بليغ حمدي اسماعيللم يأنف الملاحدة جهداً في حملتهم المسعورة ضد الإسلام والمسلمين، بل ودفعهم غرورهم العلمي أن ينكروا وجود الله، ولقد بذلوا جهوداً مضنية في الكيد والنيل من الإسلام والقرآن الكريم بوصفه دستور المسلمين، ويمكننا حصر بعض تلك المطاعن والمزاعم في مسائل وشبهات محددة، هي أن الإسلام ملفق من الديانات السابقة، وأنه يدعو إلى التواكل والسلبية، ويظلم المرأة ويهضم حقوقها، وأخيرا بأنه دين يحارب الفنون.

الشبهة الأولى ـ الإسلام ملفق من الديانات السابقة:

بادر الملاحدة والمستشرقون في سلب خصوصية الإسلام وانفراده المتميز المتمثل في القرآن الكريم، وادعوا أنه دين ملفق من كتب سماوية وعقائد دنيوية سابقة. ولنا أن نسأل هل كان معاصرو النبي محمد (ص) ومعارضوه في غفلة عن هذا وقت بزوغ فجر الإسلام؟. بالطبع كان هؤلاء موجودين، ولكن لم يستطع أحد منهم أن يذكر قرينة واحدة على قولهم هذا، بل لهم نقول إن الإسلام جاء بتعاليم ومبادئ وقوانين لم تشملها الكتب السماوية السابقة، بل الإضافة إلى ما تمتع به القرآن الكريم من مزية فريدة اختص بها وهي الإخبار عن الأمم السابقة، والحديث عن أمور غيبية حدثت بعد ذلك.

الشبهة الثانية ـ الإسلام يدعو إلى التواكل والسلبية:

لم يجد ملاحدة العصر الحديث من شبهات يلصقونها بالإسلام فادعوا كذباً بأن الإسلام عقيدة تدعو إلى التواكل والسطحية واللامبالاة تجاه المتغيرات الحياتية والمجتمعية، ومن يقرأ القرآن الكريم ويتدبر معانيه وآياته الحكيمة يتأكد أن الإسلام دين يحث على العمل، ويدفع الإنسان نحو، والمطالع لآيات القرآن يدرك ويفطن الربط المستدام بين الإيمان والعمل، يقول الله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

والقرآن يحث المؤمنين على العمل حتى في أوقات الراحة، وأقصد يوم الجمعة، فيقول الله تعالى في ذلك: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله). فأين هذا التواكل الذي يلصقه الملاحدة بالإسلام والمسلمين؟ . والسنة النبوية لصاحبها (ص) تحث على العمل والسعي الدءوب غير المنقطع من أجل عمارة الأرض، يقول الرسول (ص): " إذا قامت الساعة في يد أحدكم فسيلة فإذا استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل". بل ونجد الرسول الكريم (ص) يضرب مثلاً أعلى في الدعوة إلى العمل حيث رفض انقطاع الناس للعبادة في المسجد واعتمادهم على غيرهم في المأكل والمطعم والمشرب والملبس، وامتدح من يعمل ويكد من كسب يده بشرف وأمانة وتقوى ومراقبة من الله تبارك وتعالى.

ولقد خلط أولئك الملاحدة بين التوكل الذي يعني تدبر الأمور والأخذ بالأسباب والتزود بالطاقة الروحية والعبادة، وبين التواكل الذي يعني الكسل وعدم الأخذ بالأسباب والوسائل المعينة. وكلنا يعرف كيف طرد الفاروق عمر بن الخطاب أولئك المتواكلين المنقطعين للعبادة في المسجد معتمدين على غيرهم في رعايتهم وقضاء شؤونهم، وقال عبارته المشهورة: " إن السماء لا تمطر ذهباً"، واستشهد في ذلك بحديث النبي (ص) الذي يقول فيه: " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطانا ً" .

وليس هذا فحسب بل جعل الإسلام العمل المفيد من أسباب الثواب وزيادة الحسنات، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تتعلق بهذه المعاني ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)، كما أن السنّة الشريفة تضمنت العديد من النصوص التي تحث على العمل والكسب الحلال مثل قول الرسول (ص): "ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده"، وقوله (ص): "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفوراً له" .

الشبهة الثالثة ـ الإسلام يظلم المرأة ويهضم حقوقها:

تشير أصابع الملاحدة بالاتهام خفية وعلانية بأن الإسلام معاد حقيقي للمرأة، وأنه هضم حقها، وأغفل حقيقتها ودورها التاريخي قبل الإنساني. والمجال غير متسع لعرض وضع المرأة قبل الإسلام، وما كان عليه النكاح من صور أكثر وحشية وهمجية واحتقاراً لها من نكاح استبضاع، إلى نكاح الرهط، مروراً بنكاح صواحبات الرايات، انتهاءً بنكاح الشغار والبدل والضغينة.

ولا شك أن موقف المرأة كان صعباً في ظل التصور الإسلامي لبعض الصحابة، ورغم ذلك شاركت النساء في النضال اليومي للعيش والحياة الاجتماعية والاكتشاف اليومي لطبيعة الإسلام، فكن يعملن بالإضافة إلى اكتشاف أحكام القرآن والإسلام دون تمييز أو تهميش أو إلغاء، وهذا يدل على أن المرأة ليست هي العورة، بل إن العورة هي العورة، وهو ما فصله رسولنا الكريم (ص)، فكانت المرأة تغزل وتنسج وتبيع ما تصنعه وسط مرأى ومسمع الجميع، وهذا يؤكد طبيعة المجتمع المدني الذي لا يميز أي فرد عن بقية أعضائه.

ولو أن الإسلام قد قوض مكانة المرأة، وسعى إلى تغييبها حضارياً لما سمعنا أسماءً بعينها من نساء الإسلام الصالحات، كالسيدة خديجة، والسيدة صفية، والسيدة فاطمة، وزينب بنت جحش، وأم أيوب الأنصاري، وجهيزة، وأم حكيم، وغيرهن كثيرات. ولابد أن نقر حقيقة تاريخية وهي أن الإسلام أنصف المرأة الإنصاف كله، وأزال عنها ما لحقها من ظلم، وحررها من العبودية واستغلال جسدها، ورفع مكانتها وأعلى منزلتها، في الوقت الذي لم يعترف الغرب بحقوق المرأة إلا في القرن التاسع عشر بعد جهاد طويل.

وعجيب جداً أمر هؤلاء الذين يقصرون حقوق المرأة في حجاب رأسها، وارتدائها للبنطال، ومشاركتها العمل وسط الرجال، وذهابها إلى صلاة التراويح، وغيرها من القضايا الجدلية لصرف الأنظار عن سماحة الإسلام وإتاحة الحرية للمرأة في معاملات البيع والشراء، والاحتفاظ بمالها، وقد أجاز لها حق التملك،وساوى بينها وبين الرجل. والله تعالى يقول في ذلك: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).

والإسلام الحنيف لم يمنع المرأة من الجهاد والعمل، قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، والتاريخ الإسلامي يحفظ أسماء الصحابيات اللاتي جاهدن في سبيل الله مثل الربيع بنت معوذ التي قالت: كنا نغزو مع رسول الله نسقي القوم ونخدمهم ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة.هذا بخلاف ما صنعه الإسلام للمرأة من حق الميراث وكانت لا ترث، وكذلك تحريمه لوأد البنات وهن صغيرات.

لكن معظم الملاحدة من العصر الحديث يضيقون النظرة نحو الإسلام ويصرون على إظهار الفروق القليلة بين حقوق وواجبات كل من الرجل والمرأة، ونؤكد لهم أن هذه الفروق المعدودة كما ذكر شيخنا محمد الغزالي احترام لأصل الفطرة الإنسانية وما ينبني عليها من تفاوت الوظائف، فالأساس قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض).

وأكاد أجزم لهؤلاء الذين يؤكدون خفية وجهراً على أن الإسلام قد قهر المرأة، بأن أبين لهم أن الإسلام منح لها حق الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتدريس، بل ومجادلة الملاحدة والمارقين. لكن المحاربين ملتزمون بقضايا فتنة ذكر المرأة لاسمها، ووجهها العورة، وصوتها العورة، والكارثة أننا ابتلينا منذ فترة ليست بالقريبة بأناس لا يتدبرون القرآن، ويحرفون كلام رسول الله (ص) عن مواضعه، فيبذلون قصارى جهدهم في إحداث فتنة حقيقية سلاحهم فيها المرأة.

لقد بنيت حقوق المرأة في الإسلام على أعدل أساس يتقرر به إنصاف صاحب الحق، وإنصاف سائر البشر معه، وهو أساس المساواة بين الحقوق والواجبات، وإذا كانت الدول المتقدمة اليوم تنادي بتمكين المرأة اجتماعيا وسياسياً ودينياً،فإن الإسلام منذ أربعة عشر قرناً وثلاثين سنة قام بها وخير دليل بيعة العقبة الكبرى، ومن العجب ترك الزمام لهؤلاء الذين يصرون على جعل المرأة كائن غير طاهر، وهذا باطل، وأنها كلها عورة، وهذا باطل، وأنها كائن ناقص ـ ومن منا يتسم بالكمال والتمام ـ وأنها عديمة التفكير ولهم جميعاً أردد قول الشاعر:

  إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدق ما يعتاده من توهم.

الشبهة الرابعة ـ الإسلام يحارب الفنون:

لايزال يصر الملحدون والمارقون عن الدين على أن الإسلام الجميل يحارب الفنون الجميلة ويرفضها ويحرمها تحريماً مطلقاً، ويشاركهم القول في هذا العلمانيون الذين لا يرون ـ لقصر نظرهم ـ في الإسلام خيراً.

والقرآن الكريم لم يغفل الحديث عن هؤلاء بتحدث عنهم بقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القران أم على القلوب أقفالها)، فالقرآن ملئ بالصور البيانية والجمالية فائقة الروعة والتصوير، ومن يتمعن في آيات القرآن الكريم يدرك حجم التناسق والإبداع والإتقان في التصوير، ومن هنا فلا يعقل أبداً أن الإسلام الحنيف يرفض الفن ويحاربه إذا كان الفن جميلاً ومقبولاً.

والإسلام في هذا وضع ضوابط وشروطاً مهمة ومحددة لقبول هذا الفن، فإن كان هدفه الإمتاع الذهني، وترقيق وترقية الشعور، وتهذيب النفوس والأحاسيس دون خلل أو انحراف أو إثارة للغرائز المحمومة والشهوات، فلا اعتراض عليه. والملاحدة والعلمانيون يستغلون سذاجة بعض الشباب البعيد عن دينه وينزلقون بهم في هاوية الحديث عن الفنون وصناعة التماثيل وإقامة المتاحف ولعب الأطفال المجسمة.

ويفاجئ علماء المسلمين هؤلاء الملاحدة بأن الإسلام أجاز إقامة المتاحف، وذلك على أساس أن الآثار سجل تاريخي يلزم المحافظة عليه لأنه من الضرورات العلمية. كما أجاز الإسلام الحنيف استعمال لعب الأطفال لتعليم الأطفال وتسليتهم .

وكلنا يحفظ بذاكرته الواقعة الشهيرة حينما دخل خليفة رسول الله أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) على ابنته عائشة زوجة الرسول (ص) ولديها جاريتان تغنيان وتضربان بالدفوف، فاعترض أبو بكر الصديق على ذلك، ولكن النبي رفض ما أبداه أبو بكر من احتجاج في هذا الصدد قائلاً: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد" .

ومن المؤسف في هذه القضية، قضية الإسلام والفنون، أن بعض المسلمين انجرف وراء ملاحدة هذا العصر واكتوى بنار الشيوعيين والعلمانيين وترك هموم وقضايا وطنه الحيوية وأصبح بوقاً لهؤلاء المارقين، ألم نعي أننا في مرحلة صعبة وحرجة في تاريخ الأمة الإسلامية وعلينا أن نوحد جهودنا وطاقاتنا المهدرة من أجل خدمة الإسلام والرقي بالمسلمين؟ .

 

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عصمت نصارلم يلق «المنفلوطي» بمسئولية تثقيف المرأة وتربيتها على كاهل الوالدين فقط، بل جعل المجتمع بكل ما فيه من قيمٍ وعادات وتقاليد ونظم شريكًا في تلك المسئولية. ولم يساير الكتاب المحافظين الذين ردوا مجون النساء وفساد أخلاق بعضهن وميلهن للتبرج والخلاعة والميوعة إلى نقصٍ في عقولهن أو ميلٍ للذائذ المادية أو إفراطٍ في عشق للمتعة الجسدية.

بل كان الرجل على الرغم من إلحاحه على ضرورة التزام المرأة بفضيلة العفة وعدم إفراطها في التحرّر من قيود المخالطة طمعًا في مساواتها بالرجل في اختيار الأصدقاء والصحاب من الجنسين، كان يعتقد أن رقتها وعواطفها تؤثر على ذكائها الذى يمكنها من كشف معادن الرجال ونواياهم ويغلب حسن الظن فيهم.

فقد أكد «المنفلوطي» في غير موضع من كتابته على أن حيل الرجال للإيقاع بالمرأة في حبائلهم - باسم الحب تارة أو الصداقة العذرية - لا تنتهي، وذهب على لسان إحدى بطلات روايته (الضحية) إلى تبيان أن الساقطات أو الخليعات من السافرات لم تقدم على الفحش وممارسة الرذيلة بإرادتها بل دفعها إلى ذلك فساد المجتمع والثقافة السائدة، فتقول «ويح لكم يا معشر الرجال، ما كنت أطلب منكم باسم الفضيلة والشرف إلا رغيفًا واحدًا لغدائي وآخر لعشائي، فأبيتموهما علي، فلما طلبت منكم باسم الرذيلة جميع ما تملك أيديكم من مال بذلتموه لي طائعين مختارين فما أصغر نفوسكم وأخس أقداركم. ولقد كان في استطاعة أصغركم شأنًا، وأهونكم على نفسه وعلى الناس جميعًا أن يشترى منى جسمي وقلبي وحياتي بلا ثمن سوى الزواج منى وصيانة عرضي فلم تفعلوا، فها هم أولاء اليوم عظماؤكم وأشرافكم يجثون تحت قدمي جثى الكلب الذليل تحت مائدة سيده، فلا ينالون مني أكثر مما ينال منها. أحببتم المال حبًا جمًا فأبيتم إلا أن تتزوجوا ذات مال لتضموا طارفها إلى تليدكم، فابذلوا اليوم لامرأة مومس لا تمنحكم مالًا ولا حبًا جميع ما في أيديكم من فضة وذهب، حتى لا يبقى لكم شيء».

وأعتقد أن «المنفلوطي» في هذه القصة كان له السبق في مناقشة قضية عوز المرأة في المجتمع، فالمرأة الفقيرة واليتيمة والمطلقة والمغلوبة على أمرها في خدمة البكوات والباشوات، لم يحاول المجتمع حمايتها أو صيانة عرضها، رغم أن الديانة الإسلامية والمسيحية قد حثتا على رعايتهن وحمايتهن من مآلات العوز.

ويتعجب مفكرنا من قسوة ذلك المجتمع الذى يتشدق رجالاته بالحديث عن الشرف والعفة وحجاب المرأة وعدم سفورها، مع تجاهله ما ينبغي عليه أن يفعله تجاه تعليمها وحسن تربيتها ورعايتها وتأهيل العقل الجمعي لقبولها في سوق العمل والمشاركة الإيجابية في الأمور الحياتية. والأغرب أنه يرفض توبة التائبات منهن ويغالى المحافظون من قادة الرأي في ازدراء الساقطات ولعن المتبرجات ويقول «لو كان في استطاعة المرأة الساقطة أن تسترجع بتوبتها وإنابتها مكانتها في قلوب الناس وأن تمحو بصلاحها ما سلف من فسادها، لكانت هى أقرب النساء إلى التوبة والنزوع ولكن المجتمع الذى أسقطها وسلبها ذلك الرداء من الشرف التى كانت ترتديه، يأبى عليها أن يعيد إليها رداءها إن طلبته فلا بد لها من الاستمرار في سقوطها راضية أو كارهة وكذلك كان شأنها».

والجدير بالإشارة أن «المنفلوطي» لم يشارك في المساجلات التى دارت بين المثقفين حول قضية «السفور والحجاب» تلك التى حفلت بها صحيفتا (المقتطف والهلال) في مطلع العشرينيات من القرن الماضي (1920-1925). واكتفى بتلك الإشارات وهذه التلميحات الخاطفة - التى سوف نوردها بعد قليل - وذلك يرجع لحساسية عمله بدواوين الحكومة وخصومته مع أكابر الرجعيين الأتراك وعلى رأسهم «الشيخ مصطفى صبري (1869-1954)».

ويمكننا إيجاز موقفه من قضية تحرير المرأة في تلك الأقوال الموجزة التى أكد فيها : أنه يريد من المرأة المصرية أن تظل على عهدها المحافظ في لباسها على ألا تغالِ فيه فتنتقب أو تتبرقع وفى داخلها ميل للسفور وفى الوقت نفسه لا تتبرج شأن الأجنبيات، فتخالف بذلك ما تربت عليه وما ارتضته من آداب دينها ومجتمعها.

وأن تصبح ثورتها على الجهل والعوائد الفاسدة وتجتهد في أمرين أولهما المشاركة الإيجابية في تأسيس بيتًا تحسن فيه رعاية زوجها وتربية أطفالها دون جوّر من الرجل أو التنازل عن كرامتها.

وثانيها : أن تثبت للمجتمع أنها قادرة على الكسب والعمل الشريف، وأنها مؤهلة للمشاركة الإيجابية في الحياة العامة، دون أدنى تفريط منها في حيائها أو عفتها وألا تسمح بتجاوز الآخرين من الذكور في آداب معاملتها.

ومن أقواله في ذلك «نحب حرية المرأة ولكننا نكره فسقها وفجورها ونأخذ مواد المدنية والرقى من الأمم المتمدنة ولكننا لا نقلدها ونحب أدب الغربيين وعلمهم ونعجب بأدبائهم وعلمائهم ولكننا لا نحتقر من أجل ذلك رجالتنا وتاريخنا».

«يجب أن لا ينفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن ينفتح لزوجها لتستطيع أن تعيش معه هانئة».

«يجب أن نحترم المرأة لتتعود احترام نفسها ومن احترم نفسه، فهو أبعد الناس عن الزلات والسقطات».

«لا يستطيع الرجل أن يكون رجلًا تام الرجولة حتى يجد إلى جانبه زوجة تبعث في نفسه روح الشهامة والهمّة وتغرس في قلبه كبرياء المسئولية وعظمتها».

وحسبنا أن نشير في هذا السياق إلى محاولة «المنفلوطي» الرائدة للتواصل مع الفتاة المصرية على وجه الخصوص بلغةٍ عاقلة بعيدًا عن لغة التلقين وأسلوب العنف الذى كانت تلاقيه من الأبوين ومن المجتمع عند التوجيه، وتشهد بذلك الأديبة اللبنانية «ماري يني (1895-1975)» التى وصفت مدى تأثرها بقصصه ومقالاته وما سرد فيها من أحداث، وتفاعلها مع المواقف الدرامية والقصص المأساوية والمواقف الاجتماعية التى كانت تعانيها المرأة الشرقية. كما بيّنت أنها كانت تُشكل الخطاب الواعي الحديث العاقل الذى كان يخاطب المرأة ناصحًا بلا إلزام ومناقشًا لقضاياها دون تعالٍ أو وصاية ذكورية فتقول «كنت لا أترك الكتاب إلا وأنا كتلة شعور تتجاذبها عوامل اليأس إلى حيث لا تجد لها مستقرًا تقف عنده، فيتمثل لي الشقاء بصوره المريعة وأظل تحت تأثيراته الموجعة منسحقة القلب، يائسة النفس إلى أن يحلني من هذا الموقف مشهد غريب الشكل والمعنى إلى سكينتي وهدوئى وراحتي». هذا هو (المنفلوطي) الذى يمتلك على قارئه شعوره، فلا يزال به إلى أن يجرده من شخصيته الحسيّة، ويحوله إلى شخصية معنوية غريبة كلها ألم ودموع. هذا هو الكاتب الذى يكتب ليصلح لا ليفسد والطبيب الذى يمد يد المواساة ليداوي لا ليسلب الجيوب».

وخليقٌ بي أن أتساءل هل في مقدور كاتباتنا قبل كُتَابِنا مخاطبة المرأة المصرية بلغة تُصلح من شأنها، عوضًا عما نراه من تمردٍ وقبحٍ في حديثها وسلوكها، وبخطابٍ يحد من عنتها وتبجحها، وأعتقد أنني لا أبالغ في زعمِ أن معظم شبيبتنا من الجنسين يحتاجون إلى كلمات «المنفلوطي».

وللحديث بقيّة في قضايا أخرى في خطاب «المنفلوطي».

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

سامح عسكر في سؤال لصديق عن معنى "روح القدس" في القرآن وهل هو جبريل أم لا؟

قلت: الشائع في كتب التفاسير هو جبريل لكن حدث الاختلاف منهم من قال هو الإنجيل أو دعاء سري كان يحيي به المسيح الموتى، لكن قوله تعالى "قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا "[النحل : 102] لا يمكن يكون معناها إنجيل لأن الخطاب للرسول محمد، وكذلك ليس دعاءً سريا لأن التثبيت والحشد المعنوي يلزمه فهما وبساطة في القضية..

رأيي أن الخلاف فيها لا يضر والتعصب لمعنىً واحد يضر أيضا..

واجتهادي الشخصي أن كلمة "روح القدس" مرادفها "روح الله" وهي وصف لقدرة الرب الإلهية في الكون والتي منها خرجت النفس العاقلة للإنسان أصل التكليف، فيصبح بالتالي قوله تعالى "وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس "[البقرة : 253] يعني أيدناه بقدرتنا وحفظناه بعنايتنا العالِمه بأحواله، ولأن الكلمة أكثر ما قيلت في حق الأنبياء كانت في حق عيسى نفهم لماذا كان النبي عيسى أكثر الأنبياء معجزات وقدرات مختلفة لأنه في الحقيقة مؤيد (بروح الله) أي قدرته.

أما القول أنه جبريل فسيكون إشكالية عقدية، روح الله أو القدس يعني وجود اتصال بين جبريل والله من حيث الطبيعة أو الجوهر وهي نفس المشكلة الكلامية التي أحدثها الفقهاء من كلمة "روح الله" ومن أجلها قال المعتزلة أن القرآن مخلوق أي حادث فلو كان قديما برأيهم قدم الذات يصبح هناك اتصالا بين الله والمسيح في الجوهر لتساوي الذات الإلهية مع روحها في الرتبة..

فمعنى أن جبريل هو روح القدس إذن يوقعنا في عدة أخطاء:

أولا: الملائكة بنص القرآن عباد مكرمون لا فضل لواحد منهم على آخر، والجميع متساوي الرتبة لنفي التكليف وإجبارهم بالعبادة، أما التفاضل فمن سمات الاختيار وحرية الإرادة، هنا يصبح القول أن جبريل أفضل الأنبياء أو أنه روح الله / القدس يطرح السؤال مباشرة: ما الذي فعله جبريل ليستحق تلك المكانة؟

ثانيا: لو قلنا أن جبريل هو روح القدس سيكون حسب فهم جمهور الفقهاء هو قديم قدم الله نفسه، ولا يمكن حمل المعنى على المجاز..فروح الله ضمن سورة يوسف تعني رحمته وعفوه "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" [يوسف: 87] فهل إخوة يوسف قنطوا من جبريل والمسيح هنا أم من رحمة الله في الحقيقة؟

ثالثا: الله لا يفضل ملاكا على غيره إنما يصطفي منهم لوظائف كما في قوله تعالى "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير " [الحج : 75] والاصطفاء الوظيفي لا يعني تمييزا أو اختلافا في قدرات المصطفين، كما لو كنت مديرا لشركة مثلا وأردت فلانا أن ينجز مهمة..فهل هذا يعني أنه الأفضل مطلقا أم أن المهمة المطلوب إنجازها لا يلزمها سوى شخص واحد؟

الثابت أن صفات الله جميعها في القرآن هي صفات ذات وصفات فعل، والرحمة صفة فعل مضمنة في قدرة الله الأزلية، بالتالي فروح الله أو القدس هنا تفهم بمعنى القدرة الكلية للرب والتي قد تكون منها رحمة وهي المعنى المستفاد من نزول الرسالات في المعتقد الغنوصي الصوفي، أن الله أرسل أنبيائه رحمةً بالخلق وإرشادهم طريق الصواب من مرجعية الحب الذي فهمه هؤلاء من تمدد الكون ونمائه ورهن بقائه في العمل الصالح ودماره بالشرور..

مع ذلك توجد إشكالية في هذا التفسير، وهي أن القرآن في آيات أخرى يحكي نشاط الروح والملائكة معا كجواهر مستقلة، منها "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" [المعارج : 4] و"يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" [النبأ: 38] و "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر" [القدر: 4] أصبحت الروح هنا جوهر عاقل وليست صفة للرب، وأيضا هي جوهر مختلف عن الملائكة يعزز ما قلناه أنه ليس جبريلا وإلا قيل "تنزل جبريل ومن معه بإذن ربهم" وفي هذا المعنى حضور لغوي بتعريف الروح وعدم تركها نكرة..مما يعني أنها ذات مستقلة عن الملائكة هي ليست جبريل كما قلنا لكنها في ذات الوقت ليست قدرة إلهية..

عرضنا هذه الرؤية على المخالف قال: إشكالية توقفك في معنى الروح مجردا ونفيك أنها جبريل لا يستقيم لأن المعنى واضح في آية التحريم، قال تعالى "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة "[التحريم : 4] هنا تفريق بين جبريل والملائكة ليس إقرارا باختلاف النوع والجنس بل باختلاف الدرجة، وذكر جبريل مع الروح بالعطف لا يختلف عن ذكر الروح مع الملائكة بالعطف، وفي الآية قرينة أن الروح في الآيات الثلاث السابقة تعني جبريل، وأما دلالة ذكر هؤلاء جميعا فهو من ناحية تراتبية من حيث القدرة، فالله يقول أنه حفيظا بنفسه ثم جبريل والصالحين والملائكة، مما يعني أن جبريل له قدرة مختلفة عن بقية الملائكة والصالحين بالطبع..

قلت: هنا تعمقت الإشكالية حتى بلغت عقدة المرض في الظاهر، لكن في الحقيقة أن تراتبية القدرة أعلاه ذكرت على وجه الإجمال في ذكر القدرة الإلهية..فمما لا شك فيه أن قدرة جبريل والملائكة والصالحين هي من قدرة الرب، والقول بالتراتب هنا تعديد وتقسيم للقوة الإلهية لا يجوز شرعا وعقلا، فالإله القوي لا يتجزأ..وبالتالي آية التحريم تقول أن ما دون الله من قوى ستكون مولىً للظالمين هم جنود مجندة مصداقا لقوله تعالى "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها" [التوبة : 40] معنى الجندية هنا صفة لجواهر القوة السابقة التي هي مستقلة عن الله في الجوهر لكن قدرتها ممكنة الوجود يصبح بالتالي ذكرها نظماً في الآية بمعنى الجندية..

أما أن الروح هو جبريل فلا يمكن للمرة الألف لقوله تعالى "ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده" [النحل : 2] فمن هم الملائكة الذين نزلوا بجبريل على حد قولك؟..وإذا كان جبريلا أكثر قوة وقدرة فلماذا لا يكون العكس أي "ينزل جبريل بالملائكة من أمره على من يشاء"..إن المؤكد فورا أنه في حال تفسير الروح بالقدرة والقوة الإلهية المطلقة يصبح المعنى مستقيما واضحا، فالملائكة نزلوا بقوة الله وقدرته على من يشاء من عباده، وفي قوله تعالى "رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق" [غافر : 15] دليلا إضافيا على أن الروح ليس جبريل..وأنها في ذلك السياق تعني الرسالة والنبوات المدعومة بالقوة الإلهية التي تنذر الناس وتذكرهم بيوم القيامة..

أما قوله تعالى "نزل به الروح الأمين " [الشعراء : 193] فلو كان جبريلا هل يصح القول أنه تعرض لاختبار كي يثبت أمانته؟..فإذا لم يكن فعلى ماذا الوصف؟ إن جبريلا من الملائكة أم لا؟ فإذا كان..هل ينطبق عليه قوله تعالى "عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" [التحريم : 6]؟..أم أن السمع والطاعة هنا صفة لملائكة النار خصيصا وجبريل ليس منهم؟ وأما تفسير آية الشعراء فهو مرتبط بتفسير آية مريم "فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا" [مريم : 17] ويبقى السؤال ما الروح الذي نزل بالرسالة ووصف بالأمانة ومن الذي أرسل لمريم بصورة بشر؟

الجواب : في قوله تعالى "ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا "[التحريم : 12] و "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين" [الأنبياء : 91] هنا تأكيد مكرر أن روح الله ليست جبريل، بيد أن الروح المنفوخة ليست جوهرا مستقلا عن الله، بل هي قدرة..فإذا كان النفخ فعلا من الرب فهو صفة له، بالتالي لو كانت الروح جبريل لأصبح جبريلا صفة للرب..وهذا لا يستقيم، وتبقى إشكالية معنى الأمين كصفة للروح وبرأيي هي من الأمن لا الأمانة..الروح الأمين هي القدرة الإلهية الضامنة لأمن وأمان الناس ومرجعية الرسالات دوما..فالإصلاح يتطلب قوة حق عادلة تفرض الأمن الاجتماعي والإنساني هي المعين لمن يأخذ بأسبابها..

مثلا كل من يأخذ بأسباب القوة اللازمة لفرض الأمن ويسعى لحماية الناس يكن له ذلك، مثل قوله تعالى على لسان ابنة شعيب على موسى "إن خير من استأجرت القوي الأمين" وهي لم تختبر بعد أمانته بل قوته في خدمتهما، وعليه فلفظ الأمين يعني الذي يوفر لها الأمن ، حتى لفظ الأمانة الوحيد المذكور في القرآن ليس بمعنى الأمانة في صدق الوعود والعهود..بل من الأمن وخلافة الله في أرضه ببنائها وعمارها في قوله تعالى "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" [الأحزاب : 72] والسؤال الفوري: لو كانت الأمانة هنا بمعنى الصدق والوفاء وحفظ العهود..فهل السماوات والأرض والجبال مكلفين عاقلين ليحملوها؟..فإذا لم يكن.. على ما إذن عرضها الله عليهم؟

هنا يصبح تكليف الله للإنسان بحفظ أمن الكوكب معقولا، فهو الذي حمل الرسالة ببناءه وحفظه، لذا كان جوهر الرسالات هو الإصلاح البشري ووقف جميع الشرور ونتائجها المحتملة على أمن البشرية والكائنات، وعليه أصبح كل فعل شرير مؤذٍ للطبيعة والكائنات مخالف لجوهر الرسالة حتى لو حدث ذلك تحت اسم الإسلام..!

نعود لتفسير روح القدس بقوله تعالى في سورة الشورى"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا "..[الشورى : 52] هنا الروح ظهرت طاقة إلهية تمكن الإنسان من العلم والهداية لطريق الرب، بينما تفسير الروح بجبريل كما هو شائع هو طاقة إلهام لفظي فقط لا طاقة وعي وإدراك، فجبريل عند الفقهاء هو مجرد رسول أمين لا مُعلّم متمكن، وبالتالي نخلص لنتيجة نهائية أن روح القدس جاءت غير معرفة لسبق تعريفها بالروح سابقا إما نسبا لله وإما مجردة وتعني في كل أحوالها ب (الطاقة – القدرة – القوة) الإلهية التي تتشكل في أحوال متعددة حسب السياق..

فروح القدس التي أيد الله بها عيسى هي قوته وقدرته المطلقة الإلهية في إحياء الموتى وعلم الغيب وخلق الكائنات من الطين..وغيرها، وفي ذلك خصيصة مفردة ووحيدة لعيسى لا تكون لأحد غيره، والدليل أن تأييد هذه الروح في القرآن لم يأتِ سوى لعيسى، فلو كان روح القدس جبريل فقد نزل به على سائر الأنبياء فلماذا خص التأييد والدعم بتلك الروح على نبيٍ واحد بتلك المؤهلات والمعجزات، أما الروح الأمينة التي نزلت على النبي بالرسالة فهي أمر الله بالتكليف والأمن لما يعلمه الله في مستقبل الرسول بتحرش وأذى القرشيين له في حال إعلانه الدعوة، ويؤكد ذلك قوله تعالى "والله يعصمك من الناس" [المائدة : 67] دلالة على أمانة وقوة الروح الإلهية وقدرته في حفظ أنبيائه لكي يطمئنوا ويعلنوا عن دعوتهم بشجاعة..

أختم أن مفهوم الروح هو مفهوم ديني قديم منذ الأديان البدائية الأولى..ففي حضارة المصريين القدماء عرفوه باسم "با" ورسموه على شكل طائر يغادر الجسد بعد وفاته..من هذا التفسير ورث المتدينون معنى الروح بأنها سر الحياة، أما العلم فلا يعرف لفظ الروح ولا معناه المتداول بل يقول أن أسباب الموت مادية بحتة، وتعدد أشكال الموت من إغماء لموت إكلينيكي لموت نهائي له تفسيراته المعتمدة والمفهومة في الطب، وبناءً عليه توصلوا لعلاجات مختلفة وأمصال تنقذ المرضى، وبرأيي أن تفسير الروح القرآنية بهذا الشكل وما يتعلق بها من "روح القدس وروح الله" يخلص إلى عدم تعارض مفهوم الروح القرآني مع العلم..لكن لا يعني ذلك ذكره في مقام الإعجاز كما يفعل دراويش ومخرفي هذا المجال..

أما روح القدس في الأديان المسيحية واليهودية..ومعاني الروح في بقية الأديان وتصور البشرية لها فأرجئه لمناقشة أخرى، ويبقى هذا الاجتهاد قابلا للصواب والخطأ.

 

سامح عسكر

 

مجدي ابراهيم(10) لننتقل إلى مثال يُوَضِّح افتراق دلالة الظاهر عن دلالة الباطن في لغة الخطاب الصوفي، وكشف غَوْر المعنى الباطن من مُوحيات اللغة الظاهرة؛ لا بل أبعد غوراً ممَّا تعطيه دلالة الباطن: كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ) يقول:" مراكز النفس أربعة: مركز للشهوة في المخالفات. ومركز للشهوة للطاعات. ومركز في الميل إلى الرَّاحَات. ومركز في العجز عن أداء المفروضات: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ).

يبدو في الظاهر أن سياق الآية لا علاقة لـه قطعاً بما يقوله الإمام الشاذلي، وانفصال العلاقة معناه التباس الدلالة. غير أن وجه الإشارة يجيز مثل هذا التخريج ولا يمنعه، ولنذكر مساق الآية الكريمة أولاً ثم نحاول تخريجها بما تفرضه علينا لغة الإشارة، وتكشفه لنا لغة المجاز. ولنقرأ سياق الآية ثانية في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (سورة التوبة: آية 5).

إنَّا لنفهم من سياق الآية أنه إذا انقضتْ أشهر العهد الأربعة: فاحْبِسوا المشركين في المكان الذي يَتَحَصَّنون فيه، وأقعدوا لهم في كل طريق وممرِّ ومكان، كونوا لهم وعليهم وفيهم رُقباء، فإنهم العدو فاحذروهم وأقيموا لهم بالمرصاد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة فلا تتعرضوا لهم بقتال ولا نزال، ولا تأسروهم ولا تقطعوا لهم طريقاً، خلّوا سبيلهم إذا التزموا التوبة، ويجيء التعقيب " إن الله غفور رحيم ". هذا ظاهر ما يُساق من فهم الآية؛ فما علاقته أصلاً بمراكز النفس كما أورده شيخنا وما علاقة مراكز النفس به؟!

