اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

قدّم رينيه ديكارت (1596 –1650)، صاحب المقولة الشهيرة: أنا أفكر، إذًا أنا موجود؛ الفيلسوف وعالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي أطروحاته ورسم منهج في الفلسفة أقامه على أساس أسلوب التفكير الرياضي والهندسي. حيث وضّح هذه الرؤية من خلال ما يُعرف بقواعد المنهج الأربعة (البداهة، التحليل، التركيب، والأحصاء) والتي حددها في كتابه (مقال عن المنهج).

لقد بدأ ديكارت ومن سار على نهجه العصر الحديث بتحوّل في المنطق الأرسطي الذي يتبنى منهج الحمليّة، الى المنطق الرياضي الحديث والذي يعتمد على منطق العلاقات، وأنّ اللزومية الشرطية أو الانفصالية أو العطفية أو حتى التركيبية هي أدوات التفسير المنطقي الذي يسود العلاقات بين هذا الشيء أو ذاك، وأن الوجود لا يوصف بالواحديّة بل تعدديًّا، وذهب الكثير الى اعتبار أن جميع الفلسفات التي تعتمد العلم والعقلانيّة عليها أنْ تُسلّم بالتعدديّة في وصف الوجود.

ثم كان لمجئ برتراند رسل  (1873-1970) B Russell أثراً مهما من خلال وصول الفلسفة الذريّة المنطقية الى ذروتها، فقد مثّلت عصر إكتشاف العلم للماهيّة الذرية، وبذلك فإن النظرية الواحدية فقدت وَهَجَها ومقبوليّتها لدى الكثير من الذين يعتبرون الوجود عبارة عن مجموعة من الوقائع والحقائق التي ترتبط مع بعضها البعض بعلاقات.

والوقائع Facts هي أشياء لها كيفيات محددة وترتبط بعلاقات معينة، والواقعة الواحدة مبنيّة على أساس الذرية المنطقية، فالذرة هنا يمكن إدراجها على أنّها الشيء الكائن المحدد وفي الوقت المحدد، أي انّ له طبيعة زمانيّة ومكانيّة. وقد ترتبط واقعتان أو عدّة وقائع ليكون التصوير المبني لهذه المجموعة من الوقائع هو المنطق الجزئي.

وبناء على ما تقدم نستطيع القول أنّ هناك مرحلة انتقال جَرَت في فلسفة الوجوديات بَدَأت باعتبار الجوهر الأرسطي هو الأصل في المقولات الأرسطية وأنّ الزمان والمكان عنده هما أعراض للجوهر الواحد، الى مرحلة اعتبار الزمان والمكان هما الأصلان.

وبغض النظر عن الأتجاه، فلقد أتفق علماء وفلاسفة العصر الحديث علی أنّ الزمان والمكان هما القالب الذى فيه قد صُبّ هذا الكون (Cosmos) بأكمله وبشكل غاية في التناسق والأنتظام يفوق حدود التصور والخيال، وأن المادة في هذا الكون المترامي الأطراف تتحرك ضمن حدود الزمان والمكان اي تسير عبر المكان وخلال الزمان.

ثم أشار الفيلسوف اليوناني هيراقليطس ( 535 ق. م – 470 ق. م) قديماً الى انه لا يوجد شيء خارج حدود الزمان والمكان بقوله "لا شئ فى هذا العالم يستطيع ان يتجاوز مقاييسه، وهذه المقاييس هى الحدود المكانية والزمانية" .

أما الفيثاغورية فقد رأت أن العالم قد وجد أصلاً بفضل ماله من حدود زمانية ومكانية على أن مقولة «لا جديد تحت الشمس»، بغض النظر عن قائلها، إنّما هي دورة مقفلة بلا تطوّر أو تعبير واقعي، وهو كلام يجانب الحقيقة والواقع، بل ولا يتناسب مع النظرية الهيرقليطيسية،حيث أنّ كل ما تحت الشمس هو خاضع لنظام الصيرورة الكونيّ، أضف الى ذلك الحقيقة الواقعة التي أشار اليها ثيوكاريس كيسيديس في كتابه:  هيراقليطس - جذور المادية الديالكتيكية، مِنْ أنّ  الشمس ذاتها أيضاً متجددة، كما قال (ليست فقط جديدة كل يوم، بل هي جديدة في كل لحظة).

والحقيقة كما أشار اليها الفيلسوف هيراقليطس وهي ما من وجودٍ يبدأ من العَدَم، ولا من عدم ينتهي إليه الوجود. وعليه فحركة الكون هي حركة فعّالة متجددة، وأنّ الزمان والمكان فيه غير محدد بنهاية.

وفي جملة ما نقله افلاطون في كتابه: آخر أيام سقراط، وفي ص69، ما قاله سقراط عند دفاعه أمام المحكمة التي أدانته: (لا يوجد أي إنسان يعرف ما إذا لم يكن الموت أعظم بركة يمكن لها أن تحل على الأنسان، لكن الناس تخشاه وترهبه، كما لو أنهم كانوا واثقين من أنه أشد الشرور وأكثرهم وبالا. إن هذه الجهالة هي التي تعتقد أنها تعرف مالا تعرف.. ولما كتا لا أمتلك أية معرفة عما هو أت بعد الموت فأنا لا أمتلكه، لكنني أعرف حق المعرفة أنك إن تظلم لهو شر وخزي وعار).

وللبحث تتمّة في الأجزاء القادمة إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

عصمت نصارليس هناك من شَكِّ في أن الجهل بالمقاصد يصرف المتلقِّي - دومًا - عن بلوغ الحقيقة واستيعاب مضمون الخطاب، لذا نؤكِّد أن تناولَنا بالنقد والتحليل للبُنْيَة العَقَديّة لبعض الفِرق المتأسلمة، لا يهدف إلى نقضها، أو فضح عورات أفكارها، أو النَّيل من سِيَر مؤسسيها، فإننا نوضِّح أن مثل هذا العمل - على بساطته وسهولته - لم نكن من الساعين إليه، في سياق حديثنا عن فلسفة الجنس، فهدفنا هو الكشف عن أثر الرغبة الجنسية في تأسيس وتوجيه الجماعات الجانحة، التي اتَّخذت من الدين ستارًاً لها. فليس هناك أدلُّ على احتلال الرغبة الجنسية موقع المركز - في كتابات هذه الجماعات وبرامجها وأيدولوجياتها وآلياتها - من خطاباتهم، التي ما بَرَحَتْ تردِّد أن ثوراتِهم الدينيةَ ضِدَّ (الفجور والعري والزنا والخلاعة والرقص والدعارة والاختلاط بين الجنسين) وأن قَتْلَهم لرجال الشرطة عقابٌ رادعٌ لما تلاقيه نساؤهم من اغتصابٍ في المعتقلات، وأن خلاص المجتمع من انحطاطه يتلخَّص في عودة المرأة إلى سِتْر البيت والحجاب، وتحرُّرها من غزو الثقافة الغربية الفاجرة، وأن الزواج المُبكِّر للشباب، وإنقاذ الأيامَى والعوانس من الحرمان الجنسي، هو أولى الخطوات لإصلاح أحوالهن.

فتشير عشرات الدراسات المعاصرة، إلى إن أولى الجماعات المتأسلمة التي اتخذت من المتعة الجنسية حافزًا لاجتذاب الأنصار، وتجييشهم بشكل جماعات إرهابية ضد النُّظم الحاكمة (الخلافة، الإمارة، الرئاسة) - وذلك عن طريق الاغتيالات أو حرب العصابات، التفجيرات، الحرق، السلب، النهب، السطو المسلح، قطع الطرق، التنكيل، التمثيل بالضحايا - هى فرقة الحشاشين التي ظهرت في القرن الحادي عشر، في أصفهان ببلاد فارس، على يد الحسن بن الصباح نحو عام 1094م، وقد اتخذت هذه الفِرق من الحصون والقلاع مركزًاً لنشر أفكارها الشيعية، المنتمية إلى طائفة الإسماعيلية النزارية، نسبة إلى نزار المصطفى لدين الله. ولا تختلف الأفكار الرئيسة المشكِّلة لِبُنْيَة هذه الجماعة عن مثيلاتها، وتتمثَّل في : (إمام ملهَم، غايته إصلاح المجتمع، أمره مطاع ونافذ، والخروج عليه كفر وضلال، تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر بالسيف، إنّ الجماعة تمثِّل الفرقة الناجية، ودونها أتباع الشيطان وأرباب الطاغوت، إن مكافأة فدائييهم الشهادة والسعادة وحور العين في جنة الخلد).

والذي يعنينا في هذا السياق هو القاعدة الرابعة؛ نعني (المكافأة)، أي الاستمتاع باللذة الجنسية، تلك التي اتخذ منها أئمة الحشاشين أداة لترغيب الشباب في الانضمام إلى عصابتهم، فيروي الكاتب والمؤرخ والرحالة الإيطالي "ماركو باولو" في حديثه عن أسطورة الفردوس، أنَّ سِرَّ اختيار الحشاشين سُكْنَى القِلاع، يرجع إلى مناعتها من الناحية العسكرية، وصلاحيتها كمعسكرات للتدريب، وتربية الأذهان أو تغسيلها وتكفينها، وترسيخ المعتَقد، وأخطر هذه المعتقدات هو مفهوم الجهاد، فالمجاهد الحق في عقيدتهم هو الذي يستجيب بلا نقاش أو جدال لما يؤمر به من تضحية وفداء، من أجل نصرة الله وتطبيق شريعته، والانتقام من أعدائه، وإهلاك خصومه، وسفك دماء المعترِضين والمعاندين، واستحلال أموالهم وأعراضهم، وأن أي تفكير - ولو لبرهة - في طبيعة الأمر؛ يُعَد كُفراً، وخروجاً عن المِلَّة، وعصياناً لله؛ يستوجب القتل، وذلك لأنه يُحيي خطيئة آدم وحواء من جديد.

وقد ابتكر (الحسن الصباح) آلية تربوية رسَّختْ عقيدةَ الاستشهاد بالمعنى السابق في أذهان الصِّبْيَة، وتتمثَّل في أن الإلهامات الإلهية، والتعاليم التي ينطق بها الإمام المهدي، تلك التي لا تُستوعَب بالحِس أو العقل، بل بالمجاهدات الروحيّة، وأكل بعض النباتات، التي تمكِّن الروح من الانطلاق، حيث الأوامر الربانية الناسخة للشريعة والمؤوِّلة لما قبلها من نصوص.

فرُوى أن الصِّبْيَة المُصطَفين للقيام بالأعمال الفدائية، يقدَّم لهم نبات الحشيش مطبوخًاً، أو مبخَّرًاً؛ حتى يغيبوا، ثم يتم نقلهم إلى حدائق - خلف الحِصن -  أشبه بالوصف الذي جاء في القرآن عن الجنان (العسل واللبن والأشجار الوافرة والنبيذ وحور العين والولدان المخلدون.....) ويدَعونهم يمكثون فيها بضعة أشهُر، ثم يُخرجونهم منها بنفس الطريقة، ثم يُعرَضون في ساحة الإمام؛ ليتلَقَّوا الأوامر التي تمكِّنهم - إذا ما أدَّوها على خير وجه - من العودة ثانية إلى أحضان حور العين، اللواتي أُخْتِرْنَ من بين السبايا والعبيد وما ملكت اليمين، وأوكِل أمرُهُن لغانيات محترفات؛ لتدريبهن على فنون الإمتاع والجِماع، وتلقينهن بعض التعاليم، التي تشجِّع الفدائيين الذين حُملوا إليهن على النِّزَال والقتال، وتلبية الأوامر الربَّانية، التي خرجت على لسان المهدي، أو الأمير أو المرشد أو القائد، وقد برعت الحوريات الفاتنات في إغواء من ارتمى في أحضانهن، وإقناعه بأن الكثير من ألوان المتعة والسعادة في انتظاره بعد أداء مهمته الانتحارية.

وقد تأثَّرت معظم الفِرق والجماعات الإرهابية بهذا الدَّرب وبذلك النَّهج، مع بعض التعديلات، تبعًا للثقافة المطروحة، والبيئة التي نشأ وتربَّى فيها الصِّبْية المجاهدون، وإذا ما راجعنا الأفلام التسجيلية، والوثائق المرويَّة، عن التعاليم التي يتلقَّاها الإرهابيون الفدائيون في حركة  حماس بغزة - التي تأسست عام 1987 على يد أحمد يس - وجماعة طالبان بباكستان - التي تأسست عام 1994 على يد المجاهد محمد عمر- وجماعة بوكو حرام بنيجيريا - التي تأسست عام 2002 على يد (أبوبكر الشكوى) - وحركة الشباب الإسلامية في الصومال - التي تأسست عام 2004 على يد "عدن هاشي فرح آيرو"-  وجماعة داعش في العراق - التي تأسست عام 2006 على يد أبو عمر البغدادي- وجماعة النصرة بسوريا - التي تأسست عام 2011؛ فهوس شباب الانتحاريين في حماس بزواجهم من حور العين لا يخفى على أحد؛ فهناك عشرات الأفلام التسجيلية تصوِّر الجهادي الانتحاري في الليلة السابقة على قيامة بالعملية الإرهابية في ثوبٍ أبيض معطَّر يتلقَّى التهاني من رفاقة وكأنه في حفلة عُرس، وقد كتب الكثيرون منهم على مواقع التواصل الاجتماعي رسائل لأصدقائهم يخبرونهم فيها بموعد حفل زفافهم على الحوريات بين الصِّدِّيقين والأبرار.

ومن أشهر ما كُتب في هذا السياق، ما نشرَتْه صحيفة (ليدر)، التي تصدر في تورونتو، عن اعترافات أحد الصِّبية المجاهدين المُنتمين إلى طالبان، والتي جاء فيها "أثناء الذهاب لأداء المَهمَّة، كان مدرِّبي يقود السيارة بسرعة جنونية، ويميل بها يمينًاً ويسارًاً دون مبرر، ولمَّا سألتُه عن ذلك؛ أجابني : حتى لا أصدم واحدة من الحوريات اللواتي يلوِّحن بأيديهن ويضحكن لك وهن عرايا فرحات باقتراب لحظة اللقاء والعودة، حيث السعادة الأبدية في جنان المجاهدين". وأضافتْ إحدى الناشطات في كراتشي وتُدعَى "تابندة سروش" (إنّ الفدائيين في طالبان - في فترة الإعداد  يمارسون الجنس بشراهة مع فتيات خُصصت لذلك؛ لتحفيزهم على الانتحار، وتفجير أنفسهم للظَّفر بأحضانهن ثانية في جنَّة الخالدين).

ويحدِّثنا "ناصر الحزيمي" على صحيفة الرياض اليومية عن (زفَّة الشهيد)، وهو الحفل الذي تقيمه الجماعات الإرهابية من أجل الانتحاريين في الليلة السابقة على انطلاقهم، تلك الزَّفَّة التي تؤكِّد كل مظاهرها للمحتفَى به بأن ليلة غده سوف يقضيها في أحضان حور العين، رائعات الجمال المتعطرات بالمسك، والمتزينات بأجمل ثياب العرس.

وقد صرَّح قادة "بوكو حرام" عقب اختطافهم لفتيات المدارس، أن غايتهم من ذلك هو تطبيق التعاليم الإسلامية، فالفتاة البالغة لا مكان لها سوى أحضان وفِرَاش الزوجية، وذلك تبعًاً للسُّنَّة التي خَلَقَ الله حواء من أجلها؛ امتاع الزوج وإنجاب الأطفال.

أمّا في الصومال، فقام المجاهدون بجلد الفتيات، اللواتي يرتدين مشدَّات الصدر؛ بحجة أن في ذلك غِشًّا وتضليلاً، وقد سخرَتْ إحدى الصحفيات من هذا السلوك، وقالت : "أجبرونا على ارتداء الحجاب والآن يأمروننا بهَزِّ صدورنا وأردافنا".

ومن أطرف الحلول المعاصرة لعقدة (حور العين)، التي تغلغلت في أذهان الانتحاريين في الجماعات الإرهابية؛ تصريح إحدى بطلات أفلام البورنو وتدعَى "ستورمي دانيال" في حسابها على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) "أنا على استعداد للتبرُّع بليالٍ حمراءَ ساخنةٍ، عوضًاً عن حور العين، شريطة ألا يقدِم الإرهابيون على تفجير أنفسهم، وأنا جادة في هذا العرض، وسوف أكون لمن يرغب من الانتحاريين حوريّة حقيقية، وليست وهميّة؛ وذلك لإنقاذ عشرات الأبرياء من شرّ الإرهاب".

ولا يخلو هذا السياق من الأفكار المبتَكرة، فقد نجح المعنيّون بوضع برامج تأهيل الانتحاريين من اختراع قصة مستنسخة من أكاذيب فرقة الحشاشين، وذلك بعد تجنيدهم للكثير من الفتيات للقيام بالعمليات الانتحارية، وخلاصتها أن الانتحاريات سوف يصبحن حوريات للنبي وصحابته، وأكابر الصديقين والتابعين والأئمة. الأمر الذي يستوجب إعدادهن لليلة الزفاف بإقامة حفل (ليلة الحنة والجلوة) قبل قيامهن بما كُلِّفن به. وقد زاعت هذه القصة بين أفراد جماعة النصرة وداعش وحماس.

أما أشهر أدبيات هذا المعتقد الإرهابي، فيتمثَّل في كتابَين أولهما بعنوان (عشق الحور العين بالأذُن قبل العين) بقلم يوسف بن إبراهيم الساجر، وقد تناول معنى حور العين، وذِكرهن في القرآن، ووصفهن وطاهرتهن وروائحهن ونضارتهن وكلامهن، وغنائهن ولباسهن وتفاصيل رسمهن، وثانيهما كتاب (مطالع البدور مع منازل السرور في وصف الحور العين) تأليف الشيخ : مجدي فتحي السيد، وقد أضاف على ما جاء في سابقه أحاديثَ السلف عن حور العين، ومهورهن، وطبيعة نكاحهن في الجنة، وأوضاع الحياة هناك.

وقد اعتمد قادة الجهاديين - في شتى الجماعات المعاصرة - على ما جاء في هذَين الكتابَين من معارف، وأضافوا عليها ما يؤكد أن السبيل للوصول إلى ذلك العُرس الرباني؛ هو طاعة الإمام أو المرشد والجهاد لنصرة الحاكمية الإسلامية، وتخليص البلاد والعباد من كل مظاهر الشِّرك والكُفر !

ولا يخلو هذا السياق أيضًاً من البِدَع الشرعيّة، وأشهرها ما أطلقوا عليه (جهاد النكاح)، وخلاصته دعوة النساء إلى جِماع المجاهدين؛ لإمتاعهم، وتشجيعهم على ممارسة القتال، وعلى الرغم من نفي قادة الجماعات الإرهابية لهذه البدعة، إلا أن الفتيات المتبرِّعات قد صرَّحن بأنهن قد مارسن الجنسَ مع المجاهدين في سوريا من عام  2013، ثم في بغداد مع إرهابي داعش.

وعلى شاشات التليفزيون المصري (قناة صدى البلد)، رَوَى العديدُ من الفتيات الإخوانيات ما كان يحدث على منصة اعتصام رابعة والنهضة، وجاء في حديثهن أن قادة الاعتصام استشهدوا بما كان يحدث في عصر النبي من أمر المجاهدين، وكيف كانوا يستمتعون بممارسة الجنس (زواج المتعة) أثناء الحرب؛ الأمر الذي يبيح لهم إشهار من تريد أن تتزوَّج على هذا النظام داخل الاعتصام.

وصرَّحتْ إحداهن على صفحات المصري اليوم (بتاريخ 13-9-2013) بأنها قد شاهدت الكثير من الزيجات في اعتصام رابعة العدوية، وأن أحد الأزهريين المنتمين للجماعة كان يقوم بمراسم العقد شفاهة، وبرَّر ما يفعل، بأن الشيعة الإثنَى عشرية - في إيران - مازالت تمارس هذا الشكل من أشكال الزواج حتى الآن.

كما صرَّحت السيدة صباح السقارى، القيادية بحزب الحرية والعدالة، على صفحات جريدة أخبار اليوم "إن جهاد النكاح ليس حلالاً إلا بوجوده في أرض الجهاد كرابعة العدوية أو النهضة، وهو يوجد بسوريا، وفرْض على كل مسلمة هناك، والآن أصبح بمصر؛ لأن مصر مغتصبة، ولابد أن ترجع لحِضن الإخوان مرة أخرى، وعلى المسلمات الذهاب لرابعة لجهاد المناكحة؛ لأنه أصبح فرْضًا. كما أكَّدتْ وجود حمَّامات، وشُقق، وجراجات مخصَّصة للمعتصمين؛ لممارسة جهاد النكاح، وعن توافر سيدات سوريات لعرض أنفسهن على من يرغب في ذلك  بـسعر50 جنيه في الساعة".

تلك كانت أهم أركان البناء السردي لأفكار الجماعات الإرهابية، وقد بيَّنَّا فيه موقع اللذة الجنسية منه، الذي تحوَّل من كونه رغبة أو متعة إلى أيدولوجية تحفِّز الانتحاريين من جهة، وآثامَ ترتكبها المجتمعات الكافرة التي تعاديهم من جهة أخرى.

وإذا كانت الموضوعية تقتضي الاعترافَ بوجود بعض مواطن الرَّيْبة والشك فيما أوردناه من أخبار، مثل جنة الحشاشين، وجهاد النكاح، فإننا نؤكِّد - مع ذلك - أن قياس الشاهد على الغائب؛ يجعلنا نسلِّم بصحة ما ارتبنا فيه؛ فالمشكِّكون في رواية "ماركو باولو" عن الجِنَان التي كان الحشاشون يعدُّونها خلف القلاع؛ ليتنعَّمَ فيها شبيبة الانتحاريين، فإننا نرى أن معظم اعتراضاتهم على مصداقية وجود تلك الجِنَان - ومنهم البحَّاثة صديقنا محمد عثمان الخشت - هو تلك الطبيعة الطبوغرافية في "قلعة ألموت" الوعرة التي يستحيل معها وجود جِنَان على النحو الذي ذُكِر في القرآن، فإننا نرُدُّ ببساطة أنه ليس من الصعب على عصابات الحشاشين أن يشيِّدوا نموذجًا مصغَّرًا للجنان خلف القلعة، فالصبي تحت تأثير المخدِّر ليس في إمكانه إدراك الأزمان والأماكن على حقيقتها، كما أن المحفِّز الأول ليس العسل أو اللبن أو الفاكهة، بل هو الجنس، وحور العين والعذارى الكواعب، الأمر الذي يتَّفق مع صفات المختارين للأعمال الفدائية، التي وردت في كتابات الحشاشين أنفسهم : (حديثو السن، يعانون الحرمان والعَوَز، والإحباط واليأس، والتمرُّد على الواقع، والطامعون في الخلاص من عذابات الحياة الدنيوية) بالإضافة إلى تأثُّر حسن الصباح بعالم المُثل الأفلاطوني، والفِكر الغنوصي الإيراني، ونظرية الفيض الأفلاطونية، وطبقات إخوان الصفا التربوية، وكلها تحدَّثت عن عالم الفردوس؛ حيث الكمال والجمال والجلال، ولم يكن في مقدور قادة وأئمة الحشاشين - كما ذكرنا -  إقناع أولئك الصِّبية بالمعاني المجرَّدة، بل بلذَّة قوية، تجعلهم يُقْبِلون على الموت من أجلها، وهم في زِيِّ العُرس وأخيراً إذا كانت "قلعة ألموت" غير صالحة لتشييد الجِنَان فيها، فإن قلاع الشام تختلف في طبيعتها عن تلك، ولعل مارك باولو رأى هذه الجِنَان في قلاع العراق وسوريا وتركيا، وليس في "ألموت" التي دمرها التتار.

أضف إلى ذلك كله، أن المكافأة الكُبرَى لأبرار الطبقة الأولى في عقيدة الحشاشين هى الجِماع في جنان الخُلد. فالأمير وزوجُه بعد ارتشفاهما عصير الفواكه المثلَّجة، قد انتشَيا بطعمها؛ فأقبلا على ممارسة الجنس، لتحبَلَ حوريةُ الإمام بإمام وليد، تقوم برعايته الكواكب والنجوم المتلألئة. وما يصدُق على الإمام يصدُق بطبيعة الحال على معيَّته بدرجات متفاوتة.

وقد ربط الباحث اليهودي "موشيه آمون" - في كتابه "الدين والإرهاب نموذجًا للغنوصية" - بين الأفكار الأسطورية والمدن الفاضلة بكل ما فيها من نماذج للكمال والجمال، والتحريض على الثورة لإزاحة السلطات القائمة، عن طريق العنف المُسلَّح وسفك الدماء، الذي يُعِدُّونه قربانًا من أجل الخلاص، فجُلُّ العصابات الدينية الإرهابية تستمدُّ تعاليمَها من الاعتقاد الغنوصي، الذي يصوِّر الثائرين والمتمردين على الواقع المادي بأنهم أقربُ إلى الملائكة في طهارتهم، وإلى الأنبياء والقدِّيسين في معارفهم وامتلاكهم الحقيقة المطلقة، ولمَّا كان من العسير - على قادة الفِرق الإرهابية - كما بيَّنَّا - تعليمُ الصِّبية هذه الأفكار، كان لزامًا عليهم تبسيطها في صُوَر حِسِّيَّة مباشِرة، تقْبَلها أذهانُهم، وتتناسب مع عواطفهم الملتهِبة؛ فنموذج حور العين كان الأقرب والأنسب.

أما هوس كل الجماعات الإرهابية بأيدولوجية الجنس؛ فقد أصبح جليًا، لا يمكن إنكاره، فها هي التصريحات الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين تؤكِّد على قنواتها التليفزيونية على ثلاث مسائل : أولها أن ما يمارسونه من جهاد ما هو إلا تجديدًا لثورة إسلامية إصلاحية وأخلاقية، قد سُلِبَتْ منهم على يد العسكر، تلك الثورة التي أرادت تخليص المجتمع من الفُحش (ولن يكون هناك أيُّ تنازلات أو رحمة، لأن الجميع تسابق في انتهاك العِرض والمال والجسد، وتعاونوا على قتل الأبرياء، واغتصاب النساء، وهتك الأعراض، واعتقال الآلاف، وتشريد ملايين الأُسَر، ونهب أموال الشعب بدون وجه حق).

وثانيها : قصة تُروَى على لسان إحدى السجينات تحرِّض فيها شبيبةَ الإخوان على الثورة والانتقام من العسكر؛ لتخليصها من السجن الذي تُغتَصَب فيه أربع مرَّات يوميًا، منذ اعتقالها في إحدى مظاهرات الحرائر.

وثالثها : تحذير المجتمع من بدعة تجنيد الفتيات؛ لأنها تهدف في المقام الأول إلى إمتاع العسكر بأجساد الفتيات أثناء عملهم في قتل المجاهدين في سيناء.

أمّا انتهاكات داعش، فحدِّث ولا حرج، بداية من اغتصاب نساء اليزيديين والكلدانيين والمسيحيين في العراق، ومرورًا بممارسة الجنس الجماعي مع الغانيات التُّركيات، اللواتي تطوَّعن لهذا الغرض، وأخيرًا جهاد النكاح الذي تحدَّثتْ عنه معظم الدوائر الغربية، وجماعات حقوق الإنسان على أنه ظاهرة.

ونخلص من ذلك، إلى أن الأيدولوجية الجنسية في الجماعات الإرهابية قد كشفَتْ عن زَيْفِ معتَقدها، وهمجية سلوك أربابها.

أمّا أوجه الشبه بين فرقة الحشاشين - باعتبارها الجماعة المؤسسة للأيدولوجية الجنسية - والعصابات الإرهابية المعاصرة فهذا لا يغفله أحد، ولا يمكن إنكاره.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل هناك قوة مخططة لهذه الأيدولوجية التي تفشّت في معظم الجماعات الراديكالية المتدينة؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه في المقالات التالية.

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

مجدي ابراهيملا بدّ للعبارة التي تحتوي على جملة تتكوَّن من مجموعة الألفاظ المشيرة إلى دلالات حسية، أن تؤدي فوق ما تشير إليه من محسوس غرضاً مفتوحاً يصعد على الواقع ويرتفع عنه كلما صعدنا مع اللفظ إلى ما ورائه. وليس يكفي أن تجيء إشارته إلى ما هو موجود في عالم الواقع ومتلبِّس بحقائقه المشخّصة تلبُّساً لا يزحزحه عنها قيد أنملة، بل من المحقق أن تجيء إشارته مرهونة بفعالية الكيان الإنساني، وبَمَجْلاه الكلامي، كيما يكون لفْظُهُ امتداداً وجودياً لهذا الكيان : روحاً وجسداً، معنى ولفظاً؛ لأن اللفظ المفتوح هو عينه اللفظ الذي يؤدي غَرَضَاً وجودياً فعَّالاً، ولا يقتصر نشاطه الفاعل على معناه القريب يشير إلى غاية دلالية موجودة في عالم الحسّ.

ومعنى فتح اللفظ هو تلمُّس ما وراءه من أنشطة فعَّالة هى التي يلتف حولها وجود الإنسان "الروحاني"؛ فإنّ هذا النشاط الروحي الفَعَّال لا يصدر عن الإنسان وهو مُقَيد بأوْهَاقه المادية، يعترك عوالم الحركة والإحساس بالمباشرة بل لابد وأنْ تسبقه قوة داخلية (يقظة روحية) هى بمثابة "الحافز الباطني" يجعله يندفع نحو "الفاعلية"، ومن ثمَّ يُقيمُ نشاطه الفاعل على نحو ما يتعامل به مع واقعه، تعاملاً يكون دليلاً على أن الخطاب الموجَّه إليه (والصادر عنه سواء) مبثوثٌ في أول مقام بثاً مباشراً في قواه الداخلية؛ لتكون حافزه للنشاط الفعَّال أو الفاعلية النشطة، يتحرك خلالها فتعمُّ حركته مناحي الحياة الحيّة في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل.

وَلعَلَّ الإشارة إلى "الحافز الباطني" الذي يرتد إليه نشاط الإنسان "الرُّوحاني" تعني النظر إلى ما لنصيب الوجدان والفكر في حياة اللغة؛ فإذا كان للمجتمع وللبيئة نصيبٌ في هذه الحياة من حيث كون اللغة اتّصالاً مع الآخرين وكانت تلك وظيفتها، إنْ في النشأة، وإنْ في التطور؛ فإن للوجدان والعواطف والأفكار والآراء نصيباً ملحوظاً في طبيعة اللغة كذلك. صحيحٌ أن الباحثين اختلفوا حول هذه الطبيعة اللغوية؛ أهى ترتد إلى ظاهرة نفسية خالصة، كما ذهب فريق بالأخذ بهذا القول، أم هى مجرَّد ظاهرة اجتماعية كما أخذ بهذا فريق آخر؟ ولكن من المؤكد أنها : "تعبيرٌ عن انفعالات ووجدانات وأفكار بواسطة دوالُّ وأصوات أقرّها المجتمع وأخذ بها؛ فكم ألهمت العواطف والوجدانات كبار الكتاب والشعراء صوراً ساحرة وتشبيهات بديعة وأخيلة فاتنة؛ إذْ لولا فيض الشعور بحركة الانفعال ما كان هنالك إبداع، وعلى الشعور يستند الفكر عندنا، لا العكس. ربَّما ينتهي التفكير دائماً إلى لغة، هذا صحيح، بل لا سبيل إلى المنطقي والسامي منه بدونها، لكن التفكير نفسه يستند إلى فورة الشعور ودفقة الوجدان، ولا يستند الشعور على الفكر أبداً، وقديماً قال أفلاطون :" إنّ التفكير كلامٌ  نفسيِّ "، وهو ما عبَّر الشاعر العربي بقوله :

إنَّ الكَلامَ لَفي الفُؤَاد وإنَّمَا        جُعِلَ اللّسَانُ على الفُؤادِ دَلَيلاً

كل ما هو في الباطن من حوافز شعورية، هو بمثابة الأصل الأصيل تقوم عليه عناصر اللغة كما يقول الدكتور إبراهيم مدكور، رحمه الله، في "اللغة والأدب" :" وجدان وعاطفة، وفكر ورأي، وبيئة ومجتمع، ومدلولات ودوال".

قد تجيءُ مفردات اللغة رامية إلى دلالات حسيّة ومعان مجسَّدة، فإذا لم تكن لها من قوة رامزة إلى ما بعدها ترمز بها إلى غايات أعلى وأبعد من الواقع وأعمق أثراً من تجسيد الحسِّ على ما هو عليه، فلا أقلَّ من كونها تموت وتفنى بفناء ما ترمي إليه من وقائع وأحداث.

إنّما للفظة العربية شاعريتها، ومعنى كلمة "شاعريتها" أنَّ  لها ما وراءها المفتوح، به تتخطى الواقع وتتجاوز مفاهيمه ومراسيمه إنْ كانت لـه مفاهيم ثابتة ومراسيم دائمة بثبوت ودوام "الماهيات" التي لا تبلي بلاء ما يحدث في عالم الحس والتجربة: تتجاوز الواقع؛ لتتصل بالمعنى المجرَّد من وراء اللفظ، وهى مع كل "مجاز" للظاهر المحسوس تأتي مشحونة بالمعنى والدلالة، وبالكشف عن خبايا الشعور وبالتعبير عن أعمق حالات الوجدان، هذا إذا نحن شئنا للفظ أن ينفتح للتلقي والإرسال سواء؛ فليس قصاراه، كما تقدَّم، أن يشير إلى الحسِّ وكفى؛ ولكنه فوق ما يشير إليه من محسوس يرمي كذلك إلى غايات بعيدة غير محسوسة تتعدَّد فيها المعاني وتتنوع بمقدار ما في الشعور من رَهَافة وتذوق، وبمقدار ما في الطاقة الباطنة من تصوِّر وَخَيَال.

وعليه؛ فمن خطأ الرأي عندنا أن يُقال :"إن اللفظ مرتبط بالمعنى، والمعنى مرتبط بالشيء الذي يشير إليه كما يدل المعنى الاشتقاقي"؛ بحجة قصر اللفظ، لا فتحه ! على المعنى الاشتقاقي المشار إليه وكفي. وقد خطَّأ البلاغيون القدماء هذا الرأي؛ ومنهم عبد القاهر في "الدلائل" وتابعه الفخر الرازي في "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز"، واعتبروا فصاحة الكلام لا ترجع إلى اللفظ وإنما ترجع إلى المعنى، وأن دلالة الكناية والمجاز والاستعارة دلالة عقلية معنوية وليست هى بالدلالة الشيئية الحسية؛ وأنه لا يجوز عَوْدُ الفصاحة والبلاغة إلى الدلالة اللفظية. وإذا كانت المدلولات خاضعة لقوة الشعور بكل ما في الشعور من إحساس وعواطف وأفكار، وكانت (أي المدلولات) هى هى المعاني تستند على وجدان الشعور، صار لابد لها من "دوالِّ" تبرزها وتعبِّر عنها، ومن ثمَّ وجب التلازم الضروري بين الدالِّ والمدلول.

