء التعبيرية عند الشعور بالانزعاج، أما بسط الذراعين لأسفل مع عقد الكفين سويًا في المنتصف فهو من طرق الرجال التعبيرية عند الشعور بعدم الارتياح.

ج- الجِلسة (وضع الجسم) Posture

يلعب شكل الجِلسة دورًا في تحديد الرسالة التي يحملها التفاعل الاجتماعي؛ فانشغال الموظف بالعبث في الأوراق التي أمامه على مكتبه لا يمكن تفسيره كعلامة على انتباهه وتقديره للشخص الذي يقف أمامه مهما حاول توصيل رسالة لفظية تؤكد إصغائه.

يذكر جون مول (John Mole,2001)أن معرفة كيفية قراءة لغة أوضاع الجسم أثناء الجلوس هي مهارة اتصال مفيدة، وهناك مجموعتان رئيسيتان لأوضاع جلسة الجسم: الانفتاح أو الانغلاقOpen/Closed والاتجاه نحو الأمام أو التراجع للخلفForward/Back .

- الانفتاح أو الانغلاق Open/Closed

هذه المجموعة هي الأكثر وضوحًا، فعندما تكون أذرع المستقبلين منثنية في وضع متشابك، ويضعون ساقًا على ساق (عقد الذراعين والساقين)، ويرجعون بأجسامهم للخلف، يُعتبر هذا وضعًا مغلقًا دفاعيًا للجسم، وتلك إشارة إلى أنهم يرفضون الرسائل الاجتماعية، ومنغلقون على التفاعل الاجتماعي، بينما عندما تكون أيديهم مفتوحة وينظرون للشخص نظرة كاملة وكلا القدمين على الأرض، فهم يتقبلون من يتعاملون معه.

- الاتجاه نحو الأمام أو التراجع للخلف Forward/Back

تلك المجموعة من الأوضاع الجسمية تشير إلى ما إذا كان التفاعل إيجابيًا أم سلبيًا؛ فعندما يتكئ الشخص بذراعه للأمام وهو يتجه نحوك فإنه يكون متقبلًا أو رافضًا الرسالة بإيجابية، بينما عندما يتكئ للخلف ناظرًا للسقف أو عابثًا بأي شيء أو يقوم بتنظيف زجاج نظارته فإنه يكون مستقبلًا للرسالة الاتصالية بسلبية التعالي أو متجاهلًا لها ونافرًا ممن يتفاعل معه.

ويمكن ألا يكون الشخص متجهًا نحو الأمام ولكن فقط مائلًا نحو محاوره لإشعاره بالانتباه له، لكن مع تجنب الميل الزائد كي لا يبدو الوضع غريبًا، وربما ينتهك مسافته الشخصية.

وتتجمع تلك المجموعتان لتخلق أربعة أنماط رئيسية من أوضاع الجسم

- النمط المستجيبResponsive mode (Open/ Forward)

حيث يكون المستقبل متقبلًا بإيجابية، وهذا هو الوقت لإنهاء المناقشة وطلب الموافقة على أي طلب والحصول على امتياز.

- النمط المتأملReflective mode (Open/Back)

حيث يكون المستقبل مهتمًا ولكنه غير موافق بإيجابية؛ لذا فالمحاولة لإنهاء المناقشة وطلب الموافقة في هذا الوقت ربما تقوده إلى التحول للنمط الثالث المتملص Fugitive، وفي هذا الوقت يلزم تقديم المزيد من الحقائق والبواعث والمثيرات، وربما يكون أيضًا وقتًا جيدًا للإنصات وإتاحة الوقت للمستقبل ليفكر.

- النمط المتملصFugitive mode (Closed/Back)

ويظهر هذا النمط عندما يحاول المستقبل الهرب جسمانيًا من خلال باب، أو فكريًا بإظهار الضجر والسأم، وفي هذه الحالة يجب أن يحاول المرسل جذب اهتمامه بأي طريقة يستطيع عدا المتعلقة بالرسالة التي سببت محاولة التملص.

- النمط المستعد للمقاومةCombative mode (Closed/Forward)

تظهر في هذا النمط مقاومة نشطة؛ لذا فإن المرسل المتفاعل مع المستقبل الذي يكون على هذه الحال يلزمه تهدئة الغضب وتجنب التكذيب والجدل برمته، حتى يستطيع دفع المستقبل نحو النمط المتأمل Reflective mode كي يعاود التفكير في الأمر.

هذا ويظهر أثر الثقافة في كيفية التعبير بهذه الأنماط في الجلسات والتي تختلف من ثقافة لأخرى. ولكن أهم ما فيها أنها تعتبر منبئًا جيدًا لمزاج المستقبل يفيد منه من يتفاعل معه لتحسين التفاعل.

ومن أشهر الأمثلة على الانفتاح أو الانغلاق والميل للأمام أو التراجع للخلف، جلسة الطلاب في الفصل الدراسي، فالطالب المجتهد الراغب في المشاركة والمرحب بأسئلة المعلم يجلس في وضع مفتوح، ناظرًا إليه، على عكس الطالب البليد الذي يحني ظهره ناظرًا نحو الأرض، ويتجنب النظر إلى المعلم. ونجد الطلاب في الحصة الأخيرة من اليوم الدراسي قد اتجهوا بأجسامهم نحو باب الفصل استعدادًا للخروج. ونحن نقف دائمًا مواجهين لمن نحبهم أو يعنونا كثيرًا، بينما نأخذ زاوية ولا نلتفت بالكلية عند الحديث مع الأشخاص الأقل أهمية، وندوِّر كراسينا عند الجلوس في اتجاه من نحب ونتجنب تدويرها لمواجهة من نكره. ولإظهار الاهتمام لا نستدير فقط برؤوسنا، بل بكامل الجذع. وكذلك نميل في جلستنا نحو من نحب مقتربين منه، بينما نرجع بظهورنا إلى الخلف مبتعدين عمن لا نحبهم أو عندما نستمع إلى ما لا يعجبنا حتى من أحبائنا.

وفي حال الجلسة مع عقد الساقين لأعلى بوضع إحداهما فوق الأخرى، فإن اتجاه عقدهما علامة واضحة على درجة الارتياح في الحوار؛ حيث وضع الساق العليا وتحويل اتجاه جسمك بعيدًا عن رفيقك هو بمثابة خلق حاجز بينكما، وهو دليل عدم ارتياح، والعكس صحيح.

أما عقد كاحلي القدمين أثناء الجلوس وربما سحبهما تحت الكرسي فهي علامة لا تدل فقط على عدم الارتياح بل على القلق الشديد، وربما الهم، خاصة في حالة الاستدامة. كثيرًا ما يحدث هذا السلوك أثناء مقابلات العمل أو الاجتماعات الهامة كرد فعل على توجيه سؤال سبّب القلق.

التباعد بين القدمين أثناء الجلوس يوحي بشدة الارتياح، ويناسب فقط الجلسات العائلية وجلسات الأصدقاء، لكنه غير محبذ في العمل لأنه يزيد من المساحة الشخصية كما أوضحنا، ويعطي انطباعًا ببسط النفوذ لا يناسب المرؤوسين، بل وقد يكون مبالغًا فيه بالنسبة للرؤساء، كما أنه يناسب الرجال فقط.

الغريب أننا أحيانًا نأتي بالحركة نفسها للتعبير عن انفعالات متباينة؛ فقد نهز أقدامنا لأننا منزعجون أو لأننا نكاد نطير ونقفز من الفرح! بالنسبة للأشخاص ذوي التعبيرية الانفعالية المرتفعة، الذين يأتون بهذه الحركة في أوقاتهم العادية، فانزعاجهم وحزنهم قد يأتي في صورة تغير في معدل هز القدم بالزيادة القصوى أو النقص إلى حد الجمود، ولكن الحالة الأخيرة قليلة الحدوث.

قد تكون الأذرع المنعقدة مع الارتخاء علامة على أن الشخص يفكر وربما ينتظر، فالوضعية المرتخية لعقد الذراعين خاصة عند إخفاء كفي اليدين إلى داخل الأذرع هي رسالة غير متعمدة يستخدمها الأفراد عند الانتظار أو التفكير. ولكن عقد الذراعين يشير غالبًا إلى الانزعاج وعدم الرغبة في الحديث، وأحيانًا تكون علامة على شعور الفرد بالتهديد، فيُتخذ هذا الوضع عندها لحماية الذات، كما يُستخدم عقد الذراعين حول الصدر في أحيان لخلق حاجز بواسطة الجسد مع الآخر في حال عدم وجود حاجز مادي، وهي طريقة معروفة لدى كلا الجنسين، ويمكن تمييز هذه الإشارة كحاجز عندما يكون عقد الذراعين محكمًا وليس مرتخيًا.

يمكن أيضًا لف أحد الذراعين حول البطن في حال التهديد البسيط، وهي من الطرق التعبيرية للنساء، أما عند محاولة تخفيض التوتر فيمكن أن نضغط بالذراع على منتصف الجذع.

وحتى مع عقد الذراعين تبقى وضعية كفي اليدين هامة في تفسير لغة الجسد، وإن كانت يمكن أن تتداخل في تفسيرات عدة للحالة الانفعالية للشخص، يتم تحديد أيها من خلال إجمالي التعبيرات والإيماءات المستخدمة.

أما تشبيك أصابع الكفين خلف الرأس أثناء الجلوس، مع إمالة الرأس للخلف فإشارة لا تخطؤها عين على الراحة والاسترخاء، ويجب تجنبها في العمل في غير أوقات الراحة لأنها تعطي انطباعًا سلبيًا عن الموظف، بينما وضع راحتي اليدين فوق بعضهما أعلى الرأس هي إشارة لموت شخص في صعيد مصر وكثير من الدول الأفريقية.

وبوجه عام فإن أي جلسة يصاحبها توتر وعدم ارتياح وكثير حركة من الشخص لا تعطي للشخص المتفاعل معه شعورًا بالانتباه والاهتمام.

د –إشارات الأيدي Hand gestures

لا شك أنه لا يوجد بشر يحتفظ بيديه جامدتين تمامًا دون تحريكهما أثناء الحديث، لكن مع ذلك توجد اختلافات شاسعة بين البشر في درجة استخدامهما. بعض الناس يقل لديه تمامًا استخدام الإشارات بالأيدي، ويشير ذلك لسلبيته، وبعضهم في المقابل قد يصل به الأمر حد التلويح كإشارة للعصبية والعدوانية، وبينهما يتدرج البشر الذين يستخدمون تلك الإشارات لتدعيم الرسالة اللفظية المطلوب توصيلها في التفاعل الاجتماعي، بإعطاء إشارات تتفق مع الكلمات، لكن هذا يتوقف على التعبيرية الجيدة، كما يتوقف ذلك على مستوى تعقد الرسالة؛ فأحيانًا تكون الرسالة معقدة، والمبالغة في استخدام الإشارات بالأيدي قد لا يدعم الرسالة اللفظية، وإنما قد يصرف الانتباه عن المحتوى اللفظي. في أحيان أخرى يستخدم الناس إشارات الأيدي وحدها بمعزل عن الكلمات لتوصيل الرسالة.

بعض الإشارات كي يكون لها قيمة لا بد أن يكون هناك معنى متفق عليه لها، بمعنى أنها تمثل لغة حقيقية بين من يستخدمونها؛ فهناك العديد من أشكال الإشارات بالأيدي التي توصل رسالة للمتفاعلين مع الشخص؛ وكما نرفع الإبهام للدلالة على الموافقة، وأن الأمر يجري بصورة ممتازة، يمكننا أن نشير به لأسفل للدلالة على الاستياء.

يمكن أن نشير بالإصبع السبابة أثناء الحديث، وهي إشارة تحذيرية، كثيرًا ما تُعتبر غير لائقة، ويُعاب على السياسيين الذين يستخدمونها في خطاباتهم السياسية، والأفضل استبدالها بالإشارة بكامل الكف وفي اتجاه رأسي.

وإن أردنا التأكيد على ثقتنا بأنفسنا وآرائنا وأفكارنا خلال الحديث فالأفضل خلق شكل هرمي باستخدام كفي اليدين معًا عن طريق ملامسة طرف كل إصبع من أصابع اليد اليمنى لطرف لإصبع المناظر له في اليد اليسرى. كذلك فإن تشبيك الأصابع الأربع المتجاورة في كل يد بنعومة وعدم اعتصار مع الأصابع الأخرى، بحيث تشكل اليدان معًا خطًا مستقيمًا رأسيًا، وإبقاء إصبعي الإبهام غير متشابكين ويتجهان لأعلى وبوضوح هي إشارة أخرى توحي بالثقة.

وعلى العكس فإن الشكل الهرمي الناتج من ملامسة أطراف أصابع اليدين إذا ما مال بحيث تصبح أطراف الأصابع متجهة لأسفل وليس لأعلى فتلك علامة أكيدة على افتقاد الثقة، وكذلك عند تشبيك الأصابع الأربع لكن مع خفض الإبهامين فإن تلك إشارة أخرى توحي بضعف الثقة، أما تشبيك كامل أصابع اليدين بقوة والتحام شديدين فيعطي انطباعًا أقوى بالتشكك الشديد وعدم الثقة المفرط. والشيء نفسه يُقال عن فرك راحتي اليدين أو فرك أصابع إحدى اليدين براحة اليد الأخرى، فهو إشارة إلى رغبة الشخص في تخفيف توتره، ويظهر قلة ثقته.

ومثلما تعطي حركات اليدين بقوة مفرطة انطباعًا بنقص الثقة فإن الجمود وعدم إصدار أي إشارة باليدين يعطي الانطباع نفسه بضعف الثقة والتشكك.

يمكن أن نباعد بين أصابع اليد ونحركها ببطء بشكل مروحي كدلالة على التأرجح وعدم التأكد.

كما يمكن أن نمسك بأي شيء أمامنا ونلهو به أو أن ننقر بالأصابع على المنضدة أمامنا أو نطرقع أصابع اليد كدلالة واضحة على عدم الاهتمام بالحديث.

كذلك يمكن أن ندلك منطقة عضلة الحزن في الجبهة بين العينين أو أعلى الأنف أو جانبي العينين أو أن نشبك أيدينا لتحرير الطاقة ولتقليل التوتر.

بل إنه حتى في مصافحة الآخرين –وسبق أن تحدثنا عنها في اللمس- ، فإن لوجود اليد اليسرى - التي لا نصافح بها- في جيب البنطلون أو المعطف أو وضعها على حقيبة اليد بالنسبة للإناث بحيث تختفي اليد كلها عدا الإبهام الذي يتم إبرازه، دلالة قوية على أن من يقوم بهذا الفعل يرى نفسه في منزلة أعلى ممن يصافحه.

في كثير من الثقافات العربية وبعض ثقافات البحر المتوسط فإن رفع الإصبعين السبابة إلى أعلى جانبي الرأس (رمز القرنين) هي مسبَّة معروفة واتهام بالدياثة.

باختصار، هناك الكثير مما يمكن أن نفعله بأيدينا ويسهم في إيصال رسائلنا غير اللفظية.

لكن ينبغي أيضًا الحذر لأن تلك الإشارات رغم شيوعها فهي ليست عالمية، وتوجد اختلافات ثقافية فيها. كما توجد فروق بين الجنسين فيها خاصة عند الشعور بالتهديد وعدم الأمان والرغبة في مزيد من الراحة، فإضافة إلى حركات الذراعين فإن النساء لديهن خصل شعر يقمن بلفها بأيديهن، كما يمكن أن تربت المرأة على رقبتها، بينما الرجال يحركون أيديهم على رقابهم دعكًا بقوة.

ينبغي أيضًا العناية بنظافة اليدين جيدًا للنساء والرجال على حد سواء، لأن عدم نظافتهما تعطي انطباعًا سيئًا. والشيء نفسه يُقال عن الأظافر، فأظافر الرجال الطويلة وغير النظيفة تعطي انطباعًا سيئًا للغاية عنهم، وكذلك أظافر النساء شديدة الطول التي تبدو أشبه بالمخالب.

هـ- إيماءات الرأس Head nods

يمكن أن يُستخدم الإيماء بالرأس كعلامة على التحية أو الموافقة أو عدم الموافقة أو لإظهار التحير.

وتوجد إيماءات سلبية نقوم بها بالرأس فقط، وإيماءات توصل رسائل سلبية تتداخل فيها إشارات الأيدي مع الرأس مثل العبث بالشعر أو هرش الرأس أو فرك الأذن أو عقد اليدين خلف الرأس أو وضع الرأس على راحة اليد أو تغطية الفم باليد أو إمساك الأذن وغيرها الكثير، والتي يسبب الإكثار منها إلى إرسال رسائل سلبية للطرف الآخر بعدم الاهتمام، وتسبب الإلهاء له أثناء حديثه، ولا شك أنها تترك انطباعات سيئة لديه.

إن إمالة الرأس وإظهار الرقبة له دلالاته حول شعور الشخص بارتياح تجاه من يتواصل معه. وتعتبر ملامسة الرقبة والمنطقة أعلى القفص الصدري على العكس علامة انزعاج واضحة، ومحاولة من الإنسان للتهدئة واستجلاب الراحة. الإشارة الأخيرة تنتشر أكثر بين النساء، وقد تداري بعضهن تلك الحركة بالإسراع بالإمساك بسلسلة في رقبتها. رفع الذقن أيضًا يُسهم في إظهار الرقبة ويوحي بالثقة، على العكس من خفضه لأسفل.

غالبًا ما نميل الرأس إلى الخلف مع رفع العينين لأعلى عند محاولة تذكر بعض التفاصيل. أما إمالة الرأس إلى الأسفل وإلى جهة اليمين فغالبًا هي إشارة على شدة انفعال الشخص. وأحيانًا تكون إمالة الرأس إلى الخلف مع التجهم إشارة إلى شدة الضيق والإحباط ومحاولة الابتعاد عن مصدره.