لا توجد علاقة من حيث الظاهر أو هكذا تبدو الرؤية لكل ذي نظر عجول، وعند التأمل يظهر لك الفارق بين دلالة العبارة الظاهرة، ودلالة الإشارة الباطنة. فالعلاقة هنا علاقة تشابه بين قتل المشركين كافة كمَا دَلَّت عليه الآية، وبين جهاد النفس في مراكزها الأربعة، والتشابه هو بالطبع:" الأساس الدائم للمجاز أو الاستعارة أو المماثلة". هنالك يَبْرُز أساس المجاز كونه يأتي لنقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر لعلاقة المُشَابَهة أو غير المُشَابَهَة فتجيءُ "المعاني الإضافية" مُرتبة في نفس صاحبها لتخرج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي، مع ما يُضَاف إلى هذا كله من تخريج ذوقي هو أساس علم الإشارة.

وعلى إشارة الباطن يلزم للمجاهد لنفسه أن يقعد لها كل مرصد، وأن يقاتلها حيثما وجدها، لا بل يقتّلها تقتيلاً أينما ذهبت له بالعداء مذاهبها كقتال المشركين حيثما وُجدوا؛ فهى "العدو" على التحقيق، ولمَّا كانت عدواً وجب حَصْرها بأسلحة الجهاد المعروفة عند القوم، وحَبْسها في مراكزها الأربعة وتضييق خناق هذه المراكز عليها بالمراقبة والتَّرَصُّد حتى تفيء - مع القعود لها كل مرصد - لأمر الله. تلك هى لغة الخطاب الصوفي في خصوصيتها.

ويُلاحظ أن الشيخ مع ذلك لم يكمل الآية: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ)؛ لأن العهد بالنفس هو النكوص والتردِّي وممانعة الاستقامة. ومن أجل ذلك أخذ من الآية جزءها الذي تحتمله الإشارة: أعني "القرينة المجازية"، وقد يكون الجزء الباقي له إشارة أخرى ليس المقام ممَّا يناسبها قرينة ومجازاً.

وحين يكون الحَذر واجباً، واتهام النفس في جميع الأحوال أمراً مفروضاً. وحين يكون الحكم عليها بالعلم الظاهر(الشَّرع) المؤيَّد بحقائق الباطن ممَّا يستوجبه قانون الطريق وترومُه قصداً إشارات العارفين، قال الشيخ أيضاً في موضع آخر:" موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسُّنة، وإنْ أردت جهاد النفس فأحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، وأشك عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت وهى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا".

مرة أخرى نقابل نفس المشكلة: "التباس الدلالة"؛ لا علاقة كذلك من حيث الظاهر بين كلام الشيخ وبين ما تعطيه الدلالة الظاهرة في الآية القرآنية: فالتي:"لم تقدروا عليها"؛ هى مَغَانم غزوة حنين بعد الفتح كما جاء في التفسير. وأحاط الله بها، أي جعلها تحت قبضته وحَفِظها لكم. وفي "معاني القرآن" للفرَّاء:" قد أحاط الله بها، أحاط لكم بها أن يَفْتَحها لَكم ".

وإذن؛ فما الذي استشفه مولانا إشارةً من هذا المعنى ليجريه علاجاً للنفس؟ هو بغير شك الأمر الباطن في معرفة النفس حين لا تنقاد إلى الوسطية والاعتدال إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير: فالعجز عن جهادها والخلود بها إلى أرض الشهوات وإتباع الهوى، وقلة مساعدة النفس بالتحلي بالفضائل وركونها دوماً إلى هواها، وانتصارها على صاحبها، وغفلتها عن الله، ورقابة الله لها في كل لحظة؛ هى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)؛ فلزم اللجوء والافتقار في شأنها إلى الله على الدوام. ذلك هو خطاب الصوفي في لغته: إشارة بعيدة ورمز لمَّاح.

ومثالٌ أخير: وقف أحدهم عند قوله تعالى: (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)؛ فقال: إنما قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات"، واقتضاه هذا أن يفرِّق بين "الفهم" و"العلم"، وذلك لإمكان القول إن الفهم في الكلام على قسمين: أحدهما، مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهب من غير مادة لا يُقال فيه فهم، وإنما يقالُ فيه علم.

وأما المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاص في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين: إحداهما: أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان أكتسبه عن مادة. والثاني: لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه؛ ولا يدري: هل أرادها كلها أو أراد بعضها؛ فمثل هذا لا يُقال في حقه إنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى العلم بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام علي رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون؛ لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم، فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلاّ وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم.

هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام. ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق: آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، ولقوم يتفكرون، ولقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهى، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل؛ لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه.

وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات: نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكُّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا أنظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم؛ فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق.

وعندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه؛ وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانية الصلة الروحية، وهو ما يسمى بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصة ينفرد بها؛ هى أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق؛ ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا محدود. 

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصارإذا ما انتقلنا من الحديث عن تطور الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية والنفسية عن الجنس إلى الوقوف على المعنى الاصطلاحي (Philosophy of Sexuality) في الموسوعات والكتابات المتخصصة؛ فإننا سوف ندرك أن جميعها يتفق على أن مبحث فلسفة الجنس هو المعني بدراسة الوجود الإنساني من حيث بشريته ذكر وأنثى ومناقشة المعارف المباشرة للحديث عن أصله (وجد الإنسان ذكر وأنثى، أو ذكر ومنه الأنثى، أو أنثى وخرج منها الذكر). ثم الحديث عن مفهوم الجنس باعتباره نشاط إنساني يجمع بين الإرادة الإنسانية والذوق والتفكير واللذة الحسية والحاجة الطبيعية وسلوك للإنجاب والتكاثر، ومن ثم يتعرض إلى دراسة العديد من البنيات الثقافية والنفسية والاجتماعية والفسيولوجية.. عند تحليله لأشكال الممارسة الجنسية (الزواج، البغاء، المثلية الجنسية، الشذوذ والمجون)، وذلك للكشف عن العلل والأسباب والظواهر والآثار المصاحبة لهذه الأشكال، وانعكاس ذلك كله على طرائق التفكير.

وتطرق مبحث فلسفة الجنس كذلك إلى مناقشة القضايا ذات الصلة مثل: الحب، السعادة، التفكير الإبداعي، التفاؤل والتشاؤم، العنف، الإيمان والإلحاد، الرهبنة والتبتل. فتعرفه Internet Encyclopedia of Philosophy بأنه المَعني بدراسة الجنس باعتباره سلوك بشري نابع من إرادة حرة ومدفوع بلذة ورغبة حسية؛ الأمر الذي جعل من فلسفة الجنس سبيلا لتحليل المفاهيم والقضايا والمعارف ذات الصلة بكل أشكالها ونقد تطبيقاتها قياساً على ما وضعه الفلاسفة من مبادئ حاكمة وقيم ضابطة لممارسة الجنس بين الذكر والأنثى، وإلى مثل ذلك ذهبت موسوعة (Routledge Encyclopedia of Philosophy ) فهي تؤكد أن فلسفة الجنس من الفلسفات التطبيقية التي تعنى بتحليل المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة المباشرة؛ عنايتها بالوقوف على دلالتها في الممارسة شأنها في ذلك شأن فلسفة العلم والفن والقانون.

ومن أهم الكتب المعاصرة التي تناولت فلسفة الجنس بالتعريف السابق كتاب (The Philosophy of Sex) لنيكولاس باور، ووراجا حلواني، وآلان سوبل، وكتاب (Philosophy of Sexuality) لدون ماريتا.

وحريُّ بنا  في هذا السياق أن نؤكد على القضية الرئيسة التي طالما ناقشتها الكتابات المعنية بالجنس بوجه عام ألا وهى أخلاقيات الجنس، فإذا كان الجنس سلوكاً إنسانياً لا تدفعه الغريزة - كما زعم فرويد - فإنّ هناك قيم ومبادئ وأعراف حاكمة له، وفي هذا السبيل تنزع معظم الدراسات التاريخية؛ فتوضح أن الآداب والأخلاقيات الحاكمة لممارسة الجنس في الحضارات القديمة كان جميعها يخضع للأعراف والعادات والتقاليد الطبقية الاجتماعية الصارمة، وذلك قبل ظهور الأديان السماوية وما صاحبها من ضوابط شرعية؛ فالحاكم كان يرغب في معاشرة الأميرات لإنجاب نسل يحافظ على نبل العصب ونقاء العرق ويجوز له أن يستمتع بالجواري الفاتنات أو من يشعر تجاههن برغبة من عوام الشعب، وكان يحظر ذلك على الأميرات فهن لا يطلبن المتعة إلا من أزواجهن تبعاً للأعراف والتقاليد، ودون ذلك يعد خيانة تستوجب العقاب. أمّا الجنس عند العوام والطبقات الدنيا فكان يحكمه المال والاقتصاد، فالرجل له حق الاستمتاع بالمرأة نظير إنفاقه عليها، والعكس صحيح، وقد تولد عن ذلك الوضع العديد من الممارسات منها: تعدد الزوجات، وانتخاب المرأة للفحول من الرجال القادرين على إشباعها جنسياً، وظهور تجارة الرقيق الأبيض والبغاء (المتعة لمن يدفع الثمن)، والخيانات الزوجية التي كانت تستوجب القتل للنساء فقط.

وعلى النقيض من ذلك كله كانت العلاقات الجنسية بين طبقة المعدمين وجماعات العبيد لا يحكمها سوى الرغبة والمتعة والإرادة، فلا أعراف ولا قيود ولا ضوابط تمنع شيوعها، ولا سيما في الثقافة الهندية والصينية والقبائل الأفريقية والفارسية والرومانية وخصوصاً في مصر قبل عام 2000 ق . م، وذلك تبعاً لذيوع الفكر الديني وعقيدة الثواب والعقاب في العقل الجمعي المصري.

ولم تطرح في هذه الآونة قضية ممارسة الجنس مع المحارم (الأب والابنة والأخت، الأم والابن والأخ) ولم تحرم هذه العلاقة إلا في الثقافة الهندية، ولم يذكر المؤرخون أو علماء الاجتماع علة وجود هذه الظاهرة في سائر الثقافات ثم تحريمها وعودتها في أحقاب تاريخية مختلفة.

وكان الكنعانيون والسريان والأراميون يحرمون زواج الإخوة من الأم فقط، وتعد قوانين حمورابي من أقدم الشرائع الوضعية التي تناولت القضايا الجنسية ولا سيما علاقة الزواج وضوابطها وشروطها والطلاق وحقوق المرأة في الاستمتاع وإباحة استمتاع الرجل بالجواري مع عدم الاعتراف له إلا بزوجة واحدة، ويكمن الظلم في هاتيك القوانين فيما ورد من عقوبات على جريمة الخيانة الزوجية والبغاء، فلا يعاقب الرجل إذا خان زوجته إلا بتعويض مالي يدفعه لها إذا ما اكتشفت خيانته. أما الأنثى إذا خانت فجزاؤها الإلقاء في الماء مع عشيقها، إذا ما اعترفت عليه وثبت قيامه بممارسة الجنس معها، كما يجوز للرجل رهن زوجته عند دائنيه، الأمر الذي فتح الباب لتجارة النساء.

وإذا ما انتقلنا إلى الدعارة وهى تلك التي تختلف بطبيعة الحال عن الإتجار في الجواري أو استئجارهن، فالدعارة هي الوطأ والجماع مقابل المال بغض النظر عن التوافق الذوقي والمشاعر والرغبة والشهوة؛ فكانت المرأة تمارس الجنس جسداً فقط وكل ما يصدر منها من أقوال وأفعال مجرد أداء حرفي مصطنع.

أمّا عن تاريخ البغاء فقد عجزت الكتابات التاريخية عن تحديد بداية ظهوره، فقيل أنه يرجع إلى تاريخ سحيق في عصر نبي الله نوح! في غرب آسيا، وترجع علة ظهوره إلى فساد الأخلاق وكثرة النساء وقلة الرجال والفقر وظهور عصابات السبي واسترقاق القبائل الضعيفة على يد الأقوى، وقد انتقل إلى شتى أنحاء العالم بعد أن تفرق الناجون من الطوفان أولئك الذين أخذهم نوح في سفينته، إذ انطلق ابنه سام وذريته إلى آسيا، ويافث إلى أوروبا، وحام إلى إفريقيا.

ويحدثنا هيرودوت عن تاريخ الدعارة مؤكداً أنها بدأت في معية كهنة المعابد الذين اخترعوا الطقوس وأسسوا الكثير من المعتقدات في الحضارات التليدة، فكانت العذارى في بابل لا يصح زواجهن إلا بعد وطأهن من أحد عابري السبيل خلف المعبد نظير قطعة من الفضة، ذلك فضلاً عن العذراوات المصطفات فقد دأب الكاهن الأكبر في بابل اصطحاب من تروق له إلى المخدع الذهبي في أعلى برج بابل ليباركها الإله الذي حلّ في جسده، وكانت الفتاة تسعد بهذا الجماع طمعاً في فوزها بالبركة والجماع المقدس، غير أن الكتابات التاريخية الحديثة تشكك في رواية هيرودوت وحجتها في ذلك أن قوانين بابل كانت أقرب إلى المحافظة منها إلى الإباحية، الأمر الذي يبرر توقيعها أشد العقوبات على الغانيات والزانيات، كما أن سلوك الكهنة مع النساء كان محاطاً بالسرية بالقدر الذي يحول بين رحالة مثل هيرودوت والاطلاع على ما كان يحدث في مخدع كبير الكهنة.

وأغلب الظن أن حديث هيرودوت عن الدعارة في بابل يرجع إلى مشاهداته لما كان يحدث بين العوام في بيوت الهوى التي كان يخصصها كبار التجار والأثرياء من الإقطاعيين للبغاء، وذلك لاستثمار جواريهم وعبيدهم.

ولم يعرف البغاء في مصر القديمة، فالأنثى المصرية كانت تتخذ من الربة (إيزيس) العفيفة مثالاً وقدوة، ومن ثمّ لم ينتشر البغاء إلا بين الغرباء والعبيد، أمّا الحرائر فكانت تقطع أنوفهن إذا ما ارتكبن جريمة الزنا، وكان يقطع العضو الذكري للرجل إذا ما اغتصب أو وطأ إحداهن عنوة، فالرابطة الزوجية عند المصريين - بمختلف طبقاتهم - كانت تدرج ضمن الطقوس المقدسة.

وإذا ما انتقلنا إلى بلاد اليونان فسوف نجد أن الإرهاصات الأولى لظاهرة البغاء كانت متفشية بين العبيد والفقراء والمدينين والغرباء، فقد أباحت قوانين إسبرطة لنسائها تعدد الأزواج، وفي أثينا كان الرجال يتسرون بالنساء ويتخذون خليلات من البغايا، ويمارسون الجنس الجماعي، ولا سيما في الأعياد حيث الخمر والرقص واللهو الماجن (عيد يونسيوس)، وعرفت أثينا البغاء الرسمي منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وكانت تخصص له بيوتاً يعلق عليها نموذج للعضو الذكري من الخشب أو الجلد أو القماش، وكانت النسوة يجلسن عاريات بالداخل ينتظرن الزبائن، وكانت تستأجر الأنثى لمدة معينة مقابل مبلغ يدفع مقدماً لمن يدير البيت، وللبغايا في أثينا طبقات تتحدد بمقتضاها أجورهن، أدناها (البروناي أي العاريات) من طبقة العبيد والخدم، وأوسطها (عازفات القيثارة) الراقصات المغنيات، وأعلاها (الهتايراي أي الرفيقات) اللواتي يمارسن الدعارة في بيوتهن، وكان معظمهن من الأثينيات والأرامل أو اللواتي فشلن في حبهن أو خدعن من قبل عشاقهن، ومنهن مثقفات وفيلسوفات من أمثال سافو - صاحبة أكبر مدرسة لتثقيف الغانيات - واسبازيا وتارجليا وتاييس وأركيانسا معشوقة أفلاطون، وثيوريس خليلة سوفوكليز وداني وليونتيوم اللتان علمتا أبيقور فلسفة اللذة، وفريني معشوقة المثالين اللذين صوروها عارية لتعبر عن جسد أفروديت ربة العشق واللذة الجنسية عند اليونان، ولئيس التي كانت تعرف بين الغانيات بالفتنة والثراء، ورغم ذلك كانت  تفترش لديوجين بلا أجر وذلك لولعها بالفلسفة.

وقد أرخ (بلوتارخ) لسير الشهيرات منهن، ذلك على الرغم من نظرة الازدراء التي كانت توجه إليهن من قبل المحافظين الأثينيين، فقد حرموهن من حقوق المواطنة والصلاة في المعابد باستثناء معبد أفروديت.

وكانت الفقيرات والجواري والإماء في بلاد فارس يمارسن الدعارة تبعاً لإرادة من يملكهن من الأثرياء أو يدفعهن أزواجهن إلى ممارسة البغاء طمعاً في المال، وعلى النقيض من ذلك نجد المرأة الزرادشتية التي كان لا يسمح لها الخروج من بيتها إلا للمعبد أو القبر، وكان يحكم على الخائنات منهن بالانتحار أو بالسجن والجلد. أما الرجال فكان لهم مطلق الحرية في ممارسة الجنس مع البغايا والعبيد، وحرمت المانوية الجنس عن طريق البغاء أو الزواج بحجة أن النساء هن أصل الشرور، وأن الاختلاط بهن عن طريق الملامسة ينقل إلى أجسادهم الدنس والشياطين، وعلى النقيض من ذلك ذهبت الديانة المزدكية إلى الإباحية ومشاع الجنس فلا بغاء ولا زواج، فممارسة الجنس لذة ومتعة فلا ينبغي أن يفرض عليها قيود سوى الإرادة والاتفاق، الأمر الذي جعل مزدك يوقع عقوبة القتل على من يرتكب جريمة الاغتصاب أو الإكراه أو الإتجار أو الاستئثار في الجنس؛ لأن مثل هذه الأفعال يحرض عليها إله الظلمة والشرور.

ولم تكن المرأة الهندوسية أفضل حالاً من سابقتها، إذ كان الرجال ينظرون إليها على أنها مكمن الشرور، وهى الفتنة المتجسدة لإغراء الرجال ودفعهم إلى وطأهن لسلبهما الفضيلة والعقل وإضعاف قوتهم البدنية، وكان الرجال يمارسون الجنس مع زوجاتهم بغير إسراف حتى لا تلهيهم شهوة الجماع عن قراءة الفيدا، وأداء الصلوات المقدّسة تلك التي كانت محرمة تماماً على الهندوسيات.

وللعذرية شأن كبير في الثقافة الهندوسية، فالعذراوات فقط هن اللواتي يعقد لهن الزواج فور بلوغهن ويحرم عليهن ممارسة الجنس مع غير أزواجهن حتى بعد ترملهن، وظلت عادة حرق المرأة مع جثمان زوجها حتى عام 1830م؛ الأمر الذي يقطع بعدم وجود ظاهرة البغاء بين الهندوسيات، وجاءت تعاليم بوذا ومهافيرا تؤكد على أن الإسراف في ممارسة الجنس يفسد العقل ويدنس الروح، وعلى العكس من ذلك ذهب حكيم الصين (لاوتسي) فالجنس عنده بلا قذف يزيد الجسد قوة ويدخل على النفس السعادة ويهيأ العقل للتفكير المستقيم والإبداع، وذلك لأن في العلمية الجنسية تطبيق للطبيعة الإنسانية (التاو) القانون الأزلي الوجودي، ومن أقواله في ذلك: (إنّ الإنسان هو أعظم الخلائق التي فطرتها السماء، ومن بين كل الأشياء التي حققت ازدهارا للإنسان، لا شيء يضاهي الممارسة الجنسية)، وقد اتسمت الأخلاق الصينية بإعلائها لفضيلة العفة، فيرى كونفشيوس أن العلاقة الجنسية المستقيمة هى التي تجمع بين ذكر وأنثى متحابين في فراش الزوجية، فهذا التناغم الجنسي إذا ما تحقق في الأسرة والمجتمع بات الأمل في تحقق السلام على الأرض وشيكاً، وعلى الرغم من قسوة العادات والتقاليد الصينية تجاه المرأة بشكل عام، إلا أن القيم الأخلاقية التي دعى إليها (لاو تسي وكونفشيوس) في هذا السياق تعلي من شأن كرامة المرأة وتجرم التحرش بها وكذا الخيانة الزوجية والمثلية الجنسية.

أما الدعارة فكانت محصورة - شأن معظم الحضارات السابقة - في طبقة العبيد والغرباء، وكان الصينيون يميزون بين البغايا الداعرات والفاتنات المثقفات اللواتي يجدن العزف على الآلات الموسيقية والغناء ويتحدثن في الثقافة العامة والفلسفة، وفرق الصينيون كذلك بين المحظيات والسراري من جهة، والزوجات (بنات العائلات) من جهة أخرى، وبالجملة كان الجنس في التراث الصيني وسيلة للإنجاب فحسب.

كما أباح الرومان تسري النساء بالرجال والعكس (boy friend \ girl friend).

 

وتذهب معظم الكتابات الماركسية إلى أنه من العسير تحديد نشأة الدعارة من حيث المكان أو الزمان؛ وذلك لأن هذه المهنة ما زالت مرتبطة بعاملين:

أولهما: العوز والفقر الذي يدفع الأنثى إلى الإتجار بجسدها، وذلك لأنها مهنة لا تحتاج إلى خبرات أو مهارات خاصة.

وثانيهما: رغبة وشهوة الرجال وعدم قناعتهم بأنثى واحدة، وعلى الرغم من وجود نظام شيوع النساء في بعض المجتمعات البدائية، فلم تختف هذه المهنة من تلك المجتمعات.

غير أن بعض الدراسات المعاصرة ترفض هذا التفسير الاقتصادي لظاهرة الدعارة، بحجة أن أول من امتهن هذه المهنة إناث طبقة العبيد والرقيق، وكن يكرهن على ذلك من قبل سادتهن التجار، كما أن بعض الغانيات كن يمارسن البغاء طمعاً في الثراء من جهة، والانتقام من الرجال باعتبارهم الذين دفعوهن إلى بيع أجسادهن من جهة أخرى، ذلك فضلاً عن  وجود الدعارة بين الطبقات الوسطى، وكذا بين المثقفين وكبار رجال السياسة، فالدعارة لم تعد مجرد وطأ بأجر، بل استثارة الغرائز للسيطرة على العقول، وجلب المعلومات والتجسس وتسهيل الصفقات وإبرام الاتفاقيات، وصفوة القول أنها أصبحت آلية من آليات التوجيه الذهني وتفريغ الطاقات المكبوتة ومعالجة الفشل واليأس وذلك على حد تعبير علماء النفس.

أمّا الدعارة المقننة، فلم تظهر إلا في القوانين الرومانية في عصر الإمبراطور جستنيان، وكذا في كتابات القديس توما الإكويني الذي وصف البغاء بأنه (شر لا بد منه لمنع الاغتصاب والتحرش الجنسي)، وعلى الرغم من تحريم الإسلام للبغاء إلا أن دور الدعارة التي كانت تجمع بين الجواري والعبيد والمحظيات، كانت منتشرة في شتى أنحاء الولايات الإسلامية، غير أن البغاء لم يقنن إلا في عهد العثمانيين الأتراك، الذين جعلوا له شرطة خاصة بتنظيمه، وتحصيل ضرائبه، والإشراف على المواخير.

وقد أطلقوا على دور الدعارة (كارخانات)، وأصبح البغاء في انجلترا منذ بداية القرن السادس عشر مهنة تمارس رسمياً تحت إشراف الحكومة، وقد أباحت القوانين للرجل بيع زوجته واشترطت موافقتها على المشتري.

أما القرن الثامن عشر، فيعد العصر الذهبي لتقنين الدعارة في انجلترا وفرنسا وفي بلاد المغرب العربي وألمانيا وهولندا وكندا، وكانت الدعارة تمارس في مصر مع دخول الفرنسيين المدن الكبرى، واستمر حال دور الدعارة حتى منتصف القرن التاسع عشر، وفي مطلع الثمانينات من نفس القرن ومع دخول الإنجليز حاولت الحكومة ضبط أو تنظيم هذه المهنة ومنح رخص وشهادات صحية لمن يمارسن الدعارة، ولم يقنن البغاء في مصر إلا عام 1905م لأسباب صحية وتم إلغاؤه عام 1949م.

أما في السويد فقد كافحت الحكومة هذه المهنة واجتهدت في إعادة تأهيل الغانيات ومعالجة اللواتي يعانون من اضطرابات نفسية أو أمراض فسيولوجية وذلك في تسعينيات القرن العشرين.

ويمكننا أن نثبت ممّا سبق ثلاث حقائق:

أولها: أن الجنس الإنساني سلوك إرادي يخضع في أدائه إلى البنية الثقافية التي يعيش فيها الإنسان، شأنه شأن طريقة تناول الطعام والشراب.

وثانيها: أن البغاء سلوك منحرف دفعت إليه المرأة، بل وأجبرت عليه بفعل الفقر أو القهر أو الجهل أو الانحراف الأخلاقي، مثله مثل العادات المرذولة والسلوك الماجن، أي لا يرتبط بطبيعة المرأة، ولا دخل للأرواح الشريرة ولا لوسوسة الشيطان ولا الشّره الجنسي فيه.

وثالثها: أن هناك علاقة لزومية واضحة بين الممارسات الجنسية السليمة والنضج الحضاري والارتقاء الثقافي والاستقامة الأخلاقية.

وبذلك نؤكد على ما أشرنا إليه في المقال السابق، ألا وهو: أن الجنس سلوك أخلاقي عند البشر، ودون ذلك من انحرافات يعدُّ انحطاطاً خلقياً أو مرضاً عضوياً، وعليه فنحن في حاجة إلى دراسته دراسة فلسفية؛ للكشف عن الممارسات الجنسية المنحرفة في مجتمعاتنا ليسهل على التطبيقيين معالجتها بعد ذلك.

 

د. عصمت نصار

 

سامح عسكر منذ فترة أشرت إلى فلسفتي الخاصة بالصورة وقلت أن عقل الإنسان كالكاميرا يتأثر بالأشياء حسب جودته ووضعيته، وكذلك حسب جودة وطبيعة الشئ في ذاته، وشرحت بعضا من ذلك على وعد بتشريح تلك الرؤية في المستقبل، واليوم أطرح جانبا مهما في فلسفة التصور له امتداد مؤكد في علوم النفس..

ظاهرة الباريدوليا تعني استجابة العقل لأشكال وأنماط في الكون تحدث بطريقة غير منظمة، فيراها العقل منظمة وبناءً على ذلك يسلك تأويل تلك الرؤية حسب رغباته ومعتقداته المسبقة، فشكل سحابة مثلا في السماء في صورة صليب يراها المسيحي فورا رسالة من الله بصحة معتقده، وشكل الله أو محمد في حبة فاكهة وخضروات يراها المسلم دليلا على صحة معتقده، رغم أن هذه الأشكال تكونت بطريقة عشوائية ربما نعلم كيف تكونت وربما لا نعلم..فصورة الحصان مثلا أو وجه الإنسان في السماء أو معالم شئ مميز ومعروف كالشجرة يمكن أن نراها في السماء من اجتماع عدة نجوم، لكن في ذات الوقت لا نعلم كيف اجتمعت هذه النجوم بهذا الشكل ولماذا هو تحديدا..

فمثلا عندما نرى وجها في السماء مشكلا من عدة سُحُب يصبح السؤال: لماذا لم يتشكل على صورة قطة؟..هل توجد قوانين لتنظيم تلك الأشكال؟

هذه الأسئلة تظل محبوسة في النفس وتخرج بمعتقدات وأحيانا هلاوس تتضخم وتعلو كلما كان المعتقد - أثناء الرؤية - قويا والنفس هادئة تشعر بالاطمئنان والقرب من الآلهة، ثم تنخفض حدتها كلما كان التدين والإيمان والاطمئنان للعقيدة في معدله الأدنى، وهذا يفسر مثلا لماذا تعلقت بعض الشعوب القديمة بالأحلام والرؤى المنامية باعتبارها رسائل إلهية حقيقة وليست مجرد تفاعلات كيميائية ونفسية مؤثرة في العقل النائم ليرى ويعتقد بأشياء لم تحدث، من هنا اعتبر البعض أن الباريدوليا في هذا السياق كانت المصدر النفسي والعلمي للخرافات وأعمال الدجل والكهانة، وما انتشار المعبرين للرؤى ومدعي الغيب والتنبؤات المستقبلية إلا ترجمة لتأثير الباريدوليا عليهم سواء في الحس أو المنام..

ومع ذلك تظل أحوال الصورة معلقة حتى يأتيها أربعة أنواع من المحفزات:

أولا: المحفز العشوائي..ويعني وجود حركة عشوائية لا تتوقف تعمل بقوانين معلومة ومجهولة، ولأن قدرة العلم بتلك القوانين في أيدي فئة محدودة من الأذكياء والتجريبيين فيعتقد العوام أنه لا ثمة قوانين تنظم هذه الحركة العشوائية إلا سلطة إلهية ماورائية تريد أن ترسل له رسائل معينة، ويتساوى العامي في ذلك مع رجال الدين الذين يحرصون على الجهل بمعتقدات وعلوم الآخرين خشية الوقوف على زيف معتقداتهم الشخصية..وما يتعلق بذلك من تهديد لمصالحهم أحيانا.

وأما العالم ببعض هذه القوانين فهو يؤمن في داخله بتنظيم تلك الحركة وفقا للقانون الذي يعلمه وبالتالي فلا سلطة هنا للباريدوليا عليه..لكن في حال جهله بقوانين أخرى لعشوائية تلك الحركة يحدث له ثلاثة أمور، الأول: يتسرب إلى نفسه الشك ثم يتوقف مدعيا جهله بشجاعة وصدق، الثاني: يتسرب إلى نفسه الشك ولتأثير العرف والمجتمع والدين عليه يخضع لتفسيرات العوام لتلك الحركة، ومن هؤلاء ظهرت فئة انشغلت بالعلم فترة ثم انتهت للخرافة والدجل ..أو بيع هذه العلوم والتجارة بها لمصالح شخصية، الثالث: يؤمن أنه ما دام قد فهم القوانين المعلومة لديه فيمكنه العلم بالمجهول..وقتها فلا تأثير للباريدوليا عليه مطلقا لجزمه بإمكانية العلم ولو على سبيل الاحتمال.

المحفز العشوائي هنا يعمل في إطار تشكيل صورة (لحظية) مؤثرة في الكاميرا العقلية، فيعمل الذهن على ترجمتها وفقا للكاميرا اللحظية له أيضا، فلو كان مُتعبا مُجهدا أو غير آبه أو يصيبه الملل والتعب النفسي فلا يهتم بحقيقة تلك الصور، وفي حال كان غاضبا مثلا أو في صراع على حقيقة معتقداته يندفع فورا بتأويل تلك الصور على أنها رسالة دعم إلهية، ومن هؤلاء ظهرت منامات الشيوخ قديما..فالرؤية الخاصة بهؤلاء كانت تكثر بشدة في ظل الصراعات المذهبية والتنافس الاجتماعي على نيل قلوب ورضا العامة وأحيانا في أجواء تنافس سياسي، ويمكن قراءة نصوص هؤلاء وفقا لفلسفة الصورة بالوقوف على ألفاظ ذات مدلول دفاعي أو متهجم على الآخر مما يدل على ثمة وجود خطر يتهدد الشيخ في تلك اللحظة.

ثانيا: المحفز المنتظم..وهذا يلزمه علم مسبق بالتنظيم وأحيانا إرادة مسبقة بالعلم..مثلا عندما يريد شخص ما أن يقرأ صحيفة بها عدة أخبار فهو يعلم جيدا أن هذه أخبار تهمه لكن لا يعلم تفاصيلها ومستجداتها، هنا يكون مهيأ نفسيا لاستقبال معلومات وصور تشكل قناعات لديه أو تسد فراغات عقلية أو تمده بمعلومات هامة، أما الإرادة المسبقة بالعلم فكمن يقرأ في كتب الرد على فلان وعلان ممن يكرههم..هنا يصبح أكثر قابلية للإيمان بالصور المكتسبة عنده من القراءة، وفي كلتا الحالتين تشكل الحالة المنتظمة للصورة مؤثرا خارجيا على الذهن.

لكن تبقى وضعية التقاط الكاميرا العقلية لهذه الأخبار والصور المنتظمة عامل مساعد في تشكيل القناعات أو نفيها، فقد يقرأ الإنسان خبرا عن سفاهة أحد الكتاب ثم ينتقل للجريدة المشار إليها فيجد مقالا لنفس الكاتب السفيه يتضمن هجوما حادا غير عقلي على أحد مكروه في الذات العالِمة والمتصوِرة، والزمن الفارق بين الصورتين – صورة الخبر وصورة المقال – شبه معدوم كلحظات الانتقال في الإنترنت مثلا أو قليل نوعا ما، وكلما كانت المدة الزمنية في الانتقال قليلة كلما كان الاستنتاج النهائي بفساد هذا الكاتب أو الشك في عقليته وفقدان التعاطف معه كبيرا، والعكس قد يكون صحيح، مع طول المدة الزمنية في الانتقال تصبح فرصة الكاتب للإفلات من مقص الرقيب للذات العالِمة والمتصوِرة أكبر..ويحدث ذلك في ظل احتمالات تغير الصورة الملتقطة ذهنيا في كل مرة.

ويبقى هذا المحفز المنتظم أصلا في الشك بالمصادر لما يتضمنه من انحياز نفسي وأيدلوجي للذات العالِمة والمتصوِرة، فمصادر المعلومات مثلا لتلك الذات مختلفة عن مصادر معلومات لذوات أخرى عالِمة والاعتقاد بصحتها والاستنتاج بناءً عليها يُكثِر من أخطاء رجل القش كثيرا وما يترتب عليه من أخطاء أخرى في نفس السياق كالتوسل بالاستثناء وبالمجهول والأغلبية وأكثر ما يشاع في تلك الغلطات المنطقية هو الاستدلال الدائري الناجم عن التعصب للموروث المسبق ولشخص الذات العالِمة والمتصوِرة أحيانا، وغالب صراعات الإعلام تحدث على هذا النمط لما يبنوه في الحقيقة من قناعات مزيفة مبنية على ما قلناه من محفزات منتظمة إما بفعل الطبيعة أو بفعل الإنسان.

ثالثا: المحفز الثابت..وهذا على نوعين، جزئي وكلي، فالثابت الجزئي هو المادة والمحسوس الثابت في حيز من الفراغات والمُجرد من أشباهه ، كحجر صحراوي مثلا على شكل كأس..لو لم يكن مجردا من أشباهه لم يكن كأسا، ولم لم يكن ثابتا في فراغ ما أمكن تمييزه، وهذا الثبات الجزئي للصورة مصدر للعلم ومؤثر في الكاميرا العقلية على طريقة الباريدوليا، كالشجرة التي تتشكل على وضع جنسي معين بين قضيب ومهبل، قد يراها المصاب بالباريدوليا رسالة ماورائية بقدسية وأهمية الجنس أو كرسالة له شخصيا للقيام بكذا وكذا، وفي اعتقادي أن تلك الظاهرة كانت سببا جزئيا في الاعتقاد بقدسية أعضاء الجنس عند القدماء، بيد أن آلهة الجنس القديمة لم تتشكل في أذهان الناس لمجرد فكرة التكاثر وأهميتها في الحياة..لكن أيضا برسائل ماورائية عن طريق صور بمحفزات ثابتة أو عشوائية كما سلف شرحه.