غير أنه مع هذا التلازم المشروع بل والضروري تجيءُ الألفاظ في الأصل صوراً ضئيلة جداً للمعاني. والمعاني إنْ هى إلاّ صور ضئيلة جداً للحقائق، والحقائق في عظمتها وجبروتها لا تدرك كل الإدراك ولا يُحاط بعظمتها كل الإحاطة؛ كالألم، على لذْغِه، لم يكن صورة كاملة للداء؛ وكالدمع، على حرارته، لم يكن صورة مقارنة لما في الأحشاء من تقلب وهياج.

ومن هنا، كان مجاز اللغة الشاعرة هو وحده المُعِين على تحليق العربي لإصابة الحقيقة بسليقته اللغوية والتعبير عنها، اتصالاً أو انفصالاً، بالمعاني الرمزية والمجازية. والمجاز كما يُعرِّفه عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز بأنه:" كل كلمة أرُيد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول، وإنْ شئت قلت : كل كلمة جُزْتَ بها ما وقعت له في  وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تُجُوِّز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها". وإنما يريد بالملاحظة العلاقة المنعقدة بين الكلمة في أصل معناها وما نقلت إليه كالشجاعة في الأسد.

وهناك أمثلة كثيرة على المجاز وأنواعه ضمَّنَها البلاغيون كتبهم، مثلما ذهب "الشوكاني" في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، وكلهم في الغالب يقتبسون من عبد القاهر تعريفه للحقيقة والمجاز؛ كما يستلهمون منه كثيراً من أمثلته، فقد ذهب الرازي في "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" مثلما ذهب عبد القاهر، وتحدث عن المجاز في الإثبات أو في الإسناد، وهو المجاز العقلي في مثل "أنْبَتَ الربيع البقل" والمُنبت الحقيقي هو الله جَلَّ جلاله. وذهب عبد القاهر إلى أن صيغة هذا المجاز قد يأتي الفاعل الحقيقي معها في وضوح كما في المثال السابق وتجري على شاكلته الآية الكريمة :"فما ربحت تجارتهم"، فإن تقديرها فما ربحوا في تجارتهم، وقد لا تأتي معها ألبتة.

ومرَّدُ هذا كلُّه عندنا إلى التذوق والخيال، وإلى شاعرية اللفظ والمعنى على السواء. وسليقة اللغة، فيما يرى العقاد، في "اللغة الشاعرة":" هى التي تجعل السامع العربي يفهم المعنى المقصود على الأثر إذا سمع واصفاً يصف حسناء بأنها : "بدرُ على غصن فوق كثيب". ولما كان ذهن السامع العربي تعوَّد النفاذ من الصور الحسِّية إلى دلالتها النفسية؛ فإنه لا يرسم في ذهنه قمراً وغصن شجرة وكومة من الرمل حين يستمع لتلك العبارة، لكنه يفهم من البدر إشراق الوجه، ومن الغُصن نضرة الشباب ولين الأعطاف، ومن الكثيب فرَاهة الجسم ودلالته على الصحة وتناسب الأعضاء".

اللغة العربية لغة المجاز ما في ذلك شك، كما قال ابن جنيِّ (ت392هـ) صاحب الخصائص: "أكثرُ اللغة مجاز"؛ وذلك لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى حدود المعاني المجرَّدة، وهى عندنا (أي المعاني المُجرَّدة) ليس لها حدود لو علّقناها على قوة الشعور ووفرة الباطن بفاعلية النشاط الروحي، وهذه المجاوزة أو "التجاوز"، أو التعدي إلى ما وراء، هو ما نعنيه نحن بــ " ميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة"؛ على بساطة الرؤية والتصوَّر والإدراك.

فلا تكفي "اللفظة" لدينا أن تشير إلى واقع حسيِّ مرئيِّ محدود، حتى ولو كان الناس جميعاً قد تواضعوا عليه. ولكن على الرغم من إشارتها إلى واقع بعينه تجدنا مع فتح اللفظ ومع إيحاءاته، نفهم منه مدلولات لم نكن قد فهمناها من قبل عند اقتصار النظر على الدلالة الحسية ولا عند اقتصاره على فهم الذين تواطئوا عليه؛ لأننا إذْ ذاك كُنَّا انتقلنا مع اللفظ من موجود إلى مجهول، ومن صورة إلى معنى، ومن فيزيقا إلى ميتافيزيقا، ومن شهادة إلى غيب، ومن مرئي إلى لا مرئي، ومن دلالة ظاهرة إلى دلالة مبطونة، وممَّا هو معلوم لدينا بالضرورة إلى ما لم نكن نعلمه ممَّا لم يخطر لنا على بال.

 

د. مجدي إبراهيم

 

عبد الله الفيفييُورِد (الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمَّد، -503هـ= 1109م)، في كتابه "محاضرات الأدباء ومحاورات الشُّعراء والبلغاء"(1)، عن فائدة موت البنت وتمنِّيه، ما زعمَهما حديثَين نبويَّين، يقول الأوَّل: "نِعْمَ الخَتَنُ القَبْر!"- والخَتَن: الزَّوْج- ويقول الآخَر: "دَفْنُ البَنات من المَكْرُمات!" وهذا (الراغب)، طبعًا، هو صاحب "المفردات في غريب القرآن"، وما أدراك ما هُوَه!  ما يمنحه الموثوقيَّة والإجلال لدَى العوام.  ويبدو أن صاحبنا مُغْرَمٌ بـ"الغريب" في كلِّ شيء، وإنْ كان مكذوبًا! فيا للعجب ممَّا تَجِد كُتبَ التراث قد حُشِيت به من الغرائب والأباطيل، مع تمجيدها لدَى عامَّة الناس، ورفع أصحابها إلى درجاتٍ من التنزيه، بل ربما من التقديس!

وكان قبله (الثعالبي، أبو منصور، -429هـ= 1038م) قد عَدَّ هذين النصَّين، في كتابه "التمثيل والمحاضرة"(2)، من جوامع الكَلِم، وذلك في باب حُسن الاستعارات!

ولقد نبَّة بعض العلماء المعاصرين على أن هذين النصَّين من موضوعات الأحاديث، المختلقة على رسول الله.(3)  غير أن اللافت هنا ذلك الاحتفاء "العُذْريُّ" الواسع بمثل هذه النصوص، قديمًا وحديثًا، مع التماس النعوت البلاغيَّة لإضفائها عليها.  ما يدلُّ على أن الأفكار الجاهليَّة قد ظلَّت معشعشةً في الرؤوس، وما زالت، وإنْ لُبِّست بأزياء شتَّى.  بل الأغرب من ذلك إلصاق مثل هذين النصَّين بالحديث النبوي!  فما الدافع إلى ذلك كلِّه؟!  ليس سِوَى مشروعٍ قديمٍ لأَسْلَمَة الجاهليَّة، وإنْ بهذه الصورة الفَجَّة المفتضحة!  نعم، لو قيل إن النصَّين من أحاديث (أبي جهل)، لانطلَى ذلك على الناس، من دون حاجةٍ إلى عِلْمٍ بصحيح الحديث وموضوعه ومكذوبه.  مع أنَّ أبا جهل نفسه لم يُشهَر بوأد البنات!  ما يعني أن الإشكال ليس في العِلم بالحديث أو الجهل به، ولا في تقدير القيمة البلاغيَّة الكامنة خلف النصوص، حتى إنَّ الثعالبيَّ لم يَجِد مثيلًا ولا بديلًا، بل العِلَّة- قبل كلِّ شيء وبعده- في ثقافةٍ فاسدةٍ مفسِدةٍ مستحكمة، تُعجَب بالمضمون، فتُروِّج للنصَّ، نحلًا، وتحسينًا؛ حتى ليَصِحُّ في أصحابها قول (يزيد بن الطثرية):

أَتاني هَواها قَبلَ أَنْ أَعرِفَ الهَوَى ... فَصادَفَ قَلبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا

على أنه ليس قلبًا خاليًا هاهنا، إلَّا من الحقِّ والخير والجَمال.

المفارقة أنَّ (الراغب) قد أعقب ما ذكرَ آنفًا، وعلى الصفحة نفسها، بكلامٍ ينقض ما سبق، كان خليقًا أن ينبِّهه إلى خَطَل ما روَى، لو أنه كان يعقل ما يكتب، لا يعاني الكَمَهَ الثقافيَّ، أو لم يكن كمعظم هؤلاء المؤلِّفين من القدماء (حاطب روايات).  وهو قوله تحت عنوان «وأد البنات»:

"كانت العرب تَئِد البنات، إلى أن جاء النبيُّ، صلى الله عليه وسلَّم، فنهَى عن ذلك، وأنزل الله تعالى: "وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ؟"  ودخل قيس بن عاصم على النبيِّ، صلى الله عليه وسلَّم، فقال: إنِّي وأدتُ اثنتي عشرة بنتًا، فما أصنع؟ فقال: أعتق عن كلِّ موءودةٍ نسمة. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: فما الذي حملك على ذلك وأنت أكثر العرب مالًا؟ قال: مخافة أن ينكحهن مثلك! فتبسَّم رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم، وقال: هذا سيِّد أهل الوبر [كذا!]. وقال قيس: ما وُلِدَت لي ابنةٌ إلَّا وأدتُها سِوَى بُنَيَّةٍ ولدتْها أُمُّها وأنا في سفر، فلمَّا عُدتُ ذكرتْ أنها وَلدتْ ابنةً ميتة، فأودعتْها أخوالها حتى كبرتْ، فأدخلتْها منزلي متزيِّنةً فاستحسنتُها، فقلتُ: من هذه؟ فقالت: هذه ابنتك، وهي التي أخبرتك أنَّني ولدتُها ميتة، فأخذتُها ودفنتُها حَيَّة، وهي تصيح، وتقول: أتتركني هكذا؟! فلم أعرِّج عليها! فقال، صلى الله عليه وسلم: مَن لا يَرْحَم لا يُرْحَم!"

وإذا كان الوأد- كما يقول كاتب هذا المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي- قد انتهى في الممارسة بمنع الإسلام إيَّاه، فلقد استمرت فكرةُ الوأد في نفوس بعض العرب بعد الإسلام.  يفضح ذلك، على نحوٍ مباشر، ما يسوقه (الماوردي)(4) من أن (عقيل بن علّفة، -100هـ= 718م)، لمَّا خُطِبتْ إليه ابنته الجرباء، ارتجز:

إنِّي وإنْ سِيقَ إليَّ المَهْـرُ

ألفٌ وعِـبدانٌ وذَوْدٌ عَـشْرُ

(أحـَبُّ أصهـارٍ إِلَيَّ القَبْرُ!)

كما أورد قول (عبدالله بن طاهر، -230هـ= 844م):

لكُلِّ أَبٍ بِنْتٌ يُراعي شُـؤونَها ... ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُـمِدَ الصِّهْـرُ

فَبَعْلٌ يُراعيها، وخِدْرٌ يُكِـنُّها، ... وقَبْرٌ يُواريها، (وأفضلُها القَبْرُ!)

إلى غير هذه من النصوص الداعية إلى وأد البنات صراحةً، لدَى (الفرزدق)، و(البحتري)، و(أبي العلاء المعري).(5)  لكنَّنا لا نقرأ تراثنا، أو نقرأه ولا نفهمه، أو نقرأه ونفهمه ونعشقه بغثِّه وسمينه؛ لأننا لا نميز الخبيث منه من الطيِّب، أو لأننا- بالأحرى- ما برحنا بعقليَّات منتجيه، وإنْ تظاهرنا بخلاف ذلك.  وقديمًا فَهِمَ الشَّعبُ مِثْلَ هذه الحالة ببساطة، فقال: "اللِّي فينا فينا، مهما رُحنا ومهما جينا!"

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  انظر: الراغب الأصفهاني، (د.ت)، محاضرات الأدباء ومحاورات الشُّعراء والبلغاء، (بيروت: دار مكتبة الحياة)، 1: 326. 

(2)  بتحقيق: عبد الفتاح محمَّد الحلو (القاهرة: الدار العربيَّة للكتاب، 1983)، 24.

(3)   انظر مثلًا: أبو شقة، عبد الحليم، (1999)، تحرير المرأة في عصر الرسالة، (الكويت/ القاهرة: دار القلم)، 1: 13.

(4) (1984)، أدب الدُّنيا والدِّين، شرح وتعليق: كريم راجح (بيروت: دار اقرأ)، 175. 

(5) انظر كتابي: (2006)، نَقْدُ القِيَم: مقارباتٌ تخطيطيَّـةٌ لمنهاجٍ عِلْمِيٍّ جديد، (بيروت: مؤسَّسة الانتشار العَرَبي)، 93- 96. 

 

عصمت نصارأمسكتُ بقلمي وشرعت في كتابة التمهيد لموضوع (أثر حواء الأرضيّة وحورية السماوية والمتعة الجنسية في الاتجاهات الدينية والسياسية الحديثة والمعاصرة) ورحت أراجع المصادر التي سوف أعول عليها في السرد والتوثيق، وما هى إلا دقائق معدودات ووجدتني أعدل عن ما انتويت، وعلة ذلك ترد إلى كثرة الاتجاهات والمذاهب والجماعات الدينية والسياسية التي لعب الجنس في بنيتها العقدية والفكرية الدور الرئيس، مثل الماسونية، والحشاشين، ويهود الدونما،  والبابية، والبهائية، وعبدة الشيطان، والتورانية، والإخوان المسلمين.

الأمر الذي يصعب عرضه في مقال واحد ووجدت في مكتبتي ما يعينني على كتابة موقف جماعة الإخوان المسلمين من الشهوة الجنسية، فتذكرت أن أشهر من تحدث في هذا الموضوع هو الجهادي الأشهر "سيد قطب" ذلك الذي اعتبره معظم المتأسلمين المعاصرين إمامهم الثائر وأستاذهم المعلم.

ولمّا كان الجنوح والجموح صنوان لا يفترقان - في هاتيك المذاهب والاتجاهات -، فقد وجدنا في كتابات "سيد قطب" عن المتعة الجنسية والعري خير تطبيق للأنساق المضطربة التي تنتقل من النقيض إلى النقيض دون مبرر منطقي، فلم يعنى "سيد قطب" خلال حديثه عن القيم الأخلاقية وأدرانها التي تصيب سلوك الفرد وعوائد المجتمع وثقافته سوى العري والشهوة الجنسية، فإذا سألته عن مكائد الغرب لإفساد المجتمع الإسلامي أجابك أنه الجنس والصور العارية والأفلام المثيرة للغرائز، فالأفخاذ والنهود والاختلاط بين الجنسين والإباحية في ممارسة الجنس وغير ذلك من القيم الغربية التي تدرجها ثقافة الأوربيين والأمريكان ضمن أخلاقيات الحريّة ما هى سوى سمومٍ دفعت بها الرأسمالية الغربية وجيشتها لغزو ثقافتنا الإسلامية لإفساد ديننا وتبديد ثرواتنا وإنهاك قوانا البدنية وإهدار طاقتنا الذهنية وإغواء شبابنا.

وكأن خطيئة حواء التي تحدثت عنها الأساطير هى معضلة المعضلات التي إذا ما تغلبنا عليها أو قهرناها تم لبني البشر الخلاص وعادوا سالمين إلى جنة الخلد، وقد ظل هذا الرأي المرجع الرئيس في كتابات وأحاديث معظم التيارات الجانحة الإسلامية المعاصرة، فلم يذكروا المرأة إلا في سياق حديثهم عن الفتنة والزنا والفجور والإثارة والشهوة والرذيلة، أما الحديث عن الجنس فهو من المحرمات التي لا ينبغي التطرق إليها حتى بين الزوجين، ولما لا؟! فالأنثى عندهم هى المطية التي يجب ختانها وحجبها عن المجتمع حتى لا تنفض عذريتها أو ينتهك عفافها، وهى لا تصلح بطبيعة الحال عندهم إلا للجماع وإنجاب الأولاد، ولا نغالي إذا ما قررنا أن هذه النظرة الحسية الجائرة هى الغالبة على ذهن عوامهم وخواصهم بدرجات غير متفاوتة، وليس أدل على ذلك من عشرات البرامج التليفزيونية التي تتحدث عن حجاب المرأة ونقابها ومضار الاختلاط بين الجنسين ومزايا الزواج المبكر من القاصرات، وبعض فتاويهم الشاذة التي تبرر بعض الأوضاع الجنسية المحرمة وتحرم في الوقت نفسه مطالبة المرأة بحقوقها الجنسية وحسن معاملتها في الفراش.

ناهيك عن تلك الأخبار المتواترة عن السلوك الجنسي السائد بين أفراد الجماعة وأسرهم تلك التي تقطع بوجود علاقات جنسية شاذة (السّحاق واللواط والممارسة الجنسية الجماعية) والحديث لا يخص التنظيم في مصر فحسب، بل في سائر الأقطار الشرقية والغربية، فمعظم معتقليهم وسجنائهم كانوا يمارسون اللواط، وكان بعض زوجاتهم في الخارج يمارسن السّحاق مع أقرانهن من عضوات الجماع، ذلك فضلا عن زواج المتعة والجهاد الذي كان يمارسونه بتوجيه من (صدر المرشد) - وهو المسئول عن معالجة الأوضاع الاجتماعية داخل الجماعة.

وتشير بعض المواقع الإلكترونية إلى وجود كوادر جنسية تستقطب الشواذ من الجنسين وضمهم إلى الجماعة وإخضاعهم بعد ذلك لسياسة المرشد لتحقيق أغراض التنظيم في شتى الميادين؛ الأمر الذي يبرر الكثير من العلاقات الجنسية المشبوهة بين أفراد الجماعة والعديد من الشخصيات السياسية الأوروبية والأمريكية والخليجية من الشواذ جنسياً.

ولمّا كان البحث العلمي لا يعتمد إلا على المصادر الموثوق في صحتها فلن نعول كثيرًا على تلك الأخبار التي تتردد بين الأفراد المنشقين عن تنظيم الإخوان المسلمين، فما أكثر الحكايات المُلفقة التي تصدر عن هذا التنظيم وعن خصومه أيضًاً والذي يعنينا في هذا السياق هو كتابات "سيد قطب" في هذا الموضوع؛ تلك التي كانت موضع تساجل بين "محمود عبد الحليم" عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان، والشيخ "يوسف القرضاوي" عضو التنظيم حول علة انتقال كتابات "سيد قطب" عن الجنس والعري من الإباحية إلى التعصب والتزمت وغير ذلك من التعليقات التي جاء فيها أن "حسن البنا" قد ألتمس بعض العذر لما ورد في مقالات "سيد قطب" عن العري ودعوته للإباحية الجنسية وتشكيك شبيبة الإخوان في انتساب هذه المقالات إلى إمامهم وقدوتهم؛ الأمر الذي دفعنا للتثبت من الواقعات وتحليلها في ضوء دراستنا لفلسفة الجنس.

فقد بدأت كتابات "سيد قطب" في مقال له على صفحات جريدة الأهرام بعنوان "خواطر المصيف - الشواطئ الميتة" بتاريخ (10 يوليو 1938) ذلك الذي ذكر فيه أن شواطئ العراة أقل إثارة لمرتاديها من الصور العارية التي تنشر على أغلفة المجلات وأن ارتداء الفتيات للمايوهات والبرانس يثير شهوات الشباب أكثر من الأجساد العارية تماما  ". إنّ صورة واحدة عارية مما ينشر فى الصحف أفتن من شاطئ كامل يموج بالعاريات، لأن الصورة المصغرة تثير الخيال الذى يأخذ فى تكبيرها والتطلع إلى ما ورائها من حقيقة، وهذا هو الخطر، أما الجسم العاري فواضح مكشوف، وصعب على الكثيرين تصديق هذه الحقيقة، أما الذين ذهبوا إلى الشاطئ وهم مجردون من الرأي السابق فيها ومن التحفز لمرائيها، فيعلمون فى ذات أنفسهم صدق ما أقول ".

".... أطلقوا الشواطئ عارية لاعبة أيها المصلحون الغيورون على الأخلاق؛ فذلك خير ضامن لتهدئة الشهوات الجامحة وخير ضامن للأخلاق".

ثم نجده يكتب على صفحات مجلة الفكر الجديد عدد (يناير 1948) مقالا بعنوان "أفخاذ ونهود" عن العري وأثره على شبيبة المسلمين مبينًا أن الإثارة الجنسية التي يقدمها الغرب على صفحات المجلات حيث صور الفتيات ذات الأفخاذ والنهود والأرداف لا تقل خطورة على أخلاقيات المجتمع الإسلامي عن المخدرات " .. إنهم يعطونك في مجلاتهم صور أفخاذ ونهود، تلهو بها، وتحلم أحلاما شهوية خيالية، ليستمتعوا هم بالأفخاذ والنهود ذاتها لا بالصور الميتة على الورق!!" ثم يصف الجنس بأنه أحط الشهوات التي يسعد بها الكلاب والخنازير والحمير وفصل بين الحب والجنس باعتبار الأول قيمة روحيّة، والثاني دنس وشهوة.

ولا ريب في أن موضوع الشهوة الجنسية كان من الموضوعات الرئيسة التي خصّها "سيد قطب" بالكثير من مقالاته بعد عودته من أمريكا، ولاسيما عند تناوله أخلاقيات المجتمع الإسلامي فها هو على صفحات مجلة الرسالة العدد (959 سنة 1951) مقال بعنوان "أمريكا التي رأيت" يصف المجتمع الأمريكي بالبوهيمية والبدائية والانحلال، استنادًاً على العلاقات الجنسية التي يمارسونها في الشوارع وعلى الشواطيء دون تحرج، وكذا الإباحية في ممارسة الجنس تلك التي لا تخضع إلا للرغبة والقدرة والإعجاب المتبادل بين الذكر والأنثى " ... والأمريكي بدائي في حياته الجنسية، وفي علاقات الزواج والأسرة.

ولقد مررتُ في أثناء دراساتي للكتاب المقدس بتلك الآية الواردة في «العهد القديم»، حكاية عن خلق الله للبشر أول مرة وهى تقول: (ذكراً وأنثى خلقهم) مررت بهذه الآية كثيراً، فلم يتمثل لي معناها عادياً واضحاً جاهراً، كما تمثل لي في أثناء حياتي بأمريكا.

إنّ كل ما تعبت الحياة البشرية الطويلة في خلقه وصيانته من آداب الجنس، وكل ما صاغته حول هذه العلاقات من عواطف ومشاعر، وكل ما جاهدت من غلاظة الحس، وجهامة الغريزة، لتطلقه إشعاعات مرفرفة، وهالات مجنحة، وأشواق طليقة. وكل الروابط الوثيقة حول تلك العلاقات في شعور الفرد، وفي حياة الأسرة وفي محيط الجماعة. . إن هذا كله قد تجردت منه الحياة في أمريكا مرة واحدة، وتجلت عارية عاطلة من كل تجمل (ذكرًاً وأنثى) كما خلقهم أول مرة جسداً لجسد، وأنثى لذكر، على أساس مطالب الجسد ودوافعه، تقوم العلاقات وتتحدد الصلات، ومنها تستمد قواعد السلوك وآداب المجتمع، وروابط الأسرة والأفراد ...".

"... وتطلع عليك الفتاة كأنها الجنيّة المسحورة أو الحوراء الهاربة. ولكن ما إن تقرب إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها مجرّدة من كل إشعاع، وحتى تشم رائحة الجسد المحترق لنكهة العطر الفواح. ثم تنتهي إلى لحم. مجرد لحم. لحم شهي حقاً، ولكنه لحم على كل حال ..".

"... وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوماً أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب. شاهدتها بوفرة، ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه .. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيّده قيد، ولا يقف عند حد. وللصداقات بين الجنسين، تلك التي يباح معها كل شيء، وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة، والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة ...".

ويترائى لي أن ذلك البون الشاسع بين كتابات "سيد قطب" الإباحية عن العري وجماليات الجنس في أخريات الثلاثينات وحديثه عن الجنس في نهاية الأربعينيات باعتباره أصل كل الرذائل الأخلاقية، لا يحتاج إلى تعقيب فالاضطراب واضح بين الخطاب المسكوت عنه في سلوكيات تنظيم الإخوان والخطاب المباح الذي يرتدي عباءة التشدد والتعصب والتدين المصاحب للنظرة المتعالية (الشيڤونية) من قبل أفراد جماعة الإخوان، فالكبت الجنسي الذي يتسم به سلوك الإخوان في عيون الأغيار يخفي ذلك الشغف والشبق والمجون والشذوذ المتفشي بينهم.

فاللذة الجنسية التي يضعها "سيد قطب" ضمن الشهوات المرذولة، نجده يسمو بها إلى درجة النعيم عند حديثه عن حور العين ذلك الحديث الذي جاء مقتضبًا إلى حدٍ كبير واقتصر على أنها لون من ألوان السعادة الذي لا يظفر بها إلا من سار على نهج الأوائل في العبادة وطاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصف حور العين بأنهن العذارى اللواتي لم تمسهن يد، ولم تخدشهن عين، وهن الحسان العفيفات واسعات العيون، واهتم في ذلك الوصف بالجانب الجمالي الحسي وليس الروحي. وقد ورد ذلك في تفسيره لسورتي الواقعة والرحمن ثم استدرك ووصف الاستمتاع بحور العين على أنه أمتع ما يجول في خواطر البشر من متاع جميل.

وإذا ما انتقلنا من النظرة الجزئية إلى القراءة الكلية لأدركنا أن الجنس عند الجماعات السرية بوجه عام، والراديكالية الدينية منها على وجه الخصوص، كان بمثابة نقطة الانطلاق لاجتذاب الأنصار من جهة، وآلية لإخضاع بعضهم لتحقيق أهداف التنظيم من جهة أخرى، فالزواج المبكر والمتعدد بين أعضاء تنظيم الإخوان ميسورٌ ولا سيما في الطبقات الدنيا. أمّا في طبقة النخبة؛ فكان أكثر بساطة فالمصاهرة بينهم واجبة ولا يحق لعضو التنظيم أن يتزوج من خارج الجماعة في أغلب الأحايين.

وقد اجتذبت هذه الظاهرة الكثيرين من الشباب في المجتمعات الفقيرة، فما أصعب على شبيبة الطبقات الدنيا من الحصول على المسكن والزوجة الصالحة والعمل - الأمر الذي توفره الجماعة - وفوق ذلك كله الفوز بحور العين في جنة الخلد، ومقابل ذلك هو السمع والطاعة والولاء والانتماء.

وإذا ما انتقلنا إلى علة نظر الخطاب الإخواني إلى الشهوة الجنسية باعتبارها علة الفجور الأخلاقي، والعودة إلى الجاهلية البوهيمية، والباب الذي يدخل منه الشيطان لإفساد المجتمع الإسلامي؛ فسوف ندرك مدى تأثر هذا الخطاب بكتابات "فرويد" عن الجنس باعتباره أحد المحركات الفعالة الموجهة لسلوك الإنسان من جهة، ومسايرتهم للثقافة السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية التي تخاطب الغرائز أكثر من مخاطبتها للعقول من جهة أخرى، فجعلوا من الزواج المبكر الذي يقدمونه طوق النجاة للشباب المتلهف على الممارسة الجنسية في سياقٍ يعصمه من الزنا وارتكاب الفاحشة.

أمّا توظيف الجماعة للجنس في خطاباتهم السياسية ومعالجة مشكلات أسرهم الاجتماعية والنفسية (العنوسة - الأيامى - التّسري- ملك اليمين - الشذوذ) فهو من الأمور التي تخضع إلى التطبيق وليس إلى التنظير، شأنه في ذلك شأن كل الجماعات السريّة التي سوف نتناولها في المقالات التالية.

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

مجدي ابراهيمبالخُلوصِ إلى جوهر الفكرة التي كنا بصددها في المقال السابق، يتعزّز الرأي لدينا في مدى انعكاس الكلمة على ثقافتنا العربية بحيث يمكننا القول إنه لمَّا فقدت الكلمات سلطانها شعرت "الذات العربية" بالغربة عن عالم مرهون في تبعاته بإصلاح القول والفكر والضمير قبل إصلاح الواقع وترقيع المادة وامتلاك الأداة؛ فمثل هذا الشعور اللعين بالغربة والاغتراب سببُه المباشر فقدان الكلمات سلطانها، وتردي اللغة في ضمائر أصحابها لتجيء حاملة من التلف والخراب والنكوص مقدار ما تحمل تلك الضمائر، تلك هى "لغة التمزق" التي أشرنا إليها في المقال الأول.

ومعنى أن تكون الكلمات مفقودة السلطان هو نفس المعنى الذي تجيء فيه الألفاظ مُغَيَّبَة عن الدلالة، شارعةً في الهبوط والنكوص والتردي، مجهولة الهُويَّة الفكرية ومصادر الثقة "بالمعنى" قبل "الحَرْف"، وهو نفس الأمر الذي يصم الثقافة العربية بوصمة العار والشنار : وصمة العنف والإرهاب؛ أعني وصمة الفُرقة والتشتت والافتقار الدائم إلى التوحيد، وإلى ما عَسَاهُ يصدر عن التوحيد من رؤية مُوحّدة. وهذه الوصمة المُعيبة وهذا الافتقار الدائم مردَّهما أغلب الظن إلى "شعور الذات العربية" بعد التشتت والتفرُّق حتى لا تكاد تهتدي إلى سبيل طالما تشعبت أمامها السبل وتفرَّقت؛ شعورها بالاغتراب عن عالمها، يمزقها مثل هذا الشعور إرباً إرباً، ويفتت بواطنها الداخلية التي من شأنها أن تحفزها أن تنهض من كل كبوة تكبوها، وهى مع هذا التمزق؛ تشعر شعوراً ممتعضاً بالاغتراب عن وجودها وهويتها وموطنها، وما ينبغي أن توجد فيه وتستوطن، وما لا ينبغي أن تكترث له أو تمتنع عن الاكتراث.

لغة التّمَزُّق من أسفٍ هى السائدة في بلادنا ! وشعور الذات العربية بالاغتراب هو من جنس شعورها بالفقدان، وشعور الفقدان صادرُ عن حالة قلق تعانيها "الذات العربية" حين تصطرع داخلها الرغبات؛ فلا هى اتجهت بكل قواها نحو المستقبل ولا هى أنجزت من المطامح ما يمكنها من معايشة الواقع كما يعيشه المتقدمون في مجتمعاتهم المتقدمة.

قلقٌ الذات هو قلق يتأرجح بين فرائض الواقع والمستقبل المأمول. وبين ضرورات الواقع وآمال المستقبل تقع هُوَّة سحيقة قلقة تهز شاعرية المثقف العربي، فلا هو إلى ضرورة الواقع وفرائضه ينتسب، ولا هو إلى آمال المستقبل على استعداد للإسهام في تحقيقها أو تحقيق بعض منها كيفما أتفق.

وعليه؛ فشعوره من ثمَّ بالتوتر الدائم إزاء الواقع وملابساته وظروفه أو شعوره بنفس هذا التوتر إزاء المستقبل هو من جنس شعوره بالاغتراب الذي هو شعور في المقام الأول بالفقدان : فقدان الهُوية، وفقدان الخاصّة الذاتية في مكونها الأيديولوجي، وفقدان القيم التي هى بمثابة "الثوابت".

ومن المؤكد أن الواقع العربي الحالي لا تسود فيه القيم الثوابت بحال بل إن قراءة هذا الواقع الراهن تطلعنا بتجاوز هذه القيم وتبديلها بقيم أخرى مستهلكة تتفق مع ما يعانيه واقع المجتمعات العربية من شعور بالفقدان أو شعور بالاغتراب، أحدهما أو كلاهما سواء. والأصل في ذلك كله، كما ترى، يرتد عندنا إلى فقدان الكلمات سلطانها، والتقليل من دور الكلمة في حياتنا الفكرية والثقافية أو في حياتنا الشعورية، وتسطيح فاعليتها التي تعكس صورة الثقافة وقيمها إنْ في مدارجها العليا وإنْ في حياة الأمم والشعوب اليومية، وسواء في حاضر هذه الثقافة أو في ماضيها، حتى أضحي المتحذلقون منا يتندرون منها ساخرين وبمن يتمسك بشرفها ولو فقهوا لعلموا أنها اللحن الخالد، وأنها السلطان الذي لا يعلو عليه سلطان متى استقامت قيم الحياة واعتدلت موازينها في غير عوج وانصلح ترتيبها في غير انحراف.

ويجدرُ بنا في هذا المقام : مقام سلطان اللفظ الحي الفاعل أن نتذكر كلمات الراحل عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الرائعة "الحسين ثائراً"؛ لنقف وقفة نستمع فيها إلى نغمة علويّة تتغنى "بسلطان الكلمة"؛ وبأخلاقها وقِيمَها وفاعليتها، وبشرفها خاصَّة، لتعزف على أوتارها لحناً نديّاً من ألحان الخلود.

أي نعم! قسطاس الحياة الحية كُلَّه كلمة.

" ما دينُ المـرء سوى كلمة

ما شرفُ الرجُلِ سوى كلمة

ما شـرفُ الله سـوى كلمة

أتعـرفُ ما معنى الكلمة؟!

مفتـاحُ الجنَّة في كلمـة

دخـولُ النَّارِ على كلمة

وقضـاءُ الله هو الكلمة

الكلمـةُ لو تَعْرف حُرمـة

زادٌ مَذْخور

الكَلِمَةُ نورٌ

وبعض الكلماتِ قبـور

بعض الكلمات قلاعٌ شامخةٌ يعْتصمُ بها النبُّل البشري

الكلمةُ فُرْقانُ بين نبيِّ وبغيِّ

بالكلمة تنكشف الغُمَّة

الكلمة نور, ودليلٌ تتبَعُه الأمَّة.

عيسى ما كان سوى كلمة؛ أضاء الدنيا بالكلمات وعلَّمها للصَّيَّادين؛ فساروا يهدون العالم!

الكلمةُ زَلْزَلَتْ الظالم

الكلمةُ حِصْنُ الحرية

إنَّ الكلمة مسئولية

إنَّ الرجل هو الكلمة

شرفُ الرجل هو الكلمة

شرفُ الله هـو الكلمة".

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محسن الاكرمينممكن أن تكون الرؤى القديمة تشدنا وتسيطر على مسام عقول التفكير، يمكن أن يشدنا الحنين إلى أحداث تاريخ ماض ونبتسم للحظات صغر التفكير والذات، يمكن أن نمجد الماضي بتمام حسناته ومشكلاته العويصة، و يمكن أن نبخس كذلك حاضرنا بشفط كل تنوعاته الجمالية و التحسينية.