وهناك معلومة يعرفها المحققون الجنائيون، وهي أن الشخص الذي يدلي باعترافه ورأسه مرفوع يعطي اعترافًا كاذبًا لأن رفع الرأس دليل الثقة ولا يتناسب مع خزي الاعتراف بجريمة.

وإلى اللقاء في حلقة قادمة، نواصل فيها الحديث عن سلوكيات البشر غير اللفظية في التواصل.

 

د. منى زيتون

 

مهدي الصافيثقافة الصور الظاهرة..

الاديان.. الطقوس والشعائر والتراث..

العقل والمعرفة والاخلاق.. الذاكرة والذوق والاحساس والشعور والعاطفة والحب والجمال...

هذه الضرورات الانسانية المهمة، التي بدونها يفقد الانسان ادميته وحيويته في الحياة، ويصبح رقما مهمشا في ميزان التأثيرات الايجابية في المجتمع، فيكون ضرره اكثر من نفعه.

الانسان كائن بسيط ومعقد، تتحكم بقدراته العقلية والعلمية والجسدية (اضافة الى نسبة او ملكة الذكاء والعبقرية) حجم المعارف والمعلومات المكتسبة، وكذلك الظروف والبيئة والثقافة او الدين والموروثات الاجتماعية، يتعقد اداءه وفعله ومسيرته في الحياة، تبعا لطبيعة الجهل والتخلف والعقائد المصطنعة التي يؤمن بها، اضافة كما ذكرنا الى الظروف وطبيعة المجتمعات والانظمة السياسية والتربوية او الثقافية...

يقال ان بعض خطط الحكام المستبدين الذين يرغبون بزيارة معينة عامة (لمدينة او قرية او مؤسسة معينة الخ.)، تطلق اجهزتهم الامنية عدة اشاعات حول اماكن بديلة محتملة للزيارة، كي لا تتمكن قوى المعارضة المفترضة من رصده، ففي نظام الدكتاتور صدام كانت اجهزة الامن تتجه بعدة مواكب رئاسية في جهات مختلفة للتمويه، وفي اغلب الاحيان يتجمهر رجال الامن في مكان معين، ويحدثون ضجة شعبية فيه، الغاية منها اعطاء صورة ظاهرة اقرب للحقيقة، من ان الزعيم متواجد في هذا الموقع، ثم يظهر العكس...

الغاية من هذا المثال القريب من الواقع العملي، هو تبسيط شرح مفهوم الصور والمشاهد والاحداث والممارسات الظاهرة، التي تأخذ وتجذب او تتلاعب بعقل وروح ووجدان الانسان او المجتمع، لتسيره الى اماكن اخرى(فارغة لا تمثل جوهر الحقيقة)، حتى تتمكن القوى او الجهات المستفيدة من هذه الخدع البصرية الشاملة من البناء والترسيخ على تلك الظواهر وجعلها اشبه او اقرب للواقع الموثق، كما يحصل مع الموروثات الدينية (بعض منها يندرج تحت مقولة اكذب اكذب حتى يصدقك الناس)، فقد تحدث عن تلك الحالة الكثير من المفكرين، من انها جزء من سياسة الالهاء المتعمدة من قبل انظمة الحكم الراسمالية العالمية المهيمنة على الاعلام،

ولكنها في الحقيقة تعد اكبر واخطر من تلك الظاهرة بكثير، تصل في ابعادها الى مديات عقائدية تاريخية سحيقة، تخترق الذاكرة والثقافة الاجتماعية بشكل يومي عبر المؤسسات والشخصيات المنتفعة منها، متمثلة بالاديان والموروثات، والاثنيات، وتاريخ الامم والشعوب والحضارات..من الممكن جدا ان نعطي امثلة كثيرة عن تلك الظواهر المنسية...

الاديان:

الاديان لا تأخذ بيد الانسان او المجتمع المتخلف الى طاعة الله عزو جل..فالعرب جاءهم الاسلام، وقادهم الى مقدمة الامم في عهد الرسول محمد ص، ولكنهم منذ اكثر من اربعة عشر قرنا لازال ايمانهم وارتباطهم بالله سبحانه وتعالى شكلي ظاهري، بالرغم من وجود القران الكريم، والسنة النبوية، والمذاهب والفقهاء، ويمارس اغلبهم العبادات والطقوس والشعائر بطريقة منتظمة يوميا ودوريا، ولكن الخلل والتراجع والانكماش والتأخر الحضاري مستمر في وتيرة تصاعدية، هذا يرجع الى ان الطرق والصور المقدمة لهم عن الدين، تستنزف منهم الطاقات العقلية والنفسية والروحية في الامور الظاهرة منه، اي ان الاهتمام والاجتهاد المذهبي الفقهي، الذي عمد الى تقريب المسافة بين عظمة الله عز وجل وقدرته، وبين امكانات الانبياء والرسل والفقهاء او مراجع الدين، صار حاجزا امام باطن الحقيقة، فظاهر الدين الحالي لا ينطبق مع باطن العبادة والايمان بالله عز وجل، انما حالة من الفراغ او الهوة الواسعة بين العقائد والممارسات الدينية (التي وجدت لتقريب المسلم او العبد من خالقه)، وبين التصرفات والسلوكيات اليومية لرجل الدين او الانسان المسلم العادي، لازالت المجتمعات والدول الاسلامية متخلفة وغارقة في الفساد والظلم والاستبداد والجهل ..

لازال السلاح والعنف طريقهم المعتاد في حل مشاكلهم الداخلية، اما ظاهرة النفاق فهي تحكم قبضتها على عقولهم وتفكيرهم وحياتهم الاجتماعية ...هذه الامة كانت تحارب الفلسفة والفكر، والثقافة والابداع ويجعلوها

في خانة البدع والانحراف..

طريق الحضارة هو السبيل الوحيد لا نقاذهم وجعلهم اقرب لله عزو جل مما هم فيه.. بمعنى لو كانت المجتمعات المسلمة متحضرة لاصبحت في مقدمة دول العالم اليوم...

ما يحصل عبر قرون هو تكرار لاستحضار صورة الماضي (التراث، والتاريخ المصطنع) لا عادة تصديرها وتسويقها للمجتمعات المسلمة الحالية، في حالة من الصراع والتطاحن العقلي والنفسي الداخلي، لا يراد للفكر الحر ان يخترق هذه الخطوط الحمراء المتوارثة، تماما كما يحصل في حالات التحشيد القومي او الطائفي او اليميني المتطرف، من اجل الكسب المادي او السياسي، وليست حاجة انسانية اخلاقية لزيادة في الوعي او ثقافة المجتمع، {الانسان يتفاعل مع ظاهر الصور سواء كانت ممثلة بالطبيعة الجميلة، او بالقناعات والاراء والافكار البسيطة السهلة الفهم، او حتى القريبة من مستوى الادراك والوعي لديه، فالانسان الذي يزور منطقة سياحية معينة (على سبيل المثال)، تأخذه صورة جمالية معينة في الطبيعة الساحرة، يبدأ بالتفاعل معها وفقا لمستوى الوعي الذي يملكه، اما ان يلهوا ويمرح وينطلق في الفراغ الكامل، واما ان يستغرق بالتفكير والتأمل كما يفعل الفلاسفة والمفكرين والشعراء والادباء (الخ.)، النتيجة ان المتعة حصلت، ولكن الغاية والهدف والفائدة اختلفت تماما، هذه المشاكل الاجتماعية الغير مشخصة بشكل واضح، ولم تعالج فلسفيا او فكريا لحماية الانسان او المجتمعات والاجيال القادمة من ظاهرة الاستنزاف والاستغراق العقلي والنفسي او الروحي بظواهر الصور الطبيعية او المصطنعة ماديا ومعنويا، دون الوقوف عند جوهرها وحقيقة امرها، سوف تزيد من الازمات والكوارث الثقافية او الدينية، كظاهرة عودة اليمين المتطرف لاختراق الحضارة التكنولوجية للانظمة العلمانية المدنية في اوربا وامريكا،

فالصور المقدمة عنها هي صورة الصراع والصدام الحضاري المستمر بين الامم (دينيا وعرقيا وثقافيا)، بينما ان الذي يختبأ خلف تلك الماكنات الصناعية التخريبية (ماكنات صناعة الصور الظاهرة المغايرة للحقيقة) هي المصالح الراسمالية الامبريالية (امبراطوريات الهيمنة، المال والسلطة)،

وهي بالطبع لا تختلف كثيرا عن الامبريالية الدينية للمؤسسات والاديان الاخرى، ففي اليهودية كما في المسيحية والاسلام استغل الدين لقرون في صناعة صورة الطاعة والعبادة والانقطاع لله المقدم من قبلهم، فابتعد الناس عن هذه الاديان الوضعية (الاديان الشعبية)، بالعقل والعلم والمعرفة والحضارة الالكترونية-الفضائية، ولا توجد اكثر صورة عن هذه الانحرافات الاخلاقية او الدينية، كتلك التي صورتها المعابد والكنائس والمساجد عن صكوك الغفران، ومفاتيح الجنة، والاجتهاد في الغيبيات والماورائيات الاخروية، واعطاء اهمية كبيرة للشعائر والطقوس والشعائر الدينية، واعتبارها اوامر الهية مقدسة، لابد ان يمارسها الانسان كي ينال رضى الخالق عنه، ليقبل اعماله او القرابين المقدمة منه اليه، حالة من الاسطورية الغارقة في الصور التقليدية المتوارثة عن الاديان الشعبية القديمة....

اكثر الطوائف او الفرق الدينية في تاريخ الاديان الحديثة، التي ميزت بين باطن الدين وظاهره، هي الطائفة الصوفية القديمة (المدارس الصوفية الاولى)، عرفت او كشفت ان حقيقة الايمان بالخالق ليست طقوس عبادية رسمية اوشعبية، انما هي حالة من الذوبان الباطني الروحي للانسان في صورة الاله الاعلى المقدس، لا يمكن ان تتجسد في صور

 العبادات والعقائد والممارسات الدينية الشائعة او الظاهرة، الا ان الخطا الكبير الذي وقع عندهم، وجعلهم لا ينفتحون علميا على الايمان بشكل اوسع، هي العودة الى نفس اسلوب الممارسات او الحركات والطقوس الروحية الظاهرة(تزكية النفس)، وهي حالة من حالات الاستنزاف الروحي الكبير، الذي لم يتمكن من اقناع عامة المسلمين، ولا مدارسهم المذهبية الكثيرة بقبول هذا النوع من العبادة المتناقضة ....

في السياسة والتجارة والاعلام وحتى في مجالات الثقافة والادب والفن وعموم الابداع، تنقل صور مغايرة للحقيقة احيانا عن الواقع الموضوعي او الماثل امام المجتمع.

فلكل شيء ظاهر وباطن، ثم تبقى بعدها حسابات معايير التفاعل بين فلسفة التفكيك المنطقي العقلي العلمي لتلك الحالات، وبين قدرة وقوة ظواهر الاستنزاف الروحي المهيمنة على الواقع الاجتماعي او العقل الجمعي، فهي الطريق والاسلوب الافضل للتحديد والتشخيص، لانتشال اغلب طاقات الانسان الضائعة من حالة الخمول والكسل العقلي، وكذلك لمنعه من ان يصبح مجرد رقم تجاري او صناعي او اجتماعي مؤدلج فكريا او مبرمج الكترونيا، لا يكترث احد لافكاره وطموحاته ومستقبله الشخصي،

بعد ان صار موقع ومكانة الفلاسفة والمفكرين والمبدعين في اخر الطابور الرسمي والاجتماعي (حتى في الدول المتحضرة التي تعترف بأن من انقذها من وحل الحروب والازمات والمعاناة، وشبح الماضي المظلم، علوم وافكار وايديولوجيات عظماء الفكر والفلسفة) ...

الاستنزاف الروحي او النفسي امر كارثي، لانه يصور الحياة على انها شيء اخر، غير الذي وجد من اجله الانسان...

تتجسد بعض صوره في التلوث البيئي وتغيرات المناخ، وتفاقم او تزايد مستوى الامية والفقر، وانتشار الجريمة والمخدرات والامراض النفسية، واندلاع الحروب وزيادة النزاعات الدولية والفتن الدينية او العرقية، الخ.

(ان بعض الدول تجرم وتحرم قطع الاشجار ولكن عندما يتدخل الاستثمار والحسابات المادية تصبح تلك الغابات او الاشجار عقبة امام التقدم الحضاري الراسمالي كما يدعون الخ.)

الانسان بحاجة الى فلسفة انسانية حديثة تبعده عن الاعتقادات والقناعات السطحية الساذجة في الحياة، وعن الانبهار والاستغراق والاستنزاف الروحي في الصور التراثية او الاجتماعية الجاهزة المقدمة اليه، دون ان يكون هناك تطابق فعلي بين جوهر الحقيقة وبين الصور النمطية (الدينية او الثقافية او السياسية) المعتادة، عليه ان لا يكون وعاء للخزن السلبي، الذي سرعان ما يصيبه العفن، فينفجر كالبركان ليدمر كل شيء...

يجب ان لا تستمر عملية الدوران في الفراغ القاتل، فتعاد صناعة خزائن واوعية جديدة، لتكرار عملية التعفن والانفجار الروحي او النفسي المتوارث...لابد ان يخضع كل شيء الى لغة العقل والعلم بما فيها الاديان والعقائد والماورائيات...

 

مهدي الصافي

 

اسعد شريف الامارةمن أوليات الصحة النفسية هي وجود الشيء ونقيضه معًا عند الإنسان، فعندما نريد تعريف الشيء بالموجب، لا ينفصل ضمنيًا عن نفي نقيضه، ولما كانت المقارنة عملية لا يستطيعها العقل البشري بسهولة قبولها أو رفضها، عندئذ يكون لدينا تصور يتبادر إلى الذهن ما هو ليس أبيض، فإنه سيكون حتمًا أسود، أو أي لون آخر، وكذلك الشيء الكبير سيكون نقيضه حتمًا الشيء ما ليس كبير، أي ما هو صغير، وتزداد الصعوبة حينما يكون للمفهوم قيمة،  وبالأخص إذا كانت عقلية، مجردة غير مادية، وغير ملموسة بالواقع، ولكن ملموسة بنتائجها من التكفير وما ينتج عنه، لا سيما أن التفكير هو سلوك نتلمسه بالواقع من خلال الفعل على مستوى ما يجري في الدماغ. سأطلق لتفكيري العنان بصدد إيجاد العلاقة بين التأمل والتركيز وما يرتبط بينهما من علاقات" متغيرات أخرى مثل أحلام اليقظة، أو غيرها إن أستطعت"، فالتأمل هو شبيه إلى حد كبير باحلام اليقظة من ناحية عمل الأعصاب ووظائفها، وكثير من الناس لا يميزون بين حالة التأمل وحالة التركيز وأحلام اليقظة، ويقول علماء النفس أن التأمل لا يقوم على التفكير بجهد في شيء محدد، بل على العكس، إن الإنسان يرخي العنان للدماغ في موضوع عام، ويقول" بيير داكو" الإنسان المتأمل منفعل، ودماغه يتلقى الحد الأقصى من الاحساسات، إذن إنها أحلام يقظة في العمق، فالأفكار تجري بسهولة بالنظر إلى أن الدماغ لا يتركز على فكرة معينة منها، وتسير الامور بيسر فضلا عن قابلية الاستقبال والوضوح حيث تكونان جيده جدًا. لا نغالي إذا قلنا أن التأمل هو الدرجة العليا من درجات الفكر الإنساني، حيث يكون الفكر نقي وصافٍ، متسع جدًا أيضًا، مفعم ونشط ويسر، وكذلك قابلية الاستقبال تكون في حدها الأعلى، بينما التركيز عمل متعب للدماغ، لأنه يشغل المراكز الدماغية التي تعمل خاضعة لتبيه قوي ومركز.

في علم النفس المعرفي الذي تقوم دراساته وأبحاثه الميدانية التطبيقية على موضوعات التفكير والادراك والتنبيه والاستدعاء والتعرف والاسترجاع للمعلومات، وكذلك التأمل، فإن في هذا الجانب من عمل الدماغ، وهو التفكير، فإن الفكر يستقر على شيء محدد، على نقطة أو نقاط، معينة فلتكن على سبيل المثال محاضرة مثلا، أو موضوع يفكر به كاتب، أو باحث، أو قصصي،  فلابد هنا أن يتدخل الإنتباه كنوع من التركيز الضعيف، رغم أن ثمة درجات مختلفة من الإنتباه تبدأ من الإنتباه المشتت، كانتباه الطالب الشارد الذهن، وتنتهي بالانتباه المحدد، كالاصغاء إلى المحاضرة باهتمام، وكلما تقدمنا أكثر فسوف نذهب إلى التركيز شيئًا فشيئًا. من هنا سنذهب إلى مجال التركيز ونحاول سبر أغواره وايجاد علاقته بالتأمل.

