صادق السامرائيالآليات السلوكية وأبجديات ما فينا:

 أولا: تذكر المتصوَّر من الذكرى

هذه الذكرى تتميز بالوضوح الصارخ في ذهنيتنا "...لم يعف رسمها"، إضافة إلى ما نمليه من وحي خيالنا وتصورنا على الذكرى المُستنهضة من أعماق الزمن الفائت.

وبهذا تتحول الأشياء إلى غير طبيعتها مدججة بقوة الخيال والتصور والخداعية

 "ترى بَعر الأرام في عرصاتها   وقيعانها كأنه حب فلفل"

 فيتحول بعر الأرام إلى حب فلفل.

وهذا تطرف في التصوير والتخيل والإنطلاق إلى رحاب بعيدة تماما عن الواقع المعاش.

"كأني غداة البين"

 يقول معبرا عن قدرة عيش لحظة الذكرى ووعي الحدث الذي يتذكره وفقا لما يراه ويتصوره. وبسبب هذا التذكر الحي الناشط الفعّال يوشك من الحزن أن يهلك ولا يتلطف على نفسه، بل يقسو عليها بأشد ما يمكنه من القسوة والجلد.

إن الشفاء من هذه الذكرى المتفجرة المشحونة بالعواطف والتصورات والخيالات والفنتازيا، يكاد يكون مستحيلا برغم وعي العقل والمنطق لعدم مصداقية الفعل والتفاعل معه.

 "وإن شفائي عبرة مهراقة .."

ومع ذلك فهو يعاتب نفسه ويناقض عقله الذي يقول:

" فهل عند رسم دارس من معول"

 أي أنه يقر بوجود العقل ورأيه وسببيته وتعليله، لكنه لا يتبع إقرار العقل وإنما مراد العاطفة والتوهم والتصور، المبني على ما يجيش في نفسه من رغبات مكبوتة.

ثانيا: الهروب من الواقع

وهذا نتاج الواقع الغير ممكن تغيره،  الواقع "التابو".

فلم يفكر الشخص بتغيير واقعه وكان يهرب منه إلى الخيال البعيد.

إن روح التغيير تكاد تكون مرفوضة ومن بنات المستحيلات.

فالواقع الأرضي لا يمكن تغييره بالجد والإجتهاد، وإنما السماء هي التي تغيره إن أمطرت أو أنكرت على الواقع شيئا من الماء.

فما كان الواقع مرهون بإرادة الشخص ولكنه مرهون بقوة المطر.

ولهذا لجأ الشخص إلى الأصنام وإلى الآلهة لكي يتوهم من خلالها بأنه سيفعل شيئا في واقعه. وتحوّلت قوة الآلهة إلى تعبيرات خيالية بعيدة عن الواقع المعاش،  أي أنها إكتسبت القدرة على إخراج الشخص من أزمة واقعه إلى حرية الخيال، والتحليق الرومانتيكي في فضاءات اليقظة الحالمة.

ثالثا: الركض وراء السراب والخوف من تحقيق الهدف

"كدأبك أم الحويرث قبلها  وجارتها أم الرباب بمأسل"

هنا تنكشف آلية في التفكير تشير إلى اللجوء إلى ما لا يمكن تحقيقه والحصول عليه والإبتعاد عن الذي يمكن تحقيقه.

ومن هنا فانه لا يريد فعل شيئ، بل يوهم الآخرين بأنه قادر على أن يفعل، لكنه لا يحقق ما يريد بسبب هذه وهذا من العثرات والموانع والمؤامرات وغيرها من المعوقات.

فيخرج من مفردات الممكن إلى مفردات المستحيل، فيبدأ بوصف الحالة على أنها شيئ لا يمكن للبشر أن يكون عليه.

وهذا المراد الصعب الذي يحلم بتحقيقه سيدفعه إلى البكاء الشديد والندب،  لأن ما يجيده في حقيقة الأمر، هو البكاء على الأطلال والندب وقد أقر في بداية المعلقة بذلك.

رابعا: الجنوح إلى الغرائبية والأسطورية

"ويوم عقرت للعذارى مطيتي"

تتكشف هنا إندفاعات العقل نحو الغرائبية، والتعبير عن سلوكيات غير مألوفة، لكي تمنح القائم بها خصوصية وتفردا لا يساويه فيه أحد.

ومن بعدها تطل علينا روح المغامرة في الشخصية ، وآليات تبرير المغامرة وتلوينها بقوة الخيال، وكأن الشخص ينتصر على واقعه بتجاهله والعيش في واقع لا يرتبط به تماما.

أي أن الإنقطاع عن الواقع القائم هو السمة البارزة في تحديد معالم الشخصية في هذا القول.

خامسا: إستلطاف دور الضحية

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل    وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي"

 وفيما بعده من أبيات،  يتحقق إقرار بإستلطاف دور الضحية في الشخصية،  فهو بعد المغامرة وتلوينها بكل تلك الصور الخيالية أو السرابية، تلذذ بدور الضحية وكأنه كان يطمح من مغامرته أن يكون ضحية.

ويأخذ بتسويغ هذا الدور وإيجاد المبررات التي يقنع بها نفسه.

وهذه الضحية تبحث عن اللذة،  أي أنها تقرن الألم باللذة، وهي تمضي إلى دور الضحية بمحض إختيارها وإصرارها وتعاني فيه، لكنها تتلذذ بإضطهاد جلادها لها أيضا، وهنا تبرز الجوانب الماسوشيستية في الشخصية،  فهذا الإيلام الذاتي من أجل اللذة يصل إلى حد مواجهة الموت.

ليس لكي يموت بل لكي يضع نفسه في أشد حالات الخطر، التي ستأتي بمردود إيجابي على مقدار اللذة التي سيحققها في لقائه مع مَن يريد أو تحقيق هدف ما.

أي أن تحقيق الهدف هنا يكون مقرونا بالألم والعناء والشقاء الإمتهان، حتى ليفقد الهدف قيمته بعد أن يتم الوصول إليه وتبرد نيران الإندفاع نحوه، ويتحول إلى عالم الكآبة والإنكسار والتوجع والبكاء من جديد، وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الأوجاع المستحيلة الانقشاع.

وبعدها تبدأ تباريح الخيال والتحليق في سرابيات التصورات ونزع الأوصاف على الهدف، ويتم تحقيق الرغبة في الحلم اليقظوي، وليس في الواقع المرير القائم من حولنا.

أي أن حلم اليقظة قوي ومؤثر في التفكير، وأحد المكونات الأساسية لإرضاء الرغبات اللاشعورية، والحاجات النفسية المدوية في العمق البشري.

سادسا: الإنقلاب على الهدف ومعاداته

وهكذا يتحول الهدف إلى خصم لأنه قد أغدق عليه كل هذه الخيالات، فأوجعه بالخيبات وحوله إلى حالة بائسة متألمة متوجعة في بحر الحسرات.

إنه لا يريد أن يرى ما يريد عندما يفتح عينيه بل حينما يغمضهما.

وهذا اليأس والقهر والشلل يتأكد عندما ينتقل إلى وصف حالة الليل، التي ما عاد قادرا على إحتمالها وصار إحساسه بالزمن مشوها لشدة الرغبة وكثرة موانعها وصاداتها.

وليل كموج البحر أرخى سدوله               علي بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطى بصبحه                    وأردف إعجازا وناء بكلكل

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي          بصبح وما الاصباح منك بأمثل

فيا لك من ليل كأن نجومه                    بكل مغار الفتل شدت بيذبل

كأن الثريا علقت في مصامها               بأمراس كتان إلى صم جندل

وفي هذه الأبيات تتجلى بوضوح محنة الشخصية،  إنها صنعت موقفا وركنت إليه بسبب مغامرتها وعدم تدبرها، وإهمالها لعقلها رغم وعيها لقيمته وسماعها لصوته، لكنها لا ترعوي، فاستهانت بالعقل و‘ندفعت نحو الوهم بكل تداعياته، ونحو الفنتازيا بكل أشكالها، حتى وصلت إلى حوض المحنة والعناء.

وهذا وصف دقيق لذروة التراجيديا في شخصيتنا فردية أم جماعية ، فالوصف ينطبق على حياتنا في الزمن المعاصر، وعلى مدى القرن العشرين وسنمضي هكذا في القرن الحادي والعشرين.

سابعا: الشعور بالذنب والنرجسية

بعد هذا العناء والمحنة التي لا يمكن الخروج منها من غير تضحية وألم،  وبرغم ما تكلفه من أوجاع أراد خروجا أو فكّر بمخرج من عظيم مأساته وخزين أساه،  فوجد نفسه موحشا في واد تعوي فيه الذئاب ويأخذ بمقارنة نفسه بها،  وكأنه يلوم نفسه على ما فعله وحرثه وأنجزه لأنه لم يورثه إلا الشقاء والهزال.

كلانا إذا ما نال شيئا أفاته            ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

الذئب هنا رمز القوة والهجومية. فهو لا يتنازل عن كبريائه وسيادته وأنفته برغم ما ألم به من وعثاء العناء والقهر.

وكأنه يدخل في عالم آخر من السرابية والوهم ليبدأ بمدح نفسه وتجاوز واقعه الذي عاشه وتكلف منه ما تكلف.

إنه يرغب بوصف نفسه بما ليس فيها ويطرب للمديح ويعشقه عشقا مريضا حد الموت، وهذا جزء من فقدان الشعور بدور الفرد في الحياة وقيمة ما يقوم به.

فيتحول إلى فرد فاقد الشعور بالقيمة ويريد من الآخرين أن يسقونه كؤوس الإطراء والمديح، لكي تتأكد فرديته وتتحقق نرجسيته وقوته.

هكذا يعود شاعرنا إلى نفسه مداحا لها ومعبرا عن عطشه لهذه الحاجة العربية الغريبة.

وقد أغتدي والطير في وكناتها          بمنجرد قيد الأوابد هيكل

ثامنا: الندب والتفتت أمام صخرة الواقع

وتنتقل الشخصية إلى وصف عدتها وهو الحصان أو الفرس، وراحت تتعامل مع الواقع الذي تعيشه، وهي تلونه ببعض الخيال المرتبط به، وكأن الشخصية عادت إلى الأرض بعد أن طفح بها الخيال، وتغربت عن كيانها وتمادت في طيشها وعنائها لتعود إلى واقع واضح، فيه حصان يُسرج وصيد يُطارد وحاجات بشرية يومية لا بد من إرضائها، بعيدا عن أوهام الخيال وتجليات السراب.

عاد إلى الواقع الذي جزعه وحاول التخلص منه بالخيال والكثير من حلم اليقظة والشرود، هذا الواقع هو عبارة عن صراع عنيف بين الأرض القاحلة ومطاردة الصيد وأكل لحمه، والعناية بالفرس والتعامل معها كل يوم، وهذه حياة صعبة ومكلفة ولا يمكنه أن يشفى منها إلا بالخيال، وما فكر يوما بالتفاعل الخلاق من أجل تغييرها وتحويلها إلى وجود آخر مفيد للمجتمع الذي هو فيه.

- الخاتمة

إن أبيات المعلقة تكشف لنا عن آليات فعالة في تفكيرنا مفادها أن الفرد منا لا يواجه واقعه، ولا يبتكر الوسائل الكفيلة بتغييره، وإنما ينأى عنه ويخرج منه إلى آليات الخيال والحلم.

فلا يخطر على باله بأنه قادر على مواجهة وتغيير الواقع الذي هو فيه.

ومن هنا تجد أن الفرد منا يتجاوز واقعه ويجنح إلى الخيال البعيد، وكأنه مصاب بحالة شلل ومقعد، يريد من الآخر والقدر أن يغير الواقع الذي هو فيه، وهذا يحقق الإتكالية والقدرية والإنجماد.

إن وعي ملامح شخصيتنا وفهم الآليات التي تدفعنا للتفاعل مع بعضنا وواقعنا والآخر من حولنا يساهم في رسم طريقنا في الزمن المعاصر

وعندما جاء محمد(ص) برسالته وواجه الواقع القائم وأقر مؤمنا بتغييره. لاقى صعوبات جمة أخذت منه أكثر من ثلاثة عشر سنة، لكي يحول أنظارنا من الخيال وتجاهل المحيط الذي نحن فيه إلى الوقوف إزاءه ونقده ومراجعته وتغييره.

إن هذا الميل في الشخصية نحو تجاوز مفردات الواقع والسعي إلى نسيانها، وركنها في معزل عن فعل الإرادة والعقل، لا زال فاعلا في حياتنا اليومية المعاصرة.

فالموقف الإقصائي للواقع المعاش وعزله في صناديق اللاوعي لازال من الآليات الفعالة والمؤثرة، والتي ترسم خارطة حياتنا السياسية والإجتماعية عموما.

فعلاقتنا بالواقع الذي نعيشه علاقة إنقطاع وتثاقل وتوجع وضجر وتبرم.

فنحن لا ننفتح على محيطنا بإيجابية وإبداعية وإرادة واضحة التعبير وإيمان بالحياة الأفضل،  بل ندور في ذات الدوامة،  بين مطر وجفاف وصيد وغزو،  فما عرفنا التفاعل الإبداعي مع محيطنا.

وما تشكلت عندنا مكونات الجوهر الوطني، والإحساس بالإنتماء إلى الأرض التي نسميها وطن. فلم نفكر آنذاك في العمارة والإستقرار لغياب تلك القيمة، مما أضعف الإحساس بالوطنية فأثر في شخصيتنا وله نتائجه السلبية التي نحصدها، وهذا ربما يفسر بعض الإندفاعات التخريبية لدينا تحت آلية أنا أصون ملكي وأدمر ملك الآخرين.

 وهذا واضح في شخصية إمرؤ القيس،  فهو الملك الأمير والشاعر الذي يريد أن يدخل التأريخ بشعره ومغامراته ومواقفه الصعبة، التي تنتهي إلى تراجيديا الدمار والخراب حتى قضت به إلى الموت بلباس من الذهب معفرا بالسم.

إن المعلقة تشير إلى مفردات واضحة في شخصيتنا تجسدها شخصية هذا الشاعر الأمير، الذي هو سيد قومه ووارث أجداده والثائر لأبيه، وكأنه يريد أن يقول بأن ما نقوم به ما هو إلا نشاطات ترويحية أو تنفيسية لأحلام وتطلعات محبَطة، ومتكدسة في صدورنا لا نستطيع الإرتقاء إلى تنفيذها، فعلينا أن نسكر بلذة الإمساك بها في خيالنا وسلوكنا الخداع.

هذه رحلة مقتضبة في معلقة إمرؤ القيس، أرجو أن أكون قد وفقت من خلالها بمساهمة متواضعة لفهم آليات شخصيتنا، التي تتسبب في تحقيق سلوكنا الفردي والجماعي.

 

د. صادق السامرائي

 

الافكار تقوم وَتُؤَسَسُ على مفاهيمَ، وكذلك العلوم مُؤسَسَةٌ على مفاهيمَ ومُصطَلَحاتٍ، لابُدَّ من تفكيكِها وفهمِها، للولوج الى عوالمها، ومعرفة تفاصيلها.

في البداية كان في ذهني ان يكونَ عنوانُ المقال (المَفاهيمُ بينَ التَبيِئةِ والاستنساخ)، ولكنني عندما راجعتُ هذا المفهوم، وجدت ان الدكتور (محمد عابد الجابري) استخدمه في مقاربته لمفهوم الاصلاح، ولعلّهُ هو اولُّ من استخدمَ هذا المُصطلح، والاّ فانّي كنت افضّلُ مصطَلَحَ (التبيئة)؛ لانّهُ يتناسبُ مع مصطلح الاستنساخ؛ لان كليهما مصطلحان بيولوجيان؛ ولهذا عَدَلتُ عنهُ .

مفهوم التوطين

المقصودُ بالتوطين هو: أَنَّ الافكارَ تنتمي الى وَطَنٍ، ونَبَتَت في بيئةٍ معينةٍ، وَنَشَأت في سياقات وشروط ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ خاصّةٍ، ولها مرجعيّةٌ فكريّةٌ خاصّةٌ .اذا نقلناها الى وطنٍ اخر، وبيئةٍ اخرى قد لاتؤتي ثمارها كما كانت في بيئتها الاولى، وقد تكون عائقا للنهوض في البيئة الجديدة، والوطنِ الجديد. فلا بدَّ ان نستنبَ هذهِ الافكارَ مع الوطنِ الجديدِ ونُخضِعَها للمرجعيةِ الجديدةِ، والظروفِ والسياقاتِ والشروطِ الثقافيّةِ والاجتماعيةِ الجديدةِ .

مفهومُ الاستنساخ

مفهومُ الاستنساخِ يعني نقلَ الفكرة من وطنها الاصلي، وبيئتِها التي تشكلت وتَكَوَنت فيها مع مرجعيتها وجذورها واصولها الفكرية، دون النظر الى السياقات والشروط والمرجعية الجديدة . والاستنساخ ايجاد نسخ جديدة متماثلة مع المنشأ الاصلي، كاستنساخ النعجة (دولي) .

نحن بحاجة الى توطين المفهوم، وتبيئتهِ، ودراسة تأريخهِ وتكييفه مع مرجعيتنا الثقافية فمفهوم الديمقراطيّة، تتبناهُ معظم دولُ العالم، ولكنها تخضعهُ للتوطين، بما يتوافق مع شروطها ومرجعيتها؛ حتى يكون هذا المفهوم مقبولاً في الوطنِ الجديد.

التجربةُ الاسلاميّةُ في ايران تبنت الانتخابات، والاستفتاء على الدستور، وهي اليات ديمقراطية، ولكنّها كيفتها مع مرجعيتها الاسلاميّة، واصحبت ممارسةً اسلاميّةً، لايراها المواطنُ الايرانيُّ شيئاً لاينسجم مع ثقافته.

هناك من دعا في عالمنا العربيِّ الى استنساخ المفاهيم، كطه حسين، وسلاّمة موسى، وغيرهم .... وهناك من دعا الى العلمانيّة، دون النظر الى سياقاتها وظروفها التي تشكَّلَت فيها .

مُصطَلَحُ (الدولة الحضارية)، مصطَلَحٌ يقبلُ التوطينَ، والاستنبات في اوطاننا وتكييفه مع مرجعياتنا الفكرية.. ولايمكن استنساخه من دول حضاريّةٍ اخرى تختلفُ عنا في ظروفها النفسية والاجتماعيّة والثقافية ومرجعيتها الثقافية . نعم، يمكن الاستفادةُ من تجارب الاخرين، والانفتاح على كل الافكار والتجارب البشريّة .

والخلاصة: يمكن نقل المفاهيم من بيئاتها الخاصّة واوطانها وتجريدها من مرجعياتها الثقافيّة والفكريّة، وتكييفها مع شروطنا النفسيّة والثقافيّة ومرجعيتنا الفكرية؛ حتى لايكون الفكر المُستَنبَتُ نبتاً غريباً .

 

زعيم الخيرالله

 

عبد الحسين شعبانفي ظلّ حيرة وذهول عالميين بعد تفجير مسجدين في جنوب نيوزيلاندا وبعد العمليات الإرهابية التي استهدفت كنائس في سريلانكا مؤخراً، تطرح مجدداً مسألتين في غاية الأهمية والإلحاح على بداهتهما، الأولى - أن الإرهاب لا وطن له ولا دين ولا قومية ولا لغة ولا منطقة جغرافية ولا يمكن مجابهته بالوسائل العسكرية والأمنية لوحدها. والثانية- الحاجة إلى التربية على السلام واللّاعنف، وبقدر ما يشمل الأمر المجتمعات فإنه يشمل الأفراد أيضاً، فالتطرّف وهو وليد التعصّب إذا ما انتقل من التفكير إلى التدبير وأصبح سلوكاً سيتحوّل إلى عنف، والعنف حين يضرب عشوائياً ويستهدف خلق الرعب  والفزع في المجتمع يستهدف إضعاف ثقة الناس بالدولة والقانون، وعندها يصير إرهاباً ممتداً على مساحة جغرافية واسعة من العالم.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز التزام الدول والمجتمعات بنشر ثقافة السلام ورفع الوعي بأهمية اللّاعنف، إلّا أن ما قامت به الدول والمجتمعات  والمنظمات المعنية على اختلافها ليس بالمستوى المطلوب، حيث تفشّت ظواهر العنف والإرهاب في جميع المجتمعات، وكانت الهجمات الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 محطة أساسية وغير مسبوقة للوقوف عند الخلل الذي تلمّسه المجتمع الدولي إزاء نقص الوعي بأهمية وضرورة التربية على قيم السلام واللّاعنف، وكان ما أعقب ذلك من أعمال إرهابية اتخذ أشكالاً مختلفة ووسائل متنوّعة ، شملت العالم أجمع بما يلقي مسؤولية كبرى على الدول والمنظمات الدولية، ولاسيّما الأمم المتحدة لتعميم ثقافة السلام واللّاعنف، وتعزيز مستلزمات تعميق الوعي بأهميتها من خلال وسائل  تربوية وتعليمية حديثة ومتطورة تسهم في تعزيز القيم الإنسانية .

ويتطلب ذلك وجود استراتيجية ذات بعد إنساني في تعزيز الجهود الرامية للتربية على السلام واللّاعنف، ولاسيّما حين تكون الأدوات المعرفية مقترنة بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، الأمر الذي تحتاج إلى ربط التعليم بعملية التنمية المستدامة، والتربية بقيم التسامح والسلام واحترام حقوق الإنسان، وذلك بتنقية المناهج الدراسية ورفع كل ما يتعارض مع هذه القيم وإيلاء الاحتياجات الضرورية للمجتمعات من أجل مواجهة التحدّيات، خصوصاً بتدريب المعلمين وتأهيلهم  في إطار مناهج جديدة تستجيب لروح العصر وتنبذ كل ما له علاقة بالكراهية والعنصرية والعداء للآخر الذي هو بشر لا أكثر ولا أقل مثل غيره له الحقوق وعليه الواجبات ذاتها.

ولا بدّ لعملية التربية على السلام واللّاعنف من تعزيز المعارف والمهارات وتعميق القيم والمثل الإنسانية لإحداث تغييرات في سلوك الأطفال والشباب وأسرهم وعموم الناس لمنع حدوث الصدام والعنف والسعي لحل الخلافات بالوسائل السلمية، سواء على صعيد الأفراد أم الجماعات أم الحكومات والدول.

وقد انشغلت اليونسكو بالعديد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز ثقافة السلام واللّاعنف، وذلك بمعالجة قضايا العنف المدرسي وإدماج حقوق الإنسان والتربية على السلام في البرامج الوطنية وسعت لبناء القدرات والتعليم في حالات الطوارئ، إضافة إلى إعادة البناء في المناطق التي تعرّضت للحروب والنزاعات.

ولعلّ من مستلزمات التربية على السلام وتعزيز ثقافة اللّاعنف الاهتمام بالمتلقين والمتعلمين وبالمحتوى والوسائل والبيئة التعليمية، إضافة إلى اختبار النتائج والعمل في ضوئها، وبخصوص بيئة التعليم فإن الرياضة والفنون والآداب وتنمية المواهب تلعب دورها في ترسيخ ثقافة المشترك الإنساني والتواصل مع الآخر.

وكانت قد تأسست جامعة دولية للسلام وأعدت برامج تتعلّق بالقانون الدولي وتسوية النزاعات ودراسات السلام الدولي وثقافة السلام والأمن الإنساني والثقافي والفكري والبيئي والغذائي والصحي وغير ذلك، وتزداد الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى للاستثمار في التربية على السلام واللّاعنف، وذلك بتعزيز الطرق التقليدية في تسوية النزاعات وفتح قنوات جديدة للتفاهم من خلال الفنون والآداب بمختلف أشكالها، وتعزيز الحوار سواء على الصعيد المحلي أم على الصعيد الدولي بما فيه ما أقرّته الأمم المتحدة تحت عنوان : الحوار والمصالحة، خصوصاً بالإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف.

وعلى الرغم من معاناة العالم العربي من التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، فثمة وجه  ثقافي للمقاومة باللّاعنف وهو تعزيز ثقافة السلام والتسامح، حيث تم إنشاء جامعة للّاعنف  وحقوق الإنسان، العام 2009 في لبنان، في إطار العقد الدولي لثقافة السلام واللّاعنف  (2001-2010)، وهو الذي ورد في  قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 53/243  في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1998 بمبادرة من اليونسكو التي ستحتفل بالذكرى الـ 20 لهذه المناسبة المهمة، وكان من برامجها واختصاصاتها التربية على اللّاعنف وفلسفة اللّاعنف وثقافة اللّاعنف ومسرح اللّاعنف، واللّاعنف وحقوق الإنسان واللّاعنف والقانون الدولي الإنساني والأديان واللّاعنف والإعلام واللّاعنف وحلّ الخلافات باللّاعنف.

ولأن منطقتنا الأكثر ضرراً من العنف والأكثر تأثراً به، خصوصاً وهي تعاني من احتلال وحروب ونزاعات طائفية وإثنية واحترابات محلية، كما يحصل في اليمن وسوريا وليبيا  والعراق، ناهيك عن فلسطين المحتلة إضافة إلى تداخلات إقليمية ودولية، فإنها ينبغي أن تكون الأكثر انشغالاً بفكرة اللّاعنف حيث تحتاج منطقتنا إلى الوقاية مثلما تحتاج إلى الحماية وأخيراً إلى معالجة تركة الحروب والنزاعات، بحيث تولى التربية والتعليم الأهمية التي تستحقها .

 

عبد الحسين شعبان - باحث و مفكرعربي

 

محمد ممدوحسمعته ذات مرة يقف على منبر رسول الله (ص) يتحدث عن فضل الإنفاق، ثم علا صوته، استدرر دمعاته، أخذ يطيح بيديه كلتيهما يُمنة ويُسرة "هذا بيت الله.. وبيوت الله فى الأرض المساجد ولابد من عمل مئذنة تليق ببيت الله وإعادة تجديد المسجد".. تركته خلفى وانصرفت، يممت وجهى شطر منبر آخر، وجدت فيه قرينه يصدح ويصرخ.. "أطع ولى الأمر كما قال رسول الله (ص) وإن أخذ مالك وجلد ظهرك فطاعته من طاعة الله!!"

هكذا سمعت، وهكذا عاينت، فضلاً عن مئات الترهات التى أسمعها، ومئات الصور من الكذب والخداع والملق، فواحد لا يتحدث إلا مراءاة للناس، طلبًا للسمعة والشهرة.. وآخر لا يقرأ القرآن إلا طلبًا للمجد والعالمية !! وآخر يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بالصالحين الدوائر، وآخر يتاجر باسم الله، يتحدث باسم السلطان مزيفًا اسم الله.. يفتى عن السلطان فى صورة الإفتاء عن الله.. مئات المشاهد التى خلا الله منها تمامًا، ولكنه أُقحم عليها إقحامًا، إما جهلاً وإما ملقًا.

فالذين رأوا فى تشييد المساجد والتفاخر بالمآذن والقُبب قربة إلى الله جهلوا مرادات الله، لم يعلموا أدنى الحقائق عن الله، فضلوا الطريق إليه سبحانه جهلاً.. والذين يرون طاعته سبحانه فى طاعة ولى الأمر وإن أخذ المال وجلد الظهر ملقة منافقين يبيعون آخرتهم بعرضٍ قليل من دنيا بائسة.. والذين كذبوا وخالفت أفعالهم أقوالهم جهلاء أعمت الماديات أبصارهم وغشى حب الدنيا بصائرهم فلا أدركوا هذا ولا تلك.

الله ليس فى هذه الصور القميئة.. الكاذبة.. المدَّلسَّة..