أما المحفز الثابت الكلي فيعود لتعريف الكلي المنطقي أولا للوقوف على حقيقته، وهو الذي كان اتصافه في الذهن وعَرَضه أيضا في الذهن، مما يعني أن هذا المحفز لا يكون محسوسا ولكنه متخيلا كالآلهة مثلا غير المرئية أو التي تقبع في ذهن البشر ضمن الميتافزيقا، أو الذي ينطبق صدقه على أكثر من واحد كمفاهيم الإنسان والحيوان مثلا..فالمحسوس من الحيوان هو جزئي لأنه محسوس..أما لفظ الحيوان واتصافه في الذهن يبقى ثابتا كليا بمدلوله، فمثلنا نعتقد أن الحيوانات غبية من الطبيعي إذن أن نراها كذلك فماذا لو رأينا حيوانا يفعل فعلا ذكيا أقرب لسلوك الإنسان؟..ألا يمكن تفسير سلوك هذا الحيوان بطريقة الباريدوليا؟..وألا يمكن تعميم هذا المحسوس من الحيوان على مفهومه الكلي بحيث نعتقد أن كل الحيوانات لديها قابلية للتصرف بنفس الذكاء؟

أعتقد أن ذلك كان مصدرا أساسيا للاعتقاد بقدسية الحيوانات قديما، وبالطبع سيكون امتداد وشروحات ذلك في نظرية الطوطم والتابو لسيجموند فرويد مما لا يتسع المقام لذكره، لكني أختصر ذلك بأن صورة المحفز الثابت الكلي برغم أن تأثيرها من أعراض الغباء وضعف الاستنتاج اللازم للتجريد والفصل لكنها تظل مصدرا أصيلا للمعتقدات الحسية والشعورية بالخصوص حين نقرأ نصوصا تاريخية وأدبية ودينية، فالنص لما يحمله من تعميم أحيانا وعدم فصل بين الكلي والجزئي هو محفز ثابت يؤثر في الذات العالِمة المتصوِرة ويُكسبها قناعات بحجم وطبيعة وكيفية هذه الصور التي تشكلت في عقل كاتبها الأول، وهذا سر من أسرار الجمود والتكلس عند المقلدين بيد أن الصورة الأولى المتخيلة في ذهن الكاتب الأول لحظيا لا يمكنها البقاء بنفس الشكل وبنفس الأجواء عند أقرانه ممن عاشوا معه في الزمكان..ما بال إذن من يقلدونه في زمكانٍ آخر..

رابعا: المحفز المتغير..ويعني الصور والمحسوس غير الثابت كتقلبات الطقس والمناخ مثلا أو الأصوات المتغيرة في القوة والجمال وشكل الإنسان عبر الزمكان وأحوال البشر الاجتماعية..إلخ ، تكون صورة المحسوس المتغيرة هذه محفز على الاعتقاد فيما لو انتقل الإنسان من الثراء للفقر مثلا وتفسير ذلك بالعقاب الإلهي أو عدل الطبيعة، بينما الصورة المتغيرة تلك لها قوانينها الخاصة التي تسري بمعزل عن ذلك العقاب والعدل المتخيل، وبهذا المحفز تكثر الخرافات والدجل بتغير أشكال الناس من القوة للضعف ومن الجمال للقُبح تكون الصورة اللحظية وقتها للذات العالِمة المتصوِرة محكومة بقوة عليا فوق كل القوانين التي خدعت نفس الذات العالِمة من قبل بدوام الحال أو صعوبة التغيير ومُحالِه.

هذا المحفز برأيي يظل أقوى تأثيرا وأشد تعقيدا من كل المحفزات الأخرى بالخصوص إذا اكتسب بعض صفات (العشوائية والنظام) بيد أن عشوائية تشكيل الصور تحفظ مجهوليتها لكن يبقى مدلولها وتأثيرها في النصوص عظيما بقدر ذلك الجهل، ودافع ذلك ما قلته في محاضرتي عن الشعراوي في موقع يوتيوب أن رجل الدين يكسب قداسته بسرعة بوسائل مختلطة من التعقيد والتبسيط، المحفز المتغير هنا يعمل بنفس أسلوب الأخبار والأفكار المعقدة ويؤثر في الذهن والنفس بذات الطريقة، بيد أن علم الإنسان بنظام الصور وقوانينها يفقدها الأهمية والقدسية لديه بما يلزم ربطها بعوالم الميتافيزيقا..

فعلم السلفي الجهادي مثلا بصورة الجنة الملتقطة لحظيا من الشيوخ عن الحور العين يكون مرتبط بفكرته المسبقة عن الحور العين واستعداده النفسي لقبول المبالغات بشأنها، فالحور العين يعمل ضمن (نظام الثواب) والمتع الحسية الموجودة في الجنة، مع ذلك تبقى صورة هذه الحور متغيرة في الذهن بحيث تعالج مشكلة الملل..ورجال الدين في تلك الجزئية يبرعون في تغيير هذه الصورة النمطية عن الجمال في ذهن السلفي، فيُكثِرون من أخبار تغير هذا الجمال ليصبح متجددا ومقبولا من النفس البشرية، وتلك البراعة لرجال الدين مكتسبة من صور لحظية عن الحور العين في عقل رواتها الأوائل الذين واجهوا أسئلة وشكوكا معتادة عن طبيعتها والاحتمالات الواردة في هيئاتها ووظيفتها ثم قدرتها الحقيقية على الإمتاع الدائم..

سيكون النص الديني وقتها والروائي شارحا نفسه بنفسه أنه وكلما انشغل الكاتب الأول – بصفته ذات عالِمة متصوِرة – بشرح هوية وأشكال الحور العين فهو عن معايشة لحظية لهذا الكاتب للجمال، بيد أن القدرة على شرح الشئ تعني معايشته ذهنيا في الحال، وكلما كانت الذات العالِمة الأولى فاقدة حسيا للجمال تشتاق إليه فتبرع في تصويره بنفس حجم ومقدار ذلك الفقدان، لذا فالشعراء والأدباء والكتاب ممن يقعون ضحية للاضطهاد المجتمعي - سواء لأفكارهم أو أشكالهم - يكونوا أكثر قدرة على التعبير عن ذلك الجمال الشكلي والفكري والعدالة المفقودة بإقناع ومنطقية، بذلك يمكن التنبؤ بمصير كتابات خرجت في ظل أزمة أو اضطهاد ومظلوميات تصبح الكتابات وقتها مصنع لصور لحظية صادقة عن ذلك الجمال والعدل المفقود.

من هنا تأتي خطورة وضعف الاستبداد والظلم البشري، فالمحفز المتغير يعالج في الحقيقة بعض آفات المحفز الثابت الذي يحرص المستبد على بقائه عن طريق إعلام محكوم وصور لحظية مسبقة أراد المستبد أن تدوم، لكنه في الحقيقة يجهل أن تلك المحفزات الثابتة تعمل ضمن منظومة محفزات أشمل في ذهن الإنسان، والدليل على ذلك هي قوانين المواطنة وحقوق الإنسان جميعها خرجت باستيعاب نتائج محفزات سابقة كانت ثابتة ، إضافة للوعي بخطورة بقاء تلك المحفزات والصور على الحياه والعدل المنشود، وبالتالي نرى أن حركة التاريخ مثلما تنتج مستبدين ظالمين أشرار تنتج أيضا معتدلين وعادلين أخيار، فينتقل تاريخ البشرية من صراع لمعايشة ومن كراهية لتسامح..وهكذا..

أما عن خطورة الاستبداد في هذا السياق فلأن الثائر على المحفز الثابت بمحفزات متغيرة وبصورة اللحظية الخاصة تتكدس لديه مشاعر الانتقام والتصميم على تغيير أوضاعه، فيواجه المستبد – الذي في العادة يكون هو الأقوى – تلك المحاولات، ويخطئ في مواجهتها بقدر عدم استيعابه للمحفز المتغير والصور اللحظية المكتسبة لدى الناس ، فمثلا كلما كان يجهل حقيقة كونه ظالما وأن ما حرص على إشاعته في السابق كان محفزا ثابتا أراد تصديره للوعي البشري بقوته يمتلك هو الآخر محفزا متغيرا عن الثائرين ضده بحيث يراهم أشرارا فوضويين، وبتأثير الباريدوليا يبدأ في وضع خصومه في أنساق وأنماط معينة، فلو كان هذا المستبد متدينا سيتهم خصومه بالكفر وبالتالي يكتسب صورة الكفر (الكلية الثابتة) في ذهن الكاتب الأول وعلى الأرجح يكتسب أيضا تطورات تلك الصورة عند أتباع ذلك الكاتب ومقلديه فتكون عرضة للشيطنة وتأويل كل أفعالها بالشر لسبق اكتسابه صور لحظية في أجواء صراعات سابقة..

وفي حلقة مختلف عليه مع الأستاذ "إبراهيم عيسى" ضربت مثال على ذلك باتجاه توماس هوبز في قوله بأصالة الشر ولجوءه لتحجيم ذلك الشر بقيود دولة قانونية أو دكتاتورية متحكمة وأكثر قدرة على الضبط، هنا يكون هوبز يصبح مكتسبا لأعراض المستبد في رؤية خصومه بمحفزات ثابتة أراد تصديرها للوعي البشري بفقدان الخصم معنى وحجية نشاطه ومطالبه، وما كان هوبز ليقول ذلك لولا تلك الحروب الأهلية التي حدثت في عصره في انجلترا وأكسبته ميولا لكراهية تداول السلطات وأهمية الاستقرار السياسي على المجتمع وحركة الفكر، وكلما قرأ هوبز وتأثر لكتاب ذات صور لحظية عن همجية الناس وجرائمهم وانفلاتهم الديني والأخلاقي في ظل الحروب كلما كره فكرة التداول بالأساس ورأى في مقابلها أن الدكتاتورية سلوكا معقولا ومقبولا بضوابط فلسفية قابلة للطرح والمناقشة هروبا من الظلم..لأن هوبز مهما كان هو فيلسوف ولم يفكر بطريقة رجال الدين في ربط أفعال الناس بالسماء والمؤكد أن طريقته عندي في دعم المستبد تختلف في جوهرها وكثير من تفاصيلها عن طرق رجال الدين..

بخلاف جان جاك روسو الذي رأى أصالة الخير في نفس الإنسان، وأن مشكلة فرنسا ما قبل ثورتها في القرن 18 كانت اجتماعية بفوارق مهولة بين الطبقات، هنا يكتسب روسو صوراً لحظية عن مجتمعه تقول بظلم أقلية نافذة ومالكة للثروات والسلطات لأكثرية ضعيفة لا تملك شئ، بالتالي فالصورة اللحظية لكاميرا عقل روسو قالت ببداهة حدوث الأقلية على أصل الأكثرية القديم، وتعززت تلك الصورة بجهل وغباء وظلم الطبقة الحاكمة وسلوكيات بعض رجال الدين في عصره، طبيعي أن ينظر إليهم أن مصدرا للشرور ، وبالمحفز المتغير الذي رأى عن طريقه عمل تلك الأقلية في منظومة تدمير ممنهج للحياة سواء في الفكر والاقتصاد والسياسة رأى أن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم هو الأمثل، ومن تلك الصورة وصل الإنسان لفكرة الدساتير عموما باعتبار أن شعوب القرون الوسطى لم تعرف قوانين مكتوبة وواضحة تضمن هذه العدالة الاجتماعية.

ستكون الباريدوليا في هذا السياق تعمل لتفسير صور وأصوات ومحسوسات مختلفة لها حضور اجتماعي وسياسي وديني..إلخ، فالخرافة والزيف والكذب لا يتعلقون فقط بالدين بل في جميع أحوال الناس..حتى في طعامهم، بمعنى أن الكاميرا اللحظية لعقل الإنسان كانت متشبعة مثلا بحالة الجوع ، يصبح ذلك محفزا ثابتا لقبول أطعمة كانت مرفوضة من الذات العالِمة المتصوِرة، حتى لو كان هذا الطعام رديئا فتكون له القابلية النفسية وفقا لمقدار ذلك الجوع، وبهذا السياق يمكن معرفة كيف تغير النظام الغذائي للبشر..فالأوائل كانوا يأكلون اللحوم نيئة لأن مقدار الجوع كان كبير مثلما يوجد الآن عند الحيوانات، أما بعد اكتشاف النار وزيادة قدرتهم على الصيد توفر الطعام بشكل أكبر فانخفض مقدار الجوع مما أوجد للأوائل قابلية ورغبة في تنويع ذلك الطعام فعرفوا الطهي.

وبفلسفة الصورة هذه يمكن تطبيقها أيضا على الحيوان، فالكلب الذي يأكل اللحم عندما يُستأنس وتُخصص له منازل وأطعمة دون جهد منه يصبح أكثر قابلية على تغيير نمطه الغذائي..ليس مرة واحدة بالطبع فقد يستغرق ذلك آلاف السنين، لكن المؤكد أن هذا الكلب وأجياله اللاحقة إذا وجدوا طعامهم بطريقة أفضل وبمقادير أكبر سيتحول في المستقبل لكائن نباتي عشبي إذا قرر الإنسان ذلك، إنك من الآن ترى بعض القطط والكلاب يأكلون الخبز وبعض أنواع الخضروات..فهل هذا يعني أن مستقبلهم يصبح هكذا؟..مع حفظ أن تطور عقل الإنسان حدث توازيا مع تطور نظامه الغذائي مما يعني أن سلوكيات القطط والكلاب تصبح أكثر ذكاءً مع تطور نظامهم الغذائي أيضا، ومن هذا المدخل يرى بعض النباتيين آكلي اللحم كبشر متوحش لم يغادر بعد أسلافه في عصور الصيد.

وبالمحفز المتغير تظهر صورة اللاحمين عند النباتيين كأشرار ومصدر تهديد للطبيعة، ففي رأيي أن جمعيات الرفق بالحيوان بمساعدة الشعوب النباتية الأسيوية ساهمت كثيرا في حماية الطبيعة وحفظ الأنواع من أنانية وظلم البشر، فالصورة اللحظية عند النباتي وقتها تكن متأثرة بعوامل فكرية ونفسية كثيرة منها بداهة ضعف الحيوان مقابل قوة الإنسان، وسلوك بعض الحيوانات سلوكا ذكيا أو اكتسابها صفات أخلاقية كالوفاء عند الكلاب والوداعة عند القطط مما يفسر لماذا هذين الكائنين بالذات هما أكثر استئناسا من البشر، ذلك بسبب الصور اللحظية لكاميرا الذات الأولى العالِمة المتصوِرة عنهم والتي كانت مفتقدة للوفاء والوداعة مما يدل أن عصر استئناس البشر للحيوان ظهر بالتوازي مع كثرة صراعاته ومظالمه، فكلما كان أكثر عنفا كلما بحث عن أي كائن مسالم ووديع أو به قليل من تلك الصفة..

إن الباريدوليا في الأخير هي وهم لذا فالترجمة اللاتينية للكلمة تعني مدلول الزيف والوهم والخداع، أو هي خيال حسب الرغبة ومؤثرات الواقع، من هنا نشأت الحاجة للتفريق بين العقل والخيال عند فلاسفة الأنوار كرينيه ديكارت الذي قال بضرورة الفصل بين الإدراك والخيال..بمعنى أن إدراك النصوص يجب أن يحدث بالعقل لا بالخيال، وبمفهوم ديكارت عن العقل فهو يقصد الشك، وبهذا المنهج رأى ديكارت الفلسفة بشكل عام أنها تقوم على أسس شكية، ولو طبقنا هذا على أشكال الطبيعة والمحسوسات المنتجة لصور مفهومة ومنظمة إضافة لتبسيط وفهم فلسفة الصورة نحصل على أسلوب لرؤية الكون والنصوص بشكل عقلي تحليلي وعلمي يمكنه التفكير بشكل صحيح وربما التنبؤ بشكل علمي صحيح أيضا..

 

سامح عسكر

 

مادونا عسكرتكمن هوّة عظيمة بين العلم والعبادة كتلك الموجودة بين الكمال والنّقص. وملايين السّنين الّتي مضت والأخرى الآتية تسهم في اتّساع هذه الهوّة ما لم يتيقّن الإنسان أنّ الوجود الإلهيّ الخارج عن الزّمان والمكان، مغاير تماماً للوجود الإنسانيّ. وكلّ فكر يؤكّد علمه بهذا الوجود الإلهي أو يحتكر الحقيقة لشخصه أو جماعته يعيق التّأمّل وتطوّر الفكر ونموّه بحكم السّيطرة على العقول وإشغالها بصراعات تافهة مع أنّها تبدو مصيريّة. وهي تافهة وسطحيّة قياساً على الرّؤية التّأمّلية بهذا الوجود، والأكوان المحيطة بنا، وحضور الإنسان الهزيل في هذه الأكوان، وعدم قدرته على استيعابها، ورؤيته الملتبسة لها. ولئن كان الاستيعاب العقليّ والفكريّ للوجود المادّيّ ضعيف فلا ريب أنّ القدرة على استيعاب الوجود الإلهيّ أضعف، بل معدوم إلّا من خلال التّصوّرات العقائديّة الّتي بالكاد تقدّم تمتمات عن الحضور الإلهيّ. وبقدر ما يعي العقل أنّه عاجز عن إدراك هذا الحضور بتمامه، وبقدر ما يقتنع بأنّ الدّخول إلى عالم الوجود الإلهيّ اختبار شخصيّ وعلاقة عميقة لا يمكن تفسيرها أو تأكيدها بالأدلّة القاطعة، لأنّ الدّليل مشخّص ومرتبط بين الإنسان والله، تتهاوى الصّراعات والنّزاعات الّتي يقودها الإنسان بشكل عام باسم الله.

لعلّ انكباب العقل على محاولة إدراك الجوهر الإلهيّ وإصراره على معرفته اليقينيّة يضلّ عن الطّريق الصّحيح الّذي يقود إليه. ولعلّه ليس مطلوباً من الإنسان أن يعرف جوهر الله أو الاجتهاد في فهم هذا الحضور الإلهيّ فهماً عقليّاً. وإنّما المطلوب محاكاته في العمق بلغة أخرى غير تلك الّتي يتوجّه بها الإنسان إلى الله وكأنّه يعرفه تماماً. يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب: "ليست طبيعة الله غير مدركة وحسب، بل عنايته بنا وتدابيره فوق إدراكنا". الإنسان أمام محيط واسع جدّاً وعميق جدّاً، وما هو إلّا نقطة لا تقوى على استيعاب المحيط بأكمله. فالنّقطة تعي ذاتها بقدر ضئيل، لأنّها تدرك كينونتها الظّاهرة. وأمّا إدراكها الكامل والعميق لذاتها غير ممكن لأنّها مرتبطة بالمحيط. وبقدر ما تتوغّل في عمقه تستشفّ بعضاً من كينونتها. ما يذكّر بنصّ لمحيي الدّين بن عربي في الفتوحات المكّيّة:

لو علمته لم يكن هو،

ولو جهلك لم تكن أنت:

فبعلمه أوجدك،

وبعجزك عبدته!

فهو هو لِهُوَ: لا لَكَ

وأنت أنت: لأنَت ولَهُ!

فأنت مرتبطٌ به،

ما هو مرتبطٌ بك.

الدّائرة مطلقةً

مرتبطةٌ بالنّقطة

النّقطة مطلقةً

ليست مرتبطة بالدّائرة

نقطةُ الدّائرة مرتبطةٌ بالدّائرة.

الـ "هو" الّذي لا يحدّه اسم أو حضور أو زمان أو مكان، الخارج عن محدوديّة الفكر الإنسانيّ يتعارض وأيّة صورة أو تصوّر يمكن تكوينه عنه. إنّه الـ "هو" الّذي ليس مثله شيء. وإذا كان هو الّذي هو لا يشبه أيّ شيء يمكن من خلاله الاستدلال عليه فالتّصوّر عنه يبقى ملتبساً أو ناقصاً. فالعلم به ليس علماً به بل بتصوّر شخصيّ عنه. والتّأكيد على اليقين المعرفيّ عنه يتنافى وقدرة الإنسان الفكريّة على تحديد جوهره أو طبيعته، لأنّ النّاقص لا يحدّد الكامل. وبحكم أنْ ليس مثله شيء تنبغي محاكاته بتجرّد فكريّ وقلبيّ. ويعتمد هذا التّجرّد على البحث التّأمّلي في الكائن الّذي ليس مثله شيء بعيداً عن كلّ شيء ندركه بالحواس أو بالعقل بحكم المحدوديّة والنّقص. هذا الوجود المتفلّت من كلّ شيء والحاضر والحاضن لكلّ شيء يفترض محاكاة متفلّتة من كلّ شيء. ولعلّ الأنا الإنسانيّة العميقة لا الظّاهرة قادرة على هذا التّأمّل، لأنّ في هذه الأنا ما هو أبعد من كينونتها الظّاهريّة، وفي عمقها وجود يخترق الحدود، وهو الوجود العالم بها. ولو كان غير عالم بها لما وجدت.

لو علمته لم يكن هو،

ولو جهلك لم تكن أنت:

فبعلمه أوجدك،

وبعجزك عبدته!

عبد الإنسان الله انطلاقاً من ضعفه وعجزه ما لا يقوده إلى العلم به. وأمّا الّذي اختبره في أعماقه، في الأنا المتفلّتة من الحدود سلك سبيل الذّوبان فيه. فعرفه بقدر ما عرفت الأنا حضوره في عمقها. وأمّا "هو" فبعلمه أوجد الإنسان، وعلمه عشق بذاته يفوق الإدراك. لذلك فالإنسان مرتبط به بحكم العلم الإلهيّ الّذي أوجده. لكنّ الله ليس مرتبط بالإنسان لأنّ الله هو العشق/ المحيط الحاضن لذرّة عشق، الإنسان. 

الدّائرة مطلقةً

مرتبطةٌ بالنّقطة

النّقطة مطلقةً

ليست مرتبطة بالدّائرة

الذّات الإنسانيّة مرتبطة بالذّات الإلهيّة من حيث حرّيّة العشق، فالعشق غير مشروط وغير مقيّد وغير خاضع لظروف ولا يتضاءل، بل إنّه يمضي ويستعر حتّى تضيق الذّات بذاتها. فالعشق الإلهيّ فيض في العمق الإنسانيّ يعمل في أغوار النّفس ويجذبها إليه. فدائرة العشق مطلقة مرتبطة بذرّة العشق/ الإنسان. وعمق الإنسان ذي النّفحة الإلهيّة مطلق مرتبط بالمعشوق الإلهيّ. (نقطةُ الدّائرة مرتبطةٌ بالدّائرة).

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عصمت نصارتعددت الآراء حول ماهية الجنس، فالفلاسفة الروحيون يعتقدون بأن الجنس فعل دنس، في حين يؤكد علماء الأنثروبولوجيا أن الأعضاء التناسلية والممارسة الجنسية كانت عند الشعوب البدائية وفي الثقافات التليدة ينظر لها على أنها جزء أصيل من العبادات المقدسة والطقوس الدينية، فيحدثنا فيليب كامبي عن الجنس بوصفه الصورة الأولى للمقدس فيذكر أن الشعوب البدائية منذ أكثر من 36 ألف، عام كانت تعبد المرأة وتقدس عضوها التناسلي وتنقشه وترسمه على جدران المعابد، وذلك باعتباره أصل الحياة وسر وجود البشر والصورة الإنسانية التي ترد إليها كل الموجودات بما في ذلك الذكر الأول (آدم) الذي خلق من طينها، ويحشد كامبي في كتابه "العشق الجنسي والمقدس" عشرات الأساطير من الشرق والغرب ليبرهن على أن الأنثى وليس الذكر هي أصل الوجود بأسره (ربة السماء وربة الأرض) وأن كلتاهما قد وجد ليس عن طريق التناكح، بل عن طريق آخر غير معروف، والأم الأولى هي إيزيس المصرية وأفروديت اليونانية وفينوس الرومانية وأورانيا الفارسية.

ويضيف كامبي أن العلاقة بين ممارسة الجنس بين الذكر والأنثى عند الشعوب البدائية لم تكن مرتبطة بإنجاب الأطفال، إذ كان المعتقد السائد أن إلهة الخصب والنماء هى التي تضع بذور الأجنة في أحشاء النسوة، فيحملن ذكورا وإناثا، وذلك عن طريق بعض المأكولات أو الاستحمام في الماء المقدس - الذي قد اغتسل فيه أحد فحول الرجال، وإلى مثل ذلك ذهب أرسطو - أو الريح أو حرارة الشمس وشعاعها أو النار معبودة الفرس، ويعني ذلك أن ممارسة الجنس كانت مجرد رغبة ولذة واستمتاع بشهوة حسية.

وذهب "ول ديورانت" في موسوعته الشهيرة "قصة الحضارة" إلى أن الإنسان البدائي لم يفكر في الجنس  من زاوية الحرام والحلال أو المقدس والمدنس، وذلك لأن الإنسان (ذكر وأنثى) كان يمارس الجنس بمقتضى إرادته ورغبته في اللذة والمتعة والسعادة وليس لإنجاب الأطفال، لذا لم تفرض على العملية الجنسية في القبائل البدائية أي قيود اجتماعية أو دينية أو خلقية، وفي هذه الحقبة أي قبل ظهور الحضارات لا نكاد نجد أثراً للدعارة إلا على نطاق ضيق جدا تمارسه بعض الفاتنات من أجل الحصول على ما يعينهن على إعالة أولادهن أو آبائهن العاجزين أو شراء القرابين المستحقة للآلهة حتى يظفرن بالمغفرة والخلاص والبركة، وقد كان لشيوع النساء وحرية ممارسة الجنس أثر كبير في ظهور العديد من الدلالات والمفاهيم المغايرة لما نعتقد فيه الآن، فالزوجة الصالحة في المجتمعات البدائية هي التي أثبتت التجربة قدرتها على الإنجاب. أما العذراوات المحتفظات ببكارتهن لا يقبل عليهن الرجال بحجة أنهن غير مجربات، الأمر الذي دفع بعض القبائل إلى جعل فض البكارة وظيفة يختص بها الفحول من الرجال قبل زواج العذراوات، ومع ظهور الملكية الفردية أضحى للبكارة والعفة قيمة أخلاقية يتشبث بها الرجال قبل الزواج؛ فالأنثى العذراء هي التي تمهر ويرغب في الزواج منها (باعتبارها ملكية خاصة)، والجدير بالإشارة أن معظم البرديات والنقوش والآثار القديمة كانت تؤكد أن فضيلة العفة والبكارة كانت قاصرة على الإناث دون الذكور، فالأنثى العفيفة هي التي لا تمارس الجنس قبل الزواج، أما الذكر فلا جناح عليه إذا ما مارس الجنس منذ قدرته على أداءه، فقد ترتب على ذلك ذيوع ظاهرة أخرى ألا وهي حجاب المرأة وعزلتها ومنعها من مخالطة الرجال بعد بلوغها، وصنعت بعض القبائل للعذراوات لباساً بأقفال حديدية ليحولوا بين الرجال وممارسة الجنس معهن، أضف إلى ذلك ارتداء المرأة ما نطلق عليه الآن النقاب أو الخمار الذي يحفظ جسد المرأة من عيون الرجال، واستحال العري الذي كان يصاحب شيوعية النساء إلى ملابس فضفاضة ترتديها النسوة المؤهلات للزواج، وأضحى العري من نصيب العاهرات والعبيد.

أما الزنا فكان له مفهوم مغاير أيضاً؛ فالرجل البدائي كان يمارس الجنس بحرية كاملة قبل الزواج وبعده، وعندما أصبحت الأنثى تباع وتشترى وتمهر عند الزواج؛ فأصبحت ملكاً لسيدها أو زوجها، وبالتالي لا يحق لها ممارسة الجنس مع سواه إلا بإذن منه (خلال الدعارة أو الإهداء أو الإعارة للأصدقاء) ودون ذلك كله يصبح فعل المرأة زنا، وكذا اعتداء الرجل على المتزوجات أو العذراوات العفيفات، وكان يحق للرجل تطليق زوجته إذ ما رغب عنها جنسياً، فالمتعة وحدها هي التي كانت تدفع الرجل للإبقاء على زوجته.

وتؤكد معظم الكتابات على أن الشعوب البدائية كانت تمارس الجنس رغبة في المتعة، وليس لإنجاب الأطفال كما كان شائعاً، فكثير من الأمهات كن يستخدمن حائلاً من الأعشاب حتى لا يتكرر حملهن وكان بعضهن يقتلن أطفالهن للتخلص منهم ناهيك عن قتل الآباء لأولادهم المعاقين والإناث.

غير أن الأنثروبولوجيين يؤكدون أن ظاهرة قتل الأطفال من قبل آبائهم لم تكن شائعة إلا بين الفقراء ودونهم كان ينعم الأطفال في القبائل البدائية برعاية وحب ودفء أبوي أفضل من حال أطفال المدنيات والمجتمعات الراقية .

وتؤكد البرديات الفرعونية القديمة أن ممارسة الكهنة للجنس في المعابد يرجع إلى بنية أسطورية عميقة تجعل من تلك الممارسة طقساً شريفاً تمنح الآلهة بمقتضاه البركة والسعادة للعذراوات، وتروي إحدى الأساطير أن الإله (أتوم) الممثل لصورة الإله الخالق قد أوجد العالم عن طريق (الاستمناء) في يده، وقد نتج عن هذا الماء المقدس زوجين من الآلهة، ومنهما تولدت آلهة المدن والمثل العليا والعناصر الطبيعية وسائر الموجودات، وذلك كله عن طريق الجماع الجنسي بين الإله الذكر الأول شو (الجو) والإلهة الأنثى الأولى تفنوت (الرطوبة)، وقد صور الإله (بس) فوق الأسرة وعلى أدوات التجميل، وذلك لأنه كان يطرد الجن والأرواح الشريرة بعيداً عن المحبين والعشاق والنائمين والجميلات الفاتنات، لذا ارتبط اسمه بالمتعة الجنسية وحماية الحوامل، أما الإلهة (حتحور) فكانت المعنية بشئون الممارسة الجنسية المقدسة التي كانت تجرى في المعابد، حيث الراقصات العاريات اللواتي يؤدين حركات إيقاعية تعبر عن حبهن للحياة وطلبهن للمتعة والسعادة، وكان ينقشن على أردافهن وأثدائهن وفروجهن رسومات بالحنة (تاتو)، وفي نهاية الحفل يصطحبن الكهنة إلى المخادع لينلن البركة من خلال الوطأ المقدس، وقد جمعت  الأساطير المصرية عدة صفات للإلهة (حتحور) كان لها عظيم الأثر على تشكيل العقل الجمعي تجاه المرأة، فقد صورتها الأساطير على أنها الأم الحنون والزوجة الوفية والابنة العفيفة والجمال الرحيم المتجسد في صورة فاتنة، وهي أيضاً اللبؤة الشرسة الغيورة على زوجها وأولادها، وواحدة من الجنيات التي تنفث النيران وتحرق كل من يعترضها، وهي كذلك رمز العواطف الدافئة والنور والضياء وشعلة الحب المتأججة التي يتجمع حولها العشاق، وربة الخصوبة والدلال والفتنة؛ فهي التي تمنح الجمال الأنثوي للإناث عند بلوغهن، ومن الأساطير أيضاً ما تصور الإله (آمون) في صورة ذكر قوي ممتع في الفراش المقدس أثناء جماعه مع الملكات البشريات اللواتي كن يشعرن بمائه الطاهر النقي العطر يسري في فروجهن ليستقر في أحشائهن.

ويمضي الحديث عن عالم الآلهة في الأساطير السومرية؛ فنجد الجنس يشغل مكانة الصدارة بين الممارسات المقدسة؛ فالإلهة عشتار (آلهة الحب والخصب) تمثل كل العواطف والأحاسيس التي تجمع بين الذكر والأنثى لاستمرار الحياة، فتتصل بأخيها ابن الحق والقوة تموز لتنقذه من عالم الموتى وتعيده إلى الحياة التي تجمع بين الجمال والحق في سياق واحد، وتروي الأسطورة أن عشتار قد وجدت تموز مشغولاً في حماية قطعان الغنم فراحت تراوده وتثيره بجمالها الفتان؛ الأمر الذي جعل الدماء تجري في عروقه وأصبح له عضواً ذكرياً، وجمع بينهما فراش دافئ تعانقت فيه العديد من الأحاسيس والمشاعر (الشهوة الجسدية، الرغبة والمتعة الجنسية، الحب) ومن ساعتها أبت عشتار أن  تكون لغيره من الرجال، وعلمت جميع النسوة أن المتعة الجنسية التي تطفيء ظمأ الشهوة لا تكفي لبلوغ السعادة، بل يجب أن يسبق هذه المتعة الحب والود والارتياح النفسي.

وذات يوم جرح خنزير بري تموز فأرداه قتيلاً فبكته عشتار وتألم من بكائها كل الإناث في عالم البشر والحيوان، وراحت عشتار تبحث عن سبيل لإخراجه من عالم الموتى، فتوسلت لأختها ربيبة ذلك العالم فغارت من فتنتها وجمال جسدها فسجنتها ليذبل قوامها ويستحيل جمالها إلى قبح، فعلمت النسوة البشريات بما حدث فرغبن عن الرجال وكاد الجنس البشري أن يفنى،  وتوسلن إلى ربة عالم الموت لتخرج عشتار من حبسها ففعلت إلا أن عشتار أبت أن تخرج بمفردها وبعد إلحاح وقرابين وتوسلات من عالم البشر استجابت ملكة عالم الموت لطلب عشتار وأخرجت الحبيبين معاً لتؤكد قيمة الوفاء بين الزوجين.

وإذا ما انتقلنا إلى اليونان؛ فسوف نجد العديد من الأعياد الدينية المرتبطة بأداء العملية الجنسية باعتبارها طقساً مقدساً منها عيد ديونيسيوس الذي كان يجتمع فيه الشباب والشابات ليشربن النبيذ ويرقصن وينشدن بعض الأغاني المثيرة للمتعة الجنسية حتى يتأهل الجميع للاستمتاع بالعلاقة الحميمة التي كانوا يمارسونها وهم عرايا تماما دون حياء أو خجل وكيف لا؟ فما يفعلونه ما هو إلا طقس مقدس، وقيل أن النسوة كن يرقصن متشحات بجلد غزال وكان الرجال يرتدون أقنعة على وجوههم تبعاً للنسيج الأسطوري الذي كان يجعل من هذا العيد موسماً تحل فيه أرواح الآلهة في أجساد البشر، فتهب النسوة الفتنة والجمال والخلاعة والخصوبة وغير ذلك من الصفات التي ترغب فيهن الرجال، كما تنعم على الذكور بالفحولة والقوة الجنسية التي تفوق قوة الثيران وقدرتها على ممارسة الجنس.

وتربط العديد من الموسوعات بين الطقوس الديونيسيسية والجنس الجماعي المصاحب للخلاعة والمجون في عيد باخوس ذلك الذي كانت تجتمع فيه النسوة؛ ليمرحن بين الأشجار أو الجبال، وإذا ما حل الليل تسابق الشباب إلى هذا المكان لمشاركتهن الرقص وشرب النبيذ ثم العلاقة الحميمة، ولم يخل ذلك الطقس الماجن من العنف، فتروي الأساطير أن حلول الإله باخوس في أجساد المحتفلين بعيده مرهون بسفك دم طفل أو بذبح غزال رضيع وأكل لحمه وشرب دمه على ضوء المشاعل.

ومن الأعياد الدينية عند الرومان نذكر عيد اللوبيركال وكان يمارس فيه الجنس الجماعي وذلك يوم الخامس عشر من شباط وهو يوم ميلاد الإله لوبوركوس رب الحقول والقطعان، ولم تعتقد النسوة آنذاك أن افتراشهن للعديد من الرجال بعد جلد ظهورهن بسيور مصنوعة من جلد تيس  هو علة حملهن، بل كن يؤمن بأن هذا الحمل هبة من الإله المحتفى بذكراه، ومن ثم كانت اللذة الجنسية هي الطقس المقدس في هذا العيد كما هو الحال عند الفينيقيين واليونان، فالممارسة الجنسية الجماعية التي كانت دون أي قيود قد جعلت النسوة اللواتي حملن في هذا اليوم لا يعبئن  بتحديد الرجل الذي ينسب إليه من ينمو في أحشائهن، ولم يطالبهن المجتمع بذلك أيضاً.