أن التركيز يقوم على تثبيت الفكرة بجهد على نقطة محددة، أو إكمال نص شعري، أو فكرة جديدة أو إذا كانت مسألة صعبة مثلا، أو موضوع محدد، ويحصر الإنتباه بنقطة تركيز واحدة، وهذا ما نلاحظه عندما يتركز الدماغ خلال التركيز الشديد، حتى كادت معظم مناطق الدماغ تنام وتتوقف عن العمل خلال وأثناء التركيز، وهي نفس الحال حينما يتوقف الدماغ عن استقبال المنبهات الاخرى مثل الضجة، أو صوت المذياع العالي، أو الكلام المحيط بالشخص، أو المثيرات الخارجية الاخرى،

يرى علماء النفس أن التركيز لفترة طويلة متعب جدًا، لأنه يتعب المراكز الدماغية التي تحتاج إلى التنبيه القوي وتؤدي إلى الإنهاك أيضًا، ونلاحظ تلك الحالة بصورة واضحة لدى الطلبة في فترة الامتحانات ورغبتهم الشديدة في النوم، وبعد التوقف عن الدراسة "المذاكرة" حيث يستسلمون بصورة قوية للنوم، وهذا التعب سببه التركيز مع إنهاك المراكز العصبية في الدماغ.                                                        أن الأبحاث المتعلقة بالتركيز والانتباه والتأمل ترى أن الوضوح يعمل دورًا مميزًا في هذه العمليات العقلية، وقد يكون في حالة التركيز أقل مما في العمليات الاخرى السابقة التي ذكرناها، حيث أن الإنسان في حالة التركيز يتصف بأنه على طرفي نقيض من الوضوح مادامت ثلاثة أرباع دماغه لا تعمل تقريبًا، ومحصور عملها في ولوج عملية التركيز، وتساؤلنا متى ينبغي للإنسان أن يركز؟ أنه يركز عندما يشعر بصعوبات كبيرة في فهم مشكل، أو موضوع من موضوعات يبحث عنها، أو نص يمتنع من تطويعه، أو إنهائه بشكل يقبله العقل ويخزنه بعد تشفيره "اعطاه شفرة وخزنه في الدماغ" لغرض استدعائه متى ما يحتاج ولكن ليس بطريقة آلية ميكانيكية" ، التركيز يعني بالمعنى الادق أنه جهدًا ضخمًا، والجهد الضخم يعني نقصًا في سيادة الفرد على ذاته، نقصًا يدل بدوره على نقص في اليسر وإتساع التفكير الذي يحتاج إلى عصف دماغي لإنهاء هذا المشكل، أو ما يسمى بالقصف الذهني Brain storming  وفكرة القصف الذهني على أن الفرد وبالأخص المبدع، انه يستطيع إنتاج عدد كبير من الافكار حول موضوع معين، وله القدرة على إيجاد العديد من الحلول لمشكلة رياضية، أو مسألة فيزيائية، أو مسألة تتعلق بالعلوم الصرفة، أو حتى في مجال الإبداع الفني والشعري والقصصي، أو كتابة النص، أو تأليف مقطوعة موسيقية، أو رسم لوحة فنية، فهو يحتاج إلى التركيز المركب لإنتاج هذه الحلول، وهذا بدوره يحتاج إلى اليسر الذهني والطلاقة في التفكير وبمرور الوقت إثناء وخلال التركيز يقلل التركيز ويتيح التغلب على المشكل ، فالإنسان في مثل هذه الحالة أن يرى ، كما يرى، وكما يرى في حالة التأمل. وتبقى مسألة مهمة عند معالجة الدماغ للعمليات المعرفية المذكوره أعلاه، بان الأفكار الثابتة لدى الفرد تتراوح في شدتها من حيث استدعائها وتأثيرها عليه، فضلًا عن سيطرة الوساوس وتأثيره أيضًا بين القوة والضعف، واخيرًا الإجترار النفسي الذي يستدعيه الفرد في هذه العمليات المعرفيه ويتراوح في سعته، أو في أحيان أخرى إنعدامه تقريبًا، أو يكون قليل الإتساع. وهكذا تتراوح شدة التركيز أو ضعفه، أو شدة التأمل أو ضعفه، بما تمس الدماغ وتأثيره بالقوة والضعف.

 

أسعد الاماره

استاذ جامعي وباحث سيكولوجي 

 

عبد الحسين شعبانلا يمكن اختزال الإرهاب في مقاربة واحدة مهما كان دورها كبيراً، لأن هناك عدداً من العوامل تتفاعل معها، وتتدافع فيها لتنتج بالنهاية ما نطلق عليه «الظاهرة الإرهابية». وبالطبع يختلف منظور الباحثين باختلاف خلفياتهم الفكرية والسياسية وتباين ظروف حياتهم ومجتمعاتهم، فضلاً عن اختلاف مناهجهم.

ويستند التفسير الثقافوي - الديني بشقيّه الغربي والإسلاموي إلى ربط العنف والإرهاب بالنصوص الدينية، فالمجاميع الإرهابية تحاول تفسيرها أو تأويلها بما يخدم مشروعها الإرهابي، من دون الأخذ بنظر الاعتبار سياقاتها التاريخية والظروف التي قيلت فيها ومدى توفّر شروطها.

وإذا كنا نعترف بأن ثمة حمولة أيديولوجية تتضمّنها بعض النصوص الدينية، فإن التركيز على ذلك واعتباره القاعدة وليس الاستثناء هو الذي دفع صنّاع القرار والقوى المؤثرة في الغرب بشكل عام لدمغ الإسلام بالإرهاب بزعم أن ثمة جينات إرهابية بين النص الديني والفعل الإرهابي، خصوصاً بعد أحداث ال 11 من سبتمبر / أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، اعتماداً على أطروحة الرهاب من الإسلام «الإسلامفوبيا».

ولعلّ من يميل إلى هذا التفسير أو من يحاول اعتباره العامل الحاسم في الظاهرة الإرهابية، إنما ينطلق من قراءة ميكانيكية جامدة للدين والثقافة، فالعنف والإرهاب وليدا التعصّب والتطرّف، وهذان الأخيران مرتبطان أيضاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والتاريخي والتربوي وبقية العوامل المؤثرة فيه داخلياً وخارجياً، وبالطبع من دون نسيان درجة الوعي الثقافي والديني.

أما أصحاب التفسير النفساني للظاهرة الإرهابية، فإنهم ينطلقون من اعتبار العوامل السيكولوجية المتأثّرة بالوضع السسيولوجي والاقتصادي للإرهابيين، هو الذي يقودهم للانخراط في الأعمال الإرهابية، بما فيها تفجير أنفسهم والانتحار وصولاً إلى تحقيق الهدف، وبقدر ما يكون مثل هذا التفسير صحيحاً، لكنه يبقى محدوداً وينطبق على حالات ضئيلة، بسبب إحباطات حياتية وشعور باللّاجدوى واستجابة لما هو غير عقلاني كتعويض عن حالات اليأس والقنوط، التي يظل الفرد أو المجموعة تتخبّط فيها لدرجة يستولي عليها مثل هذا الشعور، حيث يُقدم الإرهابي على إقناع نفسه أولاً بأنه ينفّذ واجباً، فما بالك حين يكون «أمراً إلهياً» فيلقى الثواب عنه في الآخرة، لكن مثل تلك الحالات لا يمكن تعميمها، كما أن نتائج الإحباط والشعور باليأس لا تقود كلها إلى نتائج واحدة.

وتستند أطروحة التفسير الاجتماعوي إلى واقع الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وبشكل خاص إلى الفقر والعوز، وتتفاعل مع الجوانب النفسية، فتنتج ردود فعل حادة في ظلّ الشعور بالاستلاب والبطالة وتردّي الأوضاع المعيشية والصحية، وهو ما يوفّر مغريات للبحث عن أمن مادي ونفسي واجتماعي، وحين تكون الفرص شحيحة والظروف غير متكافئة، فقد يميل بعض الأفراد أو الجماعات المهمّشة إلى الإرهاب جزعاً ولا مبالاة، خصوصاً في ظروفهم البائسة. والأمر يشمل حتى بعض مسلمي أوروبا، فإضافة إلى عدم قدرة بعضهم على الاندماج، فإن ظروف حياة أوساط غير قليلة منهم مزرية، ولا سيّما بعد موجة اللاجئين التي ارتفعت وتيرتها في السنوات الأخيرة على نحو لا مثيل له تاريخياً، حيث فشلت سياسات العديد من البلدان في دمجهم مثلما هي إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وغيرها، وهو ما يسهم في تغذية عوامل التوتر لدى الجاليات المسلمة.

وقد تمكن «داعش» من التغلغل في صفوفها واستقطاب المئات من المسلمين أو المتحوّلين دينياً إلى صفوفه، وذلك عبر التشكيك بجدوى العيش في تلك المجتمعات «غير العادلة» أو «الكافرة» أو المنقوصة الإيمان أو المشوّهة، ولا سيّما الشعور بفقدان الأمن الاجتماعي والإنساني.

في حين يذهب التفسير الجيوبوليتيكي إلى الصراع التاريخي على المصالح والنفوذ، ولا سيّما السياسي والديني وما تركه من حساسيات ومرارات قديمة وراهنة، وإذا كان هذا التفسير غربياً يقوم على «الإسلامفوبيا» فإنه في البلدان العربية والإسلامية يحمل لافتة «الويستفوبيا»، تلك التي تعتبر الغرب كلّه شروراً واستعلاء وعنصرية، استناداً إلى ترسّبات التاريخ وقراءة أحادية قائمة في الذاكرة الجمعية للناس تلك التي تتغذى على صدمة الاستعمار وما تركته على العرب والمسلمين، إضافة إلى استمرار الحروب والصراعات والنزاعات بشأن الموارد الطبيعية الأخرى في المنطقة مع وجود «إسرائيل» ودورها العدواني التوسعي الإحلالي.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العوامل المختلفة في فهم الظاهرة الإرهابية وتفسيرها، فإن مواجهتها عند ذاك ستكون مستندة إلى معطيات علمية وخبرات ميدانية وتجارب حياتية متراكمة وأدوات تجريبية ضرورية، إذْ ليس هناك نظرية جاهزة ومتكاملة تصلح لجميع المجتمعات، ويتطلّب الأمر معرفة ما لدى الإرهابيين من أفكار وخطط وبرامج.

وإذا كانت المقاربة الأمنية والعسكرية ضرورية ولا غنى عنها، فهي آخر العلاج، وينبغي أن تكون مقترنة باحترام كرامة الإنسان في إطار منظومة قوانين تكون درعاً واقية من جهة، ومقدمة لخطاب إقناعي وعقلاني مدعوم من الناس من جهة أخرى، فلم يعد نافعاً الخطاب العاطفي وردّة الفعل العشوائية وهكذا نحتاج إلى عمل تربوي طويل الأمد لبناء الإنسان، ويمكن للإعلام أن يلعب دوراً مؤثراً، خصوصاً إذا احتوى على الحقائق واستند إلى العلم والمعرفة، مثلما يمكن للمجتمع المدني أن يكون رديفاً للدولة وفاعلاً مجتمعياً في المجابهة.

 

عبد الحسين شعبان

 

"حينما تريد خداع العالم كله.. ما عليك سوى.. النطق بالحقيقة!!

 إن مشكلة ضمان الأمن القومي هي اليوم محور الأهمية الإستراتيجية لتنمية البلاد، وإن ضمانه هو إلى حد ما هدف الإصلاح الذي يجب أن يخضع مضمونه لتعزيز سيادة البلاد وسلامتها الإقليمية وصنع وبلورة ظروف داخلية وخارجية تضمن الاستقرار والتنمية المستدامة للفرد والمجتمع والدولة. وقد كشفت مشاكل الأمن عن تخلف الفكر النظري في هذا المجال مما يستوجب نطاق تدريب أخصائيي النظم في هذا المجال، ومن دون فهم واضح لما هو الطبيعة الاجتماعية لمفهوم الأمن، وما هي مصادره، وما القوة الدافعة، والهدف المترجى، لا يمكن أن يتم بذل مزيد من الجهود لضمان الأمن من أجل حل مشكلة الاستقرار وتوفير مجتمع مستقر وفهم طبيعة التهديدات الأمنية، وسبل التغلب عليها.

كان السعي لتحقيق الأمن أحد الأسباب الدافعة لتوحيد الناس في المجتمع وقد ازدادت كثافة ونطاق هذه الحاجة باستمرار وكان الأمن من ولادة الحضارة هو الهدف الرئيسي لنشاط الأفراد وبالتالي المجتمع ككل والدولة، وإن الحاجة إلى الأمن الشخصي والممتلكات تجلب الحياة للدولة، وفي هذه الحالة تجد الدولة التفسير الأكثر أهمية لوجودها، كما أنها تشير إلى غرض الدولة ومبتغاها وهدفها الرئيسي. ويتم استخدام المفهوم الأكثر شيوعًا للأمان بالنسبة إلى العديد من العمليات الذي لا يعكس اختصارا العلامات المحددة لأمن الشخص المتأصل في حالة معينة ولكنه يتضمن شيئًا مشتركًا يسمح لنا باستخدام هذا المفهوم في مختلف المجالات، فالأمن هو غياب الخطر والسلامة والموثوقية ومن الواضح أن مثل هذا التفسير المبسط واللغوي البحت لمفهوم الأمن غير كاف، لأن انعدام الأمن ينطوي على إمكانية تحقيق مثل هذا الوضع ولكن في الحياة الواقعية توجد دائمًا وستكون هناك مخاطر ذات طبيعة مختلفة تمامًا ولذلك إن فئة الأمن ليست مطلقة لكن المعنى النسبي والهادف يتم اكتسابه فيما يتعلق بأشياء محددة أو مجال النشاط البشري والعالم المحيط به.

الأمن لا يوجد بمعزل عن النشاط العام للحياة البشرية فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بجميع جوانب الحياة البشرية والمجتمع، وتتمثل مهمته الأساسية في ضمان وجوده وتطوره وإن إدراك مثل هذه الأشياء النامية مثل الإنسان والمجتمع والدولة تجوهر وتوثق الترابط بين أهم وظيفتين للوجود الاجتماعي في التنمية والحفاظ على الذات والأمن للناس، إن التنمية والأمن هما جانبان من جوانب حياة المجتمع، وإن عدم توافر وظيفة التنميّة والأمن يرجع في المقام الأول إلى جميع عمليات النشاط البشري وإن تقسيمها إلى مجالات وفروع واتجاهات منفصلة أمرٌ مشروط يسهّل إدراك الواقع عبره، ومنذ القد كانت لهاتين الوظيفتين الأساسيتين للإنسان والمجتمع مميزة واضحة، وان القدرة على التنمية هي واحدة من الخصائص العالمية للمادة والوعي. يتطلب تحليل آليات تطور المجتمع دراسة عميقة لهيكله الداخلي وتنظيمه وعمله. وإن قوانين الديالكتيك كنظرية عامة للتنمية تعمل أيضا في المجتمع غير أنها محددة الإشكال ولم تدرس بشكل كاف.

الشكل الاجتماعي للتنمية هو أعلى وأصعب طريقة للتطبيق من الواقع الموضوعي ويتميز في وحدة الهدف المادية والمثالية للتنمية إذ أنها عملية تكاملية متزايدة التعقيد وثراء المحتوى على مستوى المجتمع ككل وتتجلى في تراكم الثروة المادية والروحية للمجتمع وزيادة التعقيد وظهور العناصر والوظائف والعلاقات الجديدة في النظام العام. وينطوي التطور على زيادة قدرة وموارد الإنسان والمجتمع والدولة في مختلف مجالات الحياة لذا يتم توفيرها من خلال الوسائل القانونية والسياسية والاقتصادية وغيرها من الوسائل التي لا تنتهك آليات عمل وتناسل الحياة التي وضعتها البشرية وبهذا فأن الأمن لا ينتقص من دوره وأهميته في الواقع الموضوعي.  وإن الأمن الشخصي والممتلكات هو الضمان الرئيسي للتنمية البشرية وإن انعدام أمن الفرد والممتلكات يرقى إلى عدم وجود أي صلة بين الجهود الإنسانية وبين تحقيق الأهداف التي يتم القيام بها إذ إن من دون ضمان الأمن يتبين أن جميع الأنشطة البشرية بلا هدف لذا فإن دراسة مشكلات الأمن القومي مقارنة بالمجالات الأخرى من الإدراك هي أكثر تماسكًا وتساهم في فهم المجتمع كجسم واحد متكامل مما يفسر هذا من ناحية التعقيد الهائل لفهم المشاكل الأمنية وضعف تطور العديد من جوانبها النظرية والعملية كما انه يولد اهتمامًا كبيرًا بالمشاكل الأمنية من جميع فروع العلم تقريبًا. إذ تعتبر مشكلة تطور الإنسان والمجتمع بمعزل عن المشاكل الأمنية ولا يزال التطوير والأمن قائمين في شكل اتجاهات مستقلة ومتوازية وغير متقاطعة للنشاط البشري.  فكثيرة هي المهام التي تواجهنا في مجال التنمية الاجتماعية وفي مجال الأمن وغالبا ما تكون قريبة ومماثلة، ولربما ما يفسر الأهمية العالية لوظيفة الأمن هي حقيقة أنها تؤثر بشكل فعال على تشكيل الاتجاهات والمستويات الممكنة للتطوير في هذا أو ذاك بمجال الحياة فيتم تحديد مستوى الأمن إلى حد كبير من خلال مستوى التنمية كما يتم توفير الأمن من إجمالي الطاقة الكلية للدولة لكن هذا الاعتماد أبعد ما يكون عن الخطية والحتمية وكلما كان البلد أكثر تطوراً في اتجاهات مختلفة كلما زادت وتضاعفت قدرته على ضمان أمنه غير إن تنفيذ هذه الفرص في الواقع العملي قد يكون بعيدًا عن التنفيذ الفعلي ولا يضمن ذلك مستوىً أمنيًا عاليا.

 إما من حيث الجوهر والمضمون فإن مهام التنمية والأمن لها دائما الاتجاه المعاكس وعضويا يتطلب التطوير المستمر والتجديد والابتكار في مختلف مجالات المجتمع وإن الأمن يتطلب استقرار الوضع القائم وتقييد جميع أنواع الابتكارات، وإن العلاقة الحقيقية بين التنمية والأمن هو أكثر شخصية جدلية معقدة، واثنين من أهم وظائف المجتمع ترتبط ارتباطا وثيقا مع بعضها البعض وتقوم بشكل منفصل لأنها كانت ومن كلا الجانبين وجهين لعملة واحدة. ويبدو أن الاهتمام المتزايد بمشكلة الأمن في الوقت الحاضر، وهو ازدهار غير مسبوق في هذا المجال يعكس الحاجة الماسة إلى المعرفة الحقيقية لمجتمعنا ككل واحد كنظام معقد، وعلى الرغم من حقيقة أن هناك الكثير من معاهد البحوث في البلاد فإن جميعهم ينشطون في دراسة بعض مجالات الحياة المجتمعية فقط بينما لا ينفرد في معظم بلادنا ولا حتى مركز علمي واحد في دراسة شاملة للبلد الذي يمثله.