أرشدتنى كتب الفقة والسيرة والوعظ جميعها إلى أن الله يسكن الحرم.. ذهبت إلى هناك، وجدت أميرًا يطوف حول الكعبة حوله حراس لا عدد لهم.. لم يذهب متواضعًا إلى بيت الله، وإنما أخذ الدنيا معه.. وجدت الحرم قد استجاب الله دعاء الخليل له فهفت إليه الأفئدة واطمأنت إليه القلوب، يطوف حول البيت الأمراء والرؤساء والأثرياء.. ويقف أمام عتبات البيت الفقراء والبؤساء.. داخل الحرم تطوف أجساد بلا قلوب.. وخارج الحرم تستجدى اللقمة قلوب بلا أجساد !! الله ليس هنا إذن.. لا يقطن الحرم.. فالذين قصروا ثروات بيت الله عليهم وتركوا فقراء المسلمين بلا مأوى ولا دواء هم حتمًا لا يعملون لصالح الله أبدًا، ولا لصالح الدين.. والذين ينفقون ويبذخون على شهواتهم وأهوائهم ولاعيبهم وفنانيهم هم حتمًا لا يفعلون ذلك لصالح الله ولا لصالح الدين.. إنما يفعلون لصالح الأهواء والشيطان.. لصالح الجسد وشهواته وأهوائه.. الله إذن ليس هنا.

والذين أنفقوا أموالهم على المساجد، تشييدها وبنائها بغير ضرورة ولا حاجة، هم أيضًا ضلوا الطريق، فالله ليس هنا..

الله ليس لدى الأمراء والزعماء والرؤساء كما يزعم الملقة.. ليس فى الحرم الذى يحتكر ثرواته وخيراته آل بعينهم.. ليس فى المساجد التى تُشيد فيها المآذن بثروات طائلة أو تُطلى طلاءًا فاخرًا.. أو يكثُر بناؤها على غير حاجة..

أين الله إذن؟!

سرت فى الشوارع.. فى الطرقات.. فى المدن.. فى المزارع، أبحث عن الله.. أخذت أقلب الكتب لعلى أهتدى إلى خيط.. بحثت فى كل مكان، فلم أجد الله فى كل مكانٍ أُرشدت إليه، أو دُللت عليه.

إلهى.. ما أعظمك.. علمت من أنبيائك كلهم أنك تملأ كل شئ، أنت داخل البيوت، وداخل الأرض، وداخل السماء، وداخل الهواء.. أنت فى كل مكانٍ حيثما وليت وجهى، ولكن هل أجدك فى الحرم وقد امتلأ بالطبقية التى تبغضها أنت!! هل أجدك فوق المآذن التى أقيمت رياءًا وبغيًا دون أن يعلم المشيدون مراداتك ؟! هل أجدك فى دموع الكاذبين الذين يتاجرون باسمك، يهاجرون بظاهر اسمك ويخفون دنيا يصيبونها أو امرأة ينكحونها !! أين أجدك يا الله..

خرجت من الحرم بدون الله.. خرجت من بيوت الله دون أن أجد الله.. أو ليس صاحب كل بيتٍ عاكف فيه ؟! فلماذا لم أجد الله فى المساجد، لعل علةً أصابت عينى أو ربما قلبى فحجبت الرؤية عنى !!

ولكن الشوق يستبد بى، لم أيأس بعد، استكملت المسير بحثًا عن الله، هدانى إلى أول الطريق سيدى الجنيد " ابحث عن الله فى قلبك".. تذكرت حينها قول النبى الكريم (ص) " استفت قلبك " مع فارق المناسبة ولكن المعنى بالتقريب متشابه إلى حدٍ بعيد.. الله إذن فى القلب.. هو إذن سر بكاء أهل العلم الذين ذكرهم القرآن (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء109).. إنه السر الذى فهمه السادة بحق من قبل، الجنيد البغدادى.. القشيرى.. الخواص.. جمع غفير من السادة الذين استدلوا على طريق الله، فتركوا الناس كلهم ورائهم وساروا يلتمسون إلى ذاته وسبحات وجهه الطريق.. فهو الله الذى يقطن تحت الجُبة فى قول سيدى الحلاج، وهو الله الذى يُضئ للقلوب الطريق فيقذف فيها النور فى قوله ذاته سبحانه (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور40)..

اهتدينا الآن إذن إلى مكان الله.. مكان غير متحيز ولا مشبه ولا مجسَّم ولا أى صفة معيارية مادية.. ولكنه سبحانه موجود وجودًا يليق بالجلال الذى نرى آثاره ولا نراه.. نُعاين نتائجه ولا نعاينه، فالجسد الآن غير مهيئ ولا مزود بقدرات خاصة تتحمل نوره سبحانه، فإذا كان الجبل قد اندك، وموسى وهو من أولى العزم خرَ صعقًا من اندكاك الجبل إثر نور الله فكيف بنا؟!

الموضوع ذو إشكالات ومعضلات عميقة إذن !! ولكننا بالتقريب أدركنا شيئًا من الطمأنينة إذ عاينا الله فى قلوبنا .

الآن أدركت حين البكاء بحرارة على أى اقتراف فى حق الإنسانية.. أدركت أن الله هو الذى يحرك القلوب.. أدركت سر البكاء حين المناجاة، حين الخلو بوجه الله.. " لله عبادٌ اختارهم خدامًا.. قومٌ إذا جنَّ الليل عليهم، قاموا هنالك سجدًا وقيامًا ".. الآن أدركت سر البكاء، وسر قبض القلب، وسر معاناته وسر أنسه وفرحته وسعادته التى لا تُقدر بكنوز الأرض ومن فيها حين لحظة الإتصال، فما أعظمها من لحظة، وما أعظمه من شهود.

ولأن الله يسكن القلوب، فالقب يرشدنى إلى أن أجد الله عند رأس المسكين الذى يقلب فى القمامة ليستخرج لقمة يطعمها.. نعم الله هناك.. الله عند المريض الذى لا يجد دوائه.. عند البائس الفقير الذى يدفعه الناس بالأبواب.. عند الثكلى التى لا تجد من يأوى صغارها..عند الكهف الذى يتعبد فيه من ترك الناس لدنياهم وخلا هو بربه.. الله فى كل هذه الأماكن، وليس أبدًا فى الحرم أو فوق المئذنة.. لعل هذا هو المعنى الذى فطن إليه سيدى عبد الله بن المبارك قبل، كان ذاهبًا إلى الحج، فوجد أمًا لأيتام تنقب فى القمامة لتطعم صغارها، فأعطاها مال الحج ورجع ولم يحج... فكان من أمره عجبًا.

وكلٌ الله له ملكًا على صورته يحج عنه.. وكتب له أجر سبعين حجة..

هنا الله يا سادة.. عند هذه المرأة وعند أترابها وليس عند البيت الحرام..

الله هنا، فى قوله سبحانه فى حديثه القدسى : " عبدى استطعمتك فلم تطعمنى قال وكيف أطعمك يا رب وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى.. استسقيتك فلم تسقنى.. قال وكيف أسقيك يا رب وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدى فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى.. مرضت فلم تعدنى، قال وكيف أعودك يا رب وأنت رب العالمين، قال مرض عبدى فلان فلم تعُده أما علمت أنك لو عُدته لوجدتنى عنده ".. الله عند المريض، عند المتألم.. عند المظلوم.. يريد أن يرى إحسان عبيده، رقة قلوبهم.. هنا يسكن الله.. هنا نجد الله، وليس الله فى قصور الأمراء والسلاطين وأرباب النعم، فليست لهم خالصة من دون الناس، وليست أعطياتهم على قربة لهم من الله، فقد تكون استدراج من حيث لا يعلمون (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (القلم45) (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأنفال81).

لقد فهم السادة الصوفية هذه المعانى فتركوا الدنيا ورائهم ولاذوا بخلواتهم بحثًا عن ربهم.. اقتصروا الطريق على أنفسهم فلم يضلوا إليه السبيل سبحانه، وإنما استدلوا عليه من أقرب باب ومن أقصر السُبُل، فوصلوا فى حين ضللنا نحن الطريق، وكذب المنمقون اسم الله ولو بكت عيونهم.. وكذب الخراصون الذين يتاجرون باسم الله وباسم الدين ولو ارتدوا مسوح الرهبان، وصدق القلب وحده حين استدل على الله.. وصدق الفؤاد حين عاين الجلال والكمال.

 

د. محمد ممدوح

 

867 امارتياهذه الورقة الموجزة تنظر في الطرق التي ركز بها الاقتصادي امارتيا سين الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998 على اهمية الحريات الاساسية الانسانية وحقوق الانسان في نظرية التنمية وتطبيقاتها. في الماضي، كانت الاتجاهات المسيطرة وصفت التنمية بتعابير من الناتج المحلي الاجمالي GDP، والأمن الغذائي، والفقر. التأكيد كان منصبا على الفاعلية الاقتصادية ولم يكن هناك اي دور واضح للحريات الاساسية للفرد ولحقوق الانسان. بالمقابل، اطروحة سين سلطت الضوء على الفكرة المركزية، بانه في التحليل النهائي، محصلة السوق وافعال الحكومة يجب الحكم عليهما طبقا للغايات الانسانية الثمينة. اطروحة الباحث ساهمت في التحولات النموذجية الهامة في الاقتصاد والتنمية بعيدا عن الاتجاهات التقليدية المرتكزة فقط على الدخل والنمو والمنفعة، مع تأكيد متزايد على استحقاقات الفرد وقدراته وحرياته وحقوقه. هذا البحث زاد من الوعي بأهمية احترام حقوق الانسان لأجل المحصلات السوسيواقتصادية متحديا الافتراض بان النمو يجب ان يأخذ الاولوية على الحقوق المدنية والسياسية ومسلطا الضوء على دور حقوق الانسان في تعزيز الأمن وكاشفا عن نواقص التنمية المفتقرة لضمانات لتلك الحقوق . سين يجادل ضد الادّعاء بان نسب النمو العالية تعني التنمية، ذلك لأن العلاقة بين الفقر والدخل واللامساواة والبطالة والوفيات ونوعية الحياة يجب النظر اليها من خلال تعريف واسع للتنمية بدلا من التعاريف الضيقة للمنفعة والفاعلية ونسب النمو. الغايات المحددة مثل زيادة الدخل او رعاية صحية افضل او حريات سياسية يجب ان لا تكون "غايات للتنمية" وانما جميعها مجتمعة يجب ان تكون جزءا مكونا للتنمية. في الكتاب يؤكد سين على خمسة انواع من الحريات: الحرية السياسية والتسهيلات الاقتصادية والفرص الاجتماعية وضمان الشفافية وتأمين الحماية.هذه الحريات هامة وتلعب دورا مزدوجا في التقييم والفاعلية. الحرية تقيّم عملية التنمية وايضا تضمن فاعليتها.

عيوب اقتصاديات الرفاهية التقليدية

الاطر الرسمية في الاقتصاد كانت قد خضعت لهيمنة معايير "الرفاهية" مثل معيار "المنفعة". هذا المفهوم جرى تفسيره عموما بعبارات من "الألم والمتعة الفردية"، "السعادة"، و"انجاز الرغبة". سين طور نقدا عميقا للمنفعة كأساس معلوماتي للحكم الاجتماعي والاخلاقي بالاضافة الى بيان مقدرة الاقتصاد على معالجة ظواهر العالم الواقعية مثل الفقر والمجاعة، بما يحمل من قوة توضيحية وتنبؤية. هذا النقد تحدّى معادلة السلوك العقلاني في تعظيم المنفعة الذاتية. وهو السلوك القائم على استعمال تعظيم المنفعة الذاتية كتنبؤ للسلوك الفردي، واستخدام معلومات الاختيار كمؤشر لتفضيل الفرد والقيمة. انه سلط الضوء على نواقص معلومات المنفعة كأساس لتقييم ومقارنة المصالح الانسانية ، وتفسيرات الفاعلية الاقتصادية القائمة على محدودية اساس المنفعة والافضلية الاجتماعية كما تعكسها مستويات "فاعلية باريتو"(1) والفرضيات الأساسية لإقتصاد الرفاهية.

اقتصاد ما وراء الرفاهية

في ظل عيوب الاتجاهات التقليدية ، طوّر سين سلسلة من الافتراضات لنقل برامج الاقتصاد قدماً الى ما وراء "الرفاهية" ولتوسيع انواع المتغيرات والمؤثرات التي جرى توظيفها في الاقتصاد النظري والتطبيقي. مساهماته تتضمن مقترحات هامة لدمجها الاستحقاقات الفردية والعمليات والفرص والقدرات والحريات والحقوق في وسائل تقنية واسس مفاهيمية للاقتصاد والخيار الاجتماعي. هذه الاقتراحات تعكس عددا من الافكار المتكررة بانتظام منها

اولا اهمية الاطر التعددية المعلوماتية التي تأخذ بالحساب كل من مظهر رفاهية الفرد (رفاهيته الذهنية والفيزيقية) و مظهر الفعل المقصود (مرتبط بالاهداف التي يقيّمها الفرد، ورغباته واسباب متابعتها – مجسدا القيمة الداخلية لخيار الفرد والمشاركة).

ثانيا الحاجة للذهاب الى ماوراء تقييم الدخل والمنفعة ، آخذين بالحساب الاستحقاقات والقابليات والوظائف وتبنّي رؤية واسعة للافضليات، تدمج القدرة على انجاز ما يُعد ذا قيمة و (ما سيختاره الناس، لو اتيح لهم الخيار).

ثالثا، اهمية الاتجاهات التي تعطي دورا مركزيا للحريات والحقوق. حسب رؤية سين، هذه الأهمية لا يمكن التعبير عنها في عبارات من المنفعة. الاسس المعلوماتية للرفاهية هي ضيقة جدا ولا تعكس القيمة الداخلية للحرية والحقوق التي يجب ان تخضع مباشرة للتقييم الاقتصادي الاجتماعي.

الاستحقاقات الفردية individual entitlements

 اتجاه سين في "الاستحقاقات"يوفر اطارا لتحليل العلاقة بين الحقوق والالتزامات المتبادلة واستحقاقات الفرد للأشياء. استحقاقات الفرد هي طريقة في وصف "سيطرته الكلية على الاشياء" اخذا بالحسبان جميع الحقوق والالتزامات الملائمة. بينما الحقوق هي عموما توصف كعلاقة بين اطراف متميزين (كأن تكون بين شخص وآخر ، او بين شخص والدولة)، استحقاقات الفرد "هي كلية الاشياء التي يمكنه امتلاكها بمقتضى حقوقه". سين افترض ان "معظم حالات المجاعة عبر العالم تبرز ليس من كون الناس محرومين من الاشياء التي يستحقونها وانما من كون الناس غير مستحقين للوسائل الكافية للعيش في ظل النظم القانونية السائدة ". عمله التجريبي يقترح بانه في العديد من المجاعات التي مات بها الملايين من الناس، لم يكن هناك هبوط كلي في وفرة الطعام، وانما المجاعة حدثت كنتيجة للتحول في الاستحقاقات الناتج عن ممارسة الحقوق التي كانت شرعية قانونا. بحثه يؤكد بان نطاقا من المتغيرات غير الانتاجية الزراعية والمتراكم من عرض الطعام يمكن ان يُقلل من استحقاق الفرد للطعام.

الحريات الاساسية وحقوق الانسان

شجع سين على اتجاه جديد في التفكير حول الحريات الاساسية والحقوق. في الماضي كان الفقر والجوع مستبعدا من المحادثات السائدة حول الحريات الاساسية وحقوق الانسان. سين تحدّى هذا الاتجاه مجادلا بانه "عندما نقيّم اللامساواة السائدة في العالم في مجال المقدرة على تجنب الامراض او الجوع او الموت المبكر، نحن لا نختبر فقط الاختلافات في الرفاهية. البيانات المتوفرة بشأن حدوث المرض، الجوع، الوفيات المبكرة تخبرنا الكثير عن وجود او غياب حريات اسياسية معينة"(2). هذا التحليل يتعارض بشدة مع تحليلات الفيلسوفان هايك وروبرك نوزك. رفض سين موقف "الحصيلة المستقلة" الذي يقترح بان المحصلات السوسيواقتصادية هي عموما غير ملائمة للتقييم الاخلاقي، ودعا الى تنمية وفق اتجاه "النتيجة الحساسة"في توصيف الحريات والحقوق. وفق رؤية سين، الفكرة بان النتائج مثل الحياة، الموت، المجاعة هي مسائل باطنية ذاتية للفروقات الاخلاقية او انها تمتلك فقط ملائمة اخلاقية داخلية ضعيفة جدا هي فكرة "غير معقولة"وتفشل في ان تعكس "الاعتماديات المتبادلة المعقدة" التي تبرز بالعلاقة مع ممارسة وتقييم الحريات والحقوق في المجتمع.

الدفاع عن فكرة حقوق الانسان العالمية

طور سين ايضا اطارا للدفاع عن فكرة العالمية ضد النسبية ونقدا مرتكزا على الثقافة. هو تحدى الافتراض بان الاصول التاريخية لفكرة حقوق الانسان تتجذر في القيم الغربية للقانون الطبيعي والحقوق الطبيعية، مجادلا بان "التقاليد الواسعة للعالمية، التسامح، الحرية، احترام كرامة الانسان، الخوف من الفقر والالتزامات الاجتماعية ومسؤولية الحكومة – لم تنشأ حصرا من اي ثقافة منفردة وانما لها جذور تاريخية عميقة في مجتمعات غير غربية. هو في هذا السياق سلط الضوء على افكار كونفيشيوس و Ashoka و kautilya وAkbar.

هل الحقوق المدنية والسياسية تكبح النمو الاقتصادي؟

فكرة ان الحقوق السياسية والمدنية تكبح النمو الاقتصادي جرى الاهتمام بها من جانب بعض الحكومات في المؤتمر العالمي لحقوق الانسان في فيينا عام 1993، و كانت نسب النمو العالية في اجزاء من شرق اسيا اثناء الثمانينات والتسعينات جرى توظيفها في دعم الاقتراح بان النمو الاقتصادي يجب ان يأخذ الاولوية على الحريات والحقوق السياسية. سين رفض فكرة ان ما سمي "القيم الاسيوية"لعبت دورا حاسما في النجاح الاقتصادي لشرق اسيا وان هذه القيم هي نوع ما في تضاد مع الحقوق المدنية والسياسية. كذلك، هو فحص الاساس التجريبي للادّعاء بان السلطوية تلعب دورا ايجابيا في ضمان نسب عالية من النمو الاقتصادي. بعض الدول السلطوية نسبيا (مثل جنوب كوريا والصين اخيرا) لديها نسب نمو اسرع من الدول الاقل سلطوية مثل الهند وكوستاريكا. لكن كامل الصورة هو اكثر تعقيدا. الدراسات الاحصائية لاتدعم الادّعاء بان هناك صراع حقيقي بين الحقوق السياسية والاداء الاقتصادي. تلك العلاقة تبدو مشروطة (بمتغيرات اخرى يصعب رفضها). جادل سين بان الدليل الانتقائي عن التأثير الايجابي للسلطوية على النمو الاقتصادي من شرق اسيا جرى نقضه بالدليل الافريقي. حتى عندما كانتا سنغافورة وجنوب كوريا اسرع نموا من الدول الاسيوية الاخرى، فان بوتسوانا المدافع القوي عن الديمقراطية كانت الاسرع نموا في افريقيا(3). هو استنتج بان الدليل الانتقائي غير القائم على الحقيقة يذهب في اتجاه معاكس – بينما النمو بدون ضمانات لحقوق مدنية وسياسية كاملة جرى تجاهله بالدعوة للمزيد من الديمقراطية عقب انهيار الاسواق المالية في اسيا عام 1997.

استنتاج

اطروحة التنمية كحرية نالت الإعجاب الواسع كطريقة نحو المجتمع الانساني، العديد اعتبروها كمستوى للاقتصاد الاخلاقي. فرضية سين بسيطة وهي ان الحرية غاية نهائية ووسيلة رئيسية للتنمية في آن واحد، تبرير سين لذلك هو ان التقييم المقبول الوحيد للتقدم الانساني هو في النهاية تعزيز الحرية، وان تحقيق التنمية يعتمد على الناس الاحرار. حالة الفقر تتصف عموما على الاقل بفقدان واحدة من الحريات. يستنتج سين بان التنمية الحقيقية لا يمكن اختزالها فقط بزيادة الدخل القومي ولا برفع مستوى الدخل لكل فرد، وانما ذلك يتطلب حزمة من الآليات المتداخلة تمكّن بشكل متدرج من ممارسة نطاق متنامي للحريات. الكاتب يرفض فرضية لي "Lee Thesis" نسبة الى رئيس سنغافورة لي كان ياو الذي يؤكد بان انكار الحقوق المدنية والسياسية يعتبر مقبولا اذا كان يعزز النمو الاقتصادي والثروة العامة للناس. سين يصر باننا يجب ان نتبنّى الحريات السياسية والحقوق المدنية ليس من خلال الوسائل التي تحقق النمو في الناتج المحلي الاجمالي وانما كخير مباشر في ذاته. الحرية جيدة ايضا لأنها تخلق نموا.امارتيا سين في كتابه التنمية كحرية زعزع النظريات التقليدية القائمة وفتح مسارات جديدة في الاقتصاد.لكن يجب التأكيد ان كتاب التنمية كحرية هو نقاش فلسفي حول التنمية. هو ليس وصفة سياسية، المرء سوف لن يجد حلا للاسئلة مثل مقدار المساعدات التي يجب دفعها، او كم مقدار سعر الفائدة الذي يجب ان يتقاضاه المقرضون، او مقدار الحد الادنى للاجور في بلد معين.ولكن بالنسبة للمهتمين بالتنمية يقدّم الكتاب رؤى جديدة فهو يزيل العديد من الدوغمائيات السابقة ويستبدلها باخرى جديدة وبمنظور جديد.

كتاب (التنمية كحرية) للاقتصادي امارتيا سين صدر عن مطبوعات جامعة اكسفورد عام 1999 في 366 صفحة.

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) فاعلية باريتو pareto efficiency هو مفهوم استخدمه المهندس والاقتصادي الايطالي باريتو(1848-1923) في دراسته للفاعلية الاقتصادية وتوزيع الدخل. هذا المفهوم يؤكد على استحالة اعادة توزيع الموارد لجعل اي فرد افضل حالا دون ان يؤدي ذلك الى جعل شخص آخر اسوأ حالا.مبدأ باريتو في الفاعلية لايؤدي بالضرورة الى توزيع عادل للموارد، هو لا يذكر شيئا عن المساواة او العدالة او رفاهية المجتمع.فاعلية باريتو لا تتطلب توزيع كلي عادل للثروة. الاقتصاد الذي تتركز فيه الثروة بيد القلة يمكن ان تنطبق عليه فاعلية باريتو، كمثال بسيط، لو اردنا توزيع قطعة بيتزا على ثلاثة افراد واعطينا الثلث لكل فرد فهذا يعد توزيعا مثاليا، ولكن لو اعطينا نصف القطعة الى كل من الشخصين وتركنا لاشيء للفرد الثالث فهذا ايضا توزيع فاعل حسب باريتو رغم انه غير عادل، ذلك بسبب انه لايمكن جعل اي من مستلمي البيتزا احسن حالا دون جعل الاخر في وضع اسوأ. مفارقة الليبرالية التي طورها امارتيا سين تبيّن ان الناس عندما تكون لديهم افضليات حول ما يقوم به الاخرون فان هدف باريتو في الفاعلية سيدخل في صراع مع هدف الحرية الفردية.

(2) يتحدث الكاتب عن دراسة للعبودية في امريكا في القرن التاسع عشر للكاتبين روبرت فوغل و ستانلي انغيرمن يجادلان فيها بانه في بعض المزارع كان متوسط اجور العبيد أعلى من اجور العمال غير الماهرين في الدول الغربية المتقدمة. ايضا بعض العبيد كانوا يتمتعون بتغذية جيدة قياسا بالعمال الزراعيين في اوربا. غير ان هؤلاء العبيد ذوي الاجور والطعام الجيد هربوا من المزارع حالما اتيحت لهم الفرصة. ذلك بسبب افتقارهم للحرية في اختيار ما يريدون عمله. حرية الاختيار للعمل هامة ولا يمكن تعويضها بالنقود او الرعاية الصحية الجيدة.في مقارنته بين اقتصاد السوق والاقتصاد المركزي يرى سين بانه حتى لو كانت الانظمة المركزية اكثر فاعلية من اقتصاد السوق، يبقى من المفضل اختيار الاخير. تقييد حرية الاسواق هي تقييد للحرية ذاتها كما يرى الكاتب.

(3) في تأكيده على اهمية الديمقراطية يشير الكاتب الى عدم حدوث اي مجاعة في الدول الديمقراطية. الهند مثال حي على ذلك حيث رغم الفقر لكن لم تحدث فيها اي مجاعة . بالمقابل، في الصين مات حوالي عشرون مليون شخص جراء المجاعة في السنوات 1958-1962.السبب هنا يكمن في الحريات السياسية. المجاعة لن تحدث في الديمقراطيات العاملة لأن الناس في السياسة سيقومون باي شيء لمنعها. انه ليس السخاء وطيبة السياسيين كما يقول آدم سمث، وانما المصلحة الذاتية التي تدفع السياسيين للعمل في ظل الديمقراطية.

 

احمد شحيمطلا يحتاج القارئ للتعريف بالمؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي بفكره المستنير ومواقفه الجريئة في إعادة قراءة ثقافتنا على ضوء التاريخ . وفي مجمل تاريخ المغرب. في خواطر الرجل وموقفه من التراث والحداثة يعبر العروي عن وجهة نظر في قضايا جوهرية . وعن رغبة عالمنا في ولوج قيم الحداثة وبناء متين للدولة الحديثة .والقطع مع التقاليد وترسبات القيم الماضية السلبية التي ساهمت بشكل أو بآخر في ما يسمى بالتأخر التاريخي . حقائق مادية وشواهد واقعية يمنحها العروي لمسة أخرى في إعادة قراءة التاريخ البعيد والقريب. والدعوة للتجديد والقطع لإعادة إنتاج فكر بديل وذهنيات تواكب العصر. يفاجئنا العروي بين الفينة والأخرى بالجديد في عالم الإنتاج الفكري . من خواطر الصباح والسنة والإصلاح وديوان السياسة ودين الفطرة وغيرها. وان كان للعروي نقادا في مشروعه الحداثي  فان الأمر هنا يتعلق بآراء تغني النقاش والحوار في سبيل أن تكون الرؤيا عقلانية لصالح الشعوب التواقة للحرية والتحرر من نير السلطة الفردية . وتمكين الشعوب من التعبير عن إرادتها في تكامل بين الحاكم والشعب. قراءة العروي للفكر العالمي والعربي بحثا في فهم التأخر التاريخي وأسباب الأفول والتخلف في عالمنا .