وقد انتقل هذا الطقس إلى بعض النحل المعاصرة وعلى رأسها نحلة عبدة الشيطان والإيموز.

للحديث بقية لإثبات ان الفارق بين المقدس والمدنس في الجنس يرجع إلى الثقافة السائدة والعقل الجمعي، ولا سيما في حقبة ما قبل الشرائع السماوية.

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

 مجدي ابراهيم(8) ومن المعلوم لدينا أن التفسير الإشاري للقرآن الكريم قام به طائفة من الصوفية، وهو يتأسَّس على الإيحاء والرمز والإشارة، نجده عند سهل بن عبد الله التُّسْتَري (ت283هـ) وأبي عبد الرحمن السُّلمي (ت412هـ) في حقائق التفسير، ثم تطور في استخدام الرمز والإشارة وأوغل فيهما عند القائلين بمذهب وحدة الوجود (Pantheism) ابن عربي، وصدر الدين القونوي، وعبد الرزاق القاشاني؛ لكن أظهر تفسير وأشهره وأكثره حذراً وحيطة واعتدلاً، هو تفسير أبو القاسم عبد الكريم بن هَوازن القشيري النيسابورى (ت465هـ) صاحب الرسالة في علم التصوف، وهو المسمى بـ "لطائف الإشارات"، حققه الدكتور إبراهيم بسيوني، وصدر عن الهيئة المصرية للكتاب في ثلاثة مجلدات (أكثر من 2000 صفحة). وكانت طريقة القشيري في التفسير فيما يبدو لنا هى أن يعمد إلى تقسيم الآية إلى مستويين: إلى ما تعطيه دلالة الظاهر (أي العبارة) فيشير إليها ويوضح معناها، وهذا هو المستوى الأوَّل وهو مستوى تقليدي يمكن لأي مُفسّر أن يقوم به.

أما المستوى الثاني؛ فهو مستوى "الدلالة الخاصَّة" في الإشارة المستنبطة من العبارة، يُردف الدلالة الظاهرة بدلالة السِّر والإشارة (دلالة الرمز)؛ وهذا ليس لأحدٍ إلا لأهل الخصوصية من المُلهَمين الأصفياء. وفيما يخصّ اللغة الرمزية؛ فبيان أهمية الرموز في التفسير الإشاري يعني كيف يتمكن الصوفي من تحويل المرئي (الليل، القمر، الرياح) والمقروء (الآيات القرآنية مثلاً) إلى رموز تشير إلى تجارب روحيّة؛ فمنازل القمر مثلاً تشير عند القشيري إلى انتقال المريد من مقام روحي إلى آخر وهو ما يعبر عنه المتصوفة بالتلوين وضده التمكين. أما الرياح؛ فإنها تشير إلى الرجاء الذي يسبق العطاء الإلهي كما تسبق الرياح المطر.

خذ مثلاً على مستوى "الدلالة الخاصَّة" في الإشارة المستنبطة من العبارة، إذ يُردف الدلالة الظاهرة بدلالة السِّر والإشارة (دلالة الرمز)؛ خذ هذه الآية الكريمة :"إنّ الذي فرض عليك القرآن لَرَادُّكَ إلى معاد" (القصَصَ: آية 85) قال :"لرَادُّك إلى معاد" في الظاهر، إلى مكة، وقد كان الرسول عليه السلام كثيراً ما يقول: "الوطن، الوطن" فَحَقّق الله سُؤله، هذا ما يدل عليه ظاهر الآية. أمّا في السرِّ والإشارة وهو المُراد بفتح اللفظ عندنا؛ فإنّه "فرض عليك القرآن" أي يسَّر لك قراءة القرآن، والمعاد هو الوصف الذي كانت عليه روحك قبل حلول شجك؛ أي سجنك ولوعة حُبَّك؛ من مُلاذعات القرب ومطالعات الحق (لطائف الإشارات, م3؛ ص83). والتأويل الروحي الذي يقدِّمه القشيري هو المُراد بعودة الروح إلى الوطن الحقيقي وأوْبتها مرة أخرى إلى عالم الخلود في حُضن الطبيعة الكلية. قال: " فإنّ الذي ينصّبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرَادُّك إلى عين الجمع والتحقق بالحق والفناء عن الخلق" (لطائف الإشارات: م3 ص84).

معنى هذا؛ ولو فيما نراه نحن؛ أنه لمَّا كانت الغاية التي لا غاية بعدها عند الصوفية هى التحقق بالوحدة في عين الجمع، وكان الرسول صلوات الله عليه لابد له من العودة بعد الفناء إلى الصحو للتبليغ وبسط نظام الشريعة، صار "ردَّ المعاد" هو التحقق بعين الجمع بالفناء عن الخلق؛ ولهذا كان صلوات الله عليه يقول :" لي وقت مع ربي لا يسعني فيه غير رَبِّي". والإشارة ترمي إلى التفرقة بين عروج الأنبياء وعروج الأولياء: عُروج النبي غير عروج الوليِّ : لابد للنبي من العودة للتبليغ. والولي إذا بلغ مقام القرب لا يريد العودة منه أبداً، وهو ما عبَّر عنه وليُّ هندي هو "عبد القدوس الجَنجوهي" حيث قال :" صَعَدَ محمد النبي العربي إلى السّموات العلا ثم هبط إلى الأرض .. قسماً بربي ! لو بلغت هذا المقام لمَّا عدت منه أبداً". النبيُّ مُلزم بالتبليغ ولا هكذا حال الولي. فالتفسير الإشاري إذن له سياقه المتصل مع الحالة الباطنة الكاشفة بما هى عليه من توجه وشروق في نفس صاحبها.

هَبْني ذكرتُ لك هذه الآية المباركة سبيلاً استشهد به في هذا السياق أن من الألفاظ ما هو مفتوح يرمي إلى "ما وراء" بعد إشارته إلى المحسوس ودلالته المفهومة من أول تعامل معها: (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا)؛ فماذا عَسَاكَ واجداً؟ قد تجد هناك أولاً "الإيمان بالله"، وهناك ثانياً، عدم الخوف عندما يتحقق الإيمان، لا من البخس ولا من الرَّهَق. وما هو البخس وما هو الرَّهَق؟ البخس يشير في دلالته الواقعة تحت طائلة الحسِّ والإدراك العادي، إلى النقص في الثواب والرَّهَق هو الظلم اللاحق بزيادة السيئات؛ لكأنما الآية تقول: " من يؤمن بربه حق الإيمان، لا يخاف نقصاً في ثوابه إذا أحسن، ولا يخاف ظلماً يلحقه بزيادة السيئات عليه؛ وهو معنى الرَّهَق المذكور.

هذا ما يعطيه ظاهر اللفظ بما وردت به الآية، فهل كل ما تحمله الآية من مضمون هو ذاك؟ .. كلا ! لا نرى ذلك بعد تحقق معنى الإيمان بمستواه الأعلى؛ لأن هذا المستوى الأعلى نفسه هو عينه الذي يجعلنا نفتح ألفاظ الآية وننتقل من مستوى الظاهر فيها إلى مستوى الباطن، ومن الشكل البرَّانيِّ إلى المضمون الجوَّانيِّ، ومن مستوى المعرفة الظاهريّة إلى مستوى الدلالة الرمزية، ومن الصورة الحقيقية إلى الاستعارة المجازيّة !

ومن هنا؛ قامت قيامة الناس ولم تقعد على قوم أرادوا أن يصرفوا الخاطر عن الظاهر في كل حال ويطلبوا الباطن في جميع الأحوال؛ لعلم هؤلاء الناس أن الظاهر في كل الأحوال قد يؤدي الغرض المطلوب وكفى. فإذا أرادوا بادئ الرأي أن يفسروا آية ما، فَسَّروها بشرط ظاهرها البرَّانيِّ دون النفاذ إلى أسرارها الباطنة، وزادهم تفسيرهم للظاهر تحكماً لا مشروعاً؛ لأن حالتهم الوجدانية الباطنة، أعني "تجربتهم" مع الواحد الحق، لم تتسع إلّا لتأدية الغرض المطلوب على مستوى الظاهر وكفى، ولأنهم : (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

ومن هنا أيضاً، قد نجد ضروباً كثيرة من التفسير الإشاري للقرآن الكريم قامت به طائفة من أتقياء المسلمين؛ فكان علامة بارزة لا ريب فيها على شاعرية اللغة العربية وثراء ألفاظها ومعانيها وارتقاء الوعي بها وتجاوزها بالمجاز، وتجاوز المجاز فيها إلى حيث يستطيع المرء إلى ذلك سبيلاً.

ولنا أن نقف وقفة تحليلية ذوقية عند القشيري؛ لنراه يُبْرز ذلك في مقدّمة تفسيره الإشاري (لطائف الإشارات) أو يفصِّله على نحو من الأنحاء؛ ليُصَوِّر لنا كيف يكون التفسير عامة، والتفسير الإشاري منه على وجه الخصوص؛ قطعة من روح صاحبها في التخريج الذوقي؛ فإجمال التفسير الإشاري خاصَّةً عند القشيري إنما هو إشارة مُسْتخرجة على الاستنباط من العبارة، أي استنباط الإشارة من العبارة واستخراج خفي الرمز من ظاهر الدلالة، حيث يقول القشيري مخبراً عن أولئك المُلهمين من الأصفياء ما مفاده: إنّ الله :" أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمَّنه من دقيق إشاراته وخفيِّ رموزه، بما لوَّح لأسرارهم من مكنونات؛ فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما أستتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم. الحق سبحانه وتعالي يُلْهمَهم بما به يكرمهم؛ فهم به ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويَذَرُون".

هذا ما يقول به القشيري ومنه يتبيَّن؛ أن التفسير عامة، والإشاري منه خاصة؛ إنمّا هو تفسير إلهامي من فضل الله وتوفيقه، واصطفائه واختصاصه لمن شاء له من عبيده، لا بقدرة منهم أو حيلة أو اكتساب، ولا اقتدار من جانبهم على هذا الفضل أو ذاك التوفيق، ولكنه توفيق موهوب واختصاص من عند الله، لا يُقال فيه سوى ذلك، ولا يُتصَّور أن  يقال فيه أقل من ذلك.

على أن هذا اللون من التفسير الذي يتكلم عنه القشيري يفترق عن سائر ألوان التفسير الأخرى، تماماً كما يفترق التفسير في مجمله عن سائر ألوان الفكر الإسلامي؛ وذلك لشرط عنصر الاصطفاء من قبيل الله تعالى، فليس يمكن لغير من أختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه. فأنت تستطيع أن تكون متكلماً أو فيلسوفاً أو نحوياً أو أدبياً إذا توَفَّرْت لذلك وعكفت عليه، وكان لديك استعداد مُلائم، وخصصت الاستعداد بعنايتك، بعد أن شهدت له من نفسك قبولاً ومن استعدادك وروداً. أما أن تكون مستنبطاً للإشارة من العبارة مستخلصاً لخفيِّ الرمز من ظاهر الدلالة، فهذه خصوصية فريدة لا بد أن يسبقها اجتباء إلهي.

كذلك؛ يمكنك أن تكون عالماً في أي فرع من فروع المعرفة كان، دون أن يصحب ذلك عمل، أما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر؛ فهذه مسألة ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدَّنيَّة، وتحليتهما بكل الأوصاف السَّنيَّة.

ومن هنا ظهر أن من أخصِّ خصائص التفسير الإشاري؛ كما يحدِّده الدكتور إبراهيم بسيوني، في منهج القشيري في التفسير، هو: " الاعتماد على استنباط خفايا الألفاظ؛ مُفْرًدة أو مركبة؛ دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها القاموسيّة، وإنما ينظر إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يُتاح لهم، بفضل الله، العلم الذي يكشفون به عن هذا الجوهر. وهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل؛ إذْ لا يحظى به إلا من جَرَّد قلبه من كل سانحة، وصفَّىَ نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمَّة لهذه المهمة الجليلة : دراسة كلام الحق جل ذكره؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".

وإلى جانب ذلك، فمن يدرس ظاهرة "الشطح" في التصوف خاصَّة، يتبيِّن له كيف تلوح الإشارة في عباراتهم، وكيف يبدو الرمز فيما يدلّون عليه، وكيف يلعب المجاز دوره في تشكيل لغة المتصوفة، واختصاص هذه اللغة بخصائص العلاقات الكاشفة بين" الذات أو الأنا الصوفية والآخر، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والمجهول، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والغيب المحجوب، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والكون، وكلها علاقات يقتضيها المجاز وتجوَّزها "الحالة" الروحية الباطنة لتجربة الصوفي : ولغة الحسين بن منصور الحلاج (ت309هـ) الرمزية الغارقة في الغموض والتباس الدلالة، فيما يشير نيكولسون، إنْ هى إلاّ تعبير عن تلك "الحالة" الحُلوليَّة الباطنة يُعانيها الصوفي في تجربته وتجوِّز "المجاز" وتستوحي قرائنه واستعاراته.

وما يجري على الحلاج في هذا الصدد يجري من هذه الجهة كذلك على البسطامي، وعلى النفريِّ، وعلى ابن عربي، وغيرهم وغيرهم، على اختلاف تجاربهم وأذواقهم ومواجيدهم.

ولنقف وقفة عند هؤلاء الصوفية الكبار كيما نشير إلى أذواقهم في هذا المجال، فقد جمع السَّهْلجي في كتاب : النور من كلمات أبي طيفور أقوال البسطامي التي تظهر أحواله وتبين مُنازلاته الروحية، فيما تجوز اللغة وترتفع بها عن العبارة القريبة واللفظ المعتاد.

ولنقرأ للنِّفَريِّ هذه الكلمات :"... لن يفلح المتصوف ما لم يُخلِّف الحرف وراء ظهره؛ لأن الشك يسكن في الحرف، والكيف يسكن في الحرف؛ فالحرف فجُّ إبليس. الحرف لا يعرف الله، والله يخاطب الحرف بلسان الحرف، والحرف أعجز من أن يخبر عن نفسه، فكيف يخبر عن الله؟

والوليُّ لا يسعه حرف. إذا ثبت الحرف للصوفي، فما هو من الله، ولا الله منه. والحرف لا يلج الحضرة، وأهل الحضرة يعْبرون الحرف ولا يقفون فيه.

الخارجون عن الحرف هم أهل الحضرة، والخارجون عن أنفسهم هم الخارجون عن الحرف". (محمد بن عبد الجبار بن الحسن النِّفَّري: الأعمال الصوفية، مراجعة وتقديم سعيد الغانمي: ص53). وإذا فهمنا كلمات "النَّفَّري" عرفنا كيف تموت اللغة ويُحكم عليها بالإبادة لدى الصوفي، تماماً كما يموت الصوفي حين يخرج من علمه وعمله ومعرفته وصفته ونفسه واسمه ورسمه؛ كذلك تموت لغته، يموت الحرف والمَحْرُوُف.

عندما يخرج الصوفي من الحرف (اللغة) والمَحْرُوُف (ما يُخْبرُ عنه الحرف)، يُلقي العبارة وراء ظهره، ويلقي المعنى وراء العبارة، ويُلقي الوجد وراء المعنى، ويدخل إلى الله فقيراً ممَّا سواه، هنالك يتلقى معنى آخر، ولغة أخرى، وعبارة أخرى وإشارة مختلفة.

أما ابن عربي؛ فهو نسيج وحده وهو أكثر من وظَّف اللغة توظيفاً يخدم أغراضه في مذهب وحدة الوجود، وأكثر من قلب اللغة وفتح ألفاظها وبثَّ فيها معانٍ بعيدة التناول، وَوَسَّع، وتجوّز، وأشكل، وألغز، وأغرق في الرمز إلى ما لا تحيط به العقول المحدودة، فهو يُعدُّ بحق من أخصب الصوفية الفلاسفة فكراً ورؤية وخيالاً خلاقاً في ميدان صناعة المصطلح وتوظيفه صوفياً وفلسفياً بين عالمي الغيب والشهادة.

ومن طريف ما يرويه الدكتور أبو العلا عفيفي رحمه الله، شكواه حين كلّفه أستاذه "نيكولسون" أثناء أطروحته للدكتوراه عن "التصوف الفلسفي عند ابن عربي" بقراءة "فصوص الحِكَمْ"، فقرأه عدة مرات؛ فوجد صعوبة في فهم كلام ابن عربي وتحديد مقاصده لغموض لغته، فعَادَ إلى أستاذه شاكياً قِلّة فهمه لألفاظ الرجل وافتراقها عن معانيها، واتصال الألفاظ بمعانٍ رمزية مغلقة أو إنْ شئت قلت معاني "مفتوحة" ليست ممَّا تقوى عليه عقول أهل الظاهر في كل حال، على الرغم من استقامة الجملة، وبيان العبارة مُفردة في ظاهرها؛ فأوْصَاهُ بترك "الفصوص" والعكوف على "الفتوحات"، ففعل، فاستجابت هنالك قريحته للغة ابن عربي بعد دوام الصبر وشدة المعاناة؛ فعاد إلى "الفصوص" شارحاً ومعلِّقاً، وهو مجهود خالد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لو لم يدرس الدكتور عفيفي طيَّب الله ثراه؛ في ميدانه سوى هذا الكتاب فقط، لكانت دراساته وتعليقاته كفيلة بخلوده على وجه الزمان.

وعَقَدَ الدكتور أحمد الجزار مقارنات طويلة بين ابن عربي وابن سبعين في دراسته عن :"التصوف؛ مفهومه ومنهج دراسته عند التفتازاني"؛ لبيان معنى الوَحْدَة من وجهة نظر كل منهما، فبينما الوحدة عند ابن عربي وحدة وجود أبان عنها مضموناً لا اصطلاحاً؛ بسبب أنه لم يستخدم في مؤلفاته اصطلاح وحدة الوجود، وإنْ كانت مصنفاته طافحة بالمذهب جملة وتفصيلاً؛ تجيء الوحدة عند ابن سبعين وحدة مطلقة لا تقر ولا تثبت إلا وجوداً واحداً هو الله فقط وكل ما عداه من ضروب الوجود وهم أو مراتب زائلة. ويستدلّ برسالة "الإحاطة" لابن سبعين حيث قال:" فلا وهم إلا الوهم ولا إله إلا الله، بل ليس إلا الأيس فقط، وهو الله الله الله الله الله الله؛ هكذا ورد وهكذا وجد، وهكذا رسم وهكذا قسم، وهكذا كان وهكذا هو"؛ ومع ذلك تظل الوحدة بين ابن عربي وابن سبعين غير مقطوعة الصلة، وعليه يثبت أحمد الجزار أن كل من يجعل وحدة الوجود ووحدة الشهود والوحدة المطلقة هى مجرد تسميات لمسمى واحد كما فعل أحدهم، يكون خاطئاً؛ بسبب أن الفارق دقيق بين تلك المذاهب فيما بنيت عليه أصلاً مهما تقارب أصحابها في بعض الأفكار (الفكر المصري المعاصر؛ والتصوف؛ ص 184-192).

ولا غرابة أن نجد لابن عربي اصطلاحاته الخاصة ولغته الرمزية الخاصة فيما يَخُص فتح اللفظ أو نقله بالدلالة من حقل معرفي إلى حقل آخر. والشروح التي توافر عليها تلاميذه كالقاشاني في "اصطلاحات الصوفية"، و"رشح الزلال في شرح الألفاظ المُتَدَاولة بين أرباب الأذواق والأحوال" وهو للقاشاني أيضاً, واصطلاحات الصوفية الواردة في الفتوحات المكية لابن عربي نفسه كما جمعها مُلحق تعريفات الجرجاني، فضلاً عن المعجم الصوفي الضخم للدكتورة سعاد الحكيم والخاص باصطلاحات ابن عربي (الحكمة في حدود الكلمة). هذا فضلاً عن إشارات بعض الباحثين الغربيين إلى مكانة اللغة الإشارية في تصوف ابن عربي

)Abhayananda (s): History of Mysticism the unchanging Testament p,269(.

كل هذا وغيره الكثير، يؤكد مغايرة اللغة الصوفية عن سواها، وعليه تصبح لغة تفترق تماماً عن لغة الظاهر التقليدية المشحونة بالأعراف والمصطلحات، الميتة فيما تعبّر عنه أو تشير إليه؛ لأنها لغة خارجة عن نكرة لا عن معرفة. أمّا لغة رجال الله فهى منازلة روحيّة بامتياز.

ولم تكن لغة صادرة عن كدّ الذهن في المقروء والمكتوب بل عن علوم تخرج من قلوب العارفين بسطوات الإدراك، ليس للأفكار فيها حظ ولا نصيب بل حظها أنها علوم صفاء بالأذكار. ولذا كان "النفري" يصوّر كل هذا، بمشهد من الحق وكأن الحق يقول لقلوب العارفين : " أنصتوا، وأصمتوا، لا لتعرفوا، وإنْ ادّعيتم الوصول إليّ؛ فأنتم في حجابٍ بدعواكم، ووزن معرفتكم كوزن ندمكم، فإنّ عيونكم ترى المواقيت، وقلوبكم ترى الأبد، فإن لم تستطيعوا أن تكونوا من وراء الأقدار فكونوا من وراء الأفكار".

 (وللحديث بقيّة)

 

د. مجدي إبراهيم

 

عامر عبدزيد الوائليملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على اثني عشرة لوحا طينيا اكتشفت لأول مرة عام 1853 م في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق ويحتفظ بالألواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني. الألواح مكتوبة باللغة الأكادية ويحمل في نهايته توقيعا لشخص اسمه شين ئيقي ئونيني الذي يرى بعض الدارسين أنه كاتب الملحمة التي يعدها بعض آخر أقدم قصة كتبها الإنسان.

سيعتقد أن النسخة الأكادية من الملحمة التي تم العثور عليها مستندة على نسخة سومرية يرجع تاريخها إلى 2100 سنة قبل الميلاد. بعد سنوات من اكتشاف الألوح للاحد عشر تم العثور على لوحة أخرى يعدها بعضهم تكملة للملحمة وبعض الآخر يعده عملا مستقلا وقصة أخرى؛ لأنه كتب بأسلوب اخر وفيه لايزال أنكيدو على قيد الحياة. تم ترجمة الملحمة لأول مرة إلى الإنكليزية في سنوات تلت عام 1870 من قبل جورج سميث الذي كان عالم آثار متخصص في المرحلة الأشورية في التاريخ القديم والذي توفي عام 1876.

قد كتب عن هذه الملحمة دراسات لا تعد ولا تحصى، وأُشبعت نقداً وتمحيصاً ومعالجة، ومع ذلك مازلنا نتابع بين الحين والآخر دراسات جديدة عنها، ونقرأ روايات وقصص ومعالجات إبداعية مستمدة من وحيها، وأعتقد أن السّر في هذا الاهتمام والإعجاب يعود إلى أن هذه الملحمة مازالت متلفَّعة بغطاء الخيال، ومعتمرة طاقية الأسطورة، وتشخّص واقع الإنسان ومشكلاته الأبدية، التي يتمحور حولها السؤال الأزلي: ما الغاية من الحياة؟! ولماذا نموت بعد أن جئنا إلى ساحة الحياة ومشينا في دروبها؟! وهذه الأسئلة لا إجابة قاطعة عنها.. الأدب الحقيقي هو الذي يعالج ما يعجز عنه العلم، ويواجه أزمات الإنسان النفسية، ويداوي آلامه، ويضيء آماله.. من هنا يمكننا أن نعرف سر هذا الاهتمام العالمي بملحمة جلجامش التي تحلّق بنا في فضاءات بعيدة عن الواقع المأساوي، إلى عالم مثالي زاخر بالخير والحق والجمال...

لقد مزجت هذه الملحمة الحقيقي بالأسطوري، والواقع بالخيال، وكانت واقعيتها مزخرفة بالحكمة، وخيالها متسربل بالرمزية.. هي واقعية من حيث تناول الإنسان حياة وموتاً، وهي رمزية لأن أحداثها المفرطة ذات دلالات عميقة، وأسطورتها ذات مرامٍ بعيدة.

بداية الملحمة

تبدأ الملحمة بالحديث عن جلجامش ملك أورك - الوركاء الذي كانت والدته إلهاً خالداً ووالده بشرا فانياً ولهذا قيل بأن ثلثيه إله والثلث الباقي بشر. وبسبب الجزء الفاني منه يبدأ بإدراك حقيقة أنه لن يكون خالدا. تجعل الملحمة جلجامش ملكا غير محبوب من قبل سكان أورك؛ حيث تنسب له ممارسات سيئة منها ممارسة تسخير الناس في بناء سور ضخم حول أورك العظيمة.

ابتهل سكان أورك للآلهة بأن تجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل وحي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات؛ أي أنه كان على النقيض تماما من شخصية جلجامش. ويرى بعض المحللين أن هناك رموزا إلى الصراع بين المدنية وحياة المدن الذي بدأ السومريون بالتعود عليه تدريجيا بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في شخصية أنكيدو.

لا يعرف الناس ولا البلدان، عليه ثياب كسوموكان

يرد الماء مع الحيوان

رآه الصياد فامتقع وجهه هلعا

كان خائفا مشلولا ساكن الحركة

في قلبه اضطراب وعلى محياه اكتئاب

وقد سكن الروع افقه

فوجهه كمن مضى في سفر طويل

 

كان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة الصيادين الذين كانوا يقتاتون على الصيد، فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش؛ فأمر إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو ليمارس الجنس معها؛ وبهذا تبتعد الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروضا ومدنيا. حالف النجاح خطة الملك جلجامش، وبدأت خادمة المعبد -وكان اسمها شمخات، وتعمل خادمة في معبد الآلهة عشتار - بتعليم أنكيدو الحياة المدنية؛ ككيفية الأكل واللبس وشرب النبيذ، ثم تبدأ بإخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل بالعروسات قبل أن يدخل بهن أزواجهن. ولما عرف أنكيدو بهذا قرر أن يتحدى جلجامش في مصارعة ليجبره على ترك تلك العادة. يتصارع الاثنان بشراسة؛ فهما متقاربان في القوة، ولكن الغلبة في النهاية كانت لجلجامش، حيث اعترف أنكيدو بقوة جلجامش، وبعد هذه الحادثة يصبح الإثنان صديقين حميمين.

الرحلة الاولى

هدفها البحث عن المجد والشهرة، أي مقاربة في السياسة والتاريخ  يتم خلالها التطرق إلى اسرار الكون والآلهة والعوالم المتخيله التي تمثل الثروة والسلطة وحاجات اوروك إلى القوة والمجد والثروة حيث الغابات والثروة الطبيعية (غابة من أشجار الأرز) التي ممكن تزود اوروك بحاجاتها، لأن العام القديم عالم تحيط به عوالم السحر والأسطورة نجد أن الغابة يحرسها وحش هو خومبابا، فيقتله وينال الشهرة . يبدو أن هذه الرحله التي تتعلق بمصالح المدينة نالت موافقة من قبل أهل اوروك ممثلين هنا "مجلس الشيوخ " في اورك يجتمع للنظر في سفر جلجامش وانكيدو إلى غابة الأرز.

في الساحة العامة اجتمع الشيوخ

أنت شاب، والشباب كثير الحماسة

أنت طموح وطموحك ذهب بك بعيدا

سمعنا بان خمبابا لا كسائر الخلائق

أسلحته ثقيلة لا تقهر

لخمبابا زئير كهدير الطوفان

النار تنبعث من فمه، يتنفس موتا

لا احد يجرؤ على الوقوف في وجهه (ملحمة جلجامش)

وهذه الرحلة تسردها الملحمة إذ تبين أن جلجامش يحاول دائما القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالدا؛ فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز؛ فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة، وهو مخلوق ضخم وقبيح اسمه خومبابا. ومن الجدير بالذكر أن غابة الأرز كانت المكان الذي تعيش فيه الآلهة ويعتقد أن المكان المقصود هو غابات أرز لبنان.

فالصراع في ( غابة الأرز)، يبدأ جلجامش وأنكيدو رحلتهما نحو غابات أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة شمش إله الشمس الذي كان أيضا إله الحكمة عند البابليين والسومريين وهو نفس الإله الذي نشاهده في مسلة حمورابي المشهورة وهو يناول الشرائع إلى الملك حمورابي وأثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من الكوابيس والأحلام لكن أنكيدو الذي كان في قرارة نفسه متخوفا من فكرة قتل حارس الغابة يطمأن جلجامش بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر والغلبة.

عند وصولهما الغابة يبدآن بقطع أشجارها فيقترب منهما حارس الغابة خومبابا ويبدأ قتال عنيف ولكن الغلبة تكون لجلجامش وأنكيدو حيث يقع خومبابا على الأرض ويبدأ بالتوسل منهما كي لا يقتلاه ولكن توسله لم يكن مجديا حيث أجهز الاثنان على خومبابا وأردياه قتيلا. أثار قتل حارس الغابة غضب إلهة الماء أنليل حيث كانت أنليل هي الإلهة التي أناطت مسؤولية حراسة الغابة لبخومبابا.

بعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعد وحشا مخيفا يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرته الآفاق فتحاول الإلهة عشتار التقرب منه بغرض الزواج من جلجامش ولكن جلجامش يرفض العرض فتشعر عشتار بالإهانة وتغضب غضبا شديدا فتطلب من والدها آنو، إله السماء، أن ينتقم لكبريائها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء لكن أنكيدو يتمكن من الإمساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه وقتله.

بعد الحديث عن المقدسين، تنقلنا الملحمة صعودا نحو الأعلى، إلى حديث آخر أكثر جرأة وحساسية، عن الكائنات التي يجب الحديث عنها ـ بشكل دائم ـ بكل إجلال واحترام، لقد كان وما زال تناول المسائل الدينية يحمل الحفيظة والحساسية للجميع، والتطرق إليها بالنقد والتجريح يولد النفور وربما العداء، إلا أن جلجامش لا يعرف حدودا للمحرمات، وكل من يخطيء يجب محاسبته، ومواجهته بكل جرأة، وان لا نترك هذا الخاطيء يمر مرور الكرام، واقفين ساكنين أمام أخطائه وزلاته، حتى لو كانوا من الالهة، وها هو جلجامش يقابل الربة عشتار بالتجريح والشتائم والضرب، لأنها حاولت الإيقاع بالإنسان لأهوائها ورغباتها:

تعال يا جلجامش وكن عريس

هبني ثمارك هدية

كن زوجا لي وأنا زوجا لك

سأمر لك بعربة من ألازورد، وذهب

عجلاتها من ذهب وقرونها من كهرمان

تشد إليها عفاريت العاصفة بغلا عظيمة

وملفوفا بشذى الأرز بيتا

قبلت المنصة قدميك والعتبة

وانحنى لك الملوك والحكام والأمراء

يضعون غلة السهل والجبل أمامك، تقدمة

ستحمل عنزاتك توائم ثلاثة، ونعاجك مثنى

سيبز حمارك أثقال البغال

وخيولك تطبق الآفاق شهرة جريها

أما ثيرانك فلن يكون لها تحت النير نظير

بعد مقتل الثور المقدس يعقد الآلهة اجتماعا للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما مخلوقا مقدسا فيقرر الآلهة على قتل أنكيدو لأنه كان من البشر أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته التي كانت إلهة فيبدأ المرض المنزل من الآلهة بإصابة أنكيدو الصديق الحميم لجلجامش فيموت بعد فترة.

رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود

بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم حيث لا يريد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه وينطلق شاردا في البرية خارج أورك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات. حول هذه الفكرة يقول الدكتور علي القاسمي: "جَزَعُ جلجامش بعد موت صديقه الحميم أنكيدو، هو شعور ينتاب كل إنسان لدى فقدان عزيز عليه.. أما إطاحة جلجامش للأسوار الحصينة، ونزاله مع الثور السماوي الهائج، وصراعه مع الجنّي «خمبابا» الذي اعترض طريقه في غابة الأرز، إنمّا ترمز إلى هدم الإنسان للحواجز التي تعيق تواصله مع أخيه الإنسان، وإلى الصراع بين الخير والشر."

فضلاً من حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفا من حقيقة أنه لابد من أن يموت يوما ؛ لأنه بشر والبشر فانٍ ولا خلود إلا للآلهة.

بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبدية. لكي يجد جلجامش سر الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم والذي يعتبره بعض الدارسين مشابها جدا أن لم يكن مطابقا لشخصية النبي نوح  (ع) في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام. وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الآلهات واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش التي تتلخص بأن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود وأن عليه أن يشبع بطنه بأحسن المأكولات ويلبس أحسن الثياب ويحاول أن يكون سعيدا بما يملك لكن جلجامش كان مصرا على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سر الخلود فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى الطَوَّافٌ أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود.

الرحلة الثانية

هدفها البحث عن الخلود أي مقاربة في اللاهوت يتم خلالها التطرق الى اسرار الكون والآلهة والعوالم المتخيله في دلمو حيث أرض الخلود أو العالم السفلي زار انكيدو الثاني عبر الحلم ويزور جلجامش عبر الرحلة دلمو ويلتقي بالخالد صاحب الاسرار اوتنابشتم شبيه بشخصية الخضر في التراث الاسلامي أو نوح في الممونة التوراتية.

بداية الدرب الذي سار فيه جلجامش وعر وصعب، ويتطلب جهدا مضاعفا لاجتيازه، ومع هذا استطاع أن يقطع جزءا لا بأس به من هذا الدرب، على الرغم من وجود الجبال الشاهقة وما يتبعها من وديان سحيقة، استطاع تجاوزها والاستمرار في دربه، لكن لم تقتصر الصعوبات على طبيعة الطريق وحسب بل كان هناك عوائق أخرى تتمثل بوجود الأسود المنتشرة في الطريق، فيشعر بالخوف ـ وهنا إشارة إلى إنسانية جلجامش، وأيضا على الوحدة التي يعيشها , إلا أنه يتخلص من خوفه ويقضي عليه ويستمر في مسيره إلى أن يصل إلى جبل ماشو، وهذه الجبال عظيمة ليست كباقي الجبال، فهي التي تحجب الشمس في غروبها وشروقها عن العالم ـ وهنا يعطينا النص الملحمي فكرة الشروق والغروب التي كانت سائدة في العصور الرافدية القديمة ـ

عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة وقصة الطوفان هنا شبيهة جدا بقصة طوفان نوح، وقد نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط وقررت الآلهة منحهم الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالدا، إذا تمكن جلجامش من البقاء متيقظا دون أن يغلبه النوم لمدة 6 أيام و7 ليالي فإنه سيصل إلى الحياة الأبدية ولكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار إلا أنه ظل يلح على أوتنابشتم وزوجته في إيجاد طريقة أخرى له كي يحصل على الخلود. تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود، يغوص جلجامش في أعماق البحر في أرض الخلود دلمون (البحرين حاليا) ويتمكن من اقتلاع العشب السحري.

قال جلجامش له اوتنبشتم

ها أنذا جئت له لاوتنبشتم

الذي يلقبونه بالبعيد

طفت جميع البراري والقفار

اجتزت الجبال الشاهقة

عبرت جميع البحار

لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء

قتلت الدب والضبع والأسد والنمر

والأيل والوعل وجميع حيوان البر

أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا

وقد كان كلام جلجامش يعكس موقف لاهوتي يبين موقف الانسان من قرار الآلهة بموت الإنسان وخلودها، إذ يبين موقف رافض إنساني عبر عنه جلجامش بكلمات (جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعية لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكررة "شكلك عادي واراك مثلي" لتوحي لنا بان اوتنابشتم أصيب بالاندهاش من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد).