الوضع الغريب الذي عانيناه في بلادنا انه لم يكن هناك إلى حد ما أي علم في المجتمع ناهيك عن علم الافراد وقوانين وتنميته وأمنه، ووفقاً لمبادئ المادية التاريخية تم تعريف الوجود الاجتماعي على أنه مجمل العمليات الاجتماعية المادية الموجودة بشكل مستقل عن إرادة ووعي الفرد أو المجتمع ككل، كما وقد تم فصل الناس عن العمليات الاجتماعية المستقلة عنهم وعلى الرغم من كل المحاولات للاعتراف بالدور النشط للأنشطة الشعبية التي يمكنها أيضًا تغيير هذه الظروف بفعالية، وقد كان غياب التحليل العلمي للعمل يمثل علاقة وثيقة مع محتوى العمليات الاجتماعية وحالة المجتمع كنظام اجتماعي متطور ومعقد فأدى في نهاية المطاف إلى فقدان الدول التنظيم الاجتماعي. ومفهوم الأمن باعتباره ظاهرة اجتماعية معقدة ومتعددة الوجوه لها طابع تاريخي ملموس وترتبط ارتباطا وثيقا مع جميع الأشكال والاتجاهات التفاعلية، وان الجانب الأكثر أهمية هو جانب المحتوى من التفاعلات المختلفة بين عناصر النظام المعطى إذ أنها تعكس عمليات تأثير الأشياء المختلفة على بعضها البعض، وشروطها المتبادلة وتغيرها والانتقال المتبادل، ولذلك يحدد التفاعل تطور كل كائنات الواقع المحيط لان تفاعل الأضداد هو المصدر والأساس والسبب النهائي للحركة الذاتية والتنمية وان أكثر أشكال التفاعل تعقيدًا وتميزا هي حياة المجتمع لأنه نتاج تفاعل الناس. لذا تعتبر فئة التفاعل مهمة في عملية إدراك الظواهر الطبيعية والاجتماعية وهي أساس مقاربة منهجية لإدراك العالم والممارسة الاجتماعية في جميع مجالات الحياة بما في ذلك مجال الأمن وسلامة الحياة، وسلامة الحياة هي حماية العالم المادي والمجتمع الإنساني من التأثيرات السلبية ذات الطبيعة المختلفة، وأهدافها هي الطبيعة والإنسان والمجتمع.

أمان الوجود البشري أو الأمن الشخصي والممتلكات هو حماية الشخص من التأثيرات السلبية ذات الطبيعة المختلفة القادرة على إلحاق الضرر بجسده وممتلكاته وهذا النوع من الأمن يضمن الامتثال مع بعض الخبرة الغريزية البشرية أو المعايير المتقدمة وقواعد السلوك في النشاط الصناعي والحياة اليومية ويشمل كذلك السلامة من الحرائق وأمن النقل وسلامة العمل وما إلى ذلك.  لذا فإن سلامة البيئة هي حماية الإنسان والبيئة من الآثار السلبية الطبيعية والاصطناعية التي ييتم توفيرها من خلال دراسة وإدراك الظواهر الطبيعية والتدابير الوقائية في حالة الكوارث الطبيعية ذات الطبيعة المختلفة.  وإن هذه الأنواع من سلامة الحياة منذ ولادة الإنسان والحضارة هي التي كانت ولا تزال في مركز اهتمام الناس وإن العديد منها يتطابق تماماً مع الفئة العامة للأمن في توفير هذه الأنواع من سلامة الحياة هو مجال النشاط النظري والعملي لعدد من العلوم والمعاهد الخاصة للمجتمع والدولة، وإن الجوهر البيولوجي للإنسان له طبيعة مشروطة اجتماعيا وبالتالي فإن سلامة الإنسان ككيان اجتماعي ومجتمع بشري له أهمية خاصة ولذلك ينبغي التأكيد على أنه مع تطور البشرية وهيكل ونظام الدولة تحول نهج الأمن بشكل مستمر من فهمه كظاهرة فيزيائية إلى فئة اجتماعية لذا فإن الدور الرئيسي لتحديد ووضع النظام ينتمي إلى الأمن القومي أو أمن الأمة. والأمن القومي أو أمن الأمة هو حماية المصالح الحيوية للفرد والمجتمع والدولة في مختلف مجالات الحياة من التهديدات الداخلية والخارجية وضمان التطور التدريجي المستدام للبلاد والقدرة على حفظ الطبيعة والإنسان والمجتمع من اليقين النوعي والقدرة على أداء وظائفه تحت تأثير العوامل السلبي وهذا لأن الأمن واحد وغير قابل للتجزئة وأن مركز جميع أنواع الأمن هو الإنسان لأنه هو الذي يعاني في المقام الأول من أي نوع من التهديدات غير انه وفي الوقت ذاته فيتم توليد هذه التهديدات في الغالب من قبل الإنسان ذاته ولذلك فإن الإنسان هو الأكثر عزلة والأكثر خطورة على نفسه وعلى المجتمع والبيئة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

نبيل عبدالامير الربيعيما فعل الحصار الاقتصادي على أبناء الشعب العراقي الكرام من ويلات وعوز وفاقة وتضييق لم يسبق له مثيل خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، والسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، لا اظن شعباً على مرّ التاريخ ذاق مرارة العيش كما ذاقها شعبنا الصابر المكلوم، وكأننا مررنا بسنوات المجاعة والقحط.

حتى عام 1995 كنت اسمع بين الحين والحين أخباراً سارة تنبئ عن قرب انفراج الأزمة القائمة بين العراق وبين الأمم المتحدة، بشأن اطلاق بيع كميات محدودة من النفط والسماح بتصديره نتيجة المعاناة والكوارث الاقتصادية والنفسية التي أصابت شعبنا، وحرمان الإنسان من ابسط حقوقه في الحصول على الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة الضرورية، والتمتع بثرواته مثل بقية الشعوب، إلى أن سمحت الأمم المتحدة أخيراً بعد مخاض عسير واصدرت قراراً بالسماح ببيع كميات محدودة جداً من النفط مقابل شراء الغذاء والدواء والمواد الاساسية (برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء)، لكن الحصار ظلَّ سارياً وبقي يضيق الخناق برقاب شعبنا الموجوع الذي وقع بين مطرقة الحصار وسندان الدكتاتورية، التي حكمت العراق بالحديد والنار، كان حصار السلطة على العراقيين كبير وقاسي جداً، منها منع صناعة المعجنات بسبب عدم توفر الدقيق الابيض لأصحاب المخابز والأفران، من صنع الكيك والمعجنات والحلويات والاقتصار على الخبز لشحة الدقيق والسكر، كانت اكواب الشاي المخلوط بنشارة الخشب المصطبغة هي مما توفره وزارة التجارة العراقية وفق توزيع البطاقة التموينية على العراقيين.

كانت عملية شراء الكتب النفيسة والنادرة ليست بالأمر الهين والسهل وقتذاك، حيث كان البعض يتم تهريبها إلى الدول المجاورة لأجل بيعها بأضعاف سعرها من نفائس الكتب والمجلدات بسبب مافيات الثقافة التي افرغت الشارع من كل ما هو مطلوب، ولم تسلم حتى المخطوطات الهامة غير المحققة من عمليات التهريب المنظم.

لكن ظهرت شريحة من الناس تقوم باستنساخ الكتب المهربة للعراق الممنوعة من التداول لتلبية رغبات القراء، مقابل ثمن يزيد أو ينقص وفق اهمية الكتاب وقيمته الفنية، لكن السلطة كانت تنشر عناصرها الأمنية في كل مكان حتى قبالة المكتبات وارصفة بيع الكتب في المدن ومنها مدينة الديوانية، كانت الأيادي تتلقف الكتاب بشكل سري ويقبلون عليه اقبال الوحش الجائع أمام فريسته، العراق في حلكة الحصار كان مهرّب الكتاب ومستنسخه ومقروءة، والمكتبات كانت لا تحوي إلا الكتاب الغث والهزيل من مطبوعات وزارة الثقافة العراقية.

والوضع المزري لمثقفينا كان للأسف الشديد، إن بعضهم قد جندته دوائر المخابرات وما اكثرها، وقد عملوا كمخبرين مهمتهم تدبير المكائد، ولم تسلم حتى الجلسات العائلية الخاصة من هذه العناصر، التي كنا نظن انهم من اخلص الزملاء، لكنهم كانوا يتمتعون بعذابات الآخرين وآلامهم.

كانت صور التنكيل ضد الأدباء والمثقفين العاملين في مستوى الإعلام تتخذ اشكالاً عديدة، منها الطرد من الوظيفة وزجهم في السجون والمعتقلات حتى وصل الأمر إلى قطع الحصة التموينية عليهم والتي كانت المصدر الرئيس الذي تعتاش عليه الأسرة العراقية، مثل فضلَّ بعض الأدباء والصحفيين والشعراء اعتزال الكتابة نهائياً، وامتهنوا اعمالاً أقل ما يقال منها غير لائقة به منها بيع كؤوس الشاي في كشك أو بيع الخردوات أو لعب الاطفال مقابل ثمن بخس ليعتاش عليه، كان من الصعب أن اشاهد أديب قد جرَّ عربة ثقيلة منادياً على بضاعة الملأى بأطياف الخزف والأكواب وملاعق الطعام، أو عرض وجبته من الحصة التموينية من زيت وشاي ورز ودقيق، اكتب هذا ليعرف عراقيو الخارج كيف كان عراقيو الداخل يعتاشون في ظل نظام الدكتاتور.

كان الدكتاتور في ظل الحصار يستقبل الكتّاب العرب والفنانين استقبال الأبطال ليمطر العراقيين بتصريحاته النارية وقبل أن يحترم هذا الفنان أو الأديب العربي حقائبه الملأى بالهدايا والأوراق الخضر مقابل تصريحاته المدوية لكسر سلاسل الحصار والصلدة التي حزّت رقاب العراقيين.

أثناء حقبة الحصار ظهرت اشكالاً غرائبية من الأدباء فتجد مقالاتهم غاية في الرثاثة والضعف الفني من صغار الأدباء الذين بدأوا يظهرون كالفقاعات في الزبد، لكن سرعان ما تنفجر وتخبوا هذه الفقاعات وليمحى أثرها . كانوا يمجدون القائد الضرورة بشكل يصل حدّ التأليه الهدف منه الحصول على رضا القيادة والمطامع المادية، وغالباً ما يشعروا بالصدمة بسبب كلمة (العفيّة) التي يقول القائد لصغارة.

كانت الصحافة في عهد الحصار موصدة تماماً أمام القوى غير البعثية سواء من الماركسيين أو التيارات الإسلامية غير المنضوية تحت راية الحزب الحاكم، أما الثقافة فكان همها الأساس تمجيد النظام وعيد ميلاد القائد، لكن البعض من الأدباء ذو الحظوظ غير العاثرة غادر العراق للعيش في المهجر خلاصاً من ضغوطات السلطة التي لا تطاق، ومن كانت حظوظه خائبة فقد فضلّ الانكفاء والبعد عن أي نشاط ثقافي، حتى اصبحت الثقافة في عهود الحصار مرعى للدمن والبعر تسرح فيها النعاج والخراف لحماية كلاب السلطة وهم يتحينون المناسبات لحلول يوم الزحف العظيم والبيعة الكبرى وتاريخ ميلاد القائد عسى أن ينالهم شيء من الفتات... حتى ملئت الثقافة بالحنظل المرّ والعلقم اللاذع والطحالب السامة . لكن البعض من المثقفين الحقيقيين ممن عركتهم التجارب وخبرته الحياة بقيت شجاعة ووفية لمبادئها رغم حجب نتاجاتهم.

جميعنا يعرف ومن عايش فترة الحصار أن مسرحنا العراقي الأصيل قيد شيّع إلى مثواه الأخير، وإن صقوره ونسوره من الممثلين البارعين قد اعتكفوا في بيوتهم واعتزلوا التمثيل، ولم يبق منهم أحد ولا يوجد سوى بغاث الممثلين وصغارهم يلعبون ادواراً هزيلة في مسارح مؤجرة تغلب عليها طابع الكوميديا الهابطة والاسفاف المبتذل والهدف منها لكسب المال والضحك على الذقون وتسخير بعض الراقصات الغجريات لأثارة الغرائز لدى المشاهدين . كان هذا النوع من المسرح الهزيل فقد بقي يعرض مسرحياته البائسة بمباركة السلطة والقائمين على الثقافة لأجل اشاعة الثقافة الرثة وغسل ادمغة الناس من كل ما هو رائق.

أما مهرجانات المربد وأبي تمّام فكانت مهرجانات تنظمها وزارة الثقافة بظروف استثنائية لضعف الامكانيات المادية، والمدعوون لها فإن معظمهم من أدباء الداخل من العراقيين الذين بقوا في بلدهم صاغرين أو مستضعفين لا حول ولا قوّة ما عدا قلة قليلة من الأدباء العرب وبعض الأجانب.

لكن الألسن هللت عندما صدرت رواية (زبيبة والملك) المنسوبة لصدام حسين والتي أشير إليها في غلافها الرئيسي عبارة (رواية لكاتبها)، كما رحب المقربون للنظام من الأدباء لها وصفقت لها الأكف ترحيباً واستحساناً، حتى قارن احدهم هذه الرواية بملحمة كلكامش واعتبرها توازي تلك الملحمة في القدرات الفنية الهائلة التي تمتلكها، حتى تم ترجمتها إلى اللغة الفرنسية عام 2000م من قبل (جيل مونيه) أمين عام جمعية الصداقة الفرنسية / العراقية، ثم اعطى صدام حسين توجيهاته إلى كتّاب الرواية في العراق لتمجيد الحروب التي خاضها، فقدرت ما يربو عن ثمانين رواية، كتبت بدوافع من السلطة.

تُرى لمَ يفعل الزمن السافل بثقافتنا وادبنا العراقي ويطيح بها؟؟ بعدما كانت انظار المثقف الاجنبي للاطلاع على إرث العراق الموغل في القدم، إذ كانت الحضارة السومرية والآشورية والبابلية والأكدية وغيرها مثار اعجاب العقل الأوروبي وغير الأوربي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

مجدي ابراهيميتوهم كثيرون من الناس أنهم على النقيض من إننا بإزاء طريق مغلق، إذا نحن صرنا نحو التقدم والظفر بمكانة بين الأمم؛ فكيف ينفتح أمامنا هذا الطريق، ونحن في الأصل منغلقون في الباطن، مطموسون في رؤية الوعي الداخلي بذواتنا، فلا نتحرك، فلكأننا لا نريد، ولا تدفعنا هذه "الذوات" إلى الأمام بل هى نفسها العراقيل الحاجبة التي من شأنها أن تعوق تقدمنا وتحجز ظفرنا بالسيادة فيما لو أردناه، تماماً كما أعاقت آباءنا، وحجزت ظفر أجدادنا في العهد القريب.

صحيح أن الطريق إلى التقدَّم (والتقدّم الفكري خاصّة) مرهون بالثورة الروحية الداخلية، تثور في الحق والصدق من أعمق الأعماق؛ لتفتح مغاليق تلك الطلاسم الإنسانية الموجهة نحو غايات ترابية ليس إلا، ليتجاوز الإنسان بمقتضى الثورة فيه مقررات الرؤية السطحية إلى الأمور، إلى العمق الجُّوَانيِّ الغائر الدفين. ولكن من جهة أخرى، لن تقوم لهذه الثورة الروحية قائمة؛ ونحن مسلطون بعضنا على بعض، ناظرون على الدوام إلى ما من شأنه أن يشبع فينا البطون والأبدان، لكأننا خلقنا في هذه الحياة لنهيم فيها هيام السَّوَائم على غير هداية من معنى الوجود والكرامة، وتحقيق القيمة في هذه الحياة.

ومن المحقق عندنا أنه بغير الفضيلة الروحيّة الباقية وتزكية الوعي الإنساني في دخائل الإنسان العربي لن تستقيم طريقة واحدة من طرق الإصلاح الذي نزعم أننا نرجوه محققاً في الداخل؛ وفي الداخل فقط، ونرفضه بالقطع إذا هو جاءنا من الخارج. كيف يقوم الإصلاح -  كائناً ما كانت توجهاته - ونحن ممزقون مشرذمون لا نقوى على فعل الإرادة، ولا على احتمال ما يطرأ عليها من عوارض الهدم والانحلال. إنها آفة الإنسان المتخَلّف في كل مكان: ألَّا يقتدر، وألَّا يعتزم، وألَّا يصمد، وألَّا يتخلق بأخلاق الكرام، ثم يزعم - على البجاحة - أنه من أولئك المتميزين القدراء الأبطال !

للوقوف على مصدر القوة فينا ينبغي علينا إزاء التحديات التي تواجهنا أن ندرك أن القوة لا بد لها من "فكرة" موجهة تسيطر على الأذهان بمقدار ما تسيطر على الضمائر والقلوب. إن القوة الروحية في الحق هى المطلوبة، لأنه قوة الإسلام وحضارة الإسلام. ما في شك أن حضارة الإسلام تركز على أساس روحي غير الأساس الذي ترتكز عليه حضارة الغرب. ولن تكون هناك في الحق قوة غير مطلوبة ما دامت في ذاتها ساعية إلى تحقيق "الحق" الذي لا باطل فيه؛ لأن القوة الخلقية التي ننشدها هى قوة الضمائر والقلوب، وهى قوة العزائم الماضية التي يقرَّ المرء بوجودها وفاعليتها في الدين والحضارة والقيم الإسلامية، ولا يتصور غيابها إلا وينتكص ويتردى إذا هو أراد لنفسه مكانة، ولأمته ريادة بين أمم العالمين.