من منطلق الفهم اعتمد العروي مفهوم القطيعة المعرفية مع التراث داعيا للأخذ بمنطق الغرب في التفكير . في عملية التفكيك للعقل العربي من خلال تحليل البعد الإيديولوجي الذي شكل بنية هذا العقل من السلفية التي يمثلها الشيخ والليبرالية مع رجل السياسة والتقنية يمثلها الداعية التكنوقراطي .اختزال الفكر الغربي وتجزيئه وبالتالي يتجلى الانقسام في مرامي وأهداف الايديولوجيا العربية المعاصرة . وما يراه العروي في صالح الأمة الاستنارة بالعقل وسلطته . وإذكاء روح المعرفة والثقافة في امة منقسمة على ذاتها بين الأصيل والتقليد . فرغم الإبداع والرؤية النقدية للواقع والتاريخ والإنسان خرج عبد الله العروي بانتاجات في شكل خواطر أو حوار ذاتي وموضوعي عن وجهات النظر التي طالت بفعل انزواء العروي نحو التأمل في اليومي وفي متغيرات وأحوال الآني من الحراك الاجتماعي وأقنعة السياسة وفي مظاهر الثقافة والعقليات . تأملات العروي من فكر الليل إلى فكر النهار يدل على حاجة البشر في عالمنا للتغيير بل أصبح  التغيير مسألة حتمية . فالعروي الذي عاش في فرنسا وخبر العقلية الغربية والحداثة . وكتب عن القيم في عوالم متباينة اهتدى للفكرة الأخيرة أن مجتمعنا لا يحتكم لمنطق الحق بل المنفعة كمقياس وحيد في عالم العلاقات العامة . ولو عدنا للزمن الماضي لكان الاستعمار الانجليزي لنا أفضل من فرنسا . فالكلام لا يجب أن يؤخذ على محمل الجد . إنها نوع من المفاضلة والتخيير في عالم الاستعمار الذي يبقى واحدا ومرفوضا من قبل الكل .الانجليز مسلحين بالثقافة البرغماتية . يعود العروي بين الفينة والأخرى كمثقف ملم بالشأن التاريخي والثقافي لينير الطريق ببعض القراءات الجديدة في واقع قاتم . فالمكان والزمان جعل من عبد الله العروي مفكر التاريخانية ومثقف تسكنه الفلسفة وهواجسها للتأمل في مرامي فكر الليل والنهار معا . في مرامي السياسي والتاريخي وفي هاجس النهضة والتنمية . كلام العروي في الحوارات الإعلامية يدل على سعة الأفق وتمكن العروي الإنسان القارئ .والناقد في الخروج من متاهة السؤال والالتفاف على الجواب في العودة للماضي للمقارنة والاستعانة بالمثال . خرج عن صمته في عدة قضايا ولعل أبرزها قضية التربية والتعليم في اللقاء الشهير بينه وبين نور الدين عيوش على القناة الثانية . كلاهما يفهما جيدا فرنسا والفرنسية . العروي يدافع عن اللغة العالمة في تدريس المغاربة وعيوش يطرح العامية في تبسيط التعلم . فكان الخروج بمثابة أزمة تلوح في الأفق عن المزايدات والإيديولوجيات. ونزوات الأفراد في تكريس الفكرة الواحدة . العروي بهدوء يريد أن يميز بين لغة الشارع والبيت وما هو متداول ولغة التدريس . هاجس اللغة اخرج العروي من صمته فقال كلاما في الصميم . ولعلنا في حاجة ضرورية إلى عودة المثقف الحقيقي الملتزم بقضايا الشعب والمدافع عن هويته وقيمته في العبور نحو الأمان في مستقبل واعد لكل الأجيال .وقبل ذلك خرج العروي في الدورة الثامنة من ملتقيات التاريخ التي نظمتها الجمعية المغربية للمعرفة التاريخية في موضوع "المواطنة والمجاورة والمساهمة" . تكلم العروي عن دلالات المفاهيم وارتباطها بالتربية والحق الطبيعي والمدني والحرية التي اعتبرها العروي مطلبا ملحا .ونحن نعيش نوع من التحرير وفك الارتباط من قيود التبعية. فالمواطنة كفكر وسلوك تنم عن الحضارة والتمدن والصدق والنزاهة .فهي ضد الدناءة والخسة والسفه .ولا بد أن يكون المواطن على درجة كبيرة من الوعي السياسي . فالمواطنة تعني المساهمة في الفعل والحياة السياسية والاجتماعية.    

 المواطنة غير منفصلة عن الدولة الديمقراطية . والحقوق والواجبات . والمواطن بوصفه فردا يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة والمجتمع المدني .فاعل ونشيط . مكانته مصانه وحقوقه مشروعه .ولذلك يعود بنا العروي للوراء أي إلى زمن القرن السابع عشر الميلادي . زمن الفكر التعاقدي . يقرأ معالم في أفكار ومواقف كل من توماس هوبس وجون لوك وجون جاك روسو . بالعواطف الإنسانية النبيلة والصادقة تبنى النوايا والأفعال كما قال روسو . دين الفطرة وتربية "إميل" على الأخلاق والمثل بدون قسر وعنف . يبنى الفكر وتسمو المشاعر بدون تعصب أو غلو. ويسترشد الإنسان بالعقل ويعيش طبقا للحق الطبيعي في انسجام تام بين الحرية والفعل . اللحظة السعيدة التي عاش فيها الإنسان متناغما مع طبيعته .ما يعتبره العروي فكرا مستنيرا وحداثيا نتائجه مأمولة في بناء المواطن والدولة والمجتمع . بالعقل والتوافق على صيغ عقلانية للعبور نحو أفق التنمية والتطور . المواطن سيد نفسه , يحكم نفسه بنفسه بواسطة إرادة جماعية . تلك الإرادة الموحدة بالأهداف والغايات. والفرد كمؤسس للفعل يعلل الاحتكام لسلطة الدولة والإرادة الكلية عندما يقوم بقمع نزواته وأهوائه المتعارضة مع سلطة الأغلبية. وحق الكل في العيش بحرية وأمان .عقلانية هيجل حاضرة بقوة في أدبيات التحليل عند العروي .من الفرد والإرادة والعقل والعقلانية. والحرية وتلك شرارة الحداثة الغربية في توهجها .

 ينصت العروي للفكر الآخر ويجد في طياته ما يناسب الإنسان في تدبير الأمور الخاصة والعامة . كلام العروي يوحي من البداية إلى حاجة المغرب للحداثة والقطع مع التقليد والقوى المحافظة . وعودة المفكر للوراء والتزام الصمت دليل أن الكلام والأفكار لا تأخذ طريقها نحو التطبيق والتحقق أو نظرا لسوء الفهم. وانه بالفعل تيقن من زمن ليس بالبعيد أن المجتمع المغربي يحركه دافع المصلحة والمنفعة وليس الحق أو هكذا خبر العروي العقول والنفوس بعد تجربة طويلة في التأليف والميدان الأكاديمي .وعند الانفتاح على شريحة واسعة في المجتمع المغربي . تأكد بالفعل أن التأخر التاريخي وتراجع المعرفة والثقافة أنتج لنا أجيال وفكر مغاير.بل إن العروي يحاكم النخب السياسية والمثقفة في تنصلها من القول والتحليل بما يرضي الشعوب الميالة نحو الحرية . وقال العروي بصريح العبارة في أزمة التعليم أن الحركة الوطنية تتحمل جزء من المسؤولية .وأننا لا يجب دائما أن نرمي المسؤولية كلها على المخزن . المزايدات السياسية والمرامي الإيديولوجية . والقطع في الإصلاحات .وسوء تدبير القطاع الحيوي من الأسباب في فشل المنظومة التعليمية وفشل العبور نحو المستقبل بأمان .  

 العروي متفائل بشان إرادة الشعب رغم تلكؤ المسؤولين .وتبقى الملكية الدستورية حسب العروي ضامنة للاستقرار السياسي والاجتماعي والوحدة. وان الإصلاح يجب أن يفرض من الفوق واختيارات الكل . فالإصلاح الشمولي لا بد أن يوازي بين السياسة والاقتصاد والمجتمع . وإذا حاولنا تطبيق المفاهيم على العصر فان المبادرة تكون من الأعلى. وان ينطلق الشعب في تجسيد الإصلاح في فلسفته العميقة . ولا بد أن يكون المثقف الحقيقي في الواجهة لإبداء الرأي والسير وفق التيار العام الذي ينادي بمغرب المؤسسات والمواطنة وبناء الدولة العقلانية الحديثة.  

العروي كمثقف ومفكر تكلم ونطق بمواقف وقارب أحداث تاريخية وواقعية .وكشف عن منطقه في العبور نحو الحداثة عبر استلهام الفكر الغربي في تجلياته المفيدة .والقطع مع التقليد والقوى المحافظة . فخروج العروي الآن اعتراف بحق المغاربة في إقامة مجتمع يناسب تطلعاتهم وأمالهم في التغيير .خروج العروي في واقع الأزمة للقول في صميم الأحداث وحال السياسة والحراك الشعبي المطالب بالتغيير والتنمية . فالمثقف في زمن الصور وعصر المعلوميات وشبكة التواصل الاجتماعي يعرف فتورا وتراجعا أمام الناشط السياسي والحقوقي .وقوى أخرى في مجال العمل الجمعوي والنقابي والمدونين . في قيمة الفكر الحداثي عبد الله العروي المؤرخ والملتزم بقضايا الوطن والتنمية تظل أفكاره مهمة في قلب المشهد السياسي المغربي .واعتقد أن المؤرخ في خواطر الصباح والكتب التي تحكي عن وجهة نظره في القضايا الآنية والإشكالات العالقة في مجتمعنا المغربي من قضية الهوية والحكم واللغة والحق والحريات والمواطنة والدولة مفيدة .كما تضاف الكتب الحالية إلى كتب أخرى في تأملات فلسفية للعروي عن الدولة والحرية والعقل . وفي انهمام المؤرخ المغربي بابن خلدون وتقديم المادة الخلدونية في أطوار الدولة ونهايتها . وفي منطق البداوة والحضارة والعصبية والتعصب . وكعادته يعقد العروي مقارنات بحكم الجدة والأصالة والدقة في وصف التاريخ وتحليل أحداثة. غالبا ما يقارن العروي بين أعلام معينة من ثقافتنا والثقافة الغربية . ابن خلدون ومكيافيلي . وسلامة موسى وروسو ولطفي السيد وهوبس ...  

عاد العروي من جديد للساحة الفكرية من زاوية الحرص على القول في ثنايا القضايا التي تواجه الوطن . ومن خلال حاجتنا للتفكير عميقا في واقعنا بمنطق الفكر الجاد الهادف إلى تقديم حلول عملية .حتى أن العروي كغيره من المثقفين يعتبر المشكلة الأساسية في مجتمعنا فكرية بالدرجة الأولى . وان التأخر التاريخي واقعي . إننا لم نعش الصدمات الفكرية والثقافية . الغرب عاش الصدمة العلمية في القرن السابع عشر في إعلان ديكارت عن مسح الطاولة وتكريس عقلانية بقواعد العقل الهادف إلى تطويع الطبيعة وخلخلة ذهنية القرون الوسطى . وفرنسيس بيكون من قبل . نقل الفكر من ترسبات اليقينيات والأوهام العالقة إلى بناء معرفة بالعقل والتجربة .في ربط متين بين السلطة والمعرفة والسيطرة. نداء المؤرخ المغربي عبد الله العروي للقطع مع التقليد لأجل الحقيقة والتطور. في كلام العروي مصداقية اعتاد الناس عليها . في انحيازه الآن للشعوب وإرادتها من الهم والقلق الذي ينتاب العروي من هذا التأخر والتخلف الذي نعاني منه. ومرة أخرى نحن في حاجة للعروي في مواقف أساسية للسير نحو التنمية والقطع مع الفساد والخطاب الشعبوي والحماسي أو الارتماء النهائي في أحضان التخلف والنسيان .تكريم المؤرخ في دبي وعودته من جديد إلى الندوات والمحاضرات وكتابة الأشياء المنفلتة من الكتابة .لا يسعنا في القول. عليكم الإنصات للعروي بوصفه مؤرخا وفيلسوفا .  

 

 بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب

 

صادق السامرائيهذه قراءة نفسية سلوكية لمعلقة إمرؤ القيس التي مضى عليها خمسة عشر قرنا من الزمان أو يزيد. وقد صور فيها ملامح مهمة من دوافعنا السلوكية التي لازالت تتحرك في عالمنا المعاصر.

وقد عبر عن إبداع شعري وفكري متميز حينما ضغط الأفكار الأساسية في ملحمة الفواجع العربية في صدر البيت الأول .

لقد جعل خماسية الوجع العربي مركزة وخلاصتها

قفا  نبكي   من ذكرى   حبيب   ومنزل

أولا: الوقوف

العربي يتوقف ليوم، لشهر، لعام، لعقد أو لقرن وربما لعدة قرون، واجما جامدا مذهولا لا يحرك ساكنا ولا يأبه لواقعه.

وإنما يعيش في عالم بعيد يتهادى أمامه بفنتازيا عالية، فيرضعه من خيالاته وتصوراته وكل طاقات تعويض عجزه وانكماشه وغيابيته عن عالم الحياة.

التوقف صفة واضحة وفاعلة في سلوكنا، وهذا التوقف يدفع إلى الإجترار وإستجلاب الأفكار السلبية، لأن الشخص في زمن التوقف يكون أهلا لها وأكبر مستثمر لمشاريعها، ويبتعد عن الأفكار الإيجابية وينكرها ويشوهها ويمنحها الكثير من مفردات التداعي واليأس، ويقسو عليها ويمعن في إيلامها وإلغائها من ذاكرته الحضارية ووعيه المعاصر، فيركن إلى كهوف العدمية والبؤس والحرمان.

ثانيا: البكاء

نحن نستلطف البكاء ونكره الفرح، وفي حالة توقفنا تتراكم عندنا كل أسباب البكاء والعويل والنواح والكثير من الممارسات البكائية المؤلمة، التي نتلذذ بها ونأنس لآلامها وتأثيراتها الموجعة في نفوسنا ومحيطنا الذي نتوقف فيه كالأصنام.

ومن ينظر إلى حالة وجودنا اليومية في القرن العشرين، يكتشف عظيم بكائنا ونواحنا الذي شمل كل جوانب حياتنا.

فأغانينا بكائيات وتوجعات، وسياساتنا تفاعلات تراجيدية مأساوية قاسية تزيد في توفير عوامل البكاء والنواح والتأسي واليأس.

وكتاباتنا هي نتاجات لعالمنا الباكي الحزين وجرحنا الدفين، فما أكثر الكلمات الحزينة الباكية في مفردات تعاملاتنا اليومية وعلى شتى مستويات الحياة.

إنها تفاعلات إستنقاعية راكدة لا تعرف الحركة، وتجيد ذرف الدموع واللطم على الخدود والصدور والرؤوس، والإمعان في إيلام الذات والقسوة عليها لكي تبقى تستلطف البكاء، وتجعله ممارسة لذيذة تعبر فيها عن أوجاعها وموتها الروحي والفكري والإنساني وحتى الأخلاقي.

ثالثا: الذكرى

التوقف والبكاء والتذكر، ثلاثية مفزعة متفاعلة في أعماقنا، فالبكاء لا بد له أن يكون مقرونا بذكرى قاسية وبوجع أليم يتسبب في ديمومته.

والوقوف عند الأطلال، إن كانت شواهدا قائمة أم أحداثا حاصلة، يكون مشحونا بقوة عاطفية هائلة وإرتباط لا يمكن للعقل أن يفسره، لأنه إنتماء موجع وفجائعي الدرجة. إن الإلتصاق بالذكرى يعوّق إمكانية الحوار أو النقاش أو التفنيد.

نحن نلتصق بالصورة التي تخلقت في ذاكرتنا ونمنحها مالا يمت بصلة إليها من الصفات والمعاني والمفردات، التي نجيد إبداعها ولصقها بالشيئ المخزون في ذاكرتنا، فتتحول الذكرى إلى وقفة مأساوية وفاجعة عظمى تستحق إلغاء حياتنا وتوقفنا عن الحركة، وبكائنا وإيلامنا لأنفسنا بإمعان وقسوة، لكي نستخرج أقياح الذكرى من كل خلية في جسدنا الساكن الكسول.

ووفقا لهذا فإننا نلغي أي نشاط فكري وإبداعي يرتبط بالحاضر ونركزه على نقطة الذكرى وموقعها، وما دار ويدور لتلميعها وتحويلها إلى نشاط يومي وفعل درامي يؤسس لمسيرة حياتنا الجامدة المرتعشة حد الموت.

وهكذا ترانا نتخندق في الماضي ونمعن في حفر خنادق إنكماشنا فيه، ونتأمله بعيون دامعة وأدمغة ساخنة بالعواطف والإنفعالات، التي لا تترك منفذا للتعقل والإدراك الواعي الصحيح.

وبهذا نكون قد إستثمرنا الذكريات وتمادينا في تطويرها لتكون حاضرة حية في عالمنا المعاصر. ومضينا وكأننا لا نعرف الحاضر، فهو غريب عنا وما علينا إلا أن نغوص في سباتنا الحضاري وتذكرنا لما فات، ولا شيئ نستطيع فعله إلا إبداع البكائيات وجلد النفس والروح، وإلغاء أية قدرة للعقل على القول والفعل.

وهنا تكمن مصيبة أجيال الأمة التي ربما ستتواصل في القرن الحادي والعشرين ويا ويلاه.

رابعا: الإرتباط العاطفي

نحن نرتبط عاطفيا بما نتذكر والحبيب هو الرمز لذلك الإنتماء العاطفي الجياش بما نتذكره ونحنّ إليه ونملي عليه من صفات. وفي أغلب الأحيان يتحول المتذَكَر في أعماق لا وعينا إلى إله، لأننا نصبغ عليه الكثير من المميزات اللابشرية، ونخرجه من إطار الواقع وندفع به إلى عالم كوني وإلهي بعيد المنال.

فمثلما تتحول الأصنام إلى آلهة، كذلك ما نتذكره يكون إلها في أعماقنا اللاواعية، ويؤثر على سلوكنا وفعلنا اليومي وتفاعلاتنا مع بعضنا.

فلكل منا إله في أعماق وعيه قد صنعه من أمهات خيالاته وتصوراته بإضفائه ما لا يمكن أن يتصوره بشرٌ على ذلك "المتذكَر"

أي أن الذكرى في أعماق لا وعينا تتحول إلى طاقة فائقة ذات إمدادات كونية تستحق منا كل الألم والإذعان والانتماء المطلق إليها، والانقياد إلى ما نتصوره عنها من الصفات الإلهية الشمولية المطلقة.

فالذكرى في أعماقنا ليست ذكرى واقعية، وإنما هي ذكرى وهمية ومتخيلة، لها أساس لكنها قد تشوهت وتطورت وتنامت حتى غدت شيئا لا أساس له في وعينا الانفعالي الجياش، الذي لا يعرف للعقل مكانا وصوتا، ولا يمكنك أن تمس هذه الذكرى المقدسة وهذا الإله الكامن في الأعماق.

فنحن لا نتذكر مثل باقي البشر، وإنما ننفعل ونتفاعل مع ما نتذكره ونضفي على "المتذكَر" الكثير من الصفات البعيدة عنه، ونسعى إلى تأليه الذكرى والإنتماء العاطفي إليها بقوة وشدة لا يصدقان.

ووفقا لهذا التفاعل العاطفي المنفعل مع ما نتذكره يكون الماضي عندنا حالة مقدسة. فالأب بعد وفاته يكون مقدسا والشيئ بعد فقده يكون عزيزا ومعبرا عن حياتنا ومحورا لها فلا قيمة لشيئ عندنا ما دمنا قد فقدنا ذلك الشيئ.

أي أننا نحقن المفقود والضائع والماضي بالعاطفة والمثالية والألوهية وتكون طاقاتنا للبحث عن المفقود والمتذكر قد تفوقت على طاقاتنا في السعي للبناء والتطور في الحياة.

أي أن لدينا عزم وإرادة شد إلى الوراء أقوى من عزمنا وإرادتنا في التحرك إلى أمام.

وهذا مبعث الإستنفاع الحضاري والتخندق في ذات المكان والزمان، وعدم القدرة على الحياة في عصر مشحون بالتطورات والإبداعات الفكرية على شتى المستويات.

خامسا: المكان

بعد التوقف والذكرى والبكاء والإنفعال المرتبط بها يأتي المكان، ليكون موضعا جامعا لتلك المميزات الأربعة.

فالمكان الذي تتحقق فيه الذكرى ويرتبط به الشيء المتذكَر، لا بد له أن يكون مقدسا ومنزها ومؤلها، لكي يبرر التفاعل معه بالأسلوب الفجائعي المؤلم الذي يسترخص الأرواح.

فالمكان يكون أكثر قدسية من البشر الذي يتفاعل معه بسبب ما إمتلكه من المعاني والقدسية والتبجيل.

فالطلل المكاني هو ليس طللا في منظور من يتذكر، وإنما هو حالة أخرى، إنه حافز ليقظة ما في أعماقه اللاواعية من تصورات وتخيلات عن ذلك الحبيب، وكيف كان يسعى في المكان المتصور، وكيف كان يقول وما هو شكله وكل حركاته، التي تتحول إلى ملحمة رومانتيكية يستحيل إستخراجها من أعماق الخيال، بل يتم البناء عليها وفقا لطاقات العقل الجمعي المتفاعل مع ذلك المكان أو الطلل الذي يقف أمامه هذا البشر، فالطلل يتحول إلى عالم مقدس مليء بمعاني المطلق والإبتعاد عن حالة الواقع المعاش.

هذا الوجود السرابي للأشياء هو الذي يجعل العربي يتصور السراب ماءا في الصحراء الكالحة فيسقي ظمأ لاوعيه ويحقق إستمراريته.

أي أن الخداعات الفكرية من المؤثرات اللازمة لتحقيق الإستمرارية والحياة وتأكيد الإحساس بهما.

وبدون هذه الخداعات يكون الواقع القائم جحيما ومعركة من الصراعات والتفاعلات الدامية، التي لا تبقي شيئا صالحا للحياة من حوله.

إن إلغاء المكان بمفرداته الواقعية الملموسة وإضفاء القدسية عليه، وتحقيق قدر عالي من الإنتماء العاطفي القوي نحوه، يجعل الفرد البشري لا يرى ذلك المكان أبدا ولا يبصره إطلاقا، وإنما كل الذي يكون شاخصا أمامه هو ما هو قائم فعلا في دنيا أعماقه اللاواعية، وأنه يُفرغ ما فيه على المكان ويتوهم بأنه قد تلمس ما فيه.

فهكذا هو قد إلتقى بالمكان الذي إرتبط به عاطفيا وعاش حالة التذكر المشوهة المقدسة المؤلهة، وذرف دمعا على أضرحة تصوراته وخيالاته، وحقق إرضاءا لحاجاته العاطفية المسكونة بهاجس المكان أيا كان معناه وموضعه وشأنه.

ومن هنا فان امرؤ القيس قد جمع خماسية الدمار العربي في صدر بيته العتيد الذي افتتح به معلقته الرائعة الخالدة، وهو يلخص الأسباب الجوهرية لمعاناة أمة على مدى العصور!!

إن ديناميكية التفاعل ما بين هذه المرتكزات تؤسس لسلوكياتنا التي نحصد نتائجها في كل عصر وجيل، فالأجيال التي تحاول أن تعبر عن نفسها في مسيرة الحياة تسقط في قيد خماسية الفواجع المدمرة، التي تحولها إلى وجود مشلول وطاقات متوقفة موؤدة إلى الأبد.

إن أي جيل يريد أن يقدم شيئا ويتحرر من القيود الثقيلة ويتعامل مع الواقع القائم يسقط في وادي "قفا نبكي" فلا يقدم شيئا نوعيا كالجيل الذي سبقه.

ويمكننا التعمق والإمعان الفكري والبحثي في هذه الآليات الخمسة وتفسير الكثير من سلوكياتنا النهضوية والتقدمية من خلال منظارها الشمولي الثابت.

 

د. صادق السامرائي

 

جواد بشارةحدثت الثورة الفيزيائية الأولى في القرنين السادس عشر و السابع عشر مع كوبرنيكوس وكبلر وفيما بعد غاليلو غاليله وأخيراً نيوتن . وهي الثورة التي انتصرت على الطرح الآرسطواليسي، الذي تبنته المؤسسة الدينية الكنسية المسيحية واعتبرته متوافقاً مع الطرح الديني لمسألة التكونين وخلق العالم وفق أطروحة سفر التكوين في التوراة. أما الثورة الثانية فقد حدثت في فجر القرن العشرين على يد ألبرت آينشتين بين 1905 و 1955 وكانت أعظم ثورة علمية شهدتها البشرية . فأغلب الأجهزة التكنولوجية والتطبقيات العلمية اليوم الإنجازات التكنولوجية تستند على نسبية آينشتين الخاصة والعامة كالأقمار الصناعية والليزر وأجهزة الكومبيوتر العادية والفائقة وتكنولوجيا النانو والإنشطار النووي والإندماج النووي وأجهزة رصد أمواج الثقالة أو الجاذبية وحركة النجوم والسفر إلى الفضاء، والتحديد الموقعي للعناوين بواسطة الأقمار الصناعية GPS إلى جانب العديد من التنبؤات التي ثبتت صحتها بعد مرور عقود طويلة كمكثفات بوس ــ آينشتين عن الحالة التي تقترب من الصفر المطلق التي تنبأ بها آينشتين سنة 1924، والثقوب السوداء الذي تم تصويره مؤخراً في 14 نيسان 2019، والثابت الكوني الذي يعادل اليوم الطاقة المظلمة أو السوداء، والحلقات والعدسات الثقالية التي تساعد علماء الفلك في قياس أبعاد ومسافات الأجرام السماوية وحركاتها والموجات الثقالية التي تم اكتشافها مؤخراً، وأبحاث هذا العالم الفذ في الضوء وطبيعة المكان والزمن الذي ابتدع لهما مفهوم موحد سماه نسيج " الزمكان" وعلاقته بالجاذبية وسعيه للعثور على نظرية المجال الموحد أو النظرية التوحيدية الجامعة والوحيدة التي تعمل على الربط بين النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والجمع بين كافة قوانين المادة والطاقة، المرئي منها والمظلم أو الأسود وغير المرئي، بغية الوصول إلى " نظرية كل شيء" الخ.. في نفس الحقبة الزمنية من 1900 إلى 2019 تطورت ثورة علمية أخرى بالتوازي وهي فيزياء الكموم أو الكونتوم وأبطالها، آينشتين نفسه وماكس بلانك وبور وهايزنبيرغ وشرودينغر وغيرهم.

كانت الفكرة والبحث الدءوب والمستمر والمثابرة والرغبة في الذهاب إلى أبعد ما يمكن دوماً لتحقيق الأحلام أو مواجهة التحديات والمعضلات العلمية والتساؤلات العالقة والجوهرية في مجال العلم، هي التي تقود العلماء إلى التفكير والتأمل والتمعن أعمق فأعمق وبجرأة متزايدة بغية بلوغ الحقيقة النهائية عن الأصل والمصير.

عالم الكموم أو الكوانتوم، غريب وبعيد عن المنطق السليم أحياناً. خاصة مع مفاهيم الريبة واللايقين l’incertitude والتراكب superposition والتشابك intrication واليوم يحاول بعض العلماء الشباب تجاوز حدود ميكانيك الكموم أو الكوانتوم من خلال توسيع وتجاوز الأسس الأولية التي بنيت عليها فيزياء الكموم أو الكوانتوم. وابتدعوا و تخيلوا من أجل ذلك مفاهيم جديدة وثورية تتجاوز المحظور والمتعارف عليه من قبيل Les intrications et les contextualités et les supra-quantiques ،التي يمكن أن نفهمها على غرار فهمنا للتراكب و التشابك والسياقات المتداخلة وفوق أو مايتعدى الكموم أو الكوانتوم. والغرض دائماً هو نفسه، أي إيجاد الوسيلة للجمع بين دعامتي الفيزياء المعاصرة النسبية والكموم أو الكوانتوم وتوحيدهما في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء، التي تصف الكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر.