 حين نبقي على وضعيات تدوير التفكير بحدود الذات والانغلاق المنزوي، حين نعمل على تصنيع بخار ضغط متكاثف على مواضع سلبية لتبخيرالذات علوا، فإننا نمكن رطوبة كهوف التجميد أن تعاكس سنة التغيير وتحدث توليفات متطورة للتيار السالب. إنه حتما سوء أداء وظيفة الارتداد النفسي والاجتماعي نحو توسيع خانات التقوقع حول منتصف الذات، إنها تكلفة العوز من تعرية الواقع و نقد عطب الانطلاقة الأولى، وتحييد تلك الفواصل غير المتوقعة ولا المحسوبة بتصميم مخارج نتائجها المفزعة.

 إنها حقا ثقافة الولع الزائد بالغيبيات والتخوفات الآتية من المستقبل المجهول، وماذا يخفي؟. إنها عدم قدرة الثقافة العالمة على التخطيط السليم لمنصات سلم التوافق الحضاري وتنميط قيم التغيير. إنه جهل الاستفادة من أثر ربح التفكير الايجابي بقيمة الذكاء الاجتماعي والإبداع التطويري لمسالك تملك عقد اجتماعي تمثل فيه مؤسسات الدولة دور بطاقة الحصانة، و كذلك تلعب بذلة حكم الوسط في تثبيت مؤسسات الحق والعدل وسد بوابة صندوق التحكم.

حقيقة لا نمتلك الآن ثقافة قادرة على تحصين العقد الاجتماعي المؤسساتي، لا نمتلك حلولا إجرائية وسهلة بالبساطة تمكننا من سد الفجوات المفزعة الكامنة "الساكنة" والمستحدثة. حقيقة أننا لم نجرب الثورة على الذات منذ البداية الانطلاقة الأولى، لم نستلهم بينات على تأثيث قدرات ذاتية للتخلص من استجابات الخنوع و التواكل، و كذا الطموح على هيكلة المؤسسات الاجتماعية غيرالعادلة. حقيقة أن الثقافة المتداولة لازالت تغترف من الماضي سر الكتابة بقلم الرصاص وممحاة رأس التحكم، وتوليفة بزّازة/ رضاعة "الريع حلال" والإكراميات الممتدة.

 الآن، وفي ظل التغيرات الاجتماعية المتفاقمة بالسرعة، وفي ظل طفرة رزمة التحولات المعلوماتية المتلاحقة، بتنا جميعا نعيش ضمن شاشة هاتف أصغر، وبات العالم بين أيدي الجميع بالمكاشفة العارية. الآن، تبقى العادات والتقاليد تحمل شوائب إضافات غير سليمة من ماضي الخرافة ولم نقدر البتة على تجديد نظام القيم بسلم التطوير والتغيير وصولا إلى بناء معادلة صائبة بـ"رمزية الفيزياء" تجمع بين الأصالة المميزة والمعاصرة الكونية. لم نستطع حتى تحرير الذات من تسلط حكم صور سلطة الماضي و التوجه نحو بناء فهم جديد للوعي الحديث و ابتكار ثقافة نظيفة. لم نقدر على محاربة شداد حراس قيم الاتكال والخنوع و مريدي " إكراميات الريع". لم نقدر على ربح حرب هادئة وبدون أسلحة سجال"البوليميك" لإنجاز ثورة مدوية على متخندقات الذات و الآخر المتشنج بالتنطع، وبعدها يمكن التأسيس لبداية تغيير الذوات ثم الالتحاق بتحقيق واقع التمكين والممكن...

نقد الذات وهجاء جرير والفرزدق

 حتى لا نمارس بذخ نقد "الهلاك" ونكون مثل جرير والفرزدق بشعر الهجاء والتنابز الفاضح، لا بد من تملك عمليات النقد تجاه الذات وتصويبها بسهام تجديد الرؤى الموضوعاتية نحو الآخر بالجمع السالم. ففي ظل سنوات التوافق والاحتكام للعقل الجمعي لم تبق لدينا أغلبية "زعيم" التفرد، ولا معارضة " كاريزما" الشراسة، بل بات الحديث بلغة سياسية موحدة و واحدة من اليمين إلى اليسار، ولم نستطع من خلالها الكشف عن مستند الجبهة "المعارضة" ولا "المساندة" للعقد الإجتماعي المؤسساتي. اليوم يجب أن نعترف أن تطور المجتمع أصبحت سكته متصلة بسرعة "تجيفيTGV"، وبعلامات واقفة في المنعرجات "خطر متنوع". هي إذا التحولات المتراكمة والتي ستتحرك مثل كرة الثلج القادمة من الجبل بحدة سرعة المنحدر وبمتسع التفاقم التراكمي.

 من اليوم لا بد أن نستوف آليات التفكير الإيجابي، واعتماد فقه مقاصد المواطنة في بناء تحولات نوعية و تراكمات موضوعية بغية التأسيس لحلم المستقبل. من اليوم يجب أن نبحث عن كل مخفضات سرعة التغيير" سياسية النفعية" والانجراف نحو الأزمات المتعددة. نبحث عن سدود قضائية لكل التغيرات السريعة غير المراقبة بـ "ردار Radar " القيم الاجتماعية ودولة الحق ومؤسسات القانون. من اليوم لا بد من مواجهة كمون / سكونية التغيير"التقية" والوثوق في الأداء الجماعي التطويري لإقلاع المجتمع من مدرج الإنصاف والعدل، لا بد من مواجهة عمليات التيئيس بتحقيق الكرامة واحترام إنسانية الإنسان، لا بد من مناصرة الثقة والصدق في المستقبل وشق مسارات التغيير المتمركزة على العقد الاجتماعي المشترك ودولة العدالة الفاضلة.

الثورة على الإحباط والتيئيس هي من بوابات استشراف المستقبل، و في بناء تركيبات الفعل "الرافع لسلطة الفاعل المدني والسياسي" ، يجب أن يمتلك الشعب آليات تصويب الإصلاح بالتسريع المريح وأكياس الأمان. يجب أن تكون الرافعات الأساس ركيزة تضع المراقبة والمتابعة في يد المجتمع المدني و الفاعل السياسي اللا- انتهازي.

 الثورة على الإقصاء والتهميش يجب أن يكون جوهريا وبلا عودة إلى متاهات التحكم وإحداث إكراميات "الريع حلال"، يجب نسف كل الفوارق الاجتماعية العمودية والتي تشكل هرم"خوفو" الآيل للسقوط، يجب أن تكون طريق التطور حلما جماعيا لا نخبويا.

صدق التغيير، ينبعث من بناء آليات تفكير للذوات بالايجابية، صدق البناء يكون بقبول الاختلاف والقفز عن سياسة الإقصاء. صدق الربح، حين تتم ضبط عقارب تحرك الذوات وفق التوافق و مد يد الصداقة للجميع. صدق القول، لن يتم إلا عبر العناية بتتميم ممرات التفكير الحر وتحكيم حكامة المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وكذا من خلال العناية بالذات والاعتراف بها كفاعل محرك للتغيير.

 إنها أصعب المسارات التي تتناول الانتقال من أنانية الذات المنزوية إلى نقيضها المنفتح على القيم والمعتقدات والثوابت اللازمة للعيش المشترك، إنها فسحة توطين الذاكرة المشتركة الجماعية بالاعتراف المتبادل حتى بين الهويات الفر دانية. فحين تنكسر الذوات و يسود الإحباط تنمو المواقف السلبية و تظهر الآثار الجانبية وتصبح الهزيمة واقعة تسيطر على الذات ونحو الآخر بالتوسع . لنختم بأننا سواء بالإفراد والجمع في حاجة ماسة إلى خلوة مع الذات بالمنظور الجماعي، خلوة غير صوفية تفتح الحوار مع "أنا" و"الآخر" بمتغير التموقع، وتساءل العقد الاجتماعي المؤسساتي بمتسع العدل والقانون والكرامة.

 

محسن الأكرمين

 

عامر عبدزيد الوائليما بعد الهويات القاتلة ومدخلية الدين في تشكيل الفضاء الهوياتي المنفتح (4)

الهوية الوطنية لأي شعب، ليس معطى ثابتا ومنجزا نهائيا. انها تتشكل في مجرى التطور التاريخي –الموضوعي، ومن خلال نضج أو انضاج المقومات " 

الهوية والذاكرة والسرد تحديد مفهومي: إن مفهوم الهوية في الواقع بالمعنى السائد اليوم، هو من مفاهيم الحداثة الغربية، التي ارتبطت بالسياق التاريخي لتطور مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا، والذي واكب ظهور، وتشكل، ثم صعود البرجوازية (سكان المدن) في قلب أحشاء المجتمعات الإقطاعية في أوروبا. مما مهد الطريق لانبثاق مفاهيم جديدة حديثة تعاضدَ فيها الدولة ومفهوم الأمة وهي ما اصطلح عليها " بدولة الأمة ". فعندما نعود إلى الحفر الذي قام به (كلود دوبار) نجد انه رصد تحولات الفكر الغربي وما صاحبة من تغيرات فكرية وعقائدية إذ عرض إلى ثلاث نظريات هي: نظرية سياسية لدى (نورت اليأس) تمثل صيرورة حضارية، ونظرية رمزية لدى (ماكس فيبر) تمثل صيرورة عقلية، ونظرية اقتصادية لدى (ماركس) تمثل صيرورة ثورية. ويشير كلود دوبار إلى (أن مصطلح "هوية" أنموذج للكلمة المنحوتة التي يعكس عليها كل منا معتقداته ومزاجاته ومواقفه). (1)

إن مفهوم الهوية واحد من المفاهيم التي تتصف بالتأزم المفهومي اليوم في مشكلة اليوم في تعبيرها المضمر وهو المعلن عن الشرخ الذي تعانيه الدول نتيجة إلى انشطارها أو اندماجها المبني على الإكراه أو الإقصاء القائم على استعلاء قومي أو اثني من احد المكونات على غيرها تحت ذريعة الدمج في مفهوم دولة الأمة، مما يسهم في تسميم الفضاء العمومي لكونه مبنيًّا على الإقصاء وليس الشراكة المتساوية في الحقوق والواجبات أي تحقيق لمنطق العدالة في توزيع السلطة والحقوق والشراكة مما يسهم في خلق فضاء عمومي قائم على مبدأ العمومية بوصفه شرطا لكل علاقة من الآخر "وهو ما تسميه (حنة ارندت) "البعد السياسي التواصلي" الذي يخلق فضاء عموميا لكل وجهات النظر قائما على ما يسميه كانط " مبدأ العمومية بوصفه المبدأ الذي يتحكم بكل العملية السياسية "(2).

ومن هنا فالهوية من زاوية معيارية وتواصلية مرتبطة إلى حد بعيد بالإبعاد:الرمزية وحركية الأزمة والحراك الاجتماعي وهذه كلها تخوضها الأمة إثناء التأسيس إلى عقد اجتماعي جديد يراعي الشراكة وآليات التعايش على أساس افتراضات المعايير والقيم التي يصوغها الشركاء داخل الفضاء السياسي والثقافي يعيد الأمة إلى دور الفكر إلى جانب الفعل السياسي الذي غاب في اثناء الخطاب التوتاليتاري؛ لان الأزمة ليس سياسية فحسب، بل مجتمعية، أي فكرية، وقيمة، ومعرفية، ورمزية على صله بالمعتقدات التي يفترض أن تؤسس إلى تأويل جديد للنصوص في الجدال الدائر بين علماء الدين والمفكرين من ناحية والسياسيين من ناحية أخرى.

ومن اجل استعادة حيوية مفهوم الهوية عبر مقاربة معرفية، وأخلاقية، ودينية، والمواطنة المتساوية في الحقوق، والواجبات، كل هذا يستلزم المناقشة الديمقراطية كمعيار يصبح مقبولا من لدن الجميع حتى يتم ترجمته كرؤية إستراتيجية في رسم مستقبل الكيان السياسي والاجتماعي ويتجاوز الصدع الحاصل بين المكونات ضمن رؤية معاصرة تستثمر المنجزات المعاصرة في إشادة مفهوم جديد للهوية، والذاكرة، والعلاقة بينهما.

من هنا يمكن البحث في دلالة الهوية لغويا واصطلاحيا وهنا تختزن اللغة دائما، مكونا ثقافيا، فهي –رغما عنها – حاملة ثقافة وتأريخ، لأنها وسيلة المعنى الأساسية، والمعاني قيم، والقيم ثقافة؛ لذا فاللغة مسكن الكينونة على نحو ما يصفها مارتن هايدجر، بل إنها - كذلك – سكن الثقافة، والتاريخ والايدولوجيا(3) فالهوية لغة تحيلنا إلى معنى:(الحفرة البعيدة القعر)(4) ويبدو أن هذه الهوة العميقة في وعي العربي تمثل نظرته الوجودية التي تمثل في لغته. إما اصطلاحيا فهي تدل على الميزة الثابتة في الذات، إنها ميزة ما هو متماثل سواء تعلق بما تقيمه الذات من علاقة مع ذاتها، أم مع الواقع على اختلاف أشكاله. (5) ويبدو أن المفهوم الاصطلاحي يبقى مفهوماً منطقياً "جوهراني" كما عبر عنه بارمنيدس بصيغة "الكائن موجود، واللاكائن غير موجود " بوصفها تأكيدا على أن "هوية الكائنات التجريبية "، أيا كانت تلك الكائنات، هي " ما يبقى دون تغيير رغم التغييرات " وتشابه مع نفسه خارج الزمن وما يبقى على حاله. كتب بارمندس:" الصيرورة مستثناة من الوجود " الاستمرارية في الزمن هي ما سمي بالتماثل، وهي هنا مصممة بوصفها حقيقة "بحد ذاتها ". استكمل هذا الموقف الانطولوجي بموقف منطقي. فلوصف هذه الجواهر، لتعرف هذه الاستمرارية، ينبغي ب"فئات " بأنواع تضم كل الكائنات التجريبية ذات الجوهر المتماثل (eidos). هذا التصور ترجم في مذهب الهوية ويقوم على اعتقاد التطابق مع الذات أو مع الأصل أو البحث عن أصالة مفقودة، في النزعات الأصولية العرقية والدينية التوتاليتارية.

أما المقابل "الاسماني" فمفاده (ليس هناك جوهر، بل وجودٌ ممكن) وهو تصور يعود إلى هيراقليطس الذي كتب:" لا يمكن للمرء أن يسبح مرتين في النهر نفسه ". كما تنسب إليه عبارة:"كل شيء يسيل "، لا يوجد جوهر أبدي، بل كل شيء يخضع للتغير. (6)

فالهوية بدلالتها تحيلنا إلى العمق والفلسفية وإلى المماثلة بين التطابق الموحي بالثبات والمغايرة التي يوحي به مفهوم الهوية هو مصطلح يستخدم لوصف مفهوم الشخص وتعبيره عن فرديته وعلاقته مع الجماعات.

فالهوية (على المستوى الفردي تحديد إداري: بطاقة هويتي تحديد طول قامتي، عمري، سكني، فهي تعرف شخصا بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده. أما الهوية الجمعية، تدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى. أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كونتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة. فما يجمع الشعب الهندي مثلا هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم أيضا دولة واحدة ومواطنة واحدة، كل هذا يجعل منهم شعبا هنديا متمايزا على الرغم من أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى. فهذا هو التصور الجمعي للهوية أي يمكنها أن تكون تصورا- إني اصنع لنفسي ضربا من الفكرة عما أكون - ويمكنها أن تكون مفهوما، مفهوم الهوية الفردية، المستخدم جدا في العلوم الإنسانية والاجتماعية. لكن التعقيد يتنامى إذا طبقنا مصطلح الهوية على الجماعة فالمصطلح مستخدم عندئذ بمعنى متراخ قريب من مفهوم التشابه (7) أو التماثل الذي يرضى دائما ميلا طبيعيا للفكر. . . فان الهوية (الثقافية أو الجمعية) هي بالتأكيد ضرب من التصور وكثيرة هي الأمثلة التي تبين على نحو متجدد باستمرار أن أفرادا يتخيلون أنفسهم وكأنه يقول بيندكت أندرسون (8) أعضاء جماعة وينتجون تصورات شتى لأصل هذه الجماعة وتاريخها وطبيعتها. ويخطر ببالنا على نحو مؤكد في مجال العمل السياسي، تلك الأطروحات ذات النزعة العرقية، والمشروعات ذات النزعة الإقليمية أو الاثنية، وبوسعنا، في مجال العمل الثقافي إن نرجع إلى الأقوال التي تنقلها مجموعات بشرية إقليمية، دول، متاحف وحتى مؤسسات بحث، فيما يخص غالبية ممارسات الإرث المشترك. . . إذ من المحتمل أن يشترك أعضاء مجتمع واحد في طرائق وجودهم في العالم (ايماءة، أساليب القول وأساليب الفعل الخ)، طرئق مكتسبة خلال التنشئة الاجتماعية المبكرة، طرائق وجود في العالم تسهم في تحديدهم، طرائق حفظوها في ذاكرتهم من دون وعي بها، لوجود أساس لحامل ثقافي أو " رأسمال معرفي ثابت ")(9)

هنا يظهر البعد الإيديولوجي للهوية، بين علاقة الجماعة بلغتها وثقافتها، وما تختزنه من تصورات إيديولوجية للجماعة نفسها، من هذا نفهم أن الانتقال من المفهوم الفردي للهوية إلى الهوية الجمعية، يبقى مجرد تصور مرده إلى الفعالية التخيلية، والتواصلية، التي يتم إقامتها بين الجماعة، والإرث الثقافي الذين أرادوا أن يكون معبرًا عنهما، الذي ترسب من خلال المؤسسات التعليمية، والدينية، والعادات، والتقاليد، ولا نعدم الاستعارة، والتثاقف مع الآخر، ولا نعدم الصراع ومحاولة التمايز عن الاخر باختراع أو تخيل هوية جمعية مختلفة يتم اصطناعها من خلال الإرث المشترك. ولعل هذا يحيلنا إلى توافق نسبي لدى الباحثين مفاده (أن هذه الهوية بناء اجتماعي، يتغير دائما ً، على نحو من الأنحاء، من حال إلى حال في إطار علاقة حوارية مع الآخر.)(10) فالهوية في علاقتها بالذاكرة تقوم فيها الذاكرة على إعادة بناء للماضي ينتقل من القوة إلى الفعل باستمرار أكثر مما هي إعادة أمينة لهذا الماضي؛لان الذاكرة هنا إطار أكثر مما هي محتوى، رهان جاهز دائماً، مجموعة من الاستراتيجيات، موجود قائم تكمن قيمته فيما أنصنع به أكثر مما يكمن هو عليه لان فكرة أن التجارب الماضية ستكون مستظهرة، محفوظة وتستعاد بتمامها، فكرة تظهر أنها "لا يمكن الدفاع عنها " هذا معناه أن الذاكرة تخضع إلى القراءة فيما تقرأه من الماضي بإسقاطات المعاصرة عليه فهي تبقى عملية بناء الحبكة بوصفها تركيبا أو تأليفا بين عناصر وإحداث وعوارض متنافرة في بناء محبك ينتج قصة لها محورها السردي أي أبطال يعبرون عن الهوية المنتجة وأنصار وأعداء هكذا يتصاعد الصراع الدرامي الإيديولوجي هذا الأمل يتم إيجاده من اجل مواجهة ظاهرة محو الهوية وضعفها أي أنها لحظة تروم مواجهة أزمة معاصرة تواجها الهوية (فالبحث في الذاكرة يعتبر عندئذ جوابا عن هويات أصابها الضرر وفقدت توازنها)(11)فهذا التصور التخيلي للهوية يعتقد بوجود هويات صافية (فمنطقها يقول إما المماهاة أو الحرب، إما أن تكون على صورتي ومثالي أو أقوم بنفيك وإدانتك.)(12) إن هذا يجعلنا نواجه أمرين:

الأول نسبية الهوية فالهويات الجمعية "هي تصورات متخيلة من الذاكرة "، وبالتالي التخلص من الخطابات العرقية التوتاليتارية.

 والأمر الثاني إيجابي انه يؤكد أن الهوية ممكن أن تكون مواجهة للازمات التي تعانيها البلدان التي تعيش حالة من حالات التأزم الاثني والطائفي والقومي ممكن علاجها من خلال تفكيك أوهام الهوية وأعادت إنتاج الهوية التوافقية الجامعة.

و لا شك في أن هذه الرؤية إذا ما تم تعزيزها بالتضامن (فالشرط الأول لقيام الجامعات وضمان فاعليتها هو علاقات التضامن الخاصة والعميقة بين أفرادها. والتميز عن الجماعات الأخرى هو الذي يسمح بخلق أرضية مناسبة لنشوء هذه العلاقة الخاصة داخل دائرة الجماعة الواحدة، وهي العلاقة التي تسمح بتجاوز العصبيات الجزئية ونشوء الأمة كإطار مدني وسياسي واسع ومتحرك للتضامن تتجاوز العصبيات الموروثة، وتؤسس لإرادة جماعية كبرى هي أصل التقدم الحضاري). (13)

فان التضامن يسهم في ظهور المفهوم الحديث لهوية الدولة والمواطنة يقوم على التعددية (كالهوية الوطنية أو الهوية الثقافية). يستخدم المصطلح خصوصا في علم الاجتماع وعلم النفس، وتلتفت إليه الأنظار بشكل كبير في علم النفس وعلم الاجتماع، فالهوية هي مجمل السمات التي تميز شيئا من غيره أو شخصا من غيره أو مجموعة من غيرها. كل منها يحمل عدة عناصر في هويته. عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى.

العناصر التي يمكنها بلورة هوية جمعية هي كثيرة، أهمها: اشتراك الشعب، أو المجموعة في: الأرض، اللغة، التاريخ، الحضارة، الثقافة، الطموح وغيرها، أي إنتاج مفهوم الأمة التي ينتمي إليها الجميع من عدد من الهويات القومية أو الوطنية تطور بشكل طبيعي عبر التاريخ وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرعت في تبلور المجموعة.

 وقسم من الهويات تبلور على أساس النقيض لهوية أخرى. هناك تيارات عصرية تنادي بنظرة حداثية إلى الهوية، الهوية الوطنية لأي شعب، ليس معطى ثابتاً ومنجزا نهائياً. إنها تتشكل في مجرى التطور التاريخي - الموضوعي، ومن خلال نضج أو إنضاج المقومات والمقدمات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية. وقبل كل شيء صوغ وتحقيق معادلة المصالح المشتركة والمتداخلة والمتكافئة (ولو بشكل نسبي) بين الهويات الخاصة (الفرعية) لمكونات أي جماعة بشرية. تلك بعض المحددات الرئيسة، لتشكيل الهوية الوطنية الجامعة والدائمة، والمتجددة في مراحل الأزمات والانعطافات والاستحقاقات المفصلية التي تواجهها. وهي في كل ذلك (الهوية) تختلف عن تلك الروابط والصلات التي شهدتها الإمبراطوريات والممالك القديمة، التي غلب عليها طابع الإلحاق والضم والتبعية القسرية للأطراف من قبل المركز. بطبيعة الحال هناك اختلافات وتباينات بين التكوينات والتجمعات الإنسانية فيما بينها وفي داخلها، وفي سياقات تطورها التاريخي، وطبيعة خصائصها، ومستوى تجانسها الاثني، الديني، المذهبي، اللغوي، وهو ما يعرف بالدمج بين المكونات في هوية مشتركة في مفهوم دولة الأمة التي من ملامح تطورها النزعة القومية المستندة إلى إيديولوجيا عنصرية وإرادة هيمنة، إلى الإنكار المطلق للآخر والى محاولة إخضاع الآخرين جميعا بفضل عقلنة منهجية. ومع ظهور الأمم المتحدة 1947تزايد منتظم لعدد الأعضاء نحو 200 في عام 2000، وحتى ألان يبقى الشكل الهوياتي المسيطر هو الشكل الذي يجمع نحن محددة الموقع منظمة في دولة شرعية أو مجموعة ثقافية (اثنية – دينية أو قومية أو قليمية) تطالب باعتراف رسمي بالاستناد عموما إلى أشكال أسطورية من إعادة البناء تبرر ترسيخها الجماعاتي عبر اختراع تاريخ عرقي و" أنا" تجري مماثلتها بمجموعتها المحلية وبثقافتها. (14)والهوية اليوم شكل من إشكال العلاقة بين الفرد ومجتمعه. وبهذا انتاج مفهوم الدولة والامة في الفكر السياسي على أساس سياسيي وأخلاقي واجتماعي نجد أنها ارتبطت في ما يؤسس مقتضى كانط(الحازم لإمكانية أنا مستقلة، تبنى على المساواة والأخوة)(15) كان كانت يمثل التحول الحديث في مفهوم الهوية والممهد إلى الدولة الأخلاقية. وقد ظهرت الكثير من الأفكار النقدية تحاول إصلاح سلطة الدولة ومقاربتها مقاربة أخلاقية من اجل تحقيق العدالة في سلوكها المؤسساتي الذي كان كانط قد دمر(طموحات الفلسفة "الميتافيزيقية ") بصدد التفكير في الطبيعة النهائية في دائرة الفعل الأخلاقي والقيم و"الشرط الإنساني ".

ويرى كثيرون أن العدالة تظل مفهوماً مجرداً في عالم العقل لا يمكن تطبيقه في عالم الواقع؛ وأن ما يجري تطبيقه على مرّ العصور من عدالة اجتماعية وسياسية واقتصادية ما هي إلا محاولات يُقصد من ورائها الحفاظ على الحقوق التي أقرها القانون الطبيعي والأخلاقي.

الا ان هناك في اوربا تجربة معاصرة في مجال الهوية تستحق التدبر فهذه الحضاره الليبرالية قدمت مفاهيم عن المساواة ويقابلها التعددية الثقافية؛ وهناك اليوم تصور جديد تحقق في اوربا كما يصفه "ويل كيمليكان "تبدأ القصة الآوربية مع انهيار الشيوعية في وسط وشرق أووربا في العام 1989، الذي صاحبه عدد من النزاعات العرقية العنيفة. وهو ما وصفته المجلة البريطانية "New Stateman" إذ حمل عددها تموز العام 1992عنوانا هو:" معركة أوروبا؛ الحريق الهائل القادم في وسط وشرق أوروبا "، انما كانت تمثل شعورا منتشرا في كل مكان بين الملاحظين الأوروبيين. (16) كان هذا الحدث هو الذي دفع أوروبا الى ايجاد حلول لها، ومعه تغيرة سياستها اتجاه الاقليات وكما يقول الكاتب: "فكيف أصبح الغرب فجأة بطل الأقليات في أوروبا مابعد الشيوعية؟" ولم تكد المنظمات الاوربية تقر أن معاملة الأقليات موضع اهتمام دولي مشروع، حتى واجهت هذه المنظمات الأوروبية هذا السؤال: ما الذي تستطيع أن تفعله، أن كان في يدها أن تفعل شيئا، لكي تساعد على تحسين العلاقات بين الدولة والأقليات في بلاد ما بعد الشيوعية؟

وقد كانت الاجابة تتمثل في ثلاثة مسارات: تعميم أفضل الممارسات، وتشكيل الحد الأدنى من المعايير، والتدخل في حالات معينة (17) انا اجد ان هذه التجربة جديرة بالتثاقف معها في معالجة قضية التعددية الثقافية التي تسود الشرق الاوسط والعراق منه، وعلى هذا الاساس سوف احلل تحولات الهوية العراقية وتكوناتها ثم التثاقف مع التجربة الغربية في توصيف حل ما.  

II

مشروع الدولة بين نظرية الأمة ومجتمع متعدد الهويات

أولا: تحليل تكويني:

إن التحليل الذي يأخذ بنظر الاعتبار التكوين الذي مرت به الهوية العراقية وتحولاتها يدرك أن تعريف الذات حالة تعيشها الدول التي تعاني من تمزق، كان يفترض بها أن تكون الأمة بوصفها هوية جامعة إلى جانب الدولة؛ ولكنَّ الدولة – الحديثة - لم تفلح بسبب اعتناقها رؤية قومية طوباوية تعرقل بل تنفي الأمة الوطنية العراقية.

فقد بقيت هوية الأمة غائبة فأصبح العراق يعاني من مستويين من التمزق مترابطين إلى حد عجيب، على المستوى الأول على أساس العرق، أو الجنس والآخر المستوى الديني أو الاثني. إن الفوارق والصراعات بين تلك الجماعات تلعب دوراً مهماً في سياسة الدولة، ويتغير عمق هذا الانقسام مع الزمن دائماً ويحدث الصراع من حالة عدم تطابق الثقافة والجغرافية ومن أجل تطابقهما تقوم الإبادة الجماعية أو الهجرة الاضطرارية انظر الحروب الأهلية التي حدثت وتحدث من اجل تطابق الثقافة المهيمنة والجغرافية من حروب الاشورين والأرمن إلى الحرب الكردية والمقابر الجماعية (18).

لان الهوية لم تتجاوز بعد تلك الانشقاقات ولم تفلح الدولة- وهي الشكل المستعار من التجربة الغربية- في التأسيس إلى أمة واحدة لها ذاكرة موحدة تلك الذاكرة التي تحيلنا تكوينيا إلى تحولات كثيرة مرت بها هوية العراق الذي تعيش فيه ثلاثة أعراق واضحة وأخرى على شكل أقليات عرقية العرب والأكراد والتركمان واختلاف الحجم يؤثر على طبيعة العلاقة بين الأطراف حيث يأتي العرب أولاً ثم الأكراد ثم التركمان. ولكنَّ هذا التكوين يخترق دينياً بشكل مذهل حيث العرب شيعة وسنة والأكراد شيعة وسنة ومسيحيون ويزيدون، والتركمان شيعة وسنة أما الأديان فهي: الإسلام والمسيحية واليزيدية والمندائية (الصابئة)

بالإضافة إلى اقتران آخر ظهر بعد الحداثة، مجتمع مدني حداثي(مجتمع مدني) ومجتمع أهلي، ريفي قبلي تهيمن عليه العشائرية والطائفية.

الهوية الدينية والشرعية السياسية في العصور الوسطى:

مثل الدين المرجعية لفعل السياسي في العصر الوسيط إذ لابد من مسوغ شرعي للفعل السياسي لهذا كان الدين مرتبطًا إلى حد كبير بالشأن السياسي يؤثر فيه ويتأثر بما يثيره من تحديات مما جعل من الدين الفاعل في صياغة المجال السياسي العام سابقا والآن وهو أمر مفارق للوضع المعاصر غربيا (19) لكن الدين المكون الأول للهوية في الشرق وبفعله يتم صياغة الهوية للأمة.

إن العراق في الحقيقة عاش إعادة تحديد الهوية بعدة أشكال كان أولها عبر الاحتلال الخارجي أو الفتح: الفتح الإسلامي أعيد تحرير العراق من النفوذ الفارسي وأعيدت صياغة هويته عبر حدث الفتح ثم تحول إلى عاصمة ثم ولادة الشق الداخلي الإسلامي (شيعة / سنة) داخل الدولة، ومع هذا الانشقاق ولدت هويات عقائدية تشكل لكل منها صورة سردية أصلية وبلغة احد الباحثين (الأسطورية الأصلية)وعرفها (أنها تقلص من توسع الهوية الشخصية تمتلك ملامح مميزة يمكن استخدامها للتنبؤ بالعنف كأبعاد للتدخل وأيضا بوصفه علامات لتقييم مشاريع المساعدة والتنمية. . . وهي نظام مغلق متماسك، فان أي تغيير يطرأ على جزء من القصة يولد تغييراً في نظام المعنى برمته)(20) هذه الحبكة قابلة للتأويل والتوظيف السياسي فالصراع بين السنة والشيعة الذي ولد في ظروف تاريخية مفتوحة على أزمنة أخرى وآخرون ممكن إن يدخلوا فيه من اجل المشروعية السياسية والدينية للصراع على السلطة لان الدين يشمل السياسة ويمنحها مشروعية الحرب هكذا توسع الصراع خارج الأحداث التاريخية إلى الصراع بين السلاجقة الأتراك السنة والبويهيين الديلم الشيعة الزيدية وفيه تطورت الكثير من الكتب العقائدية التي استعادت لحظات الصراع والشرعية وأعيد تحديد ثقافته وتعمق الانشقاق مذهبياً إلى حد بعيد، ثم توسعت هذه الحبكة في الفكر والسرد للهوية حيث انخرط فيها تحديد الهوية بظهور الأتراك الصفوية التي تحولت من التصوف إلى التشيع الأمامي إذ سادت ثقافة متمايزة في صراعها مع العثماني وحيث عاش في العراق إحياء فكر متمايز آخر يعود إلى السلاجقة. . . وفي هذه الحالات كان التدخل الخارجي يستثمر الانشقاق الداخلي ويعمل على توسيعه وإضفاء مساحة حضور عليه.