(وما هو واقع اليوم خيرُ مصداق عملي على تلك السيطرة المادية وغياب تلك القوة الروحية وغياب الأساس الروحي للحضارة الإسلامية؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهو بدوره أول مظهر لحضارة الغرب. وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعياً، فالنضال بين الأمم طبيعيُّ كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف.

ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثراً محتوماً بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي كما يقول الدكتور هيكل في (حياة محمد) . أمَا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيُّ، أمَا والاستعمار لذلك طبيعيُّ أيضاً (بشتى ألوان الاستعمار وبكل أشكاله الجديدة) فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟! إنما السلام في عالم هذا أساس حضارته حُلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سرابٌ كذوب) (أ. هـ).

تلك هى - كما ترى - ثمار الحضارة الغربية على طول تاريخها. وتلك هى ثمار غرسها وسيطرتها على أرجاء هذا العالم الحيران، تقوم على الأساس المادي، وتجعل النظام الاقتصادي أول المظاهر الذي يُحقق للإنسانية الخير والتقدُّم.

ولم تكن حضارة الإسلام تتأسس على هذا الأساس، ولم يكن تصورها يخرج عن حضور القرآن الفاعل فيها، أو يخرج عن حضور تعاليمه الخلقية والروحيُّة المقرّرة لربط الدين بالحضارة لا باتجاه النظر إليه معزولاً عن الفعل والعمل والتأثير، ولا عن المبدأ العقدي الموصول دوماً بتغذية قيم "الوجود الروحي" في الإنسان على التعميم.

من أجل ذلك؛ ينبغي أن تكون "القوة" هى هى الحقيقة بكل سلام نسعى إليه ظاهر أو مطلوب. قالها شاعرنا العربي الممرَّس على فن القول نقداً لسعي العقول العربية سعي التخاذل والنكوص؛ حكمة ما أحرانا اليوم إلى ترديدها وتمثيلها في زمن التخلف والانكسار والانهزامية والعدوان:

خلاصةُ القضية تُوجَزُ في عبارة        لبسْنَا الحَضَارَة والرُّوح جَاهليَّة

أي نعم ! لبسناها قشرة خارجية لم تتغلغل فينا إلى الأعماق: تلك هى الحكمة التي تقرَّرت في وعي الأحداث بالعقول العربية: طبيعتها ومداركها وأصولها الثقافية والمعرفية، واهتماماتها الفكرية والحياتية ونبض الوقائع عليها؛ فهذه الحكمة - مما لا ريب فيه - هى التي تعكس وعي العقل العربي وطريقة تفكيره التي أثبتت الأيام قله نفعها أو بتعبير قدماء الفلاسفة مما ورد عن ابن رشد قلة "نزوعها إلى الصناعة"؛ وعدم جدوى تمثلها إلى القوة والمنعة والعدالة والإنصاف، ولو كان هذا العقل أمتلك بادئ ذي بدء قدرة على الفاعلية النقدية لطريقته في التفكير، ولآثاره في الصناعة التي ينزع إليها بمختلف ألوان النزوع على شتى طرق التحصيل يرومها من وراء العلوم والمباحث والنظريات؛ لكانت رؤيته الآن غير رؤيته في أزمنة مضت وأيام سلفت، ولكنه في الواقع عقل غير معقول الرؤية، يفتقر إلى معقوليَّة النظرة النقدية ومرجعية الإدراك، ويسمح بتداخل الأنماط اللاحقة عليه من مختلف نواحي النظر غير المعقول، لا لشيء إلا لأنه كان تعوَّد منذ البداية؛ مما كان قد لحقه من اختلاط القيمة بالنقيصة والرأي بالهوى، على لا معقولية النظرة المنصفة، تماماً كما تَعَوَّد أن يكون لإدراكه شيءٌ من العبث الذي يثقل كاهل العلماء والمفكرين بإزاحة أستاره من أجل وضوح الرؤية.

وإذا أردنا أن نبتغي "إصلاحاً" عاماً على الحقيقة لا من طريق المجاز، فوق ما نريده من الإصلاح "الفكري" على وجه الخصوص، علينا أن نحدِّد عوائق تقدُّم العقل العربي بدايةً قبل الدخول في مسألة إصلاحه، بمعنى إزالة هذه العوائق قبل غَرْسِ الجديد، أي إزالة ما لا ينبغي، تهيئة واستعداداً لما عَسَاه ينبغي، وذلك لأن كلمة "الإصلاح" كلمة جليلة مُهَابَة لا يقْدِم عليها سوى الأبطال، تعبَ المفكرون في تنظيرها وتوالت معطياتهم فيها عبر تاريخ الوعي العربي تترى من أجل خدمة أوطانهم ومعتقداتهم، ولكي يحفظ التاريخ آثارهم في الفكر والواقع، وفي تنظير الفكرة الإصلاحية، وتقنين مستوى الأداء على ذلك الواقع الذي يأملون تغييره، فيحوّلون زاريا السلب فيه إلى مزايا الإيجاب.

ولعَلَّ أول العوائق التي تعوق العقل العربي عن الرؤية الواضحة هو: ضبابية اللغة التي تكرس ضبابية الفكر من الوهلة الأولى، ثم التعبير عن هذا الفكر بلغة معقدة اصطلاحية جافة منقولة من الغرب لا هى بغربية أعجمية صرفة، ولا هى بعربية فصيحة قُحَّة، لا روح فيها ولا إحساس، لغة مُرَقّعَة أو قرعاء تصيب العقل بالغيبوبة الفكرية، ولا تقدمه قيد أنمله نحو هدف الفاعلية التطبيقية، يستخدمها بعض المثقفين ليُقال عنهم جهابذة متفردين في تخصصاتهم ومطالعاتهم لكتب الغرب واصطلاحات كُتَّابه النّوَابِه!

فلئن أفادت هذه اللغة بعض المتخصصين بين قاعات الدرس، فهى لا تفيد المجموع العريض مِمَّن يُراد لهم أن يفهموا، وأن ينهضوا، وأن يتقدموا، وأن يتحدوا، بل على العكس تصيبهم بالإحباط والتراخي ثم العزوف عن القراءة والتحصيل. هذه اللغة القرعاء تدلُّ من أول وهلة على أن الفكرة التي تريد توصيلها، والرسالة التي تنهض من أجلها هما كذلك فكرة قرعاء، ورسالة قرعاء.

وإذا قطعنا النظر عن الترقيع في التعبير والتفكير عرفنا الفكرة إنْ هى إلا خاطر يخطر، ويتفاوت قوة وضعفاً حين يخطر، فإذا وجد هذا الخاطر مدداً من الألفاظ الدالة على خَطْرَته، صيغ بوضوح نفهم منه دلالة الفكرة في رحم العقل. أما إذا عبَّرتَ عن خواطرك بقلق واضطراب فيما تريد أن تعبِّر عنه من خواطر جاءت أفكارك وكأنها لا تمتُ إلى عالم التفكير بصلة، لكأنك التقطتها التقاطاً من ألسنة الناس وأفواه المتحدثين (كالثقافة الشفاهيّة لا تستند إلى حصيلة فكرية مقرَّرة بآثار التدوين)، غير مشيرة إلى ذات نفسك، ولا هى ماضية حسبما تريد إلى غايتها في باطن النفس كما أردت لها أن تكون؛ لأن قلق التعبير واضطرابه معناه قلق في التفكير واضطراب في تصورات الإدراك الذهني.

ونقطة أخرى نجليها في هذا الصدد وترتبط بقمة العمل الإبداعي، وهى أسبقية الشعور على الفكر؛ إذْ لولا فيض الشعور بحركة الانفعال ما كان هنالك إبداع أصلاً، وعلى الشعور يستند الفكر عندنا، لا العكس؛ فكم ألهمت العواطف والوجدانات كبار الكتاب صوراً ساحرة وألهمت الشعراء تشبيهات بديعة وأخيلة فاتنة خلابة، ربَّما ينتهي التفكير دائماً إلى لغة، هذا صحيح، بل لا سبيل إلى المنطقي والسامي منه بدونها، لكن التفكير نفسه يستند إلى فورة الشعور ودفقة الوجدان، ولا يستند الشعور على الفكر عندنا أبداً، وقديماً قال أفلاطون:" إنَّ التفكير كلامٌ نفسيِّ "، أي شعوري.

وهو ما أصابه الشاعر العربي تعبيراً صادقاً وحكمة جلية ساطعة بقوله:

إنَّ الكَلامَ لفي الفُؤَاد وإنَّما         جُعِلَ اللَّسَان على الفؤاد دَلِيلَاً

كل ما هو في الباطن من حوافز شعورية، هو بمثابة الأصل الأصيل، تقوم عليه عناصر اللغة: وجدان وعاطفة، وفكر ورأي، وبيئة ومجتمع، ومدلولات ودوال.

أي نعم! قلقُ التعبير واضطرابه معناه قلقٌ في التفكير واضطراب لاشك في الإدراك الذهني؛ إذْ مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ، كما يقول الشيخ زرُّوق في "قواعد التصوف"، فلزم ضبط المعاني في النفس (أولاً) ثم ضبط اللسان في الإبانة عنها، والأصل المتكلم في الأول أصلٌ في الثاني؛ فمن هذا الوجه وضع الأئمة لحن العامة، ونبهوا على وجوه الغلط في العبارات. وربما كفِّر وبُدِّع وفسِّق محقق لقصور عبارته عن توصيل مقصده بوجه سليم عن الشَّبَه، وأكثر ما وقع هذا الفن - على حد تعبير الشيخ زَرُّوق- كان للصوفية حتى كثُر الإنكار عليهم أحياء وأمواتاً. وربَّما قُبِلتَ الحقيقة من رجل، ولم تُقبل من الآخر، بل ربما قُبلت من شخص في وقت ورُدَّت عليه من آخر، وذلك لإتحاد لفظها ومعناها.

هذا دليلٌ يعطيه الشيخ زَرُّوق على أن قلق التعبير يحمل مساحة كاشفة عن اضطراب الباطن وتوتره، فيؤدي اضطراب الباطن إلى اضطراب الإدراك وتوتر الإفصاح. وعليه؛ يلزم ضبط المعاني في النفس أولاً، فإذا غَابَ الإلزام ووقع الصوفية في هذا الجانب من غيبة ضبط المعاني؛ فلتجاربهم الروحيّة مع الواحد الحق، وإنها لتجارب يَلزَم عنها التوتر كما يلزم الاضطراب. وإنه ليتحفنا بنص آخر له دلالاته في هذا المساق من حيث ارتباط اللفظ بالمعنى فيقول:" يُعتَبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ؛ فكلِّ طالب اعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فإنه تحصيل المعاني وكل طالب أهمل اللفظ كان المعنى بعيداً عنه، ومن اقتصر على فهم ما يؤديِّه اللفظ من غير تَّعمُّق ولا تتبُّع كان أقرب لإفادته واستفادته، فإنْ أضاف لفهم المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصوله اهتدى للتحقيق؛ إذْ العلوم إنْ لم تَكُنْ منك ومنها، كنت بعيداً عنها. فمنك بلا منها فساد وضلال، ومنها بلا منْكَ مجازفة وتقليد، ومنها ومنك توقف وتحقيق، ولذا قيل: قِفْ حيث وقفوا ثم سِرِّ ..!".

قِيمةُ اللفظ في أصالته ومعناه، وهو مع هذه الأصالة وذاك المعنى يُسَاير في الوقت نفسه عمليَّة التفكير. ومن التفكير العالي والراقي والمستنير ما يحتاج إلى ألفاظ خاصَّة (دالة) كيما تعبَّ فيها دلالات الوعي وأنشطة الفكر، ووهج العناء فيما تمخَّض عنه عقل المفكر وذوق البصير حين فكر كلاهما وأراد التفكير والتعبير.

والأمر الثاني الذي نراه عائقاً من العوائق التي تعوق مسيرة العقل العربي عن الرؤية الواضحة هو غيبة الإدراك للطريق إلى معرفة النفس، ومن ثم غيبة السعي فيه. والطريق إلى معرفة النفس ليس هو الطريق الذي يترائى لكل إنسان ولا لأي إنسان؛ فمعرفة النفس طريق معرفة الرَّب بغير مُنَازَع، ولكنه الطريق الذي يحمده كل إنسان يصلح لمعنى الإنسانية ويحملها حقيقة بغير مجاز واقعة حاضرة في جوفه.

مَنْ مِن الناس يجزم: أن معرفة النفس طريق سهل في جميع الأحوال أو في بعض الأحوال؟ إنه لمن الصعوبة بمكان معرفة الطرق التي نعرف بمقتضاها أنفسنا؛ إذْ أن معرفة النفوس لذواتها تقتضي مشقة "الجهاد"، وليس الجهاد في كل الأحوال بالأمر المتاح؛ لأنه يعدُّ النفس إعداداً لأن تقف وجهاً لوجه أمام رغائبها وشهواتها ورعوناتها وملذاتها، ثم يأمرها أن تتخلى عن ذلك كله أو بعضه؛ عَسَاها بما تفعل، تدرك أنها بلا شك مأمورة من قبيل العقل والإدراك العلوي بأوامر صارمة قلَّ أن تمكنها بالانصياع إلى ما تحب وتهوى من فنون التضليل.

وأحياناً كثيرة تكون النفس مفتونة بكل ما تأتيه من أعمال وأقوال؛ فلا يعز عليها شيء قط مقدار ما يعز عليها ويؤلمها "قانون الاحتجاب". وقانون الاحتجاب هذا لهو أوفر ما يخلص النفس من أدرانها وآفاتها ومن مثالبها وسيئاتها، فهو قانون الإرادة الدامغ وقانون العزيمة، لا تحتاج النفوس في تقويمها أكثر من التشبث بهذا القانون سلاحاً تتخذه ضد عوامل الضعف والخنوع والاستسلام وحيث هى أرادت صادفها قانون الاحتجاب، فحجب عنها الهوى، وأوقفها أمام ذاتها مجردة عن ملابسة الأهواء، وحيث هى نزغت تولاها هذا القانون بالردع والتقويم والاحتجاز.

ولكن الضعف أمضى فتكاً بالنفوس من هذا القانون أحياناً كثيرة، تستمرئ النفس فيه ضعفها وخنوعها ولذائذها، ولا تقوى على فعل شيء من عمل الخيرات، كل ما هنالك أنها تقف خانعة مستسلمة أمام بطش النزوات، وكلما عالجتها بشيء أقرَّت فعل هذا الشيء وهناً في غير احتساب، وسَوَّفت، وماطلت، وأوهمت صاحبها أوهام الخذلان في كافة الأحوال . ومن ها هنا؛ كان الطريق إلى معرفة النفس ومعالجتها العلاج الناجع أمراً بالغ الصعوبة. مَنْ ذا الذي يقتدر في نفسه على مواجهة الحقائق الناصعة ثم لا يدكدك فيه الهوى القدرة على المواجهة؟ ومَنْ ذا الذي يصوم بعض الدهر لا كله عن النوازع والرغائب والمشتهيات، ثم لا يجد في نفسه أعنف آيات التمرد والعصيان؟

إن الحرية الحقيقية هى حرية الروح في إدراك قوتها وسيطرتها على الأبدان؛ فما لم تكن في ذاتك قادراً على التحرر من أوهام النفس وجبروت الهوى فلن تكون حراً؛ فبمقدار حريتك عن الانسياق وراء أوهام النفس، تتحدد فيك المسئولية؛ إذْ معنى كونك حراً إنك مسئول مسئولية كاملة عن كل فعل وكل قول وكل حركة وكل تصريف.

وقديماً قال ابن رشد: "إن قطع الشهوات شرطٌ في صحة النظر"، وليست الشهوات قاصرة على الشهوات الحسية فقط، بل ينضاف إليها الشهوات المعنوية وحظوظ النفس؛ وما أكثرها جناية على بني الإنسان. ومن أجل ذلك؛ صار قهر نوازع النفس يورث بالضرورة صفاء العقل، وعلى صفاء العقل تتحدد المسئولية. والعقول التي لا يتقرر فيها وعي المسئولية هى العقول التي تلبست بأمراض النفوس المستشرية لدى أصحابها، فوقفت أجوافها المسمومة بأمراضها اللعينة إزاء صفاء العقل، فأظلمت رؤيته الواضحة أو التي يُفترض فيها مسبقاً أن تكون واضحة، ثم تلبَّدت غيوم الحقيقة فصارت الغشاوة "جوانيَّة" قبل أن تكون "برَّانيَّة": داخلية قبل أن تكون خارجية، باطنة خفيّة قبل أن تكون ظاهرة جلية، وغابت في هذه الظلمة النفسية الحالكة معالم المصارحة والشفافية بغياب الحريات بصفة عامة، وحرية التعبير ومن قبلها بالطبع حرية التفكير.

وينعكس ذلك كله على تلك الأحوال المتردية في الواقع الفعلي، فترى البلاد العربية تنطبع بطابع الاستبداد والاستعباد والقهر والتسلط، ويسهل بالتالي لانتشار الفساد، وشيوع قنواته المنظمة، ثم عبادة الاستبداد وتضخم الأنانية البغيضة؛ كل قوانين "الغاب" لتصل شعوب المنطقة في النهاية إلى حالة الانهيار والفقر والعوز والتخلف والعدوان ثم والحرمان من أدنى الحقوق كما هى عليه الآن.

هذا الضعف الروحي يقهر العقل العربي لا محالة، وهذا الفقر المعنوي يسلب من الوجود العربي أعز ما يملك، ويجعله فريسة سهلة أمام من يفتك به أو يريد الفتك به، ليكون؛ وهو في قبضة الاحتلال الأجنبي؛ سيادته مفقودة، وكرامته مهدرة، وإهانته متعمدة، وإذلاله واقع أسود ومرير؛ أوَ نَنْسَى ما كانت تفعله القوات الأنجلو - أمريكية مع العراق بداية من تعمد إذلال النساء علناً، والرجال، وبصورة قبيحة كما جرت قبل سنوات في "سجن أبي غريب"، وانتهاءً بتعمد ترويج الإهانة كما ظهرت في قصة الاعتداء الجنسي على الرئيس صدام حسين !