هذا الحلم ليس وليد اليوم. فلقد شغل بال واهتمام آينشتين حتى نهاية حياته لكنه لم ينجح في تحقيق هذا الحلم، لا هو و لا غيره. فالنسبية تختص بوصف الجاذبية أو الثقالة الكونية كخاصية من خواص الزمكان، الذي يتحدب وينحني تحت تأثير الكتل، أي وصف الكون على النطاقات الكبيرة وفي الطاقات القصوى. من جانب آخر، هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، الذي يعمل في النطاقات الصغرى ما دون الذرية ويقدم تنبؤاته في حدود عالم الذرة وما دونه كالإلكترونات والجسيمات الأولية والأوتار وغيرها. لكن لا توجد مشتركات بين العالمين الماكروسكوبي والميكروسكوبي . أحدهما يحتل فضاءاً مسطحاً وساكناً، والآخر فضاءاً منحنياً وديناميكي، أحدهما يخضع لمقتضيات الصدفة والاحتمالات، والآخر لا يعطي أي اعتبار للمصادفة والاحتمال، أحدهما ينظر للزمن باعتباره مجرد خاصية تطورية بينما يراه الآخر باعتباره عنصر مركزي جامد وثابت والحال أن الثقالة أو الجاذبية، التي تحتل مركز النسبية العامة، لا يوجد لها أي وصف أو مكان أو اعتبار في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فنظرية بلانك لإشعاع الجسم الأسود كانت بمثابة اللحظة الخالدة التي أسقطت ميكانيكا نيوتن وكل تفكير منطقي وسببي وحتمي . وهكذا يستمر عدم التوافق بين دعامتي الفيزياء المعاصرة مع أنهما يتحدثان عن نفس الكون المرئي الذي نعيش فيه، كل بطريقته الخاصة وقوانينه .  لم يبق أمام العلماء سوى القبول بالأمر الواقع والتعايش مع نظريتين متباينتين ظاهرياً لا يمكن التوفيق بينهما ناهيك عن جمعهما وتوحيدهما، أي التخلي عن برنامج ومشروع التوحيد الذي تسعى إليه الفيزياء النظرية . فمنذ غاليله في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تسقط ما قبلها وتحل محل سابقتها، وتكون أعم وأشمل، ولقد حدثت عمليات توحيد بين بعض القوانين الجوهرية خلال القرنين الماضيين بين الكهرباء والمغناطيسية مثلاً ونتجت القوة الكهرومغناطيسية، ومن ثم أدمجت هذه القوة بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي. أما جاذبية نيوتن فلقد تم تجاوزه وتوسيعها على يد النسبية العامة . وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديد أكثر سعة وشمولية. ومن المفترض أن يستمر هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال، كما كتب آينشتين يوماً ما لصديقه هيرمان فيل Hermann Weyl سنة 1923.

طالما ما تزال هناك ظواهر يتعذر علينا وصفها وتفسيرها، فمن المستحيل، بدون نظرية ثقالة كمومية أوجاذبية كوانتية، معرفة ما يحدث حقاً عندما ندخل ثقباً أسود على سبيل المثال، و لا فهم أوإدراك لولادة الكون المرئي، و لا كيفية تكوين الجسيمات الأولية. كانت هناك محاولات عديدة خلال القرن المنصرم، للموائمة والمصالحة بين النظريتين المتناقضتين الشقيقتين اللدودتين، وظهرت قائمة طويلة من النظريات التي تصدت لهذه المهمة العويصة قادها كبار العلماء الأفذاذ والمشهورين جداً والتي انطلقت سنة 1918، والتي بدأت مع العالم الفيزيائي وعالم الرياضيات الشهير هيرمان فيل Hermann Weyl، وتواصلت مع آينشتين، وثيودور كالوزا وآرثر إيدينغتون وروجيه بينروز وأندريه زاخاروف وستيفن هوكينغ، ومؤخراً كارلو روفيللي وليونارد سيسكايند وآلان كون .

وفي كل مرة أعتقد المنظرون الفيزيائيون أنهم بلغوا الهدف كما حصل في سنوات الثمانينات عندما بلورت مفاهيم وقوانين ومعادلات نظريات الأوتار والأوتار الفائقة، التي بدت وكأنها تتوافق مع تعديل بسيط، مع النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية، ونظرية التماثل والتناظر الفائق supersymérie. حيث تخيل العلماء كون ذي عشرة أبعاد مكانية وبعد زماني تكون فيه الجسيمات الأولية ناجمة عن تذبذبات وترددات متنوعة لمختلف الأوتار البالغة الصغر القريبة من طول بلانك بحدود 10-32 من المتر، والتي تتذبذب كأوتار آلة الكمان. لكن الأمور تغيرت اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فالتجارب الحديثة أسقطت عدد من النظريات التي كانت تعد بديلة للنسبية العام، وأنهت صلاحيتها كما يقول العالم الإيطالي الأصل كارلو روفيللي وهو منظر ومدرس في جامعة مرسيليا الفرنسية. ولقد بلغ مسرع الجسيمات الأولية ومصادم الهدرونات الكبير LHCالتابع لسيرن Cern، بالقرب من جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على الجسيمات الفائقة التماثل والتناظرsuper symétriques particules في حين تم حساب الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التوسع الكوني، وتبين أنه موجب، بينما كان أغلب علماء نظرية الأوتار الفائقة يعتقدون ويتوقعون أنه ذو قيمة سالبة.

ثم تحقق اكتشاف الموجات الثقالية كما يقول كارلو روفيللي وهو حدث مهم وإنجاز علمي كبير عندما تم حساب أن الموجات الثقالية والكهرومغناطيسية الناجمة عن إندماج نجمتين نيوترونيتين، تنتقل بنفس السرعة، والحال أن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة كانت تتوقع أن سرعة نموذجين من الموجات الثقالية يجب أن تكون مختلفة ومتنوعة. ما تزال هناك نظرية الثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية الحلقية أو العروية قيد التجريب وكانت تحتل المرتبة الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة . فبدلا من أن ترى الجاذبية كنتيجة أو تأثير لتشوه الزمكان، اقترحت أن يكون الزمكان نفسه كتجلي وتمثل أو تمظهر للحقل الثقالي. ولم تتعرض هذه النظرية للدحض التجريبي أو تعرض لصعوبات إثر التوصل إلى نتائج تجريبية . فالمشاكل التي كانت تعتبر هامة في سنوات الثمانينات من القرن الماضي تم حلها بفضل هذه النظرية ويجري البحث عن توقعات وتنبؤات لمقارنتها مع نتائج التجارب المختبرية كما يصرح كارلو روفيللي رافع لواء هذه النظرية مع العالم الأمريكي لي سمولين.

في نهاية تسعينات القرن الماضي انتشرت في الوسط العلمي محاولات العالم الفيزيائي خوان مالداسينا Juan Maldacena المدهشة، وهو أحد أعمدة نظرية الأوتار الفائقة وكان لها أصداء كبيرة. وصرح بهذا الصدد :" في بعض الأكوان النظرية المبسطة، يمكن لكافة التأثير التي تعزى لقوة الثقالة، أن توصف كما لو إنها ظواهر كمومية أو كوانتية، تحدث على أطراف هذا الكون المرئي، حيث لايوجد أي أثر للثقالة أو الجاذبية وهنا بالذات تحدث مصالحة وتوافق واتساق وانسجام بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي والنسبية العامة في كون مبسط Univers Simplifié" واعتقد كثيرون أن العلماء على وشك بلوغ الهدف والغاية القصوى كما صرح جوزيف بولشينسكي من معهد كافيلي في كاليفورنيا وكان ذلك الاكتشاف من القوة بمكان بحيث جعل الكثير من العلماء يعتقدون أن حلمهم على وشك التحقق . وتفرعت عدة نظريات عن ذلك مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرليند Erik Verlinde، الذي وصف الثقالة أو الجاذبية كتجلي أو كمتظهر ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية . أو فرضية خوان مالداسينا و ليونارد سيسكند التي تقول بمسلمة أن تلك الظواهر الميكروسكوبية ما هي إلا مؤشرات كمومية أو كوانتية . بيد أن الأمر يحتاج لتطور أكبر ولمعادلات رياضياتية جديدة فلا يكفي استبدال نقطة جسمية في اللامتناهي في الصغر بوتر وبالتالي على النسبية العام والميكانيك الكمومي أو الكوانتي أن يتحركا ويصنعان ثورة جديدة وابتكار أفكار جديدة. وفي خضم هذا التحرك والهيجان النظري والتنظيري الجديد برز جيل جديد من العلماء المنظرين وانطلقوا في مقاربات غاية في الغرابة والجدية والندرة : قاموا بعزل الظواهر الأكثر غرابة للنظرية ودفعها بعيداً لكي يتخيلوا مافوق أو مابعد أو ماوراء الكموم أو الكوانتوم. إنطلاقاً من السببية causalité و اللامحلية la non localité و السياقات المتداخلة أو القرائنية contextualité، ما من شأنه أن يشق طريقاً جديداً نحو الثقالة الكمومية أو الكوانتية. وأكثر ما تقدمت به هذه الحركة كان في مجال " السببية causalité، منذ اكتشاف ذلك التشابك والتراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب وعلاقة السبب والنتيجة أو العلة والمعلول de cause à effet، تخيل الباحثون باباً نحو النسبية فالسببية هي بمثابة نقطة تلاقي بين النسبية العامة ةالميكانيك الكمومي أو الكوانتي كما لاحظ العالم آلكسي غرينبوم الذي علق قائلاً على ذلك:" إن الكوانتوم أو الكموم يسمح بأشياء لايمكننا تفسيرها أو شرحها في الزمكان". أما غاسلاف بوركنر Caslav Brukner أحد المختصين بهذا المجال في جامعة فينا في النمسا، فقد صرح:" لو وضعنا جسيم هائل الكتلة في وضعية تراكب سببي superposition causale، فإن المسافات المكانية الزمانية بين الأحداث في الحقل أو المجال الثقالي للجسم المذكور تغدو متشابكة intriquées بدورها مع موقع أو موضع الجسم " والتكنولوجيا الحديثة قد تساعدنا في اختبار هذه الطرح وهذه الفكرة تجريبياً ومختبرياً بشأن أجسام كمومية أو كوانتية أكبر حجماً وكتلة وربما سنبلغ درجة من الدقة كافية لدراسة كتل بحجم إلكترونين . يتبع

 

د. جواد بشارة

 

"يولد الأطفال اذكياء بالفطرة ثم يقوم الكبار بمناهجهم التربوية البليدة بتشكيلهم اغبياء"

ولازالت بعض الرعويات العربية تمنع تدريس الفلسفة بجامعاتها!  

ارتبطت الفلسفة عبر تاريخها الطويل بصورة نمطية للرجل الكهل الذي يبدو منهمكا في التأمل والتفكير في مشكلات العالم الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) وتطالعنا الأنثربولوجيا الفلسفية منذ القرن السادس قبل الميلاد في اليونان القديم بنماذج بالغة الرمزية والدلالة للصور النمطية التي اكتسبتها الفلسفة ورموزها الفاعلة -(سقراط، أفلاطون، ارسطو، الفاربي، ابن رشد، ابن خلدون، ديكارت ، كانط..الخ)- في تاريخ الفكر الإنساني العام. فالفلسفة هي فيلو سوفيا بمعنى (حب الحكمة). والفيلسوف هو محب الحكمة أول صديق الحكمة بحسب هدى الخولي. ويعد افلاطون أول من صاغ نظرية للتربية في جمهوريته الفاضلة ونادى بتربية الأطفال وتنمية قدراتهم عبر نظام تربوي وتعليمي صارم على مدى خمسين عاما في خمس مراحل تبدأ بالتربية البدنية وتنتهي بالتربية الفكرية الفلسفية. إذ وضع التربية الفكرية في قمة الهرم الذي يتربع عليها الملك الفيلسوف. ربما كان السياق التاريخي وشروط قواه الفاعلة التي تستند على عناصر القوة المادية الفجة؛ قوة الاجساد والسواعد وقوة الجماعات المنظمة والعتاد العسكري، ذلك السياق الذي شكل التاريخ الإنساني الماضي  حتى عهد قريب هو ما يفسر هيمنة النموذج الأفلاطوني في التربية والتعليم النظامي. لكن مع ما شهد عالمنا المعاصر من تحولات عميقة بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات بدأ التفكير الجاد بإعادة النظر في الباراديم التربوي والتعليمي الذي ساد الحضارتين الماضيتين؛ حضارة الموجة الزراعية وحضارة الموجة الصناعية، بحسب توفلر. مع بزوغ حضارة الموجة الثالثة حضارة الانترنت والمعرفة أخذ العلماء الفلاسفة يفكرون في كيفية الاستجابة الفاعلة لهذا التحدي الجديد " نحن بحاجة الى فلسفة جديدة للمعلوماتية.. فلسفة تمكننا من فهم واستيعاب التحولات العميقة والواسعة النطاق التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفهم طبيعة المعلوماتية ذاتها.. نحن في حاجة الى الفلسفة لنترقب ونوجه الأثر الأخلاقي لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات علينا وعلى بيئتنا. نحن بحاجة الى الفلسفة لبناء الإطار الفكري المناسب الذي يمكن أن يساعدنا على إدراك الدلالات والمعاني العقلية لمأزقنا الجديد، وباختصار، نحن في حاجة الى فلسفة المعلومات بوصفها فلسفة تخص عصرنا، من أجل عصرنا" هكذا أستهل المفكر الأيطالي الجنسية لوتشيانو فلوريدي أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ورئيس مجلة الفلسفة والتكنولوجيا" ينظر، كتاب، الثورة الرابعة، كيف يشكّل الغلاف المعلوماتي الواقع الإنساني. في هذا السياقي التاريخ الواسع يمكننا فهم ومعنى أهمية وحيوية مشروع تدريس الفلسفة للأطفال الذي بدأت فكرته وتطبيقها عند عالم التربية الأمريكي، ماثيو لبيمان،  من خلال مؤلفاته العديدة، من بينها؛ التفكير في التربيةو"الفلسفة في الفصول الدراسية، ورواية اكتشاف هاري ستوتلميير)وغيرها من الكتب الأخرى، التي عمل فيها ماثيو ليبمان على إبراز دور وأهمية تدريس الفلسفة للأطفال. ترتكز منهجية ليبمان الأكثر شهرة في العالم على ثلاث أهداف:

ـ تربية وتنمية  ثقافة السؤال والحوار العقلاني في المدرسة من خلال الانطلاق من أسئلة الأطفال نفسها وإشراكهم في التفكير بالمشكلات الحيوية .

ـ حث الأطفال على كتابة نصوص سردية تتمحور حول انتماء الطفل إلى شخصيات وحالات (تستحضر البعد الإنثربولوجي).

ـ  تحفيز التفكير الذاتي عند الأطفال وتخصيص حيز للكلام وتبادل الأفكار معهم بشأن  المشاكل العالمية: البيئة، الفقر، اللامساواة... وتكون المناقشة حرّة، شريطة استحضار النقد والدليل والحجة. ويرى الفيلسوف البرجماتي جون ديوي: "تخولنا وجهة نظر التربية  أن ندرك المشاكل الفلسفية حيث تنشا وتنمو في عقر دارها، حيث آلـ "نعم" والـ "لا" تعبران عن معارضة عملية" وإذ ما رأينا في التربية تكوين النزعات الأساسية الفكرية والوجدانية التي تتعلق بالكون والله والعالم والتاريخ والانسان والحياة والموت والخير والشر والجمال والقبح  لعرفنا أهمية تربية العقل وتنمية ملكة التفكير النقدي عند الأطفال.

وعلى مدى نصف قرن من تطور هذا المشروع التربوي التعليمي العالمي بات اليوم يكتسب انتشارا وتطورا عموديا وأفقيا في عموم بلدان العالم وقد جمعت المنظمة الأممية للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو مجمع عناصر المشروع وتطوراته النظرية والمنهجية والمؤسسية في كتاب (الفلسفة مدرسة الحرية: تعليم الفلسفة وتعلم التفلسف: وصف الحالة الراهنة واستشراف المستقبل) ٢٠٠٩م وتم ترجمته بدعم من صندوق مشروع الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود لتطوير اللغة العربية بمنظمة اليونسكو. وقد بينت الدراسات العلمية أن هذا النمط من التعليم الذي ينمي الفكر ويوسع الأفاق المعرفية العقلانية عند الأطفال قد أنتشر بسرعة مذهلة في معظم دول العالم الراهنة غربا وشرقا عدا الدول العربية. رغم أن الدراسات أن هذا النمط من التعليم هو المنهج السليم لتجاوز الكثير من المشكلات الراهنة ومنها مشاكل: التطرّف والعنف والإرهاب.

 إذ أن الفرضية الاساسية لهذا النمط التعليم الجديد تنطلق من أن عقول الأطفال هي أكثر قدرة على التفكير والخيال بحكم خلوها من أوثان الذاكرة التي تستبد بعقول الكبار. فالأطفال منذ سن ثلاث سنوات يبدون فضولا لا مثيل له في التعرف على العالم من حولهم. إذ نجدهم يتسألون عن كل ما يصادفهم في حياتهم (ما هذا؟ لماذا؟ من هو؟ وماذا يعني؟) والأطفال فضوليون بطبعهم، يحاولون بكل شكل إيجاد إجابات ممكنة الفهم لها علاقة بمعنى وجودهم، بما تعنيه الحياة بالنسبة لهم، في كل مرة تجيبهم عن شيء ما سوف يعاودونك بالسؤال "لماذا؟!" حتى تنتهي منك الإجابات عند خانة "لا أعرف"، لذلك حينما نتساءل عن: هل يمكن أن يتعلم الأطفال الفلسفة؟، فإن إجابة جون باجيه صاحب النظرية الشهيرة القائلة إن الأطفال حتى سن 12 لم يمتلكوا بعد الخبرة الإدراكية الكافية لفهم ما يعنيه "التفكير في التفكير" قد تترنح بالفعل أمام تساؤلات الأطفال اليومية والتي تدعنا – نحن الكبار – في حيرة – ربما – بالغة. وعلى النقيض من تنظير عالم النفس السويسري جان بياجيه، يذهب  جاريث ماثيوز، الفيلسوف الأميركي المتخصص في تدريس الفلسفة للأطفال، أن نتائج العديد من الدراسات تؤكد أن الطفل في سن صغيرة قادر على بناء حجج جيدة، وصياغة تساؤلات مهمة عن القيم، واللغة، والميتافيزيقا، وحتى نظرية المعرفة. تلك إذن بداية جيدة للغاية.

مع الأطفال تستعيد الفلسفة روحها حيث تولد الدهشة ويتولد العجب وتثار الأسئلة في منابعها الأصلية الفطرية البريئة من الأوثان والاحكام والتحيزات.

وفي الختام يمكن الاشارة الى الفرق بين نمطين مناهج التربية التعليم: يرتكز منهج النقل والتلقين في التعليم التقليدي على مفارقة منطقية، فهو من جهة يدعو إلى تعليم عقول التلاميذ معارف سابقة جاهزة ومكتملة التكوين ومن جهة أخرى يدعوهم إلى التخلي عن عقولهم وعدم الثقة بها، فضلا عن كونه يقوم على فرضية خاطئة في النظر إلى عقول المستهدفين بالتعليم بوصفها أوعية ثابتة وجامدة يمكننا حشوها بما نشاء من معارف وأفكار جاهزة عبر النقل والتلقين دون الخشية من سوء الفهم والتاؤيل أو دون أن يخامرنا الشك بسلبيتها المطلقة في التلقي والحفظ والتخزين والاستعادة تماما كما نقوم بنقل الأموال وايداعها في البنوك الإسلامية كأمانة ثابتة نستعيدها وقت الحاجة بدون ربح أو فائدة! هذا النمط من التعليم المسمى بالتعليم البنكي، يكون فيه المعلم الشيخ أو الناقل هو الطرف الإيجابي الفاعل بينما يكون المستهدف بالتعليم (التلميذ) هو الطرف المتلقي السلبي إذ تقتصر وظيفة هذا الأخير على حفظ ما نُقل اليه واسترجاعه استرجاعا حرفيا دون بذل أي جهد فكري نقدي للفهم والتدبّر والتأويل والتفسير! وكلما زاد انتشار هذا النمط من التعليم التقليد كلما زاد عدد الأشخاص المنمطين تنميطاً صارماً في محاولة عابثة لاستنساخ النسخة الأصلية التي اثبتت الخبرة التاريخية والتجربة الاجتماعية استحالة نقلها وحفظها وتلقينها واسترجاعها بحذافيرها وذلك من طبيعة التاريخ الذي يستحيل إعادته مرتين! لان احداثه نوعية وفريدة في معطياتها التاريخية الزمنية والمكانية وسياقاتها الاجتماعية والثقافية، وكل محاولة لاستنساخ التاريخ هي مهزلة عابثة ! وهكذا يمكن القول أن التعليم الذي لا يوسّع من مدارك المستهدفين وينمي معارفهم وفهمهم بموضوعات ومشكلات واقعهم وعالمهم ويزودهم بالقدرة والذكاء الفعّال لمواجهتها وحلها،لا قيمة له ولا فائدة، فضلا عن كونه ممارسة لتكريس الجهل والتجهيل المزدوج ! وتكمن خطورة هذا النمط من التعليم التقليدي في قدرته على تشكيل وتنميط عقول المستهدفين تنميطاً صارماً وجعلها تعتقد انها وحدها من يمتلك العلم والمعرفة الصحيحة وما خلاها هو الجهل والضلا. وكلما تم تشكيل الاذهان على نمط من أنماط الاعتقاد المعرفي كلما بات من الصعب تغييرها! والمعرفة ليست اعتقادا مغلقاً بل هي ويجب أن تكون انفتاحا دائما للعقل على كل جديد وإنشغالا متقدا للفهم والذكاء في محاربة الجهل ونقد وتصويب الأخطاء وحل المشكلات وتصحيح المناهج والمسارات. يبدأ العقل بالدهشة ثم السؤال ثم التفكير وينتهي الى الفهم.

 

د. قاسم المحبشي

 

865 1ـ ان المثقف الناقص بالتاريخ مثل الذي يعاني من فقر الدم، ثقافته شاحبة وضعيفة.

ـ التاريخ، لا يعني فقط الملوك والدول، بل جميع حقول المعرفة: تاريخ الافكار والاديان والبيئة والمجتمعات والطب والهندسة  والسحر والطبخ والازياء ..الخ..

- كل اسبوع وشهر، تصدر اكثر من سبعين مجلة تاريخية بالانكليزية، في مختلف ميادين التاريخ. جميعها ورقية ومعظمها ملونة، وفيها الاكاديمية النخبوية، والكثير منها شعبية وعائلية وحتى خاصة بالاطفال!

- اما المجلات العربية، فلا تتجاوز عدد الاصابع، وجميعها (مُحكّمة) أي خاصة بـ(الصفوة المختارة)!!، وتصدر باعداد نادرة في العام الواحد، بالاضافة الى ان غالبيتها الكترونية وليست ورقية!

865 2

ـ لدينا المئات من المجلات الشعبية: ادبية وسياسية ورياضية وطبية ونسوانية ودينية، الّا التاريخ فهو غائب تماما، ومتروك طبعا للظلاميين والعنصريين!؟

865 3ـ ان الوطن والعالم، مثل الانسان، كلما عرفت ماضيه وتاريخه، كلما تمكنت من التعامل معه بصورة صحيحة.

ـ ان التاريخ اخطر الاسلحة السياسية والدينية، وتجاهله يعني منحه للمتعصبين واعداء الوطن!

نعم، أن معرفة التاريخ اساس جميع المعارف، مهما كان إهتمامي وتخصصي. لو عرفت آلاف الكتب والمعارض والبلدان والمختبرات، فأن ثقافتي تبقى سطحية، مثل شجرة مقتلعة الجذور. ولن تثبت في الارض الا بفضل معرفة التاريخ.

لن أصبح مهندسا او طبيبا او تشكيليا، دون معرفة تاريخ الطب والهندسة والتشكيل. ولن أصبح روائيا او شاعرا دون مطالعة تاريخ واساطير وحكايات شعبي وباقي العالم. ولن أصبح سياسيا او محللا اخباريا، دون معرفة طبيعة الدول والامبراطوريات القديمة وتطوراتها وصراعتها. بل حتى لن أصبح طباخا ماهرا، دون مطالعة تواريخ وميراثات الطبخ في بلادي والعالم.

حقول المعرفة التاريخية

865 4

مجلة العربي الكويتية، حتى الآن هي افضل مجلة ثقافية، منوعة وتاريخية عربية

اولا ـ اولا وقبل كل شيء، تاريخ الوطن. ولا اعني التاريخ الرسمي المدرسي المكرر، بل تاريخ الوطن الحقيقي، بأقوامه وأديانه وطوائفه، وبجميع مراحله منذ العصر البدائي وحتى العصر الحالي. فلن تكتمل وطنيتي ولا تتجذر ثقافتي، دون معرفة تاريخ وتراث وعقائد الجماعات التي أعيش انا واهلي وناسي معها ونتتشارك حياتنا في ارض وسماء الوطن. فكيف يحق لي أن أقيم مطالب القومية او الطائفة الفلانية، وانا لم أقرا أي شيء عن تاريخها أوعقيدتها؟ كيف أخرج فلما او أرسم لوحة، أو أحلل وضع الدولة والمجتمعـ أو أكتب شعرا ورواية، دون معرفة جذور وماضي وتاريخ الواقع والشعب الذي أعيش فيه وأتحدث عنه؟

ثانيا ـ معرفة عمومية لتواريخ جميع الاوطان والحضارات المعروفة، منذ اولى الحضارات العالمية: العراقية والمصرية والشامية، ثم ما تلتها من حضارات ايران واليونان والصين والهند وقرطاجة وافريقيا وهنود امريكا، وصولا الى الحضارة الغربية الحديثة. فلن أصبح انسانيا وشموليا دون معرفة تواريخ شعوب الارض وحضاراتها. ولن أتفهم باقي الشعوب وإشكالاتها ومحاسنها وسيئاتها وتأثيراتها على بلادي ومنطقتي، دون معرفة تواريخها.

865 5

ثالثا ـ تواريخ الاديان الكبرى: الاسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية والتاوية وكذلك الاديان الشامانية(عبادة الطبيعة). فلن أتفهم بصورة عميقة وحقيقة، دين شعبي أو فلسفتي، ويكتمل ايماني أو قناعتي، دون معرفة تواريخ باقي الاديان والمقارنة بينها. ان الكثير من مثقفينا الحداثيين ينكبون بوله طفولي على دراسة فلسفات اوربا، منذ اليونان حتى الآن، ولكنهم بنفس الوقت يتعففون ويتكبرون من مطالعة جذور هذه الفلسفة الاوربية، اي فلسفات البشرية المؤسسة، والمتمثلة بالأديان الاولى، المنتهية والحيّة، وتواريخها.

الجغرافية جسم التاريخ!

865 6مجلة (الجغرافية الوطنية) الانكليزية، مثال على علاقة الجغرافية بالتاريخ!