التحول من دولة الملل والنحل إلى دولة الأمة:

هذه الأفكار الوسطية سرعان ما عايشت انشقاقا آخر فان هذه النماذج التاريخية هي خارج دلالة الهوية بمعناها الحديث الذي يعني تداخل بين مفهوم الدولة والأمة وهو ما لم يكن موجودا على الرغم من ان الدولة العثمانية التي كانت لها سمات الإمبراطورية وبعض ملامح الدولة الحديثة، فهي دولة الملل والنحل "العثمانية او المماليك والقاجارية. . " وهي تعتمد على البعد الذاتي والفردي للحاكم؛ ولكنَّها أرست ملامح عامة مشتركة تعبر عن نمط من أنماط الدولة القديمة وهي بنظر الفكر السياسي الغربي ان "منطق الدولة منطق التنظيم والتوحيد والتجريد والتعميم في حين أن منطق الإمبراطورية هو منطق التعدد والتجريبي والعادات والمجانية "(21)وقد تم تصنيف هذه الشعوب الشرقية تصنيفاً ينطلق من مركزية أوروبية يبدو المجتمع المركب الهوية في المنظور الدولة – الأمة الأوروبي كمجتمع بدون مجتمعات مدنية أو كرقعة "فسيفسائية " غير متمازجة اجتماعيا (22)، تقوم على وحدات عمودية منفصلة ومستقلة ذاتيا مقابل المجتمعات المدنية الغربية المتمازجة التي تقوم على التنضيد الأفقي وتجانس الهوية. يكون المجتمع الفسيفسائي هنا راكدا في استبداده الشرقي الأسيوي بقدر ما يكون المجتمع المتمازج ديناميكيا مفضيا إلى الحداثة فيغدو قدر الأوربيين أن يحكموا الأسيويين على حد تعبير هيجل. (23) ويبدو أن كلام هيجل كان تبشيرا بالاستعمار ولكنَّ الأمر أيضا من زاوية أخرى مرتبط أيضا بالدولة العثمانية وغيرها كانت في الحقيقة قد خسرت وجودها نتيجة موقفها من الحداثة والإصلاح وحالت من دون الإصلاح الحقيقي على الرغم من ان الدولة العثمانية قد اخذت بالإصلاح من خلال إصدار التنظيمات (1839- 1876م) كنوع من ترميم شيخوخة السلطنة العثمانية وإعادة الشباب الآفل لها، وطُرح في ذلك الوقت (1850م) شعار "العثمنة" لطوائف السلطنة وقومياتها بوصفه مفهوماً مطابقاً لصفة المواطنة، بهدف إعادة اللحمة إلى الاجتماع السياسي العثماني الآخذ بالتفكك على أسس ‏جديدة من خلال تقنين العدالة والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين من أبناء السلطنة في الحقوق والواجبات من دون اعتبار للدين والعرق أو اللسان، بما في ذلك إلغاء الجزية عن غير المسلمين والسماح لهم بدخول إدارات الدولة والجيش على أمل ان يحد ذلك من تطلعاتهم الانفصالية المدعومة من المستعمر الأوروبي، وبحلول عام 1869 صدر قانون الجنسية العثمانية. (24) ولكنَّ هذه العملية التحديثية تعبر عن رغبة حقيقية لدى الدولة إذ يؤكد عبد الله العروي في استنتاج لافت في مدلولاته:" لو نجح إصلاح النهضة لما تم الاحتلال "بمعنى أن السبب الأول يعود إلى موقف الدولة الحقيقي التي لم تكن مع الإصلاح بل التحديث الذي يمنحها استمرارية التحكم وهي حالة استمرت إلى يومنا هذا في عالمنا (25) قد تبدو جلية في الهجرة المؤلمة التي تلخص حالة الضياع والسخط وأزمة الانتماء وفقدان الكرامة التي تعم غالبية الدول النامية جاءت عوامل متعددة ففشل الإصلاح الحقيقي الذي جاء بالاستعمار. وحتى الإصلاح جاء بفعل مؤثر خارجي إذ تم فرض عملية الإصلاح على الدولة العثمانية؛ حتى يسمح لها في العالم الجديد المكون من دول- الأمة، اذ كانت فكرة دولة الأمة قد ظهرت في الغرب لإقامة الدولة التي تعبر عن هوية كل مجموعة سكانية منسجمة لغويا وعرقيا وثقافيا ويضمها إقليم جغرافي واحد وهذا الشكل للدولة هو" الدولة - الامة "التي قد تم الاعتراف بها بشكل "دولة – الامة" بمعناها الحقوقي الراهن لاول مرة في معاهدة وستفاليا 1648وقد شكل الاعتراف قاعدة نشأ على أساسها نظام جديد في العلاقات الدولية الذي تقوم وحدته الاساسية على الدولة- الامة ذات السيادة، الذي ينهي عهود التسلط ويحفظ لكل امة حقها في الاستقلال وبذلك انتقلت الشعوب من صيغة رعايا السلطان أو الملك أو الإمبراطور إلى مواطنين في أنظمة دستورية ديمقراطية اذ حلت الانتخابات محل بيع المناصب او توليها بالوراثة او بالشراء وانتفت الطبقية وعاد القانون الى تنظيم الحياة العامة واعيد الدين الى مجاله ومنع الكهنة من التدخل في الشؤون السياسية؛ لكن عملية تحول الدول القائمة على الملل والنحل إلى دول الأمة كان فيه إقحام وتمزيق للجسد الاجتماعي والسياسي من خلال قومنة الدولة لهذا المجتمع الفسيفسائي، أي إعادة تنظيم هوياته وتعميمها وتجريدها وتوحيدها في هوية مركزية بهدف تحقيق التمازج والتجانس القوميين لن يتم إلا بتبادل السكان أو إبادتهم وتهجيرهم أو اقتلاعهم وتنظيم مذبحة كما فعل الأتراك بالأرمن ، لكن فشل الإصلاحات كان قد مهد إلى إثارة "المسألة الشرقية Question "(*) المتعلقة بالأقليات في الدولة العثمانية كرد فعل على سياسات الدولة العثمانية لقد اتبعت الدولة العثمانية سياسة الإذعان لمطالب الأوروبيين" مقابل الإبقاء عليها فقد منح العثمانيون امتيازات تجارية للأوروبيين، وفتحوا أبواب المشرق العربي أمام البعثات التبشيرية الغربية تحت ستار حماية الطوائف المسيحية الموجودة في كنف السلطنة العثمانية "(26)

ولكن الأمر تطور إلى الاحتلال الاستعماري حيث تمت إقامة الدول العربية القائمة على دولة –الأمة من هنا فالدول التي ظهرت بعد الاستقلال "دول أنظمة عسكرية وعشائرية وملكية " وهي الشكل السائد اليوم في عالمنا العربي حتى ظهور عاصفة الربيع العربي لقد فتحت الإصلاحات بابًا إلى الاستعمار لأنها لم تكن إصلاحا بل تحديث أجهزة الدولة من اجل بقاء الحاكم والتدخلات الغربية التي بعثرت الوحدة القائمة وحل الاستعمار.

ثانيا: تحليل بنية دولة الأمة وآليات صناعة الأمة على أساس قومي (من الملكية إلى الدولة التوتاليتارية)

1- المستوى الثاني من التمزق في الدولة التي لها ثقافة واحدة سائدة تضعها في حضارة واحدة ولكن زعماءها يريدون الانتقال إلى حضارة أخرى يقولون: (نحن في الواقع شعب واحد ننتمي كلنا إلى مكان واحد ولكننا نريد تغييره) (27)، أي إنهم مختلفون على أي حضارة هي حضارتهم الملائمة ومن الأمثلة العالمية تركيا وروسيا. وفي العرق نجد القوميين يقولون بكلام مشابه لكلام العرب ينتمون إلى الأمة العربية والأكراد إلى الأمة الكردية، فإن الهوية هنا نسجت على غرار الفهم القومي الحديث وتم اصطناعها مع انتقال المفهوم إلى الدولة العثمانية حيث نسج الطورانين الأتراك أصولهم القومية ونجد أن السرد هنا في إحياء الماضي عبر التذكر والحاضر عبر الانتباه إلى المشتركات والمستقبل عبر التوقع حتى يأتي الزمن القومي محبوكا قصصيا يعري التنافر ويحض على التوافق في كل زمنية للذات التي تعيش حالة قصوى في تشكيل تراجيدي للهوية يوحدها اتجاه الآخر المختلف، سواء كان العربي أم الكردي والذي أريد دمجه عبر التتريك؛ ولكنَّ هذا ولَّد وعيًا قوميًّا مقابلًا ينفي ويقاوم ويشعر بتمايزه عن الآخر.

2- لقد جاءت التحولات في الحكم الملكي على اثر ظهور التحديث والانفتاح على الغرب والتدخل البريطاني نفوذاً ثم احتلالاً أعاد تعريف العراق مستثمرا التكوين العرقي والمذهبي. . إلا أن الآخر المسيحي / استثار الهوية الإسلامية والعرقية في طرده وظهرت الدول العربية التي هي وريثة الثورة العربية ضد الاحتلال التركي ثم كانت لها ملك عربي أحد قادة الثورة وجاء أيضاً قادة الثورة على الرغم من أنها استجابة لثورة محلية قبلية عربية / كردية / عشائرية ومذهبية شيعة وسنة أي إنها ثورة وطنية محلية ضد الاحتلال. كانت محاولة من أجل إعادة تعريف الذات ورفض الآخر المسيحي الغربي. ولكنَّ الدولة الوطنية مارست إعادة تعريف الذات عبر التعريب وفرض مذهب معين وإقصاء وتحجيم أخر مع الأخذ بالحداثة الإدارية وآليات الحكم الحديثة على مستوى الإدارة. فأصبح التحديث تحولاً من القديم الاحتلال إلى الحداثة مع استنهاض الهوية العربية بإطارها الحداثي القومي لكن مع الاحتفاظ بالآخر والطائفية حاضرة في العمق. لكن لو قارنا هذا بالحالة العالمية نجد أن التعدد حالة عالمية ولكنَّ الدول الحديثة استطاعت أن تحقق الولاء وبالتالي اندماج المكونات مما أشاع حالة من الاستقرار على الرغم من التعددية والتنوع الاجتماعي فنتج عن ذلك صياغة علاقة مدنية تقوم على مفهوم المواطن المتساوي في الحقوق والواجبات أي هناك صياغة عقد اجتماعي يقوم (على قواعد وقيم تقيم التوازن. . . وتجاوز التناقضات)(28) فهذا الولاء الذي انتقل من قيم المجتمع الأهلي إلى قيم المجتمع المدني على وفق معايير الدولة الحديثة التي اكسبت الدولة المشروعية السياسية بوصفها المعبر عن الخير العام وهي تصيغ المجال العام وتحقق الولاء المعتمد على سياستها من خلال آليتين هما: التعليم والجيش، فأما التعليم فهو الذي يقوم بصياغة ثقافة موجودة عند الأفراد من مختلف التكوينات الاجتماعية واعتماد وتهيئة الفرد في المجتمع حتى يقوم بالعمل والاندماج في الدولة العراقية وهذا ما أشارت إلية ليورا لوكيتز بالقول:"إن عدم حماسة الشيعة والكورد للشعارات القومية المتعصبة يؤدي إلى الاستنتاج بأن المنهج التعليمي في العراق ذي التوجهات القومية العربية التي روج لها في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين المدرسون السوريون والفلسطينيون الذين كانوا يعملون في الحقل التعليمي في العراق، قد وقف عائقا ازاء وحدة الدولة الجديدة "(29)أ ما الجيش في الدولة الحديثة فغالبا ما تعتمد هذه المؤسسة التي يقع عليها دمج المكونات في صيغ واحدة تكون مهمتها الدفاع عن الأمة وصياغة وجودها وحمايته، أما في العراق فان الجيش العراقي يضم 61 ضابطا كبيرا كانوا في الجيش النظامي عشية انقلاب 1936، وكان 95% من هؤلاء الضباط ينتمي الى المسلمين السنة بينما كانت هذه الفئة تمثل انذاك اكثر من 46% من المجتمع. وكان 67% من المواليد بغداد، بينما لم تكن العاصمة تمثل أكثر من 8% من سكان العراق , وكان 82% قد تدربوا في الجيش العثماني وعملوا فيه على الرغم من انقضاء 16 عاما آنذاك على تأسيس الجيش العراقي من هنا نفهم الدور الذي لعبه الجيش في الصراعات الداخلية ضد الأكراد والأشوريين وهذا ما جعل موقف علماء الشيعة وشيوخ الأكراد وقادتهم يرفض التجنيد الإجباري. (30) وهذا ولد علاقة تلفيقية بين مفاهيم الفكر السياسي الحديث القائم في المجتمع الديمقراطي ينظر إلى الحرية مقترنة بمسؤولية الالتزام بقيم المساواة والديمقراطية والعدل والحياة الانسانية واحترام شخص الإنسان وحريته والحفاظ على المجتمع وعلى وجوده نظيفاً صحيحاً خاليا من كل تلوث تسعى إلى تغيير الواقع عقليا فهي لا تطلب السلطة لذاتها, بل لأجل إنماء الإنسان وتحقيق أهدافه. بالمقابل المجتمع العصبوي الذي ينطلق من مفهوم العصبية وهي شعور فئوي بوحدة الجماعة المتميزة , بشوكتها بكونها سلطة واحده وجسما واحداً , ومصلحة واحدة , قوية التضامن والتماسك , يشد أفرادها بعضهم إلى البعض الآخر , شعور الانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات وشعور الانتماء هذا يولد في إفرادها التزاما قيميا فئويا نحوها (31)، ويعلل " علي الورد ي" هذا الفشل في حدوث الدمج الذي يرجعه إلى فشل قوات الاحتلال بسبب أمرين:

الأول: التدخل في نظام التمثيل العشائري الطبيعي، وتحويله بقوة التعيينات الإدارية والنقود.

والثاني: فشلهم في اجتذاب انتلجنسيا المجتمع في تلك الحقبة: الملائية والأفندية. الأولون بحكم المكانة السامية للمعرفة الدينية، والثانية بحكم ثقافته السياسية الحديثة (32)

 فلم تفلح الدولة في سياسة الدمج فالتعليم والتمثيل في دوائر إدارة الدولة هيمنت عليه الرؤية القومية وامتدادها الاثني وإزاحة المكونات الأخرى، فلا شك ان هذا الفهم للدولة سوف لا يسهم في الدمج والتعايش بل يعمق الصراع بين الأطراف المحلية على أساس المكون التقليدي الذي بقي حاضراً في العمق، لكن طغى عليه الصراع الشيوعي / مع الغرب، والقومي مع الغرب فظهرت الدولة الشيوعية بأشكال متعددة حتى استقرت بشكلها القومي / الشيوعي مع احتفاظها بالعمق بالمناطقية والطائفية والقومية مما جعل الآخرين خارجها قومياً الكرد طائفياً الشيعة وحزبياً الشيوعية والقوميون الذين أقصوا من السلطة كالآخرين.

والنتيجة: يبدو أن الجيوش الغربية التي وضعت نهاية للدولة العثمانية قد نشرت مفهومها الغربي للدولة تلك الدولة المستوردة في العهد الملكي أو الجمهوري قد اختارت بناء الأمة على أساس قومي عربي إسلامي وهو المفهوم الذي يقوم على الجانب القومي العروبة إلى جانب المذهبية السنية مما يجعل الأكراد خارجها على أساس قومي والشيعة خارجها على أساس اثني انطلاقا من تلك الرؤية التي تدعي النقاء وتمارس الهوية وكل من هو خارج ثوابتها يعد خائنا أو متآمرا لابد من نفيه وممارسة القوة بحقه ولعل هذه الرؤية هي ما جعل البلد يعاني من شرخ غياب هوية الأمة العراقية الموحدة، فكل الرؤية القومية كانت تقدم، بوصفها القاعدة الثقافية للدولة الوطنية لكن هذا التبني جعل الدولة في العراق تعيش انفصاما حادا بين كونها كيانا سياسيا يفرض عليها هوية قطرية وبين منظومة سياسية تفرض عليها هوية أخرى قومية حكمت بواسطة الشرعية الثورية ، بمعنى أن الدولة في العهد الملكي والجمهوري لم تفلح في تحقيق الاندماج بين المكونات الاثنية في بناء هوية امة. (33)

وهنا ظهرت حالة جديدة لهذه النتيجة تمثلت في تحول الدولة إلى دولة شمولية وانماز هذا المفهوم بالقسوة التي أخذت أثرها الموجع من الخطاب السياسي التوتاليتاري ليس له عمق علمي بل هو محض تنميط من اجل إقصاء الآخر وإزالته تحت وطأه قراءة إيديولوجية متعصبة عرقيا تنطلق من اصطفائية. تلغي التعددية وتعلي من التفرد العرقي بطابعه الجماهيري.

مما جعل الحديث عن الشمولية يعني فتح فضاء القسوة أينما كان ومتى كان وكيفما كان أنها القسوة التي تفجرت دماء وأرواحا وعنفا وخرابا لا حد له، تلك الشمولية القائمة على الرمز الشمولي التيوتاليتاري، لقد كانت الثقافة السياسية قد مهدت الطريق لظهور الشمولي وعاضدتها وتواطأت معها لأنها تنطلق من الفهم القومي الشمولي التوتاليتاري الذي خلق الشمولية وجد فيها تحقيقا للحلم اليوتوبي. فكل من يقع خارجها ماهم سوى متامرين عليها من سخرية القدر في الوقت الذي وضع فاضل البراك مدير عام الأمن الداخلي في العراق كتابا كان هدفه أن يدعم بالوثائق كيف أن "قوى الاستعمار والشيطان "عملت على زرع جواسيس ومخربين من داخل المدارس العراقية، اليهودية والإيرانية، واللوائح التي قدمها البراك في كتابه هي نفسها تلك التي كررها كتاب "نفط ودماء " المجهولون. لكن المفارقة عندما تبدلت حظوظ السيد البراك بعد حرب الخليج. أصبح مكروها من مستخدميه واعترف تحت وطأة التعذيب بأنه جاسوس يعمل لحساب روسيا وألمانيا. (34)

إلا أنها مارست تمزقا للمجتمع والدولة والتاريخ / الذاكرة كيف يمكن بناء هوية تعود إلى تصور ما للماضي وتوظيفه في بناء الهوية كل ذلك احدث تمزقا عنيفا، فلم يعد الماضي مادة قابلة للقراءة والتقويم والنقد، بل انه أصبح يتعالى على ذلك لأنه جزء من الرأسمال الرمزي المتصارع عليه وعلى تأويله مما جعله جزءاً لا يتجزأ من الأزمة.

كل هذا ولد أزمة هوية جعلت بعد الشمولية عرضة ونهبا للقوى المتطرفة توظف الخلافات وتعمق الانشقاقات وتوزع الدمار في كل الأركان مما جعل الواقع الوحشي يبدو متطرفا إلى حد كابوسي مثلما كان حال الشمولية وخطابها جزءاً من هذا الرحم الأتون الملتهب من الأفكار والمعتقدات التي ظهرت منها الشمولية وتغذيه بكراهيتها مما جعلها ثلمة وانكسارا وجرحا لا يندمل في أرواحنا بكل أطيافها قبل السلطة وبعدها أي عندما تحولت إلى مؤسسة حاكمة شمولية تعمل بالذهنية العرقية التي تريد تطبيقا في صناعة الهوية الصافية الخالية من الآخرين وتعمل على إزاحتهم عبر خطابها الإعلامي وآليات القهر الأخر التي تفننت في معسكراتها الصحراوية المتفننة بالقسوة وآليات العنف الرمزي عبرالآتي :

أعادة صياغة الفرد بالسلطة ذلك الفرد المرعوب وهو يستعيد التواريخ من الخيالات والمقابر الجماعية والعنف الثوري والحروب الخارجية أو تلك الداخلية كلها جعلت الفرد فردا خاضعا اتكاليا فاقد المبادرة والقدرة على الاعتراض على الخطابات المهيمنة.

إنها عملت على نسف الطبقة الوسطى وحولتها إلى مجرد جماهير لا تمتلك إلا الخضوع للسلطة لأنها مفتتة لا جامع يربطها ويعبر عن أهدافها فهي كذرات التراب تلعب بها رياح السلطة.

نشرت العنف والإرهاب عبر عسكرة المجتمع وخلقت مناخ الحرب والثأر والانتقام فالكل متهم إلا أن يثبت براءته كل هذا حدث بعد إن عملت على تفريغ الجيش من أي معترض وحولته إلى مؤسسة تخدم إغراضها في تطويع الشعب.

إنها أفشلت انجاز مشروع الهوية الوطنية القائم على الدمج التعددي وأقرت بدلا عنه شعارات قومية فعطلت إنتاج هوية وطنية عراقية تكون بمثابة الخيمة التي تحوي كل العراقيين، مما جعل الفرد على الرغم من هذه المدة الطويلة من التمدن يعود إلى هويات المجتمع الأهلي العشائرية والاثنية /الطائفية أي بدا الفرد عاريا أمام المجتمع الأهلي.

إنها خربت التعايش السلمي والأهلي وجعلت البلد ينام على قنبلة موقوتة هي الطائفية والهويات المتصارعة.

هذا جعل الخطاب الشمولي حاضرا بأثره المدمر الذي يأبى أن يزول لان ارثه حاضر بعمق من خلال المآسي والويلات والتهميش والكراهية العميقة الحضورالتي تأبى أن تكون قابلة للصرف والإحالة إلى تعايش وتسامح واعتراف بالمختلف وحقه بالمشاركة في الفضاء العمومي.

ثمة حاجة إلى ممارسة النقد لهذه الحقبة وأثارها الحاضرة في المشهد السياسي التي جعلت المشهد منتجا للفكر المأزوم والصراعي عبر إقرار أشكال أخرى للتعايش وقواعد جديدة للعمل داخل الفضاء العمومي كرد فعل بل فعل نقدي تجاوز الانكماش الاثني والإقصاء وإقرار نمط جديد من الهوية نجد أثارها اليوم في مجلس الاتحاد الأوربي دول قومية عابرة للقومية وحريات واسعة للأقليات، وقرار حرية التنافس السلمي على السلطة عبر الانتخابات.

III

آليات التعايش والحوار والاعتراف.. إشكالية التعايش ودور المثقف:

بعد التحولات التي حاولنا استعراضها فيما مضى من النص وهيمنة الخطاب الشمولي للهوية وهو خطاب حاول أن يجعل من الخطاب القومي ومضامينه المتداخلة من الانتماء ألاثني، ثم جاءت التحولات التي حدثت بعد تدخل الأجنبي واحتلاله البلد بعد سياسة احتواء طويلة استمرت حتى تحول البلد إلى حالة من الضعف التي جعلته في النهاية يصل إلى الاحتلال الأجنبي، هنا بين انهيار الاستبداد وانهيار جدار الخوف تم تعرية الفضاء العمومي بتعددية سياسة واثنية وقومية أنها خطاب التمثيل الظاهر عصري إحداثي فقد انكشفت الانهيارات عن روح صراعية أثنية بين خطاب يريد أن يعيد إنتاج الواقع السياسي على أساس اثني طائفي وقومي تنوعت الخطابات وتنوعت التدخلات الإقليمية وتفجر الحلم احتلالا وحربا أهلية وصراع طوائف خاضعة إلى مهيمنات دولية ومحلية وإقليمية تداخلت الخنادق وتشرذم البلد الذي كان يعاني اخصاء واحتباس سياسيا ودينيا نفجر كل هذا عنفا.

في ظل هذه الظروف لامحيص لكل مثقف عراقي من أن يتحسس أهمية الموقع والدور الذي إراد ويشعر بثقل المهمة التغييرية والتحديات التي تحيط به. في إبراز ملامح الهوية والواقع عبر نقد التمركزات وتعرية المسبقات ومساءلة البداهات، من اجل قراءة تحقق الإزاحة والصرف والإحالة والتوظيف والتحويل الذي يقود إلى التبديل والتجاوز من خلال خرق الساكن. يتحقق هذا من خلال قراءة تقوم على تبني مشاريع الوجود وقراءة المجريات وتأويل المصائر وتشخيص الأزمة تعقلا وتفهما وتدبرا وتأويلا وتحويلا في ظل ظروف يتفاقم بها العنف وآليات الاستبداد والجهل والإخفاقات التي تعطل الطاقات ويسود الفساد فتظهر الحاجة إلى إرساء فلسفة الأخذ بقيم اللاعنف التي تمثل عالميا باحترام: مبدأ الحرية، وحق الحياة، واحترام الكرامة الإنسانية من خلال محاربة التمييز على أساس ديني واعتقادي او عرقي يفضي إلى المساواة في الحقوق بين الشعوب، فتغدو كل الادعاءات والخروقات والاعتداءات على الدول وسيادتها باطلة وإرهاب دولة تعيق السلم العالمي وتعطل أسباب التعادل والسلم الكوكبي الذي لا يخلف إلا مزيدا من التخلف وخرقا لما هو جدير بالاحترام فان هذا يتطلب إعادة النظر بثوابت الثقافة وآليات النظر التي خلقت العنف والتمييز والإقصاء عبر ممارستها بنية تفاضلية تقوم على سرديات وتأويلات تفرز الإقصاء عبر تبنيها هوية مغلقة تعلي من شأن الذات وتسقط على الآخر الصور النمطية وتشجع على إقصائه. كل هذا حدث بفعل ثقافة تقوم على إرادة التمايز على الغير وهي لا تريد له أن يكون مثلها؛ لذا تعمل على تهميشه واقصائه وعلى الحط من مرتبته وقيمته. وهذا في حاجة إلى إعادة النظر عالميا ومحليا في ثوابت الثقافة وقيم النظر والتفاضل من اجل خلق التعايش السلمي بوصفه أصل العنف والقسوة والتطرف هو الطارئ وأن كان سائدا ومنتشرا. ومن هنا يأتي السؤال عن دور المشهد الثقافي في إدارة الأزمة المجتمعية والثقافية، ودوره في السياسة والسلطة والثقافة. وبكلام آخر نحن في حاجة إلى ثقافة قوية في دعم التحول السلمي وإقرار خطاب التسامح وقبول المختلف وترسيخ ثقافة التنوع والتعددية السياسية والثقافية، لكنَّنا يجب أن نتجاوز عوائق الماضي ومفاعيل ثقافة السلطة التي تم تطويرها لتغدو خاضعة لخطاب السياسي ومروجي الدعاية فيه مما أضفى على ذلك الخطاب المصداقية وهي حالة كانت قد عانت منها دول العالم الثالث كثيرا، حيث أجبرت الدولة الشمولية المثقف شاعرا أو قاصا أو ناقدا أو مفكرا أو فنانا على أن يكون معبرًا عن خطابها صانعا سرودها الرسمية وجزءا من الرأسمال الرمزي.

فما قيمة أن نتسارع على إقامة المهرجانات الثقافية وهي في جوهرها منغلقة الأثر على واقعنا الذي يعيش حالة من الاحتراب الإعلامي والموت المحقق الذي يحيط بالأبرياء على أسس طائفية وبوصفهم حالة من حالات الضغط على السياسيين أو صراع السياسيين والأكثرية تعيش حالة من الموت المستمر في حالة من الاحتراب لا مثيل لها يعيشها الشرق الأوسط التي أقل ما يقال عنها أنها حرب الكل على الكل من اجل إستراتيجيات بائسة تقودها أفكار أثنية وأنظمة صغيرة قبلية ورجال دين ومفكرون متقلبون من خندق إلى خندق وحركات مرتزقة تحرك من خندق إلى خندق إنها حالة جهنمية من العنف الطائفي الذي سوف يعيد بناء منطقة الشرق الأوسط على أسس طائفية بعد أن بني مع الموجة الكونيالية على أسس قومية وما تبعها من عنف وتطهير عرقي في البلقان وتركيا حيث حدثت مذابح حتى تتفق الجغرافية مع السياسة.

والمشروع الكونيالي الجديد كما بشر به كارتر يريد إعادة بناء المنطقة على أساس الاصطفاف الطائفي من جديد، وعرب الخليج يقومون بالمهمة بعد أن اخرجوا التحول العربي من مطالب العدالة الاجتماعية والتعددية الثقافية والسياسية إلى حرب مبنية على أسس جديدة أثنية في ظل هذا العنف تقام مؤتمرات تقوم على الترف الفكري والبلد يعاني الفاقة في البناء والخدمات والصراعات العنيفة كل هذا يحدث من دون أن تقام ندوه حقيقية او مؤتمر يحلل الواقع بعيدا عن التسويق الشعاراتي والتبرير الإعلامي.

لماذا إذا نمتلك مراكز بحوث من دون أن يكون لها القدرة على التحليل المهني وتقديم الحلول إلى الجهات السياسية ومن دون أن تلتزم القوى الإعلامية الضوابط المهنية إلأمن الاجتماع والسلم الأهلي يتعرض إلى الاقتلاع حتى تصحو ثقافتنا وتمارس التحليل والعمل على التبشير في بناء فضاء عمومي حر سياسيا وإعلاميا وثقافيا.

 فنحن في حاجه ماسة إلى تأسيس تعاقد اجتماعي جديد كي نقف وننتقد العنف الجاري ونبش القبور وتهديم الرموز الوطنية والقتل الذي يرفض العرب أن يعترفوا به وكأننا ليس منهم وإذا كان العرب لا يعترفون بنا كأُمَّة فاعلة في المنطقة الأمة العراقية صاحبة المكانة الكبيرة في التاريخ والجغرافية والإستراتيجية فعلى الدولة العراقية أإن تقوم بالاهتمام بالتعاقد الاجتماعي وتأسيس الفضاء العمومي من خلال الآتي:

وضع خطة لمؤتمرات علمية واجتماعية ودينية تؤسس وتضع حلولا ومعالجات لما يجب أن يكون عليه الواقع العراقي وشروط العيش المشترك وآليات التعايش بعيدا عن العنف فنحن أُمَّة ديمقراطية نمتلك كل ما من شأنه أن يحول من دون أن نكون ضحية الاحتراب الإقليمي والدولي في المنطقة.

الابتعاد عن إثارة العنف سياسيا وإعلاميا ودينيا من خلال سلسلة قوانين تنضم السلم الأهلي وتحول دون تحول الإفراد إلى أكباش فداء من أجندات سياسية وإعلامية وجعل الدم العراقي مقدسا بل قدس الأقداس.

وضع خطط وآليات من أجل إعادة النظر في التاريخ والصراعات وإحياء روح النقد والمصارحة والتسامح والاعتراف بالحقائق وجعل التاريخ بعيدا عن السياسة بل محله البحث والتحليل الجامعي.

تفعيل المؤتمرات الثقافية من أجل ثقافة الدمج والتعايش والتأكيد على المشتركات.

انتهاج كل ما من شأنه وضع الحلول بعيدا عن الجبر والإذعان مما يحقق التعايش والبحث في كل الممكنات، فأمَّا أمة متعايشة أو فرق تحقق حماية الدم العراقي لا يمكن أن نسكت على القتل وكأن أمرا لم يحدث.

يفترض العمل على ترصين القضاء عبر إكمال القوانين وإعادة النظر بالقوانين التي لا تحقق اجماعا شعبيا عليها من الشركاء السياسيين والاجتماعيين والمثقفين وهيئات المجتمع المدني.

إقامة محكمة اتحادية يمكن الاحتكام إليها فيما يخرج عن النصوص تكون حكما موضوعيا بعيدا عن الانحياز.

بناء القوات المسلحة على أسس تكون خالية من التشنجات وبعيدة عن الصراعات بوصفها مؤسسةً مهنيةً.

رؤية واقعية وعقلية عن الوحدة والتجانس القومي والوطني في العراق من اجل تكامل الجميع في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني.

10- تحديد ماهية الدولة الشرعية أو الدولة البديلة، بوصفها المقدمة الضرورية والضمانة الفعلية لطبيعة التطور اللاحق ومجراه.

11- بناء الأوزان الداخلية للسلطة والمجتمع المدني عبر صياغة الرؤية العامة للفكرة الليبرالية في العراق، بوصفها أيديولوجية الوحدة المرنة للحرية والنظام، والديني والدنيوي.

12- تأكيد المسؤولية التاريخية والأخلاقية للنخب العامة والسياسية بشكل خاص، عبر ارتقائها إلى مصاف الإدراك الفعلي لمنظومة المبادئ المكونة لفكرة المرجعية الوطنية العراقية، بوصفها هوية المستقبل أيضا. (35).

13- أن تكون الهوية منسجمة مع معطيات الفكر السياسي والقانوني الحديث الذي يستند إلى قاعدة المواطنة بوصفها معيارا ً جوهريا ً ومبدأ قانونيا ً في تأمين المساواة في الحقوق والواجبات لجميع أبناء الشعب ممن يحملون هذه الهوية.

14- أن تكون الهوية معبرة عن الواقع الراهن للشعب العراقي بوصفه كلا ً غير قابل للتجزئة. بمعنى أنها لن تكون تمثيلاً لتصور فئة ما دون غيرها. وهذا يجعلها هوية ً وطنية ً بحق وليست تعبيرا ً عن موقف سياسي ضيق. وأن تكون الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد على الأسس الواردة في المبدأين أعلاه، وأساسا ً راسخا ً لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها من جهة واستعادة سيادة البلاد ومواصلة دورها الإقليمي والدولي من جهة أخرى. (36).

15- الشعور بالانتماء إلى ماضٍ مشترك يساعد على الاشتراك في الحاضر والاستمرار بالاشتراك في المستقبل يساعد على التأكيد على ان الهوية الاجتماعية وهي وعي الفرد بانتمائه الى جماعة تاريخية توفر له اطاراً وظيفياً لاشباع حاجته الى الامن النفسي، واطاراً مرجعياً لصياغة منظومة قيمية ثقافية تنظم ادراكاته للعالم وتفاعله معه وتقسيماته له، واطاراً نزوعياً للسعي نحو انجاز اهداف جمعية مشتركة دون ان يتعارض ذلك مع اهدافه الفردية الخاصة، فالهوية الاجتماعية هي نتاج للتجارب المشتركة ونمط الحياة المشتركة بين افراد تلك الجماعة التاريخية.

 إنَّ تاريخ بلاد الرافدين اتصف بانعدام الحروب العنصرية والاهلية بين الناس، وسهولة ذوبان الشعوب الجديدة في الشخصية الرافدينية المشتركة، برغم هذه الخصال الايجابية في طبيعة الشعب العراقي (37)).

إنَّ الدولة ظاهرة اجتماعية وتاريخية لا يمكن أن تنتج إلاّ على أساس الهوية السياسية، لذا فإنَّ الهوية هي جوهر التفاعلات التي يُنتجها تماهي مكونات الدولة في بوتقة (قانونية/ مؤسسية/ مدنية) صاهرة.

وكل هذا يفترض التأسيس له من اجل تحقيق العدالة التي لا يشعر معها احد بالغبن ويبحث عن الثائر من إخوته، وعن العدالة التي تحقق الإنصاف بعيدا عن حروب الشرق الأوسط التي لا تعود على امتنا المتنوعة الثقافات والمكونات بفائدة. فيجب أن يعلم أصحاب القرار في العراق اليوم أن العراق هو وماله هو من صنع أيديهم فالكل اليوم والأجيال القادمة سوف يدفعون الثمن ويجب أن يحدثوا تحولا بأنفسهم وان يخلقوا وجهة نظر مختلفة جذريا لواقعنا العراقي، ربما نستطيع عندئذ التأثير في العالم بعامة، في العلاقات الموسعة مع الآخرين. وإذا ما تقاعسنا سوف هم يفعلون. فعلينا أن نفهم أن العالم هو علاقتنا مهما كان ضيقا وإذا استطعنا أن نحدث تحولا جذريا في العلاقات ونقلناها من حالة الاختلاف إلى حالة الاتحاد والتعاون، عندئذ ننطلق بنشاط كي نحول العالم. فنحن في حاجة إلى إحداث ثورة قيم ويجب أن نبحث عن قيم حقيقية تحدث الثورة الجذرية والتحول او الانبعاث من الجوهري في فهم الذات وإدراك قوتها وضعفها، ومن اجل فهم الذات التي تعيش حالة احتراب بتأثير الآخرين من خارجها او الموتورين من داخلها يجب أن تتوفر النية للفهم وإدراك العوامل وتسويغ حالات الضعف ورفع الظلم وإحلال العدالة بوصفها إنصافًا مما حاق بأبناء العراق على اختلافهم، ويجب أن نفهم الذات لا أن نبحث عنها في تحالفاتنا الخارجية وأن لانجدها في تاريخ الكتب الصفراء بل في الحوار والتواصل والمكاشفة القائمة على النية، والبحث، والتحقق، فتحول العالم يبدأ من تحول الذات؛ لان الذات جزء من صيرورة العالم الكلية للوجود البشري الذي يتحرك بسرعة ولابد من يقظة ذهنية حتى ندرك مكانتنا فيه، بعيدًا عن المعتقدات التي تحدث التشذر والضعف فالأفضل أن نتحرر من أحقاد الماضي حتى نجد العالم قابلا للعيش ويمكن أن نجد لنا فيه مكانا مميزا لكافة تكويناتها الداخلية. إنَّ الدولة ناظم وإطار كلي ناتج من تمازج أربعة عناصر هي: الأُمة المكوّنة للجماعة السياسية، والقيم والقوانين المكوّنة للنظام، والإقليم المكوّن للوطن، والمؤسسات الإدارية المكوّنة للسلطات... وروح هذا الرابط وجوهره والناظم الكلي المسمى بالدولة هي الهوية التي تمثل حاصل التمازج والتناغم والإتحاد لعناصر الدولة الأربعة، وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر بعضها ببعض في الوعي والثقافة والتشريع والتطبيق. . كلما قويت الدولة وتجذّرت، فبقاء الدولة مرتبط بفاعلية الهوية وقدرتها على البقاء والتجدد والتطوّر. (38) 

التعايش بديل الوحدة

كل هذا يدفعني؛ من منطلق الحب لهذه المنطقة والانتماء اليها، والحرص على حاضرها ومستقبلها، والطموح لإعادة بنائها وتطورها ونموها علميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والقلق الشديد على حياة أبنائها واستقرارهم ومستواهم المعيشي وصحتهم الجسدية والنفسية؛ أن أوجِّهَ كلماتي الى أحبتي واصدقائي؛ بل حتى الذين يتخيلون أنهم منافسون ومصارعون وأعداء؛ من كل الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية؛ أوجهها بكل حسن نية وبراءة واستقلال فكري وسياسي؛ بوصفي أحد أبناء هذه المنطقة ومثقفيها لا أكثر.