وعلى أيه حال؛ ما كان ممكنا أن يحدث ذلك كله لولا الذي فعلنا نحن بأنفسنا؛ وإنه لمن الوهم العالق في الرؤوس المطموسة بما تمدها شراهة النفوس الطاغية؛ أن يتصور البعض منَّا إن الإصلاح يجيء دائماً مبتعثاً من الداخل في غير وعي من جانبه لمعنى هذه الإشارة ومرماها، إذْ كيف يجيء الإصلاح من الداخل والنفوس في الغالب خربة، والضمائر تلفانة، والأفئدة من جراء تعلقها بالزائل في كل حال، خواء في هواء لا تقوى مطلقاً على النهوض بالعبء الوطني، والعقدي، والفكري، والثقافي؛ وسائر الأعباء المفروضة عليها لا من الخارج، بل من قبل الواجب الخلقي على أقل تقدير.

يتوهم كثير من الناس أن نشدان الإصلاح في جميع مرافق الحياة، لهو الأمر الذي نرمي إليه في مستقبل الأيام الجديد؛ وبخاصة إذا جاء الإصلاح مفروضاً من الخارج، تراهم على صوت رجل واحد يجمعون على أن الإصلاح يبدأ من الداخل.

وهذا صحيح، ولكن لِمَ لَمْ يؤخذ ممحصاً في الاعتبار أن معنى كون الإصلاح إذا هو بدأ من الداخل أن تجيء معه النفوس في مجملها وتفاصيلها على استعداد نقيِّ لتلقيه؛ وإنها لبالفعل صادقة على أهبَّة الإخلاص في السعي فيه؛ وإنه إذا لم تكن في توخي عملية الإصلاح برمتها (أي سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، وخلقياً) على ذلك الاستعداد في الإخلاص، وقعت لا محالة في مفارقات عجيبة تواجه الباطن العميق والبنية الجُوَّانيَّة قبل أن تواجه الظاهر المرئي والقشرة السطحية والغلاف البرَّاني.

عائقان أحدهما ظاهر والآخر باطن، في نفس الوقت يحجزان العقل العربي عن المضيء قدُماً نحو فريضة الإصلاح. الأول: اللغة المتردية والإسفاف فيها، ثم تشجيع الابتذال وتكريم المبتذلين لكي يخربوا العقول ويفسدوا الضمائر تحت اسم "التجديد المختلق"، ثم تمنح لهم الجوائز نظير الفساد والتخريب!

والثاني: وهو الأمر الباطن: وجوب معرفة النفس وتنقية الضمائر لتكون جديرة بتحمل التبعات. لا إصلاح بغير التنبّه المقصود لهذين العاملين، ولا تقدُّم للعقل العربي مطلقاً وهما خاملان لا ينشطان. أبدئوا بالتربية الروحية والعقلية قبل أن تشرعوا في محاربة الفساد من مؤسساتنا المعنية.

لأجل هذا - لا قبل هذا - فلا يتمَّ الإصلاح وعالم الإنسان الداخلي مصاب بلوثة فكرية وروحيَّة، يطفح بالوهم والمرض والاتّسَاخ وسائر ألوان الآفات؛ فتغيير النفوس، من ثمَّ، إذا لم تكن هنالك تربية روحية جادة وفاعلة، يكاد يكون من أمحل المحالات.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كاظم المقداديمشكلات ساخنة في النظام الصحي

يسلط تقرير وزير الصحة والبيئة الأستاذ الدكتور علاء الدين العلوان الموسوم: "الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل"، اَيار 2019، الضوء على العديد من المشكلات الساخنة التي يعاني منها النظام الصحي، نعرضها بإيجاز:

تمويل النظام الصحي

يشير التقرير الى معاناة النظام الصحي في العراق من شحة التمويل وتدني الأولوية الممنوحة للصحة في الموازنة الحكومية. منوهاً الى ان الطريقة التي يتم بها تمويل النظام الصحي لها تداعيات مباشرة على قدرة الأفراد على الوصول الى رعاية صحية جيدة، وان شحة التمويل للخدمات الصحية الأساسية تؤدي الى تعرض المواطنين لمصاعب مالية أو الوقوع في براثن الفقر نتيجة الأنفاق المباشر على الخدمات الصحية التي هم بحاجة ماسة إليها.

وبين التقرير بكل صراحة بأنه على الرغم من ان الدستور يكفل الرعاية الصحية بوصفها حق أساسي لجميع المواطنين، بيد ان التمويل الصحي في العراق شهد تغيرات جوهرية، منتقلآ من نموذج الدولة المرفهة التي يقدم فيها القطاع العام الرعاية الصحية المجانية، الى تأسيس نظام التمويل الذاتي وجباية رسوم مقابل طيف واسع من الخدمات الصحية.

ويؤكد التقرير بان عدم إعتماد الصحة والبيئة أولويات أساسية في برامج الحكومات المتعاقبة أسهم الى حد كبير في التدهور الذي اَل إليه الوضع الصحي في العراق. وأوضح بان إجمالي الموازنة الحكومية للعام 2019 بلغ نحو 133 تريليون دينار، إلا ان التخصيص المقدم لقطاعي الصحة والبيئة مجتمعين يبلغ 6 تريليون فقط، أي بنسبة 4. 5 %، وهي نسبة متدنية مقارنة بمعظم بلدان العالم الأخرى. وكمثال على ذلك فان حصة الأنفاق العام كنسبة من اجمالي الأنتاج المحلي GOP)  لسنة 2015 بلغت أقل من 1 % في العراق، مقارنة بـ 3. 6 % في الأردن و 3. 8 % في لبنان و 4. 1 % في إيران [15]. ويُعدُ الأنفاق الصحي للفرد الواحد في العراق مثال لأدنى في المنطقة، حيث قُدرَ بـ 152 دولار في عام 2015، مقارنة بـ 366 دولار في إيران و 257 دولار في الأردن. وتبين بينات البنك الدولي نفس الحقيقة بالنسبة للإنفاق الصحي من إجمالي الموازنة الحكومية في دول العالم[16].

وبين التقرير بان إهمال القطلع الصحي من قبل الحكومات المتعاقبة، والتمويل المتدني بشكل خاص خلال السنوات الماصية، أدى الى بنية تحتية غير كافية من مستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية التي تفتقر الى الإدامة وقلة الموارد البشرية وسوء توزيعها. ونتج عن ذلك فجوات كبرى في الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية، وأعباء مالية على الطبقة الفقيرة بسبب الرسوم المفروضة على المرضى، وتزايد معدل الأنفاق الشخصي على الصحة. إذ تشير المؤسسات الصحية الدولية الى ان نسبة تزيد على 70 % من تكاليف الرعاية الصحية يتحملها المريض العراقي أو ذووه [17]، مع ان منظمة الصحة العالمية توصي بان لا تزيد هذه النسبة على 30 % لضملن الحماية المالية وتفادي التعرض للفاقة والعوز.

ونبه التقرير الى ان تمويل الصحة في العراق بصورته الحالية لا يمكن ان يستمر إذا أراد العراق ان ينتشل النظام الصحي من تراجعه وإخفاقاته. ومثال على ذلك، ان المبالغ المخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية في الموازنة الحالية، التي تبلغ 1. 5 تريليون دينار، لن تكفي لتغطية الأحتياج الكلي حتى من الأدوية الأساسية، خاصة وان البلد يعاني من أزمة دوائية خانقة، وان جزء من هذه المبالغ سوف يستخدم لأطفاء ديون سابقة للشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية، التي تتجاوز نصف تريليون دينار.

حيال هذا، لخص التقرير الرسائل الرئيسة للتمويل الصحي في العراق بالآتي:

- لا يتماشى إستثمار الحكومة في الصحة والبيئة مع التحديات الهائلة ومتطلبات إصلاح النظام الصحي وإنتشاله من كبوته.

- لا تتفق حصة الصحة من الموازنة الحكومية مع إحتياجات المواطنين والتوجهات العالمية، إذ يعد إنفاق العراق على الصحة من المستويات الأوطأ في العالم.

- هنالك تفاوت كبير وعدم مساواة في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية بسبب المعاناة المالية. وهذا يمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وهو الهدف الذي تسعى دول العالم الى تحقيقه.

- فقر الأنفاق الحكومي على الصحة وغياب الحماية المالية يقودان الى ضعف أداء القطاع الصحي وتدني مستوى الخدمات الصحية.

- إضطرار الطبقات الفقيرة من المجتمع الى الأنفاق على الخدمات الصحية المُكلِفة يؤدي الى تفاقم الفقر، والى نتائج سلبية على التنمية الوطنية.

ودعا التقرير الى ضرورة إلتزام السلطات التشريعية والتنفيذية بإعتماد أولويات وإجراءات فعالة لتحسين أداء نظام التمويل الصحي. مؤكداً ان تعزيز الحماية المالية في الصحة، من خلال تحقيق التغطية الصحية الشاملة، هو الأستراتيجية السليمة لإصلاح النظام الصحي في العراق. ولن يتم ذلك إلا بزيادة الموارد المخصصة للقطاع الصحي.

القوى العاملة الصحية

يؤكد التقرير بان القطاع الصحي يعاني من تحديات عديدة في مجال القوى الصحية العاملة، وأبرزها:

1- نقص أعداد العاملين من الأطباء والملاكات التمريضية، وسوء توزيع هذه الملاكات، وعدم كفاية التدريب، فضلآ عن ظروف عمل غير ملائمة طاردة للكفاءات:

2- إعتماد الرؤية الواضحة والتخطيط الأستراتيجي، إذ تدار القوى العاملة الصحية حالياً بعيداً عن الأساليب الحديثة لإدارة الموارد البشرية، فضلآ عن تأثرها بالضغوطات السياسية والممارسات اللامنهجية. ويفتقر العمل الحالي في هذا المجال الى تخطيط واضح وعدالة في توزيع الموارد البشرية، وهناك حاجة لمستوى أعلى من التنسيق بين النظام الصحي والمؤسسات التعليمية التي تديرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

3- التطبيق غير المدروس للامركزية، إذ أدى نقل صلاحيات القطاع الصحي الى الحكومات المحلية في المحافظات بشكل غير مدروس، الى ممارسات خاطئة، والى مضاعفة الثغرات وسوء التوزيع في إدارة الموارد البشرية، وإعاقة التصدي للمشكلات القائمة. لذلك من الضروري ان يتضمن إصلاح النظام الصحي إعداد برنامج متكامل يستهدف توفير المعايير والمتطلبات الأساية للعمل في المراكز الصحية، وخطة واضحة لإعداد أطباء أسرة لسد الأحتياج، وإجراءات مجدية لتحفيز الأطباء وتشجيعهم للإلتحاق في برامج تدريب طب الأسرة .

البنية التحتية وتقديم الخدمات الصحية

يورد التقرير أعداد المراكز الصحية، بنوعيها الرئيسي والفرعي، حيث يبلغ مجموعها 2765، منها 1336 رئيسية و 1429 فرعية. ويشكل مجموعها الحالي نسبة 7. 2 لكل 100 ألف نسمة.

ويؤكد التقرير النقص الشديد في عدد المراكز الصحية الأولية وفي إمكانياتها، وحاجة العراق الى مضاعفة الأعداد المتوفرة حالياً، حيث تشير بيانات وزارة الصحة الى حاجة العراق الى نحو 3000 مركزاً صحياً أولياً رئيساً.

أما عدد المستشفيات بنوعيها (الخدمات الثانوية والثلاثية) فيبلغ 281 مستشفى، ويشكل مجموعها نسبة 0. 7 لكل 100 ألف نسمة[18]. وهي نسبة قليلة جداً..

ويؤكد التقرير ان البنية التحتية الصحية تعاني من غياب إدامة الأبنية ومرافقها وتطويرها، ومن نقص كبير في توفير الأجهزة والمستلزمات الطبية. وهذا بمجمله يؤدي الى ضعف مستوى وجودة الخدمات التي تقدمها.

الخدمات الصحية للنازحين

يشير التقرير الى وجود أعداد كبيرة جداً من النازحين في المخيمات وداخل المدن العراقية، وخاصة في شمال العراق. وتقدر وزارة الهجرة والمهجرين عدد الأسر النازحة حالياً بأكثر من 708 اَلاف أسرة [19]، في حين تشير المنظمة الدولية للهجرة الى وجود 1. 7 مليون نازح[20]. حيال هذا، قامت وزارة الصحة بإجراء تقييم ميداني للخدمات الصحية التي تقدم للنازحين في شهري تشرين الثاني 2018 واَذار 2019 لتشخيص الأحتياجات الأساسية، مثل النقص في الأدوية التي ينبغي ان تتوفر بشكل أكبر وخاصة لسكان المخيمات.

الخدمات الصحية الوقائية

يتضح من تقييم الوضع الصحي في العراق- يؤكد التقرير- عدم كفاءة أداء عدد من البرامج الصحية الوقائية، وخاصة تلك التي تتصدى للعبء المرضي الرئيسي (الأمراض المعدية، وغير الأنتقالية المزمنة، والمخاطر السلوكية والبيئية). ومثال على ذلك ما أظهره المسح العنقودي متعدد المؤشرات، الذي أجرته وزارة التخطيط ووزارة الصحة ومنظمة اليونيسيف عامي 2011 و 2018، من عدم وجود تحسن في التغطية باللقاحات الأساسية ومكافحة الأمراض المعدية لدى الأطفال، إذ لا تزال هذه التغطية تتراوح بين 60- 70 %، مقارنة بأكثر من 95 % في إيران والأردن. وبذلك لا يحصل ثلث الأطفال في العراق على اللقاحات الأساسية. أما فيما يتعلق بالحصول على جميع اللقاحات، فلا تتجاوز النسبة 50 %، مقارنة باكثر من 80 % في الأردن. وتعود أسباب هذا التراجع الى عدم كفاءة برامج التحصين ضد الأمراض، وقلة مراكز الرعاية الصحية الأولية. ومن الواضح ان برنامج التحصين في العراق يحتاج الى مراجعة شاملة.

الصحة الأنجابية ورعاية الأم والطفل

يقول التقرير بصراحة ان هنالك فجوات مهمة في الخدمات التي تقدمها وزارة الصحة في مجال رعاية الأم والطفل والصحة الأنجابية على المستويات الثالاثة: الأولية والثانوية والثالثية، وتباين كفاءة هذه الخدمات وجودتها بحسب المناطق الجغرافية ونوع مؤسسات الرعاية الصحية. ويتضمن التقرير أشكالاً توضيحية بشأن إنخفاض نسبة الولادات التي تتم على أيد ماهرة، وهي إحدى المؤشرات الأساسية لمثل هذه الخدمات.

ويتناول التقرير وفيات الأطفال التي ما تزال في العراق أعلى من أغلب بلدان المنطقة وبشكل ملحوظ [21].

ويؤكد التقرير، بالإستناد الى البيانات المتوفرة، ان نحو ثلث الأمهات في سن الإنجاب لم تتوافر لهن رعاية صحية كافية في أثناء الحمل[22]. وان أكثر من ثلث مراكز الرعاية الصحية الأولية غير متكامل الوظائف والأمكانيات، وغير قادر على تقديم جميع الخدمات المطلوبة وفق المعايير الدولية. ويتزايد إجراء العمليات القيصرية وتبلغ نسبته حالياً 35 %[23]، مقارنة بالمعايير المقبولة والتي لا تتجاوز الـ 15 %. .

ويشير التقرير الى ان معدل الخصوبة في العراق يُعدُ من أعلى المعدلات في المنطقة، إذ يبلغ 3. 6، فضلآ عن إنخفاض نسبة إستعمال وسائل تنظيم الأسرة الذي يوازي نحو 50 % من الأناث في مرحلة الأعمار الأنجابية[24]. ويقول التقرير أنه تجري حالياً إعداد ورقة عمل لأستراتيجية مُحدثة لتنظيم الأسرة في العراق من قبل وزارة الصحة والبيئة وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى لمناقشتها مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجتمع المدني.

الأدوية والتقنيات الطبية

يؤكد التقرير ان القطاع الصحي العام في العراق ظل يعاني نقصاً مزمناً في عدد كبير من الأدوية الأساسية طيلة العقدين الماضيين، غير ان هذا النقص إشتد منذ عام 2014 ووصل ذروته في عام 2018. ويبلغ عدد المستحضرات المقرة للتداول في العراق نحو 3000 مستحضراً دوائياً، منها 1166 مُقرة للتداول في المؤسسات الصحية الحكومية. وتعتمد وزارة الصحة قائمة للأدوية الأساسية تشمل الأدوية المنقذة للحياة، وتلك المستخدمة لتشخيص وعلاج الحالات الشائعة والمزمنة، فضلآ عن أدوية السرطانات واللقاحات. وتحتوي هذه القائمة على 531 مستحضراً.

ويشير التقرير الى ان المراجعة المفصلة للوضع الدوائي لعام 2018 بينت ان 12 % فقط من ألأدوية الأساسية توفرت بشكل كامل، في حين غاب نصف أدوية هذه القائمة نهائياً طيلة العام 2018. وهذا يعني ان مراجعي المستشفيات والمراكز الصجحية، بما في ذلك المرضى الراقدين فيها، إضطروا لشراء هذه الأدوية من القطاع الخاص وبتكلفة تفوق الأمكانات المادية لكثير منهم.

وتناول التقرير مشكلة أخرى تتعلق بالإستخدام غير الرشيد للأدوية التي تؤثر سلباً في توفير الأدوية الأساسية. فهنالك مؤشرات واضحة على إنتشار هذه الظاهرة في القطاعين العام والخاص، وعدم الألتزام بالضوابط ألأساسية لوصف وصرف الأدوية بشكل عام والأدوية الحساسة، مثل المضادات الحيوية والأدوية المتخصصة، مثل أدوية السرطان والأمراض النادرة، بشكل خاص.