عودة جلجامش إلى أورك

بعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي يعيد نضارة الشباب يقرر أن يأخذه إلى أورك ليجربه هناك على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته فرجع جلجامش إلى أورك خالي اليدين وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أورك فيفكر في قرارة نفسه أن عملا ضخما كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلد اسمه. في النهاية تتحدث الملحمة عن موت جلجامش وحزن أورك على وفاته.

 

د. عامر عبد زيد

رئيس مركز دراسات الفكر النقدي

 

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

حينما يبدأ الحديث عن مفهوم الخلود الأنساني كما قدمته الشريعة الإسلامية فإن لنا وقفة مليئة بالفخر والأعتزاز نبدأها بحقيقة ثابتة وهي أنّ الأديان السماويّة بأجمعها إنّما شُرّعت من أجل تنقية النفوس وتطهيرها من كل دَرَن، وتخليص العقول من عبادة الطاغوت لكي تُحلّق نحو خالق الكون مؤمنة بعظمته وتدبيره، مُعترفة بوحدانيّته، شاكرة لأنعُمه مسلّمة بقضاءه سالكة صراطة.

الخلود في الشريعة الأسلامية منشأه إعادة الأعتبار لأنسانية الأنسان من خلال دعوته لفهم وتحليل الحقائق وإدراكها بعمق، وحثّه على استنهاض قواه الفكريّة واستخدام الثروة المعرفية الكامنة في أعماق ذاته والأبتعاد عن الجمود المُتحجّر والأنزلاق نحو حضيض الشهوات الحيوانية وهوى النفس الميتة، وأنّ التسامي هو المنفذ الوحيد  ليحلّق من خلاله خارج التناقض الحاصل بين محدوديّة الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني.

إنّ الطريق الذي رسمه الأسلام لنيل الخلود الأنساني أساسه التقدم الروحي، الذي يعتمد هو الآخر على توثيق العلاقة بينه وبين إدراك الحقائق المحيطة به في عالم الوجود، وأنّ أساس هذه العلاقة هي الفكر والمعرفة المُوجِدَة والمُعمِّقة للأرتباط بالذّات الإلهية.

من هنا لابُدّ لنا أولاً ومن أجل فَهمٍ مُعمّق لحقيقة الخُلود أنْ ندرك ماهيّة النفس الإنسانية ونوع الأرتباط بين العقل والجسد أو الروح والبدن، فنقول انّ قضية الخلود الأنساني هي قضية ميتافيزيقية لكنها في صميم المُعتقد الديني، وأنّ الفكر المفاهيمي والمَعرفة المُوجدة لعالم الخُلود الأنساني لا يمكن أنْ تتحقق إلّا بإدراك القِيَم الأخلاقية النابعة من منظومة الدين الأسلامي الذي أخرج الميول الأنسانية نحو الخلود من المنظور الميتافيزيقي الى حقيقة ادراكه من خلال عَقلَنة الأخلاق الأنسانية في عالم الوجود الدنيوي مع إرادةٍ وتصميم في استخدام الطاقات الكامنة في الذّات  من أجل بلوغ أعلى مراتب الكمال الأخلاقي مُستنداً على الوعي المفاهيمي، مع إرادة وتصميم في المضي والمواصلة.

إنّ الأنسجام التام بين إدراك الكمال الأخلاقي مع تمام الأرادة والتصميم في الاستمرار والمضي هي من أعلى مراتب الكمال الأنساني، وهو ذات الانسان الذي وصفه الله تعالى بخليفة الله في الأرض، وهو الطريق الأمثل للخلود الأنساني، ذلك الخلود الذي لا يَبلغه إلاّ القلائل. وكلما كانت مدارج الكمال أسمى كلما كان السير نحو معالم الخلود الأخروي أعمق.

لقد رَسَمت الشريعة الأسلامية مسارها وقدّمت الخلود بطريقة وضعت من خلالها البعد المادي والمعنوي للأنسان، وحثّته على المسار الأمثل تحقيقاً لنيل الخلود والأبدية، فكانت قِيَم التضحية والعطاء والفداء من أهم صفات الكمال الأخلاقي ومصداقاً للقاعدة الفكريّة والفلسفيّة المُوصلة لنيل الخلود الأنساني.

ولأنّ الخُلود السماوي ليس كالخلود الأرضي، فكراً ومضموناً ونتيجة، فالخلود السماوي أو الأُخروي يشترك في إحرازه الجسد والروح معا، فهو يَستعين بالجسد لنيل الخُلود الأبدي، وأمّا الخلود الأرضي فهو مادي هدفه الأول إبقاء ذكراه خالدة عبر التأريخ، لذلك نرى قِيَم التضحية والعَطاء غائبة في هذا النوع. ولأنّ الخلود هو مشروع إلهي لذلك نرى له تجليات وانعكاسات مادية أيضاً، فهو وإن كان سماوياً لكنه لا يلغي الخلود الدنوي، بل إنّ انعكاسه الدنيويّ يُمثّل نبراساً وعلماً يرسم للبشرية طريق الخلود بمعايير ربانيّة سماويّة.

ولأن القوانين والشرائع الدينية هي المُلهم الأكبر والطريق الأقصر لأدراك الكمال الأخلاقي، لذلك فلا قيمة للخلود الأنساني بعيدا عن البناء الأخلاقي والذي ينطلق من بُعدٍ رسالي ومدرسة إلهية تُربّى الأنسان وتُعمّق فيه الاستعداد للمواصلة بإصرار وثبات.

انّ العطاء الذي مَنبعُه الكمال الأخلاقي هو عطاء حيّ، بل وباعث للحياة، فهو عطاء مُتجدّد، تراه منسجماً مع البعد الكينوني والفلسفي لحقيقة الزمان، سواء كان الزمان داخل الذات الأنسانية او خارجها، يسير بحركة أرسطوية دائرية أو انشتانية لامتناهية باتجاه واحد.

العطاء هو الجوهر الأرسطويّ النّابع من الكمال الأخلاقي يُحمَل على الزمان الأرسطويّ ذو النّقلات المتعددة.

وهو الوقائع المبنيّة على الذرية المنطقيّة للفيلسوف رُسُل، ولأنّها تبعث على الحياة فهي تنتقل عِبر الأزمنة وفقاً للجزئيّة المنطقية.

وأياً كانت الرؤى والنظريات الفلسفية،  فالحقيقة الثابتة أنّ هذا العطاء قد اخترق غطاء الزمان لأنّه عطاء حي، ينبع بالحياة، متجدد، مستمر، سرمدي،  ماض نحو اللامتناهي، فكلّما حلّ بزمان او مكان بعث فيهما الحياة، وتجدد لينطلق مرة اخرى في سفر دائم لا ينقطع،  إنه سفر الخلود، سماوياً كان أم دنيويا.

والحمد لله رب العالمين

 

د. أكرم جلال

 

محمد العباسيقال تعالى "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" (سورة الكهف).

هل من المعقول أو المقبول أننا وبعد ألف وأربعمائة سنة من نزول القرآن ونحن لم نزل نجادل في معاني كل كلمات كتاب الله ومقاصدها وحقيقتها ومغازيها؟  أفلم ينزل القرآن بلغة من أنزل الله وحيه بينهم؟  أم أننا اليوم قد ابتعدنا عن اللغة العربية الحقة وتغلبت عليها اللغات الدارجة والمحلية الممزوجة بخليط من المصطلحات المستوردة فأضعنا الطريق واختلطت علينا المفاهيم؟  يبدو جلياً أننا اليوم عندما نقرأ تفاسير القرآن فإننا لم نعد نقرأ كلام الله، بل نقرأ آراء المفسرين وهي رهن بالمستوى المعرفي لكا مفسِّر ومدى رجاحة عقله، وهي أمور قد لا تسمح باقتناص المعاني الحقيقية والصحيحة للقرآن.. حتى بات من الواضح أننا لم نعد نعي اللغة العربية ذاتها ونفتقر لأبجديات لغة القرآن وصار حال أصحاب اللسان العربي من حال الأعاجم.. وإن كان البعض سيجادلني بأن أشهر علماء وفطاحل اللغة العربية في التاريخ هم أصلاً من الأعاجم!!

ربما شغفت في السنوات الأخيرة بمتابعة المفكر "د. محمد شحرور" الذي توفاه الله منذ فترة قريبة، حيث كان شغله الشاغل إعادة النظر في الجوانب اللغوية عبر كتاباته عن القرآن والإسلام بالذات بعد عودته من موسكو، وحتى اتهمه البعض باعتناقه للفكر الماركسي (رغم نفي جميع مؤلفاته لذلك).. ففي سنة1990  أصدر كتاب "الكتاب والقرآن" الذي حاول فيه تطبيق بعض الأساليب اللغوية الجديدة في محاولة لإيجاد تفسير جديد للقرآن مما أثار لغطا شديداً استمر لسنوات وصدرت العديد من الكتب لنقاش الأفكار الواردة في كتابه ومحاولة دحضها أو تأييدها.. هذا وقد كسب "د. محمد شحرور" العديد من المؤيدين والمعارضين لأفكاره في العديد من البلدان، ولقد وجدت شخصياً في أقواله وتفسيراته وتحليلاته المرتبطة أو النابعة من النظرة اللغوية لجمل وآيات القرآن الكثير من المنطق من باب كوني متخصصاً في علوم دراسة اللغات.

فهل أضاع الناس الطريق والتبست عليهم مفاهيم اللغة العربية التي نزلت به القرآن الكريم على نبينا محمد (ص) حتى بدأ كل مفسر يدلو بدلو مختلف ويفتي في الدين ويتبعه من يتبعه من الناس إيماناً بعلمهم ولو من منطلق (العهدة على الراوي)؟   فلكم أن تتصورا كم المغالطات التي أخذنا بها منذ عهد الأولين وتمادينا فيها عبر السنوات ومارسناها ومشينا عليها مع من مارسوها من بعدهم، ومن ثم سايرنا من فسروها بنحو مختلف من تابعيهم ومخالفيهم، ولم نزل جيلاً بعد جيل، نتابع ونجيز أقوال المفسرين الجدد.. فقط لنكتشف كم الممارسات والمفاهيم الخاطئة أو المنقوصة التي تربينا عليها حتى عصرنا الحاضر.

لكم أيضاً أن تتخيلوا كم المعلومات التي تتعلق بأمور حياتنا وعقيدتنا وشرائعنا في قضايا تتعلق بالميراث والمحرمات والمنهيات والعلاقات الاجتماعية والربا والأحكام والشعائر والممارسات والحجاب والكثير من الشؤون التي ربما تعاطينا معها عبر قرون من الزمن بجهل منا وممن اتبعناهم من مفسرين وشيوخ ومفتين في الدين، بسبب بسيط يكمن في ضعف علمنا بقواعد اللغة العربية العظيمة التي أنزل الله بها آخر الكتب السماوية لتكون منهاجاً للعالمين.

لننظر معاً في أمثلة بسيطة لبعض مفاهيمنا التي أمضينا سنيناً نمارسها ولا نعي بالضرورة معانيها الحقيقية.. وسأبدأ هنا بقضية بسيطة ولكم أن تتصوروا أو تتذكروا مجمل الحالات الأخرى التي لابد وأنكم كثيراً ما شاغبت أذهانكم لغياب المنطق فيها، ولكن منعتنا الغيرة على الدين من السؤال أو التشكك في تفاسير المفسرين.. "الضرب".. هل القرآن يأمر بضرب النساء؟  هذا الشأن بالذات سمعنا فيه لغطاً وتفاسير وشروح.. فكثير من "المتشددين" الجدد يستفيضون في شرح أصول ضرب النساء عند أول مؤشر لنشازهن، وهم يؤكدون بأن "الضرب" هنا يعني نوع من العقاب الجسدي، كالصفع أو اللطم أو حتى بالعصا إن تطلب الأمر.. بل والبعض يشرح الفرق بين الضرب براحة اليد أو ظهرها، وهل يكون الضرب على الوجه أم بعض مناطق الجسد الأخرى كالكتف أو الظهر أو الذراع أو المؤخرة.. وإن استوجب الأمر استخدام العصا فيشرح غلاظة وسُمك وطول العصا ويبين أن الضرب لا يجب أن يترك أثراً على جسد الزوجة.. ويطول الشرح في طرح كافة القصص والأمثلة، ومختصر الكلام هو عن كم الزوجات اللاتي تم تعنيفهن عبر التاريخ بشتى الطرق، بناءً على تفسير واحد فقط لمعنى كلمة "ضرب"؟

أ.د. عبدالعزيز بايندر (موقع: حبل الله) يشرح الآية المعنية بهذا الموضوع بالتفصيل التالي: في الآية 34 من سورة النساء ورد ثلاثة أوامر ونهي واحد بشكل متتالٍ كما يلي: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً).. ضرب المرأة هل يعني إيذاؤها جسديا باللطم وغيره؟ أم إبقاؤها في مكانها أي عدم إخراجها من بيتها؟  لنفهم هذا جيدا تعالوا لنرى الآيات المتعلقة بالموضوع قسماً قسماً:

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ)

لأن النشوز هنا هو "قرار الافتراق" فما يجب على الزوج الذي يخاف من نشوز زوجته هو أن يتحدث إليها. لهذا كان الأمر الأول هو:

"فعظوهن"

أي قولوا لهن قولا حسنا.  والوعظ: هو التوجه بالأقوال الحسنة بهدف توجيه سلوك المقابل نحو الأحسن وذلك في مواضيع تسبب له الإزعاج القلبي.  الرجل يحاول إقناع زوجته الراغبة بالافتراق عنه بالكلام الجميل.

إذا أصرت المرأة على قرارها بالانفصال، فعلى الزوج أن يمتنع عن مجامعتها مع إظهار احترامه لقرارها.  والأمر الثاني في الآية متعلق بذلك.

"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ"

هجر الزوج لفراش زوجته يوفر إمكانية أن تراجع قرارها كما يمنع إمكانية حملها في الوقت الذي ترغب فيه الافتراق عن زوجها.  في هذه المدة لا يمكن للزوج إخراجها من البيت، والأمر بـ"الضرب" متعلق بهذا.

"وَاضْرِبُوهُنَّ"

ولأن الضرب يأتي بمعنى وضع الشيء على الشيء وتثبيته عليه، فالكلمة هنا لا بد أن يُعطى لها معنى إبقاء الرجل امرأته في بيتها وذلك بعد هجره لفراشها.  لأنه لا يتحقق تخلي المرأة عن حقها في استخدام صلاحيتها في الافتراق إلا بإرادتها الحرة.  يشير إلى هذا القسمُ التالي من الآية:

"فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً"

الطاعة في العربية تعني: قبول شيء من القلب وتنفيذه، وضدها الإكراه، وفعل شيء نتيجة الضرب (بمعنى الإيذاء الجسدي) يعني القيام به تحت الإكراه. وقوله تعالى "فإن أطعنكم"  بعد قوله  "واضربوهن"  يمنع إمكانية إعطاء الضرب معنى الإيذاء الجسدي.  والمعنى الوحيد الذي يمكن أن يعطى لهذه الكلمة هو عدم إخراج المرأة التي تريد الافتراق (الناشز) من بيتها قبل البتِّ في قضيتها.

 

ونجد أن محدودية تفسيرنا لكلمة واحدة (الضرب) بمعنى واحد محدد ليس له تأثير على بعض ممارساتنا فقط، بل سيفسد علينا نجاعة شرح وفهم العديد من الآيات التي تحتوي على هذه الكلمة.. وقد تكررت الكلمة 58 مرة في القرآن، وكلها متشابهة في اللفظ فقط لكنها تختلف في المعنى حسب الجملة.. وأنصح هنا لمن أراد الاستزادة، البحث في الكتب أو المواقع الإلكترونية.

ولنأخذ هنا كلمة "رجل" أو "رجالا"..  وهي لا تعني بالضرورة الأشخاص الذكور كما قد نفهمها في جل أحاديثنا، بل في غالب آيات القرآن تعني من يمشون أو يقفون على أرجلهم.. ويشرح الأستاذ "نورالدين الغزالي" معاني الرجولة في القرآن في موقع (جماعة العدل والإحسان) بأن كلمة "رجل" في اللسان العربي ترجع إلى معنى "الترجل" أي أن يمشي الشخص على قدميه دونما استعانة بآلة ما "الدابة أو السيارة أو غير ذلك”".  وهذا يعني الاعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة والهدف المقصود.. ويشرح لنا كيف تحدد لنا اللغة العربية مفهوم الرجولة في حقيقة واحدة هي: الاعتماد على النفس في الحركة وتحقيق المراد والوصول إلى الهدف المرجو، وهو ما يعني قوة الشخصية ومضاء العزيمة ووضوح الرؤية والهدف في فكر صاحبها.

أما في غالب المواقع التي يقصد فيها القرآن بكلمة الرجل المعني المتعارف بيننا كونها تعني الشخص الذكر وليس الأنثى، فنجد أن كلتا الكلمتان تأتيان في ذات الجملة (الرجال والنساء).. فمثلاً، حين يكون القصد هو الجنس الذكر المقابل لجنس الأنثى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً".

هذا بعض من حالنا نحن العرب مع لغتنا القرآنية العربية.. فماذا نفول في شأن غبر العرب؟  ماذا نقول عن كافة المسلمين ممن لا يجيدون اللغة العربية أصلاً، ورغم حفظهم للقرآن وتمكنهم من قرأته بشكل رائع أحياناً لا يفقهون من كلمات الله إلا النزر اليسير؟ وقد قابلت أسرة ماليزية رُزقت ابنتهم بتوأم ذكور، وأسمتهما "فضلو" و"فضلي"، من أصل كلمة "فضلُ" بالضمة و"فضلِ" بالكسرة، على أساس أنهما كلمتان مختلفان.. وفي حالة أخرى تكاد تكون مشابهة، فقد رُزق شخص إندونيسي بطفلة وجاءنا يبشرنا بفتاته التي أسماها "زانية"!! فناقشناه في سوء اختياره لهذا الاسم لما يحمل من معنى سيئ وغير مناسب.. لكن حجته كانت أنها كلمة من القرآن، لذا فهي لا بد وأن تكون كلمة طيبة!!  وفي شأن الأسماء التي يتخذها الكثير من أبناء الجاليات الهندية والآسيوية بشكل عام نجد تكرار الأسماء المركبة مثل "شمس الدين" أو "سيف الإسلام"، ولكنهم يكتبونها "شمسل دين" و"سيفل إسلام" ثم ينادونهم بالنصف الأول من الإسم "شمسول" وسيفول"، ولا يعلمون مدى الخطأ في هكذا أسماء.. بل ولدينا في البحرين عامل بنغلاديشي اسمه "مهين"، ولا بد أنه مأخوذ من الآية الكريمة "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ"!  وهذا فيض من غيض !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عصمت نصارإنّ الباحث في فلسفة الجنس، سوف يدرك أن اللذة الجنسية لم تشغل مكانًا رئيسًا في المثيولوجيات، والآداب الشعبية والقصص الرمزية، والمسائل الشرعية، والتربية والأخلاق فحسب. كما أنها لم تتحوَّل إلى أيدولوجيات لتوجيه الأفكار، وتشكيل بُنْيَة المذاهب والأحزاب والفِرَق والجماعات فقط، بل اجتازت ذلك كلَّه، وأضحتْ - في ميدان السياسة - من أهم الآليات المحرِّكة للآراء والقرارات، من جهة، ووسائل الترغيب والترهيب للحكام والعلماء والساسة من جهة أخرى.

أجل لقد اقتحم البغاء، وتجارة الرقيق الأبيض، والجواري في قصور الحكام والوزراء، وأصحاب الجاه والسلطان، ميدانَ السياسة بقَدْر جعل المؤرخين وفلاسفةَ التاريخ يدرجون الانغماسَ في عالم المتعة الجنسية من أسباب انحطاط الأمم، وتدنِّي الثقافات، بل وهزائم الجيوش.

وتعد المحافل الصهيونية من أشهر الاتجاهات والنزعات الحديثة استثمارًا للجنس في شئون السياسة والصراعات والحرب. تلك النزعة التي يردُّها بعض المؤرخين إلى "شاؤول بن قيش" - قبل عصر السبي البابلي - وهو أحد أحبار اليهود الذين يعدّهم المؤرخ "جولويس هابر" المؤسسين الحقيقين للعقيدة الصهيونية اليهودية.

أمّا الصهيونية باعتبارها حركة سياسية فقد ظهرت ارهاصاتُها الأولى عام 1770م في كتابات "آدم وايزهاوبت" الذي حاول الربط بين الفِكر الماسوني والفِكر الصهيوني، وقد تأسَّستْ على شكل منظَّمة في أخريات القرن التاسع عشر، وعقدتْ أولَ مؤتمر لها في سويسرا عام 1897م، ثم ظَهَرَ كِتَابُ بروتوكولات حكماء صهيون عام 1901م على يد "ماثيو جولوفينسكي"، ثم قام "تيودور هيرتزل" عام 1904م، بوَضْع الخطوط الرئيسة للأيدولوجية الصهيونية.

والذي يعنينا في هذا المقام هو بنية المعتقَد الصهيوني الذي يمكن تلخيصه في (أن بني إسرائيل هم شعب الله المختار، وأن اليهودية هي الديانة الحقَّة، وأن المؤمنين بها لهم حق في سيادة العالم وانتزاعه من المغتصبين بشتَّى الوسائل، وأن أسفار التوراة ونصوص التلمود هما المَعِينُ الذي تُكتَسَبُ منه الشرعية لكل الأفعال والوسائل التي تمكِّنهم من السيطرة على العالم بأسْرِه).

ولمَّا كان الصراع هو القَدَر المحتوم، الذي يجب على الصهاينة انتهاجه؛ لتحقيق أهدافهم، فقد وجدوا - في التشكيك في العقائد والديانات، وزعزعة الثوابت الثقافية للأمم، والعمل على نشر الفوضى في المجتمعات، وإثارة روح الحقد، والبغض والكراهية بين الحكام، والتشجيع على الحروب - سبيلا لتحقيق أهدافهم، واتَّخذوا من المال والجنس والعنف آلياتٍ للتطبيق.

أما الأفعى - التي اتَّخذوا منها رمزًا في معظم محافلهم وأدبياتهم - فترمز إلى القوة والدهاء، وكيف لا وهى التي تلبَّسها الشيطانُ فوسوستْ لحواء لتُخرِج آدمَ من الجنة - وفقًا لنصوص التوراة - وهى صورة المرأة القادرة دومًا على إغراء الرجل وإيقاعه في شباكها وإخضاعه لرغباتها، وهى القبضة التي تحيط بالكرة الأرضية لتتحكَّم في مصائر أممها وشعوبها.

ولعلّ الأساطير العبرانية هى التي جعلت المحافلَ الماسونية تتَّخِذ من اللذة الجنسية سلاحًا رادعًا للترغيب والترهيب في آن واحد، ومن قضايا المرأة أداةً للتشكيك في أصول المعتقدات، وبثِّ روح التعصب والجمود في المذاهب الدينية، وليس أدل على ذلك من الاتهامات التي وُجِّهتْ إلى مريم أم المسيح، ذلك فضلا عن القصص الملفَّقة التي نُسجت في التوراة حول سِيَر الأنبياء في أسفار صمويل الثاني، الملوك، التكوين، الأمثال، القضاة، أرميا، حزقيال، هوشع. وطعونهم في سيرة النبي الخاتم ونسائه ومعاملته معهن.

والجدير بالإشارة في هذا السياق، أن معظم دوائر الاستشراق الصهيونية قد حاولتْ ضَرْبَ الإسلام من الداخل، وكان الشباب من الجنسين هو المستهدَف الأول، وذلك عن طريق إفساد الأذواق (الموسيقى الصاخبة، الأفلام التي تجمع بين العنف والإباحية، الصور العارية، والموضات، والظواهر الماجنة) بالإضافة إلى اللعب على وتر الرغبة الجنسية، التي يعدّونها من أكثر الموضوعات والقضايا تأثيرًا في الثقافة الإسلامية المحافظة - كما أشرنا - فراوحوا يحرِّضون الشبابَ في كتاباتهم على التحرُّر من الموروث الأخلاقي والقيمي والعَقَدي، الذي يميِّز بين الجنسَين في الملبس والسلوك في كل الميادين بحجَّة أن الإنسان المتمدِّن هو الذي يقود رغباتِه دون سُلطةٍ تراثية، أو عاداتٍ وتقاليدَ مستمَدَّة من الأديان، والرَّبط بين الحرية والمِثْلية الجنسية في مؤتمرات حقوق الإنسان؛ فالرغبة الجنسية فِعل إرادي يجب أن يمارسه الإنسان تبعًا لميوله وذوقه واحتياجه، وقد أسَّسوا بذلك ما نُطلِق عليه الاتجاه العلماني أو الليبرالي أو اليساري أو الوجودي أو الفوضوي.

أما الاتجاه الراديكالي الإسلامي، فقد دفعوه إلى التشدُّد والتزمُّت والكبت؛ بحجة أن الرغبة الجنسية هى الأساس الضابط والموجِّه للأخلاق. وعليه يجب عزل المرأة عن المجتمع؛ باعتبارها باب الداء؛ ومعاداة الفكر الأوروبي؛ باعتباره نتاج ثقافة إباحية فاجرة، والنظر إلى الجنس باعتباره شهوة حيوانية، إذا ما تمكَّنتْ من الفرد؛ جعلته عبدًا لها، الأمر الذي انعكس على كتابات كل الحركات الدينية المحافِظة، تلك التي أخرجت موضوعَ الجنس من ميدان البحث والعِلم، وألقَتْ به في سلَّة المُدنَّس والحرام، أضِفْ إلى ذلك، أن معظم الآراء - التي يردِّدها الاتجاه المحافِظ عن المرأة - مستمَدَّة من التلمود، بدايةً من اتهامها بالحمق والغباء ونقصان الدين، وعجزها عن الولاية والقيادة، وأنها في كل صورها أدنى من الرجل، بل أقرب إلى الحيوانات منها إلى البشر، وأنها مصدر للشر والدَّنَس، وأن مَهمَّتَها هي إمتاع الرجل جنسيًا، ولاسيما صغيرات السن، وانتهاءً بإباحة التلمود الكثير من الممارسات الجنسية الشاذة بين الجنسَين.

وقد أكَّدَ معظمُ علماءِ النَّفْس والاجتماع والأنثربولوجيا، على أن غياب الثقافة الجنسية في المناهج التربوية والدينية والأخلاقية في المجتمعات العربية أدَّى إلى تفشِّي العديد من الاضطرابات النفسية، والسلوك الشاذ بين الجنسَين، والإدمان، وزِنَا المحارم. ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل تطوَّرت آلياتُ الترغيب في الإباحية، والترهيب من الجنس، وذلك عن طريق أفلام الجماع، حيث خداع الفيديولوجيا الذي أصاب معظم الشباب بالإحباط عند محاولاتهم محاكاتها؛ فقادهم ذلك إلى تعاطي المنشِّطات والمخدرات، كما رغّبت المراهقين في كل أشكال الشذوذ الجنسي، ناهيك عن الممارسات الجنسية التي تجري في المجتمع الافتراضي من خلال شبكة الإنترنت.

وقد نجحت دوائر الاستشراق الصهيوني، عن طريق تلك الثقافة، في تقسيم المجتمع العربي الإسلامي إلى فريقَين: إباحي ومتزمِّت، وجعلت الرغبة الجنسيةَ حجر الزاوية في كل قضايا المرأة على وجه الخصوص، ومن أشهر المستشرقين الصهاينة المعنيين بمقارنة الأديان، هو المستشرِق الأمريكي "صمويل زويمر" (12 أبريل 1867 - 2 أبريل 1952) الذي ذهب في محاضراته إلى أن الهدف الذي تسعى إليه دوائر الاستشراق التبشيري الصهيوني والسياسي، منذ القرن العاشر الميلادي، هو التعرُّف على الآلية الفاعلة المتحكِّمة في سلوك الشباب المسلِم، وذلك لإفساده من الداخل، وتمزيقه إلى جماعات واتجاهات وفِرَق، وقد أدرك معظم الباحثين أن أيسر السُّبُلِ لإفساد الشاب المسلِم؛ هو إضعاف الوازع الأخلاقي، عن طريق تشكيكه في الثوابت التي يؤمن بها، أو دَفْعِه إلى التعصُّب للمتغيِّرات الدينية، مثل الآراء الفقهية، والعادات الموروثة، والمرْويَّات الضعيفة، والدلالات الظنيَّة للنَّصِّ، كما أضافوا أن القضايا الجنسيةَ - التي تبدأ بالحكم على المرأة وحقوقها، ووصفها بأنها عِلَّةُ الرذيلة والشرور، وأنها ناقصة عقل ودين، وأنها لا تصلح سوى للجماع - تُعَدُّ من أكثر الموضوعات إثارة للمتحرِّرين والمتزمِّتين معًا.

وهذا المنْحَى أقرب لما جاء في الاجتماع الأول للمحافل الصهيونية، الذي أقيم في سويسرا برئاسة "هرتزل"، وتحدَّد فيه أن مَهمَّةَ المحافل الصهيونية هى تمزيقُ الأمم إلى جماعاتٍ ومذاهبَ وشِيَع، وأحزاب متطاحِنة، واتخاذ من الممارسات الجنسية - بشتى صورها، والمنافسات الرياضية (الألتراس) - آليات لذلك، وعلى الرغم من تحريم التوراة والتلمود للمِثْلية الجنسية، إلا أننا نجد المحافل الصهيونية في العصر الحديث تشجِّع كل دروب الشذوذ الجنسي، ويؤكِّد ذلك رئاسة "ماجنوس هيرشفيلد" (1868م ـ 1935) لأول جماعة علمانية للشواذ جنسيًا، وقد نجحت مثل هذه الجمعيات في نَشْر أفكارها، التي تجعل من الرغبة الجنسية جزءًا لا يتجزَّأ من حقوق الإنسان والحريات الشخصية، الأمر الذي أجبر الكثيرَ من الحكومات الأوروبية على الاعتراف بزواج المثليين جنسيًا، وإنشاء كنائس ومعابد يهودية خاصة بهم. وفي عام 1988م أصدر الكينست قانونًا (بعدم تحريم ولا معاقبة) (يحول دون معاقبة) الشواذ من الجنسَين، وفي عام 1991م عُقِدَ في إسرائيل مؤتمرُ الشواذ الثالث.

وتضيف الباحثة اليهودية "دانييلا رايخ"، أنّ المحافل الصهيونيةَ قد اتَّخذتْ - من البغاء والدعارة والممارسات الجنسية الطبيعية والشاذة - أدواتٍ لاجتذاب الأنصار تارة، وإخضاع الخصوم لأهدافها تارة ثانية، وإفساد المجتمعات الدينية تارة ثالثة، والتجسُّس والتلاعُب في الملفَّات السياسية والأمنية تارة رابعة، والترفيه عن الجنود الإسرائيليين في الميدان تارة خامسة، الأمر الذي يبرِّر جعْلَ إسرائيل تجنيد النساء إجباريًا في الجيش منذ عام 1956م، وجَلْب أكثر من أربع آلاف فتاة سنويًا إلى إسرائيل للعمل بالدعارة، حتى بلغ عدد الداعرات المعتمدات فيها نحو عشر آلاف فتاة، وإلحاق الفاتنات من اليهوديات بجهاز الموساد حتى بلغت نسبتهن 20% من عدد العاملين به.

وتشير الباحثة إلى أن هذه الممارساتِ قد اكتسبتْ غطائًاً دينيًاً شرعيًاً بمقتضَى فتوى الحاخام اليهودي المعاصر "آري شافاط"، الذي ذهب إلى أن هناك قصصًاً من التوراة تحدَّثتْ عن نساء أغوين مقاتلين من الأعداء للحصول على معلومات قيِّمة، ومن ثمَّ فممارسة الجنس مع الأعداء أو الإرهابيين مباحة، ما دام الهدف منها الإيقاع بهم والحفاظ على أمن إسرائيل.

وقد استشهد الحاخام بقصة مضاجعة الملكة "إستر" مع الملك "أحشواريش" للإيقاع به، وافتراش "ياعيل" لقائد الجيوش الغاصبة "سيسري"؛ لاستنزاف أمواله ثم قطْع رأسِه. ذلك بالإضافة إلى نصوص التلمود التي جاء فيها: إن ممارسةَ الجنس مع الأعداء للسيطرة عليهم واجبٌ لحماية المجتمع الإسرائيلي اليهودي.

وقد صرَّحت "تسيبي ليفني" وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة بأنها مارست الجنس مع بعض القادة الفلسطينيين؛ لتسيِّسَهم تبعًا لأهداف إسرائيل، وأكَّدتْ أنها لم تفعل ذلك إلا بعد مقابلتها للحاخام الأكبر، الذي بيَّن لها أن ما سوف تفعله حلال وواجب، مادام في خدمة إسرائيل وأن تصويرها أثناء الجِمَاع لا يُعَدُّ فُحشًا؛ بل سلاحا يسلَّط على رقبة أعداء دولتنا.

وقد عملت "عليزا ماجين" منذ تولّيها منصب نائب رئيس الموساد الإسرائيلي على إقامة دورات علمية متخصِّصة لتدريب مَنْ يرغبن - من المجنَّدات في العمل الإستخباراتي؛ ليسهلَ عليهن الإيقاع بالعلماء، ورجال السياسة، والقادة العسكريين وغيرهم من الشخصيات ذات التأثير في المجتمع الدولي، موضِّحة أن الدعارة، أو ممارسة الجنس بكل أشكاله للإيقاع بالشخصيات المستهدَفة، بالترغيب، أو بالتهديد بعد تسجيل ما يحدث في غُرف النوم، لم يعد كافيًا، بل يجب تنمية مهارات ورفع كفاءة الغانيات بدرجة تمكِّنهن من جلْب المعلومات، أو غسْل الدماغ، أو القتل إن لزَمَ الأمر.

ومن المؤسف أن هذا السلاحَ (أي الرغبة الجنسية) أضحى مستخدَمًاً في معظم أجهزة المخابرات العالمية، ونعتقد أن البنية السردية السابقة لتوظيف الصهيونية للرغبة الجنسية في السياسة والدين؛ سوف تُعِين القارئ على التثبُّت من أنَّ جُلَّ الاتجاهات الراديكالية المتعصِّبة، وكذا الفوضوية المتحرِّرة؛ ما هى إلا ظلال أو عرائس تتحرَّك بخيوط، يحرِّكها حكماء صهيون المعاصرون، ولا ينبغي لأحد أن يسْخَرَ، أو يتهكَّم من هذا التأويلِ؛ لأن الواقعَ خيرُ شاهِدٍ لمَن له أعيُن ترَى وعقل يعي.

وللحديث بقيّة عن دور الرغبة الجنسية في إنشاء الفرق والديانات والنزعات الحديثة.

 

بقلم د. عصمت نصار

 

بليغ حمدي اسماعيلإنَّهُم يَذهبون إلى التصوف طوعاً، هذه هي حقيقة من يبحث عن معرفة الحقيقة، أو من يتماثل لفعل الإنسانية ويريد الجمع بين المعرفة والحقيقة بغير غموض أو شبه التباس، ومن أسرار التصوف أن الذين يعمدون الوصول إلى معارجه لا يتجرعوا مرارة الإخفاق وتعثرات النفس التي تصاحب الفشل في الحياة الاجتماعية، بل هو اختيار قصدي لا يعرف للتصنيف سبيلاً، أو مثلما يعاني إنسان ما متاعب الحياة ويتحمل عثراتها فيلجأ مباشرة صوب الاحتماء بأستار الدين كتوجه ظاهري فقط، أما أولئك الذين ذهبوا للتصوف ليس كطوق نجاة فحسب من فتنة الدنيا وكدرها فإنهم لم يغادروا الدنيا بمشاعرهم نحو نصوص السلف القدماء من أجل اجترارها بل تيقنوا أن بتصوفهم هذا يؤكدون إرادة تحقق العقل وكماله . بل إن معظم أقطاب الصوفية اعتبروا عن جهد وروية أن الإرادة هي جوهر الإنسان نفسه، وبمقتضاها يستطيعون إثبات وجودهم وكنههم، بل إن بعضهم طرح فكرة أن الإرادة هي سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى لأنه مطلوبهم .