 

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

.................................

(1) كلود دوبار، أزمة الهويات تفسير وتحول، المكتبة الشرقية، ط، بيروت 2009، المقدمة.

(2) المسكيني، او الزين بنشيخة، كانت راهنا، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، 2006، ص 34.

(3) حيدر سعيد، سياسة الرمز، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2009، ص31.

(4) ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د2، ص170.

(5) لالاند، اندريه: موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الاول، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط1، بيروت، 1996.

(6) كلود دوبار، أزمة الهوية تفسير تحول، ترجمة، رندة بعث، المكتبة الشرقية، ط1، بيروت، 2008، ص17- 19،

(7) وهنا يشير صاحب الدراسة الى تصور موريس هالبوكس:ان الذاكرة الجمعية مقتنعة ان الجماعة تظل هي نفسها لانها (أي الذاكرة الجمعية) "لوحة تشابهات "، الذاكرة الجمعية. انظر في هذا:جويل كاندو، الذاكرة والهوية، ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة الهيئة السورية للكتاب، دمشق، 2009، ص25.

(8)"ليس ثمة متحد الا متخيلا " بينديكت اندرسون، المتخيل لقومي، باريس، دار نشر تلاكتشاف، 1996، ص20، بواسطة: نفس المرجع، ص26.

(9) المرجع السابق، ص27.

(10) المرجع السابق، ص3.

(11) المرجع السابق، ص4.

(12) علي حرب، فخ الهوية، ضمن كتاب مشترك:" تساؤلات حول الهوية العربية "دار البدايات، ط1، دمشق، 2008، ص26.

(13) برهان غليون، أزمة الهوية وإشكالية بناء الذاتية الحضارية، ضمن كتاب مشترك:" تساؤلات حول الهوية العربية "دار البدايات، ط1، دمشق، 2008، ص116.

(14) كلود دوبار، أزمة الهوية تفسير تحول، ص56.

(15) المرجع السابق، ص 51.

(16) ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية" سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع "عالم المعرفة ج2، سلسلة 378، الكويت 2011، ص13.

(17) نفس المصدر، ص14-15.

(18) لهذا قيل إن نظام إرهابي لا يقاس بخسائر حروبه بل بضحايا سلامه، انظر:كنعان مكيه، جمهورية الخوف، منشورات الجمل ط1، بغداد، 2009، ص71.

(19) لقد عاش الغرب في ظل الفصل بين الدين والدولة اذ لم يعد مصدر المشروعية بل العلم من هنا:1- تبرز ضرورة الاعتراف بالكنيسة والفصل لضمان تحرر الدين من الدولة. 2- تحرر الدولة من الدين. 3- تحرر المعتقد الفردي من الدولة والدين المنظم معا. انظر:خوسيه كازانوفا، الاديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2005، ص89.

(20) سارا كوب، تعزيز التعايش في النزعات القائمة على الهوية نحو توجه روائي، الفصل الرابع عشر من كتاب:تخيل التعايش معا، تحرير انطوانيا تشايز ومارثا ميناو، ترجمة فؤاد السروجي، الاهلية للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2006، ص390.

(21) انظر:عبد الله عروي، منطق الدولة، مركز الثقافي العربي، ط2، بيروت، الدار البيضاء، ص72-73.

(22) لعل هذه الحالة العراق مميز بها إذ إن طبيعة النسيج المجتمعي في العراق لا تشكل استثناء لما هو سائد في المشرق العربي بل في الشرق عامة، حيث القاعدة هي التعدد الفسيفسائي، بتمظهرات بالغة التنوع والتعقيد لماهيات أثنية ودينية وطائفية. انظر: علاء اللامي، اللامي، الظاهرة الدينية في العالم العربي، العراق أنموذجا، موقع كتابات، http://www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=2569

(23) محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، دار الحوار للنشر، ط2، دمشق، 2004، ص39.

(24) كان من المفترض أن يقضي نظام الجنسية على الامتيازات التي كانت تحظى بها الأقليات المسيحية المدعومة من الأوروبيين، فوقف مسيحيو السلطنة العثمانية ـ المفترض أنهم يجب أن يدافعوا عن المواطنة والمساواة ضد نظام الملة التمييزي - ضد نظام الجنسية والمواطنة، وساندتهم الدول الأوروبية الاستعمارية، فتراجعت السلطنة وأبقت الامتيازات بجوار الدولة، فيما رفض الشيوخ (في مقدمهم شيخ الإسلام) والمعممون قانون الجنسية لأنه يعني أن المسلمين لم يعودوا أصحاب السيادة في الدولة، وأنه بدلاً من أن نقلد الغرب الكافر على الغرب أن يقلدنا! ولقد كان أكثر القضايا تأثيراً في عدم ترسيخ الهوية الوطنية هي فقدان الثقة بين المسلمين والأقليات الدينية، خصوصاً المسيحية، فقد منح الخط الهمايوني امتيازات خاصة لأبناء الأقليات الدينية المسيحية بجوار المواطنة الأمر الذي عزز عدم الثقة بين الطوائف، وانفجرت أحداث عنف طائفي في بعض الأماكن المتفرقة من السلطنة (مثل أحداث دمشق).

في الجملة فإن النقاش حول الهوية الوطنية والهوية الدينية بدأ في عصر التنظيمات، وإذا كانت السلطنة العثمانية بدأت بقانون الجنسية (المواطنية) فإنها زرعت في الوقت ذاته الانقسام حول الهوية الوطنية والهوية الدينية وكرست انعدام الثقة بين الطوائف الدينية في المجتمعات التي تنضوي تحتها مع ارتباط التجمعات الدينية الطائفية بمشاريع سياسية خارجية اعتماداً على الرابط الديني (أوروبا المسيحية). لقد وسعت التنظيمات وطورت أوضاع الدولة العثمانية النقاش حول مفهوم المواطنة والمساواة الحقوقية في دولة الخلافة.

(25) كما يصف "حليم بركات " المجتمع الفسيفسائي كما يتجلى في لبنان اليوم معبرا عن نقاط رئيسة حسب قولة:"أولا – الميل نحو عدم اتفاق بين الفئات الدينية حول المرتكزات والأسس التي يقوم عليها لبنان ثانيا – الميل نحو عدم قيام حوار حقيقي وصريح بين هذه الفئات ثالث- الولاء للجزء يفوق الولاء للكل ويتصادم معه، رابعا –عدم توافر نظام تربوي موحد يعمل على دمج الفئات المختلفة في وحدة حقيقة، خامسا –عدم فصل الدين عن الدولة وحصول تزاوج بين أبناء الجماعات الدينية مما يساعد على ازالة المسافات الاجتماعية والنفسية القائمة سادسا –عدم توافر الاندماج الجغرافي اذ تتوزع الطوائف في مناطق مختلفة من لبنان ثامنا ضعف سيطرة الدولة، الخ انظر: حليم بركات، الهوية ازمة الحداثة والوعي التقليدي، رياض الريس، للطباعة والنشر، ط1، 2004، ص18. "

* ترتبط دراسة التدخلات الاجنبية في المنطقة العربية بالصراع العثماني – البيزنطي منذ القرن الخامس عشر، وما تركه فتح القسطنطينية في العام 1453 من آثار وتفاعلات أوجدت ما اصطلح على تسميته "المسألة الشرقية "هذه المسألة التي انطوت على تدخلات أوربية تحت شعار حماية الطوائف المسيحية في الشرق العربي والولايات الخاضعة للسلطة العثمانية، بما فيها بلاد البلقان وبعض مناطق القوقاز بالقرب من البحر الأسود. انظر: ص86. عدنان السيد حسين، البيئة الإقليمية والدولية الضاغطة، ضمن ملف: النزعات الاهلية العربية العوامل الداخلية والخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1997.

(26) المرجع نفسه، ص87.

(27) هذه الاستعاره اخذتها من:صموئيل

(28) غسان سلامة: المجتمع والدولة في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت، 1999، ص71-72.

(29) علي وتوت، في سؤال في الهوية عراق واحد. . عن أي جنون نتحدث ؟ضمن كتاب المواطنة والهوية الوطنية، نخبة من الباحثين، دار العارف للطباعات، ط1، بيروت، 2008، ص38.

(30) نفس المصدر السابق، ص38-39.

(31) انظر: عبد العزيز قباني، العصبية بنية المجتمع العربي، دار الأفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1997.

(32)علي وتوت، في سؤال في الهوية عراق واحد، 36.

(33) يبدو ان ظهور الدولة العراقية كانت قد تعارضت مع الواقع الذي كان في ظل الاحتلال العثماني دولة الملل والنحل اذ كانت التراتبية المسلمون فوق المسيحيين واليهود والصابئة، وهناك تراتبية طائفية: السنة فوق الشيعة، وهناك تراتبية الاثني: الكرج (الجورجيون) والترك فوق العرب والاكراد والفرس، وهناك ترتب المكانة بين مختلف الاحرار فوق الجميع. وهناك تراتب الوجاهة او المكانة بين مختلف الجماعات المهيمنة حيث يقف الباشوات الكرج وكبار ضباطهم وكبار موظفيهم سادة ايضا، ثم الجلبية أي التجار ذوو المكانة الاجتماعية البارزة، انظر:، ص18ثم ان التغير الذي حدث مع ظهور المدنية ادى الى معارض اجتماعية من قبل القوى المهيمنة وهي فئتان اجتماعيتان هما فئة (ارستقراطية) المسوؤلين القديمة وفئة التجار الجلبيين. فقد تشكلت الفئة الاولى من عائلات مرموقة من اصول تركية او قوقازية في الغالب شكلت احد العناصر المكونة لطبقة اصحاب الاراضي وادى مجيء الانكليز الى حصول تغير حاسم على اوضاعها اذ لم يكن من السهل على افرادها بعد ان كانوا في موقع القيادة ان يتكيفوا مع دورهم الجديد كرعايا

(34) كنعان مكية، القسوة والصمت، منشورات الجمل، ط1، كولونيا، 2005، ص6.

(35) ميثم الجنابي وإشكالية (أوزان الهوية الوطنية) - مازن لطيف، اورنينا للثقافة العامة » الأخبار » اخبار ومقالات

(36) باقر جاسم محمد، الحوار المتمدن - العدد: 1544 - 2006 / 5 / 8.

(37) امل هندي الخزعلي، افاق ستراتيجية: دور النخب العراقية فـي تفعيل الهويــة الوطنيــة المشتركــة جريدة الصباح البغدادية.

(38) حسين درويش العادلي، ابتكار هوية وطنية، الدولة العراقية. . بين تشظي وتخيّل وصراع الهويات

 

 

مجدي ابراهيمإزاء التأكيد من جانبنا على أن لألفاظِ اللغة ميتافيزيقاها، توقفنا في المقال السابق عند قول ابن خلدون: " إنّ أوضاع اللغة إنّما هي للمعاني المتعارفة"؛ حتى إذا لم نجد لفظاً نودعه معنى يحمله الوجدان الغائر الثائر على الدوام، فماذا عساه يكون الحال؟

هنالك يفعل المجاز لدينا فعله، فنروح فنستعير اللفظ من دلالته الحقيقة إلى دلالته المجازية: من التصريح إلى التلميح، ومن المباشرة إلى ما هو خفيّ مبطون، من مستوى الواقع المُقرّر المفهوم القريب إلى مستوى الدلالة الغائية البعيدة. من أجل ذلك؛ ساد بيننا التعبير الشائع بضرورة قراء "ما بين السطور"، فماذا تعني كلمة قراء "ما بين السطور" هذه؟

تعني أن هناك كلاماً غائباً نستوحيه من الكلام المكتوب بالفعل، فالكلام القائم في الواقع يرمز بألفاظه إلى دلالة غائبة هى المُراد بقولنا "قراءة ما بين السطور"؛ فإذا نحن تدبَّرنا الكلام الغائب (المعنى الخفيّ المبْطون) ذي الدلالة الرمزيّة كُنَّا كمن يكتشف الغاية الرامية من القول القائم بالفعل؛ فتكون قراءتنا، من ثمَّ، في هذه الحالة قراءة مثمرة هادفة ومنتجة، هى "الحالة الوجدانيّة" التي نستعير فيها اللفظ استعارة أقرب ما تكون في التصوِّر إلى الخِلْسَة المستترة، للتعبير عنها (أي عن الحالة) بلفظ يُقرِّب معناها، وييسِّر ولو بشيء ضئيل ممَّا يُراد من وراء اللفظ من مفهوم أردناه وتمثلناه هو بلا شك من قبيل الأذواق والمواجيد العارضة دوماً في طريق الوجدان، وحينئذ يصبح للألفاظ ميتافيزيقاها.

وعليه؛ فيكون من حقنا عند ذلك أن نطلق على مثل هذا اللفظ المستعار كونه يُوحي بمعني لحالةٍ غائبة خفيّة باطنة، اصطلاح "الميتافيزيقا"، ويكون من حقنا كذلك أن نطلق على مثل هذه "الحالة" الكاشفة لكل ما هو مجهول من دلالات اسم "ميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة". ومن البديهي أن عبقرية اللغة العربية جاءت لتؤكد هذا "المجاز" كيما يكون قانوناً من قوانينها.

وليس علم اللغة في هذا الإطار إلا علم الألفاظ الدالة عند كل أمة على قوانين تلك الألفاظ كما كان الفارابي يقول، وهو علم يعطي قوانين النطق الخارج، أي القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عمّا في الضمير.

بيد أن عبارة اللسان عن كل ما في الضمير هذه، ليست تجعل اللغة لفظا وكفى؛ بل تجعلها معنى مفتوحاً ودلالة بعيدة فوق الدلالة القريبة. فاللفظ ليس بالخاوي ولا هو بالمجرد عن المعنى، وإنمّا اللفظ مفتوح؛ لأن من خصائص اللغة العربية أنها مثالية عميقة صريحة تحسب حساب الفكرة والخاطر والمثال، وتضعها في مكان الصدارة والاعتبار، الأمر الذي يدل من الوهلة الأولى على أنها لغة مفتوحة، وأن ألفاظها تحمل الطابع الميتافزيقي: تحمل المعنى والمثال؛ ففلسفة اللغة العربية تحديداً - كما يذكر الدكتور عثمان أمين رحمه الله - إذا هى كانت تعني بالألفاظ، فذلك من أجل المعاني؛ أي لكي يقع القول من نفس السامع موقعاً يهيئ له الحالة النفسية التي تحفزه إلى العمل. ومن ذا الذي يستطيع بعد تدّبر وتفكير أن ينكر ما لإعجاز القرآن بألفاظه ومعانيه من قدرة على استنهاض العزائم، والسعي إلى بلوغ المطالب.

ولم يكن ابن جنيّ في "الخصائص" بالذي يغفل هذا الدور الميتافزيقي تؤدّيه اللغة فقال في باب الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني :" فإذا رأيتَ العرب قد اصلحوا ألفاظها وحسّنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا ترينَّ أن العناية إذْ ذاك إنما هى بالألفاظ بل هى عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه وتشريف؛ فالألفاظ خدم للمعاني، والمخدوم أشرف من الخادم؛ فإذا تحلى العرب ألفاظها وتدبجها وتشيها وتزخرفها؛ فعناية بالمعاني التي وراءها، وتوصّلاً بها إلى إدراك مطالبها" (أ . هـ).

وممَّا يؤكِّد لدينا أن للكلمات ميتافيزيقاها، ننظر مثلاً إلى فكرة كفكرة "الموت" في الثقافات الإنسانية فنتتبَّعها منذ فجر الضمير، فإذا أمامنا أفلاطون وقد وضع تعريفاً جوهرياً للفلسفة قال فيه :"إنها التأمل الدائم للموت".

لقد كان يقين الموت المحتوم ولا يزال هو الشاهد القاسي على أن كل شيء يمضي، وأن كل موجود على الأرض يفني ويزول. وتردَّدت أقوال الأدباء والمفكرين والفلاسفة التي تفوق الحصر عن أن "ساعة الميلاد هى ساعة الموت"، " وأن الطفل يولد شيخاً ناضجاً للموت" ولِمَا تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة أن يولد !

وقد عبَّر "هيجل" عن هذه الأفكار أفضل تعبير حيث قال:" إنّ وجود الأشياء المتناهية؛ من حيث هو كذلك، ينطوي على بذرة الفناء يوصفها وجودها في ذاته، فساعة ميلادها هى ساعة موتها".

إنَّا لننظر إلى يقين الموت المحتوم، فلا نجد بعد النظر والتتبُّع غير كونه موصولاً بشرايين الفكرة الإلهيّة؛ فإذا هو واقع مُحقق على جميع الأحياء لا شك فيه، لكننا لا نعلم متى يقع ولا أين يقع؟ فوجُودنا الميتافيزيقي في الحياة مرهون بواقعيته وتحقيقه، وعندما يقع نُغَادرُ هذه الحياة في غير رجعة؛ فلا تكون لدينا صورة حيّة باقية إلّا من خلال الكلمات، الأمر الذي أتعب العلماء في طلب العلم ونشره : الخلودُ من طريق الكلمة، والبحث في المقروء والمكتوب عمّا وراء السطور والقشور.

وفي الحق أن كل هاجس من هواجسنا وكل عمل من أعمالنا ينطوي على وجهة نظر أو "موقف" من المواقف الميتافيزيقيّة؛ كما يقول بعض الوجوديين: إنّك إذا وقفت على شاطئ البحر ورأيت شخصاً يوشك أن يغرق في الماء؛ فأخذت تنظر إليه دون أن تصنع شيئاً؛ فليس معنى هذا أنك وقفت منه موقفاً سلبياً فحسب، بل معناه الأعمق أنك "اخترت" موقفاً معيناً أو صمَّمْتَ على أن لا تكون في جانبه".

إنمَّا الكلمة حقيقةً تعبيرٌ مباشر أو غير مباشر عن الأرواح والقلوب من وراء الأجساد والألفاظ، وهى كذلك تجسيد لحياة باطنة يعيشها طلاب هذه الحياة وذووها. وقد لاقت الكلمة في المسيحية وفي غيرها من الأديان؛ من حيث كونها لغة ومعنى، جسداً وروحاً، صراعاً بين الحرف والروح، ووجِد لها أنصاراً وأتباعاً : كيركجارد، وسبينوزا، وأونامونو، والكاثوليكية المحافظة، وصوفية الإسلام: أنصار الروح والمعنى.

والجميع اعتبروا الكلمة تجربة حيَّة وواقعاً معاشاً، ورفعوا مرتبة الروح والمعنى على الجسد واللفظ، ومنهم من أعلى من شأن الكلمة - أونامونو مثلاً - من حيث كونها روحاً ومعنى، على الحرف من حيث كونه جسداً ولفظاً؛ لأن الروح القدس تُوحي بالمعنى. وتصرَّف الصوفية المسلمون فواجهوا الفقهاء بأن علومهم مأخوذة من ميت عن ميت، أمّا علوم الذوق والعرفان فمستمدة عن الحي الذي لا يموت. فالصوفي يقول أخذت علمي عن قلبي عن ربي؛ وهو يقصد بذلك أن تكون التجربة الحيّة هى الأفعل في الذوق والشعور، وهى هى الأصدق قيلاً من الألفاظ السطحية والعناوين الظاهرة.

وعليه؛ فنحن لا نتعامل في الواقع ولا في الخيال مع جثث ميِّتة ولكننا نتعامل مع رفات حي ناطق بالحياة، هى الأرواح تجسَّدت في حروف وكلمات؛ فمن وراء هاته الكلمات التي يكتبها إنسان كُتِبَ لـه الخلود من خلال الكلمة، يمكن أن نفهم أن للكلمات ميتافيزيقاها، وأن البعد الميتافيزيقي فيها أسمى وأقدر على المواجهة الخفيّة الباقيّة، وهو أفعل كذلك في استخلاص الدلالة واستنباط الإشارة والاستبصار بالمجهول، وأنها لخالدة بخلود معناها ومرماها، بخلود ذلك الانطباع الذي تركه صاحبها في أذهان القراء وخَلَجَاتِ المُفكِّرين، وذلك حيث أدرك أن قسطاس الحياة كُلُّهُ "كلمة" لكنها ليست عدماً يقود إلى عدم بل خالدة على مقدار الخلود الذي يتبدَّى في أطواء الحياة نفسها.

خلودها هو الوجود الذي لا يصاحبه عدم، وأنت تلاحظ أن الموت الذي يخشى منه الجميع يتبطَّنُ الحياة جميعها : أناسٌ تذهب بالموت وتأتي الحياةُ بدماء جديدة. أطوارٌ تتقلَّب بين وجود وعدم، وأجواءُ تعصف باستقرار الآمنين ثم لا تلبث أن تعُيدَ لهم حياة الأبد وجوداً أفضل ممَّا عَصَفَتْ به لديهم غوائل الفناء.

وهكذا يدور الوجود بين فناء وعدم يقابلهما دوام وبقاء : صيرورةُ من التغيير، وإبداع من الخلق والتبديل، وتحوُّل وتقلُّب في "الشأن" الجاري وفق قهر الخالق، يؤكد لنا أن دوام الوجود مستمدٌ من دوام الباقي الخالد دون الزائل الفاني، وأن أصدق شيء، وأفْعَل شيء، يمكن أن ينطبق على هذه القوانين الكونية الجليلة هو "الكلمة"، فبالكلمة يُسْتَدُّل على تلك القوانين الكونية، وبالكلمة يُخلق التعبيرُ عن "الكون" وقوانينه في لغة واضحة ولفظ مفيد .. فهل بعد ذلك يُقال لنا، من وجهة نظر الوضعية المنطقية، إنّ للألفاظ وجوداً واقعياً وكفى في غير أن يكون لها وجود ميتافيزيقي يهدف إلى الخلود سواء في الحياة والواقع أو في العدم والفناء؟! والإجابة .. لا .. وألف .. لا !

على إننا لا نستطرد في مثل هذا التحليل، قبولاً أو رفضاً، قبل أن ننتقل إلى عنصر آخر نبيِّن فيه، على أقل تقدير، ولو فيما نراه نحن، مدى انعكاس صورة الثقافة العربية، حاضرها وماضيها، من خلال الكلمة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصاركتابان لا يمكن إنكار فضلهما فى وضع الأسس والضوابط الموجّهة لرسالة الجامعات، فإذا ما عدنا إلى مطلع القرن العشرين سوف نتذكر توجيهات الأستاذ الإمام محمد عبده (١٨٤٩م - ١٩٠٥م) وخطابه الإصلاحي - الذى استحال إلى مشروع فى المجتمع المصري على يد تلاميذه - وجاء فيه ضرورة إنشاء جامعة - على غرار الجامعات الأوروبية الحديثة - تجمع فى بنيتها العلميّة بين الأصيل من المعارف التليدة والمشخصات الثقافية للهوية من جهة، والجاد والطريف من العلوم الجديدة فى شتى المعارف الإنسانية، وذلك تبعًاً لاحتياجات المجتمع وآماله وطموحاته من جهة أخرى، بعد تلكأ الأزهريين وعدم استجابتهم لدعوته للإصلاح الشامل للعملية التعليمية، والربط بين العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والطبيعية الحديثة بسياج يمنع عن بنيتها التعليمية الجمود والتعصب والشطط والتطرف ويدفع خريج المعاهد والمنابر الأزهرية - فى الوقت نفسه - نحو التجديد والتحديث وتلبية احتياجات الواقع ومناقشة قضايا المجتمع وإعادة بناء العقل الجمعي.

وقد ظلت كلمات الأستاذ الإمام فى هذا السياق حلمًاً يخطط له المجددون من تلاميذه، وقد تحقق ذلك شيئًاً فشيئًاً بدايةً من عام ١٩٠٧م، عقب إنشاء الجامعة الأهلية، ثم بعد ضم المدارس العليا وتنظيم لوائحها إلى ذلك الكيان الذى أضحى عام ١٩٢٥م الجامعة المصريّة التابعة لوزارة المعارف، غير أن تلاميذ الأستاذ الإمام لم يقنعوا بهذا القدر من تحقق الحلم، وذلك لأن غرضهم لم يكن تشييد البنايات والكليات بالرخام والحجر، بل تنبيه الأذهان وتوعية العقول وإعادة تشكيل معارف البشر وتدريبهم على حسن النظر والانتفاع بالعبر، وقد ذكر ذلك صراحة أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد (١٨٧٢م - ١٩٦٣م) فى الاحتفال بإنشاء الجامعة.

أما الكتابان فهما «رسالة الجامعة» لأحمد لطفى السيد، و«نحو جامعات أفضل» للدكتور عثمان أمين (١٩٠٥م - ١٩٧٨م) فعلى الرغم من صغر حجم الكتابين؛ فإن أثرهما كان وما زال عظيمًاً على كل من ينشد الارتقاء بجامعاتنا وتوجيهها إلى ما ينبغي الاضلاع به، فقد ذكر لطفى السيد فى كتابه «إنّ غرض التعليم الجامعي تثقيف العقل، لا ملء الحافظة، فالطالب الذى يعتمد على الحفظ المجرد والذى يعتمد على الأستاذ وحده بأخذ نظرياته قضية مسلمة من غير تفكير شخصي واقتناع ذاتي، كلاهما ليس طالب علم فى حقيقة الأمر، إني ناصح لكم : لا يحيد بكم عن قصد السبيل اضطراب بيئتنا خارج الجامعة فى هذا الانتقال الجامعي العنيف الذى نعانيه، فتتأثروا بصور من أخطاء تلك البيئات، ثم تجيئون لنا فى هذا المعبد العلمي بألوان من النظر تتكيف فيه الأغراض الجامعية مشوهة أو محرفة عن مواضعها، أنتم أهل علم ومعرفة، فليحذر أحدكم أن يجارى العرف العام خارج الجامعة فى فهم طبيعة الروابط بين الأساتذة والطلبة، وفى فهم أغراض التربية الجامعية والتعليم الجامعي».

وعليه؛ فرسالة الجامعة التى يقصدها لطفى السيد لا تنحصر فى تلقين العلوم لطلابها، ثم منحهم شهادات تؤكد حفظهم لما أخذوه عنها بدرجات متفاوتة، بل إنّ غايتها الحقيقية هى صناعة عقول وسواعد شبيبة مصر على وجه الخصوص فيزيلون عن مجتمعها الفاسد من العوائد، وينشرون بين أفرادها العلم وليس العكس، فيبرأون أهلها الجهل والمرض ويعمرون ويزرعون ويصنعون ويدافعون عن مصالح أمتهم ويبصرون أهلها بمنافع ومفاسد الأغيار، بدايةً بما يجب عليهم من استيعابه وهضمه من علومهم، ونهايةً بالذود عنها إذا ما لحقت بها شرورهم أو أكاذيبهم. والعمل على بعث الأمل فى الرأي العام وانتزاع روح اليأس أو التكاسل والتراخي أو ضعف الانتماء والولاء لها، والضرب على أيدى كل من يتجرأ على إفسادها أو سلب حريتها واغتيال أحلامها.

وأتذكر أنني أثناء العطلات الدراسية كان طلاب الجامعة يتطوعون للخدمات العامة ولا سيما فى السنوات السابقة للتخرّج، وكان معظمنا يوجه إلى الخدمات التى تتناسب مع تخصصه، فالبعض يلحق بالمصانع والورش أو المستشفيات أو هيئات النظافة أو تنظيم الأسرة وبرامج محو الأمية أو رعاية المعاقين.

وكان المقصود من ذلك الصنيع، هو غرس روح الألفة والتعاون بين الطلاب من ناحية وتعويدهم على أن النظر بلا عمل هراء ومضيعة للوقت من ناحية ثانية، والتأكيد على أن خريجي الجامعة يمثلون القوى الناعمة التى تحمل أسلحة العمران والمدنية والوعى وبث قيمة العزة والكرامة والحرية المسئولة فى مختلف طبقات المجتمع، وغير ذلك من فضائل وقيم وأذواق راقية قد عرف بها (الأفنديّة)  المنتسبين للجامعة من ناحية ثالثة.

أمّا الكتاب الثانى فهو «نحو جامعات أفضل» وممّا جاء فيه «إنه من الواجب على المثقف الحقيقي احترام نتاج الفكر أيًا كان وأخذ الحكمة متى وجدها. وعن أي لسان وفى أي كتاب، شريطة ألا يقبل فكرة دون تحليل وتمحيص، وإلا يغتر بعلمه، فالتواضع فضيلة لأزمة للمشتغلين بالعلم، وعلى طالب الجامعة ألا ينعزل عن الناس بحجة التأمل أو الدراسة، بل يجب أن تنبع أبحاثه - أدبية كانت أو فلسفية أو علمية - من المجتمع الذى يعيش فيه ملبية احتياجاته ومعبرة عن مشكلاته وساعية لحلها».

ويمكننا أن نستنبط من كلمات "عثمان أمين" أن دور الجامعات الأفضل وخريجيها هو خدمة المجتمع بالمعنى الحقيقي الدقيق لهذه الوجهة العملية، وهى بالضرورة على النقيض من أولئك الذين يبحثون عن وظيفة حكومية للتكسب منها غير عابئين بمردود ما يطلبونه على المجتمع، ولا ينبغي - فى الوقت نفسه - ترك احتياجات الأمة بمنأى عن اهتماماتهم. ولا ينبغي إلقاء اللوم على أولئك الشباب الذين يبحثون عن عمل حكومي لأنهم غير مدربين أو مؤهلين لسوق العمل الحر، والواجب على مؤسسات الدولة - بما فى ذلك الجامعات - تأهيل خريجيها لشغل الأماكن الشاغرة التى تحتاجها سوق العمل بالداخل أو الكفاءات للعمل بالخارج، ذلك بالإضافة إلى توجيه ملكاتهم النقدية للتصدي إلى الشائعات والأكاذيب المغرضة والفتن والمؤامرات التى تحتال لتفكيك الأمة. وذلك كله عن طريق تعويد الجامعيين على مناهج التفكير الناقد والمنطق الذى انتهجته فلسفة الكذب للتصدي إليها، وفتح أغراضها ومراميها أمام الرأي العام.

ولا ريب فى أن أكذوبة البطالة فى مصر للشباب دخلًاً فيها، وذلك لأن معظمهم اعتاد أسلوب التواكل وإلقاء التابعات على الدولة، كما أن انتشار الأغاني الرديئة والمواقع المنحطة والألفاظ البذيئة والعوائد السافلة التى أضحت ظاهرة بين شبابنا لا يمكن أن نعفى الجامعيين من مسئولية ذيوعها، وذلك لتقاعسهم عن حسن توجيه الأجيال التى تصغرهم من شبيبة المدارس، بل للأسف نجد بعضهم يروّج لها، ومن المخجل أيضًا أن نرى بعضهم ينتمى إلى جماعات التطرف والإلحاد والعنف والشذوذ ذلك فضلًا عن إصغائهم لتجار السياسة مؤكدين بذلك انعدام أثر الجامعة فيهم وأن ثقافتهم الحقيقية مستمدة من الشارع الشاغر من الضوابط والأخلاق.

ولا عجب أننا نرى فى مجتمعنا الآن نقيض ما جاء فى الكتابين، ويعنى ذلك أننا أهملناهما، بل إن الكثير منا يجهلهما تمامًا.

وما نرمى إليه من حديثنا السابق هو اضطلاع جامعاتنا بسابق رسالتها التى أنشئت من أجلها، فتعقد الجلسات الحوارية لمناقشة طلابها والموائد المستديرة لمحاورتهم مع المتخصصين للإجابة عمّا يدور من حولهم من أحداث شريطة أن تكون حرية البوح والوضوح والمصارحة هى السلطات القائمة دون غيرها فى هاتيك المقابلات.

وأعتقد أن المصارحة هى أفضل السبل للمصالحة، ولا سيما بين الشباب فهم مستقبل مصر المقبل، أولئك الذين ينبغي أن يشغلوا معظم الرأي العام القائد بعد تأهيلهم للقيادة لمؤسساتنا وحياتنا الثقافية.

أقول ثانية لشبابنا وأساتذة الجامعات وأصحاب الأقلام منا: حاوروا شبيبتنا قبل أن تنقضوهم أو بالعنف تقوموهم، وارتقوا بأذواقهم ورغبوهم فى الفضائل قبل أن تسفّهوا من شأنهم وتسخطوا على سلوكهم، ولا تنسوا دوركم ومقامكم فأنتم ورثة الأنبياء وأكمل الفضلاء.