وكشف التقرير بان وزارة الصحة لا تمتلك إمكانيات وخبرات كافية في مجال إقتصاديات الصحة، وهذا ما ينعكس سلباً على كفاءة الوزارة وأدائها في مجال إنتقاء الأدوية والأجهزة الطبية ومستلزماتها، لاسيما فيما يتعلق بتوريد أدوية باهظة الثمن لعلاج أمراض مزمنة شائعة دون ان يكون لها تأثير أكثر إيجابية، مقارنة بأدوية أخرى متداولة، مسببة هدراً في الموارد الشحيحة.

وتناول التقرير الوضع الدوائي في القطاع الخاص، واصفاً إياه بالخطير وغير المنضبط ويبعث على القلق الشديد. وعلى الرغم من عدم توفر بيانات دقيقة فان هناك ما يشير ان نسبة كبيرة جداً قد تصل الى 60-70 % من الأدوية المتداولة في الصيدليات الخاصة والمذاخر قد لا تستوفي متطلبات التداول من حيث عدم إقرارها أو تسجيلها أو إخضاعها لفحوصات الرقابة الدوائية. وما تم تسعيره من قبل وزارة الصحة ونقابة الصيادلة لا يتجاوز نسبة 20 %. وتعود أسباب هذه الفوضى الى دخول الكثير من الأدوية بشكل غير قانوني ودون رقابة في المنافذ الحدودية، والى عدم كفاءة التفتيش والرقابة الصحية في وزارة الصحة، فضلآ عن الإجراءات المعقدة التي كانت تعتمدها الوزارة في تسجيل المستحضرات والشركات ومنح إجازات الأستيراد.

الأستعداد للطوارئ والإستجابة لمتطلبات اللوائح الصحية الدولية

كشف التقرير بان العراق لم يتمكن حتى الآن من تحقيق المتطلبات اللازمة لتطبيق اللوائح الصحية الدولية الخاصة بالوقاية والكشف المبكر عن الأمراض والإستجابة للمخاطر الصحية والأوبئة التي يجب ان تلتزم بها كل دول العالم. ولم تكن هنالك جهود تذكر من أجل تعزيز القدرة الوطنية للإستجابة لهذه المتطلبات. وتتركز مواطن الضعف في الكثير من المجالات، مثل قدرة المختبرات الوطنية وإمكانياتها، والسيطرة على العدوى، ورصد المخاطر الصحية، بما في ذلك الكيمياوية والإشعاعية والبيولوجية، وضعف السيطرة على المنافذ الحدودية، كالمطارات والموانئ ونقاط التبادل التجاري البري، والسيطرة على الأمراض حيوانية المنشأ، وسلامة الغذاء.

وفي هذا المجال تناول التقرير خدمات نقل الدم وتقويتها، معتبراً تعزيزها من أهم مجالات العمل الوقائية من إنتشار بعض الأمراض المعدية الخطيرة، مثل إلتهاب الكبد الوبائي ومتلازمة نقص المناعة المكتسب (الأيدز). وقد تبين من زيارة مراكز نقل الدم قصور خطير في أوجه عديدة من عملها.

وتناول التقرير السلامة الغذائية وضرورة ان تكون هنالك خطة أستراتيجية وطنية وخطة عمل متكاملة للسلامة الغذائية في العراق، تعدها وتنفذها القطاعات المعنية، وفي مقدمتها الصحة والزراعة.

نظام المعلومات الصحية

أولى التقرير أهمية خاصة لنظام المعلومات الصحية، الذي يتصف بالكثير من نقاط الضعف في المكونات الثلاثة الرئيسية له، وهي:

* رصد المخاطر الصحية ومحددات الصحة.

* مراقبة الوضع الصحي بما في ذلك المراضة وأسباب الوفيات.

*  تقييم أداء النظام الصحي وقدراته.

وأشار التقرير الى أجراء تقييم منهجي شامل لمكونات نظام المعلومات الصحية، في كانون الثاني 2019، شارك فيه عدد من الخبراء الدوليين، وكشف وجود ثغرات مهمة وعدم إمكانية وزارة الصحة حالياً إعداد بيانات معتمدة لعدد كبير من المؤشرات الصحية الأساسية، وان البيانات والمعلومات التي يتم جمعها لا تستخدم بشكل منتظم في رسم السياسات الصحية وفي إتخاذ القرارات اللازمة. ولا تتوفر حالياً خطة واضحة لتقييم أستراتيجية القطاع الصحي ومتابعته، ولا يوجد برنامج فعال للأنظمة الصحية الألكترونية وتقنية المعلومات الصحية. كما تعاني الوزارة من ندرة الخبرات في إختصاصات متعددة، أهمها الوبائيات والإحصاء الصحي.

أما في مجال التسجيل المدني والإحصاءات الحياتية، فقد أظهر التقييم الشامل السالف ان هناك ثغرات مهمة في بعض الجوانب، وخاصة في مجال التسجيل الدقيق لأسباب الوفيات، إذ تبقى نسبة كبيرة من الوفيات دون تسجيل سبب واضح.

- يتبع -

 في القسم الثالث والأخير سنستعرض أولويات العمل التي وضعها الوزير، والتقدم الذي أحرزته إدارته، وخارطة الطريق نحو التغطية الصحية الشاملة، والتوجهات الأستراتيجية لإصلاح النظام الصحي في العراق. .

 

د. كاظم المقدادي أكاديمي عراقي مقيم في السويد

ستوكهولم، 14/8/2019

..........................

الهوامش

15-WHO, Strengthening Health financing systems in the Eastern Mediterranean Region, Health Financing Atlas, 2018

16-World Bank, World Development Indicators, 2015.

17-WHO, Strengthening Health financing systems in the Eastern Mediterranean Region, Health Financing Atlas, 2018

18-وزارة الصحة، قسم الإحصاء الصحي والحياتي، 2015.

19-تقرير أعدته وزارة الهجرة والمهجرين بتأريخ 24 / 3/ 2019.

20-المنظمة الدولية للهجرة، بعثة العراق بتأريخ 28/2/ 2019.

-21WHO,Health Statistics, 2018:

-22Ministry of Health, UNFPA and UNICEF, Iraq Emergency Obstetric and Neanatal Care Needs Assessment, 2014.

23-وزارة الصحة، التقرير الإحصائي السنوي، 2017.

24-الجهاز المركزي للإحصاء، المسح العنقودي المتعدد المؤشرات، 2018.

 

في الاستشراق يتحدث سعيد عن نقطة واحدة فقط، أنه على الغرب أن يفهمنا بشكل صحيح وأن يتعاطف معنا بشكل إنساني .. لا يتحدث سعيد عنا أبدا، إلا طبعا كبشر نساوي سادة العالم في الغرب، دون أن يحتاج ليقدم أية حجة أو مبرر عن كل فرضياته تلك ولا حتى ليحتاج إلى القول بأن البشر هم سواء فعلا .. لكن، بالفعل، لماذا على الغرب أن يكون موضوعيا معنا بالذات، لماذا على الغرب أن يفهم الإسلام ويدرسه دراسة وفهما موضوعيين ويتيح المنابر فقط لأولئك الذين يعرفونه كما نريد نحن لهم أن يعرفوه لا لمن يتحدث باسم مصالحهم أو الذين قد يكرهوننا أو يحتقروننا، لماذا على البشر أن يكونوا موضوعيين تجاه بعضهم، بل تجاه أغراب عنهم.. هل نحن، أو سعيد نفسه، موضوعيون تجاه الغرب أو تجاه كل البشر على هذه الأرض، تجاه الزنوج أنفسهم أو تجاه زنوجنا نحن: الأكراد والأمازيغ والأقباط، أو تجاه هنودنا الحمر: الأرمن والآشوريون، البنغال والهندوس بالنسبة لإخوتنا في باكستان وأهل تيمور الشرقية بالنسبة لإخوتنا الإندونيسيين، هذا ما لا يحتاج سعيد ولا أيا منا للإجابة عنه أو للالتزام به، إنه ونحن معه لا ننطق ولو بحرف عن أية موضوعية نفرضها على أنفسنا لا تجاه الغرب ولا تجاه أي بشر آخرين.. مثلا عندما يطالب إخوتنا الفلسطينيين يهوديا أو أمريكيا أن يعترض على جرائم دولته أو جماعته (قبيلته، عشيرته، قطيعه) بحقهم هم يفترض أن يعني هذا أنهم هم أيضا سيعترضون على مثل ذلك إذا صدر عن واحد من قبيلتهم، جماعتهم، عشيرتهم بحق شعب أو جماعة أخرى .. عندما تسمع إخوتنا الفلسطينيين يهيء لك أنهم بمجرد أن يسمعوا عن احتلال جماعة من الغرباء لأرض ليست لهم وطردهم لأصحابها الأصليين فإنهم سينضمون فورا للدفاع عن هذه الأرض وعن أصحابها .. حقا، ترى ماذا قالوا يومها عن حلبجة، الأنفال، عفرين، حماة، النجف، كربلاء، تيمور الشرقية، جرائم الباكستانيين بحق البنغال .. عندما يلوم أحرار السنة في سوريا آدونيس مثلا على عدم وقوفه ضد طائفته العلوية وجرائمها ضد أهلهم السنة فهذا يفترض أن يعني أنهم هم أيضا مستعدون للاعتراض عن جرائم إخوتهم في عفرين والساحل وعدرا وعن التهجير القسري في ادلب ورقة داعش .. للأسف نحن لا نكذب على الآخرين بقدر ما نكذب على أنفسنا، نحن في الواقع عراة أمام الآخرين كما أمام أنفسنا بالطبع، إن كلامنا مثير للسخرية أكثر مما هو مثير للشفقة، وعجزنا وعرينا مكشوفين أمام العالم، النخبة الليبرالية وحدها تستمع لنا وتصدق بعض ما نقول وتبتلع الباقي خوفا من تقدم أولئك الذين يزداد كرههم لنا يوما بعد يوم .. لم يناقش سعيد أبدا الفرضيات التي بنى عليها كتابه، التي هي في الواقع مقدمات غربية، غريبة عنا، جزء مما نرفضه ونسعى إلى تجريمه وتحريمه والقضاء عليه إن استطعنا إلى ذلك سبيلا .. إننا نحقد على الغرب ونحسده في نفس الوقت لأننا لا نستطيع أن نصير مثله، إننا ننفث الكراهية في كل دقيقة ضد سادتنا وعبيدنا في نفس الوقت، لا أعرف إلى أية درجة نحلم بإبادتهم جميعا لكن هذه الفانتازيا قد وجدت في إهلاسات محمد وتلامذته منذ زمن ويرددها أكثرنا كل يوم جمعة وآخرون كل دقيقة تقريبا ونجترها بأشكال مختلفة إسلاميين وليبراليين وقوميين وماركسيين، إن قصائدنا في الحقد والكره ليست فقط قمة في البلاغة بل أيضا قمة في الانحطاط، كنا قد حملنا معنا طويلا حلم الأبوكاليبوس وهرمجدون وذبح العجل المقدس وتعذيب كل خصومنا إلى الأبد دون أية رحمة أما اليوم فقد أصبحنا أنبياء هرمجدون الكبرى، الأبوكاليبوس، ليس فقط بسبب كآبة محمد أو عجز ابن تيمية الجنسي، بل لأننا أمام مهمة انتحارية في الواقع لا حل لها إلا بموت جماعي … لكن كي لا أفهم خطأ فإني لا أنتقد أحدا هنا ولا أرغب في تغيير أي شيء في هذا العالم أو أن أعيش في عالم آخر أو في زمان آخر ولا أتألم من كل هذا الهراء عن كراهية الآخر الممتزج بمازوخية الضحايا ولا من مشاهد الرؤوس المقطوعة أو الأشلاء المحترقة ولا هستيريا القطيع أو عربدة القتلة .. إن بارانويا الضحية وجنون كراهية الآخر وتكفير الإنسان وانتهاكه حتى ذبحه وسحله هي كالموسيقا العذبة على أذني، يا لها من فرجة بل يا لها من متعة، يا له من حظ استثنائي أن تشاهد كل ذلك، حتى أفخم استدويوهات هوليود أو ما كان قد يكون لم تكن لتنتج فيلم رعب رائع عن نهاية العالم كهذا .. يشعرني غثاء القطيع وعواء كلاب الرعاة بالنشوة وصرخات القتلة والقتلى الحقيقية أو المتخيلة تبعث في نفسي الفخر وسرورا لا يوصف، بل إنه الشيء الوحيد الذي يبعث على المتعة في هذا العالم بعد أن فقدنا كل أحلامنا أو أوهامنا ووقفنا عراة أمام أنفسنا ونحن في قمة فهمنا لحقيقة تفاهتنا وتفاهة أحلامنا وتفاهة وجودنا في هذا العالم، لا أجمل من هذا المنظر ومن هذا الشعور، أنكم تسيرون مباشرة إلى هناك، حيث ينتظرنا عدم لا نهاية له، المجد للجنون، المجد للهستيريا، المجد للموت وتقطيع الأوصال، المجد للقتلة الذين لا يرحمون طفلا ولا شيخا ولا امرأة، إنها ليست قيامة جديدة للبرابرة، إنها ليست عاصفة جديدة من الدماء والأشلاء والصرخات المرعبة وصهيل خيول الغزاة التي تجتاح العالم، بل إنه على ما يبدو مشهد النهاية، وما يهم إذا كانت النتيجة هي الموت أن يكون القتلة وضحاياهم واعين بما يفعلونه أم لا، فغدا سيحصلون على حورياتهم وعلى لبنهم وعسلهم في قلب العدم، غدا سيمجد العدم وحده كل ما قدسه البشر، وهذه هي القداسة الحقيقية في هذا العالم الساخر حتى الثمالة، قداسة القبور التي طواها النسيان .. لن أنسى ما حييت ذاك اليوم في سورياهم الحرة، عندما تحدث مقاتلون أمامي عن كيف كانوا يعصبون أعين أسرى جنود النظام ويقولون لهم أنهم أمام حاجز لجيشهم الأسدي، فيركض هؤلاء تحت التهديد بإطلاق الرصاص ووسط ضحكات هستيرية طالما حاولت تخيلها، ليسقطوا في واد سحيق .. من يومها أدركت أننا جميعا نركض إلى هناك، أنها طريقتنا الوحيدة في القفز عاليا والطيران في الهواء .. هيا أيها الأبطال، إذا كان علينا أن نموت فلنأخذ معنا العالم ..

 

مازن كم الماز

 

1075 النعمانيظهر تعبيرُ "علم الكلام الجديد" للمرّة الأولى عنوانًا لكتاب ألفه شبلي النعماني (1857 – 1914)[1]، الذي كان من مؤسّسي ندوة العلماء بلكنو سنة 1893، وهي مؤسّسةٌ دينيةٌ تهتمّ بالتعليم الديني التقليدي، وتعارضُ دراسةَ العلوم الحديثة، خلافًا لجامعة عليكرة التي أسَّسها أحمد خان سنة 1875. وكان شبلي النعماني يتحدّث العربيةَ والفارسيةَ والأرديةَ والتركيةَ والهندية.

ولا يمكن الجزمُ بأن النعماني أولُ من نحت مصطلح "علم الكلام الجديد" الذي أضحى عنوانًا للاتجاه الحديث في إعادة بناء علم الكلام، لكنه كان أولَ مؤلِّفٍ يؤلّف كتابًا تحت هذا العنوان. فقد ألّف شبلي النعماني كتابًا في علم الكلام أملاه على أحد تلامذته وهو على سرير المرض، فرغ منه في 18 مارس 1902، ونُشر في الهند في مارس 1903. وكان هذا الكتابُ الجزءَ الأول، ثم تلاه تأليفُه للجزء الثاني الذي خصّصه لـ "علم الكلام الجديد"، وفرغ منه سنة 1903، ونشره في الهند أيضًا سنة 1904[2]. في الجزء الثاني من كتابه هذا يتحدّث النعماني عن مجال علم الكلام الجديد فيقول: "لقد كان علم الكلام القديم منصبًا فقط على بحث العقائد الإسلامية، لأن المخالفين للإسلام في ذلك العهد كانت اعتراضاتُهم تتعلق بالعقائد، ولكنه في الوقت الحاضر يبحث في الجوانب التاريخية والحضارية والأخلاقية للدين. إن عقائد أيّ دين عند الأوروبيين لا تكون جديرة بالاعتراض إلى هذا الحد، ما لم تكن هذه المسائل قانونية وأخلاقية.  وفي رأيهم إن إباحة تعدد الزوجات والطلاق، والرق، والجهاد، في أي دين لهو أكبر دليل على بطلان هذا الدين، بناء على هذا سيتم بحث هذا النوع من المسائل في علم الكلام، وهذا الجزء بالكامل من علم الكلام الجديد. أهمّ الأشياء الضرورية في هذا الصدد أن تقدّم مثل هذه الدلائل والبراهين بأسلوب بسيط وواضح، تستوعبه الأفهام بسرعة، ويستقر في القلب، فقد كان يستخدم في المنهج القديم مقدمات معقدة ومتشابكة، ومصطلحات منطقية، وأفكارًا دقيقة وحساسة جدًا، فكان المخالف يصمت بعد أن يصاب بالرهبة، ولكن لا يوقر في قلبه حالة من الوجدان والإيمان. المهم أنه يجب مراعاة تلك الأمور المذكورة عند تأليف علم الكلام الجديد"[3]. أدرج النعماني في هذا الكتاب مسائلَ جديدة مثل: الدين والعلوم الحديثة، حقوق الإنسان، مسألة الانتحار، حقوق المرأة، الإرث، والحقوق العامة للشعب، بموازاة مباحث: وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات، كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا. لكننا لم نعثر له على رأي في الوحي خارج سياق الكلام القديم، ولم نجده في مسائل الاعتقاد الأخرى يفكر في فضاء العقلانية الحديثة، ولم يعالجها من منظور مختلف عن المنظور التقليدي، ولم يطل على أفق جديد في تدوينها. وهذا يعني أن علمَ الكلام الجديد في مفهوم النعماني يعني استيعابَ مسائل جديدة تضاف إلى مسائله القديمة، والتحدّثَ بلغة أكثر وضوحًا وأقل التباسًا، والبحثَ عن أدلّة جديدة في مناقشة ما يُثار من إشكالات واستفهامات.