والصوفيون وهم يعلون الجانب الروحي ساروا في اتجاهين بغير اضطراب أو خلل؛ الأول اتجاه حب الحقيقة ليس كما أشار الفلاسفة اليونانيون بل فعل التحقق من الوجود، أما الاتجاه الثاني هو المعرفة في الوقت الذي ظن كثيرون أن التصوف وأهله مهمومون بالأقاصيص والحكايا والأساطير التي تكتفي بدغدغة المشاعر وتجنح نحو المشاعر فقط وتعمل على إثارة الجانب الوجداني لدى الإنسان . لذا كان بعض مهاجمي التصوف يشددون على جنوح بعض الصوفية ويركزون على قليل من شطحاتهم التي تنتفي مع الحال والمقام، وهذا ما دفع الكثير من الصوفية إلى تدعيم فكرة الإرادة التي تكبح جموح العاطفة المتأججة والتي تعلي من قدر الذوق وصولاً إلى الحدس والكشف .

وربما الاتهامات المتلاحقة التي نالت من التصوف بحجة أنه اتجاه روحي فحسب ولا علاقة له بالعقل أو فعل الإرادة، هي التي دفعت المتأخرين من مؤرخي حركة التصوف الإسلامي نحو إبراز دور الوعي والإدراك لدى متصوفة الإسلام، وأن كنه التصوف لا يتمثل في مساجلات تنظم شعراً أو مجرد أقوال مرهونة بمواقف محددة بل هو وعي شديد الحضور وضرب من ضروب النشاط العقلي والذهني، وإن جازت التسمية في بعض الأحايين بأنه ما فوق الإدراك وما وراء المعرفة . وإذا كان مؤرخو التصوف الإسلامي قد أسرفوا في جمع المواضعات الخاصة والمرتبطة بالمفهوم وركزوا غالباً على التجربة الروحية للمتصوفة معتمدين في ذلك على التعريف الأشهر للتصوف الذي قاله الصوفي الكبير بشر بن الحارث المعروف بالحافي بأن التصوف هو صفاء الأسرار ونقاء الآثار، فإن كثيرين أيضاً أكدوا على أن التجربة الروحية تلك متلازمة على الدوام مع العقل، بل إن بعضهم أجاز اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات .

وإذا كان التصوف يعد ثورة روحية في الإسلام تتضمن عدة جوانب روحية كالفناء والإشراق والوجد والتوكل على الله، فإنه لم يغفل إعمال العقل وتدبره عن طريق فهم تعاليم الإسلام والوعي التام به، وإدراك حث القرآن الكريم على التقوى، ولنا أن نفرق دوماً بين لغتي التصوف الإسلامي الواردة في كافة نصوص المتصوفة وهي لغة الظاهر ولغة الباطن وخير دليل على تلك اللغتين كتابي الفتوحات المكية وفصوص الحكم لابن عربي . بجانب منهج المحاسبي في التصوف الذي عني بالمنطق والتحليل، وسعة الإدراك بين الأسباب ومسبباتها في تطور الحياة الروحية، وكذلك تحليله لأسس العبادة، يقول:: أساس العبادة الورع وأساس الورع التقوى، وأساس التقوى محاسبة النفس، وأساس المحاسبة الخوف والرجاء، والخوف والرجاء يرجعان إلى العلم بالوعد والوعيد، وفهم الوعد والوعيد يرجع إلى تذكر الجزاء، وتذكر الجزاء يرجع إلى الفكر والاعتبار". ويشير الدكتور أبو العلا عفيفي إلى أن الإمام المحاسبي عرف بهذا اللقب نظراً لطريقته في إخضاع الأعمال والأفكار للنقد والاختبار لمعرفة مدى صدقها ومراعاتها لحقوق الله، وتقتضي هذه الطريقة البحث عن معقولية العلم، كما تتضمن البحث في ماهية الإيمان والمعرفة .

وإذا تحدثنا عن الجوانب العقلية في التراث الصوفي الإسلامي فإن الرمز يعد أحد هذه الجوانب الأكثر حضوراً في نصوص المتصوفة، بل إن الرمز يمثل أحد أبرز السمات المميزة للتصوف الإسلامي، ولطالما عبَّر الصوفيون عن أذواقهم وتجاربهم الروحية عن طريق التلميح دون التصريح، والإشارة دون ذكر العبارة، أو استخدام لغة مغايرة لما يستعمله العوام من مفردات كاشفة، وأحياناً كثيرة يلجأ الصوفي إلى استعمال اللغة الرمزية الأكثر خصوصية هرباً من الفهم الضيق وفقر التأوي الذي يعاني منه بعض متلقي النص الصوفي، وكانت مشكلة المتصوفة أن نصوصهم تتطلب قدراً عالياً من امتلاك اللغة ودلالة مفرداتها لدى المريدين والمتلقيين من ناحية، وامتلاكهم ذائقة تمكنهم من الإحساس بالنص وصاحبه من ناحية أخرى . وربما أصاب مؤرخو التصوف الإسلامي حينما أشاروا إلى أن استخدام الصوفي للغة الرمزية جاء مناسباً للتعبير عن المواجيد والأحوال والمقامات التي لا تناسبها لغة اعتيادية كاجذب والاصطلاء والمحبة والوجد المطلق والفناء، في نفس الوقت الذي أشاروا فيه إلى أن استعمال الرمز قُصِدَ به الإشارة إلى حقائق روحية، وهذه اللغة الرمزية قد نالت من الصوفيين كثيراً حتى ألصق ببعضهم تهم الزندقة والخروج عن الدين .

والجانب العقلي في التصوف لا يقتصر بالبدهي على عالم المحسوسات وهو الملمح الأكثر شيوعاً عند فلاسفة اليونان ورجال المنطق الأرسطي خاصة، لكن عمل العقل لدى الصوفيين هو حراك ديدني لا يتوقف في الأمور الباطنية الروحية التي تصل بهم أو تساعدهم في الوصول إلى يقين للمعرفة، والمعرفة عندهم هو شهود للذوق والوجدان، وفي ظل الحديث عن العقل في التصوف الإسلامي نجد سجالاً واضحاً ومساجلات تزخر بها الكتب التي تناولت عن التصوف والتي تتحدث عن المعرفة وهي تتأرجح بين القلب والعقل، حتى خلصوا جميعاً إلى نتيجة مفادها أن القلب اسم جامع يتضمن العقل وعمله وتدبره وأن القلب لطيفة ربانية غير مادية يدرك بها الإنسان الحقيقة الوجودية، وميز الصوفيون وهم بصدد تناول طرائق القلب والعقل في الوصول إلى المعرفة واليقين حينما سموا إدراك العقل علماً وإدراك القلب معرفة وذوقاً وأطلقوا على صاحب الطريق الأول عالماً، بينما أطلقوا على صاحب الطريق الآخر عارفاً.

ولمحمد بن عبد الجبار النفري كلام بليغ دال حينما أفرد للمعرفة موقفاً في كتابه المواقف والمخاطبات، يقول في موقف معرفة المعارف: " أوقفني في معرفة المعارف وقال لي هي الجهل الحقيقي من كل شئ بي، وقال صفة ذلك في رؤية قلبك وعقلك أن تشهد بسرك كل ملك وملكوت وكل سماء وأرض وبر وبحر وليل ونهار ونبي وملك وعلم ومعرفة وكلمات وأسماء وكل ما في ذلك وكل ما بين ذلك يقول ليس كمثله شئ وترى قوله ليس كمثله شئ هو أقصى علمه ومنهى معرفته " .

ويقول أيضاً النفري في موقف معرفة المعارف: " وقال لي لمعرفة المعارف عينان تجريان عين العلم وعين الحكم، فعين العلم تنبع من الجهل الحقيقي وعين الحكم تنبع من عين ذلك العلم، فمن اغترف العلم من عين العلم اغترف العلم والحكمة، ومن اغترف العلم من جريان العلم لا من عين العلم نقلته ألسنة العلوم وميلته تراجم العبارات فلم يظفر بعلم مستقر ومن لم يظفر بعلم مستقر لم يظفر بحكم " . 

ويعتير القرن السابع الهجري هو قرن المعرفة والعقل بالنسبة للتصوف الإسلامي، حيث بلغ حديث العقل في النص الصوفي يبلغ شأناً كبيراً، وكما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه التجليات الروحية في الإسلام إلى، التصوف في ذلك الوقت اتخذ بعداً نظرياً أوضح وأعمق مما كان عليه من قبل، وربما السبب في ذلك الشهود العقلي في سياق النصوص الصوفية هو تأثر التصوف الإسلامي بالكثير من التيارات الفكرية المنتشرة في ذلك الزمان في العالم الإسلامي .

مَنْهَجُ التَّصَوُّفِ و القَلْبُ السَّلِيْمُ

يرى أقطابنا من أهل التصوف في الإسلام أن حق الانشغال هو أن تنشغل بالله ذكرا وعبادة وطاعة، ويرون أن تمام الانشغال بالله مستقره ومستودعه الاستئناس والأنس واستدامة الطمأنينة، وهذا المقام يتحقق لذوي الوصل إذا ما استهدفوا قلوبهم بقطع العلائق والشواغل التي طالما أفسدت القلب بمثالب الحقد والغل والحسد وغمط الناس وازدياد العجب بالنفس التي تحض الإنسان على الاستغراق التام في الشهوات كالطعام والنكاح وحب المال، أو تلك النفس المستغرقة في الغيبة والنميمة والفجور في الخصومة . وإذا انشغلت بالله وحده لا شريك له كان الإقبال الإلهي عليك بدوام الذكر وراحة الطاعات، ونعيم العبادات وملازمة القرآن بغير انقطاع متصلا بلذة التلاوة وبصيرة التدبر

مَلامِحُ سَلامَةِ القَلْبِ:

وحينما تجاهد نفسك بقطع الشواغل والعلائق عنها تكون أيها العبد الراغب في الوصل والمحبة قد قطعت نصف الطريق، وبقي النصف الآخر متعلقا بالقلب الذي ينبغي أن يكون أكثر صفاء ونقاء، وهذا الصفاء تمام معنى السلامة التي جاء ذكرها في كتاب محكم أمين، يقول رب العزة والجبروت (إلا من أتى الله بقلب سليم) (سورة الشعراء ـ آية 89 )، قال سعيد بن المسيب: "القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض" ، يقول الله تعالى (في قلوبهم مرض) (سورة البقرة آية 10)، و قال ابن عثمان النيسابوري في تفسيره للقلب السليم: "هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة "، فالله لا يقبل إلا قلبا سلم من الكفر والشرك أولا، ثم قلبا جاء بعيدا عن شره الدنيا حتى يكون هذا القلب على استعداد مطلق ليقين الإيمان وتلقي أسرار الحكمة .

أما ابن عاشور في تفسيره للقرآن الكريم فيشير إلى القلب السليم بأنه الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي . وضدُّه المريض مرضاً مجازياً، والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم .

أما الإمام السعدي فيرى أن المقصود بالقلب السليم الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله وهواه تابعا لما جاء عن الله.

وسلامة القلب أي صحته من الرذائل التي بالضرورة قد توقع بالمرء في شرك أكبر كان أم أصغر كالرياء والنفاق والموالاة، والسلامة للقلب تعني أيضا فراغه من كثرة الكلام في غير ذكر الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسولنا وحبيبنا وسيدنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم): " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكره الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " (رواه الترمذي) .

ولاشك أن هناك قلوبا كثيرة أوصدت أبوابها عن الحق وأصبحت بمنأى عن الاستقامة والهدى، ولكن من رحمة الله بعباده المؤمنين المسلمين أن جعلهم على حالة وصال دائمة بالتقوى والهداية، ففي حديث البخاري عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط أي نفر قليلون، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد لم يصدقه بشر، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه ! ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم لعلهم قوم عيسى، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك " (مسند الإمام أحمد) .

والتصوف الإسلامي يقدم منهاجا رائعا لسلامة القلب في سياج رصين من القرآن الكريم والسنة والنبوية العاطرة، سلامة تصل العبد بربه وتجعل غاية العارف وجود معروفه كما سئل أبو يزيد البسطامي عن درجة العارف، فقال: " ليس هناكدرجة، بل أعلى فائدة العارف وجود معروفه " وسئل بماذا يستعان على العبادة ؟ فقال: "بالله، إن كنت تعرفه" ويقول عن العارف "من عرف الله فإنه يزهد في كل شئ يشغله عنه".

وإبراهيم بن أدهم صاحب الشخصية الأشهر في تاريخ التصوف وفقا لقصة توبته ذائعة الصيت والذي تركزت أقواله وآراؤه في الزهد حول مراقبة النفس وترك الدنيا والحزن على ما فاته من الطاعات يشير إلى أن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطيَ السكينة والوقار، والعلم الراجح والعقل الكامل . وإذا أردت أيها العبد الطائع إلى ربك أن تكون ذا قلب سليم فالتواضع توجيه أول لعظمة الله، وهي صفة كما يقول ذو النون المصري تذوب وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه؛ لأن النفوس كلها فقيرة عند هيبته .

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

عامر عبدزيد الوائليإذ كانت خطة الهيمنة: (الاقتصاديّة والسياسيّة والإعلاميّة)، تقوم على ضرب الاقتصاد، ولكنه ليس ضرباً للقمة العيش كما يتوقع البعض، فالتطور الاقتصادي العالمي، قد عزز إمكانيّة توافر الغذاء البسيط لأغلب الشعوب؛ إذا لم يتمّ استهدافه من قبل الاقتصاد، وهو اقتصاد الرفاهيّة الذي باتت شعوب المنطقة يتوقون له بتعطش شديد، هو اقتصادا لكم آليات والتطور المدني والحضاري. ومن هنا جاءت الأطروحة التي نحاول التوقف عندها، هنا العلاقة الرابطة بين الإعلام والاستهلاك، كما تمظهرت في النتيجة المتمخضة عنهما انها "ثقافة الاستهلاك"، والتي تحوّلت إلى سلوك يظهر بشكل واضح واتجاها تشتى في الثقافة والاجتماع.

وهذا يدفعنا إلى تأطير مقالنا في إننا نحاول أن نقارب ثلاثة أبعاد في الإعلام نجدها متقاربة بل متضامنة معاً، وهي:

الأول: أخلاقيات الإعلام ورهانات الواقع المعاش .

الثاني: صناعة الجهل جزء من إلهاء الناس .

والثالث: الإعلام ودوره في صناعة الاستهلاك وثقافته.

ومن الممكن أن نضع لها ثلاث كلمات مفتاحيّة تجعلها تبدو أكثر تقارباً وهي: (أخلاقيات الإعلام)، و(صناعة الجهل)، و(ثقافة الاستهلاك) .بالتأكيد هذه الكلمات قد تدفع المتلقي إلى إثارة مجموعة من الأسئلة المترابطة بين تلك المفاهيم .

ما هي الرابطة بين الأخلاق الإعلاميّة والجهل والاستهلاك؟ لاشكّ أنّ الرابط كبير بين غياب المعايير القيميّة عن المؤسسات الإعلاميّة يجعل منها مجرد مؤسسات تحاول أن تخدم قيم نفعيّة، وهذا هو هدفها الأول ولابد ساعتها من التآزر بين الجهل المصطنع والاستهلاك .

طبعاً هذا السلوك المجتمعي وما يقدمه من منظومة قيم ترتبط بالإعلام؛لأنه النبع الذي يخلق إشكالها على صعيد السلوك والممارسة، فالإعلام أصبح يمتلك حضوراً كبيراً في تخليق السلوكيات الفرديّة عبر خلق أشكال من السلوك وإشاعتها والتي من المعتقد أنها قائمة على إثارة النزوات والعواطف والتلاعب بها من أجل دفعها إلى تقليد نماذج اجتماعيّة من المشاهير كـ(أبطال كرة القدم أو الممثلين أو غيرهم من المشاهير) وقد حوّلهم الإعلام الاستهلاكي إلى نماذج صالحة للتقليد والاقتداء بها على صعيد الاستهلاك والاقتناء .

الأول: أخلاقيات الإعلام ورهانات الواقع المعاش .

العلاقة بين الأخلاق والإعلام علاقة أصيلة في الثقافة المعاصرة، إلا إن هناك تبايناً، فإذا كانت الأخلاق تنتمي إلى عالم الفلسفة والمثال، فإنّ الإعلام منخرط في عالم الواقع؛ فإذا كان هذا يبدو وكأنه تباين واختلاف بين الواقعي والمثالي؛ إلا أنّ القول بالفصل بينهما يجعل من الإعلام أداةً بين السلطة سواء أكانت السلطة السياسيّة أم رأس المال ، ساعتها يتحول الإعلام إلى أداة باطشة لصالح النظم الحاكمة ورأس المال، وأن يكون وسيلةً لتزييف الوعي أو هيمنة الخطاب السلعي الاستهلاكي في ظل هيمنة رأس المال، بدلاً من إنارة العقل، وترسيخ الاستبداد بدلاً من إشاعة الحريّة والديمقراطيّة.

ومن هنا ضرورة أن يكون "علم الأخلاق" هو علم يبحث في المثال، وما يجب أن يكون؛ سعيًا للارتقاء بعالم الواقع، وما هو كائن بالفعل.

وهناك من يريد أن يستبدل الأخلاق بالقانون بوصفه قريباً من الواقع فهو " يحاول أن يعالج الواقع عبر مجموعة قواعد التصرف التي تجيز حدود العلاقات والحقوق بين الناس والمنظمات، وتحددها، والعلاقة التبادليّة بين الفرد والدولة؛ فضلاً عن العقوبات لأولئك الذين لا يلتزمون بالقواعد المؤسسة للقانون". لكن هذا لا يكفي فلابدّ من وجود الأخلاق وهي بمثابة القانون فهي منوطة بالضمير؛ فالقانون يخاطب الظاهر والعلاقات الماديّة، بينما الأخلاق تخاطب الباطن والدوافع النفسيّة .

ومن ناحيَة ثانية فإن الترابط بين الإعلام وبينَ الأخلاقيات المهنيّة، ويتبين هذا الارتباط عن طريق الدور التربوي والتثقيفي الذي يؤديه الإعلام كونه جزءاً من وظائفه العامة والشاملة، لذا تمثّل الأخلاقيّات بصفة عامة إحدى الأبعاد المهمّة في مفهوم التربيَة والثقافة، إذ تدخل الأخلاقيّات المهنيّة في مجالي التربية والثقافة، وذلك من خلال غرس القيم المثاليّة والأخلاقيّات المهنيّة؛وقضاياها في المجتمع، وترجمتها الى سلوكيّات تمارس في الحياة، أي بتحويل الأخلاقيات إلى ثقافة سلوك داخل المجتمع.

ومن الممكن النظر إلى أخلاقيّات المهنة في الإعلام التي تكون بحاجة إلى تدريب حتى يكون الإعلامي بعيداً عن التحيز ودقيقاً في توصيفاتهِ الإعلاميّة؛ من أجل توافر التوازن في القضايا والآراء وعلى العكس من مجموعة واسعة من الآراء واستكشاف وجهات نظر متعارضة وضمان عدم إغفال أي فكرة مهمّة من أن تمثّل. من خلال السماح بحق الرد. وانطلاقاً من هذه الجنبة الأخلاقيّة يبدو أن العلاقة بين الأخلاق والإعلام علاقة عميقة؛ وهذا على العكس من رأي النقاد الذين يدّعون الفصل بين الاثنين؛ أمّا دعاة الوصل فيجدونهما مترابطين للأسباب الآتيَة:

الأوّل :أن الأخلاق من صفاتها: العموم والشمول، إذ من الصعب أن نجد مجالاً يمكن أن نقول عنه إن الأخلاق لا تشمله، ولا تعرف عليه سلطانًا.

الثاني:أن الإعلام تمتد خيوطه لتنسج علاقات متينة مع جميع فئات المجتمع والمراحل العمريّة المختلفة لأفراده؛ وما لم يرتبط الإعلام حينئذ بالأخلاق فإنّ نسيج المجتمع وقيمه سيكونان مهددَين بالانهيار من دون شك!

أمّا السبب الثالث، فهو أنّ صناعة الإعلام ترتبط بشكل كبير بالسلطة الحاكمة، وبخاصة في عالمنا العربي، وإذا تُرك الإعلام من دون أخلاقيّات وضوابط تنظم مساره، فإنه سيكون مطيّةً للنظام الحاكم وبوقًا له، إذ لا يقل تأثيره في تزييف الوعي عن سوط هذا النظام وبطشه المادي!

فمراعاة الجانب الأخلاقي ضروريّة؛ لكن أيضاً من الضرورة التمييز بين الرأي والواقع. وهذا يقتضي مناقشة الأمور بسلاسة وحياديّة على أساس المساواة والحياديّة.لكن مع التغيرات التي جاءت إلى الإعلام وما أثير من إشكاليات نحن في هذا المقال بصددها؛ إذ أصبح نطاق الاهتمام بأخلاقيات الإعلام أكثر اتساعا مع ظهور الإعلام الجديد ودخول أطراف جديدة ومؤثرة في المحتوى من عموم مستعملي الشبكة من غير الإعلاميين. وما يجري على الصعيد العالمي إذ يتم التلاعب وإعادة إنتاج كل شيء؛ فإذا ما نظرنا إلى صناعة الصورة، والصوت، والكلمةعلى أنها من فعل الفاعل الإيديولوجي الذي يمضي ليمارس أفكاره وأهواءه، في حقوله المفتوحة على قابليّات لا حصر لها في ظل تغول "الميديا" المعاصرة فهي الجسم التكنولوجي الذي تتحرَّك الأيديولوجيا من خلالهِ. وما ينطبق على ثنائيّة الأيديولوجيا والإعلام يصح كذلك على ثنائيّة الأخلاق والإعلام (وما دام الخطاب – والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك – ليس هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة وحسب؛لكنه هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها). (ميشيل فوكو، نظام الخطاب، 10.)؛ فهذه السلطة التي طوّعت المعرفة والتقنيّة من أجل فرض هيمنتها على الإعلام وجعلت منه أداة تغيير في السياسة، والاقتصاد، والفكر، والفن، والثقافة، بل أصبح لديها في حربها الناعمة هو محورها ومحركها ومحرَّضُها، في ما تختلقه وما تحوز عليه إذ يعبِّر عن رغبتها العميقة في تقنيات الاستحواذ والهيمنة .وهي تتخذ من آليات التجهيل وفرض القيم المغلوطة والمتدنية في المستوى المادي والفكري من أجل غواية الجمهور وإثارة غرائزه ثم اتخاذ هذه الإثارة والإقبال وارتفاع المشاهدة والمتابعة، بوصفه دليلاً للنجاح بحد ذاته . ( والتر ريستون، القضية والسيادة) حتى أصبحت تلك الرؤية كما تتجلّى في المسابقات والألعاب المتلفزة التي تلوح بإغراء الحصول على المال بسهولة؛ وصولاً إلى الأخبار التي تخضعنا إلى تأمل كوارث العالم بغباء؛مروراً بأفلام الصور المتحركة اليابانيّة، وهي كلها تنحو بانتهازيتها التجاريّة إلى جعل الجمهور كالأطفال، من دون تقديم ما يساعدهم على فهم نهاية الألف الثانية إلا بالجرعات التي تعالج الداء بالداء وبعد الحاديّة عشرة ليلاً (أي الأفلام الإباحيّة) . (روجيه غارودي، ثقافة اللامعنى).

أين كل هذا مما يقوله الخبراء في الشؤون الإعلاميّة إنّ الصحافة هي رسالة قبل أن تكون مهنة، وهي أداة مهمّة في بناء القيم المجتمعيّة السليمة؟

اعتقد إنّ هيمنة الخطاب الإعلامي الاستهلاكي وخطابه العنيف بكل أشكاله الاقتصاديّة والسياسيّة يجب أن لا يجعلنا نخفق في تشخيص الخطأ بل من الضرورة التأكيد على إن الإعلام يجب إن يكون مرآةً صادقةً في طرحها وتناول موضوعاتها، الأمر الذي قاد إلى منحها لقب أو تسمية(السلطة الرابعة) لما لها من دور مؤثر في بلورة الرأي العام وتوجيه اتجاهات المجتمعات وخياراتها، ولعل هذا يحيلنا إلى النقطة الثانية.

وهذا يقتضي إحداث ثورة في أخلاقيات الإعلام. لماذا نحتاج تغييراً جوهرياً في أخلاقيات الإعلام وليس العودة إلى القواعد الأساسيّة؟ على الرغم من أنّ العديد من الناس يتقبّلون حقيقة ثورة الإعلام؛ولكنهم ينكرون ما يستتبعه هذا الواقع، أي ثورة في أخلاقيات الإعلام.

رؤيّة جديدة لطبيعة أخلاقيات الإعلام. ثم أخلاقيات تطبيقيّة تحكم الممارسات الإعلاميّة.ثم أخلاقيات الإعلام العالمي، أي المبادئ والمعايير يجب أن تتعرف علىعالميّة الوسيلة الإعلاميّة وتحددها من حيث الوصول إليها والتأثير بها.

الثاني: صناعة الجهل جزء من إلهاء الناس

في ظل التحولات العلميّة الكبيرة التي جاءت بها الحضارة العالميّة في مجالات متنوعة والتي تمثل تحولاً كبيراً وناجحاً وثمة أيضاً تحول آخر في توظيف تلك المعارف إلى أهداف أخرى قد لا تكون أخلاقيّة بقدر ما هي معطوفة على استعمال واسع للتضليل والخداع وإن كان هذه المرّة تقوم بتوظيف المعرفة وملحقاتها من أجل غايات مفارقة برغماتيّة .

إذ يظهر التضليل كمصطلح مهيمن يصف سلوكيات ما، تدخل في صناعة الجهل تقترن كلمة "تضليل" في المعجم العربي بالشرّ والباطل. وورد في لسان العرب لابن منظور في مادّة (ضلل) "التضليل تصيير الإنسان إلى الضلال، والتضلالُ كالتضليل. ووقع فلان في وادي تُضُلِّلَ وتُضَلِّلَ أي الباطل. ويقال للباطل: ضُلٌّ بتَضْلال... ومُضلَّلٌ: لا يُوفّق لخير أي ضالّ جدّا. (شيللر(هربرت)، المتلاعبون بالعقول) .

فهذه يولد القناع المخادع الذي له آليّة في الصناعة المعرفيّة التي تعتمد من أجل تصنيع سلعي إعلامي، حتى بات الجهل والتضليل سلعة يوميّة تُنشر وتُساق على الجمهور، من حكوماتٍ وشركاتٍ وأصحابِ نفوذ.

إذ أنّ الصناعة تقوم باختلاق وقائع وقناعات مخادعة مصنوعة بحرفيّة من أجل التضليل والخداع والتجهيل .بل هي توجد رمز ووقائع تحل محل الواقع وتصبح ما فوق الواقع .فهي بالواقع ليست حقيقة بل اللا-حقيقة المطلقة، هي قناعها كما يرى بورديو. (مقدمة المترجم، جان بودريار، المصطنع والاصطناع)، وهذا الفعل القائم على توظيف المعرفة من أجل الهيمنة والتضليل فعل يستثير ثقافة المقاومة والوعي، التي بالضرورة تفترض بنا إن نبذل جهود ذاتيّة ووعياً يبحث عن الحقيقة بعيداً عن العاطفة والأمنيات. ولهذا سوف نحاول تعريف: (الوعي، الجهل إدارة الفهم):

أما الوعي Cognition: فهو كلمةٌ تدلُّ على ضمِّ شيء. وفي قواميس اللغة العربيّة وَعَيْتُ العِلْمَ أعِيهِ وَعْياً، ووعَى الشيءَ والحديث يَعِيه وَعْياً وأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أَوْعَى من فلان أَي أَحْفَظُ وأَفْهَمُ. وبهذا فإن الوعي هو الفهم ومعرفة الشيء، وهو نقيض الجهل والأسلوب الأعظم في تحديد الجهل وتجريده من آثاره وممكناته المنفلتة، حتى لو كان مصدره طاغيّة أو ممّنْ يتباهى بجبروتهِ الأخرق.

أمّا " الجهلُ" Agnotology وهو نوعان: أحدهما جهل يصنعه الإنسان لنفسه، ويسمى الجهل الذاتي، والثاني جهل مفروض على العقل، أو ما يُدعى بـ ( التجهيل)، فهو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطرق عِلْميّة رصينة؛ الجهل يدرس غرس ثقافة الجهل أو الشك أو الوهم، ويجري من خلاله نشر بيانات خاطئة أو مخَطَئة أو غير كاملة.

فالجهل عنصر مضاد للعقل، بينما الوعي كلمة تعبر عن حالة عقليّة يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي إذ يمثل الوعي عند العديد من علماء النفس الحالة العقليّة التي يتميز بها الإنسان بملكات المحاكمة المنطقيّة، والوعي بأمر ما يتضمن معرفته والعمل بهذه المعرفة.

أمّا إدارة الفهم Perception Management: فهي عبارة عن نشر المعلومات أو حذف لمعلومات؛ لأجل التأثير في تفكير الجمهور والحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح.، ولأنّ النشر والحذف يتطلّبان أساليب دقيقة ومعرفة تامة بعلم النفس والسلوك والإدراك. فإنّإدارة الفهم تعني: التجهيل المنظم أي علم الجهل وهو العلم الذي يدرس صناعة الجهل، ونشرهِ بطرق علميّة رصينة.

وبالآتي علم الجهل أو التجهيل أو هندسة الجهل أو إدارة الفهم كلها تقنيّات في اصطناع الحقائق المزيّفة فن المخادعة والتضليل من أجل غاياتٍ متنوعةٍ.

هندسة الجهل وعكسها (إدارة الفهم) تهدف لإشاعة الحيرة والشك والخداع بهدف تحقيق مكسب أو بيع سلعة أو نشر الجدل لاستنزاف طاقة البشر، جميع الدول أو المؤسسات اليوم، تريد أن تمتلك المعرفة ومصادر المعلومة، فالمعرفة قوّةٌ ومكانةٌ وجدارةٌ، وهي سلاح فعّال يضاهي أفتك الأسلحة وأقواها .

بعد توصيف المفاهيم الثلاثة يبدو إن الأمر قد كانت بدايته في التسعينات إذ يمكن اعتبارها بداية ظهور هذا الشكل من العلوم المخادعة أي الجهل أو إدارة الفهم وكانت هذه البداية مع شركة التبغ والتي تحاول نتائجهاأن تربط بين التدخين والسرطان وآثار التدخين على الجسم فكان لهذا أثره المدمّر في مصالحها لهذا قامت بالدعاية المضادّة إذ أخذت ترد بآليات الجهل السابقة الذكر وخصوصاً إدارة الفهم إذ اعتمدت في دعايتها على علماء: (الإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع) من أجل إثارة الشكوك حول البحوث العلميّة، بل الأمر وصل إلى تزييف الوعي بدعم علوم زائفة .

أمّا على صعيد السياسة فقد استثمرت بعض السلطات المهيمنة عالمياًلتلك التجربة من أجل استثمار الممكنات العلميّة وإدارة الفهم من أجل الهيمنة فقد تم تضليل الرأي العام والزج به في الحرب العالميّة الأولى سابقاً وغزو العراق لاحقاً، بما كان يُعرف بالـ Creel Commission.هذا التضليل استراتيجي ومُمنهج بحسب أساسيات علم الجهل، وفي كتابه "معجم التضليل الإعلامي" خلص فرانسوا جيري إلى تعريف جامع لمصطلح التضليل الإعلامي، فهو: (مؤسسة جماعيّة لصياغة رسالة مفتعلة وتركيبها ونشرها، والهدف الرئيس من ذلك هو خداع المتقبل المستهدف من أجل تحقيق مكسب من الاستخدام الخاطئ الذي من المتوقع أن يقوم به)، (السنوسي (ثريّا)، أخلاقيات الصحافة في المشهد الإعلامي السمعي المرئي الخاص في تونس)، هذه الأطروحة تستند على قنوات ثلاث: (بث الخوف لدى الآخرين، إثارة الشكوك، وصناعة الحيرة).

القناة الأولى: بث الخوف لدى الآخرين/ وليس هناك أنصعُ مثالاً من الحكومات في تجسيد مبدأ إثارة الرعب لدى المواطنين لتمرير مصالحها وأجندتها. فتارةً، يتم صنع أعداء وهميين لتحشيد الرأي العام، وتارةً يتم ترعيب الجمهور بالقدر المظلم إذا لم يشاركوا في هذه المعركة تلك، وكأن الأرض ستفنى من دون هذا " الهجوم المقدّس ". لا غريزة بشريّة تنافس غريزة حب البقاء، ولذا من الممكن أن تبيع السمك في حارة الصيادين عندما تهدّد أمنهم وبقاءهم!

أما إثارة الشكوك فهو ثاني أعمدة التجهيل، ويتم توظيفه غالبا في القطاع التجاري والاقتصادي، وهذا بالتحديد منهج لكثير من الشركات. فبعد هبوط مبيعاتها بنسبة 25%، بدأت شركة كوكاكولا العالميّة بدفع ما يقارب 5 ملايين دولار لباحثين أكاديميين لتنفيذ مهمة تغيير فهم المجتمع حول أسباب السمنة، وذلك بتقليل دور المشروبات الغازيّة في انتشار السمنة وتوجيه اللوم إلى عدم ممارسة التمارين الرياضيّة! هذه " الأبحاث المدفوعة " يتم نشرها لإثارة الشكوك في ذهنيّة الفرد حتى يعيد تشكيل موقفه بما يتناسب مع أجندة هذه الشركات.

صناعة الحيرة: لأن كثرة المعلومات المتضاربة تُصعّب من اتخاذ القرار المناسب، إذ يدخل الفرد في دوّامة من الحيرة حتى يبدو تائهاً وجاهلاً حول ما يجري، ويزيد العبء النفسي والذهني عليه، فيلوذ بقبول ما لا ينبغي القبول به، طمعاً في النجاة من هذه الدوامة، وهذه تحديدا هي الغاية!

والثالث: الإعلام ودوره في صناعة ثقافة الاستهلاك

المقاربة هنا مكملة لما سبق وبهذا تكتمل أضلاع المثلث بهذا الضلع إذ تبقى الغاية التي هي حاضرة دائماً في المقاربات السابقة؛ فالتبضيع مضاد لما هو أخلاقي قوامه (الزهد والعقلانيّة والفضيّة) وان كان جزء من الاستبداد والتجهيل وخلق فاقة ثقافة تشجع على الاستهلاك والمجتمع الاستهلاكي كغائيّة نهائيّة وهي المخاطرة في الثقافة الاستهلاكيّة التي يسعى النظام العالمي الجديد إلى تعميمها: أولاً، ارتباط الهوس الشرائي أحياناً بالجانب اللاوعي .وثانياً، مظاهر الإنفاق والاستهلاك التفاخري القاتل .وثالثاً، التّداعيات الاجتماعيّة والنفسيّة لتفشي ظاهرة الاستهلاك في المجتمع والتي تتمثل في ارتفاع منسوب الحقد الاجتماعي، وتمزق الروابط الاجتماعيّة، والشعور المستمر بأنّ التملك هو أساس الحراك الاجتماعي . ورابعاً هذا يتعاضد مع القيم الاستهلاكيّة المترابطة مع القيم النفعيّة المتبقيّة التي تسهم فى إشاعة سلوكيّات شاذّة تتقاطع مع الخلق القويم .في مواجهة هذا التنظيم الذي تقوم به وسائل الإعلام خامساً لابد من دور تقوم به المؤسّسات والتربويّة والثقافيّة والإعلاميّة في مقاومة الإدمان على الاستهلاك والتبذير.