 

د. عصمت نصّار

 

مجدي ابراهيمتعكس الكلمة صورة الثقافة العربية بكل ما تحمله هذه الثقافة من دلالة ظاهرة أو خَفيَّة على الأوضاع الفكرية والأفعال الحياتية سواء، ولها من ثمَّ سلطان يعلو ويرتفع في جميع العصور والأحقاب، ولن يهبط أبداً (ذلك السلطان) ما دامت هنالك أقلام تعرف على الحقيقة سلطان الكلمة: كيف ومتى يعلو ويرتفع ولا يهبط قط ولو هبطت من حوله الأوعية الفارغة والسلاطين الكاذبة. وللكلمة ممَّا لا شك فيه سحر علوي، ولها دويُّ في الآذان ووقع على القلوب واهتزاز في الشعور؛ وقبول كثير أو قليل في العقول لعلها هى هى الإنسان، هى هى الآدمي بكل الشحم منه واللحم. وكما أن الكلمة تعكس حاضر الثقافة العربية فهى من المؤكد كذلك تعكس ماضيها وتحيله حاضراً في عقيدة الإنسان العربي وتجربته الأصلية, أعني تجربة الحضور السرمدي واكتشاف ما في اللحظة ذات الأبعاد الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل: " كان الشعرُ هو الثمرة التي ازدهرت على شجرة الماضي المقدس، وكانت الكلمة هى ابنته المقدسة. وهل كان في مقدور الروح أن تبدع ما أبدعت من روائع القصيد لو لم يكن للماضي وجودٌ أقوى من كل وجود؟

ألم يكن الشاعر القديم، في أدبنا وأدب غيرنا، يفتخر بقدرته على أن يمنح بغنائه الخلود لمن يشاء، وينزل اللعنة الأبدية على من يشاء؟ أكان من قبيل الصدفة أن تعتز القبيلة العربية بشاعرها الذي يشيد بأمجادها، وأن يرفع الرومان من شأن شاعرهم الذي يصفونه باسم " (الفاتس vates) أي (الرائي أو المُلهم والعرَّاف).

ليس من شك؛ في أن وجود الماضي ليَسْطَعُ نوراً سرمدياً يظهر من خلال الكلمة ويتمخَّض عنها. على أن الكلمة التي تضمَّنت فكرة لهى هى الكلمة التي يُراد لها أن تكون مثالاً للإصلاح الفكري والثقافي والروحي؛ لأنها في ذاتها تمثل وعياً داخلياً نورانياً، إذ فيها الإيمان؛ والإيمان نور، وفيها التعبير عن الإيمان. وفيها التثقيف؛ والتثقيف وعي وهداية وتفكير؛ وفيها التعبير عن التثقيف. وفيها من قبل هذا، الإدراك؛ والإدراك حركة عقلية عالية موصولة بأسرار النفس البشرية في أرفع ما تستجيب له من مطالب العقل ومطالب الوجدان؛ وفيها التعبير عن الإدراك. وفيها من بعدٌ كل مناشط الحياة الفكرية والشعورية مجتمعة بغير تخصيص. ولكن هذه الكلمة التي لها وفيها كل المزايا على الحياة الفكرية والثقافية تصبح خطراً فادحاً على ثقافتنا العربية إذا هى صارت لغو كلام وفضول بطالة، وإذا هى كانت ثرثرة فارغة من الدلالة العملية والسلوكية، وإذا هى لم تتحول بالفعل إلى "فكرة" مستنيرة واعية، وإذا لم تكن "الفكرة" عبرها قابلة للتطبيق العملي والممارسة النافعة لحياة الناس.

ولا نعدو من أجل ذلك مناشدة الصواب إذا نحن قلنا من هذه الجهة إن ثقافتنا العربية هى "ثقافة الكلمة"، بمعنى أن منتجاتنا الثقافية تعتمد في الأساس على الكلمة: مضمون الفكر عندنا كلمات، ومضمون الثقافة كلمات، ومضمون الفنون كلمات، ومضمون العلوم في بلادنا كلمات. حَصَادُ الأفكار هو في المقام الأول حصاد كلمات، وحصاد الفنون والعلوم إنما هو حصاد كلمات ليس إلا، حتى أولئك الذين يدافعون عن العلوم وَيَتَبَنُّون النزوع التجريبي عندنا هم يفعلون ذلك وحصيلتهم الثقافية كلمات في كلمات. لقد كان الأحرى بهم أن يجوبُوا الصحاري والجبال بحثاً عن كنوز الأرض التي تفيد الناس وتنتفع بها حياة الجماعة البشرية لا أن يجلسوا في مكاتبهم وكل ما يملكونه كلمات من وراء كلمات.

وإنّ الفرق لأوضح من أن يحتاج إلى بيان، بين "ثقافة الكلمة" و"ثقافة الفكرة"، أو بين ميدان "الكلمات" وميدان "الأفكار"؛ فالكلمات في ذاتها تجيء عادة بغير دلالة، كما تجيء مُجرَّدة بغير فاعليّة ما لم تحمل في جوفها معنى ومصداقية، وعادة ما تضرب في واد غير ذي زرع؛ فتجيء:" ألسنة دون بيان وأصواتاً دون كلام, وتخليطاً يجمع الأضداد, وحيرة تقطع الأكباد"؛ لأنها في البداية والنهاية، إذا هى كانت هكذا، صارت أصواتاً لا حركة فيها ولا نشاطاً ولا حياة: خواء في هواء. وفي أحوالنا هذه المتأزمة ينبغي أن تتراجع "ثقافة الكلمة"؛ لترتفع مع هذه الأزمات " ثقافة الفكرة "، الدالة على معنى وعلى مدلول وعلى قيمة، والحاصلة في ذاتها على فعل وحركة وإرادة ونشاط؛ بل وحياة بالإضافة إلى هذا كله، ومع ذلك كله.

فثقافة الفكرة ادعى إلى التطبيق في واقعنا العربي وأولى، ونحن في مسيس الحاجة إليها إذا أردنا أن تكون عندنا ثقافة أصيلة للذات العربية، ونكون من ثمَّ قادرين على التفرقة الحاسمة بين كلام له مدلول (نهضوي)؛ بمعنى أنه يساعد على النهضة والتقدم والمحافظة على الهُويَّة، ويقيم الدليل على الشروع في النهضة وفي التقدم وفي جوانب الحضارة على وجه العموم، وبين كلام آخر نقيض، ولقيط، مخلوط هو أقرب إلى اللغو والفضول وتزجية الفراغ العاطل.

فإنّ الثقافة التي يكون مجملها كلمات تخلو في كثير من الأحيان من دلالة الفكرة المحددة والرأي الصالح للتطبيق والتهذيب لهى ضربُ من لغو الكلام ولا تزيد. والفرقٌ كبيرٌ جداً بين كلمات ذات "مضامين" إذا ما فَضَضَتَ المضمون فيها ظهرت لك من فورها الأفكار التي تكوَّن منها ذلك المضمون، وعلى الوضوح الساطع والجلاء البصير، وكلمات أٌخَر ليس لها من المضمون الذي يحمل من الأفكار شيء يعتدُ به ويعتز. غير أن هذه المضامين حاملات الأفكار لا تظهر لك إلا حين تستخدم كلمات تناظر الفكرة في حركة الذهن، وبنفس المستوى تقابلها وتدل عليها لفظاً ومعنى، بسبب أن الكلمة هنا تصبح هى هى الفكرة، تحتويها وتوضِّحها وتجليها, ولا تعوِّقها ولا تغيِّمها ولا تضيعها كما يضيع الوضوح في ظلمة المط الطويل.

وإذا نحن تساءلنا عن العلة التي من أجلها وضعت الكلمات في مساقاتها التاريخية؛ لتكون تعبيراً عن تجربة الحضور السرمدي واكتشاف ما في اللحظة الثلاثية الأبعاد: الماضي والحاضر والمستقبل؛ نجد بعد التأمل أن ضرورة الحاجة الشديدة التي فرضتها "الكلمة" على واقع الإنسان وظروفه وملابساته تقتضي الدلالة الميتافيزيقية؛ ففي حين تتخطى الكلمات حدود "الفعل" ودلالة التغيير، والفعل حركة والتغيير ثورة جذرية من الباطن، فهى تتجاوز الواقع وتعلو عليه لتغيِّره؛ فكما أن التغيير ثورة على الظروف المُرْتهنة بملابسات قائمة بالفعل فكذلك تكون الكلمة كاشفة لتلك اللحظة الواعية؛ هى في ذاتها وعياً مطموراً قد لا يظهر على السطح من الوهلة الأولى، وأن الكلمة لتنقلب هاهنا وعياً مفتوحاً تعبِّر عن رؤية الروح النافذة من وراء الأسطح البرَّانيَّة:"إنما الواقع يشهد بأن الإنسان ليقضي حياته في الماضي أو في المستقبل، وأن تجربة "الآن" من التجارب النادرة في حياته. حتى إذا ما أراد أن يجرِّب الحضور الحق في اللحظة فلابد أن تنبِّهَهُ الأشياء وتوقظه بقوة، ولابد أن يمتلك القدرة على رؤية الأعماق الكامنة وراء السطح والكشف عن الأقنعة التي خلقتها العادة. هنالك يكشف الواقع عن وجهه الملكي أو وجهه الإلهي. ولهذا لن يُدْهِشُنَا أن نجد المتصوفة من أصحاب الرؤية في الشرق والغرب على مر العصور هم أول من يحدثنا عن تجربة "الحضور الكامل" أو عن اللحظة الخالدة أو تجربة "الآن" الخارج عن الزمان".

وعندي أن لباب هذه التجربة كلمة ! إذْ كانت الكلمة وعياً أو تعبيراً عن الوعي بوجه من الوجوه، فكما أن الطريق إلى الفعل هو هو الطريق إلى الكلمة، فيما لو كانت الكلمة في هذه الحالة فكرة هادفة ووعياً مسيطراً، فكذلك تكون تجربة اللحظة الحاضرة كلمةً واعيةً أو تجيء تعبيراً عن الوعي المُعَبِّر عن تجربة الحضور الكامل، وليست هى بلغو كلام لا طائل من ورائه.

ومعنى أن تجئ الكلمة لدينا فكرةً هادفةً صادرة عن وعي كبير؛ هو نفس المعنى الذي تجيء فيه حاملة قوتها في ذاتها، وحاملة قوتها في نفس الوقت في فعلها، وفي نزوعها دائماً إلى الفعل، أي في تجربة صاحبها الحاضرة، وفيما تُوحي به من دلالة مُغيِّرة لهذا الواقع يعيشه الأحياء؛ فيسعدون بما يعيشون ويغيرون.

ما فائدة الكلمات إذا لم تكن تحمل أفكاراً نتمسك بها، ونتعلق بقوتها وفاعليتها وحضورها كل التعلق ونحن بسبيل التغيير؟

ما فائدة الكلمات إذا لم تحرك فينا الركود وتثوِّر لدينا الضمائر وتهز عندنا الشعور بما عَسَاهُ ينبغي أن يكون وفقاً لمطالب الاعتقاد؟

الكلمات حاملات الأفكار هى هى الكلمات حاملات القيم. ولا فرق عندي بين الكلمة التي تحمل "فكرة" والكلمة التي تحمل "قيمة"، إذا نحن علقنا الدلالة هاهنا على أحادية الرؤية والتصور؛ فنحن نستمد الكلمات حاملات القيم من رؤية مُوَحَّدَة تُلْزمنا أن تكون لهذه القيم فاعليتها وحضورها على أرض الواقع ودنيا الممارسة والتطبيق. ولربما تهبط علينا تلك القيم من أعلى لتكون بمثابة مبادئ علوية لا يتزعزع الإيمان بها مطلقاً، ولكنها تسهم بالأثر الفعال في تشكيل حقائق الوجود الإنساني الذي لا ينفصل وجوده عن الإيمان بمنظومة القيم التي ينشدها وَيتغيَّاها.

إنما الكلمة التي تحمل فكرة تدل على حيوية العقل وسعة التفكير واقتدار الخَلْقِ في حدود القدرات الإنسانية؛ فكل إبداع يتوخَّاه القادرون على الإبداع هو كلمات ذات أفكار دلالتها على الإنسان الفرد أقوى من دلالتها على أية قوة خارجة عنه، فهو من ثمَّ قادرٌ على التغيير بمقتضي الكلمة المفكرة، وقادرٌ كذلك على اكتساء الكلمات حاملات "القيم" وتغذيتها من نفس المصدر الذي انبثقت عنه هذه القيم العلوية تدعِّم فكرة التغيير الذي ينشد.

ولسنا نريد بالطبع أن نصف ثقافتنا العربية كلها هنا بأنها "ثقافة الكلمة" التي تخلو أو تكاد من " ثقافة الفكرة"؛ فهذا الوصف يبدو محض افتراء ! صحيح أن المعوَّل كله على الفكرة؛ لأنها الأساس في العلم المطلوب للعلم، والعلم المطلوب للمنفعة والتطبيق، ولكننا هنا أيضاً نحدِّد القول تحديداً فاصلاً إذا قلنا إن "الكلمة" قد تختلف باختلاف قائلها ومتلقيها: أيُّهما أصابت منه موضعاً حسّاساً فوجهت طرائق سيره وجهة التنفيذ أو وجهة التصرف المقبول، يُحْسن إذا حسُن فهمه لها ولدلالتها ولقوتها الروحية ولآثارها في الضمير الواعي، ويسوء إذا ساء الفهم لكل هذا أو ساء معه التلقي، أو غلبت على يفهم ويحسن الفهم، غلبت عليه أهواؤه ونزواته ومطامعه الخاصة والشخصية، فلم يتصرّف كما ينبغي أن يكون التصرف فعلاً مقبولاً ومحمولاً على الجهاد الأبي والإرادة القوية لا على حكم الهوى وطغيان الصَّبَوات.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمربَّما لم نعدْ نذكر اليوم على وجه التحديد مقولة "سارتر" التي كان يقول فيها :"لا يُلامُ الفنان إذا هو أغفل في عمله الفني كل القواعد والرسميات التي تواضع عليها سابقوه، وترسِّمتْ بها أعمال الآخرين"؛ انطلاقاً من القول بحرية "العمل الفني".

هذه العبارة تركت في نفسي أثراً جعلني إذْ ذَاكَ أتناول ألفاظ اللغة بما نطلق عليه في اصطلاح الفلسفة كلمة "ميتافيزيقا"، تناولاً فنيَّاً منعاً لِلَّوم الذي يُلاقيه الكاتب كما يلاقيه الفنان إذا هو أغفل في عمله الفني كل القواعد والرَّسميات المتعارف عليها.

وليس من شك عندي أن للألفاظ دلالتها الغيبية، فإذا تناولتها من هذه الجهة، أمكنك أن تتناولها كذلك تناولاً فنيّاً، إذْ الفن بجانب كونه يصف الواقع ويصوِّره فهو كذلك يعلو عليه ليغيِّره، يعلو عليه من مستوى الوصف والتصوير والتقرير إلى مستوى الدلالة الخفيِّة الغائبة، ومن المحسوس المُشاهَد إلى ما عَسَاهُ ينبغي أن يكون؛ فالتغيير الذي يطرأ على الغاية من الفن هو تغيير للواقع لـه لا شك دلالة ميتافيزيقية أو "ما ورائية".

وكلمة ميتافيزيقا تعني عادة في اصطلاح الفلسفة ما وراء الطبيعة، أو ما بعدها, وقد أشتهر اسم "ما بعد الطبيعة" فيما يقول المؤرخون في محاولاتهم الفلسفية بالتفسير ( = تفسير ما بعد الطبيعة) الذي أضطلع به الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، ولدى بعض "المدرسيين" من أهل القرن الثالث عشر الميلادي.

وعليه، فإذا نحن افترضنا أن للألفاظ اللغوية طبيعتها وواقعها الذي نحتكم، فنحكم عليه فيما هو مُتداول من بناء الكلمات وصياغة الجمل والعبارات؛ فإنّ لهذه الطبيعة اللفظية "ما وراءها" الذي نفهم منه معانيها الرامية إليها، وفوق ما ترمي إليه من دلالات وإشارات؛ فكثيرٌ جداً هم الكتاب الذين يكتبون دون أن تأتي كتاباتهم مُعَبِّرة عن "ما ورائها" يستقرُ عليه فهم من يدرك أن للألفاظ ما ورائيات، وأنها لا تكتب إلا لتشير إلى فكرة بعينها أو "حالة" تملكت نفس صاحبها، أراد لها أن تكون، وأنه كلما أحكمت صياغة اللفظ وبناء العبارة أحكمت تباعاً درجة وضوح الفكرة التي في جوف العقل.

وفي جوف العقل أفكار ومعاني وإشارات لا تعْتبر إلاّ باللفظ حين يُؤخَذ المعنى من اللفظ، فعنايتُنا باللفظ إنْ هي إلا عنايتنا بالمعنى قصداً. وإهمالنا للّفظ من قلة اتساع المعاني وزيادتها فينا، ومن قلة حظ النفس لتحصيل أجزاء النظر في حقيقته بأصوله على ما قال الشيخ زَرُّوق في هذا النَّص التالي من قواعده :" يُعتَبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ؛ فكل طالب أعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فإنه تحصيل المعاني، وكل طالب أهمل اللفظ كان المعنى بعيداً عنه، ومن اقتصر على فهم ما يؤديِّه اللفظ من غير تَّعمُّق ولا تتبُّع كان أقرب لإفادته واستفادته، فإنْ أضاف لفهم المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصوله اهتدى للتحقيق؛ إذْ العلوم إنْ لم تكنْ منك ومنها، كنت بعيداً عنها. فمنك بلا منها فساد وضلال، ومنها بلا منك مجازفة وتقليد، ومنها ومنك توقف وتحقيق، ولذا قيل: قف حيث وقفوا ثم سرِّ ..!!" (أ . هـ).

ويشير نصُّ "الزرُّوق" إلى دلالة خفيّة باطنة ربما كان أجلاها وأوسعها عندنا هو امتزاج العلم بالمعلوم أو الذات بالموضوع، " إذْ العلوم إنْ لم تكن منك ومنها على ما قال، كنت بعيداً عنها ". ولا شك أن العلوم التّامة والأفكار الكاملة (أعنى علوم التحقيق وأفكار الأصالة المعرفية)، لا يتسنى تحصيلها إلّا بسلامة الصدر ونقاء الضمير. وما العقل إلا التابع المنقاد، وما الجهد المبذول إلا البصيرة الكاشفة والرؤية الحاضرة والنظر الحصيف الحادّ اللمّاح.

أقلُّ مجهود يجدي نفعاً مع سلامة الصدر ونقاء الضمير. وأكثر الجهود المضنية لا قيمة لها بالمطلق مع خبث الدخيلة ولوثة السريرة والحقد المدفون.

مَثَلُ العلوم وتحصليها كمثل الرؤية تقع على البصر أدنى عارض يؤثر عليها ويعوق رؤية البصر لها. وكما أن البصيرة كالبصر يتأثر بما يشوبه ويعارض عليه، فكذلك البصيرة محل كشف العلوم كلها، من مشكاة النور تستمد مددها؛ فإذا صدأت المشكاة فلا نور ولا طاقة ولا علم ولا عالم ولا معلوم.

وعلى هذا؛ فإنّ الفكرة إنْ هى إلا خاطر يخطر ويتفاوت قوة وضعفاً حين يخطر، فإذا وجد هذا الخاطر مدداً من الألفاظ الدالة على خَطْرَته، صيغ بوضوح نفهم منه دلالة الفكرة في رحم العقل، أمّا إذا عبَّرتَ عن خواطرك بقلق واضطراب فيما تريد أن تعبِّر عنه من خواطر، جاءت أفكارك وكأنها لا تمتُ إلى عالم التفكير بصلة، لكأنك التقطتها التقاطاً من ألسنة الناس وأفواه المتحدّثين (كالثقافة الشفاهيّة لا تستند إلى حصيلة فكرية مُقرَّرة بآثار التدوين)؛ غير مشيرة إلى ذات نفسك ولا هى ماضية حسبما تريد إلى غايتها في باطن النفس كما أردت لها أن تكون؛ لأن قلق التعبير واضطرابه معناه قلق في التفكير واضطراب في تصورات الإدراك الذهني.

أي نعم! قلقُ التعبير واضطرابه معناه قلقٌ في التفكير واضطراب لاشك فيه في الإدراك الذهني؛ إذْ مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ، كما يقول الشيخ زرُّوق، فلزم ضبط المعاني في النفس (أولاً) ثم ضبط اللسان في الإبانة عنها، والأصل المتكلم في الأول أصلٌ في الثاني؛ فمن هذا الوجه وضع الأئمة لحن العامة، ونبّهوا على وجوه الغلط في العبارات. وربما كفِّر وبُدِّع وفسِّق مُحقق لقصور عبارته عن توصيل مقصده بوجه سليم عن الشَّبّه. وأكثر ما وقع هذا الفن على حد تعبير الشيخ زَرُّوق كان للصوفية حتى كثُر الإنكار عليهم أحياءً وأمواتاً. وربَّما قُبِلتَ الحقيقة من رجل، ولم تُقبل من الآخر، بل ربما قُبلت من شخص في وقت ورُدَّت عليه من آخر، من اتحاد لفظها ومعناها".

هذا دليلٌ يعطيه الشيخ زَرُّوق على أن قلق التعبير يحمل مساحة كاشفة عن اضطراب الباطن وتوتره، فيؤدي اضطراب الباطن إلى اضطراب الإدراك وتوتر الإفصاح؛ وعليه يلزم ضبط المعاني في النفس أولاً؛ فإذا غَابَ الإلزام ووقع الصوفيّة في هذا الجانب من غيبة ضبط المعاني؛ فلتجاربهم الروحيّة مع الواحد الحق، وأنها لتجارب يَلزَم عنها بالبداهة التوتر كما يلزم الاضطراب.

قِيمةُ اللفظ في أصالته ومعناه، وهو مع هذه الأصالة وذاك المعنى يُسَاير في الوقت نفسه عمليَّة التفكير؛ ومن التفكير العالي والراقي والمستنير ما يحتاج إلى ألفاظ خاصَّة (دالة) كيما تعبَّ فيها دلالات الوعي وأنشطة الفكر، ووهج العناء فيما تمخَّض عنه عقل المفكر وذوق البصير حين فكر كلاهما وأراد التفكير والتعبير.

تشي هذه العبارات؛ بأننا إذا عَدَدْنَا اللغة جزءً لا يتجزأ من عملية التفكير، استبعدنا كونها مجرَّد تعبير عن أفكار تكونت، ومن ثمَّ حكمنا بأنه من المُحال أن يتغير للناس فكر دون أن تتغير اللغة في طريقة استخدامها؛ لأن اللغة هى دالة الفكر أو هى نفسها مجلى للفكر وترجمان له، ولأن ثورة اللغة لا تنفصل عن ثورة الفكر، بل هى هى الفكر : تنعكس عليها طريقة التفكير واستخدام الناس لها في مدارج الثقافة العليا لا في تصاريف الحياة اليومية.

ألفاظُ اللغة كالحياة، لا يستطيع أحدُ أن ينكر ما فيها من مدلولات؛ فإذا وضحت أمامك مدلولاتها، ميزتها عن غيرها على الفور كما يتميز الحيُّ من الميت والصالح من الفاسد المعطوب، لكن تمييزك لها يرتد إلى "الصورة الذهنية" التي انفتحت لك من خلال اللفظ فبانت لديك حياته الصالحة للحياة أو ظهر لك فساده المعطوب. وما هذه "الصورة الذهنية" إلا المعاني من حيث وضِع بإزائها الألفاظ، كما عرَّفها "الجرجاني" في "التعريفات"، أو كما سمَّاها "كانط" في القرن الثامن عشر, "بملكة التصورات"؛ فهى صور حاصلة في العقل.

والصور الذهنية؛ كما قال الجرجاني، من حيث إنها تقصد باللفظ سُميت معنى، ومن حيث إنها تحصل من اللفظ في العقل سُمّيت مفهوماً، ومن حيث إنه مَقُولُ في جواب ما هو؟ سمِّيت ماهيَّة، ومن حيث ثبوته في الخارج سُمِّيت حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار سمِّيت هُويَّة. ولك إنْ شئت، أن تلاحظ مثل هذه الحيثيات، كلها تدور في فلك المعنى، فما خرج وجود إلّا عن معنى ودلالة ولا استقامت حياة بدونهما.

ولنذكر في هذا الصدِّد أن الحياة كلها إنْ لم يكن فيها من المعنى ما من شأنه أن يدل عليها فيحياها المرء الحيُّ ويُملي عليها بإرادته قيم الحياة مجتمعة؛ فقلَّ أن ندرك لها دلالة نحيا بها، كما تحيا الحياة، وكما ينبغي أن تُعَاش؛ وكذلك ألفاظ اللغة: إنْ هى إلّا صورة من صور الحياة تصوِّرها وتحيطها بالتعبير والتصوير على مُتداول الألسنة الحيّة والعقول المُفكرة التي تنظر في أوضاع الحياة فتحلُم بتغييرها وفق معان تتعدد وحيثيات تُتَصَوَّر إلى عالم أفضل غير ما يعج به الواقع من آفات ومصائب وكوارث.

ألفاظُ اللغة التي تبدو أحياناً كما لو كانت مسحورة، وسحرها في هذا "الخفاء"، يُعيننا أحياناً كثيرة على الاستعارة بُغْية التقريب، لاسيما لو كانت تلك الاستعارة لشيء لا نجد لـه معنى متعارفاً؛ لأنه من قبيل الوجدانيات. وقديماً قال أحدُ المفكرين الممتازين هو ابن خلدون : "إنَّ أوضاع اللغة إنما هى للمعاني المُتَعَارِفَة"؛ أو شيئاً من هذا القبيل، فإذا نحن لم نجد لفظاً نودعه معنى لهذا الوجدان الغائر الثائر على الدوام، كُنَّا كمن يَسْتعير اللفظ من دلالته الحقيقية إلى دلالته الرمزية، أو من مستوى الواقع المُقرَّر المفهوم إلى مستوى الدلالة الغائبة الخفيّة. ومن هنا ساد بيننا التعبير الشائع بضرورة قراءة "ما بين السطور"، فماذا تَعْني كلمة "قراءة ما بين السطور" هذه ؟!

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصارلم يقتنع «المنفلوطي» بما كان يردّده العوام من الرجعيين تجاه المرأة، مثل اعتبارها مخلوقًاً ناقصًاً وضلعًاً أعوجَ لا سبيل لإصلاحه وعقلًاً أحمق لا يقودها إلّا لأبشع الرذائل بدايةً من النميمة والخبث والكذب والتطفل، وانتهاءً بالخيانة والعُهر، وأن تديّنها لن يعصمها من الكفر بالنعمة والتمرد على الضيق والشدائد، والطمع فيما يمتلكه الآخرون.

وقد صَرَّح بذلك خلال قصته (الزوجتان) تلك التى تحدث فيها عن إحدى الفتيات الصالحات التى تربّت في بيتٍ فاضلٍ وتعلمت من والدتها فن إدارة المنزل ورعاية الزوج والأطفال، ذلك فضلًا عن الأدب الجَم وجميل الطباع، فشَبّت متطلعة لزوجٍ تقى تشاركه في بناء بيت قوامه المحبّة وأساسه الرعاية والاحترام؛ فتخيّر لها والدها من بين خطابها رجلً ظن فيه التقوى والعلم والصلاح وعاش الزوجان في هناءٍ وسعة.

حتى تعرض الزوج لضائقة مالية؛ فلم تبخل عليه بمالها غير أنه راح ينفق ببذخٍ على المكروهات من اللذات وقاده شيطانه إلى التطلع على الأخريات من النساء وراح يقارن بين زوجته المحافظة وغيرها من المتعلمات والمتبرجات والمترددات على الصالونات الأدبية والبارعات في الحديث عن أمور الاجتماع والفن والسياسة.

فراح يندب سوء حظه في زوجته ولاسيما بعد أن رُقّيَ في عمله إلى منصب قيادي فهجر بيته دون راعٍ أو حارسٍ ولم يبالِ بمصير ابنته الرضيعة التى حملتها أمها بحثًاً عن أبيها الغائب فأرشدها بعض معارفه لمسكنه الجديد الذى تزوج فيه من إحدى الفتيات المتفرنجات.

ولم يُجابه الزوج الغائب عند رؤية زوجته إلا بالزجر واللوم على مطاردتها له ثم انتهى الأمر بتطليقها.

ثم رزقها الله برجلٍ أفضل منه، أمّا الزوج المتمرد فراح يتجرع كأسُ الغيرة ويعانى من الصراع النفسي من جرَّاء تصرفات زوجته التى انتحلت عوائد الأوروبيات.

ويخّلص مفكرنا من هذه الأقصوصة التى ساقها خلال حديثه عن طباع النساء إلى عدة حقائق أراد ترسيخها في العقل الجمعي عوضًاً عن الانطباعات الفاسدة والتصورات الخاطئة عن المرأة، فبيّن أن الثقافة والتربية والاستعداد النفسي من أهم العوامل التى تؤثر تأثيرًاً مباشرًاً في تنشئة الإنسان بوجه عام.

والمرأة لا تقل استعدادًاً عن الرجل للتشكُّل والتلوّن والتطبّع تبعًا للبيئة التى تنشأ فيها، بل إنّ المرأة في كثير من المواقف تكون أميل إلى الحسن من السلوك والجميل من الطباع وذلك تبعًاً لعواطفها ومشاعرها الراقية، ومن ثم لا مجال لاتهام المرأة بنعوتٍ لا تنطبق على الرجال؛ فكلاهما ابن البيئة والتربية والثقافة والممارسات والخبرات وتحصيل المعارف هو المعيار الذى يحتكم إليه للمفاضلة بين الجنسين.

ذلك هو ما أراده «المنفلوطي» ولخصه في مقولةٍ أوردها على لسان بطلة قصته التى تقول فيها «لا تغضب يا سيدي إنْ قلت لك إنّ قلب الرجل متقلب، متلون يسرع إلى البُغض كما يسرع إلى الحبّ، وإن هذه المرأة التى تحتقرونها وتزدرونها وتضربون بها الأمثال بخفة عقلها وضعف قلبها أوثق منه عقدًاً وأمتن ودًاً وأوفى عهدًاً ولو وفى الزوج لزوجته وفاءها له ما استطاع أن يفرِّق بين قلبيهما إلا حوادث الدهر».

ويناقش مفكرنا قضية الخيانات الزوجية وتطلع المرأة إلى آخر قد تعرّفت عليه ففاضلت بينه وبين حليلها، فوجدته أقدر على تلبية ما كانت تطمح إليه وتحلم به (الشباب، الوسامة، القوة، حلو الكلام، لطيف المعشر، رقيق المشاعر، السخاء، والثراء ...) وذلك في قصته (الحبّ والزواج).

وأكد أن مثل هذه الانحرافات لا تقع فيها النساء وحدها بل الرجال أيضًاً ويرجع ذلك لسوء الاختيار وعدم اكتمال عقل الجنسين الذى يُحتَكم إليه في المفاضلة والموازنة.

ذلك فضلًاً عن فساد البيئة وعدم تحمل مقتضيات الزواج ومسئولياته، أو تعلق أحد الزوجين بأفكار وعوائد وخصال الغرباء، الأمر الذى يفسد على الزوجين عيشهما ويبرّر لكليهما التمرد على الواقع المعيش بعد تشويهِه في أعينهما فيستبيح أحدهما الخيانة عوضًاً عن الطلاق وتبعاتِه أو المواجهة ومشكلاتها.

وقد وجّه «المنفلوطي» جُلَّ سهام النقد لأولئك الكتاب الذين برّروا في قصصهم وروايتهم الخيانة والعهر والانحراف الجنسي بحجة خلو بيت الزوجية من الحب والعشق والمرح واللذائذ المادية ووجودها في صحبة الآخرين، فها هو يعبر عن ذلك على لسان إحدى بطلات تلك الروايات التى قالت فيها «إنّ ما يسمّيه الناس بالزنا والخيانة هو في الحقيقة طهارة وأمانة لأن أساسه الحب، وكل ما أساسه الحب فهو طاهر شريف، وإن كان في أعين الناس عيبًا وعارًاً. وما الخيانة ولا الجريمة ولا الغش ولا الخداع إلا أن تعاشر المرأة زوجًاً تكرهه معاشرتها من تحبّه، فيفترشها الأول كما يفترشها الثاني، لأنها لا تكون في حكم العقل ولا نظر العدل زوجًاً له مادامت لا تحبه ولا تألف عشرته. ولو أدرك الناس أسرار الديانات وأغراضها لعرفوا أنها متفقة في هذه المسألة مع الشرائع الطبيعية وأنها ربما تَعُد المرأة في بيت زوجها زانية وفى بيت عشيقها طاهرة إذا كانت تكره الأول وتحبّ الثاني».

والغريب أن هذا الهُراء الفاحش بات يتردد على لسان الكثيرات منهن على شبكة التواصل الاجتماعي والقنوات التليفزيونية، والعجيب أن نجد بعض قادة الرأي من المشاهير يجابهون القضية بمنطق التصدي للعوارض أو الأمراض الموسمية التى تصيب الحياة الزوجية، والمثير للدهشة أن هذا التبرير يتكرّر بألفاظٍ مختلفة على لسان المثقفات والجاهلات والارستقراطيات والمعدومات والمحجبات والمنتقبات وحديثات الزواج وقديماته.

ولعلّ «المنفلوطي» قد اكتفى بتعقيبه على ذلك بنقده للمجتمع وتنبيِه الأذهان إلى هذا الخطر وذلك بقوله «لا بأس أن يتثبت الرجل قبل عقد الزواج من وجود الصفة المحبوبة لديه في المرأة التى يختارها لنفسه، ولا بأس أن تصنع المرأة صنيعه، ولكن لا يعنى ذلك أن يكون الحب الشهوى هو قاعدة الزواج يحيا بحياته ويموت بموته، فالقلوب متقلبة والأهواء نزّاعة بل بمعنى أن يكون كل منهما لصاحبه صديقًاً أكثر منه عشيقًاً، فالصداقة تنمو بالمودّة غرسها وتمتد ظلها أما الحبّ فظل يتنقل وحال يتحول».

والسؤال المطروح هل نعد مناقشة «المنفلوطي» لهذه القضية استشرافًاً وتوقعًاً أم عجز المرأة المصريّة المعاصرة عن تحمل مسئولية الحرية، أو سقوط ثوابتنا الأخلاقية وجميل عاداتنا الاجتماعية رغم تظاهرنا الزائف بالتديّن.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

إن المجتمعات الإنسانية لا تُبنى على الوهم والأهواء الشخصية، وإنما تُبنى على الظواهر العقلية القادرة على صناعة نظام التحولات الاجتماعية، الذي يَنقل الأفكارَ المُتناثرة مِن الفوضى إلى النظام، ومِن الارتجالية إلى التخطيط. وهذا الحراك الفكري البَنَّاء يَصنع عَالَمًا معرفيًّا مِن الحقائق الاجتماعية، والتصوُّرات النَّفسية، والسلوكيات الإنسانية. الأمر الذي يُؤَدِّي بالضرورة إلى إنتاج لُغة جديدة في أنساق المجتمع، تقوم على الوَعْي والحوار الهادئ، ولا تَقوم على التناحر والضجيج. وإذا نَجح المجتمعُ في ابتكار لُغته المنطقية الخاصَّة بِه، استطاعَ تَكوينَ شخصية اعتبارية لحاضره ومُستقبله، قائمة على غَرْبلة تُراث الماضي، والتعامل معه بإنصاف، بدون تقديس أعمى، ولا قَطيعة عِدائية. والتُّرَاثُ إسهامات بشرية تشتمل على الصواب والخطأ. واللغةُ المجتمعيةُ المنطقية تتعامل مع التُّرَاث باعتباره نظامًا مِن المعارف والرموز والبُنى الفكرية المُنعكسة عن الواقع المُعاش والبيئة المُحيطة، وهذا البناء التُّراثي المعرفي يَحتاج إلى أدوات فاحصة، واختبارات عقلانية، ومنهج نقدي تحليلي، للوقوف على مواطن القوة، والاستفادة مِنها للانطلاق نَحْو المستقبل بلا خَوف ولا قلق، وللوقوف على مواطن الضعف، وتجنُّبها، وأخذ الدروس والعِبَر مِنها لضمان عدم تكرارها.