كي أتفهم بصورة كافية ما أطالع من التاريخ، من الضروري معرفة الجغرافية ولو بصورة عمومية. أي حد ادنى من معاينة الخرائط ومعرفة التضاريس والبيئات المختلفة. ان تعليق خارطة الوطن وخارطة العالم في غرفة المثقف امر ضروري، كي يعاينها دائما وتتوضح له العلاقات والتداخلات التاريخية. لكي أفهم حضارة الاندلس علي ان أعرف ولو سطحيا جغرافيا بلدان المغرب واسبانيا، ومواقع المدن والجيوش والسلالات. ولن أفهم حضارة النهرين، دون رؤية خارطة العراق ومواقع الجبال والانهار والبوادي. ولن افهم وضع الاكراد، دون معاينة جبال زاغاروس. ولن أفهم تاريخ البحر المتوسط بشعوبه وحضاراته على ضفتيه الشرقية والغربية، دون رؤية عامة لخرائط العالمين العربي والاوربي، قديما وحديثا. ولن افهم حقيقة المنافسة التاريخية بين اوربا الغربية وروسيا للهيمنة على اوربا الشرقية، دون معاينة خارطة اوربا.

الانترنت والبحث والمقارنة

865 7للأسف ان الكثير من المواضيع عن تاريخ شعوبنا في القسم العربي، مشوهة، بل ان الاقسام الانكليزية والفرنسية أكثر مصداقية!!

اخيرا لا بد من التذكير بالحقيقة التالية: ان حقل التاريخ، من بين اكثر حقول المعرفة عرضة للتشويه المقصود، بسبب خطورته السياسية والدينية. لهذا يتوجب التأكيد على معاينة عدة مصادر مختلفة ومتناقضة، لتجنب الوقوع في قناعات مشوهة أو منحازة. من اجل حصولنا على الحد المعقول من المعرفة الحيادية للتاريخ، لنتجنب الاعتماد فقط على مصدر واحد، بل لنطالع المصادر المختلفة والمتناقضة، ثم نخرج بخلاصتنا. ان عالم الانترنت يوفر امكانية المقارنة الى حد كبير، وخصوصا اذا طالعنا عن نفس الموضوع بلغتين او أكثر، كما هو في موسوعة ويكيبيديا.

865 8

 

........................

للأطلاع:

ـ موقع فرنسي لبيع المجلات. وهذا قسم المجلات الشعبية المختصة بالتاريخ:

https://www.journaux.fr/histoire_art-et-culture_1_0_45.html

- قوائم المجلات الخاصة بالتاريخ الصادرة باللغات الالمانية والانكليزية والفرنسية، وهي مجلات ورقية وغالبيتها شعبية: https://fr.wikipedia.org/wiki/Liste_de_revues_historiques_par_langue

اكثر من سبعين مجلة بالانكليزية، في مختلف حقول التاريخ.

ـ اكثر المجلات التاريخية الامريكية مبيعا:

https://www.allyoucanread.com/top-10-history-magazines/

ـ موضوع مهم جدا، عن الدورات التي تعطيها اسرائيل للتأثير على كل ما ينشر عنها في الانترنت، وخصوصا تاريخ اليهود واسرائيل!

https://reseauinternational.net/comment-israel-et-ses-partisans-travaillent-pour-censurer-internet-if-american-knew/

 

محمد عرفات حجازيتناولنا في الجزء السابق من المقال تعريف الأزمة والفقر، وأشرنا إلى أنّ ما تُعانيه الأمة العربية الآن إنّما هو فقر أخلاقي، وتعرّضنا خلاله إلى بعضٍ مظاهر هذا الفقر الأخلاقي، كالكذب، والرشوة، والمحسوبية، والانحلال الأخلاقي الجنسي.. وأشرنا إلى عدة أسباب تقف وراء ذلك، من بينها: انتشار الانترنت، وغياب الوعي العام، وتردِّي الخطاب الإعلامي، والقدوة الهابطة، والتبعية الغربية، إلى جانب ضعف الخطاب الديني، وتأصّل بعض الأفكار الخاطئة الموروثة، وغياب الدور التوعوي والرقابي الأسري..

إضافةً لما سبق، تقوم العديد من الدول العربية على النظام القبلي، أي القبيلة، ويتباهى أبناء القبيلة بقبيلتهم، ويتشدّقون بقيمها.. ولكن، إذا كان ابن خلدون قد أشاد بأخلاق القبيلة؛ لما تتميّز به من شجاعة، ورباطة جأش... إلخ، فإنّ هنري برغسون، قد أكّد على أنّ أخلاق المجتمعات المُغلقة، على غرار القبيلة، لا تصلح أن تكون أخلاقًا إنسانية عامة؛ كونها قائمة على الإلزام والطاعة، وتخلو من المحبّة الإنسانية.. وهو ما لاحظناه فعليًّا؛ فعلى سبيل المثال: أثّرت القبلية بوضوح على قيمة العروبة، بل والوطنية لدى العديد من أبناء القائل، كما ترسّخت لديهم فكرة احتقار الغير؛ ناهيك عن منع العديد من القبائل ـ فكرة الزواج من غير القبيلة، ما يقضي على مبدأ التعارف والمودة..

كما لعب المفهوم الخاطئ للحرية دورًا بارزًا في فقرنا الأخلاقي، فنجد مثلًا الكثير من جيل التسعينات والألفية الجديدة قد اعتادوا ارتداء ملابس فاضحة بحجّة الحرية، ما أدى بدوره إلى بروز ظاهرة التحرش اللفظي والجسدي، من جهة الشباب، كاتجاه مُقابل لحرية الإناث.. أيضًا، ملابس الشباب من سراويل ساقطة، وقصّات شعر غريبة... ما عمل على ظهور شريحة من الشواذ.. ناهيك عن انتشار الزنا وتعاطي المخدرات تحت مُسمّى الحرية والرغبة في تجريب كل شيء.

كذلك، فقد لعب رغد العيش دورًا واضحًا في الانهيار الأخلاقي، فنجد في العديد من دول الخليج العربي، وبعض الدول العربية، حالة حادة من الإسراف في طهو الطعام، وتكديس أغلبه في أكياس القمامة بعد انتهاء وجبة الطعام؛ لتتغذّى منه القطط والكلاب.. ما رسّخ مبدأ الإسراف والتبذير، وما لحقه من أضرار بالبيئة.. وفي مُقابل ذلك، لعب الفقر دوره، فنجد توجّهات نحو السرقة.. الغشّ.. الاختلاس... إلخ، دون وازع ديني أخلاقي ـ كل ذلك تحت غطاء من العوز وصعوبة المعيشة.

وأخيرًا، فإنّ غياب القانون قد لعب دورًا واضحًا في فقرنا الأخلاقي.. ففي بعض الدول العربية، وبعد ثورات الربيع العربي، تعطّلت أغلب قوانين الدولة، وتوقّفت الكثير من الأجهزة الرقابية عن العمل؛ جراء انتشار السلاح، وكان من نتائج ذلك: الغشّ التجاري في عمليات البيع والموازين، والتلاعب في أسعار السلع والخدمات، نهب المال العام.. سرقة المال الخاص تحت تهديد السلاح.. الخطف.. الاغتصاب، وانتشار الرذيلة... إلخ، ولا نُنكر وجود مثل تلك التجاوزات قبيل تلك الثورات، ولكنها كانت حالات محدودة، كما أنّها لم تكن ظاهرة للعيان..

لقد لعب الانترنت، والتبعية الغربية، وتردّي الخطاب الإعلامي، وضعف الخطاب الديني، وتأصّل الأفكار المغلوطة المتوارثة، والفهم الخاطئ للحرية، وتطرّف الحالة الاقتصادية، وتعطيل تفعيل القانون، أو ضعفه وإمكانية التحايل عليه، إلى جانب غياب الدور التوعوي والرقابي الأسري، ونقص الوعي العام.. أقول: لعب جميع ذلك دورًا بارزًا في حالة الفقر الأخلاقي التي نعايشها الآن، وإن أردنا العلاج الفعّال، فعلينا بالقضاء على الأسباب، ومعالجتها بطريقة عليمة سليمة، تكفل لنا الغنى والارتقاء الأخلاقي..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

 

مجدي ابراهيمإذا كان الإبداع عموماً في مجالات الأدب والفن والثقافة والفكر، يعرّف بأنه خلقُ على غير مثال سابق، فمن المؤكد أن هذا التعريف لا ينطبق على مجال من تلك المجالات مقدار ما ينطبق على التصوف، فالصوفي مبدع على الحقيقة بلا مبالغة في القول، وبلا مجاز. ربما يكون الإبداع في مجال الأدب أو الفن على اختلاف ضروبه أو يكون في ميدان الفكر على تنوع أشكاله خاصةّ نفسية تتجاوز المعهود ممّا يكون مألوفاً من فنون المقول، فما فوق المألوف المعتاد يقال عنه خلق على غير مثال ما سبق به أحد، أو إن شئت قلت هو الجديد الذي لا يعرف التقليد ولا ينزع إلى المحاكاة.

والأصل فيه أن يصدر مباشرة عن نفس صاحبه، صدوراً عن طبيعته المبدعة، عن قواه الباطنة الخفية، ولا يصدر عنها وهو يقلد أو يحاكي أو ينقل ما عساه أن ينقله، أو يحلل عبارات الآخرين دون أن يتوفر فيه شرط التذوق، شرط الإبداع. وإذا شرطنا لعنصر الخيال في الإبداع الفني والأدبي أن يكون حاضراً بقوة، مؤثراً غاية التأثير، فلا شرط هنا في ميدان التصوف إلا شرط الصدق في التجربة المعرفية ومع ذلك فهي أي التجربة المعرفية الصوفية لا تخلو من عنصر الخيال الخلاق، وربما كان أهم وأفعل عنصر فيها. وليس لعنصر الخيال وحده هو الفاعل الأهم في هذه العملية الإبداعية ما لم تكن التجربة الصادقة مؤسسة على الذوق والأصالة، مهيئة للتلقي والاستقبال من عالم الغيب مددها الفياض فهي من أجل ذلك تتعامل مع النصوص الدينية معاملة خاصة لا يعمل فيها الخيال وحده وكفى بمقدار ما يعمل فيها الوعي المجمل الشامل بعناصره الوجودية والمعرفية.

فإمّا العناصر الوجودية، فكل ما يتصل بالوجود الإنساني من جهة الجسد والنفس والروح وكل ما يتضمن دائرة المعرفة من جهة : الحسّ والعقل والقلب والخيال.

الوعي المجمل إذن هو العمل الإبداعي مرهون بشرطه، من حيث قوة الخيال وقوة اللغة ووحدة الوجود والمعرفة، ولا يقوم في المبدع على الحقيقة إلا قياماً مجملاً، وبعد الوعي يكون البيان. لم يكن ابن عطاء الله السكندري بغافل عن هذه الخصوصية حين قال في إحدى حكمه :" الحقائق ترد في حال التجلي مُجملة، وبعد الوعي يكون البيان "فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ثم إنّا علينا بيانه". فانتقال الوعي من حالة إلى حالة هو نفسه انتقال الوظيفة والخصوصية من وعي مجمل إلى وعي تفصيلي بياني، أو من وعي عالي إلى وعي عادي. في الحالة الأولي تتجلى الحقائق مجملة لا تفصيل فيها ولا قدرة للعقل على الإحاطة بها، لأنها تتجلى كما لو كانت بوارق خاطفة في غيبة واصطلام، وفي الحالة الثانية بعد الوعي أي بعد أن تعرض على حالة الصحو والحضور يجئ البيان من قبل العقل. فالبيان مرحلة لاحقة على التجربة، والتفصيل مرحلة شارحة لها يقوم بها العقل.

خذ مثلاً واحداً من أمثلة كثيرة لا حصر لها تدليلاً على ما أقول : وقف أحدهم عند قوله تعالى : (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (سورة البقرة: آية 269)؛ فقال : إنّما قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات".

ولكن قبل أن نستطرد مع هذه الوقفة علينا أن نتوقف عند صاحبها، فالذي وقف هذه الوقفة المُلهمة كان أميِّاً لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم، كما وصفه تلميذه، على معاني القرآن العظيم والسّنة المشرّفة كلاماً نفيساً تحيَّر فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد أن يقع على الصفحة التي قال …؛ هو الشيخ "علىُّ الخواص" شيخ الشعراني وأستاذه ومعلمه أسرار الطريق ودروب السير فبه.

وإنما أثبتنا هذا عن "الخواص" لئلا يتوهم متوهم أن العرفان بمعاني القرآن متوقف على آلة النظر بالعقل، فهذا جهلٌ بالله، وتحجيرٌ على قدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ فالعلماء الذين يتشدَّقون بالعقل ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلا بالفكر والنظر.

أمّا العارفون، فطريقهم إلى فهمه : الكشف والتعريف الإلهي. وممَّا يزيدك قناعة بفتوح الله على عباده هو أن تنظر إلى "علىِّ الخواص" هذا الأمِّي الذي لا يعرف القراءة والكتابة. انظر إلى الثقة العلويّة بما لديه من عند الله، وانظر إلى "الإبداع" الخالص الذي لا يعرف للتقليد طريقاً، وانظر إلى الخصوصيِّة والتفرُّد .. ماذا تراه يقول؟

إنه ليقول: "لا يُسمى عالماً عندنا إلّا من كان علمه غير مستفادٍ من نقل أو صدر، بأن يكون خضريَّ المقام. وأمّا غير هذا، فإنما هو حاكٍ لعلم غيره فقط، فله أجر من حَمَلَ العلم حتى أدَّاه، لا أجر "العالم"، (والله لا يضيع أجرَ المحسنين)؛ فمن أرادَ أن يعرف مرتبته في العلم يقيناً لا شك، فليُردَّ كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه، فما وجده معه، فهو علمه. وأظن أنْ لا يبقى معه إلّا شيء يسير لا يسمى به عالماً ( طبقات الشعراني : جـ 2، ص 137).

وإنه ليُفرّق بين العلم والكشف تفرقة فاصلة جديرة بالنظر والاعتبار، خالصة من الالتفات إلى الأغيار مبدعة بمقدار صدورها من شمس الحقيقة. وعنده إنما يكون الكشف هو علمك بالحقائق على ما هى عليه في نفسها. والعلم هو علمك بالأمور على ظاهرها (الشعراني : درر الغواص على فتاوي سيدي عليّ الخواص، القاهرة  1425هـ - 2014م ؛ ص 64)

في الواقع إن ما عبَّر عنه الخواص إنما هى "علوم الحقائق" لا تستفاد من فكر ولا نظر ولا عقل، ولكنها علوم وهب وتوفيق, علوم أذكار لا علوم أفكار، وهى التي يعوَّل عليها في فهم "الوجوه المبطونة" في كلمات القرآن الكريم. وقد أجابَ لمّا سئل عن قولهم : القرآن بحر لا ساحل له. فقال : معناه إنه يقبل جميع ما فسّره به المفسرون؛ وذلك أن المتكلم به، وهو الله تعالى عالم بجميع تلك المعاني والوجوه التي تدل عليها هذه الألفاظ بالنظر إلى كل شارح، فما من شارح يقصد وجهاً في شرح تلك هذه الآية أو تلك إلّا وذلك الوجه المقصود للمتكلم به وهو الله تعالى، بخلاف ما إذا كان المتكلم من الخلق؛ فإنّ الشرح لكلامه لا يتعدّى مرتبة المتكلم من القصور، وإنْ كان اللفظ يبتغيه .

اقتضاه هذا أن يفرِّق أيضاً بين "الفهم" و"العلم"؛ وذلك لإمكان القول إنّ الفهم في الكلام على قسمين : أحدهما مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهبَ من غير مادة، لا يُقال فيه فهم، وإنما يُقالُ فيه علم.

وأمّا المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاصُّ في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين : أحدهما : أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان اكتسبه عن مادة. والثاني : لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدّة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه، ولا يدري : هل أرادها كلها أو أراد بعضها، فمثل هذا لا يُقال في حقه إنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى "العلم" بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام عليّ رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون، لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم.

فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلا وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم. هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام.

ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق : آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، وآيات لقوم يتفكرون، وآيات لقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهي، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل, لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه. وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات : نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا انظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم، فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق.

والعارفون ليس لهم آلة إلى فهم كلام ربهم أو غيره إلّا بالكشف والذوق لا الفهم والفكر. ومرادنا بهذا الكشف؛ هكذا يتكلم الخواص؛ هو كشف العلوم والمعارف الحاصل بالنفث والرَّوْع لا الكشف المعهود في الحسّ بين أرباب الأحوال. فإن العلوم ليست محسوسة حتى يكشف عنها كما يكشف عن الأماكن البعيدة في الكشف الصوري، وقد جعل الحق تعالى لعلماء الشريعة نظير هذا الكشف بواسطة الاجتهاد والأدلة المعلومة بينهم. وأن الله تعالى قد أخبر في كتابه عن أقوام إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون، وأخبر صلوات الله عليه عن أقوام من أمته يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فكيف تكون هذه الأقوام متقربين إليه؟ وكيف يتقرّبون بعدم العلم الذي هو الجهل، هذا عجيب!

عندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه. وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانية الصلة الروحيّة، وهو ما يسمى بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصّة ينفرد بها هى ولا شك أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود؛ ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى، وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق، ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة وكفى بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا معهود.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

نبيل عودةاتهمت من بعض ناشري الشعر والنقد ومختلف أنواع الأدب باني فقدت البوصلة الثقافية، ولم اعد اجاري عصري، ومن هنا نقمتي على ابداعات الأدب الحديث، او ما يطيب للبعض ان يسميه بالحداثة الأدبية، وحالهم كمن يعلن رسميا انه لا يفقه الف باء الحداثة ومصادرها الفكرية والفلسفية .. واحدهم لم يتردد ان يعلن ذلك عبر موجات الأثير بلقاء ادبي لا ادب فيه، وبثرثرات مقاهي بين واهمين انهم باتوا من شعراء وكتاب العصر من اول تجربة إبداعية تنشر لهم.

أسوأ ما في هذا الأسلوب توجيه الاتهامات، إدانة المتهم وهو لا يملك حق الرد. أحيانا لا ضرورة للرد لتفاهة قائله. اخترت التجاهل ليس عجزا، انما من رؤيتي ان أكثرية ما ينشر لا يستحق ان يسمى ابداعا ادبيا ومهما اجتهدت لطرح رؤيتي الصريحة، لن تفهم بإطارها الادبي، ولا اريد ان اترك انطباعا باني انتقائي في اختياري للنصوص، خاصة وان وقتي لم يعد متاحا لمتابعة كل ما ينشر، خاصة الشعر الذي لم اعد قادرا على الإحاطة بسيله الجارف. طبعا هناك من يجعل من تلك النصوص ابداعا من المستوى الأول خاصة اذا كانت صاحبة الديوان من الجنس اللطيف.

موقفهم لا يعني لي أي شيء جديد، انما اتعامل معه كإعلان شخصي للغباء، خاصة عندما يصر بعض "ثقال الوزن" على اصطلاح "الحداثة" حين يطبقونها كأمر عسكري على نصوص، أحيانا من الصعب اعتبارها ابداعا ادبيا بل محاولات لكتابة ادب، واكثرية تلك النصوص تطمح لأن تكون شعرا. يبدو ان صياغة الشعر لا تحتاج الى شخصيات قصصية وعقدة قصصية ودراما وحوار بل مجرد أسطر مرتبة بصف عسكري، اشبه بالكتابة الصينية، ولا بأس من عدم تواصل الفكرة بين سطر وآخر. دائما يوجد الناقد الذي يفسر ما لا يفهمه ولم يعنيه صاحب النص.

قمة الغباء ما قاله أحدهم بأن مشكلتي أني لم استوعب الحداثة وتفاعلاتها في الادب الحديث. لكن ليته يشرح للقراء مفهومه للحداثة او مصدرها الفلسفي، وعلاقة الحداثة بالتطور الاجتماعي، الاقتصادي، العلمي، الثقافي، وبحرية التعددية الفكرية وسائر الحريات. هذا ما نفتقده بشكل مطلق في واقعنا العربي، لو جرى الحديث عن الحداثة في الأدب العبري كنت سافهم ذلك. للأسف هناك ظواهر سلبية تلقي ظلالها على مجتمعنا العربي داخل إسرائيل رغم التغيرات العميقة الثورية التي حدثت خلال العقود الماضية، بعضها نتيجة سياسة التمييز العنصري والخنق الاقتصادي للمجتمع العربي الذي تمارسه السلطة الإسرائيلية، وأكثرها سلبية هي تأثرا وتقليدا للفكر السائد بالمجتمعات العربية والخلل البنيوي للواقع الاجتماعي، السياسي وتأثيره على حرية الابداع وحق التعددية الفكرية والثقافية.

عدا القلة من المبدعين يكاد يكون غياب كامل للأعمال الأدبية المثمرة على صفحات الجرائد والانترنت... واعترف اني حين عملت نائبا لرئيس التحرير ومحررا ادبيا في صحيفة "الأهالي" رفضت بقوة نشر اي عمل ادبي مما يسميه البعض بأدب الحداثة، لأنه حسب فهمي يفتقد ليس للحداثة بل للإبداع الحقيقي.

 اتنازل عن تقديم نماذج، حتى لا ادخل بصراع شخصي. وامل ان يهتم الادباء الناشئين بتطوير فكرهم الثقافي وقدراتهم الإبداعية ولا يتوهموا ان إطلاق صفة الحداثة ترفع من شأن ما ينشرون.

في التلخيص النهائي اقول ما يلي: الحداثة او حداثة ما بعد الحداثة ... هي تعابير عقيمة لأنها أُخرجت من مسارها. الحداثة هي عملية تنوير اجتماعي، ثقافي وفكري. مجتمعنا، وكل المجتمعات العربية عامة، ما زالت على ضفاف الحداثة، وعدا بعض المثقفين ... والقليل من الأدباء المبدعين، ما زلنا اجتماعيا وفكريا نعيش في مجتمعات تحت سيطرة او تأثير وتحكم الفكر الاصولي المتطرف. حتى على المستوى السياسي تتحكم بمجتمعاتنا قوى تفتقد للتوازن السياسي، الفكري والثقافي.

 السيطرة للأسف ليست لحركة الاصلاح والتنوير العربية، انما للقوى الظلامية ... ما زلنا نبحث ونتعارك حول السماح للمرأة بقيادة السيارة ... وحول اجازة الاعمال الأدبية، وحول السماح بتعليم نظريات علمية تنسف الغيبية الدينية، وحول اصلاح التعليم وتحرير عقل الطالب من اسلوب التلقين والايمان الاعمى بلا وعي، وما زالت مجتمعات العالم العربي، رغم ثرواته الهائلة، في أدنى مستويات الفقر، وتعاني من انتشار هائل للأمية. قبل سنوات قال الشاعر المصري عبد المعطي حجازي، بان من لا يعرف استعمال الحاسوب هو أمي. مثلا نسبة مستخدمي الانترت في العالم العربي منخفضة بالقياس مع الدول الأجنبية، ما عدا السعودية التي تتجاوز نسبة ال 70% نجد ان سائر الأقطار العربية وعلى راسها مصر لا تتجاوز ال 20% -40%، والمعروف ان السعوديين هم أفضل زبائن للمواقع الجنسية في الانترنت!!

لو راجعنا الوضع في الدول المتقدمة مثل اليابان والدول الأوروبية وامريكا لوجدنا النسبة تتجاوز ال 80% وبعض الدول تتجاوز نسبة ال 90% اليابان مثلا، اما في إسرائيل النسبة تتجاوز ال 80%. واعتقد ان الحاسوب اليوم اضحى ضرورة لكل بيت ولكل انسان. نسبة ال 80% لا تشمل كما اعتقد شريحة من العجزة والعاجزين بكل انواعهم. وربما نجد مثلا في مؤسسات مختلفة أجهزة للاستعمال العام للنزلاء.  في كل بيت في إسرائيل يوجد أحيانا حاسوب لكل شخص، للزوج، للزوجة وللأولاد.

الحاسوب سهل إمكانيات النشر، ما لا تنشره الصحيفة او الموقع فالفيسبوك الشخصي هو البديل. لذا أرى تراجعا بالمضامين والمعاني والصور الشعرية وفن الصياغة الأدبية عامة. هذا ليس دليل الحداثة انما دليل انفصام ثقافي مع مجتمعنا. ان ثقافة الحداثة يا مدعي الحداثة لا تجيء ببضع خربشات شعرية او نثرية او نقدية، انما هي معركة تنوير ما زلنا على ضفافها ... استغرقت اوروبا مئات السنين من الصراع مع الاصولية المسيحية للقرون الوسطى، ومع ذلك ما زال الغرب يعاني من ازمة معنى الحياة ومعنى الوجود، مما يعني ان التطور الاقتصادي والأكل والمشرب والمتع الجسدية، ليسوا كل شيء، وهي مشكلة تختلف مع مشكلة الانسان العربي، الذي ما زال يبحث عن اشباع جوعه اولا.

ان المحاولة للتقدم دون فهم اهمية عصر التنوير الذي حرر الانسان من التخلف الاجتماعي والعلمي والقوى الظلامية، ووضع مستقبله بين يديه، وغير اولويات حياته، وحرره من القيود على تطوير الفكر والعلوم والاقتصاد والثقافة وضاعف اوقات راحته وقدراته الاستهلاكية بمختلف انواعها، هي محاولة عقيمة ومحكومة بالفشل.

 

نبيل عودة

 

محمود محمد عليناقشنا في مقالنا السابق فكرة صناعة العدو في حروب الجيل الثالث، ونستكمل المسيرة هنا في الجزء الثاني في هذا المقال مفهوم العدو في حروب الجيل الرابع؛ حيث يمكن القول بأنه في عام  1989 أخذت الإدارة الأمريكية في التخلي الاستراتيجي عن مفهوم "الحرب على الإرهاب"، وتستخدم بدلاً منه "الإرهاب الداخلي" وتقصره علي فكرة " الدكتاتور ونظام العنف"، والدكتاتورية هي أحد أشكال أنظمة الحكم، التي شغلت حيزاً هاماً من نشاط السلطة السياسية الحاكمة في العصر الحديث شملت بلداناً مختلفة، ولا زالت أحد الخيارات المفروضة في بعض الدول النامية، بوجه خاص، مستمدة شرعيتها الواقعية من معاناتها وأزماتها الاجتماعية والسياسية، وقد وجدت جذورها التاريخية في النظام الروماني القديم.. فهي مصطلح سياسي، يوصف به نظام الحكم، الذي تتركز فيه السلطة بيد حاكم فرد، يتولى السلطة عن غير طريق الوراثة، وبطريق القوة، أو يتولاها بطريق ديمقراطي يفضي فيما بعد إلى تركيز السلطة بيده. يمارسها بحسب مشيئته، ويهيمن بسطوته على السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويُملي إرادته على القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من دون أن يكون هناك مراقبة حقيقية على أداء نظامه أو معارضة سياسية في المجتمع .

والسلطة في النظام الدكتاتوري، تستند إلى الأمر الواقع أكثر مما تستند إلى النصوص وفي حال وجود النصوص، فإنها تطبق بروح غير تلك التي أملتها، وقد لا نرى الطريق على التطبيق. وكما تعددت الأنظمة الديمقراطية، فقد تعددت الأنظمة الدكتاتورية. فمنها دكتاتوريات أيديولوجية، أو عسكرية، ومنها ما يستند إلى حزب واحد، وبعضها ذو توجيهات محافظة رجعية، وأخرى تقدمية ثورية. وقد يمارس السلطة الدكتاتورية فرد أو هيئة، غير أن السمة الرئيسة التي تميزها هو جوهرها الاستبدادي .