وجدنا أنّ غياب المعايير المهنيّة الأخلاقيّة لدى المؤسسات الإعلاميّة يجعل منها صانعة وداعمة باتجاه ثقافة الاستهلاك في عصر العولمة والفضاء المفتوح .وقد أسهمت تلك المناخات في نمو الثقافة الاستهلاكيّة وانتشارها، أنها أصبحت أكثر رواجاً وانتشاراً حين دخل العالم إلى مرحلة إلغاء الحواجز بين الشعوب وبناء سوق عالمي موحد أخذت من خلاله السلع المنتجة بوفرة دلالات رمزيّة تتجاوز بذلك قيمتها الماديّة لتكتسب قوّة تدفع نحو صهر العالم استهلاكياً ودمجه ثقافياً متجاوزة بذلك الجوانب الثقافيّة والتقاليد الاجتماعيّة للشعوب.و لم يعد الاقتصاد وحده هو المدخل الرئيسي لفهم سلوك المستهلك، فلقد أصبحت النزعة إلى الاستهلاك عنصراً ثقافياً مؤثراً .و الإعلام الحديث بما يملكه من التقنيّات الإعلانيّة ووسائل الدعاية المتنوِّعة، خلق تناسباً طردياً ما بين المستهلك وتدفق السلع إعلامياً . وباتت عمليّة التأثير الاستهلاكي في الأفراد والمجتمعات خاضعةً لمعايير معرفيّة يتحكم فيها من يمتلك وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال الحديثة والذكاء التقني .

إنّ امتلاك الشركات متعددة الجنسيات لتقنيّة المعلومات ووسائل الاتصال مكَّن هذه الشركات على إعادة تشكيل أذواق المستهلكين وترغيبهم في السلع المنتجة.. ودفعهم نحو نزعات استهلاكيّة لا حدود لها. فالإنفاق على سلعة برّاقة ملمعة لا يعني شيئاً للمستهلك المخدوع بقدر ما يعني له البحث عنها أو شرائها مهما كان سعرها حباً للتباهي والظهور أمام الأقران أو بحثاً عن مكانة اجتماعيّة مفقودة أو تعطشاً لتميز يحلم به .

وقد أصبحت عمليّة الترويج لثقافة الاستهلاك صناعة في غايَة الدقّة والسهولة في الوقت نفسهِ؛ نظراً لاعتمادها على وسائل متنوِّعة وشيّقة تحرِّك رغبات الشعوب وتثير في وجدانهم مشاعر الرغبة؛ لاقتناء السلع بصورة عشوائيّة.. لهذا قامَت فلسفة تأثير الاستهلاك في سيادة مفهوم المنافسة.وبالمقابل نجد المراقبين لهذه الظاهرة بين من يذهب إلى تبسيط الأمور مؤيداً الاكتفاء بترك الصحافة التي تعمل على راحتها في العصر الإعلامي الجديد ثم التصحيح إن لزم الأمر، ومن يذهب إلى التنظير والفلسفة إلى أبعد الحدود، داعياً إلى تغيير جذري في عادات العمل وقواعدهِ بما يواكب ثورة الإعلام، يُعدُّ موضوع أخلاقيات الصحافة والإعلام من أكثر القضايا المهنيّة جدلاً في أوساط ممارسي المهنة ومدرسيها والعديد من المعنيين . ويبلغ الاختلاف في طريقة التعاطي مع أخلاقيات الإعلام في العصر الجديد وجوهاً عدّة منها: إمكانيّة دفع المؤسسة الإعلاميّة أموالاً للحصول على معلومات حصريّة أم لا. ويترّدد هذا المعيار كثيراً على ألسنة الإعلاميين والمطالبين بدور أكثر . ويبدو هذا الدور القائم على توظيف الإعلام من أجل إشاعة ثقافة الاستهلاك ويتعاضد مع ثقافة الاستبداد والهيمنة وهما ينتجان التضليل الإعلامي وثقافة التجهيل وهندسة الجهل فالهدف المشترك واحد هو المنفعة والاستهلاك من دون حدود .التي ارتبطت: بالهوس الشرائي أحياناً وبالجانب اللاوعي .و مظاهر الإنفاق والاستهلاك التفاخري القاتل، التداعيات الاجتماعيّة والنفسيّة لتفشي ظاهرة الاستهلاك في المجتمع والتي تتمثّل في ارتفاع منسوب الحقد الاجتماعي، وتمزق الروابط الاجتماعيّة، والشعور المستمر بأن التملك هو أساس الحراك الاجتماعي. تعميق القيم الاستهلاكيّة المترابطة وإشاعتها مع باقي القيم النفعيّة التي تسهم في إشاعة سلوكيّات شاذّة تتقاطع مع الخلق القويم .

 

ا.د.عامر عبد زيد الوائلي

مركز التفكير النقدي

 

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

لقد وَرَد ذكر الخُلود في الكثير من الديانات والطوائف القديمة، ففي الحضارة الفرعونيّة وديانة المصريين كان الأعتماد بشكل كبير على فكرة الخلود التي عمّقت لديهم الشعور بالمجد والحرية والتميّز، خصوصاً أولئك الذين يمتلكون حالة سامية في الفكر والوعي.

ولعلّ أبرز ما يميّز الديانات المصرية القديمة أنّ لها أكثر من آلهة، كل واحدة كانت تمثّل الأقاليم الفرعونية، كالإله حور لإقليم شمال الدلتا، والإله ست لإقليم جنوب الدلتا. وأما (رع) فهو إله الشمس وهو الأله الرسمي للحضارة الفرعونية الموحّدة، وإن جميع الألهة للديانة الفرعونية القديمة إنكا، إنّما هي محاولات لفهم حقيقة الوجود والخلود أكثر من فهم ومعرفة الإله نفسه، لذلك مضى الفراعنة في عملية تحنيط الموتى من أجل عودة الروح أو ما أسمَوه القوّة الشاردة من الجسد لتحتلّ مكانها في الأجساد المحنّطة وفي اي زمن آخر لترجعها إلى الحياة مرة أخرى.

وأمّا الديانة الهندوسية فقد كانت تُؤمن بفكرة الخلود وأنّ الأرواح تُخلّد بعد فناء الجَسد، لتبدأ بالأنتقال من جسد الى آخر. ففي نصوص الاوبانيشاد (800-500 ق.م) وهو أهم النصوص التي تشرح فكرة الديانة الهندوسية في كتاب الفيدا، حيث تشير الى أنّ الحياة الدنيا إنما هي فترة من الزمن داخل جسد هذا الكائن أو ذاك. والبراهما في الديانة الهندوسية هو خالق  الكون بل وروحُهُ وجوهرُهُ ، وهو الثَّالوث ، الذي يتألَّف من "براهما": (الخالق) و"بشنو": (الحافظ) و"سيفا": (المُغْنِي)، وأمّا اتمان فهي الذات الفردية (النفس). وعليه فما جاء في اللاهوت الأحادية ووحدة الوجود الهندوسي كمدرسة أفايتا فيدانتا فإن الآتمان لا تنفصل عن البراهمان، وبالتالي يطلق على هذه المدارس الاثنائية، ففي عقيدة الكارما حيث التناسخ والوحدة والمساواة بين أتمان وبراهما، فإن أتمان ومن أجل الوصول الى مرحلة التناسخ والتحرر لابد له من الأرتقاء الى مستوى الوعي الكلّي للبراهما من خلال العزوف عن الترف الدنوي والسير في طريق الزهد والارتقاء بالوعي المعرفي من أجل بلوغ المعرفة الكليّة المُوصِلَة الى حالة انعتاق الذات من انغلاقية البدن، وليبلغ حالة ذوبان الذات (اتمان) في خالق الكون وموجهه وهو البراهما، ولتُصوّر حالة الاتحاد والذوبان هذه كالنهر الذي يصب في البحر.

ويَعتقد أصحاب الديانة البوذية بأن الخلود هو المصير الحقيقي، وأنّ الإنسان بعد موته يبدأ بمرحلة إعادة ولادته الى الحياة الدنيا مرة أخرى وعلى هيئة أخرى. والبوذيون يرون في الحياة عذاب وألم إذا ما قورنت بالراحة الأبدية لروح الإنسان بعد الموت وذلك حينما تكون أعماله حسنة، أمّا إذا كانت سيئة فإن روحه بعد الموت ستعود ويُحرم من الخلود والسير الى ما يُسمى بالنيرفانا والتي هي وصف لحالة التيقظ التي تَخمُد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام كالشهوة، والحقد، والجهل، فلا يحدُث التخلص التام للكارما (عواقب الأفعال) الّا عند بلوغ مستوى النيرفانا، فالنيرفانا اذن هي مستوى الوعي المعرفي وحالة الأدراك التي من خلالها يتخلص الانسان من كل الكارما الخاصة به، ليصل عند الموت الى ما يسمى النيرفانا الكاملة، والتي تمثّل خاتمة سلسة متعاقبة من الموت والولادة يبلغ من خلالها الانسان أعلى مراتب الكمال من بعد ما يبدأ فيها الانسان برؤية حقيقة ذاته وليبدأ بتسلّق سلّم الكمال عن طريق ممارسة الزهد والتنسّك، فيصل في نهاية المطاف الى النيرفانا الكاملة.

وأمّا في الفكر الإغريقي فقد كان للخُلود شكل آخر، فرغم أنّ المدارس الفكريّة الإغريقية كانت متعددة ولكنّ أعظمها شأناً وأعمقها فكراً هي فلسفة أفلاطون؛ إفلاطون الذي يعدّه الفيلسوف الإنجليزي وايتهايد (Whitehead) في مقاله  Process and Reality: An Essay in Cosmology عام 1929 أنّه المؤسس الحقيقي للفلسفة الغربية، حيث كان يرى جميع الفلاسفة الغربيين وما كَتَبوا إنّما هي هوامش وحواشي وتعليقات لكتابات أفلاطون الفلسفيّة.

افلاطون هو صاحب نظريّة المُثل، والتي كانت مُنسجمة مع العديد من الديانات، فقد قَدّم هذه النظريّة بناء على الرؤى الغير مُنسجمة بين الفيلسوف بارمنيدس الذي يرى العالم عبارة عن وجود غير متغيّر، والفيلسوف هيرقليطس الذي يرى العالم بحالة من التغيّر المُستمر خصوصاً حينما قال قولته المعروفة: (أنك لا تستطيع الاستحمام في نفس النهر مرتين!!)، فكان لأفلاطون نظرة فلسفية تجمع بين الرأيين، وهي التي أسماها بالمُثل والخلود، وفيها قدّم الوجود بطبيعتين مختلفتين، الأولى عالم روحاني، خالد، مثالي، كامل، بعيد عن التغيير ولا يتأثّر بالزّمان وهو من صنع الخالق، وأمّا العالم الثاني فهو الذي نعيشه، وهو واقعي، متغيير، غير متكامل، يخضع للزمان، ملئ بالآلام والشرور. والجسد الأنساني ينتمي الى العالم الواقعي المتغيير، أمّا الروح فتنتمي الى عالم المُثل، العالم الأبدي، الذي لا يتأثر بالزمان. لقد كانت هذه النظرية هي المُرتكز والأساس والأنعطافة نحو الفكر الميتافيزيقي الإغريقي والذي أضاف الى الفلسفة الشيء الكثير.

وفي ديانات وادي الرافدين هناك تأكيد لوجود الآلهة كما ذُكر ذلك في أسطورة اتراخاسيس وأسطورة التكوين البابلية. ومن أجل بلوغ الخلود، فقد تمّ رسم صورة لعالم الأبدية اللامتناهي من خلال الملحمة الأسطورية السومرية الشعريّة كلكامش والتي تُصوّر رغبة الأنسان وميوله نحو الخلود، رافضاً المَصير الذي كان بانتظاره، فبدأ بالبحث عن الخلود. وهو عينه الذي سمّاه المصريون سخت عارو وهو ملتقى الأرواح والنعيم الأزلي.

وللبحث تتمّة في الجزء القادم إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

 مجدي ابراهيم(7): قبل التطرّق إلى ما هو أعمق من الكلمات، تجدر الإشارة إلى الفروق الفارقة بين الحقيقة والمجاز؛ وذلك لأن ما هو أعمق من الكمات مجازٌ باللغة وتجاوز لها، فماذا يكون الفرق بين ما هو حقيقة وما هو مجاز؟

الفرقُ بين لَفْظيِّ الحقيقة والمجاز: هو أن "الحقيقة" فكرة مجرَّدة، قد تبلغ الغاية في تجرَّدها من المحسوسات، ولكن مادة الكلمة تُستَخْدم للدلالة على ما يُلمس باليد ويقع تحت النظر المحسوس؛ فيقال "انحقَّت" عقدة الحبل أي انشدَّت، وحقَّ بلغ حافة الطريق؛ فالحقيقة "فعيلة" من حق الشيء بمعنى ثبُت، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة. وفعيل في الأصل قد يكون بمعنى "الفاعل" وقد يكون بمعنى المفعول؛ فعلى التقدير الأول يكون بمعنى الحقيقة الثابتة، وعلى التقدير الثاني يكون معناها المثبتة. والحقيقة كما يُعرفها عبد القاهر الجرجاني:" كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع (أي في مواضعةٍ) وقوعاً لا تستند إلى غيره"؛ وهو تعريف يصدقُ كما يقول على كل لغة الأمر الذي يدل معه على أن قوانين هذا العلم عقلية عامة؛ فكما أن أرسطو وضع في كتاب "الخطابة" قوانين بلاغية عامة يمكن أن تطبق على العربية وغير العربية؛ كذلك فعل عبد القاهر فأقتنع بما عند أرسطو.

أما المجاز؛ فهو مُفْعَل من الجواز الذي هو التعدِّي، كما يقال جُزتُ هذا الموضع: أي جاوزته وتعديته، أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع وهو راجع إلى الأول؛ لأن الذي لا يكون واجباً ولا ممتنعاً يكون متردداً بين الوجود والعدم؛ فكأنه ينتقل من هذا إلى هذا.

والمجاز من جاز المكان أو جاز به غير معترض، ويُقال هذا جائز عقلاً أي غير ممتنع ولا اعتراض عليه، وهذه كلمة مجازية، أي يمكن أن تنطلق في هذا المعنى، أو أنها تحتمله مع معناها الأصيل. وكلمات: انطلق، وامتنع، واعترض، واحتمل، أمثلة أخرى لاقتران المعنى الأصيل والمعنى المنقول؛ فكلها تستخدم للمحسوسات وغير المحسوسات. ومادام هنالك علاقة منعقدة - كما أشار عبد القاهر الجرجاني - بين الكلمة في أصل معناها وما نقلت إليه كالشجاعة في الأسد؛ فإنها تعدُّ مجازاً.

وللمجاز قرائن مانعة من إرادة المعنى الحقيقي قد تكون عقلية، وقد تكون حسيّة، وقد تكون عادية، وقد تكون شرعية، فلا تختص قرائن المجاز بنوع من هذه الأنواع دون الأنواع الأخرى، ولابد من وجود العلاقة في كل مجاز فيما بينه وبين الحقيقة. والعلاقة هى اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له، وذلك الاتصال أمّا باعتبار الصورة، كما في المجاز المُرسل، أو باعتبار المعنى كما في الاستعارة، وعلاقاتها المتشابهة وهى الاشتراك في معنى مطلق. وإجادة استعمال المجاز في اللغة هى التي تميز بين النظر الفاسد المعطوب وجلي النظر ودقيقه.

ولهذه المبادئ تفاصيل لا حصر لها في كتب البلاغة واللغة إن في القديم أو في الحديث، وينقل شوقي ضيف عن ابن تيمية في كتاب الإيمان: " أول مَنْ عُرِفَ أنه تكلم بلفظ المجاز هو أبو عبيدة معمر بن المُثني في كتابه (مجاز القرآن)، ولكن لم يَعْن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عَنَي بمجاز الآية ما يُعَبِّر به عن الآية" (البلاغة تطور وتاريخ: ص 29).

                                                                          ***

 وظاهر من تجلية الفروق الفارقة بين الحقيقة والمجاز أننا نعوّل على الثاني دون الأول في مسألة تقدير الدلالة الميتافيزيقية للألفاظ فيما عساه يعرف بما وراء اللغة؛ ليعني فتح اللفظ لدينا أنه لا توجد علاقة ضرورية تربط اللفظ بالضرورة بمعناه (الظاهري) أو دلالته الحسية، لكنما الأمر كله اصطلاح ممَّا يتفق عليه الناس أو يصطلحونه ويتواضعونه. ومن ثمَّ؛ صارت اللغة من حيث الوظائف والأهداف والمرامي، تُعرَّف تعريفاً وظيفياً أو غائياً، كأن يُعرِّفها ابن جنيّ في خصائصه:" أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم".

والإشارة هنا إلى أن اللغة اصطلاحية لا توقيفية. وفكرة توقيفية اللغة تبنَّاها أغلب الأشاعرة ومفادُها أن الله قد أوحى إلى الإنسان الأوّل، وأوقفه على أسماء الأشياء كلها، بكل اللغات، مباشرة أو بواسطة، بعد أن علَّمه النطق، والدليل على ذلك قوله تعالى:" وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىَ المَلَائِكَةِ"، وقد نجد نفس الإشارة لدى الصوفية رغم توسّعهم في دلالات المجاز، إذْ قال ابن عطاء فيما يرويه القشيري:" إنّ الله تعالى لما خلق الأحرف جعلها سراً له، فلما خلق آدم عليه السلام بثَّ فيه ذلك السِّر، ولم يبث ذلك السّر في أحد من ملائكته. فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون اللغات، فجعلها الله صوراً لها. وصرح ابن عطا القول: بأن الحروف مخلوقة، وقال سهل بن عبد الله:" إنَّ الحروف لسان فعل لا لسان ذات؛ لأنها فعلٌ في مفعول".

ونحن نلاحظ على نصّ القشيري ملاحظتين إحداهما شكلية والأخرى جوهريّة. أمّا الأولى وهى الملاحظة الشكلية الخارجة عن موضوعنا: وهى أننا نجد محقق الرسالة يكتب في الهامش عند اسم ابن عطاء؛ أنه واصل ابن عطاء المعتزلي، وهو خطأ لا يدل على دُربة ولا خبرة، بل هو أبو العباس بن عطاء (ت 309هـ) أحد الصوفية الكبار الذين صحبوا الجنيد البغدادي، وأبي عبد الله بن خفيف، وأبي القاسم النصر آباذي، وفارس الدينوري والحلاج، ولو رجع المحقق لعبد القادر البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق"؛ لعرف أن المقصود هو أبو العباس بن عطاء، وليس واصل بن عطاء المعتزلي.

أمّا الملاحظ الجوهرية في الموضوع؛ فهى أن الله كرم آدم عليه السلام تكريماَ لم تنله الملائكة حينما خلق الحروف فجعلها سّراً له تعالى، لكنه بث ما خلق فيما كرَّم، واختص آدم بهذا التكريم فعلمه الأسماء كلها، فهذا تشريف من قدره وهو كذلك تكريم؛ إذْ لم يبثّ في أحد من ملائكته هذه الأحرف. أما قول سهل بن عبد الله: إن الحروف لسان فعل لا لسان ذات؛ لأنها فعل في مفعول"؛ فهو فيما يَتَبَدَّىَ لنا أن الحروف مخلوقة للفعل، ومن أجل الفعل، أي من أجل الخلافة وتعمير الأرض. فكأنما الإشارة تقول من بعيد إن الله جعل آدم خليفة بمقتضى ما كرَّمه بخلق الحرف؛ لأن خلافة الأرض تقتضي الفعل، والفعل لا يتحقق بغير الحرف، إذْ الحرف تنوير للفعل: فاعلية ذوقية محضة وأداة للمعرفة والتنبه والإدراك والفهم ثم العمل من أجل هذا ووفق هذا.

ومَنْ فَقَدَ أداة الذَّوْق فَقَدَ البصر بالحَرْف، وفقد معه البصيرة على تذوق اللغة.

فالحرف إذن فعل في مفعول، فعل من الله في آدم، وهو محض تكريم. هذا ما توحيه لنا إشارة سهل بن عبد الله التُّسْتّري في عبارته تلك. وعلى النقيض من هذه الفكرة، فكرة توقيفية اللغة تأتي فكرة أن اللغة اصطلاحية كما تبنَّاها ابن جنّي وغيره من علماء اللسان العربي.

يعني فتح اللفظ لدينا مرة ثانية، البلوغ بمجاز اللغة إلى ما بعده: إلى شلل التفكير والتعبير، إلى ما بعده، إلى "العَمَى اللفظي والمعنوي"، في اتحاد التجربةِ بالمَقولةِ، وَالحَالةِ بالخطاب؛ أعني "العَمَى اللغوي"؛ لو صَحَّ هذا التعبير، إلى درجة يحدث فيها صمت مطبق يعجز عنه التفكير فضلاً عن التعبير، إلى ما هو "أعمق من الكلمات".

ونقطة الانطلاق في هذا: الإيغال في المجاز، بل قلب اللغة من طريق المجاز: قلب القالب وتحوِّل العبارة من المدرك المألوف إلى ما ليس فيه ألفْة. ولا غرابة، فكل مجاز ليس إلاّ تجاوزاً؛ بمعنى أن اللغة فيه تجوِّز نفسها؛ لأن الواقع الذي تفصح عنه يجوِّز نفسه عَبْرها ومن خلالها؛ فيتجاوز المرء المعاني القريبة المرئية إلى ما بعدها؛ ليصلنا المجاز بالبعد الآخر للأشياء، أعني بعدها اللامرئي، ومن ثمَّ كمنت شعرية المجاز في لا مرجعيته، على اعتبار أنه ابتكار وتجديد يتولد من طاقة داخلية باطنة؛ كـأنه بداية دائمة؛ ولا ماضي له. وهو، بوصفه طاقة تجديد لتوليد الأسئلة، يُجدِّد الإنسان في الوقت نفسه، فيما يجدِّد الفكر واللغة والعلاقة بالأشياء؛ إنما المجاز حركة نفيّ للموجود الراهن بحثاً عن وجود آخر.

هنا يَخْلِقُ المجاز عالماً من التجربة، يتجاوز اللغة كما يتجاوز الظاهر، ويهدم اللغة كما يهدم الظاهر، ويحيا من أجل الحياة في الباطن الكوني حين "يُموِّت" الظاهر الاجتماعي بمختلف مستوياته وعلاقاته، ولا غرابة كذلك، فإنّ أحد مظاهر انحطاط اللغة في العالم الحديث عَزْلها عن تجربة السامع والقارئ والكاتب ثم هيمنة لغة الظاهر عليها بالأعراف والمصطلحات.

إنّما للفظة العربية شاعريتها الموصولة بسليقة اللغة الشاعرة. وسليقة اللغة الشاعرة مسكونة بالمجاز، هى التي تجعل السامع العربي يسمع التمثيل المشهور في قول القائل: "رأيتٌ أسداً في الحِمَام !" (والحِمَامُ: قضاء الموت وقدره، والحُمامُ الرجل القوى الذي يَحمي الآخر)؛ فلا تتمثل لـه غير صورة البطل الشجاع كما يكون الإنسان المتصف بالبطولة والشجاعة.

ولا نزاعَ في أن سهولة استخلاص المجاز الشعري من "الألفاظ المحسوسة" لهى السليقة الشاعرة التي يُحَارُ لها أبناء اللغات المحرومة من هذه المزيَّة، فيختلط الأمر على نقادهم؛ فيما يقول الأستاذ "العقاد"؛ ويحارون كيف يوفقون بين الصور التي تنقلها إليهم الألفاظ المسموعة وتبقى في أذهانهم وأخيلتهم لاصقة بأجسامها المنظورة أو الملموسة بلا فكاك من قيود المُعْجَمَات. وبهذه السليقة الشاعرة تتصل المفردات اللغوية بأشكالها المحسوسة أو تنفصل عنها ولا تبقى لها في النهاية غير معانيها المجازية؛ لأنها مفردات في لغة شاعرة يعمل فيها الخيال والذَّوْق كما تعمل فيها الأبصار والأسماع.

وحين يستمع العربي إلى التشبيه لا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلاّ ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه. فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة، وكل رسوم قد تتنقل عنده إلى حروف تتألف منها كلمات. ومن أجل ذلك؛ سُميت اللغة العربية بلغة المجاز؛ لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى ما فوقها إلى حيث المعاني المجرَّدة.

ومن أجل ذلك أيضاً؛ لم يكن من المقبول أولاً، على كل ما تقدَّم، أن يظل الناظر في اللغة عند حدود الظاهر فقط دون أن يفتح من اللفظ ما من شأنه أن يَتَّسع لورود تلك المعاني؛ ليتجاوز اللفظ إلى ما ورائه، وليعْبُر من خلاله حدود المرئي المحدود إلى ما لم يرْ بالحواس ويلمس باليد ويقع تحت طائلة النظر المحسوس.

ولم يكن من المقبول ثانياً أن نقيِّد الألفاظ، فيما تشير إليه، بواقعها الحسيِّ وكفى، بغير أن يكون وراؤها طاقة مشحونة بالمعنى والدلالة، وإلاَّ صارت لغو كلام وفضول بطالة. لكنما اللفظ المفتوح عندنا يتخطى الواقع ويتجاوزه ويعلو عليه ليَنْفتح بدوره على اللَّاواقعي، وعلى اللانهائي في داخل الإنسان بُغية اكتشاف ما في طاقاته من تَعلقُّات بحقائق الباطن الكونيِّ.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

معراج احمد الندويإن الوعي هو الفهم والإدراك للأشياء والأمور والوقائع وتفاصيلها والأسباب الكامنة وراءها، والأحداث التي صاحبتها في إطار من المفاهيم والمقاييس والقناعات. الوعي هي حالة عقلية ونفسية يكون فيها المرء بحالة إدراك لذاته ولمحيطة الخارجي، الوعي هو إدراك الأحوال المعاصرة والعوامل المؤثرة في المجتمعات والقوى المهيمنة على العالم والأفكار المنتشرة وتصور السبل للعيش من خلال ذلك وكيفية تحقيق مشروعه ورسالته في ضوء كل تلك المعطيات. يتنوع ويتوسع الوعي في العديد من المجالات الاجتماعية والفكرية.

إن الأفكار في أي أمة من الأمم هي أعظم ثروة تنالها الأمم والشعوب في حياتها، إذا كانت أمة ناشئة، وأعظم هبة يتسلمها الجيل من سلفه، إذا كانت أمة عريقة في الفكر المستنير، والأفكار هي وجود عملية التفكير عند الأمة في وقائع حياتها بأن يستعمل آخرها في جملتهم ما لديهم من أفكار يبدعون باستعمالها في الحياة، فينتج عندهم من تكرار استعمالها بنجاح طريقة تفكير منتجة.

وقد وردت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم التي تحض عل التفكير بقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾1  وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ ﴾2  وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾3

وقال سبحانه وتعالى: ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾4  وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾5

لقد خاطب القرآن الكريم العقل وحض على التفكير في الكون والحياة والوقائع والأحداث التي تجري حول الإنسان. فالتفكير المطلوب لا بد أن يكون مستندا لأساس فكري أو قاعدة فكرية حتى يكون تفكيرا منتجا، والذي يبدأ بالأحساس بالواقع احساسا فكريا، بكون الفكر مصدرا له، وليس هو مجرد الشعور بالواقع فيتجاوب معه الإنسان من غير نظر أو تفكير أي احساسا ناتجا عن فهم ومعرفة وادراك في إطار ما لديه من مفاهيم وقناعات ومقاييس، وهذا هو المكون للوعي الفكري.

إن مجرد فهم وادراك الواقع لا يكفي لإيجاد الوعي الفكري، بل لا بد من فهم وادراك المعالجات لهذا الواقع. والتفكير بالواقع سواء بتغييره أو تحسينه أمر ضروروي للإنسان والحياة، لأن التغيير هو الحركة والحركة هي الحياة، إذا توقفت الحركة تتوقفت الحياة، لذا كان لا بد لكل أمة من التفكير بتغيير الواقع والعمل على تغيير أحوالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾6

إن الوعي الفكري عبر الخطاب القرآني يتطلب فهم وادراك وتفنيد الأفكار والوقائع بحسب واقعها وموضوعها. لقد رسم الخطاب القرآني المنهج لتشكيل الوعي الفكري الجماعي للأمة، فالسير على منهج القرآن في العصر الحاضر يقتضي امتلاك الوعي الفكري.

إن الإسلام جاء مقيما وضابط للحياة البشرية، ولقد وضع القرآن الكريم أمثل الطرق التي يستطيع الإنسان أينما كان على مراحله الزمنية أن يسلكها، واليوم ما أصاب المسلمين من ضعف فكري، وما طرأ على الأذهان من ضعف فهم الإسللام وفقدان الأمة للوعي الفكري. والأمة الإسلامية لا ترتقي للمكانة التي أرادها الله لها إلا إذا اتبعت المنهج كما حدده القرآن الكريم في خطابه للأمة لامتلاك الوعي الصحيح على مبدأها وكيفية مواجهة الأفكار الأخرى.

إن الوعي على ما يدور من حولها وما تقوم به الأمم الأخرى من أعمال ما تتخذ من مواقف، فالأمة التي لها رسالة تحملها وتدعو إليها فهي أمة واعية متحركة نشيطة، لها أفكارها ومفاهيمها وقناعاتها، أما الأمة التي لا رسالة لها، فهي أمة ميتة تخلو من الوعي الفكري، ولا تدرك ما يدور حولها.

الوعي الفكري هو صمام الأمان للأمة ولحملة الدعوة في مواجهة موجات الغزو الفكري والثقافي. والأمة الإسلامية بعد أن سارت فترة من الزمن مبتعدة عن أفكارها ومنقطعة عن طريق تفكيرها في واقع الحياة، ضعفت أفكار الإسلام الصحيحة في نفوس أبناء الأمة مما أدى إلى الضعف الذي طرأ على الاذهان في فهم الإسلام ودب فيها الضعف الفكري.

إن الوعي الفكري الذي رسمه القرآن الكريم هو الوعي الذي يقوم على المبدأ الإسلامي وعلى فساد المبادئ الأخرى هو الذي يدفع لإقامة المبدأ الصحيح، وفيه كل معروف وإزالة المبادي الفاسدة وكلها منكر، وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا الشكل الراقي، قد حدده القرآن الكريم للأمة الإسلامية في زمان ومكان. وهذا لا يتأتي إلا بامتلاك الوعي الفكري كما رسمه القرآن الكريم.

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا - الهند

.........................

الهوامش:

1- القرآن، سورة البقرة رقم الآية 219

2- القرآن، سورة روم رقم الآية 8

3- القرآن، سورة روم رقم الآية 21

4- القرآن، سورة يونس رقم الآية 24

5- القرآن، سورة رعد رقم الآية ٣

6- القرآن، سورة رعد رقم الآية 11

 

لقد وجد القانون منذ ان وجد المجتمع الانساني المنظّم. وعلى الرغم من فقدان كم لا يستهان به من نصوصه لكننا نستطيع ان نتأمل ونتساءل حول نوع القانون الذي اعتمده اسلافنا الاوائل. ولم يكن هنالك أي قانون مدوّن حتى ظهور الكتابة. والتي تركت اثار لا تمحى وسجل يستطيع المؤرخين المعاصرين اعادة بناء المؤسسات القديمة التي عاشت في تلك العصور. إذ تم اختراع الكتابة في حدود نهاية الالفية الرابعة قبل الميلاد في الشرق الادنى القديم وبذلك نجد ان هذا حدث وبعده بفترة تمتد الى مئات السنين ظهرت السجلات القانونية الاولى المعترف بها. وبناء على ذلك، يعدّ الشرق الادنى القديم موطن اقدم قانون معروف في العالم حيث انه يعود الى السجلات القانونية الاولية للحضارات القديمة الاخرى فيما عدا الشرق الاقصى المتمثلة في الهند والصين.

ومن ناحية اخرى يمثل الشرق الادنى القديم مهد نظامين قانونيين هما القانون العام والقانون المدني (حسب تصنيف القوانين في الوقت الحاضر). ويعدّ ذلك نواة القانون الحديث بصورة عامة الذي ترك اثاره وكان له الكثير من التأثيرات المرئية من الاثار المقدسة التي بقيت بعد انهيار الحضارات القديمة الا ان اثرها العميق بقي في عقول صنّاع القانون في الغرب والى يومنا هذا. وفي الحقيقة، نجد ان الترابط غير مباشر من خلال الانظمة الكلاسيكية للقانون العبري والاغريقي والروماني كما ان اثر هذه الانظمة في القانون الحديث وتقاليده معروفة جدا ويعتبر ارثا لحضارة قديمة تتضمن القانون الكلاسيكي والذي بدأ يظهر ثانية في الوقت الحاضر. ويمتاز قانون الشرق الادنى القديم في جميع الاحوال بنظام قانوني واحد وهو نتاج مجتمعات عديدة بلغات مختلفة وحضارات مختلفة ومزدهرة في فترة ما واندثرت بعد ذلك وحل محلها حضارات اخرى عبر الاف السنين والتاريخ الذي بين ايدينا يمثل اول محاولة لعرض مسح وتحليل شامل لقانونهم وهو نتاج عمل دؤوب لفريق من الباحثين يبلغ عددهم 22 باحثاً.

يغطي هذا التاريخ منطقة تقع من الناحية الجغرافية فيما يطلق عليها في الوقت الحاضر بالشرق الاوسط وهو موقع يمتد من ايران الى مصر ويتركز في قوس من الاراضي التي تعرف بالهلال الخصيب ويبدا بأول سجلات قانونية من بلاد سومر في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وينتهي في حدود نهاية القرن الرابع قبل الميلاد بعد غزو الاسكندر وجعل الشرق الادنى القديم جزء من العالم القانوني الاوسع للفترة الهيروغليفية – ان مثل هذه الاختلافات في كمية ونوعية المصادر يمكن ان تؤدي الى تقسيم دقيق للأنظمة القانونية وكما هي الحال في التاريخ القانوني الكلاسيكي او الحديث فان هذه المهمة ليست بالسهلة ويتناول كل فصل من الفصول معالجة مصادر من منطقة جغرافية امتازت بمصطلحاتها السياسية او الحضارية اكثر من المعاير الشكلية للنظام القانوني السائد مثل النظام العسكري. ويرتكز التقسيم حسب التسلسل الزمني على معاير سياسية او حضارية معروفة لدى المؤرخين او بكل بساطة لتوفر الارشيفات. وان الحاجة الى الاستمرارية والتواصل في المصادر تعني ان تاريخ الاحداث ليس ممكنا حيث ان هنالك العديد من اللقطات او سلسلة من اللقطات مبعثرة بصورة عشوائية في الزمان والمكان يمكن جمعها.