وإذا أردنا بناءَ منظومة الاختبارات المَوضوعية في تراكيب التُّراث، فلا بُد مِن دراسة البُنية الاجتماعية كنسق مِن التحولات المعرفية، قائم بذاته، ومُنفتح على خصائص العواطف الإنسانية، والأشواق الروحية، والنَّزعات المادية، لأن التَّوفيق بين الرُّوح والمادة هو أساس التفاعل الرمزي، الذي يَصنع قوانينَ المجتمع العقلية، ويُحدِّد طبيعةَ مساره المنطقي.وإذا اتَّحدت الظواهرُ العقلية معَ الأنظمة الاجتماعية المنطقية، تشكَّلت الكَينونةُ الاجتماعية الاعتبارية، التي تتجلَّى في وُجود مجتمع حَي وحُر وذي شخصية مُستقلة. وهذه العناصر الوُجودية ضرورية لتكوين جوهر الحقائق الاجتماعية، الذي يقوم على الأدلة والبراهين، ولا يتأثَّر بالمصالح الشخصية الضَّيقة، والمُحاولاتِ المُغرِضة لإعادة إنتاج الإنسانية كأيديولوجية عنيفة تُعادي وُجودَ الإنسان.

ووظيفةُ المجتمع المُتصالح مع نفْسه، والمُتحرِّر مِن الخَوف والقلق،هي تحريرُ الإنسان مِن المعاني الزائفة، والوجودِ الوهمي، والمُسلَّماتِ الافتراضية غير المنطقية، ودفعُ الإنسان باتِّجاه قيم التسامح بلا ضَعف، وهذا يَمنع الإنسانَ مِن التَّحَوُّل إلى ذِئب لأخيه الإنسان.

والإنسانيةُ تعني قَتْلَ الوحش داخل الإنسان، واجتثاث هِستيريا التَّوَحُّش مِن الوَعْي السلبي، والشُّعورِ العنيف، والإفرازاتِ المُسيَّسة الصِّدامية للتاريخ والجُغرافيا. ولا تَعني الإنسانيةُ قَتْلَ الحضارة، وتدميرَ المَدنية، وتَدجينَ الإنسان.وكُلَّما ابتعدت الحضارةُ عن الدم والجماجم واستغلال الآخرين، اقتربَ الإنسانُ مِن معنى الوجود ومركزية الوَعْي. وهذا يُساهم في اكتشافِ الإنسان لإنسانيته، والتصالحِ مَعَ نفْسه، وإيجادِ حالة مِن الوئام بين مُكوِّناته الروحية والمادية، وتجذيرِ السلام بين اللفظ والمعنى داخل أفكاره المنطقية وعناصرِ لُغته الاجتماعية.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

سليم مطرلقد احتل (الساسانيون الفرس) ­ (بلاد النهرين ـ العراق) بعد ان اسقطوا (الدولة الفرثية ـ الايرانية ايضا) التي كانت مسيطرة على المنطقة. دامت الدولة الساسانية بين (226 – 651 م) حيث انتهى احتلالها في (معركة القادسية: 636 م ) جنوب العراق. يُعتبر (الساسانيون) اول من اختار المجوسية كديانة رسمية لدولتهم، فجدهم الاول (ساسان) كان كاهنا للمعبد المجوسي في فارس. (1)

بسبب جبروت وقسوة (الدولة الساسانية) واعتمادها على محاربين اشداء من المرتزقة المتطوعين من جميع الشعوب الخاضعة لها في ايران وتركستان وافغانستان وارمينيا (2)، فان (اهل النهرين) فضلوا عموما مقاومة الاحتلال عن طريق النهوض الثقافي وتطوير وفرض (هويتهم الخاصة) لغويا ودينيا واجتماعيا، كالتالي:

1ـ المقاومة الثقافية بواسطة اللغة (الآرامية ـ السريانية):

من المعلوم ان (اهل النهرين) قد تبنوا بالتدريج وقبل سقوط بابل (اللغة الآرامية) الشقيقة للغتهم السابقة (الاكدية، بلهجتيها البابلية وألآشورية). وهي لغة قد فرضت نفسها على (اهل العراق والشام) لأنها اول من استخدم الكتابة الحروفية (الكنعانية) بدلا من المسمارية المعقدة. ثم اتخذت (ألآرامية) طابعا مقدسة لانها اصبحت اول (لغة مسيحية) حيث تكلم بها (السيد المسيح) ودونت فيها الاناجيل، (بجانب اليونانية). وفيما بعد فضلت الكنائس تغيير التسمية الى (السريانية) أي (السورية) تجنبا لـ (الآرامية) التي ارتبطت بالوثنية. (3)

وكعادتهم دائما، تمكن (اهل العراق) من نشر (لغتهم السريانية) بين جميع شعوب (الامبراطورية الساسانية) من حدود الهند حتى النهرين. وكان ايمانهم المسيحي هو السبب الاول للتمسك بلغتهم السريانية المقدسة، ونشرها مع المسيحية والتبشير بها. اصبحت السريانية لغة الثقافة الاولى والاساسية حتى بين الفرس انفسهم، حيث دونت فيها المئات من الكتب المسيحية والادبية والموسوعية والفلسفية وغيرها، ولا زالت متداولة حتى الآن (4). اما اللغة الفارسية (البهلوية) ورغم سيطرة الفرس على الدولة والدين المجوسي، إلا انها فشلت ان تكون (لغة ثقافية) وبقيت محصورة في الامور الادارية للدولة. والاكثر من هذا أنها صارت تابعة ثقافيا وكتابيا للغة السريانية، حيث تبنت كتابتها وقواعدها وحتى مفرداتها بصورة متطرفة وغريبة وحتى مضحكة: فمثلا انهم يكتبون بالسرياني (ملك ملكا) التي تعني (ملك الملوك)، لكنهم يلفضونها بالفارسي (شاهنشاه)، وهكذا دواليك!! (5)

والاكثر غرابة ان تلك الحقبة التي دامت عدة قرون لم يتم العثور حتى ألان على أي كتاب مدون بلغتهم (البهلوية)، فحتى (كتاب الافستا ـ الابستاق) المجوسي لم يتم العثور على اية نسخة قديمة له، فتحججوا بانه تم اتلاف جميع نسخه بعد الفتح العربي الاسلامي!؟ ولكنهم في القرن الرابع الهجري، ولمواجهة اكتساح الاسلام للمجوسية، إضطروا الى تدوين كتابهم المقدس، حيث وضعوا فيه الكثير من النصوص المقتبسة من العربية والسريانية، مدعين بأنها نصوصا مجوسية قديمة؟؟!! كما يبدو ان السبب يعود الى ان المجوسية ديانة شفاهية، حيث يرفض (الموابدة ـ الكهنة المجوس) تدوين نصوصهم كي لا تشيع بين العامة، ولكي تبقى المعرفة حكرا على النخبة الدينية وحدها. (6)

ولهذا السبب بالذات تمكنت (المسيحية) من الانتشار بين شعوب الامبراطورية بسبب تأكيدها على التعلم وجعل الكنائس اماكن تعلم ودراسة لجميع الناس (7). ولهذا السبب (التعليمي الحضاري) ايضا انتشر (الاسلام) فيما بعد بين الايرانيين وباقي الشعوب، وانحسرت (المجوسية) الى اقلية منعزلة. (8)

2ـ المقاومة الدينية المسيحية للقمع والمذابح المجوسية:

بدأت المسيحية تنتشر في (بلاد النهرين) منذ القرن الاول الميلادي قادمة من سوريا. وبالتدريج راحت تحل محل الديانة العراقية القديمة: (عباد النجوم والخصب). وخلال قرنين اصبحت المسيحية ديانة الغالبية الساحقة من العراقيين (كذلك غالبية سكان العالم العربي الحالي: الشام ومصر وشمال افريقيا، وبعض نواحي الجزيرة العربية)، وانتشرت الكنائس السريانية من شمال العراق الى جنوبه، بما فيه (الاحواز) (9)، مع اقليات من اليهود والصابئة والمانوية (اتباع ماني البابلي). وجميع هذه الطوائف لغتهم اليومية والدينية هي السريانية. وكان هنالك اساقفة (مراجع) للقبائل العربية المستوطنة غرب الفرات، في (الكوفة والحيرة) ومن اشهرهم (جورج اسقف العرب) الحكيم الذي له عدة كتب بالسريانية. (10)

وقد سميت كنيسة العراق ب (كنيسة كوخا) لان مقر (الجاثليق: المرجع الاعلى) في منطقة (الاكواخ) التابعة لـ (قطيسفون: المدائن: جنوب بغداد الحالية)، التي تُعتبر عاصمة العراق وبنفس عاصمة الامبراطورية ومقر الملك الفارسي! وقد توسع النشاط التبشيري للكنيسة العراقية في داخل ايران نفسها واعتنق المسيحية العديد من النبلاء ومن العائلة المالكة الساسانية. بل حتى احدى زوجات (الملك شابور) المسماة (واسطاسا) التي تم اعدامها. (11) كذلك (إفراهاط الحكيم الفارسي: 270ـ 346م) الذي عاش في (اربيل) وتحول من المجوسية الى المسيحية، ودون كتبه الروحية بالسريانية. لقد نشر المبشرون من (بلاد النهرين) مسيحيتهم في عموم آسيا، ولا زالت الكنائس السريانية في مدن الهند (كيرالا ومالانكار). وكذلك بواسطة (مدينة الحيرة) نشر المبشرون المذهب المسيحي النسطوري في عموم الجزيرة العربية حتى اليمن. (12)

الاضطهاد الاربعيني واعدام (الجاثليق : المرجع المسيحي الاعلى)! (13)

كالعادة، منذ نهاية بابل في القرن السادس وحتى الآن، فان العراق ارض للنزاع بين قوتين متنافستين لاحتلاله، اولهما ايران والثانية (بيزنطة، الاناضول أي تركيا). وقد بدأ اضطهاد المسيحيين في العراق بسبب اعلان الامبراطور الروماني قسطنطين تبنيه للمسيحية في عام 312 م. وهذا ما زرع الخوف لدى الملك الساساني (شابور الثاني 309 – 379)، من تعاطف المسيحيين مع خصمه الروماني الذي يحتل الشام والاناضول وباقي المتوسط. فقرر، بدفع من الكهنة المجوس، فرض (جزية) باهضة على المسيحيين، والحجة الرسمية العجيبة: (لأنكم ساكنون في ارضنا وموالين لمذهب عدونا القيصر)!؟ (14) ولما رفض (الجاثليق مار شمعون بر صباعي)، الترجمة الحرفية: (المرجع السيد سميع بن الصباغ). واصله من (ميسان)جنوب العراق، تم قطع رأسه (رغم ان عمره يتجاوز 100 عام) مع 109 مع كبار القسس، في يوم1 نيسان من عام 341م. واعتبرت الكنيسة ذلك (يوم شهداء المسيحية). وقد استمرت المجزرة حوالي اربعين سنة حتى وفاة (الملك شابور الثاني). وحسب المصادر المسيحية فأن عدد الشهداء بين 10000-16000 من المسيحيين في العراق وباقي انحاء الامبراطورية. وكان بينهم العديد من الشهيدات القديسات، ومن اشهرهن اخوات (المرجع شمعون): (طربو واختها وخادمتها) اللواتي تم الحكم باعدامهن من قبل (زوجة الملك) التي اتهمتهن بسحرها والتسبب بمرضها، انتقاما لأخيهن الشهيد. فأمرت بتقطيع جثثهن وتعليقها في الطريق الذي تسير فيه كي ينتهي السحر! بالاضافة الى الكثير من الشهيدات القديسات، مثل: (تقلا، ماما، مزَحيا، وحنة.. وغيرهن..) من مختلف مناطق العراق. (15)

وكان القمع اشد ضد المجوس الذين كانوا قد اعتنقوا المسيحية، امثال الشهداء: (افراهاط الحكيم)، و(طهمزكرد) المسؤول العسكري وجلاد مسيحي كركوك. و(الشهيد كوشتازاد) رئيس حجاب الملك. وطبعا العقاب اشد ضد المسيحيين الذين كسبوهم للدين. (16)

ان تراكم حملات الاضطهاد هذه وما خلفته من كوارث، خلقت ادبا سريانيا عراقيا مكرسا لسرد سير الشهداء والاحتفال السنوي بذكراهم. ومنها سادت تسمية على (كنيسة بلاد النهرين): (كنيسة الشهداء). ومن المعقول ان هذا التراث المسيحي العراقي الاستشهادي، قد استمر بصورة او اخرى في تراث (الشيعة) المعتمد على تقديس شهداء كربلاء وباقي الائمة.

ـ إلديانة المانوية، وإعدام النبي (ماني البابلي):

المانوية -أو المنانية كما ذكر ابن النديم في الفهرست - ديانة تنسب إلى (ماني البابلي: 216ـ277م) المولود في مقاطعة (بابل) وسط العراق. كان من عائلة تنتمي لطائفة (الصابئة) او شبه مسيحية (الاحناف او الكسائية)، ثم تأثر بالبوذية بعد زيارة الهند، واعلن ديانته التي تجمع بين العرفانية والمسيحية مع فكرة تناسخ الارواح الهندوسية، وتعتمد (مبدأ المثنوية: ثنائية النور والظلام= الخير والشر= الروح والبدن). وقد قال عن نفسه في كتبه: (ماني حيا= manichaeis أي ماني الحي) وقد (بعثني الله الى بابل). والف عدة كتب جميعها باللغة السريانية، وزينها بنفسه برسوم ملونة تعبيرية (منمنمات). ولكن الكهنة المجوس قد ادركوا خطره على دينهم بسببه انتشاره السريع بين الناس من جميع الاقوام، في العراق، ثم في ايران وتركستان والهند حتى في الصين، مع شمال افريقيا واوربا. اخيرا حكم عليه الملك (بهرام) بالاعدام وعلق اجزائه على ابواب (مدينة العابات ـ جندشابور) في الاحواز (17)

(الاحواز) دورها المسيحي والعلمي باللغة السريانية!

بما ان (الاحواز ـ المحتلة من قبل ايران منذ 1925) جزء من السهل الجنوبي لـ (بلاد النهرين)، فانها منذ فجر التاريخ وحتى الآن، مرتبطة سكانيا وحضاريا بالعراق وبنفس الحقب التاريخية: 1ـ (الحقبة العيلامية) الشقيقة والمتداخلة مع (الحقبة السومريةـ الاكدية). 2 ـ (الحقبة المسيحية ألآرامية). 3 ـ (الحقبة العربية الاسلامية). وقد ظهرت فيها مدينة (جنديسابور)اهم مركز للحضارة السريانية، مسيحيا وعلميا، في الحقبة الساسانية وما بعدها.

بعد انتصار (الملك شابور) عام 259 م على (فاليران Valerianus) ملك (الروم البيزنط) في مدينة (انطاكيا) عاصمة (سوريا، وعموم الشام) ومقر (الكنيسة السريانية)، قام (الفرس) بأسر ملك البيزنط ومعه جيشه المتكون من اغريق وسوريين، وكذلك اسقف الكنيسة السورية (ديمتريان ـ Démétrianus) وألالاف من سكان انطاكيا من النخب الدينية والتعليمية. وتم نفيهم الى منطقة (الاحواز) جنوب العراق، وجعلهم يشيدون لهم مدينة على (نهر الكارون) اطلق عليها (جند شابور ـ معسكر شابور) ولكن اسمها السرياني (بيت لافات= العابات = بيت العيبة او الهزيمة)، وتقع الآن بين مدينة (ديزفول) شمال (الاحواز) و(محافظة ميسان العراقية). وقد استثمر (الفرس) ثقافة وعلوم الاسرى السوريون والاغريق بتشييد الكثير من المنشآت الهندسية مثل الخزانات والجسور، منها السد الضخم الذي لايزال قائما ويعرف بـ (سد الامبراطور) لان الامبراطور الاسير هو الذي اشرف على تشييده. (18)

مع الزمن اصبحت (اكاديمية جند شابور = جنديسابور ـ Academy of Gondishapur) مركزا للنشاط الديني المسيحي والعلمي باللغة السريانية بالاضافة الى الترجمة عن اليونانية. وفي سنة 489 م، هاجر اليها الكثير من اساتذة وحكماء (مدرسة الرها ـ شمال النهرين) ومقر الثقافة المسيحية السريانية، بعدما أغلقها الإمبراطور البيزنطي (زينون) لاعتناق أساتذتها المذهب النسطوري المرفوض. علما بأن (الفرس) في اول الامر قد رحبوا وشجعوا (المذهب النسطوري) في العراق والاحواز، لانه مخالف ومرفوض من مسيحية الدولة البيزنطية التي تحكم كل شرق البحر المتوسط (اليونان والاناضول والشام ومصر وشمال افريقيا). وتحولت (جندسابور) الى مركز ديني نسطوري اساسي مرتبط بمراكز (المدائن والحيرة والموصل)، وانتقل اليها الكثير من اساقفة الكنيسة النسطورية من العراق. وانشأ النساطرة فيها مستشفاً كبيراً (باميرستان)، ونشطت مدرستها خصوصا في مجالي الدين والطب. واستقبلت الكثير من العلماء والاساتذة اليونان والهنود والفرس. وفي عهد (كسرى ـ خسرو الأول 531-579 م) الذي كان معجبا بالثقافة الإغريقية تم الترحيب باساتذة مدرسة (اثينا) التي أغلقه (الامبراطور البيزنطي جستنيان). ومن الغريب ان هذه المدينة اصبحت ايضا مقرا لاشهر الاعدامات وقطع اعناق الزعماء الدينيين من بلاد النهرين، ومنهم (النبي ماني البابلي: اعدم عام276 م ) واسقف عموم كنائس النهرين (مار شمعون بر صباعي : اعدم عام 344م). (19)

وقد استمرت النشاط المعرفي السرياني لهذه المدينة الاحوازية السريانية، حتى الدولة العباسية حيث بدأ يضعف نشاطها بسبب هجرة العلماء والاساتذة الى (بغداد) التي اصبحت مركز المعرفة في العالم الاسلامي.

من الاطباء الاحوازيين السريان الذين اتو من (جندسابور) وخدموا في (دمشق) لدى الخلفاء الامويين (أمية ابن أثال) و(أبا الحكم) و(حكمًا الدمشقي) و(تياذوق). اما في الحقبة العباسية، فبرز في بلاط الخلفاء في (بغداد)، اطباء نساطرة من الاحواز، امثال (جورجيس بن بختيشوع) وبعده ابنائه (جرجيس وجبريل). ثم تلاميذهم (إبراهيم) و(سرجيس) و(عيسى بن شهلانا) و(بختيشوع بن جبريل) و(سابور بن سهل)، والطبيب والحكيم الشهير (يوحنا بن ماسويه)، و(دهشاك) وابن اخيه (ميخائيل)، و(عيسى بن طاهر بخت)، وغيرهم الكثيرون من علماء الاحواز المسيحيين السريان. (20)

3ـ المقاومة السياسية: (دولة الحيرة، حامية المسيحية)، وإنتصار (معركة ذي قار)! (21)

نشأت هذه الدولة التابعة للامبراطورية الساسانية، في (مدينة الحيرة ـ بمعنى الحارة بالسرياني)، على الفرات بمحاذات (الكوفة والنجف) وقريبة على (بابل) القديمة. وقد شمل سلطانها تقريبا جميع جنوب غرب العراق. وسكانها مزيج من الآراميين (العباد) والعرب (المناذرة التنوخيين)، ولكن السريانية كانت لغتها الرسمية. وقبل انتشار المسيحية فيها، كانت مركزا اساسيا لـ (الديانة المانوية البابلية)، ثم اصبحت مركزا للمسيحية، بعد (المدائن). ومن اشهر ملوكها (النعمان بن المنذر) راعي المسيحية وابنته (هند) التي اصبحت راهبة وشيدت ديرا خاصا بالنساء قرب النجف. واشتهرت بكثرة كنائسها واديرتها التي بلغت العشرين. واستقر فيها الكثير من زعماء المسيحية هربا من الاضطهاد الفارسي. اما مقبرتها فقد دفن فيها العديد من كبار الكهنة والقديسين. وقدمت الحيرة كذلك الكثير من المبدعين في الفترة العباسية، امثال الطبيب والمترجم المسيحي (حنين بن اسحاق العبادي: قرن 9 م)، ثم ابنه (إسحاق بن حنين) وابن أخته (حبيش بن الأعسم). (22)

ـ معركة ذي قار

وكان سببها أن (الملك كسرى) قد غضب على ملك الحيرة (النعمان بن المنذر) وكان مسيحيا نسطوريا، لانه رفض تزويجه ابنته ( هند) فسجنه واعدمه في حدود 609م. بعدها رفض (هانئ بن مسعود الشيباني) امير (بنو شيبان وبنو بكر) الذين يقطنون بين (البصرة وذي قار)، تسليم ودائع وعائلة (الشهيد النعمان)، فبعث اليهم (كسرى) جيشا لمعاقبتهم، وجرت المعركة (في منطقة ذي قار)، وانتهت بانكسار الجيش الساساني وانتصار اهل العراق المسيحيون. علما بأن السيدة (هند بنت النعمان) قد ترهبت في دير مسيحي شيدته (بين الحيرة والكوفة)، واصبحت شخصية معروفة بين العرب كشاعرة وقديسة. وبعد الفتح الاسلامي، اعتذرت عن الزواج من قادة المسلمين الذين طلبوا يدها.

علما بأن (معركة ذي قار) قد جرت قبل الفتح العربي الاسلامي ببضعة سنين، وهي التي منحت الثقة للعرب بامكانية محاربة الفرس والانتصار عليهم، ومهدت لـ (معركة القادسية: 636 م)، اللتي انهت تماما الاحتلال الفارسي، على يد الجيش العربي الاسلامي وحلفائه من اهل العراق، عرب وسريان. (23)

 

سليم مطر

..............................

المصادر والملاحظات

 (1) ـ عن الوضع زمن الساسانيين:

- كريستنسن، آرثر - ايران في عهد الساسانيين - ص 22– 23- 162 - دار النهضة - بيروت.

ـ تاريخ الكنيسة السريانيةـ جزء اول ـ الاب البير ابونا ـ ص 22ـ27 ـ دار الشروق ـ بيروت 1996

 (2) ـ حول تنوع الاقوام التي يتكون منها الجيش الساساني:

ـ كانت فيه فرق عسكرية من مختلف الاقوام الخاضعة للامبراطورية، وكل فرقة تتكلَّم بلغتها، وتقاتل بأسلحتها وتتبع أساليبها الحربية الخاصة» (*). و«من السجستانيين، وفرق من الأمم الجبلية المختلفة في القوقاز» (**). و«كان يردف الجيش الإيراني وحدات من المرتزقة سوادهم من الأرمن» (***). وكذلك المرتزقة من البحارة اليونان والفينيقيين (****). ويذكر الطبري، ان هنالك كتيبتان من العرب يقودها ملك الحيرة. (*****).

 (*)ـ ديورانت، ول وايريل، قصة الحضارة، المجلد الأول، الجزء الثاني، ص 417، دار الجيل، بيروت، 1408هـ- 1988.

 (**)ـ كريستنسن، آرثر، إيران في عهد الساسانيين ، ص 199.

 (***)ـ بروى، إدوار، تاريخ الحضارات العام، المجلد الثالث، ص56، نقله إلى العربية يوسف اسعد داغر وفريد داغر، منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط 1994، 3

 (****)ـ المرجع نفسه

 (*****)ـ الطبري، تاريخ، المجلد الأول، ص 405.

 (3) ـ عن اصل تسمية السريان، هنالك دراسات كثيرة عربية واجنبية. من بينها دراسة مهمة ومفصلة يطرح فيها الباحث (اسعد صوما) احتمالات عدة عن اصل تسمية (سريان)، منها، من اسم (سوريا)، او من اسم (مدينة صور) اللبنانية لان المسيحيون الاوائل قدموا منها الى شمال النهرين: طالع: اسعد صوما: من هم السريان: مجلة الملحدين العرب: منشورة كاملة في الانترنت:

 (4) ـ عن الآرامية ـ السريانية، وتأثيرها وانتشارها، طالع: كتاب مهم ودراسي مفصل:

اللغة الارامية واثرها في اللغتين العربية والفارسية/ مازن محمد حسين واياد محمد حسين: مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية / بغداد/ وهو ايضا موجود كاملا في الانترنت:

ويبين فيه المؤلفان انتشار الابجدية الارامية بين الكثير من لغات العالم ومنها الفارسية والهندية والتركية القديمة. كذلك كيف ان الكثير من الكلمات العربية، التي احتسبتها القواميس بانها من جذور فارسية، هي بالحقيقة (سامية ـ سومرية). مثل: آجر، ارجوان ، انجانة، اوزة، ايوان، بارية، بستوقة، تخوم، جاموس، جص، خان ، زنبيل.. وغيرها الكثير..

 (5) ـ عن تاثير السريانية في الفارسية البهلوية، طالع كتاب: ايران في عهد الساسانيين/ ارثر كريسنر/ ص 35 و67 و411

ـ كذلك: الموسوعة البريطانية britannica: Pahlavi alphabet

https://web.archive.org/web/20190330132108/https://www.britannica.com/topic/Pahlavi-alphabet

ـ كذلك موسوعة طهران بالفرنسية:

-Petite histoire de l’écriture en Iran/ Revu TEHRAN/ Arefeh Hedjazi

http://www.teheran.ir/spip.php?article1694#gsc.tab=0

كل الاثار التي وجدت بهذا الخط البهلوي، هي عبارة عن نقوش متفرقة على (النقود)، و(الأواني)، وجرافيتي، والعديد من المنتجات الحرفية. وكذلك كتب الزرادشتية الموسعة بالفارسية الوسطى.

ـ يذكر الباحث الايراني في جامعة طهران، (محمود جعفري دهقي) في كتابه: «دلیل النقوش الفارسية الوسطی (البهلوية الساسانية)»: انها كل ما تم العثور عليه من الكتابة البهلوية هي نقوش منتثرة: (مثل نقش رستم في كازرون ومعبد زرادشت في سرمشهد كازرون واقليد وبيشابور وكرمانشاه ورادكان في كركان وفي القوقاز وحتی الصين...كتبت من قبل الملوك والقادة وكذلك التجار والمسؤولين واخيرا النقوش الموجودة علی شواهد القبور.

 (6) ـ طالع مثلا كتاب:

ـ ارثر كريستن ص 131، يؤكد ان كتاب المجوسية قد دون في القرن التاسع م، اي بعد الاسلام بثلاثة قرون.

كذلك ـ خرافة الوحى والنبوة والتوحيد فى الديانة الزرادشتية/ د. خالد كبير علال/ص 17ـ 19

عن احتقار الفرس للكتابة، يقول المؤرخ (ايفار ليسنرIvar Lissner) في كتابه المعروف والمترجم (الماضي الحي): ان الفرس كانوا ينظرون الى الكتابة على انها مهارة لا تليق بالرجال، إذ كانت الحرب والصيد والحريم اهم في نظرهم من الكتابة... وان ما يسئ الى سمعتهم هو ان يحطوا بأنفسهم الى درك وضع مؤلفات ادبية. ولهذا فانهم لم يخلفوا لنا سجلات مكتوبة ذات شان (ص 124)

ـ طالع كذلك: ايران في عهد الساسانيين (مصدر سابق): ص 400 و407 و413

 (7)ـ حول انتشار التعليم بواسطة الكنائس، طالع كتاب:

ـ ايران في عهد الساسانيين/ مصدر سابق ـ ص 35 و411.

حتى تاريخ الساسانيين اعتمد على مصادر سريانية:

ـ نفس المصدر السابق ـ ص 67

لمزيد من الاطلاع على تاريخ الادب السرياني في العراق وفي الشام، طالع كتاب:

ـ تاريخ الادب السرياني/ روبس دوفال ـ ترجمة لويس قصاب / بغداد 1992

ـ كذلك: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية/ مصدر سابق

منذ القرن الرابع م ظهرت اسماء لامعة في مؤلفات الادب السرياني، ومن اشهرهم: (أفرام السرياني، وبرديصان). وانوجدت في العراق، اكثر من خمسين مدرسة صغيرة وكبيرة، مثل مدارس: (الرها ونصيبين ـ شمال النهرين) و(جندشابور ـ الاحواز ) وقنسرين (سوريا). وفيها يدرس اللاهوت والفلسفة وعلوم الطب والفلك والفيزياء والرياضيات والطبيعيات والتاريخ والآداب وغيرها.

 (8) ـ عن انتشار المسيحية بين نبلاء الفرس:

ـ ايران في عهد الساسانيين (مصدر سابق):399 و410

ـ من الطريف، ان الدولة الفارسية قد ساهمت بصورة غير مقصودة بنشر المسيحية في انحاء الامبراطورية، من خلال سبي الجاليات المسيحية السورية في انحاء الامبراطورية. طالع كتاب:

ـ تاريخ الكنيسة السريانية ـ البير ابوناـ ص23 ـ 24

ـ كذكلك عن ضعف المجوسية وانهيارها قبل الاسلام: طالع: نفس المصدر السابق: ص431

 (9) ـ عموما تسمى (كنيسة المشرق، او كنيسة بلاد النهرين Mesopotamia). لكن من المظالم والتشويهات الكثيرة التي يعاني منها تاريخ العراق، ان بعض المؤرخين الاوربيين وبدوافع عنصرية (آرية وصهيونية)، يستخدمون تسمية (كنيسة فارس، ومسيحيوا فارس)، لمجرد ان العراق كان خاضعا لامبراطورية الفرس!!؟؟

اما فروع هذه الكنيسة وتسمى (الابريشات)، فقد انتشرت في انحاء (النهرين) كالتالي:

1ـ (كنيسة سالوقيا ـ المدائن)، وهي الكنيسة العليا (البطريكية) ومقر (الجاثليق ـ المرجع الاعلى). وتتبعها عدة كنائس رئيسية: 2ـ (تكريت) وبلداتها. 3ـ (حدياب ـ اربيل) بلدات الزابين الأعلى والأسفل.4ـ (بيث عرباي ـ الموصل) وبلداتها. 5ـ (كرخ-سلوخ ـ كركوك)، 6 ـ (كشكر ـ الكوت) وبلداتها .7ـ (حيرتا ـ الحيرة). 8ـ (ميشان ـ ميسان) وبلداتها. 9 ـ (ابلة ـ البصرة) وبلداتها. 10 ـ ( بيث حوزاي ـ الاحواز) وبلداتها.

 (10) ـ عن اساقفة العرب، راجع كتاب:

ـ حقائق الاسلام ـ عباس العقاد ـ ص 41.

 (11) ـ عن حادثة اعدام شابور لزوجته المسيحية، طالع كتاب:

ـ تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ـ الاب البير ابونا ـ ص 22.

 (12) ـ عن افراهاط الحكيم الفارسي، طالع:

كتاب : أفراهاط الحكيم الفارسي/بولس الفغالي/ دار المشرق/ بيروت 2002

كذلك:

  1. Duncan, Baptism in the Demonstrations of Aphrahat, Washington, 1945

 (13) ـ حول الاضطهاد الاربعين: وقد ذكر المؤرخ السرياني (ماري بن سليمان)، ان الملك (شاهبور) خلال ما اطلق عليه (الاضطهاد الاربعيني) الذي دام اربعين عاما في القرن الرابع م، قتل حوالي مئة وستين الف في بلدات شمال العراق، واكثر من ثلاثين الف في بلدات الفرات.

عن كتاب: أدب اللغة الآرامية/ ص 413/ الأب ألبير أبونا

وقد اكد المؤرخ البغدادي العباسي (المسعودي) هذا الرقم (التنبيه والاشراف ص149).

كذلك طالع كتاب: شهداء المشرق / الأب ألبير أبونا جزء اول/ ص 105 - 137.

 (14) ـ كان نص رسالة (شابور الثاني) الى حكام بلاد النهرين: ( حالما تتلقون هذه الرسالة تلقون القبض على شمعون رئيس النصارى، ولا تخلوا سبيله الا بعد ان يوقع على توقيعه على صك فيه يتعهد بأن يجبي ويدفع جزية مضاعفة من الشعب المسيحي الساكن في اراضينا وتحت سلطتنا فنصيبنا نحن الالهة متاعب الحروب، ونصيبهم الراحة والرفاهية. انهم ساكنون في ارضنا ولكنهم موالون لمذهب قيصر عدونا...)

كان جواب (مار شمعون): (اني اسجد لملك الملوك واحترم امره قدر استطاعتي. الا ان ما يقتضيه مني امره ، فانه ليس من شأني ، كما تعلمون حق العلم، ان اطالب شعب المسيحي بجزية. لان سلطتي ليست على الامور المنظورة بل على غيرالمنظورة، ما يقتصيه الايمان وتعليمك الحق......)

من كتاب :شهداء المشرق ـ جزء اول ـ الاب البير ابونا ، ص 107

وهنالك مؤلفات عديدة لـ (مار شمعون): صلوات كنسية وتراتيل، وكتاب (كتاب الآباء) الذي ترجمه الى الالمانية المستشرق (ساخاو) ونشره في برلين عام 1885.

طالع : رايت،الوجيز في تاريخ الادب السرياني .دهوك،دار المشرق الثقافية،2012 ص27

عن دراسة للباحث (فؤاد يوسف قزانجي) بعنوان: الجاثليق شمعون بر صباعي

https://www.ishtartv.com/viewarticle,53726.html

كذلك ـ تاريخ الكنيسة السريانية ـ مصدر سابق ـ ص 35 ـ 44

 (15) ـ عن استشهاد النساء القديسات، طالع كتاب:

ـ سبستين برك / قديسات وملكات/ دار قدمس/ حلب 2000

ـ ايران في عهد الساسانيين ـ ص 252 ـ 253

 (16) ـ لازالت في كركوك كنيسة خاصة بشهداء تلك الحقبة، اسمها ( الكنيسة الحمراء):

https://www.qenshrin.com/church/church.php?id=637#.Xf9l2UdKhRY

كانت كركوك تُسمى باسم (كرخ سلوخ ـ قلعة السلوقيين ـ اليونان ـ) . وقد شيدت فيها الكنيسة عند مقبرة (طهمازكرد) وهو القائد المجوسي الفارسي، الذي قام باعدام عدة الاف من مسيحي كركوك وضواحيها. لكن معجزة حصلت جعلته يعتنق المسيحية هو وجنوده، فتم اعدامه مع انصاره واصبح قديسا شهيدا. طالع كتاب:

ـ تاريخ الكنيسة السريانية/ ص74 ـ مصدر سابق.