وعلى الرغم من تعدد واختلاف الأنظمة الدكتاتورية، من حيث الوسائل والأهداف، إلا أن هناك خصائص مشتركة تميزها من غيرها، وهي أن معظم الدكتاتوريات حين تستولي على السلطة بالقوة والعنف إلى تغيير أسس النظام الذي انقلبت عليه، وهذا يقتضي تغييراً دستورياً ينعكس في شكل النظام السياسي، وتبديلاً في التوجيهات السياسية والاقتصادية. كما تلجأ الأنظمة الدكتاتورية، حين تستولي على السلطة، بالقوة وبغير الطرق الدستورية، ولاسيما عن طريق الانقلاب العسكري، إلى الإعلان عن أن إجراءاتها المتعلقة بتعطيل الدستور أو تغييره، وحجب الحريات الفردية والعامة، تمثل مرحلة مؤقتة للعبور إلى مرحلة قادمة، أكثر استقراراً ورغداً وحرية. وأن هذه المرحلة المؤقتة مرهونة بأوضاع استثنائية تمر بها البلاد .

علاوة علي أن الدكتاتورية تمثل نظاماً شمولياً كلياً؛ بمعني أن سلطة الدولة تمتد إلى كل نواحي نشاط أو حياة الفرد في المجتمع، فلا شيء يتعلق بالفرد، سواء حرياته أو حقوقه أو معتقداته. ينبغي أن يمارس بعيداً عن سلطة الدولة التي تمثل المجتمع، فالدولة كلٌ كتلةٌ لا تقبل فصل السلطات. فهي سلطة مطلقة كلية سياسية، فليس في الدكتاتورية رأي خارج فكر الدولة، ولا حق فردي يعلو على الدولة وتعد الحريات بمثابة منحة منها للأفراد تقررت من أجل الصالح العام .

ومن  هنا  فإنه في ضوء حروب الجيل الرابع، فإن  صناعة العدو تتمثل في فكرة "الدكتاتورية"، حيث يمكن وصف الدول المارقة أو دول محور الشر كما وصفت ذلك الإدارة الأمريكية كلاً من إيران وكوريا الشمالية، بأنها دول دكتاتورية ذات أنظمة شمولية وبوليسية، وبالتالي يجب إسقاط تلك الدول التي لا تراعي المصالح الأمريكي، ولكن إسقاطها يكون من خلال شعوبها، حيث تكون هذه الشعوب هي التي بإمكانها إسقاط هذا النظام، وذلك لا يتم إلا من التدريب علي حروب اللاعنف .

وهنا نتساءل : ما الشروط الواجب توافرها في الدولة المستهدفة لكي ينفذ عليها حروب الجيل الرابع؟

يري المنظرون لحروب الجيل الرابع أنه لإسقاط أي نظام، لا بد من أن تقوم بعض منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج، ومعها سلسلة من الطابور الخامس ليلاً ونهاراً، عن طريق الإعلام الممول التصدير للشعب الموجود في الدولة المستهدفة، بإبراز فكرة أن هذا النظام  دكتاتوري، وفكرة الدكتاتورية هنا هي نوع من صناعة الوهم الذي يمكن استشفافها من واقع الفساد الذي كانت تعيشه الدولة المستهدفة ، وهذا الواقع لا تخلو منه أي دولة (مثل: انتشار الفساد المالي، والإداري، والرشوة على نطاق واسع- انتشار الغلاء وزيادة الأسعار- الاستيلاء على أراضي الدولة- ازدياد معدلات البطالة في وسط الشباب- وجود أزمات في المواصلات والعلاج والتعليم- سوء الأوضاع المعيشية بشكل عام- زيادة معدلات الفقر وشيوع مظاهره- الاضطهاد والاستبعاد وعدم احترام حقوق الإنسان- هيمنة رجال السلطة على المناصب السياسية والإدارية العليا في الدولة- غياب الديمقراطية وعدم السماح بتكوين نقابات وأحزاب سياسية- تزوير الانتخابات بجميع مستوياتها وأشكالها- غياب الدور الرقابي للمؤسسات المعنية وإخضاعها للسلطة التنفيذية - ازدياد وتيرة الاعتقالات التعسفية والخطف والتغيب القسري- التنكيل بالمعارضين وتعذيبهم بمختلف وسائل التعذيب حتى الموت أو حرمانهم من أبسط حقوقهم- تغييب الحلول الأمنية على الحلول السياسية في معالجة المشاكل والأزمات  السياسية .. وهلم جرا .

وبالتالي يمكن تبعا لذلك تســليط الضــوء علــى فســاد المســؤولين فــي دائـرة السـلطة، أو ما يطلق عليه الفساد الرئاسي، ويعد هذا الفساد (في نظر المنظرين لحروب الجيل الرابع) هو الذي يجب التركيز عليه، فهو يمثل الصورة الواجب دراستها بعمق والتركيز عليها من بين صور الفساد السياسي الأخرى، حيث تشكل المرتكز الأساس لفساد المستويات الدنيا منها، ويشمل هذا النوع من الفساد ذروة الهرم السياسي، إذ ينصرف إلى فساد الرؤساء والحكام مستغلين سلطاتهم لتحقيق منافع شخصية بطرق غير مشروعة، وهذا النمط من الفساد من أخطر صور الفساد. وترجع خطورته إلى ارتباطه بقمة الهرم السياسي في كثير من أشكال النظم السياسية لانتفاع من يتولى القمة بالخروج عن حكم القانون بالمكاسب الشخصية التي تجني الثروات الطائلة، لذلك يوصف استشراء هذا النمط بأنه "فساد القمة المكثف" corruption heavy-Top حيث يجري العمل على أساس آلية تعرف بإطار "الرئيس-العملاء tiers Client-Patron " التي تتعامل القمة من خلاله لجني ريع فالعديد من قيادات الدول النامية تولت الحكم وهي شبه معدمة ولكنها عقب سنوات من ممارسة السلطة - ونتيجة لاستخدام السلطة في تحقيق الصالح الخاص- أضحت تملك ثروات هائلة، ومن الملاحظ أن تلك القيادات الفاسدة عادة ما تقوم بتحويل جزء كبير من الثروات إلى البنوك الغربية، حيث يتم الاحتفاظ بها في حسابات سرية تكفل لهذه القيادات الاستمرار في الحياة الرغدة التي اعتادتها إذا ما أطاح بها انقلاب عسكري أو ثورة شعبية .

وإذا ما تم الكشف عن حقيقة ذلك، يمكن بالتالي (في نظر المنظرين لحروب الجيل الرابع) دعوة الجماهيـر عـن طريـق قنـوات إعلامية وكـوادر إعلامية شبابية، تم إعدادها في مراكز أعدت لهـذا الغـرض، مثـل "فريـدم هـاوس وغيرها، بالإضافة إلـى إعـداد كـوادر سياسـية عاشـت لسـنوات فـي حضـن الولايات المتحدة،وســبق أن ســاهمت فــي التآمــر علــى الدولة التي احتضنتها وتربت فيها، وهؤلاء انطلقوا في تحقيق ذلك من خلال فكرة مظلومية الشعب وحقه في العيش بكرامة ليصلوا به إلى نتيجة "عبقرية" وهـي أن المشـكلة الرئيسـية للدولة المستهدفة تكمـن فـي الفسـاد والاستبداد وغيـاب الديمقراطيـة أساسـا، وليـس الاحتلال والتبعيـة .

ومن هنا يمكن قطع حلقـة الوصـل بيـن حالـة التخلـف والفسـاد التـي تعيشها الدولة المستهدفة، والدور الذي تسعي من خلاله الولايات المتحدة فـي تجذيـر وتأبيـد واقـع الفسـاد في الدولة المستهدفة، ولأجل ذلك حاولت الولايات المتحدة فـي المعركـة استخدام قنـوات إعلامية، تم الأنفـاق عليهـا بسـخاء، ورجـال ديـن، ووعـاظ، وجيـوش مـن المحلليـن السياسـيين المرتزقـة الذيـن يُطلـون علينـا صبـاح مسـاء مـن شاشـات التلفـاز .

كل هـذه الأدوات التي تصورها منظرو حروب الجيل الرابع، كان الهدف منها هو توصـل الصـورة التاليـة إلـى أذهـان الشعوب في الدولة المستهدفة وإقناعهـم بهـا، وهـي أن المشـكلة الحقيقية هـي مشـكلة ديمقراطيـة، وأن محاربـة الاستبداد أولـى مـن محاربـة الاحتلال، فبـدل أن يتـم تثويـر الشـارع علـى إسرائيل وأمريكا، لا بد من أن يثورونه علـى أنفسـهم وعلـى قـوى المقاومـة ( تبعا لاستراتيجية حروب الجيل الرابع)، وبالتالي يمكن بث دعوات تبرز أن الفتنـة الطائفيـة مـن الصهيونيـة حرام وحركات  المقاومـة كافـرة، وحـزب الله حـزب "رافضـي" كافـر، وحـزب البعـث حـزب كافـر، والنظـام المقـاوم فـي سـورية نظـام شـيعي "نصيـري"، بينمـا اليهـود هـم أهـل كتـاب وأمريـكا أقـرب إلينـا مـن روسـيا الشـيوعية الملحـدة.. وأصبـح التقييـم لا يقـوم علـى أسـاس الموقـف مـن الاحتلال والصهيونيـة، بـل علـى أسـس طائفيـة، فيعبـر "الثائـر" مـن أرض فلسـطين مـن دون أن يطلـق رصاصـة واحـدة علـى الصهاينـة ليقاتـل إخوانـه المقاوميـن فـي سـوريا، لا بـل ويتـداوى فـي مشـافي الصهاينـة فـي صفـد وغيرهـا كمـا هـو حـال جبهـة النصـرة .

ولتنفيذ هذا المخطط قررت الإدارة الأمريكية اعتماد تكتيكات حروب اللاعنف؛ وهذه التكتيكات صممها 'جين شارب' الشهير 'بميكافيللي اللاعنف، وهو مهندس تصميم سلاح العصيان المدني، وصاحب مؤلفات عديدة من ذخائر حروب الجيل الرابع، أهمها علي الإطلاق، ذلك السلاح الفتاك المسموح به دولياً 'كتاب "من الديكتاتورية إلي الديمقراطية'، حيث يقدم فيه تحليلاً سياسياً عملياً عن الحراك السلمي كوسيلة لممارسة القوة في فترات النزاع. ومن أهم الأفكار التي يطرحها شارب هو أن السلطة ليست أحادية ثابتة، أي أنها ليست أمراً لا يمكن انتزاعه من أصحاب السلطة، ولكنه يرى أن السلطة السياسية، أي سلطة الدولة، بغض النظر عن طبيعة تنظيمها، هي نابعة في المقام الأول من المواطنين فيها. وهو يرى أن أي قاعدة للسلطة إنما هي قائمة على طاعة المواطنين لأوامر الحاكم أو الساسة، فإن امتنع المواطنون عن الطاعة، ففي هذه الحالة يفقد الحاكم سلطته .

وهذا الكتاب وصفه البعض بأنه كتاب دخل التاريخ الإنساني من بابه الواسع لعلاقته بالعمل الثوري السلمي ونظرية التغيير السلمي للأنظمة الدكتاتورية، فهو يضاهي كتاب "الأمير" لميكافيلي، أو "صراع الحضارات" لهنتجتون، أو "نهاية التاريخ" لفوكاياما، حيث يمثل دليل عمل الثورات التي شهدها العالم منذ أن صدر لأول مرة في أكتوبر 1993 ؛ حيث تم تطبيقه بحذافيره في الثورات الملونة في أوربا الشرقية وثورات الربيع العربي، ولعل هذا ما جعل ألقاباً كثيرة تُطلق علي هذا الكتاب منها " صندوق معلومات المتظاهر"، و" مرشد الثورات الملونة"، و"خطوات إسقاط الأنظمة"، و" خطة المخابرات الأمريكية لإعادة رسم خرائط السلطة السياسية في العالم" وألقاب أخري كثيرة .

ومن جهة أخري يؤكد هذا الكتاب علي فرضية خطيرة، وهو أن حرب اللاعنف، هو التكنيك الجديد للغزو بلا تدخل عسكري، حيث يتم الضغط على الدولة من الداخل، عن طريق الطابور الخامس، بإضعاف أجهزة الدولة، واختراقها، وإحراقها، وإضعاف النظام في الدولة عن طريق الإضراب، ولزوم المنازل، ورفض التعامل مع مؤسسات الدولة، لإسقاط الدولة في الفوضى والديون، وبالتالي تدميرها بدون تدخل خارجي .

ويعد العصيان المدني آخر الحلول التي يضعها جين شارب في حرب اللاعنف والكفاح السلمي، فإذا فشل هذا الحل لإسقاط الدولة يتم الكفاح المسلح والنضال الغير سلمي ضد الدولة من الداخل عن طريق الطابور الخامس وميليشيات تلك المنظمات، تمهيداً لإضعاف الدولة والتدخل العسكري الحربي .

لقد تأثر شارب” بحركة الزعيم الهندى “المهاتما غاندى” اللاعنفية،وبأطروحات داعية السلام الأمريكى “ديفيد ثورو 1817-1882”، والزعيم الأمريكي الأسود “مارتن لوثر كنج”، وملخص نظرية شارب أنه يمكن نزع السلطة عن الحاكم إذا توافق المواطنون على عدم طاعته، فأى سلطة تستمد تواجدها من موافقة المواطن على حكمها له، وذلك بأن يطيع أوامرها، فإذا تخلى المواطنون عن طاعة هذه السلطة تفقد شرعيتها وتسقط .

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقل – جامعة أسيوط

 

صالح الطائيوُلِد أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرّازي (250 هـ/864 م - 5 شعبان 311هـ/19 نوفمبر 923م) بالرِّي؛ بالفارسية (شهر ری) وهي مدينة تاريخية تقع في الجنوب الشرقي لمدينة طهران، درس الرازي الرياضيات والطب والفلسفة والفلك والكيمياء والمنطق والأدب. وكان كريما متفضلا بارا بالناس حسن الرأفة بالفقراء، حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهم، وله تجديد في الفلسفة اليونانية، وكانت كتبه مع كتب ابن سينا أساس للتدريس في الجامعات الأوربية في القرن السابع عشر!.

وللرازي أقوال حكيمة في الطب والعلاج، ترقى إلى مماهاة ومماحكة ومزاحمة أقوال الأطباء والعلماء المعاصرين، ومنها قوله:

- مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج بالأدوية.

- مهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب.

- إذا كان الطبيب عالماً والمريض مطيعاً، فما أقل لبث العلة.

- عالج في أول العلة بما لا تسقط به القوة.

أسهمت كتاباته في نمو الفكر العلمي العالمي، بل كانت الأساس الذي اعتمدته أوربا في تنمية قدراتها العلمية، ذكر سامح كريم في موسوعة أعلام المجددين في الإسلام من القرن الأول حتى القرن الخامس للهجرة - الجزء الأول، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية أن للرازي كتابا اسمه "الحاوي" ترجم في عصر النهضة إلى اللاتينية، ترجمه فرج بن سالم الاسرائيلي عام 1279، ونُسخ عدة نسخت دارت في أوربا ، ثم طبع بين الأعوام  1486 و 1542 خمس طبعات عدا ما طبع منه متفرقا.

أما كتابه في الجدري والحصبة فقد ترجم إلى اللاتينية، وخرج منه أربعون طبعة بين عام 1498 وعام 1866، ومع ذلك لم يسلم هذا العظيم من هجمات اللئيم زورا وبهتانا، فاتهم بأنه صاحب فلسفة تنتقد الاديان والنبوة والكتب السماوية وتشكك بصحة النبوة، وترفض التصديق بالمعجزات النبوية، ومن هنا تجرأ أحد معاصريه من علماء الجرح والتعديل وهو الاسماعيلي محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران؛ أبو حاتم الرازي (195هـ/ 811م ـ 277هـ / 890 م) فوصفه في القرن الثالث للهجرة بالملحد!.

ثم اتخذ هذا القول أساسا لتأكيد كفر الرازي، ففي رسالة لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني (362هـ/ 973م ـ 440هـ/ 1048م) عنوانها "فهرست كتب الرازي"، هناك كتابان للرازي لا أصل لهما، صنفا على أنهما (كتب في الكفريات) هما كتاب "في النبوات" وكتاب "حيل المتنبين".

وقد اقتبست المستشرقة الألمانية "زيغريد هونكة" (26 أبريل 1913 / 15 يونيو 1999) المعروفة بكتاباتها في مجال الدراسات الدينية هذه الرؤية، وادعت أن هناك أيضا كتاب للرازي يبشر بأخلاق لا دينية ويدعو إلى أن يعيش الانسان حياته بشجاعة ورجولة دون أن تؤثر فيه وعود بوجود جنة أو نار في العالم الاخر ، وذلك أن العلم والعقل يشهدان على انعدام الحياة بعد الموت.

وقد جايلها علماء ومستشرقون آخرون من ذوي النزعات الإسرائيلية مثل "بول كراوس" (1904 - 1944م) وهو مستعرب يهودي. درس اللغات الشرقية بجامعتي براك وبرلين، له رسالة في تاريخ الأفكار العلمية في الإسلام بثلاثة أجزاء ورسالة في فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي لأبي الريحان البيروني. و"سارة سترومسا" وهي رئيسة الجامعة العبرية، فادعيا ان أبا حاتم الرازي أقتبس الآراء التي كفر من خلالها الرازي إما من كتاب يسمى "مخاريق الانبياء" أو كتاب "العلم الالهي".

المشكلة أن جميع الكتب المنسوبة إلى الرازي؛ المتعلقة بالأديان مفقودة الآن، ولا توجد أي نسخة مخطوطة أو مطبوعة أو مصورة منها، ولم يصلنا منها إلا مجرد اقتباسات وردت في أقوال منتقديه ومعارضيه ومكفريه، وهذا يجعلنا نشكك بصحة تلك الأقوال، بل ونطعن بها ونوهنها، طالما أن التنافس والصراع والنزاع والسياسة ومنهج التسقيط والانتقام كان محتدما بين الأطراف، وطالما أن التهم ومن قام بدراستها ومن أبدى رأيا فيها، كلها تجتمع على قاعدة من الشك والاحتمال، وعدم التيقن والقطع.

وآخر ما أريد الإشارة إليه هو أن الرازي قدم للإنسانية الشيء الكثير، الذي يستحق عليه أن تخلده الإنسانية وتحترمه بل وتقدسه، وأقل ما قدم من خير، يعتبر أكبر كثيرا من كل الذي قدمه منتقدوه؛ الذين لم ينجحوا إلا في زراعة عقيدة التكفير وثقافة التجهيل والتفرقة والعنصرية والجهل والأمية والكراهية، ولذا أرى أن على العالم المعاصر ولاسيما الدول العربية والإسلامية أن يرفعوا عن هذا العالم الجهبذ الظلم الذي لحق به.

 

صالح الطائي

 

المهدي بسطيلي” يبدو أن أصعب المعضلات التي تواجه عالم الاجتماع هي كيفية فهم و بناء المجتمع، وعقلنة أنماط السلوك، من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، لكن كلما ذكرت كلمة ”الحداثة“ يتبادر للذهن صورة المجتمع الغربي”

فهل تكون الحداثة مرحلة مطابقة للمجتمع الغربي ويكون هو وحده صورتها الممكنة؟

في الحقيقة للقول سياقاته الخاصة، فقد تميزت العصور القديمة والوسطى بغياب مفهوم الدولة بشكلها الحالي، حيث انتشرت مسميات مختلفة منها، الإمبراطورية، والسلطنة، والممالك، إلا أن أغلب الممالك التي حكمت في العصور الوسطى في أوروبا حكمت باسم الدين، كفرنسا على سبيل المثال، وكان لسلطة الكنيسة أثر سلبي في التحكم بالدولة وسياستها، وإمكانياتها في عزل الملوك والأمراء عن طريق سحب الثقة منهم وفصلهم من الكنيسة، ما يعني إفتقادهم لثقة وطاعة الرب الذي تمثله الكنيسة، فانتشرت الحروب الدينية لمدة ثلاثين عاماً وانتهت في عام 1648 )) بتوقيع اتفاقية' وستفاليا' في أوروبا، واضعة حداً للحرب الدينية وسلطة الكنيسة على الحكم، بإنشاء نظام جديد للدول في أوروبا عرف فيما بعد باسم الدولة الحديثة.

”وبهذا تكون الحداثة كحدث لها سياقات أوروبية زمنية ومكانية خاصة، لكن ألا يمكن لها أن تتحقق خارج هذا السياق؟ ”

يمكن القول ببساطة تحمل قدر لا بأس به من البراءة، أن الحداثة هي التوافق على أُسس عيش مشتركة بين المجتمع الواحد، لكن هذا التوافق مبني على شروط موضوعية كشرط للحديث عن الحداثة، هذه الشروط التي ترسمها الخطابات السياسية باستمرار وتعلن عنها الشعارات (نضج الفكر، الديموقراطية، والحرية، المساواة، العدالة، الممارسة السياسية، النضج والوعي السياسي...) ، حمل السياسي هذه الشعارات وذهب من خلالها للبناء، لكنه لم يستطع بناء المجتمع ولم يستطع تحقيق هذه الشروط ومقومات الحديث عن الحداثة، هذه المعضلة وقفت عائقا أمام كل السياسيين، والتيارات الحزبية في بناء مجتمع على هذه المقومات، وبدلاً من الاستمرار والمحاولة سعوا إلى بناء الدولة، وأصبحت الدول كبناء أخذت الشكل الحديث من الخارج، أما من الداخل فهي ما زالت دولة بدائية، يعيش فيها المجتمع بعيدا كل البعد عن صورتها، حيث سلطة لقبيلة تمثل السلطة الأعلى، وقوانين مشايخها العرفية هي الأقوى من قوانين الدولة، فتشكلت لنا سلطة نفوذها أقوى من سلطة الدولة.

"وهي معضلة الحديث عن إمكانية تحقق الدولة الحديثة"

—لكي نفهم أكثر سبب المشكلة أستحضر ما جاء على ذكره عبد الله العروي في مؤلفه مفهوم الدولة:

”أن كل تفكير فيالدولة هو تفكير بشكل من الأشكال في السلطة، كما أن التساؤل عن الدولة هو تساؤل في أبعاد ثلاث :الهدف أو الغاية من الدولة ،ثم وظيفة الدولة جهاز،وضرورة قياس مراحل نموها وتطورها في علاقتها بالمجتمع ”.

—كما أن التفكير في الدولة كظاهرة اجتماعية، يجب أن يكون تفكيرا رافضا لتصور الفرد خارج الدولة وتصور الدولة خارج المجتمع، وأن أي فصل بينهم يجب أن يكون على أساس تؤطره غاية الفهم من أجل الإدراك و العرض و التفسيرفقط.وهو الشيء الذي لم يفهمه رجل السياسة بعد. كيف يمكن لنا أن نبني دولة حديثة دون أن نبني مجتمعا حديثا؟

إن المجتمع الحديث هو الذي يبني دولة حديثة، وليست الدولة الحديثة هي من تبني المجتمع الحديث، فمعضلات التحديث التي واجهها السياسي جعلته يهرب من مسؤوليته الاجتماعية، اتجاه مجتمعه إلى مربع أكثر ضيقاً وذاتيةً، وهو مربع السلطة والبحث عن السيطرة من أعلى لا من أسفل، وهذا ما أفقد الخطابات السياسية مشروعيتها.

”وهنا يكون سؤال بناء الحداثة في المجتمع سياق الحديث عن الدولة الحديثة“

ماذا نقصد بالدولة الحديثة ؟

وكيف تكون الحرية و الديمقراطية وغيرها من المفاهيم سياقا ممكنا للحديث عن الدولة الحديثة ؟

الدولة الحديثة

”إن الدولة الحديثة هي شكل الدولة أصلا“

تعتبر الدولة منذ نشأتها الحديثة في أعقاب مؤتمر وستفاليا، إحدى حقائق الحياة السياسية المعاصرة التي رسخت تدريجيَّاً، حتى أصبحت تشكل اللبنة الأولى في بنية النظام الدولي الراهن، وبالرغم من اعتبار الدولة مؤسسة عالمية ضرورية، إلا أن تعريفها واسع ومتنوع لا يكاد يجمع عليه اثنان، بل ويمكن أن يُقال أَنَّ إيجاد تعريف واحد لمفهوم الدولة هو صراع إيديولوجي بحد ذاته، كون التعاريف المختلفة ناتجة عن نظريات مختلفة لوظيفة الدولة، مما يولد استراتيجيات سياسية ونتائج مختلفة، فمصطلح "الدولة" يشير إلى مجموعة من النظريات المختلفة والمترابطة والمتداخلة في كثير من الأحيان، حول مجموعة معينة من الظواهر السياسية.

لكن يمكن أن يكون هناك حد أدنى للحديث باستحضار المفاهيم الممكنة

الدولة' الفرد' المجتمع

وأعود لنظرية العقد الاجتماعي لتحقيق هذا المفهم ربما استجابتا للدعوة التي وجهها لنا العروي

 

تنطلق نظرية العقد الاجتماعي في محاولتها لفهم أصل نشوء المجتمع المدني ومن ثم نشوء الدولة، من الفرضية القائلة بأن نشوء المجتمع لم يكن طبيعياً، بل اصطناعياً، حيث كان الناس يعيشون في الحالة الطبيعية (ما قبل الدولة) من دون قوانين تنظم حياتهم، مما أدى لانتشار الفوضى،وانتهاك للحقوق الاجتماعية مما دفع الأفراد للاتفاق على ميثاق ينظم شؤونهم وبموجبه يتخلون عن بعض حقوقهم الطبيعية مقابل نوع من التنظيم.

يقول جون جاك روسو في كتابه نظرية العقد الاجتماعي:

" فحتى الأسرة وهي أقدم الجماعات البشرية فتكون حاجتنا إليها اتفاقية لأجل محدد، ذلك أن الأبناء يرتبطون بأبيهم للمحافظة عليهم ورعايتهم ،وما أن تزول هذه الحاجة حتى ينحل ذلك الرباط الطبيعي،ويعفى الأبناء من واجب الطاعة نحو آبائهم،كما يعفى الآباء من التزام الحماية و الرعاية ،فإذا بقيت مع ذلك الأسرة قائمة واستمرت فما هو إلا نتيجة اتفاق حر ورغبة مشتركة في الإبقاء عليها"

وعلى ذلك لايمكن تصور وجود الدولة السياسية خارج رغبة الأفراد،وحاجتهم إليها،وتكون ذات مصداقية إذا اجتمعت إرادتهم على مشروعيتها وطريقة استعمالها ،وغايتها وهدفها ،فلن يتكون صالحة مالم تحقق حياة اجتماعية أفضل من حياة العزلة السابقة .وليست حياة الفطرة بنظر روسو هي أسعد حالة للحياة البشرية بل العكس لأن الجماعة وحدها هي التي ترتقي بالإنسان ومعنوياته وترتقي بتفكيره ومشاعره وتحل العدالة و الفضيلة مكان الغرائز و الشهوات وتحكم العقل بالتصرفات .