وضمن اطار كل فصل من الفصول تم تقسيم الموضوع الى فصول قانونية تغطي جميع الجوانب الاساسية والتركيبة للنظام القانوني باستثناء القانون الدولي التي تمت معالجته في فصول مستقلة وكذلك آلية العدالة مثل الادارة والمحاكم والقواعد القانونية التي تطبق من قبل هذه المؤسسات لفض المنازعات. وضمن اطار هذه الثوابت، تم تقديم كل القواعد القانونية سواء أكانت حقيقية ام مثالية. اما مسألة التطبيق العملي فقد تمت مناقشتها في هذه المقدمة وكذلك في الفصول اللاحقة.ومن جهة اخرى تم الاخذ بنظر الاعتبار المؤسسات التي لم تعتبر جزء من الانظمة القانونية الحديثة مثل المحاكم الالهية وكذلك الاجراءات الاثباتية العقلية حيث ان هذه الظواهر تعتبر جزء من الية العدالة الاعتيادية في هذه المجتمعات. ومن ناحية اخرى تم استبعاد القانون المقدس وبعبارة اخرى القواعد القانونية التي تعالج الطقوس العبادات والمهرجانات والعلاقات بين البشر والاله ماعدا ما يلقي الضوء على القانون غير المقدس وطالما ان الخارطة السياسية لهذه المنطقة كانت عرضة لتغيرات عديدة عبر السنوات الطويلة فقد اعتمد المؤرخ نظام التسلسل الزمني وذلك بتقسيمها الى مناطق حسب المدن في الامبراطورية الروسية وبلاد الرافدين وسوريا وفلسطين ومصر وان هذا التقسيم تم استعماله هنا لجمع الفصول جغرافيا وتقسيمها الى ثلاثة اقسام بحيث انها تتزامن مع ثلاثة حضارات رئيسة وهي بلاد الرافدين وبلاد الاناضول والشرق الادنى سوريا وفلسطين ومصر، وثم ترتيب الفصول حسب التسلسل الزمني مع ربط المجالات الحضارية الرئيسية في كل من هذه الالفيات الثلاثة. ولا يعتبر التقسيم اصطناعياً بصورة كلياً طالما ان نهاية الالفية الثالثة والالفية الثانية شهدت فتور في تدفق السجلات وتبع ذلك تغيرات حضارية وسياسية كبيرة ومن ناحية اخرى فان نهاية الالفية الثالثة اتسمت بانتقال المملكة القديمة في مصر وذلك في نهاية السومريين كقوة حضارية في بلاد الرافدين. وشهدت نهاية الالفية الثانية ظهور قوى عظيمة هيمنت على المنطقة بما في ذلك التدمير الشامل للامبراطورية الحيثية لكي يحل محلها في الالفية الاولى تعاقب دول كبرى وهي بلاد اشور وبابل وفارس. ومن الناحية الحضارية تعتبر الالفية الاولى شاهدا على الظهور التدريجي للارامية كلغة واضحة وانتشار انظمة الكتابة الجديدة وذلك في الكتابات الابجدية في غرب اسيا وفي مصر.

وبصورة عامة يغطي هذا المسح معظم الانظمة القانونية بالاستناد الى اللغات المختلفة والى الحضارات والانظمة السياسية التي انتشرت عبر فترة زمنية تقدر ب (3) الاف سنة تقريبا ويعكس كل فصل الخبرة الخاصة ومنهج المساهمة الفردية ولكن في الوقت نفسه نامل بان النظام المعياري للتقسيم سوف يمكّن القارئ من اجراء مقارنة للمؤسسة القانونية عبر الانظمة المختلفة والفترات المختلفة.

وعلى ضوء هذا التنوع والحاجة الى التواصل يمكن ان تتساءل فيما اذا كان الشرق الادنى القديم يعتبر منتدى ملائم لهذا النوع من التخفيف الفكري سواء كان ذلك تقسيما فرعيا متجانسا في تاريخ القانون البشري فهل من الممكن الحديث عن قانون الشرق الادنى باي اطار ذا معنى؟

وحسب وجهة نظر المؤلف انه على الرغم من ان فكرته لا يشاطرها كل المؤرخين في الشرق الادنى القديم وحتى المساهمين في هذا وفي هذا الجزء فان الطبيعة المستقلة للانظمة المختلفة تعكس تواصل مهما في المفاهيم القانونية الاساسية عبر الالفيات الثلاثة. ومن دون الرغبة في التركيز والذهاب بعيدا عن النماذج التاريخية الحديثة مثل انتشار القانون الروماني او القانون العام الانكليزي وسوف نناقش ذلك كله وكل انظمة الشرق الادنى القديم التي تعود وبدرجات مختلفة الى الثقافة القانونية العامة والتي تختلف ربما كما هو موجود في الوقت الحاضر وعلى اقل تقدير فانها تشارك علم الوجود القانوني : وهي طريقة النظر الى القانون التي تعكس نظريتهم للعالم وتحدد افق صانع القانون. والمسألة هنا تتعلق بالناحية الاساسية لطبيعة المصادر القانونية القديمة.

وضمن صياغة تاريخ القانون نجد ان مصطلح (المصدر) له معنيين اثنين. ومن الناحية التاريخية يشير المصدر الى السجلات المدونة والتي يستطيع المؤرخ من خلالها الحصول على دليل للقواعد القانونية والمؤسسات القانونية. ومن وجهة النظر القانونية فان المصدر يشير الى المعايير المدونة وغير المدونة والتي منها تستقي المحاكم سلطتها من اجل اتخاذ قراراتها. (ففي القانون الحديث نجد التشريعات والمعاهدات وغيرها). ومن وجهة النظر التاريخية تعد المصداقية هي الاختبار الدقيق لنفاذ المصدر. وهكذا فان من الضرورة بمكان ان نعتبر المصادر في كل وجه من وجهتين النظر المذكورتين وهي السجلات التاريخية والسلطات القانونية.

ورد الكم الهائل من سجلاتنا من بلاد الرافدين على شكل الواح طينية مدونة باللغة المسمارية. ويكمن سبب ذلك في الظروف التي يتم فيها فخر هذه الالواح الطينية وجعلها مادة معمرة ومستديمة وعلى عكس ذلك فان تدمير المدينة بواسطة الحرق سوف يساعد على الاحتفاظ بهذه الالواح الى ان ياتي دور علماء الاثار لينقبوا عنها وقد تم التنقيب عن عشرات الالاف من السجلات القانونية بهذه الصيغة ويتم اكتشاف المزيد منها سنوياً. وهنالك ايضا توزيع على مدار الزمن حيث ان هذه الالواح موجودة خلال فترتين مهمتين وهي الفترة البابلية القديمة(من القرن التاسع عشر الى القرن السادس عشر)

والفترة البابلية الحديثة (من القرن السادس الى القرن الرابع قبل الميلاد)

وفي سوريا وبلاد الاناضول هنالك عدد متزايد من الالواح التي تحتوي على الكتابة المسمارية تم اكتشافها وتعود الى الالفيتين الثانية والثالثة ففي الالفية الاولى تم اعتماد مواد جيدة للكتابة الابجدية وهذا يجعلها تتوقف لكونها مصدر مهم للسجلات. الا ان هنالك بعض التعويض جاء من التورات التي تعتبر مصدرا رئيسا للقانون في سوريا وفلسطين في الالفية الاولى. وعلى كل حال تختلف عن السجلات الاخرى حيث انها مقتبسة من تقليد مخطوطات متواصلة وهنالك مشكلات خاصة تظهر لعدم كونها مصدرا معاصرا خاصة فيما يتعلق بالتسلسل الزمني والتطبيق العملي للقواعد القانونية التي تتضمنها.

اما سجلات مصر فقد جاءت بصورة اساسية على شكل البردي مع اضافات قليلة من الكتابات على النصب التذكارية والمعاير والاضرحة وبسبب الاحداث فان لم يبق الا اعداد قليلة منها.

ان التوزيع الوتري للمصادر يؤدي الى تشوه في السمة العامة لقانون الشرق الادنى القديم. الا ان كل التركيز سوف يكون لا محالة منصباً على بلاد الرافدين بسبب الوفرة الغزيرة للسجلات المتوفرة. حيث ان مصر ليس لها اقل كمية او تعقيدا من ذلك الا ان هناك العديد منها فقدت او انها موجودة في قطع مشوهة بحيث انها تعطي مزيدا من التشوه.

ومن الجدير بالذكر هنالك معياران متعارضان احيانا يمكن استخدامهما لتقديم مصداقية السجلات التاريخية. واولهما هو المعيار الذي يركز على تقديم الدليل المباشر او غير المباشر للمعاير القانونية وان التمييز ليس وقفيا وانما هي مسالة نسبية تعتمد على اصل الوثيقة (العامة او الخاصة) وفيما اذا كانت توضح معياراً حقيقياً او مبداً او مجرد انها تشير الى احدهما. اما المعيار الثاني فهو الادراك الذاتي الذي بواسطته تم تقديم القانون كمصدر. فان المصادر القديمة (وحتى الحديثة منها) ليست بالضرورة حيادية في تقديمها للمعاير القانونية وبصورة متناقضة فان التوضيح المباشر للقانوني يمكن ان يكون تشويها بسبب المصلحة الذاتية حيث ان قيمة الحكم للقانون هو هدف المصدر. واخيرا تم تقديم الانواع المختلفة للمصادر القانونية التي عثر عليها في الشرق الادنى القديم بصورة مباشرة.

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الأثار - جامعة الموصل – العراق

........................

المصدر:

Raymond Westbrook : The Character of Ancient Near Eastern Law، A History of Ancient Near Eastern Law، Brill Leiden-Boston، 2003

مقدمة كتاب ريموند وستبروك

 

عامر عبدزيد الوائليحدث هذا من خلال بناء المنظومات التخيلية أيّ السرد الأسطوري للإحداث فالرحلات التخيليه، أولا: الرحلات البشرية إلى العوالم التخيلية، ثانيا: رحلات الآلهة إلى العالم السفلي عقابا، ثمة الكثير من النصوص التي تحدث عن رحلات افتراضية تخيلية إلى عوالم مفارقة ميتافيزيقيا: الجنة، السماء، العالم السفلي / النار، هذه العوالم الافتراضية التخيلية التي تمكن الإنسان من الحديث عنها من خلال اللغة؛ على رغم من أنها عوالم مستحيلة في ضوء عالمنا إلا أننا حاولنا الحديث عنها من خلال مقولتي:

المطلب الأول، الزمان والمكان التخيليان:

أ- البعد التخيلي للزمان "الزمان المتخيل": إن الحديث عن الزمن المتخيل يفترض لدينا تأصيل أحد أهم البحوث في هذا المجال التي تتمركز حول الزمن البدئي الذي تناوله " مرسيا الياد" في كتابه "مظاهر الأسطورة " إذ يرى: أن الأسطورة هي تاريخ مقدس يروي عن الأصول والبدايات الأولى عن ألازمان التي ابتدرت منها الآلهة الكون بكليته وشتى تفاصيله . ولكن الأسطورة لا تتخذ من هذه الأصول والبدايات موقفا ذهنيا وصفيا . بل أنها تسعى دوما إلى استعادة الازمان المقدسة وزرعها في الزمن الجاري، من اجل الحياة في عالم نقي متجدد يشبه حالته عندما خرج من يد الخالق، ومن اجل إعادة تأسيس مستمر لهذا العالم وهذا ما اسماه بالزمن المقدس بقوله:" إن زمن الأسطورة هو " الزمن القوي "، " الزمن المقدس "، الزمن العجائبي الذي يخلق منه الشيء جديدا قويا، وبكل امتلائه . إن نعيش ذلك الزمان ثانية، إن نستعيده في أكثر ما يمكن من الأحيان، إن نشاهد من جديد الأعمال الإلهية، إن نلتقي الكائنات العليا ثانية، وان نتعلم منهم درسهم الخلاق، إن هذا لهو الرغبة التي تستطيع إن تقرأها واضحة في جميع التكرارات الطقسية للأساطير على وجه الأجمال، تكشف الأساطير عن إن للعالم والإنسان والحياة أصلا فائقا للطبيعة وتاريخا فائقا للطبيعة أن لهذا التاريخ معنى وقيمة وأنه نموذج يحتذي.

إن وظيفة الأسطورة هي حكاية تعيد الحياة إلى حقيقة أصلية وتستجيب لحاجة دينية عميقة، وتطلعات أخلاقية، وواجبات وأوامر على المستوى الاجتماعي، بل وحتى متطلبات عملية . في الحضارات البدائية، تملا الأسطورة وظيفة لا غنى عنها، تفسر وتبرز وتفتن المعتقدات تحامي عن المبادىء الأخلاقية وتعترضها تضمن فاعلية الاحتفالات الطقسية، وتنتج قواعد عملية لاستعمال الإنسان الأسطورة .

ويتناول الباحث أصولها وقوتها السحرية: إذ درس أساطير الأصول وأساطير نشأة الكون (كوسموغونيا) فكل أسطورة أصولية إنما تحكي تسوغ وصفا جديدا بمعنى أنه لم يكن موجودا منذ بدء العالم . الأسطورة تروي كيف طرأت تعديلات على العالم، وهل اغتنى أو افتقر .ويتناول تكرار ولادة الكون ؛ لاًن الكون هو النموذج الأصلي المثالي لكل وضع مبدع ولكل خلق وحسب، وإنما لأنه عمل اٍلهي أيضا، فهو مقدس اذن في بنيته نفسها . توسعا كل ما هو تام " ممتلىء " و منسجم، ومخصب، بكلمة واحدة: كل ما هو (متكون " Cosmise" كل شيء يشبه الكون، فهو مقدس . كذلك إن اتفاق عمل شيء مات أو بناءه حلقة أو تركيبة، إعطاءه الشكل أو الأخبار عنه وتشكيلة .. كل هذا معناه الإتيان بهذا الشيء إلى الوجود، ومن ثم منحه " الحياة " وجعله مماثلا للتنظيم المنسجم بامتياز Cosmise والكون هو العمل النموذجي للآلهة، هو قسمة أعمالهم .

وفي العودة إلى الأصول يقول: يشكل " الزمن الأصل " الذي هو زمن " قوي"، كما قد رأينا لا لشيء إلا لأنه كان على نحو من الأنحاء " الوعاء" أو الظرف الذي حصل منه " خلق جديد " . إما الزمن إلذى انقضى بين الأصل واللحظة الراهنة فليس زمنا " قويا" ولا زمنا "هاما"ماعدا الفترات التي يتحين منها الزمن البدئي، طبعا – ولهذا السبب لا يؤبه له ويصار إلى إلقائه وهكذا تعدو العودة إلى الأصول التي تسمح بإحياء الزمن الذي ظهرت فيه الأشياء لأول مرة، تكون خبرة ذات أهمية عظمى في المجتمعات القديمة .وفي هذا الزمن الذي يسميه قدسي أو باصطلاحنا أحد أنماط الزمن المتخيل يتناول فيه مظاهر محددة هي الفوائد أو الوظائف التي قوم بها ذلك الزمن وهي آلاتية:

تحديد العالم أيّ أساطير وطقوس التجديد حيث يتناول التتويج وولادة الكون (لدى مقدم حاكم أو سلطان جديد يصار إلى تكرار عملية ولادة العالم (كوسموغونيا) وهذا المفهوم كثير الشيوع عند الأقوام الزراعية .. حيث يغدو الملك مسؤولا عن استقرار الكون برمته وخصوبته ورفاهيته . وهذا يساوي القول إن كل تحديد عالي لا يتحدد مع الإيقاعات الكونية وحسب، وإنما مع الأشخاص والحوادث في التاريخ . والتجديد يتم بواسطة طقس العام الجديد هو في العمق، تكرار لولادة الكون (1) .

والعالم الجديد وولادة الكون في الشرق الأدنى القديم حيث كانت ملحمة الخلق (اينوما ايليش) في المعبد، وعلى حد تعبير فرانكفورت كانت " كل سنة جديدة تقتسم عنصرا جوهريا مع اليوم الأول الذي خلق منه العالم وابتدأت به دورة الفصول . إذ سكان الرافدين كانوا يشعرون إن (البدء) مرتبط عضويا و" غاية " تتقدمه، وان هذه الغاية من طبيعة (العماد) نفسه، الذي كان قبل الخلق .

نهاية العالم في الماضي والمستقبل . إن نهاية العالم على هذا النحو ليست بالنهاية الجذرية أي بالطوفان أو الدمار حرائق وهزات أرضية، بل هي نهاية للبشرية يعقبها ظهور بشرية جديدة لكن غمر المياه للأرض بصورة كلية أو حرقها بالنار كليا بقصة كونية .

يرتبط الطوفان (بآثار غضب الكائن الأعلى أو نتيجة شهوة كائن الهي) .. وهذه الفكرة القائمة على الدمار (إنها تعبر عن الفكرة القديمة نفسها، بانحطاط العالم تدريجياً يستوجب دماره وإعادة خلقه دوريا) (2)

ب- البعد التخيلي للمكان"المكان المتخيل":

هناك مكان أخر هو أبداع عقلي ذو طابع عاطفي انه المكان المتخيل أي المكان المرتبط بالخيال وقدرته الإبداعية على خلق عوالم بديله يحاول من خلال التعبير عن وجدانه وعواطفه ورغباته هذا المكان المتخيل .يقول عنه باشلار (إننا لا نعيش الصورة بشكل مباشر والواقع إن لكل صورة عظيمة عمق حلمي بعيد الغور يضيف إليه التاريخ الشخص لونا خاصا)(3)إن المكان ليس المكان العقلي الرياضي بل هو انعكاس صورة الأشياء المعاشة في ذات الإنسان الذي بدوره يعطيها صورة الأشياء وجدانية , وفي هذا يقول ادوارد سعيد إنه يصف (أي باشلار)فضاء المنزل-الموضوعي زواياه ,وردهاته ..مما يضفي عليه شعريا ..ذات قيمة تخيلية أو مجازية)(4) فان المكان هو انعكاس لذات وبعدها العاطفي واثر هذا على المكان في الوقت الذي يظهر في المكان بمعناه العلمي –العقلي متجانس متصل يصف مرسيا الياد(المكان الأسطوري) بعدم التجانس والانقطاع تظهر درا ستة عبر العلاقات الآتية:

المقدس إن الحياة غير ممكنة بدون نافذة نحو المتعالي فان مركز العالم ينطوي على المكان المقدس إذ يتم عن طريق ظهوره تنفتح (كوة)من الأعلى (العالم السماوي) أو الأسفل الأقاليم الدنيا ,, وعالم الأموات تصبح المستويات الكونية الثلاثة الأرض والسماء والأقاليم الدنيا متصلة بعضها ببعض وفكرة الاتصال معبر عنها أحيانا بعمود كوني يكون وسط العالم المسكون الذي ينشر حوله (5) إن المكان الأسطوري مكان ثانوي، غير متجانس ؛ لأن الأسطورة لا تستند إليه إلا من خلال العلاقة القائمة بينه وبين التخييل أو مع اللاواقع (6)، لذلك نجد ان العلاقة بين الأماكن لاتتم الا من خلال الارتباط بطرف ثالث هو الالهة. وهذا يقتضي وجود باب مفتوح يجعل الاتصال معها ممكنا. فعلى هذا الأساس (يجب أن يوجد (باب) صوب الأعلى، ويمكن منه أن تنزل إلى الأرض ويمكن للإنسان أن يصعد رمزيا الى السماء) (7) وبما أن للمكان خصوصية قد لا تفوقها العناصر السردية الأخرى في أي نص سردي آخر، فان للمكان الأسطوري – على الرغم من هامشيته – خصوصية تفوق الأماكن الأخرى، ولأهميته فقد احتفت النصوص الأسطورية به، وغالبا ماتفتتح الأسطورة بوصف أو ذكر مكان معين وتنطلق هذه الأهمية من منظورين:

الأول: إنه يأخذ طابعاً ميثولوجيا، فكان القدماء يعتقدون بأنه ينقسم على ثلاثة عوالم: السماء، والأرض، والعالم السفلي (8) .

الثاني: إنه مكان أزلي، بمعنى أنه المكان الأول الذي ظهر إلى الوجود وتفرعت عنه الأماكن الاخرى. فاذا سلمنا بأزليته، فهذا يعني أنه خيالي، وهذا يشير الى أن المكان – أي مكان كان له وجود فعلي في الواقع، لكنه يتحول الى مكان وهمي / خيالي بمجرد مايحيل الى عوالم مستحيلة أو ممكنة، بمعنى آخر أنه (ليس مكانا حقيقيا وإنما هو مكان متخيل مصاغ من ألفاظ لا من موجودات وصور) (9) فعلاقة الأسطورة بالمكان(علاقة البناء الفني برموزه أي أن الأماكن الحقيقية في هذا العالم لا وجود لها في الأسطورة؛ذلك أن المكان، أو البيئة الطبيعية رمز لما تحمله الأسطورة من المضامين والدلالات والمغزى، ولكنه ليس مكانا حقيقيا، كما انه ليس مسرحا طبيعيا لأحداث الأسطورة التي تجري خارج حدود المكان وخارج إطار الزمان) (10) هنا يقدم صفات للمقدس بالاتي:

الأولى: إنة اكتسب قداسته من حلول المقدسي فيه .

الثانية: إنه ينقسم إلى أماكن مقدسة هي المعابد والمدن

(فالشئ يبدو وكأنه وعاء " لقوة خارجية " تفرق عن محيط وتمنحه "معنى"و "قيمة " وقد تقيم هذه القوة في ماهية الشئ نفسه في صوره فصخرة تتكشف عن قدسية لأن وجودها بالذات هو تجلي للقدسي)(11) وكما يصف احد الباحثين هذه المظاهر البرانية للشجرة أو الصخرة آو عين الماء تقف قوة خفية تتوقف عليها حياة البشر والطبيعة القدسي)(12)

الثالث:هناك فرق بين المكان المسكون والمكان غير المسكون .

إن الحياة غير ممكنة في العماء التي تفقد الصلة بالمتعالي فالإقامة في كل (مكان تعني في الدرجة الأخيرة تطويبه)(13)هكذا تغدو لدينا أماكن مختلفة:

الأول - المكان المقدس: وقدسيته جاءت من حلول الإله فيه، وهو مكان جزء من المكان الدينوي .

الثاني بالمقابل هناك مكان أخرى متخيلة ؛ كونه وليد الرغبات والأماني في الحصول على مكان لا يتغير، فيه ديمومة وحياة خالدة، كان المكان "دلمو" أو"عدن" أو ارض الأحياء "غابة الأرز" وهذه اشاره إلى إنها الأرض التي يعيش فيها الخالدون ,أو المكان الذي يمكن للإنسان البشر الفاني ومن أهم مخاطر هذا الطريق هو إن الأسود تتولى حراسة ممراته وان التخلص منها يتطلب مساعدة إلهية كما نقرأ فى هذه الأسطورة على النحو الآتي:- ِ

وهكذا وصل جلجامش أخيرا إلى ذلك الجبل الكبير الذي يطلقون عليه "ماشو" الجبل الذي يحرس للشمس في شروقها وغروبها .ترتفع قمته إلى السماء ,وتضرب جذوره إلى العالم السفلي وعند بوابته يقوم العقربان بالحراسة (14)هذا الجبل هو العقبة بين جلجامش (حيث أمال أوروك) بين المكان المشتهى المتخيل "دلمو"فهو مانع دون الوصول إلى هناك فهو حاجز فاصل يحول دون الوصول إلى دلمو .وهو من ناحية أخرى - ا لرابطة بين العوالم الثلاثة عالم السماء المتخيل حيث "انو" كبير الآلهة وعالم الأموات العالم السفلي المتخيل ارض اللاعودة ,وفي الوسط اروك مركز العالم ؛ يصف مرسيا لياد:المكان المقدس بأنه واسطة بين الأرض والسماء (وهذا ما يظهر في رمزية "الجبل الكوني "حيث في ثقافات كثيرة تحكي عن جبال أسطورية)(15) وهناك مكان أخر في "دلو"انه "حديقة الآلهة"هي جنة عجيبة بمناظرها البهيجة وألوانها الزاهية ,وهي حقا تنقل المشاهد نقلة أسطورية هذا الجو المظلم الكئيب الذي عاشه جلجامش خلال رحلة عبور الجبل إلى جو من الإشراق والبهجة بعد إرهاق الساعات الطويلة في الظلمات المحيط بالجبل .وقد نقلت هذه الحديقة الأسطورية بأوصافها غير العادية تفسير تاريخيا واقعيا يجعلها حديقة أرضية تنتمي إلى العالم الذي نعيش فيه .ثم هناك مكان متخيل إن "بحر الموت" ينتقل جلجامش من "حديقة الآلهة "إلى موقع أسطوري أخر انه ذلك البحر الذي يحيط المكان بالصعوبات وتجعل أمنية الوصول عسيرة على الإنسان حتى لو كان مثل جلجامش الراعي السياسي البطل الشعبي .

إن يحصل فيه على الخلود ويقول جلجامش: لم انقش اسمي على الألواح كما مقدر لي لأذهبن إلى البلد الذي تقطع فيه أشجار الأرز ولا ثبتن اسمي في المكان الذي تكتب فيه أسماء عظماء الرجال ولاقيمن نصبا للآلهة حيث لم يخط اسم حتىّ الآن، هذا النص يقدم لنا توصيف لنوعين من المكان:

الأول المكان المرغوب به "دلمو " الجنّة: المكان المتخيل للحصول على الخلود وهي رغبة تداعب جلجامش مثلما تداعب كل القراء في خلود الذات وإبعاد عنها الاندثار والغياب، وهو أمر ليس مشتهى من قبل جلجامش فقط بل عظماء الرجال داخل ثقافته المندثرة، بالمقابل هناك مكان له صفة أخرى وهي كونه مكان فارغ خالي من أي ذكر للآلهة التي تمثلها "أوروك"الآلهة القومية فالإله يعني تعبير عن الشعب الذي يحميه، ومن ثم يغدو هذا المكان محل رغبة أوروك لحاجاتها إلى الأخشاب في بناء المعبد والقصر وأوروك عموما، مكان متخيل يحقق لها إشباع لحاجاتها , وذكر الاسم يعني تطويب لهذا المكان وتحويله من مكان للغيلان مثل "خمبابا"إلى مكان تسكنه اللآلهة وتضفي عليه التمدن (وتبدو الملامح الأسطورية في غابة الأرز أو أرض الأحياء ,في أنها أولا ارض بلا حدود جغرافية واضحة وبلا معالم حقيقية تدل عليها كما إنها أيضا ليست منسوبة إلى زمان ومكان معينين(16) وثمة مكان متخيل أخر في الطريق من أوروك إلى دلمو وهو يمثل انقطاع في المكان الدنيوي بحلول القدسي فيه فهذا المكان هو "جبل ماشو" من ألاماكن الأسطورية في الملحمة الجبل الذي وصل إليه جلجامش بعد إن قرر البحث عن "اوتونبشتم "وكان هذا الجبل يمثل عقبة أمام جلجامش عليه إن يتخطاها بالطريق المودي إلى الجبل فهو طريق محفوف بالمخاطر ولم يتمكن إنسان من الوصول إليه من قبل .

ياجلجامش لم يسلك هذا الطريق أيّ أحد مطلقا .

والتي لم يطرق أيّ أحد مسالك جبالها .

وتمتد أعماقها على مسافة اثنتا عشر ساعة مضاعفة .

(حيث) الظلام الكثيف ولا يوجد أي نور .

من مشرق الشمس المغرب الشمس .

العالم المتخيل الثاني "العالم السماوي":

هو "العالم السماوي"حيث مقر زعيم الآلهة "انو" هذا المكان يمثل هيمنة مطلقة لأنه عالم الآلهة السلطة المطلقة التي كل ما في الأرض هو صدى لها .

وإذا ما بحثنا عن العلاقة بين السماء والأرض لكانت هي تمثل المكان الذي شهد الحدث الأول فهو مكان متخيل كل ما حدث فيه يحاول تكراره في أفعاله الطقسية أفعال البشر وقيمتها لا يرتبطان بمعطياتها الفيزيقية الخام بل بما هي إعادة لفعل بدئي وتكرار لمثال مطيقي .. وما حياته إلا تكرار متصل لبوادر ابتدرها آخرون غيرهم) ، وأيضا للسماء استمرارية في سيطرتها لكل ما يدور على الأرض فهي المكان الذي يحل فيه الإلهة فهذه الآلهة هي الفاعل في الأرض ؛ نجده في ملحمة جلجامش (يحاول القاص انطلاقا من أرضية منبسطة (مدينة .... سهل) تنظيم إبعاد المعاش .

(جلجامش في ممارسة استبداده ... الشعب في شكواه ... الخ)

وتشكل التجربتان المعاشتان في المدينة وفي السهل أساساً أو نقطة انطلاق المغامرة الفضائية في القصة . بين المدينة والسهل لأيتم الاتصال بشكل مباشر عن طريق طرف ثالث يملك القدرة على الفعل الإلهي ... إن الأعلى أو عالم الآلهة هو عالم منفصل عن العالم الأرضي لكنه يرتبط به ارتباطا وثيقا بالمقاوة يشكل سقفا لهذا الأخير حيث يصعب على سكان الأسفل (المدينة) اقترافه أو حتى مجرد الوصول إليه إذ بين الأعلى والأسفل هناك عالم تحتله فعاليات الآلهة أو نِشاطاتها(17) وهذا ما يجسده اللاهوت العراقي في جعله يقف على رأس مجمع الآلهة الإله انو اله إلسماء وانو الآلهة ويليه في الأهمية الإله انليل اله إلجو ثم الإله انكي أيا إله الأرض) أنظر هذه التراتبية بين السماء والأرض بين الفعل والمنفعل .

فقد رسم ملامح السماء في أسطورة آدابا حيث يقدم لنا توصيف لذلك المكان المتخيل كما يقول "جيلبيرت دوران"إن كل هذه الرموز الطقوسية هي وسائل إلى السماء , فالكاهن كما ميرسيا اليالد ,عند ما يتسلق درجات السلم " يبسط ذراعية كما يفرد الطائر جناحية"ونسجل هنا التماثيل العميق بين الارتقاء والجانح فعندما يصل القمة يصرخ: (لقد وصل إلى السماء لقد أصبح خالدا) مبيناً هكذا أن الهم الأساسي لهذه الرمزية هو قبل أي شيء اخر نصب سلم بوجه الزمن والموت (18)أن هذا المخيال الذي تدفعه الرغبة في الخلود اعطانا ملامح عن ذلك العالم المتخيل السماء حيث الإله (انو Anu) نقول أسطورة إن (ايا) إله الحكمة قال لادابا بعد أن كسر جناح ريح الجنوب وجعل يطبق الوصايا الاتية عند ما يواجه "انو"بعد رحلته الى السماء .

وجعله يترك شعره منفوشا.

وحمله على ارتداء لباس حداد ,وقدم له هذه النصيحة .

يا ادبا انك ذاهب أمام "انو"الملك

وستتلك الطريق إلى السماء (19)

المطلب الثاني - من خلال السرد الأسطوري التخيلي

إنّ السرد التخيلي هو أحد الآليات التي تعتمدها الثقافة القديمة والحديثة، ونحن هنا إزاء بعدين، الأول: يعتمد على الأدب القديم، وقدرته على القيام بوظائف دينية ودنيوية يحاول من خلالها الأديب القديم إن يجد حل لما يحيط به من حوادث كونية واجتماعية وداخل فضاءات المقدس والدنيوي وامتداداتها، وما يحيط بهما، وهو إما: أدب للكالا(الكالا هم الكهنة الذين يرددون الأناشيد الدينية الطابع في المعبد) وأدب الدنيوي الذي هو أدب النار (فالنار هم الكهنة الذين يرددون الأناشيد الدنيوية الطابع في القصر) .ويتدرج تحت كل منهما مجموعة من فنون ذلك الأدب (20) هذا هو مفهوم السرد بإطاره القديم، أما السرد في التصور المعاصر فالسردية Naratology فرع من اصل كبير هو الشعرية ؛ Poeties (21)التي تعنى باستنباط القوانين الداخلية للأجناس الأدبية واستخراج النظم التي تحكمها، والقواعد التي توجه أبنيتها وتحدد خصائصها وسماتها فالسردية تبحث في مكونات البنية السردية للخطاب من راوٍ ومروي له، ولما كانت بنية الخطاب السردي نسيجا قوامه تفاعل تلك المكونات، أمكن التأكيد، إن السردية هي: (العلم الذي يعنى بمظاهر الخطاب السردي أسلوبا بناء ودلالة) (22) . وعلى هذا فان السرد وبعده الحكائي الذي يجعله قادر على خلق عوالم متخيلة عبر فعالية اللغة وقدرتها على خلق تلك العوالم وشد الملتقى إلى صدقها إلى الحد الذي يلمس بها الصدق ويتفاعل معها، وعلى هذا فإننا نحاول تحليل هذه الألية عبر تحليل بعدها السردي بوصفه يعتمد التخيل أساس في إيجاد حلول لما هو ميتافيزيقي أو اجتماعي ... الخ .

أن تحليل النصوص الأسطورية المستحيلة يغدو ممكننا من خلال الحديث الظاهراتي عن تلك المقولات، الأنا في مجال التحليل بهذا نجد إن العوالم التي تتحدث عنها الأساطير هي عوالم ممكن الحديث عنها من خلال أسلوبنا التحليلي، لكن هذه النصوص المكان الذي تقصده مختلف فالحركة مره إلى الأعلى وأخرى إلى الأسفل وثالثه إلى الغرب وأخرى إلى الشرق .وتختلف الرحلة بين تلك التي يقوم بها الإلهة وتلك التي يقوم بها البشرية وهي بالشكل الأتي:

العالم السمواوي له زمان ومكان بديان متعاليان (مقر الملكية السماوية حيث انو كبير الآلهة).

العالم السفلي أو الأسفل وهو مكان مظلم أيضا محكوم بزمان ومكان وقوانين صارمة وهو نقيض الحياة الدنوية .

العالم الارضي الخالد جنّة دلمو وهو أيضا محكوم بالزمان والمكان المتعاليان الخالدان .

بالمقابل العالم الارضي الذي نعيش به وهو عالم وسط بين تلك العوالم .

 

د- عامر عبد زيد الوائلي

رئيس مركز الفكر النقدي

..............................

(1) مرسيا الياد، مظاهرالاسطورةص43-44.

(2) المرجع نفسه، ص 58,

(3) .يوسف شلحد، بين المقدس عند العرب، ترجمة: خليل احمد خليل، دار الطليعة، بيروت، ص 23 .

(4) نفس المرجع .ص.

(5) مرسيا الياد، المقدس والمدنس، ص 35 .

(6) قاسم المقداد، هندسة المعنى في السرد الأسطوري والملحمي دارالؤال، دمشق،: 60.

(7)  مرسيا الياد المقدس والمدنس: 28.

(8)  علم الزمان – المكان العدد عند قدماء العراقيين ,ص 108.

(9)  الخصائص البنائية للاقصوصة، ص 29.

(10) القراءة الاسطورية للتاريخ:7

(11) الأسطورة والتاريخ، دار الشؤون الثقافية لعامة، بغداد، ص92.

(12) مرسيا الياد، المقدس والمدنس، ص 39 .

(13) الأسطورة والتراث، المرجع السابق، ص 86 هذا التطويب نلمسه في أسطورة انانا وشجرة الخالوب، وهو أيضا ظهر في مرويات المستشرقين عن العوالم المجهولة الخالية .

(14) مرسيا الياد، المقدس والمدنس، ص 39 – 40

(15) قاسم المقداد، هندسة المعنى، ، ص 63 – 64 .

(16) جيلير دوران، الانثرولولوجيا، ترجمة: مصباح الصمد، ط1، بيروت، 1998، ص 101 .

(17) كلين دانيال، موسوعة علم الآثار، ترجمة: ليون يوسف، دار المأمون، ج 2، ط1، بغداد، 1990، ص 48 .

(18) مرسيا الياد، مظاهرالاسطورة، ص 22- 23. 

(19) المرجع نفسه، ص 36 .

(20) خز عل ألماجدي، أدب لكالا .. أدب الفا، ط1، 2001

(21) الشعرية:هي اسم جامع لكل ما يتصل بخلق وإنشاء الإعمال التي تتخذ من اللغة جوهرا واداةً لها، وتعتبر أخر فرع من فروع الدراسات الادبية يبحث عن قوانين الابداع الأدبي او الخصائص المجردة التي تصنع فرادة العمل الادبي ومن ثم تصنع ادبيته . ينظر:جابر عصفور نظريات معاصرة، دار المدار، دمشق، ط1، 1998، ص 219، ت دار تويقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 1990، ، ص 23.

(22) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مدخل إلى نظرية القصة، بغداد، 1986، ص