تظل وظيفةُ الكلام الجديد في مفهوم النعماني دفاعية، إذ يمكث علمُ الكلام في مقولات متكلّمي الفرق القديمة، يشرحها ويعزّز أدلتَها بأدلة جديدة، من دون أن يعيد النظرَ في مضمونها، ويتعرّف قدرتَها على الاستجابةِ والوفاءِ ببناءِ رؤية توحيدية تواكب إيقاعَ حياة المسلم، ومتطلباتِ العقل والروح والقلب في عالم نسيجيّ متشابك مركّب، وتحريرِ صورة الله مما تراكم عليها من غبار التاريخ، ولوّثها من دماء الحروب، وشوّهها من أزمنة الاستبداد.

لم نعثر في كتاب النعماني على نقضٍ أو إعادةِ تفسير لـ "مقولات الإسلاميين واختلاف المصلين"[4]، أو غيرِه من كتب المتكلّمين المعروفين، ولم يتعامل معها بوصفها اجتهاداتٍ قالها بشر، ترتسم فيها ملامحُ ثقافتهم، ودرجةُ تطوّر العلوم والمعارف في عصرهم، ولم يناقشها كاجتهاداتٍ بشريةً قابلةً للصواب والخطأ. أما ما اقترحه النعماني من أمثلة جديدة يضيفها إلى علم الكلام فإنها تنتمي للمدونة الحقوقية والقانونية، وتتصل بالشريعة أكثر من اتصالها بالعقيدة. وكأنه يحسب علم الكلام الجديد مجرد إستيعاب مسائل مُستحدَثة، وإن كانت لا تعود لعلم الكلام.

ولا نقرأ في آثار شبلي النعماني أو نجد في محطات حياته ما يشي بخروجه على مسلمات الكلام القديم في تفكيره، ولا نرى محاولةً لبناء رؤية جديدة لله والعالم في كتابه "علم الكلام الجديد"، أو فهمًا جديدًا للوحي والنبوة، أو مسعىً لتوظيف المكاسب الحديثة للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم الدين وتفسير نصوصه.

لا شيء يشبه علمَ الكلام الجديد في تفكير النعماني وآرائه، كلُّ شيء يشبه الكلامَ القديم. شبلي النعماني يستأنف القديمَ بلغة أكثر وضوحًا واختزالًا للاستطرادات والتفاصيل المملة، وحتى العناوين الجديدة التي أدرجها في كتابه هذا لا نرى في حديثه عنها ما يشير إلى معالجة تخرج من جلباب الآباء، وتنزع لبناء نهجٍ جديد في التفكير الديني، كما نجده في آثار سلفه أحمد خان، أو خلفه محمد إقبال. ونخلص من ذلك إلى أن شبلي النعماني شارحٌ جديدٌ لعلم الكلام القديم. وذلك ما يدعونا للظنّ بأن النعماني اصطاد مصطلحَ "علم الكلام الجديد" من أحمد خان، غير أنه لم يشأ أن يخبرنا عن مصدر تلقيه. آثارُ أحمد خان هي الوحيدةُ التي خرجت على التراث الكلامي قبل النعماني، وبعضُ ما جاء فيها يشبه علمَ الكلام الجديد، إذ بحثت قضايا محورية في علم الكلام بطريقة تخرج على تقليد المتكلمين، وقدّمتْ فهمًا مختلفًا عن فهم المتكلمين. ونعترف بأن المراجعَ تنقصنا للوثوق بأول من ابتكر تسميةَ علم الكلام الجديد. وإن كنا نعدّ المفهومَ الجديدَ للوحي الذي يقول به أحمد خان وغيرُه من أهمّ القضايا التي يمكننا على وفقها أن نصنّف آثارَ مفكرٍ بأنها كلامٌ جديد. شبلي النعماني متكلم تقليدي وضع عنوانًا جديدًا لمضمونٍ قديم.

وفي سنة 1922 أصدر اسماعيل حقي الإزميرلي  "1869 – 1946" كتابًا بعنوان "علم الكلام الجديد" باللغة العثمانية[5]، وطُبِع هذا الكتاب في الآستانة "اسطنبول"[6]، لكن هذا الكتاب لم يُترجَم إلى العربية أو غيرها من اللغات حتى اليوم، ولم يُعرَف عن مؤلفه أنه من رواد التجديد، لذا يمكننا القول ان مفهوم الكلام الجديد لديه لا يتجاوز الدعوة للانفتاح على الأسئلة التي فرضها الواقعُ الجديد على عقيدة المسلم وشريعته في العصر الحديث، وهو ما كان يدعو إليه شبلي النعماني قبله في كتابه. ولو كان كتابُ اسماعيل حقي يتضمنُ رؤيةً للتوحيد واجتهادًا في فهم الوحي خارج آفاق مقولات المتكلمين الموروثة، لذاعت رؤاه واشتهرت بين المهتمين بدراسة الاتجاهات الفكرية الجديدة في عالَم الإسلام غربًا وشرقًا، كما اشتهرت رؤى رواد التجديد غيره.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

..................................

[1] نقله إلى الفارسية: محمد تقي فخر داعي كيلاني، وطبعه في طهران سنة 1329ش/1950م بالعنوان نفسه. ونقله إلى العربية: جلال السعيد الحفناوي، ونشر في القاهرة سنة 2012.

[2] مقدمة جلال السعيد الحفناوي لكتاب النعماني، الذي ترجمه ونشره بجزئيه في القاهرة سنة 2012، ص 8-10.

[3] المصدر السابق، ص 181-182.

[4] عنوان لأشهر كتاب للعقيدة الأشعرية المنسوبة إلى مؤلفه أبي الحسن الأشعري المتوفى 324 هـ.

[5] جاء عنوان الكتاب بالعثمانية: "يني علم كلام"، ويني بمعنى جديد.

[6] راجع ترجمة اسماعيل حقي الإزميرلي في: انسكلوبيديا الإسلام التركية، المنشورة على الرابط التالي:

https://islamansiklopedisi.org.tr/izmirli-ismail-hakki

منى زيتونيُعتبر الوجه أكثر أعضاء الجسم قدرة على التعبير غير اللفظي، وتعبيرات الوجهFacial expressions هي ثاني أكبر مصدر للمعلومات بعد الكلام. ومن أكثر ما يميز تعبيرات الوجه قدرتها على إظهار الانفعالات بأنواعها المختلفة بدرجة واضحة وبشكل مستقل تمامًا في بعض الأحيان عن الكلمات.

تقوم عضلات الوجه المتشابكة مع أعصابه بإصدار تعبيرات مختلفة يعتاد عليها الإنسان حتى يمكن القول إنه توجد ذاكرة للعضلات. بعض هذه التعبيرات شائعة للدرجة التي تبدو غريزية عالمية كالابتسام، وبعضها نكتسبه من والدينا والمحيطين بنا عن طريق التنشئة، وبعضها خاص بكل فرد، وأحيانًا يكتسبها بالتدريب عليها لأداء مهام بعض المهن كالتمثيل والعمل السياسي والمخابراتي. كما نتعلم مبكرًا ضبط التعبير عن هذه الانفعالات.

وتتفاوت درجة تعبيرية الوجه بين البشر، حيث توجد بينهم فروق فردية وجنسية وثقافية كبيرة في التعبير الوجهي، وبوجه عام هناك بشر وجوههم معبِّرة، وبشر وجوههم كألواح الثلج يكاد لا يُقرأ عليها تعبير، ويُطلق على وجوه كل منهم الوجه اللا معبر "البوكر فيس". وبقدر شدة التعبيرات وكثرة استخدامها تظهر تجعيدات الوجه في الكبر؛ فعمق هذه التجعيدات، وخاصة تجعيدات الجبين، تظهر إلى أي حد كنت تستخدم عضلات وجهك للتعبير.

وتشكل حوارات الوجه للوجه نسبة كبيرة من اتصالنا بالآخرين. وفي تلك الحوارات - خاصة الثنائية منها- تعتبر تعبيرات الوجه من أكثر ما يُظهر الانتباه والاهتمام بالشريك أو الانشغال عنه في المقابل، فهي دليل أساسي على الإصغاء من عدمه، إضافة إلى نقل الانفعالات الخاصة بالطرفين تزامنًا مع الكلمات.

ويصعب تمامًا فصل تعبيرات الوجه عن تعبيرات العين لأن تعبيرات منطقة الحاجب تؤثر في تعبيرية العين؛ ولا يوجد خلاف في أن شخصًا يرفع حاجبيه على هيئة قوسين، فتتسع عيناه، وتتجعد جبهته أفقيًا، وقد يفتح فمه وترتخي شفتاه، هو شخص متفاجئ! فهذه إشارة عالمية فطرية إلى المفاجأة والدهشة، بل إن القردة أيضًا - وليس البشر وحسب- تفعل ذلك! بينما الحاجبان المشدودان لأسفل حتى وإن تم رفعهما هما إشارة على القلق، وعقد الحاجبين عند المنتصف يظهر ما يسمى بعضلة الحزن. وإنزال الحاجبين بشدة هو تعبير شائع عن الاستنكار، فإذا صُوحب بتكشير الوجه فهو تعبير قوي عن الغضب. أما رفع أحد الحاجبين مع خفض الآخر فهو إشارة واضحة لاستقبال رسالة جديدة مع عدم تقبلها! أما رفع الحاجبين مع عقدهما فدلالة على أنك تنتظر رأي الآخر في الرسالة التي أرسلتها.

وعند الابتسام على سبيل المثال نعرف أن الابتسامة عامة ولا تدل على سعادة حقيقية عندما تقتصر على أن يتسع الفم وغالبًا يبقى مغلقًا، وأن الابتسامة تكون للترحيب بمن نعرفهم معرفة بسيطة عندما نظهر أسناننا قليلًا وتأخذ الشفتين وضعية الطبق المفتوح لأعلى قليلًا، بينما عند الابتسامة الحقيقية الدالة على السعادة تستدير الشفتان لأعلى وتنسحب الشفة العليا لأعلى كاشفة عن الأسنان وضاغطة لإبراز الوجنتين، وتضيق العينين قليلًا مع تجعد الخطوط على جانبيهما، وتتسع الحدقتان، وقد يرتفع الحاجبان.

إن حركة الشفاه Mouth highlights وما تعكسه من تأثير على تعبيرات الوجه هي واحدة من السلوكيات غير اللفظية التي تسهم في نقل محتوى الرسالة الاتصالية بين الناس. بعض تلك السلوكيات يكون فطريًا مثل الابتسام عند السعادة وتقطيب الشفاه عند الحزن، وبعضها تكون سلوكيات مكتسبة متعلمة مثل زم الشفاه Pursed lips، وهو سلوك يوجد في بعض الثقافات.

وهناك الكثير من الأوضاع التي تستخدم فيها الشفاه لإرسال رسائل معبرة عن انفعالات مختلفة. ومن التعبيرات المركبة العالمية المعبرة عن الاستياء والاستنكار حركة الحواجب إلى أسفل مصحوبة بسحب زاوية الفم أيضًا إلى أسفل مع تجعد الأنف. فإذا ما ارتفعت الوجنتان لتصنعا ابتسامة إضافة لهذا الوضع فالرسالة هي السخرية.

وكما أن فمنا ينفتح تلقائيًا عند الشعور بالسعادة فنبتسم ونتحدث كثيرًا، فإنه ينغلق تلقائيًا أيضًا وتكاد تجمد الشفاه عندما نشعر بالحزن. وكلما زاد التوتر كلما انضغطت الشفاه للداخل، حتى إنها قد تُشكل حرف U مقلوبًا عند درجة الحزن القصوى.

قد يكون تقطيب الجبين مظهرًا للحزن أو الغضب، وفي فرنسا يشيرون إلى عضلات الجبين باسم عضلات الحزن. كما قد يكون التقطيب دليلًا على التركيز أو التحير في أمر، وربما في مشكلة، خاصة إذا صاحبه لمس الرأس أو الاستناد باليد على الجبهة.

ومن حركات اليدين اللا إرادية التي نحاول بها تغيير تعبير وجوهنا، فرك منطقة عقد الحاجبين، لأن تخفيف شد العضلات في تلك المنطقة يقلل التوتر.

هناك من يحاول تهدئة مشاعره السلبية بطرق أخرى كلعق الشفاه أو الضغط عليها بالأسنان، أو مضغ العلكة، أو قضم الأظافر وسدادات الأقلام. وكل هذه السلوكيات تعطي انطباعات سيئة عمن يقوم بها، وينبغي التدريب على ضبطها.

ومن خلال سلسلة من التجارب الشهيرة توصل ألبرت ميرابيان Albert Mihrabian, 197  إلى أن الشعور الكلي بحديث شخص ما = 7 % شعور لفظي + 38 % شعور صوتي + 55 % شعور وجهي. وبالرغم من صعوبة تصديق مثل هذه النسب التجريبية، إلا أنها بلا شك تؤكد لنا على أهمية أنماط الاتصال غير اللفظي في الإدراك الشعوري للأفراد، وخاصة تعبيرات الوجه. فماذا نعرف عن الكيفية التي ندرك بها تعبيرات الوجه؟

مثلما قد يختلف الناس في تفسير الكلمات الصادرة عن شخص ما، كثيرًا ما يكون تفسير تعبيرات الوجه مربكًا ومحيرًا. وتظهر الدراسات أن إدراك الناس لانفعالات السعادة والحزن والمفاجأة أيسر من غيرها من الانفعالات. بينما تقل الدقة في إدراك انفعالات أخرى كالخوف والغضب.

وقد تؤثر عناصر الموقف في إدراك الانفعال الوجهي نفسه، فالوجه المبتسم يُدرك وحده بمعزل عن أي عناصر كمعبر عن السعادة، ولكن عندما توجد عناصر أخرى في الموقف يختلف إدراكنا له. على سبيل المثال: عندما ينظر صاحب الوجه المبتسم إلى وجه مكتئب لا يُدرَك الابتسام كدليل على السعادة بل قد يُعتبر سخرية.

ولتعبيرات الوجه أيضًا تأثيرها الانعكاسي على الآخرين الذين نتفاعل معهم، فنحن عندما نبتسم في وجوه الآخرين يبتسمون لا إراديًا حتى لو كانوا يشعرون بالحزن، وإن كان من المؤكد أن الابتسام وحده غير قادر على إنهاء الشعور بالحزن لدى الآخرين تمامًا.

وتؤثر الثقافة أيضًا اختلافًا كبيرًا في إدراكنا لتعبيرات الوجه. وقد زود التطور الكبير في تقنية التصوير الفوتوغرافي - من خلال الصور شديدة الدقة- علماء النفس والاجتماع بإمكانيات ساعدت كثيرًا في دراسة تعبيرات الوجه، أو بشكل أدق الطرق التي يدرك بها الناس تعبيرات الوجه، وكانت الدراسات في مراحل سابقة قاصرة على صناعة تماثيل مطاطية لمحاكاة تلك التعبيرات الوجهية.

بالرغم من ذلك، وأخذًا لمهارة الضبط الانفعالي في الاعتبار، فإنه ينبغي التأكيد على أن الانفعال كما يُلاحظه ويُدركه الآخرون ليس بالضرورة أن يكون هو الانفعال الحقيقي الذي يشعر به الشخص. لكن أظهرت بعض الدراسات أن إظهار الشخص تعبيرات وجهية مركبة (الحزن والغضب معًا على سبيل المثال) تتيح لمن يتفاعلون معه دقة أكبر في إدراك انفعالاته، ربما لأنه يصعب على الشخص المنفعل ضبط أكثر من تعبير انفعالي واحد.

ولأن الحكم على تعبيرات الوجه له دور هام في تواصلنا الاجتماعي فإن التواصل الاجتماعي الفعّال يستلزم من الإنسان ضبط تعبيرات وجهه في كثير من المواقف باستخدام استراتيجيات التنظيم الذاتي لإظهار الانفعال المناسب اللائق اجتماعيًا، ويتحقق هذا الضبط بأربع طرق:

- التكثيف (أو المبالغة): وهو إظهار درجة شدة أعلى للانفعال الذي يُشعَر به؛ فحتى لو كان شخص لا يعتني كثيرًا بإعداد زوجته حفل عيد ميلاد له، وفوجئ بإعداد هذا الحفل، فليس من اللائق إظهار عدم اعتنائه، وعليه أن يبالغ ويزيد من تعبيراته الدالة على المفاجأة بذلك التصرف.

- تقليل التكثيف (أو كبح الانفعال): وهو إظهار درجة شدة أقل للانفعال الذي يُشعَر به؛ فإظهار الزملاء لسعادة عارمة بالنجاح في وجود زميلهم الذي رسب ليس لائقًا اجتماعيًا، وعليهم كبح انفعالهم وعدم إظهار شدته الحقيقية.

- التظاهر: وهو إظهار انفعال لا يُشعَر به من الأساس، وهو يختلف عن التكثيف، ففي مثال عيد الميلاد السابق، يكون تعبير الفرد عن مزيد من المفاجأة تكثيفًا لأنه متفاجئ بالفعل، ولكن تعبيره عن السعادة هو تظاهر لأنه ليس سعيدًا بعيد الميلاد ولا يعني له شيئًا كأغلب الرجال. كما وقد يكون من اللائق كظم الغيظ في كثير من المواقف والتظاهر بعدم التأثر.

- التقنع (أو التمثيل): وهو إظهار انفعال لا يُشعَر به لإخفاء انفعال آخر لا يريد الفرد لأحد أن يلحظه، كمن يُظهر السعادة لإخفاء حزنه.

 

د. منى زيتون