إن لحظة الانتقال من حالة اللا دولة إلى حالة الدولة، هي لحظة بناء المجتمع المدني وهو وحده يجسد فكرة قيام الدولة ، كما أن فكرة المجتمع المدني عند نظرية العقد الاجتماعي فكرة سياسية بالأساس نحو وعي و إرادة حرة في خلق قانون سيادي يضمن الحق في ممارسة الحقوق الطبيعية على الأقل و بالتالي فهي فكرة تجسد المشاركة الفعالة و الحق المدني، وتطور هذا الوعي هو تطور في اتجاه بناء المجتمع

إن فكرة المجتمع المدني هي الكاشفة عن لحظة الانتقال

—'ثم إن شرط الحديث عن الدولة لابد أن يتم في سياق المفاهيم التي أشرنا لها سابقا'

—”فكيف يكون القانون، و الديمقراطية، المجتمع المدني، البيروقراطية، السيادة... وغيرها من المفاهيم سياقا ممكنا للحديث عن الدولة الحديثة ؟“

—الدولة /المجتمع المدني / الديموقراطية

 

يعد المجتمع المدني، أحد مظاهر الديمقراطية، ونتيجة من نتائجها، وعلامة من علامتها، وإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني، ذات تأثير كبير في المحيط السياسي لدولة ما، دل ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة، من ديمقراطية، في حين إذا كانت هذه المؤسسات، تفتقد إلى التأثير الواضح في مجريات الحياة، السياسية والاجتماعية، للدولة، دل ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة من حظ قليل بالديمقراطية وأهلها. مادامت الديموقراطية تعني المشاركة الفعالة في الحقل السياسي وترشيد السياسيات العامة .

—إن ارتباط الديمقراطية بالمجتمع المدني ثم بالدولة باعتبارها الضامن لوجوده، جاء في سياق ظهور حاجيات جديدة مثل:

حماية الحريات والحقوق الجماعية والفردية، فتوسعت منظومة المشاركة الاجتماعية

والسياسية وتصاعدت المطالب المنادية بتغيير قواعد ممارسة السلطة.

كما أفضت إلى تبلورتعبيرات مدنية متنوعة فتغيرت العلاقة بالسلطة، وبكيفية إدارة الشأن العام والتعاطي مع الروابط الاجتماعية الجديدة، يضاف إلى ذلك تنامي الاحتجاجات المواطنة خارج الأطر السياسية التقليدية للديمقراطية التي اتخذت من الشارع والساحات العامة ووسائل الإعلام التقليدي وشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة فضاء لها.

كل هذه المؤشرات تستدعي إعادة النظر في جغرافية الأدوار والوظائف التي يؤمنها المجتمع المدني عموما، بين تدعيم تماسك الفئات الاجتماعية أو تذكية التوترات بينها، والتفاوض بصيغ مختلفة حول توفير الشروط الضرورية لتأسيس الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمها وتجديد ممارستها، وذلك في مراحل الانتقال الديمقراطي بشكل خاص. حينها فقط يمكن الحديث عن الدولة الحديثة.

لأن ظهور هذه المفاهيم في سياق الدولة الحديثة ، كان تمهيدا و تجسيدا لفكرة النهضة و الاصلاح الديني و التنوير وسيادة روح القانون، من خلال إرساء قواعد المجتمع المدني الذي يكون فاعلا في ممارسة هذه المفاهيم ونقلها من التنظير إلى التجسيد.

إن النقطة الأساسية الأخرى مفادها أن بناء مفهوم المجتمع المدني هو في نفس الوقت إعادة بناء المجال السياسي، على أسس غير دينية ترتبط بالمجتمع نفسه بشكل وضعي وليس بتكليف إلهي، وهي لحظة إنتقال من نظرية الحق الإلهي، إلى نظرية السيادة الشعبية و هو تطور للفكر الاجتماعي في سياق الفكر السياسي الحديث و الحداثة السياسية، التي أعطت دولة الحداثة التي نتحدث عنها أصلا.

وهذه الأفكار تتجسد في فكر "هوبس" أيضا فكل سلطة مدنية يجب أن تكون انعكاس لأصل مجتمعي دنيوي وليس إلهي أو ديني. دفاعا عن المادية و التاريخ،

—الدولة و البيروقراطية

 

يقول ماكس فيبر حول البيروقراطية والادارة في الدولة الحديثة:

«إن الخصائص نظام إداري وقانوني قابل للتغيير بواسطة التشريع الذي تتوجه إليه أنشطة الهيئة الإدارية الناظمة أيضا بلوائح منظمة، ويفترض هذا النظام امتلاكه سلطة ملزمة، ليس على أفراد الدولة، أي مواطنين فحسب، ولكن أيضا ولدرجة كبيرة على كل ما يقع ضمن إقليم سيادته»

وبالتالي تكون البيروقراطية مدخلا لتنظيم الدولة ككل

لعل من أحد أهم سمات البيروقراطية في الدولة الحديثة هو العقلانية التي وصفها بها فيبر، والتي تعضد من سمة الاستمرارية والاضطراد، بل وتؤكد على قوتها التشعبية فهي تنظم حياة المجتمع المدني من الميلاد وحتى الوفاة وكل ما يتعلق بتفاصيل حياته.وبالتالي إن فكرة البيروقراطية تجسد فكرة الدولة الحديثة.

—هل يتحقق شرط السيادة أمام الدولة الحديثة؟

— نسائل اللحظة سؤال الحق أمام الدولة في استخدام العنف المبني على فكرة السيادة المطلقة، فإذا كان من حق الدولة أن تحتكر العنف لتحمي الأفراد من الأفراد فمن يحمي الأفراد من عنف الدولة ؟

—تكون العقلانية و النضج السياسي الذي تحدث عنه الراحل "جسوس" السبيل لحل هذه المعضلة. ماهي مظاهر سيادة الدولة اذن؟

—الأول: المظهر الخارجي: ويكون بتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى في ضوء أنظمتها الداخلية، وحريتها في إدارة شئونها الخارجية، وتحديد علاقاتها بغيرها من الدول وحريتها بالتعاقد معها، وحقها في إعلان الحرب أو التزام الحياد.

والسيادة الخارجية "مرادفة للاستقلال السياسي, ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة لأية دولة أجنبية, والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، فتنظيم العلاقات الخارجية يكون على أساس من الاستقلال .

تساؤلات مشروعة:

هل تتحقق سيادة الدولة الحديثة في ظل التحولات العالمية اليوم؟

هل تكون الدولة الحديثة مطابقة لدولة التعاقد؟

هل يتحقق المطلب الديموقراطي في الدولة الحديثة اليوم؟

هل يستمر فينا مطلب الحداثة و التحديث؟

متى يفهم السياسي أن بناء الدولة يتم من خلال بناء المجتمع ؟

 

المهدي بسطيلي

 

عدنان عويدبداية: علينا أن نميز بين قيم الليبرالية ممثلة بالحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة وتحرير المرأة وتحييد الدين ونشر الثقافة العقلانية التنويرية واحترام الرأي والرأي الآخر وغير ذلك من القيم الإنسانية النبيلة، وبين العقلانية الوصفية التي تتعامل مع هذه القيم وتختزلها في صيغتها القانونية فقط.

يشكل العصر الوسيط، واحداً من أكثر الفترات أو المراحل الزمنية مأساوية بالنسبة لأروبا بشكل خاص. حيث شكلت هذه المرحلة محطة هامة من محطات احتقار عقل وروح وجسد جماهير هائلة من السكان المضطهدين من فلاحين أقنان، وحرفي وبروليتاريا المدن، التي كانت في مرحلتها الجنينية، كل هؤلاء الذين أخذ امتلكهم الحقد ضد مضطهديهم من النبلاء الاقطاعيين والكنيسة والملك، مثلما امتلكتهم الرغبة في الخلاص منهم، أو تخفيف معاناتهم الطبقية بكل تجلياتها التي فُرضت عليهم. هذه الرغبة التي ترافقت عملياً من قبلهم مع انتفاضات للفلاحين، ثم تحولت إلى حروب أهلية حقيقية. دون أن ننسى الإشارة هنا إلى أن هذه الانتفاضات رافقها من الناحية الفكرية أيضاً نشر العديد من المؤلفات التي لا سابق لها من حيث الجرأة في فضح وتعرية السلطتين الدينية والروحية لعلاقات ذلك العصر. فمجموع المطالب التي طُرحت آنذاك، يمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل منطلقات أساسية في إعادة صياغة الحياة وفق أسس جديدة في معطياتها أو في مضمونها الاجتماعي والسياسي والثقافي والقيمي مثل إلغاء القنانة والامتيازات الفئوية وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع، وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيوية، ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ. (1). بيد أن (غريزة الحرية) هذه، كانت تصطدم بالثقافة أو المواقف الفكرية المحافظة للعصور الوسطى وأسر تقاليدها. هذا وإن نجحت آنذاك القوى الاجتماعية المتمردة أحياناً بالتخلص من أسر هذه الثقافة، فما ذلك إلا بسبب التمردات الفوضوية التي كانت تجري، وليس نتيجة مواقف عقلانية مدروسة ومخطط لها كما جرى لاحقاً عندما تشكلت الطبقة البرجوازية وأصبح لها منظروها من المفكرين والسياسيين.

لقد كان الدين في العصور الوسطى يمثل الأيديولوجيا الفعلية الوحيدة المسيطرة على حياة الدولة والمجتمع، وبالتالي فإن أي مطالبة عملية بالحرية تصدر عن الجماهير لم تكن ممكنة التحقق عملياً إلا داخل إطار الأيديولوجيا الدينية ذاتها، أي على شكل هرطقة دينة بالنسبة للخطاب الديني الرسمي، فثوريو القرنيين الخامس عشر والسادس عشر كما هو شأن أعدائهم المدافعين عن الإقطاع، كانوا مخلصين للنظرة الدينية اللاهوتية إلى العالم، حيث اعتقدوا أن هناك نظاماً الهياً معطى مرة واحدة وإلى الأبد، وعلى أساسه يُحكم المجتمع، وأن أي خلل يحدث في تطبيق هذا النظام. سببه تعسف المضطهِدين وجهل المضطهَدين. والمهمة الأساسية تكمن عندهم في إزالة البدع والتحسينات الكاذبة التي دخلت على النموذج الاجتماعي العريق والمثالي والأسطوري.

أما الحل للخروج من هذه الهرطقة فهو إعادة تفسير النصوص الدينية المقدسة تفسيراً أكثر دقة وعمقاً، وهذا ما دفع قسم من رجال الكهنوت المسيحي الثوريين في القرن السادس عشر، إلى استخدام العقل والمنطق ضمن رؤية صوفية يمكن للرب أن يرسلها لمن يشاء حسب زعمهم. (2).

الأفكار الثورية ذات الطابع العقلاني الوصفي لبرجوازية عصر التنوير:

لم يكن بإمكان الصراع ضد الاضطهاد والاستبداد الاقطاعيين، والدعوة إلى تحقيق العدالة والحرية الإنسانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن يصبحا ناجحين بدون تغيير النظرة إلى العالم، ففي مطلع القرن السابع عشر نشأت المقدمات الموضوعية في أوربا المتعلقة بإعادة النظر بالنسبة لرؤية العالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي، ففي ذلك الوقت أخذت تنتشر الرؤية النقدية غير المنسجمة منهاجياً مع مجموع المفاهيم والتقاليد والعادات الدينية غير العلمية للعالم. وقد أحرز هذا النقد في البداية نجاحات عظيمة بالنسبة لقضايا العلوم الطبيعية، وليس الاجتماعية، وكانت تلك القضايا مرتبطة بالدرجة الأولى بإدراك الطبيعة وطبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان. وفي مضمار هذا السير النظري جرى التحدي للنظرة الدينية التقليدية للعالم بصورة ثورية حقاً، حيث ترك هذا التحدي تأثيراً كبيراً على تفكير الناس وعلى الحياة الروحية بأسرها. فنظرية كوبر نيك حول مركزية النظام الشمسي زعزعت أحد الأسس الدينية الأسطورية المتعلقة بالنظرة الدينية للكون، وهذا ينطبق على نظرية هارفي حول الدورة الدموية وتناقضها مع التفكير الديني والتصورات الكنسية عن الإنسان والتشريح العضوي له. يضاف إلى ذلك تطور الرياضيات الكلاسيكية والميكانيك والتأكيد على إعطاء الثقة المطلقة بالعقل والخشوع للمنطق.

لا شك أن خصائص فلسفة المذهب العقلي الوصفي التي أخذت تنتشر بشكل واسع في عصر التنوير، راحت تترك آثارها المهمة على طابع الفكر الانتقادي في القرنين السابع والثامن عشر. وذلك بإعلان المذهب العقلي أن كل ما هو غير منسجم وغير متسق ومتناقض داخلياً، هو غير حقيقي. وبالتالي من هنا أصبحت العلاقات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية التي لم يكن موجوداً في أطرها الانسجام الاجتماعي، وكانت تتكشف فيها التناحرات الاجتماعية، موضعاً للانتقاد من قبل المذهب العقلي الوصفي. لذلك أقر هذا المذهب العقلي ممثلاً بحوامله الاجتماعية تغيير هذه العلاقات والمؤسسات الاجتماعية.

لقد افترض تيار المذهب العقلي الوصفي، أن المجتمع شأنه شأن الطبيعة، يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبياً ومتجانسة كيفياً، وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفياً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئاً (كذرات) اجتماعية من نوع ما، ويتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبدية. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة بدأت تأخذ طابعاً أكثر تحديداً ودقة، وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية)، وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع. (3).

إن فلسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر (فلسفة التنوير)، قد انطلقت بصورة واضحة من المقدمة القائلة: بأن تطبيق الحرية المدنيّة يعتبر أساساً كافياً لبناء المجتمع المثالي. وكان فلاسفة هذه المرحلة يفهمون الحرية على أنها تحرر من الفروض الاقطاعية وقيود تقسيم المجتمع إلى فئات ومراتب، وكمساواة للناس أمام (القانون). لقد كانت فلسفة التنوير هذه تقصد حرية العمل الاقتصادي، أي النشاط البرجوازي، وقد عكس هذا الاقتناع موضوعياً خصائص الممارسة الاجتماعية التاريخية في ذلك العصر، عصر تطور نشاط رجال الأعمال الرأسماليين. إلا أن فلاسفة عصر التنوير رأوا طبقاً لأوهام المذهب العقلي الوصفي في فهمهم للحرية ومثالهم عنها، بديهية يصوغها العقل الصرف للمفكر على حد زعمهم، عدا (روسو) الذي اعترف بأن المساواة أمام القانون من السهل أن تصبح مساواة شكلية وستاراً للثروة، فالمساواة الفعلية عنده لا يمكن أن تتحقق حيث يوجد الثراء والفقر، وحيث يوجد عدم المساواة في الملكية. أما الحل عنده فهو خلق مواطن صالح أخلاقياً، أي خلق مواطن بعيداً عن الأنانية والرغبة في الاقتناء المفرط. وهذا ما دفعه للقول: (عندما قام أول شخص وسيج قطعة من الأرص وقال هذه ملكي وصدقة الناس، بدأ استغلال الإنسان للإنسان.). وهو بذلك ظل في الحقيقة يدور في مضمار العقلانية الوصفية برأيي لأنه اعتبر أن التربية الأخلاقية قادرة على حل المشكلة الطبقية وليس الثورة، وهذا ما دفعه لتالف كتابه (إيميل).

أما الحاكم الذي يعتبر المثل الأعلى لتحقيق السعادة والمساواة لشعبه فهو عند فلاسفة عصر التنوير ذو الثقافة التنويرية الذي يعمل طبقاً لقوانين العقل.

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن فلاسفة عصر التنوير قد ساهموا في الإعداد للثورة الفرنسية الكبرى، وكانوا على ثقة كبيرة بأن المصدر الرئيس لأي اضطهاد اجتماعي، إنما يتمثل في سوء الاستخدام الواعي والإرادي للثروة والسلطة من قبل بعض القوى الاجتماعية التي أخذت تنشأ نتيجة لعدم المساواة (الحقوقية) بين الناس، ونتيجة للتبعية المقوننة في التشريع الاقطاعي بين الفلاح والنبيل، ولعدم وجود قوانين واحدة والزامية للجميع. لذلك اعتقدوا بأن الإلغاء الحقوقي للتبعية الشخصية وجعل جميع الأفراد في وضع واحد أمام القانون، يمكن عندها فقط أن تزول جميع أشكال الاضطهاد والنزاعات من تلقاء ذاتها في الحياة الاجتماعية.

بيد أن تاريخ المجتمعات قد أثبت أن المساواة الاجتماعية أمام القانون لم تلغ عدم المساواة الاجتماعية. وأن إقرار المساواة أمام القانون لم يكن سوى بداية مرحلة جديدة في الصراع الطبقي، وأصبح الاعتبار الحاسم في هذا الصراع هو عدم المساوة من حيث الملكية، وانقسام الناس إلى جماعات اجتماعية كبيرة تبعاً لحالة ومقدار الملكية العائدة لهم. كما أثبت التاريخ أيضاً أن الثورة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر التي مهد لها فلاسفة التنوير فكرياً لم تكن في النهاية إلا ثورة برجوازية، وقد شهدت نهاية الثورة بالمثال الاجتماعي المجرد الذي وضعه هؤلاء الفلاسفة، والذي اعتنقه بإخلاص الجمهور الثوري الذي كانت تحركه غريزة الحرية بشل عام، أو غريزة الديمقراطية بشكل خاص من جهة أولى، ثم بمن تأثر بهذا المثال الاجتماعي من حملة أفكار التنوير من جهة ثانياً. لذلك أظهرت الثورة الفرنسية المحدودية التاريخية لمجتمع العقل الوصفي الذي وضع تصوراته آنذاك فلاسفة التنوير التي تبين أن تلك التصورات عن المجتمع، لم تكن تعتبر هذا المجتمع أكثر من مجموعة ميكانيكية متوازنة من الأفراد، وأن هؤلاء الأفراد ليسوا أكثر من ذرات اجتماعية متجانسة تماماً، أو متساوية مع بعضها من الناحية القانونية الشكلية / الوصفية.

ملاك القول: إن الثورات الاجتماعية الحقيقية التي تعمل على إعادة بناء الدولة والمجتمع وفقاً للقوانين العلمية الثورية التي يلعب فيها العقل النقدي (وليس العقل الوصفي/ الشكلي) دوراً فاعلاً في كشف القوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم في حركة الدولة والمجتمع، ومن ثم إعادة توظيف هذه القوانيين لمصلحة جميع أفراد والمجتمع، وهذا الدور يمارسه الفلاسفة الثوريون المؤمنون بحرية الإنسان وعدالته الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وهذا ما جعل ماركس يعول كثيراً على الفلاسفة الثورين عندما أناط بهم مسألة التغيير بقوله: (آن للفيلسوف الآن أن يبني هندسة المجتمع كما يبني المعماري هندسة البناء). بيد أن ما يرسم له الفلاسفة لن يتحقق مالم تؤمن به الجماهير المضطهدة والمحرومة من العدالة والمساواة، هذه الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع...إنها ثورة القوى الاجتماعية التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجية الاستغلالية السابقة لوجودها، أو التي اوصلتها هذه العلاقات إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشييء. والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجية جديدة يسود ويعم فيها العدل والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون أي عودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانية. أي عودته من ضياعه في منتجاته، هذا الضياع الذي يعتبر امراً حتمياً، فهو ليس نتيجة ذنب ارتكبه الإنسان في حياته، بل هو النتيجة المؤلمة للانفصال الذي يحدث في مرحلة معينة من نمو الإنسان بين وجوده الواقعي ومنتجاته. إن الضياع هو الوجه الاخر المقابل للتموضع. فالإنسان يتموضع بصورة دائمة، أي يوجد خارج ذاته، ويتجسد في أشياء (يشيئ). والضياع يتخذ مصدره من الحياة الاقتصادية عندما يقوم الإنسان ببيع قوة عمله في السوق ولا يعود يخصه إنتاجه، ويتخذ إنتاجه وجوداً مستقلاً عنه. والحرية بالنسبة لهذا الإنسان المتشيئ المعزول عن إنتاجه، لا تتحقق إلا بإزالة هذا الضياع.

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

..............................

المراجع.

1- راجع كتاب الفلسفة العلمية والثورية – إصدار دار التقدم 1982- مجموعة من الباحثين السوفييت – ترجمة –فهد كم نقش- ص 25.

2- المرجع نفسه- ص 27.

3- المرجع نفسه- ص 33.

 

عبد الجبار الرفاعيورد اسمُ "الرحمن" 44 مرةً في القرآن الكريم، ولو احتسبنا معها ورودَه في البسملة 113 مرة، يصبح العددُ 157، منها 11 مرةً في سورة مريم فقط. والرحمنُ من أسماء الله الحسنى، وهذه الأسماءُ يتّصف بها الإنسانُ وتجد تجليَها فيه كما يرى الشيخُ محيي الدين بن عربي: "فصفات العبد كلّها معارة من عند الله، فهي لله حقيقة، ونعتنا بها، فقبلناها أدبًا على علم أنها له لا لنا"[1].

ويحتلّ اسمُ الرحمن موقعًا محوريًا في نظرية الخلق والإيجاد في الرؤية التوحيدية لابن عربي، فعمليةُ الإيجاد لديه تعني الرحمةَ بالموجود، وذلك ما تحدّث عنه بقوله: "فاعلم أن الله سبحانه ما استوى على عرشه إلا باسم الرحمن، إعلامًا بذلك أنّه ما أراد بالإيجاد إلّا رحمة الموجودين، ولم يذكر غيره من الأسماء"[2]. أما المضمونُ الجوهريّ للتوحيد في مفهومِه فهو الرحمة، إذ "تفتح صور التوحيد الـست والثلاثين المغمورة بنَفَس الرحمن الألوهة على العالم والإنسان بنسب متعدّدة غير مترادفة"[3].

التديّنُ الرحمانيّ يعني اسحضارَ اسم "الرحمن" في بناءِ الصلةِ بالله، وتمثّلَ الصورة الرحمانية لله في الرؤية التوحيدية للمتديّن، وهذا التديّنُ يبدأ بمشاعرَ عفويةٍ بسيطةٍ تتطوّر بنموِّ التجربةِ الدينيةِ وتراكمِها في الحياة الروحية للمتديّن، وفي مراتب عليا يمكن أن يصل المتديّنُ بهذا النوعِ من التديّنِ في سيره وسلوكه الروحي إلى مقامٍ لا يرى فيه إلا الرحمن، ولا يعيش صلةً أصيلةً في الوجود إلا به، وقتئذٍ تتجلّى له صورةُ الرحمان في كلّ فعلٍ وموقف، ولا يصدر عن المتديّن إلا الرحمةُ بالخلق. عندها تتحوّل الرحمةُ المكتسبةُ إلى مادةٍ لروحِه ومقوِّمًا لحقيقتِه الوجودية، بنحو تكون الرحمةُ فيه سجيةً ومَلَكةً ثابتة، فيصير راحمًا لكلِّ من حوله من الناس، بل حتى مختلف الكائنات الحية [4]، لأن التديّنَ الرحماني مادتُه محبةُ الخلق.

المتديّنُ الرحماني مرآةٌ تتجلّى فيها صورةُ الرحمن، لذلك تكون الرحمةُ مقامًا أنطولوجيًا ساميًا في الحياة الروحية، إذ تشكّل مكوّنًا لهويته الوجودية، فيتميّز بها عن غيره من المتدينين. وهو مقامٌ يتعذّر على كلِّ متديّن أن يسمو إليه. الرحمةُ حالةٌ نسبية، حضورُها وتحققُّها على درجات، وبعضُ تعبيراتها أوضحُ ظهورًا في التديّن الفطري لدى عامة الناس الذين يكون تديّنُهم تديّنًا شعبيًا، ولا تظهر في مراتبها العليا إلا نادرًا لدى بعض الشخصيات الروحانية المُلهِمة.

التديّنُ الرحماني نمطُ تديّنٍ نادر، وإن كانت أمثلتُه موجودةً في كلِّ الأديان، سواء أكانت إبراهيميةً أو غيرها، ولا يتجسّد هذا التديّنُ إلا في شخصيات تمتلك مشاعرَ مرهفةً وعواطفَ شديدةَ الحساسية لكلِّ ألمٍ يصيب الآخر، فهي تتألم بشدّةٍ لما يُؤلِم الآخرَ بشدّة، وتحزن لما يُحزِن الآخرَ، وتكتئب لاكتئابِ الآخرَ، ويؤذيها كلُّ أذىً يصيب الخلق، ولا يسعدها إلا إسعادُهم. لا ينظر المتديّنُ الرحمانيُّ لأي إنسانٍ إلا بوصفه إنسانًا، لذلك نراه عندما يتعامل مع الناس لا يفتّش عن معتقداتهم، ولا يسأل عن أديانهم، ولا تهمُّه أعراقُهم وقبائلُهم. إنه مستثمرٌ بارعٌ في الرحمة، لا ينظرُ إلا لمن يستحقها فحيثما وجده رحمه. المتديّنُ الرحماني قدوةٌ مُلهِمةٌ لتأسيس علاقات تراحمٍ مجتمعية، من دون وجودِه يفتقرُ بناءُ هذه العلاقات للأسوة، ولا يُبنى التراحمُ ويتطور ويترسخ بلا رحمةٍ مُجسَّدةٍ في إنسان، يهتمُّ بغيره أكثر من اهتمامه بنفسه، ويمنح غيرَه ما لا يمنحه لنفسه بلا مقابل، يبهجُه العطاءُ مثلما يبهجُ الأمَ وهي تُعطي الأبناء. في التديّنِ الرحماني يظلُ أفقُ المعنى الروحي ثريًا متدفقًا مُلهمًا، يتجدّدُ بتجدّدِ احتياجاتِ الروحِ للسكينةِ والسلامِ الداخلي.

لا يُخلَق المتديّنُ الرحماني رحيمًا بالطبع، وكأنه مجبورٌ على هذه الحالة، إنما هو إنسانٌ مثلُ بقية البشر، وإن كان أكثرَ استعدادًا للاتصاف بالرحمة من غيره، عندما يكون شديدَ التأثر لآلامِ الناس وعذاباتِهم، ومع ذلك لا تكتسب هذه الحالةُ إلا من خلال تربيةٍ على القناعة بالقيمة العظمى لمعنى الرحمة التي تتفوّق على قيمةِ كلِّ مصلحةٍ ومنفعةٍ في الحياة، وارتياضٍ روحيّ يدمن عليه الإنسان، حتى تكفَّ نزعاتُ الشرِّ في داخله أن تجدَ ما يسمح لها بالظهور، بل يستطيع في مراحلَ متقدمةٍ من التربيةِ والارتياضِ أن يقتلع الجذورَ الغاطسةَ للشرِّ ولكراهية الآخر في باطنه، ويسعى للظفر بالمعاني الروحية الأصيلة، لأن المعنى الروحيّ أثمنُ من كلِّ معنىً في العالَم.

الكائنُ البشريّ ليس رحيمًا بالطبع، بل إنه ينزعُ بطبيعته للتسلّطِ على غيرِه؛ ليسحوذَ على كلّ شيءٍ في حياته، ولعلّ في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتّصفُ بها بيسر، ولا يتمثّلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشريّ عن التحقّقِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها. والإنسانُ في سلوكه ومواقفه كائنٌ طالما تغلّب في شخصيته الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا القيمُ الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين والثقافة والفن لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ والثقافات والفنون خفّضت كثيرًا من الطاقة التدميرية للتوحّش البشري في الأرض، فأضحت حياةُ الإنسان ممكنة. لا يتأنسنُ الكائنُ البشريّ إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَّ وحشٍ مفترس[5].

فاعليةُ المتديّن وحيويتُه وتفاؤله يستمدُّها من كيفيةِ تصوّره لله، وطبيعةِ استحضاره لأسمائه وصفاته وتحقّقه بها، فإن كانت صورةُ الله في ضميره قاسيةً، مخيفة، شديدةَ العنف، لا تعرف المغفرةَ والعفوَ والسلام، ولا تحضر فيها رحمة، حينئذٍ يستولي عليه الخوفُ والقلقُ والإحباطُ واليأس، وتصاب قدرتُه على المبادرةِ والفعلِ البنّاء بالشلل. وإن كانت هذه الصورةُ مرآةً يرى فيها الرحمةَ بوصفها صوتَ الله، والسلامَ بوصفه اسمَ الله، والعدلَ بوصفه شريعةَ الله، والمحبةَ بوصفها ضميرَ الدين، فسيكون مُبادِرًا فاعلًا حيويًا متفائلًا. إن رسمَ صورةٍ مرعبةٍ مفزعةٍ لله، تحجب صورتَه بوصفه الرحمنَ الرحيم، الذي "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"[6]، ورحمتُه "وَسِعَتْ كلَّ شيء"[7]، والذي سبقت رحمتُه غضبَه[8]. ولا ترى اللهَ إلّا بصورةِ مُعاقِبٍ عنيفٍ بالغِ القسوة. ينتجُ تمثّلُ المتديّن لهذه الصورة شخصية ًكئيبةً حزينةً قلقة، تميلُ للعنف، ولا تطيق التعامل مع المُختلِف في الدين والثقافة، إلى الحدِ الذي يصلُ فيه بعضُ هؤلاء المتديّنين إلى العجز التام عن محبة أيّ إنسان، لأنهم عاجزون عن محبة حتى أنفسهم.

أعرف بعضَ المتديّنين الذين تنتابهم حالاتُ هلوسةٍ واضطرابٍ وهلعٍ من الصور المفزعة التي ترسمها قصصُ عذاب القبر، والمشاهدُ المهولة للعالَم الآخر، وحكاياتُ بعض الوعاظ التي لا تنشد سوى إثارة الذعر في قلوب الناس، من خلال التشديدِ على ما يمتلئ به القبرُ من نيران، فضلا عن الصور المفزعة للحساب والقيامة وأهوالها. وكأن اللهَ لم يخلق الإنسانَ إلا ليتلذّذ بعذابه. لذلك نرى الذين لا يتجلّى لهم اللهُ إلّا بصورة معاقِبٍ عنيفٍ شديدِ البطش والقسوة، تختنق حياتُهم بكوابيس مرعبة، أما الذين يتجلّى لهم اللهُ بصورة الرحمنِ السلامِ العفوِّ الجميل، وهم الأقلّ في الحياة الدينية، فلم أرَ أحدًا منهم إلّا وهو في حالةِ سكينةٍ روحيةٍ وسلامٍ قلبي، وثقةٍ بالله وبذاته.

المؤسفُ أن بعضَ رجال الدين منهمكون في رسم صورٍ مرعبةٍ لله، وترسيخِ اليأس من رحمته، وخلقِ حالةِ صراعٍ بين الله والإنسان، وكأن اللهَ عدوُّ الإنسان، لم يخلقه إلّا لأجل أن يزجّه في معركةٍ أبديةٍ معه، ويظلُّ يطارده كي يبطش به، لكنهم يتكتمون على صورة "الله الرحمن الرحيم"، إلهِ المحبة والسلام والجمال، وينسون أن الحياةَ الروحيةَ ليست خاصةً بهم وبأمثالهم، بل إن كلَّ إنسانٍ يحتاجُ بطبيعته إلى الحياة الروحية، وإن كلَّ شخصٍ يغترفُ من معين الحقِّ على شاكلته، وتشرق روحُه بأنواره، ويتذوّق لذةَ وصاله بمقدار ما تتسع له هويتُه الوجودية، وذلك ما تشير إليه الآية: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا"[9].

التديّنُ الرحماني والتديّنُ الأخلاقي بينهما مشتركات كثيرة، إلى الحدِّ الذي يدعو البعض للاعتقاد بتطابقهما كليًا، بمعنى أن الشخصَ ما دام متديّنًا أخلاقيًا فهو متديّنٌ رحمانيّ، وما دام متديّنا رحمانيًا فهو متديّنٌ أخلاقيّ، لكن التأملَ يُظهر أن المتديّنَ الأخلاقيّ لا يكون بالضرورة رحمانيًا، وإن كان كلُّ متديّنٍ رحمانيّ أخلاقيّا بالضرورة، أي إن بعضَ الناس ربما يكون أخلاقيًا في تديّنِه وحياتِه الشخصية، وتعاملِه مع الغير، غير أن حالةَ الرحمة لم تصبح مكوّنًا لهويته الوجودية، لذلك تراه يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه وتعامله مع الناس، إلا أنه لا يسمو في بعض المواقف التي تتطلب منه التسامي إلى الرحمة. المتديّنُ الرحمانيّ يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه ومعاملاته المختلفة مع الناس، ومع ذلك يتسامى إلى مرتبةِ الرحمة، حيثما تطلّب الموقفُ ذلك، والرحمةُ لا تفوقها مرتبةٌ لأنها أسمى مراتبِ الاهتمامِ بالناس ورعايتِهم والتضحية من أجل أمنِهم وسلامتِهم وسعادتهم.

مازالت الكتاباتُ الدينيةُ المختلفةُ تفتقر للحديث عن الرحمةِ الإلهية، فقلّما أقرأ مقالةً أو عملًا عنها، على الرغم من الحاجة الماسّة لها في عصر تتسلّط فيه بعضُ القراءات الفاشية للنصوص الدينية، ويحاصر الحياةَ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ فهمٌ مغلقٌ للدين. وتلك واحدةٌ من الثغرات الكبيرة في الثقافة الدينية.

كذلك قلّما تتحدّث الكتاباتُ الدينيةُ عن الأخلاق، وإن تحدّثتْ عنها تأتي في سياقِ الكلام عن غيرها، وبمنطقٍ وعظي، ولا تقاربها في ضوء الأفق التاريخي الذي يعيشه المتديّنُ اليوم واحتياجات حياته الماسة للقيم.

الدراساتُ الدينيةُ في معاهدِ التعليم الديني أكثرُها تكررُ المكرراتِ المملة، وتشرحُ الشروحَ المتراكمة على هامشِ المتونِ القديمة، ولا تطلُ بأي أفقٍ مضيء يواكبُ المتطلباتِ القيميةِ لحياةِ المتديّن. ولا تسعى لإنقاذ الأبناء الذين ضيّعتهم متاهاتُ الفهمِ المغلق للدين والقراءةُ الحرفيةُ لنصوصه، فغرقوا في تديّن عنيف لا يعرفُ سلامًا ولا رحمة.

المتديّنُ الذي يتجلى اللهُ له في صورةِ الرحمن يعيشُ سلامًا في روحه، وحيثما كان يكونُ سلامًا في كلِّ قولٍ وفعلٍ. إن التشدّدَ في الدين، والأسلوبَ العنيفَ في التعامل مع الناس، نتيجةً طبيعية لكسوفِ "اسم الرحمن" واحتجابه عن الحياةِ الروحية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 409، ج10، ص166. ج8، ص19.

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 198، ج6، ص142. ج5، ص 8.

[3] الديري، علي أحمد، لماذا نكفّر؟ ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن، تقديم: عبدالجبار الرفاعي، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين، بيروت، دار التنوير، 2019، ص 81 – 82. هذا الكتاب تلخيص جيد للرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين بن عربي، ومركزية اسم الرحمن وتنويعات حضوره في هذه الرؤية.

[4] يقال إن عدد الحيوانات المستغلة في مختلف التجارب الطبية وغيرها ما بين 17 و70 مليون حيوان في السنة الواحدة، وأحيانًا يجري "بشكل متعمد جرح الكلاب، بطريقة تجعل الطلاب يتعلمون كيف يكونون مستعدين لمداواة الجروح والكسور". راجع: ديفيد رزنيك، أخلاقيات العلم: مدخل، ترجمة، عبد النور عبد المنعم، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2005، ص 203، "سلسلة عالم المعرفة العدد 316".

[5] للمزيد راجع: الرحمة مفتاح فهم القرآن، فصل 1 من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط2، ص 23.

[6] الأنعام، 12.

[7] الأعراف، 156.

[8] ورد الحديث في صحيحي البخاري ومسلم بهذه الصيغ: "إن رحمتي سبقت غضبي"، "إن رحمتي تغلب غضبي"، "إن رحمتي غلبت غضبي".  

[9] الرعد، 17.

 

محمود محمد عليلكي تخوض دولة ما حربا ضد دولة لا بد من أن تكون هناك أهداف مشروعة لتلك الحرب؛ حيث ثبت علي مر التاريخ أن الحروب قد ارتبطت بالصراعات بين الأفراد، ثم بين الجماعات، كما تطور وتنامي نطاقها عبر التاريخ في فنونها، وأدواتها، وطرق إدارتها، من جيل إلى جيل، شأنها شأن أي تطور طبيعي يطرأ على مناحي الحياة المختلفة،  فهي قدر محتوم على البشرية منذ قديم الأزل، تكون حيناً واقعاً مفروضاً للدفاع عن الأرض والعرض، أو لتحقيق مطلب، وحق استعصي نيله بالطرق السلمية، وتكون في حين آخر صراعاً بين طائفتين، أو فئتين، أو دولتين، لتحقيق مكاسب معينة سواء، اقتصادية، أو سياسية، أو أيدولوجية، أو لتحقيق أغراضٍ توسعية، يراها كل طرف بمثابة الحاجة الملحة لتأكيد هدف معين  .

وهذا الهدف هو ما يطلق عليه "صناعة العدو"، يقول هنري ميشو Heneri Michaux  بطريقة واضحة وضوح الشمس، إن تحديد الأعداء أو الأصدقاء والتحقق منهم يشكل آلية ضرورية قبل شن الحرب، وعند انتهاء النزاع يحتسب المتنازعون الحصيلة السلبية ذاتها : لقد كانت الحرب أسوأ الحلول لكن الناس خضعوا لها، مرة أخري، ومن المنطقي أن نحاول فهم كيفية إنتاج العجرفة الحربية التي تدفع الناس إلي أن يقتل بعضهم بعضا بطريقة شرعية  .

ذلك أن الحرب هي، قبل كل شئ، ترخيص ممنوع شرعيا لقتل أناس لا نعرفهم أو أحيانا تعرفهم حق المعرفة علي غرار الحروب الأهلية، لكنهم يتحولون فجأة إلي طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها . إن الحرب هي اللحظة " غير الطبيعية"، إذ يمكن معاقبة من يرفض قتل العدو بالموت، لذا يتعين علينا القيام بذلك عن طيب خاطر والاقتناع بما نفعل .

وللكشف عن كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يبُني المتخيل قبل الذهاب إلي الحرب ولتوضيح ذلك يمكن القول بأنه علي مر التاريخ، تكثر أمثال صناعة العدو. فلقد عرفنا " الخطر الأصفر"، أي الاختراع العبقري لغيوم الثاني Guillaume II بغية تبرير مشاركة ألمانيا في تقسيم الصين . وعرفنا " ألبيون الغدارة"، وهو الوصف الذي أطلقته فرنسا العظمي، متهمة إياها بأنها منعتها من الاستعمار بطريقة هادئة. وعرفنا" المؤامرة اليهودية- الماسونية" للبلوتوقراطيين (أي الأثرياء المتنفذين) التي ازدهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين،والتي استخدمت لتبرير المحرقة النازية (الهولوكوست) وتجريد حملات الاعتقال قبل أن تعود إلي الظهور بصورة  مشتتة . لكن هل اختفت تماما هذه الآلية التي أنتجت هذه الأساطير، والتي شرعنت الكثير من الحروب ؟ يشكل خطاب الرئيس جورج بوش في 29 من يناير 2002 حول حال الاتحاد، والذي يشير بشكل أحادي إلي بلدان " محور الشر " الثلاث، مثالاً معاصراً للإنتاج المصطنع للأعداء قدمته أقوي ديمقراطية  في العالم . ولم يكن ممكناً بالنسبة إلي أي دولة من الدول الثلاث المذكورة (إيران والعراق وكوريا الشمالية) أن يُشك في تورطها باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكن الرئيس بوش أعلن للشعب الأمريكي، المصدوم نفسيا من الإرهاب، قراره بمحاربة .. انتشار أسلحة الدمار الشامل ! وانقسمت أوربا التي كانت دوماً متحدة ضد العدو السوفيتي إلي معسكرين  متعارضين، فقد كانت" أوربا العجوز" تعد صدام مشكلة، لكنها كانت ترفض اعتبار طاغية بغداد مبرراً للحرب. أما " أوربا الجديدة" فتبعت واشنطن وشاركت في الحملة العسكرية علي "التهديد العراقي" .

وقد أبرزنا في كتابنا "حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي" أن الولايات المتحدة بنت فكرة حروب الجيل الثالث علي افتراض، أن العدو سيبدأ الحرب في المسـتقبل القريـب، وبالتـالي ستصبح ملائمة جداً للطرف الذي يباشر بها، بمعنى أوضح، فهي تعبر عن القيام، أو التحول في الرد على هجوم فعلي، إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم معاد محتمـل من قبل خصوم أمريكا .

وهنا برزت فكرة حروب الجيل الثالث كاستراتيجية أمريكية جديدة، بعد أحداث الحـادي عشـر مـن سبتمبر 2001م، وتبنتها الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش الابن، كعقيدة، ونظريـة معتمـدة فـي السياسة الخارجية، بعدما تم نشرها من قبل البيت الأبـيض فـي سـبتمبر 2002 ضـمن وثيقـة " استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحـدة National security strategy of the US، فهي تعبر - مفاهيمياً- عن سياسة أو إطار عمل، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بحق مهاجمة دول تعتبـر طامحة، لأن تشكل تهديداً، أو منافسة محتملين على الصعيد العسكري .

وتكمن النواة الأساسية لحروب الجيل الثالث ضمن وثيقة استراتيجية الأمن القومي، في الجمع بين تهديدين بالغي الخطورة من منظور أمريكي، وهما الدول المارقة والإرهابيين من جهـة، وإمكانيـة حصولهم على أسلحة الدمار الشامل من جهة أخرى  ؛ يقول فرانسيس فوكوياما:" إن أحداث 11 سبتمبر، قد غيرت إدراك الولايات المتحدة للتهديد المتغير،لأن الهجمات جمعت معاً تهديدين أكثر خطورة فـي حزمة واحدة، وهما الراديكالية - التطرف، والتكنولوجيا - أسلحة الدمار الشـامل، حيث رفعت القضيتان لأول مرة الاحتمال الوشيك لتهديد نووي مباشـر لا يمكـن  ردعه" .

إن أسلوب حروب الجيل الثالث يمنع العدو من فعل التهديد، فالولايات المتحدة تريد القضاء على العدو قبل أن يهددها، وهى تري أيضاً في أسلوب حروب الجيل الثالث، هو الذي يعيد استراتيجية الردع، فمثلاً كان الرد الأمريكي ضعيفاً على تفجير سفارتها في كينيا وتنزانيا، من خلال قصف صاروخي لمواقع في السودان وأفغانستان، وهذا الرد لم يخلق الردع للأعداء، لذا وجدت الولايات المتحدة أن أفضل وسيلة، هي البدء بالهجوم من أجل إعطاء فرصة للعدو أن يهدد الأمن القومي الأمريكي، فوجدت في النظام السياسي في أفغانستان والعراق أفضل فرصة لحروب الجيل الثالث القائمة على الحرب الوقائية، فهي رأت في أن هذا النظام يأوي الإرهاب، ويسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي مثل هذه الحالة سيكون اللجوء للقوة، هو الأفضل من أجل منعه من تهديدها وردع الآخرين .

ولخوض هذا النوع الجديد من الحرب ضد الإرهاب داخل الولايات المتحدة وخارجها، حدّد الرئيس "بوش" استراتيجية الحرب الاستباقية، والتي تُعرف في بعض الدوائر باسم "عقيدة بوش"، حيث مضى قائلاً: "إذا ما انتظرنا حتى تستكمل التهديدات استعدادها، فمعنى ذلك نكون قد انتظرنا لأكثر من اللازم، ويتطلب أمننا أن يتحلى جميع الأمريكيين ببعد النظر والعزيمة، وأن نكون مستعدين للقيام بعمل استباقي، وتعلن تفاصيل الحرب الاستباقية الموضحة في استراتيجية الأمن القومي، إن الولايات المتحدة لن تتردد في العمل بمفردها إذا لزم الأمر، لممارسة حقها في الدفاع عن نفسها بشن حرب استباقية ضد الإرهابيين، ومنعهم من إلحاق أضرار بشعبنا وبلدنا"، وإذ تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على ما كفله القانون الدولي من حق الدول في العمل ضد "خطر من هجمات وشيكة"، فإنها تقترح إعادة النظر في تفسير كلمة "وشيكة"، بسبب الطبيعة الثورية للعدو الإرهابي، وتمضي الوثيقة قائلة: "ينبغي أن نكيِّف مفهوم التهديد الوشيك مع مقدرات وأهداف أعداء اليوم؛ فكلما كان التهديد أكبر، كلما ازدادت مخاطر السلبية، وأصبح من الضروري اتخاذ عمل بالاعتماد على توقعاتنا لحماية أنفسنا، وحتى لو اكتنف الغموض زمان ومكان هجوم العدو، فإن الولايات المتحدة سوف تقوم بأعمال استباقية عند الضرورة. وحتى لا يشكِّل العدو تهديداً وشيكاً، فإن الولايات المتحدة سوف تشن الضربة الأولى ضد الإرهابيين، ومن يأويهم بعلم منه، أو يقدّم لهم المساعدة" .

وتحت شعار "مبدأ بوش" شنت الولايات المتحدة حروب الجيل الثالث، وهي الحروب الوقائية والاستباقية، ويعنى مبدأ بوش الأيديولوجيا أو العقيدة السياسية التي وضعها للعمل بها في مجال السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إبان فترة رئاسته الأولى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه أيضاً استراتيجية "الحروب الاستباقية" التي تمثل بذاتها العمود الفقري استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ككل التي وضعت عام 2002؛ أي بعد عام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد تم الاستناد إلى هذا المبدأ في الحروب الأمريكية على الإرهاب والدول المارقة تحديداً ضد كل من أفغانستان والعراق .

ولذلك اخترعت الولايات المتحدة فكرة حروب الجيل الثالث، أو الحرب على الإرهاب، فأخذ شكل الحرب الأمريكية علي الإرهاب، بمعاونة حلفائها، والتي بدأتها بالحرب علي أفغانستان، واحتلال العراق في مارس2003م، والتي انتهت بتدمير العراق .

وبعد عشر سنوات من التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، استشعرت الإدارة الأمريكية أنها تورطت في هذه الحرب، حيث كشفت الدراسة التي نشرتها جامعة براون الأمريكية بأن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة إثر هجمات 11 سبتمبر 2001 م أسفرت عن ما لا يقل عن 225 ألف قتيل وبلغ تكلفتها المادية 3700  مليار دولار على  الأقل ؛ وبحسب بيانات الدراسة فإن الإحصاءات تشمل الحرب على أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى الغارات التي تشنها الطائرات الأمريكية على أفغانستان. وتبين الدراسة أن قتلى الجيش الأمريكي في هذه الحروب بلغ ستة آلاف قتيل فيما بلغ عدد قتلى حلفاء أمريكا 1200 قتيل، و10000 جندي عراقي، و 8800 جندي أفغاني، و 3500 جندي باكستاني، و2300 من موظفي الشركات الأمنية الخاصة "المرتزقة" .

وهنا قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم؛ حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عقب الهزيمة في العراق، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

وقد بدأ كثيرون من صناع القرارات في الولايات المتحدة الأمريكية  يتحدثون عن الحرب غير المتماثلة والحرب طويلة الأمد، حيث ستشارك الولايات المتحدة الأمريكية- تحت مظلة هذه النماذج من الحروب- في أنشطة مكافحة الإرهاب في منطقة واسعة من العالم الإسلامي لفترة طويلة جدًا. وبدا صراع الند للند peer-to-peer conflict  قد عفى عليه الزمن؛ وهنا أدرك صناع السياسات الأمريكية بأنه في ظل الظروف المناسبة قد تستطيع "العصابات" أن ترجح الكفة أمام "الجيش التقليدي"، حتى لو كان الأخير يمتلك مميزات خارقة في الجو، أو البحر، أو في القدرة النارية .

وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقل – جامعة أسيوط

 

رائد عبيسالإيمان بالحكومات غير الايمان بالدولة، ومجتمعاتنا العربية والإسلامية مازالت لا تؤمن بمفهوم الدولة بمعناه الحديث، فهي تؤمن بالحكومات التي تقودها وتؤسسها وتوجدها وتديرها، ولا تسعى للحفاظ عليها كسعيها للحفاظ على حكوماتها!! وهذه في الواقع إشكالية كبيرة وخطيرة موجودة، وما زالت راكزة في وعي الأجيال وقناعتهم بها، فهم ما زالوا يخلطون بين مفهوم الدولة وبين الحكم الإسلامي أو الديني. وهذا ما يفسره عدم اطمئنان أصحاب الديانات الأخرى كالمسيح، أو اليهود، أو الصابئة، أو غيرهم من مشروع الدولة الإسلامية؛ لأنه ربما يهدد وجودهم واقعاً ومستقبلاً، وهم لديهم تجارب في ذلك وتاريخ من الإقتتال المشترك، فهم لا يطمحوا أن يكون مفهوم الدولة يحمل عنوان لدين واحد، وهذا يدفعهم أما للمشاركة في الحكم والمطالبة به أو يتوجهون للمقاومة واثبات هويتهم بالقوة اذا منعوا من ذلك، ولعل مرد ذلك إلى جملة اسباب :

١-ان مجتمعاتنا تؤمن بالرمز الذي سرعان ما تضفي على رمزية الحاكم صفة القداسة، والخلافة الربانية للدين والرعية، وهذه تشجع على أن يتخذ من الدين غطاء بحكمه.

٢-  لم تؤثر بهذه المجتمعات تجربة حكم الدولة الحديث بسبب ارتهانهم تاريخياً للحكم بمفهوم الخلافة الذي يستمد شرعيته من المؤسسة الدينية.

٣- طبيعة هذه المجتمعات مازالت بدوية وريفية أو متحضرة قهراً أو منذ مدة حديثاً نسبياً لا يلائمها الحكم بمفهوم الدولة الحديثة الذي يتطلب مجتمعات متمدنة.

٤- مازالت هذه المجتمعات تعيش بيوتوبيا الحكم الإسلامي ودولته التي هي مطمح الأجيال المتلاحقة، وهذا ما تفسره كل الصراعات الاجتماعية داخل بلداننا العربية والإسلامية مع الحكومات المتعاقبة عليها، وان كان هذا التعاقد لم يعش بالكامل، فما زالت اغلب بلداننا تعيش تجارب الحزب الواحد والحاكم الواحد، ولم تألف التنوع في الحكومات الا بعد الربيع العربي. ولعل اسبقها العراق الذي فشل به الحكم الإسلامي الذي كانت تناضل من أجله شريحة كبيرة من المجتمع.

هذه الأسباب وغيرها حالت دون نجاح تجربة مفهوم الدولة الحديثة،والدليل أن كل سقوط نظام حكم في بلداننا تنهار معه الدولة وتفقد استقرارها، لأن المجتمع كان يؤمن بكرزمة الحاكم، وليس بحنكة إدارته وحسن تدبيره لشؤون البلد، ما ان غابت هذه الرمزية الكرزمية بدأ يحلم بظلها أو شبيه لها. ونحن نتذكر كيف لعبت قضية شبيه صدام حسين في عقول الناس وتركت الحيرة والامل عندهم، والأمثلة من البلدان الأخرى كثيرة .

فمجتمعاتنا وصلت إلى حد تأليه الحاكم وتقديسه، حتى بلغ الحال في بعض المؤسسات الدينية إلى تحريم الخروج عليه،ومعارضته، ومعصية عدم طاعته.

هذه كلها معطيات تنبئنا بتلاشي الدولة وانهيار مفهومها من قناعات المجتمع العربي تماماً، لأنها عجزت عن تحقيق متطلبات الدولة المدنية، أو الدولة الحديثة، من الخدمات وحتى الأسس المعرفية لهذه الدولة وثقافتها، فهي تعيش تجربتها الحديثة، وتثقف مجتمعها في الوقت نفسه على انتظار وترقب دولة الإسلام وحكمه ! فكيف تؤمن الأجيال اذان بمفهوم الدولة الحديثة ! التي أخذت صبغة علمانية في أعم تجاربها. فضلا عن إيمان أمة المسلمين بمفهوم الأمة، ورفض فكرة وواقع الحدود المصطنعة التي جاء بها "الاستدمار" وهو مصطلح بديل عن مصطلح الاستعمار نفضل استخدامه هنا،لأنه قريب من توصيف المسلمين له، لانهم يعدون الاستعمار مفردة قرآنية توحي بإعمار الارض الذي استهدف الله الإنسان فيها، فمفهوم الأمة هو مفهوم واسع، يتجاوز حدود الدول الصغيرة أو الكبيرة، ليمتد شرقاً وغرباً في المعمورة، فهي مشروع للدولة الكونية التي تقترب بها من الطروحات الفلسفية حول الفضاء الكوني الموحد لمفاهيم وتجارب مشتركة. وهذا يعني أن مفهوم الدولة الضيق الذي صنعته حدود سايكس بيكو، أو التقاسم الجغرافي لهذه البلدان بعد احتلالها من قبل الامبراطوريات والدول الاوربية لا تؤمن به مجتمعاتنا العربية والإسلامية، صحيح انها تتقاتل عليها، وتثار المشكلات السياسية حولها، فالأنظمة الحاكمة هي من ترسخ حدود دولتها بفكر مجتمعها عبر هذه الصراعات وحقيتها.

وبعد انهيار هذه الأنظمة ونظام الدولة ومؤسساتها، اصبح من الواضح أن تشكل الدول العربية ككيانات مستقلة أصبح من الصعب جدا، وهي تكشف عن انفتاح بين الحدود وتلاشيها، وهذا لا يعني توحدها بل لأنها فقدت السيطرة على إعادة هيكلها التقليدي الذي نشأت عليه، فكل دولة من الدول العربية ربما بعضها لا يتجاوز قرنا من الزمن، وان كان أ كثر فهو الأضعف أمام المستقبل الحامل لهذه الأفكار التي تأتي بفعل حركة التاريخ وسيرورته أو بفعل وعي المجتمعات، أو بفعل القوى الكبرى التي تطمح بالاحتلال لهذه البلدان. بفكرة الحدود المشتركة التي أصبحت مستباحة في سوريا مثلا، فضلا عن تجاوزها وعدم التقيد بها أمام التحركات العسكرية أو الدبلوماسية أو التجارية وغيرها.

وهذا الأمر سواء تم بعوامل وظروف استثنائية كالحرب والصراعات وغيرها، أو يأتي بواسطة اتفاقيات ونسخ تجارب وتعزيز وحدة، كما هو الحال في وضع مجلس التعاون الخليجي مثلا، وقبلة فكرة الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق التي انهارت وتبددت، فشعوبنا العربية تملك فكرة تلاشي الدولة وواقعها من خلال هذه التجارب، والمبادرات، والطموح بالوحدة القومية، سواء وجدت اليوم ام لم تجد فهي تبقى طموح الاجيال، وكذلك الأمة أو الشعوب الإسلامية، فهي تملك فكرة تلاشي الدولة وتوحيدها بعنوان أمة لا تعترف بالحدود بل تعترف بالمشترك، وهذا ما يجعلها تعبر الحدود وتتجاوزها، كما في فكر الدول التي تدعي أنها ترعى الإسلام في المنطقة كإيران والسعودية. وبكلا الأمرين لا يمكن اذان أن تتحقق الدولة بكيان مدني علماني حديث ومتطور في بلداننا العربية.

والمقال تتمة.....

 

الدكتور رائد عبيس