 (17) ـ عن المانوية طالع:

ـ درساتنا المفصلة المنشورة في كتابنا (الذات الجريحة) ص258ـ269:

يمكن مطالعته ايضا على هذا الرابط: http://www.salim.mesopot.com/images/stories/books/pdf/that_5.pdf

ـ هنالك شهادات سريانية تتحدث عن (ماني) بأنه يرتدي سروالا واسعا أصفر اللون وعباءة زرقاء وبيده عصا طويلة من الأبانوس، متأبطا على الدوام كتاب خطه بنفسه باللغة البابلية (وهي الأرامية المشرقية في ذلك الوقت) جميع كتبه بالسريانية، ولكن يعتقد بلا تأكيد، انه قد الف ايضا كتابا في مدح شابور الأول بالفارسية البهلوية. طالع:

Mani: a religio-historical description of his personality. By L. J. R. Ort. Leiden, E. J. Brill, 1967. pp. 123–124.

 (18) ـ عن عمليات السبي والتهجير نحو الاحواز، طالع كتاب:

ـ ايران في عهد الساسانيين: ص 115و 203 (وكان الاسرى اما يباعون كرقيق، او يتم سبيهم الى اماكن بعيدة).

كذكل ـ تاريخ الكنيسة السريانية ـ ص 22ـ24

 (19) ـ عن نشاطات (جنديسابور) العلمية:

ـ تاريخ الادب السرياني ـ ص 287 ـ روبنس دوفال (مترجم) ـ بغداد 1992

ـ ايران في عهد الساسانيين: ص 407

 (20) ـ عن اطباء جندسابور في العصرين الاموي والعباسي، طالع كتاب:

تاريخ البيمارستانات في الاسلام ـ احمد عيسى ـ ص 41 ـ 45 ـ القاهرة 2012

كذلك: ـ تاريخ الادب السرياني ـ ص 288 / مصدر سابق

ـ كذلك :

- Roshdi Rashed (dir.), Histoire des sciences arabes, vol. 3 : Technologie, alchimie et sciences de la vie, Seuil, 1997

ـ من الامثلة الكثيرة على سؤ الفهم الحاصلة في تاريخنا العربي الاسلامي في العراق والاحواز، ما يخص احد علماء الاحواز المشهورين (نوبخت المنجم) ومن بعده ابنائه العلماء الذي ولدوا في بغداد. ان (نوبخت) الاحوازي، قد يصح ان اصله فارسي ومجوسي من الفرس المستوطنين في الاحواز، ولكن من الخطأ الاخذ حرفيا بقول (ابن النديم) في (فهرسته: ص 274) بأن (نوبخت) قد ترجم كتبه من الفارسية! فالمؤكد تاريخيا وحتى الآن اننا لم نعثر على كتاب واحد باللغة البهلوية ( لغة الفرس الساسانية قبل الاسلام)، وان الفارسية (بعد الاسلامية) لم تدون ويتم التأليف بها الا حوالي القرن الرابع هجري، وبدأت خصوصا مع (كتاب الفردوسي : الشاهنامة ـ حوالي 300 هـ). والتفسير الوحيد لسوء فهم (ابن النديم) يعود الى انه قد كتب فهرسته في القرن الحادي عشر، أي بعد اكثر من ثلاثة قرون على وفاة (نوبخت)، وبالتالي فأنه يجهل تاريخ (اللغة البهلوية)، وان (السريانية) هي التي كانت لغة الثقافة والعلوم في (الاحواز) كما في باقي (العراق)، وهذا يعني يقينا ان (نوبخت) قد ترجم كتبه من السريانية وربما اليونانية ايضا.

 (21) ـ عن الحيرة:

- Yasser Tabbaa; Sabrina Mervin (28 July 2014). Najaf, the Gate of wisdom. UNESCO. p. 162

- Janine et Dominique Sourdel, Dictionnaire historique de l'islam, Éd. PUF

ـ عن اهمية (الحيرة ودولة المناذرة، وكذلك الانبار)، طالع كتاب : تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ/ 273ـ295 / الفريد لويس دي بريمار‎ـ دار الساقي

ـ يذكر هذا الكتاب (ص282) ان المصادر السريانية في ذلك الوقت، (منها المؤلف جرجيس الرشعيني 680م)، اطلقت على (الامام علي) لقب (امير الحيرة)، علما بأن (الكوفة عاصمة علي) جوار (الحيرة).

ـ كذلك يذكر الكتاب (ص293)ان (الحيرة) قد بقيت مسيحية، بما فيها من قبائل عربية، عدة قرون بعد الاسلام. كم يذكر ذلك كل من الجاحظ واليعقوبي في القرن التاسع م .

ـ وفي ص 284 يذكر ان (قصائد المعلقات) لم تكن في الكعبة، بل في (الحيرة) حيث كان الملك (يعلق القصائد المخترة في مكتبته)!

 (22) ـ من كبار الاساقفة المسيحيين الذي دفنو فيها: داد يشوع (456)، بابوي (484)، آقاق (496)، حزقيال (581)، ايشوعياب (595)، كوركيس (681) وإبراهيم (850).

 (23) ـ عن معركة اعدام (النعمان)، و(معركة ذي قار)، طالع كتاب:

ـ ايران في عهد الساسانيين/ مصدر سابق / ص 435

ـ كذلك كتاب:

Landau-Tasseron, Ella. "ḎŪ QĀR". ENCYCLOPÆDIA IRANICA. Retrieved 8 January 2012

وقد ذكر اخبار هذه المعركة العديد من المؤرخين القدماء، راجع مثلا:

ـ معجم البلدان: ص 7 ـ 9 وما يليها. كذلك 3: 1024

ـ التنبيه والإشراف، ص241.

ـ اليعقوبي 1/ 184 وما يليها.

ـ تاريخ الطبري 2/ 193ـ 208 وما يلها.

ـ العقد الفريد 3: 383 وما بعدها

 

حسيب الياس حديدبقلم أج ليمت

ترجمة الدكتور حسيب حديد

وضعت الوثائق التي تركتها لنا الادارة السومرية في اور الثالثة تحت تصرف الباحثين معلومات حول الحياة الاقتصادية في تلك الفترة. ولدينا اقتباس من هذه الارشيفات لاشارات عديدة حول أسعار المعادن والعطور والسلع والبضائع الاخرى وكذلك حول نشاط  رجال التجارة (dam. gar). ومن ناحية اخرى، ندرك جيداً المشكلات الاساسية للاقتصاد السومري : نقص الاخشاب الخاصة بالبناء والاحجار والمعادن ووفرة الحبوب وازدهار الرعي وتربية الحيوان. وليس من المجدي حقاً العودة إلى هذه المسائل ثانياً ويكمن هدفي هو التحقيق لفترة محددة من العموميات المسموح بها ومعرفة فيما اذا كانت تعكس الحقيقة والتحقق من مناظير معينة. وبصورة خاصة، هنالك نقطتان ينبغي تفحصهما:

1-  التمييز بين السلع التي تمثّل الحاجات الاساسية، السلع المفيدة والسلع الترفيّة.

2- حجم التجارة واخلاقياتها.

في الحقيقة ليس بالامكان اجراء مقارنة بين قيم المجتمع السومري وطرائق حياة بابل مع ما موجود لدينا. كما ان  خططنا النظرية لاتعدّ تطبيقاً. ولفهم آلية التجارة السومرية الحديثة وينبغي بذل المزيد من الجهود لاظهار الدوافع الاجتماعية والبيانات الجغرافية. ونبدأ من الفكرة الجوهرية : ان كل مجتمع لكي يتمكن من الاستقرار في مكان محدد لابد من الاكتفاء بالمواد الاساسية من الغذاء والمأكل والملبس والمسكن. فإذا لم تستطع أن تتغلب على المشكلات التي تجابهها فلابد أن تتحرك للبحث عن طرائق للعيش والوسائل الكفيلة بذلك. هذا من جهة ومن جهة أخرى، يعمد الناس في هذه المرحلة الى البحث عن الراحة وتحسين ظروف العمل وخاصة تشجيع التجارة والتبادل التجاري.

كما هو معروف كان لدى  للسومريون ما يكفيهم من الغذاء ويسد حاجتهم. ويعتمد الغذاء لديهم على الشعير بالدرجة الاولى (še) مع وجود كميات من القمح (gig) وحنطة النشاء (ziz). ويتم استهلاك هذه الحبوب باشكال مختلفة : الطحين والخبز وغير ذلك وهذا ليس موضوع دراستنا. وتعزى وفرة هذه المنتجات إلى الري الواسع الذي يتطلب عملاً دؤوباً فأن الكميات كبيرة والمجاعة نادرة. ونلاحظ منذ البداية ان الخطة مختلفة  من الناحية التجارية كما هو متّبع في التجارة الاتينية (أي في أثينا) القديمة ولكنها تشبه الطريقة المتبعة في اوربا الغربية في العصر الوسيط.

وتشكّل الخضراوات والتوابل كمية لا يمكن تجاهلها. ففي بعض المجالات في لكش نجد زراعة القمح والحمّص والعدس وكذلك الخردل (gazi) وأنواع عديدة من الكمون ونباتات عديدة. وسوف نلاحظ مقارنة مع فترات سابقة هناك (úše.l) موجودة بكثرة وهناك تطور كبير في الذوق المطبخي. ونجد في الغالب مصطلحات سامية موجودة  يتردد حولها الكتبة السومريين zi- bi-a-num/ zi-bi-tum ربما تشير إلى صفة حضارية غربية. وقد اعتاد السومريين على زراعة أنواع عديدة من النباتات المعطّرة في حدائقهم ويعد هذا المجال مستثنى من التجارة. ويبدو هناك أشجار النخيل وبساتين العنب التي تجهز بانتاج كبير واستهلاكها واضح حتى يومنا هذا الا ان ذلك لم يكن يشكّل الغذاء المعتاد.

أما الحاجات التي كانت تتطلب الزيوت فأنها كانت تعتمد على الزيوت النباتية السمسم (I.giš) وشحم الخنزير (i-šah) وزيت السمك (i- ku6) يضاف إلى ذلك منتجات الحليب والاسماك. أما بالنسبة لاستهلاك اللحوم فأنه واضح تماماً ولكن بصورة نادرة. وبنفس الاتجاه تقتبس النصوص مواد دسمة كثيرة تثير هي الاخرى مشكلات مثل المشكلات التي تثيرها الفواكه.

ومع ذلك. وكما هي الحال مع جميع العصور وحتى التاريخ القريب لا نعرف تماماً ما يقدمه الانتاج الخاص للفلاحين : خضراوات من حدائق وبساتين صغيرة والزواحف والصيد البري والبحري الذي كان مصرحاً به. وتدل هذه الاشياء على الاقتصاد ولكن لم يكن من المؤكد وجود استيرادات. وينطبق ذلك على الملابس حيث كانت هناك ورش (ومحلات) خاصة بالنسيج وفي الغالب كانت النساء هن اللواتي كنّ يعملن  في (الخياطة) أو النسيج.

يعتمد النظام الاقتصادي وبدرجة كبيرة على اعادة توزيع العوائد وبصورة خاصة يستفيدون من (šguru) و (gemé). أما نظام الرواتب فقد كان قائماً بصورة فعلية اذ تم تنظيم الرواتب بموجب سلّم يعتمد على الدرجات الوظيفة. أما النشاط التجاري فكان يزاوله الذين تتجاوز مدخولاتهم حاجاتهم والحركة التجارية كانت محلية. وطبقاً للوثائق الموجودة من نفر (نيبور) والتي نشرت أصبحنا على بنية من شراء العبيد والحيوانات والبيوت والحدائق. وهناك مفردات كثيرة تدل على ذلك مثل (šàm) (يشتري) (ni- šam) (سعر الشراء). وكان لهذه التجارة تأثير على الاحداث السياسية مثلما حدث عند سقوط (lbbi- sin) وهناك تأثير أيضاً على تنوع الانتاج في خضم ما نطلق عليه بالاقتصاد الجزئي (micro- économie).

وفي فترات معينة – مثل اور الثالثة -  ولاسباب لم يتم تحليلها بصورة جيدة تمتعت المنطقة بازدهار سمح لها بالكثير من التنمية والتطور. وفي تلك الفترة كانت التجارة العامل المهم حيث كان يتم الاتّجار  مع الدول المجاورة وحتى الدول البعيدة جغرافياً حيث كانت تزود بالاحجار والمعادن والعطور والتوابل. أما آليات هذا النوع من الاقتصاد المعروف بالاقتصاد الكلي (macro- economie) الذي كان يضم منطقة (الشرق الاوسط) فأننا لا نعرف الكثير عنها. أما بالنسبة للاسعار فكانت تتم حسب ما كان سائداً وطبقاً لمعايير نجهلها. وعلى سبيل المثال في ديلمون (Dilmun) كان يؤمها السومريين في الفترة قبل السرجونية وكانت تربطها علاقات وطيدة مع السومريين في اور الثالثة.

أما فيما يتعلق بالاستيرادات نجد ان القائمة تتضمن المعادن : النحاس بالدرجة الاولى والقصدير الذي لم يعد من الاحجار الكريمة منذ فترة أكد. فقط كان النحاس شايع الاستعمال حيث  كانوا يصنعون منه الادوات الزراعية والاسلحة. أما القصدير فقد بقي سعره مرتفعاً وهناك مواد مصنوعة من البرونز تبقى جزءاً من "الكنوز". كما كانوا يستوردون كميات من الكحل. (su- gan).

أما من المنتجات الضرورية فهو القار ومشتقاته علماً ان مصادره الرئيسة موجودة في هيت وعلى الفرات الاوسط وفي الشمال في منطقة كركوك. ومن بين المشتريات والمواد الضرورية الجص الذي يستعمل للبناء ويستعمل أيضاً للتلوين. وهناك أيضاً أنواع من الخشب لم يكن بالامكان معرفة أنواعه وليس من المستبعد أن انواع من الخشب يتم جلبها من المناطق المجاورة بدون أية صعوبات علماً ان مصادر الخشب في بلاد سومر كثيرة. ومن المواد المهمة التي تدخل في التجارة هناك العطور والاخشاب النفيسة غير القابلة للعفونة وغالية الثمن. وسوف نجد أيضاً التجارة مع أماكن أخرى ويتعلق الامر بالمواد الترفيّة.

ونود هنا ان نحلّل بعض الحالات الخاصة. أولها الملح حيث كان يتم استيراد (11) درخمة (مينا) وأحياناً (17) مينا ولم يتم حساب الا كميات محددة. ولم نعرف الملح الا على شكل "طابوق" (Sigs) أي قوالب ولم يتم ذكر الملح ضمن التوابل. والملح المعروف لدينا لم يدخل ضمن الاستعمالات المطبخية من قبل عامة الناس حيث كان يستبدل عادة (الكالين) المتأتية من النباتات (naga). (naga.si.e). ونؤكد على وجود الغذاء المعتاد للسومريين مثل الخبز والزيت النباتي والبصل ويقال الشيء ذاته حول العسل (làl) الذي كان يستعمل بدلاً من السكر الذي يشتق من قصب السكر في الوقت الحاضر. ومن المحتمل ان كلمة (làl) تعني "شراب" يشتق من الفواكه وبصورة خاصة من التمور التي كانت تشكل الحلوى، أما العسل أي عسل النحل فلم يتم ذكره الا بكميات قليلة ويبدو انه غالي الثمن عندما يتم جلبه من قبل التجار. وتعد الواح ماري أكثر وضوحاً من الواحنا حيث ان هذه الالواح تؤكد على ما يأتي: أن العسل يشكّل أحدى المواد المهمة المستعملة في الهدايا التي يبعثها كبار الموظفين واصحاب الدرجات في المناطق التي تقع شمال أو غرب ماري. (2) 

 

.............................

  1. Limet: Les schemas du commerce neo-Sumerien

المصدر:

  1. Limet: Les schemas du commerce neo-Sumerien

 

 

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (11)

الانحطاط ليس نفسية وذهنية وواقع، بل وقابلية، أي استعداد على قبول مختلف أصناف الرذيلة وتقديمها بالشكل الذي يلاءم «ذوق الجمهور». وهو ذوق منحط بالضرورة. وهو السبب الذي يفسر سر العدوى السريعة للطائفية التي أخذت بالتغلغل في دهاليز الرؤية السياسية في العراق، بما في ذلك دهاليز الحركات القومية الكردية. وهو واقع يمكن تفسيره بمعايير الانحطاط العام الذي غرست التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية جذوره الطائفية على هيئة «منظومة» تخترق كل مكونات الوجود المادي والمعنوي للعراق، بحيث حولت الدولة إلى سلطة، والسلطة إلى أجهزة قمعية، وأجهزة القمع والقهر إلى أسلوب لوجود «المؤسسات» التي لا تتعدى وظائفها أكثر من إعادة إنتاج الإرهاب الشامل. ولم يكن بإمكان هذه الحالة الدوام والاستمرار دون آلية ترافقها على مستوى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. وشكلت الطائفية نموذجها الأكثر «حنكة»، أي الأكثر تجسيدا لنفسية المؤامرة والمغامرة، التي أدت بدورها إلى صنع مستنقع الرخويات الهائل في العراق. وتتراكم هذه الرخويات الآن وتنمو بنماذج مختلفة لعل أكثرها خطورة وتدميرا هو الطائفية السياسية.

فإذا كان سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية يفترض من الناحية المنطقية، أن تأخذ القوى والأحزاب السياسية العراقية، على خلفية «نضالها التاريخي»، زمام المبادرة بالشكل الذي يجفف مصادر المستنفع الطائفي للماضي، فإننا نلاحظ العكس. بمعنى إننا نلاحظ تحولها من حالة المؤامرة الخفية والمغامرة الشرسة إلى «منظومة ديمقراطية» تجسدت بمبدأ وممارسة المحاصصة. وهي ظاهرة يمكن تبريرها جزئيا إلا انه لا يمكن الإقرار بها كمبدأ للدولة والحركة السياسية الداعية إلى فكرة الدولة الشرعية والحقوق المدنية.

إلا أن الواقع يكشف عن الانهماك الفعال في «ترتيب البيت العراقي» على أسس المحاصصة «الديمقراطية»، أي المحاصصة المبنية من حيث الجوهر على طائفية سياسية مغلفة لكنها كشفت عن مضامينها الفعلية مع مرور الزمن. وهي ظاهرة شكلت الحركة القومية الكردية احد مفتعليها ومؤيديها والداعمين لها.

فقد كان الهاجس القومي الكردي بعد «الرجوع إلى العراق» تجزئته الفعلية على أسس عرقية من اجل نيل أكبر قدر ممكن من الثروة، أي أن الهاجس فيه كان يعود لنفسية الغنيمة. وهو المضمون الخفي والعلني لفكرة الفيدرالية والحقوق القومية والمحاصصة السياسية والإدارية والمالية والتمثيل الداخلي والخارجي، باختصار في كل شيء. أي ليس الاشتراك في إدارة شئون الدولة على أسس المشاركة الاجتماعية والسياسية، بل على العكس، قلب الإدارة إلى «قيادة» مبنية على أسس «حقوق المحاصصة» الإقطاعية. وهو الخطأ الذي ساهم فيه بحمية بالغة إلى جانب الحركة القومية الكردية زعماء الحركات الشيعية السياسية والدينية وغذته بصورة غير مباشرة الطائفية السياسية السنية. وهو «المثلث» المكعب للخراب في العراق المعاصر الذي شكل «انتخاب» الطالباني رئيسا للجمهورية الرابعة احد مظاهره التعيسة.

فقد كان «انتخاب» الطالباني تكريسا للطائفية السياسية. وهو حكم لا علاقة له بأصول الطالباني الكردية، على العكس من ذلك. إذ أن منطق الديمقراطية والشرعية يفترض الكفاءة والانتماء الصادق والمصداقية الاجتماعية والإجماع الوطني المحكوم بتأييد الشعب ورغبته في انتخاب من تراه مناسبا لتمثيل وحدتها الوطنية. وترتبط هذه الحالة ارتباطا وثيقا بمستوى التطور الاجتماعي والسياسي. وإذا كان تحقيقها في ظروف العراق الحالية قضية غاية في التعقيد، فإن المهمة السياسية الكبرى لا تقوم في القبول بحالة التخلف والانحطاط، بقدر ما تفترض مواجهتها كما هي بمعايير البدائل العقلانية والمستقبلية. بينما كان «انتخاب» الطالباني يشكل من حيث مضمونه السياسي والاجتماعي خروجا على منطق الرؤية الديمقراطية وفكرة الرمز الوطني الجامع والأغلبية الاجتماعية والسياسية. ويمكن تفسير هذا الخروج باعتباره الثمرة المرة للطائفية السياسية.

وتستمد هذه الطائفية مقوماتها من الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية في العراق وبقائها ضمن معايير العرقية ونفسيتها. من هنا استعدادها للتلون بكافة الألوان بما في ذلك الطائفية الدينية منها والسياسية. الأمر الذي يجعل منها حركة تخريبية هائلة، بفعل تركبها من مكونات يصعب تراكمها في ظل التطور الطبيعي للحركة القومية.

إن احتواء الحركة القومية الكردية على استعداد لقبول القومية والعرقية والماركسية والطائفية والعلمانية والتدين، والتعاون مع مختلف الأطراف والقوى ومناهضتها، والتحول المفاجئ في الأقوال والمواقف والرؤية، ما هو إلا التعبير السياسي عن ضعفها البنيوي التاريخي والاجتماعي. من هنا خطورتها بوصفها حاملة لجرثومة الطائفية السياسية المركبة في العراق. ومن ثم استعدادها على تفعيل القوة التخريبية للطائفية السياسية. وبهذا المعنى أتكلم عن الخطأ التاريخي «لانتخاب» الطالباني رئيسا للعراق. «فانتخابه» لم يكن وليس بإمكانه أن يكون عاملا للتوحيد والوحدة كما يبدو للوهلة الأولى، بل على العكس من ذلك!

إن الوحدة الوطنية والوفاق الوطني والجامعة الوطنية ليست لعبة الوفاق السياسية ولا حتى المساومة السياسية بأفضل أشكالها، بل النتاج الموضوعي والضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية في عملية بناء الهوية الوطنية. وبالتالي فهي النتيجة المتراكمة في ما يمكنه أن يكون أيضا نوعا من«الإجبار» الشرعي للجميع على ممارستها والوقوف أمام نتائجها وتقبلها كما هي من اجل إعادة النظر فيها واستخلاص الدروس والعبرة منها. في حين لم يكن «انتخاب» الطالباني سوى لعبة خائبة لقوى مقهورة لم تعرف قيمة المواجهة العلنية للحرية ومستلزماتها واستحقاقاتها. من هنا كان «انتخاب» الطالباني فعلا يناقض فكرة الحرية والشرعية والإجماع الوطني بمعناه الاجتماعي والسياسي وليس بمعناه الحزبي الضيق. وضمن هذه المعايير يمكن اعتبار «انتخابه» لرئاسة الدولة فعلا تخريبا أيضا بالنسبة للوحدة القومية الكردية بمعناها الاجتماعي ومضمونها الوطني (العراقي). وذلك لما فيها من إثارة لتسوسها الداخلي مع ما يترتب عليه من إثارة للجهوية والعائلية والقبلية والعرقية فيها.

وقد كشف السنوات القليلة ما بعد سقوط الدكتاتورية وظهور إمكانية بناء الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي ومنظومة الحقوق المدنية هشاشة الحركات القومية الكردية من جهة، والثمن الباهظ الذي قد يدفعه الشعب الكردي نفسه جراء إتباعه لقوى لا تمثل في الواقع سوى تقاليد الإقطاعية والأغوات والدكتاتورية الصغيرة، من جهة أخرى. بعبارة أخرى، انه كشف وسوف يكشف بصورة أكثر وضوحا وجلاء عن طبيعة النوعية الرديئة لمسحوق الحركات القومية الكردية التي لونت به وجهها لسنوات طويلة. وهي مساحيق سوف تنطلي بسرعة بالغة. مما يعطي لنا إمكانية الحكم بهذا الصدد، بأن الحركات القومية الكردية،وبالأخص في شقها البرزاني هي حركات مستعدة لقبول أردأ أصناف الانحطاط، بما في ذلك الانحطاط الطائفي. ومن ثم يمكنها، وهو ما جري بالفعل، أن تكون إحدى القوى الأكثر تفعيلا للنعرات الطائفية السياسية. ويمكن ملاحظة هذا التحول على مثال ظهور وتزاوج وتمازج عبارات ومفاهيم وممارسات مثل «إننا حركة قومية تحررية» و«إننا حركة كردستانية» و«إننا حركات كردية عراقية» و«إننا سنة أيضا»! «لكننا نتحالف مع الشيعة» فيما مضى. والآن، "إننا اكراد" و"اننا بانتظار البشرى السارة" (للانفصال)، و"اننا حلفاء للشيعة" لكننا نسعى للاتفاق مع العراقية ضد المالكي"، و"نحن مع الحق، لكننا مع الهاشمي بحكم قيمنا الأخلاقية"! باختصار كل ما يمكنه ان يكون نموذجا للطائفية المبطنة والمفتعلة على هيئة ميكيافيلية كردية من طراز يصعب تحديده بمعايير العلم السياسي!!

بعبارة أخرى، إن التحالف لم يجر مع حركة قومية عربية (وهو أمر مفهوم)، ولم يجر مع "السنّة العرب" (وهو أمر مفهوم أيضا)، ولم يجر مع قوى وطنية عراقية (وهو أمر معقول!). إلا أن  اللامعقول فيه هو تفعيله السياسي ورفعه إلى مصاف «الروية الوطنية العراقية» مع قوى شيعية سياسية على حساب الآخرين وبالضد منهم في بداية الأمر والانقلاب عليه بين حين وآخر! كل ذلك يشير أولا وقبل كل شيء إلى ما أسميته بالضعف البنيوي للحركات القومية الكردية واستعدادها للتلون بأي لون بما في ذلك بالطائفية الدينية منها والسياسية. وهي حالة كشف عنها الطالباني في أول إجابة له (بعد ان جرى تعيينه رئيسا للدولة) على سؤال استفزازي من جانب بعض ممثلي الطائفية العربية في الأردن عن سبب عدم إشراك "العرب السنّة" في الحكومة، حيث اخذ يعدد لهم "الوزراء السنّة" (فلان وفلان وفلان) ولم ينس أن يضيف بأن الأكراد سنّة أيضا! وتعكس هذه الإجابة طبيعة الخلطة الغريبة في الرؤية والمواقف والانجرار وراء معالم الانحطاط من جهة، واعتبارها حالة طبيعية وجيدة، من جهة أخرى. ففي هذا التحول في المواقف نعثر على تحول الطائفية السياسية إلى جزء من ممارسة السلطة الجديدة في العراق وقواعد فعلها ونوعية «ديمقراطيتها». بينما لا يعني «الإشراك» بصيغته المذكورة أعلاه سوى الاستعادة الموسعة للصدامية. وهي عملية متفسخة بالضرورة، رغم إننا نستطيع فهم الكثير من حوافزها الداخلية بسبب طبيعة ونوعية التحولات العاصفة التي مست العراق بأثر الغزو الأمريكي. إلا أن ذلك لا ينفي ولا يزيل السؤال الخاص بهذا الصدد والمتعلق بما إذا كان هذا التحول من «القومية العلمانية» إلى الإقرار بشرعية الطائفية والدفاع عنها تحولا عارضا ومحكوما بطبيعة المرحلة الانتقالية أم انه نتاج ملازم للحركات القومية الكردية الحالية؟

إن تحليل تاريخ الطائفية الدفينة في سلوك ومفاهيم وأيديولوجية الحركات القومية الكردية الحالية يشير إلى أن هذا التحول هو فعل اقرب إلى صفة التلازم. وذلك لأننا نعثر على قوى سياسية علمانية (دنيوية) لم تنخرط في لعبة الطائفية، كما هو الحال بالنسبة للشيوعيين مع أنهم يمثلون من الناحية العملية نفسية وذهنية الأقليات القومية والدينية. والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى الديمقراطية والوطنية العراقية الآخذة في التبلور رغم ضعفها الملموس على خلفية الانحطاط الشامل الحالية. ذلك يعني أن التلازم الداخلي بين الحركات القومية الكردية الحالية والاستعداد الذاتي لقبول الفكرة الطائفية ينبع أولا وقبل كل شيء من الضعف البنيوي المميز لهذه الحركات، وهو ضعف تاريخي جعلها ويجعلها أكثر ميلا لنفسية وذهنية التجزئة. فهو الوسط الذي تشعر فيه بنفسها على أنها «عنصر مكونا» و«طرفا فاعلا» و«قومية متميزة» و«قوة لا يستهان بها»، أي كل المكونات التي تجعل من لعبة المحاصصة والتجزئة المفتعلة للعراق جزء من الرؤية «الإستراتيجية» للحصول على «الحقوق والمكاسب».

وتتضح ملامح هذه الفكرة أيضا في سلوك قيادات الحركة الطالبانية والبارزانية على امتداد التاريخ السياسي في العراق ما بعد عام 2003 وحتى الآن. واكتفي هناك بنموذج "كلاسيكي" واحد عن الطالباني واترك البارزاني لأن الرجل شاذ في كل شيئ!

فقبيل الانتخابات الثانية للجمعية الوطنية في نهاية عام 2005، طلب الطالباني من الأكراد بضرورة المشاركة الفعالة في الانتخابات من اجل أن يكون لهم ممثلين في مراكز القرار في بغداد. وهي فكرة سليمة من الناحية الشكلية. غير أن تأسيسها الأيديولوجي كان عرقيا طائفيا، عندما شدد على أن عدم الاشتراك يعني نجاح من يحاول أن يحشرهم فيما اسماه بالأمة العربية!! وأن هذه القوى تريد أن تأخذ باليد اليسرى ما أعطته باليد اليمنى!! وهي مقارنة مبتذلة! والقضية ليست فقط في أن الأمة العربية لم تسحب ولن تسحب وليست بحاجة إلى أن تسحب قومية الطالباني نفسه، وهو الذي درس وتربى في بغداد! بل في قوله هذا وهو في موقع رئاسة الجمهورية العراقية!!

إننا نعثر في عبارات وفكرة الطالباني على صيغة نموذجية على طبيعة وحجم الخراب الفعلي للطائفية العرقية المتغلغلة في أعمق أعماق الحركات القومية الكردية الحالية. ولا يمكن لهذا الخراب أن ينتج في نهاية المطاف غير ممارسات خاطئة ومضرة، وفي أفضل الأحوال لا تفعل إلا على تنشيط الأوهام المدمرة. وسوف تظل هكذا ما لم تحسم الحركات القومية الكردية بصورة متكاملة إشكالية القومي والوطني (الكردي والعراقي) والديني والدنيوي. ولا يمكن حسمها بصورة متجانسة وايجابية دون تذليل الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية. وإلا فإن ممارساتها سوف لن تؤدي إلا إلى توسيع الأبعاد الهمجية في المثلث المسروق (أربيل - السليمانية – دهوك) مع ما فيه من هشاشة وضعف وتجزئة لا يحلها إلا عراق مؤسس على مثلث الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

كاظم لفتة جبرلقد داب الفلاسفة واللاهوتيين منذُ القدم في البحث عن التقارب والاختلاف بين الدين كعاطفة، والعقل كتفكير حر، العاطفة تمثل نتيجة جبرية لموقفٍ ما، كموقفنا من الإيمان بالحياة، اما العقل فهو الذي يجلب لمواقفنا حريتها، حيث يُمثل وجهة نظر الانسان العاقل اتجاه الأشياء .

اذاً الايمان حاله وسطه بين العقل والدين اذ يكون كموقف اتجاه الحياة، فالدين يُمثل الطريق السالك للحصول على السعادة المطلقة في حياة اخرى، اما العقل الانساني يمثل النشاط الفردي للبشرية في الحصول على السعادة .

فقديماً بحث الفلاسفة اليونانيّون عن السعادة في ضوء العقل وكان الوسط الذهبي الارسطي هو الذي شُيد أخلاقهم في ضل الوثنية السائدة أنذالك، بداً من سقراط (469_399 ق .م) أب الفلسفة العقلية الذي يرى تتوفر السعادة عند التوازن بين رغباتنا والشعور بالأخرين، (اندرية كريسون، المشكلة الاخلاقية والفلاسفة، ترجمة :الامام عبد الحليم محمود وابو بكر ذكرى، مطابع دار الشعب، القاهرة، 19970(ص75) . وأفلاطون (427_347ق.م) الذي سعى للتوفيق بين العلم وبعض اللذات المعقولة، وذلك تكون دعواهم الى السعادة أكثر ما تكون قريبة الى الدين الجديد في ضل وثنية يونانية، ولفرض النزوع المثالي للأخلاق الانسانية التي تجعل الانسان بعيداً عن رغباته المشروعة المادية، والحث على الإيثار وتوفير رغباته وفقاً للجماعة، مما يوفر له هذا السلوك السعادة المعقولة وهي تكون كلية وهذ هو مبدأ كل الاديان السماوية . المصدر السابق (ص86) .

الا ان مجيء أرسطو(384_322ق.م) أحدث تغيراً مهماً في العقل الانساني وسلوكياته، لما قدمة من نظرة توفيقية بين الانا والأخر، او بين العالم المعقول والعالم المحسوس، عندما أقر للإنسان فرضية احياء الذات، وهي العيش وفقاً لطبيعة الانسان والعمل هو الذي يحدد سلوكنا في السير نحو السعادة . المصدر السابق (ص 97) .هذا ما جعل ابيقور (341_ 270 ق. م ) يقر السعادة على اساس الحصول على الرغبات الطبيعية (ص107)، اما الرواقية (300 ق.م) فترى السعادة في عدم الاضطراب وهو مبدأ واحد مهما اختلفت التسميات والطرق للسعادة المصدر السابق(ص115) .

 اما مجيء الاديان السماوية اليهودية والمسيحية والاسلامية وجعل السعادة الانسانية مرتبطة بالعالم الأخر المثال الافلاطوني جعل الانسان بعيدا عن رغباته الطبيعة، ومرتبطاً برغبات الجماعة المثالية للعالم تاركاً عالمهُ الذي يعيش فيه لإسعاد الاخر. مما جعل الاديان ترفض النظرة الأرسطية وما قرتُه من فلسفة عملية للإنسان، فالكنيسة المسيحية رفضت الأرسطية بكل اشكالها النظرية والعملية الا انها وجدت مقبولية من قبل علماء الاسلام كجابر بن حيان والكندي والحسن بن الهيثم والفارابي وأن سينا والغزالي وأبن رشد (721_ 1126)، وان هذا التوفيق الفلسفي الاسلامي للأرسطية كان حافزاً للتوفيق بين الانسان والدين وواقعة اليومي والعلمي، فجعل الانسان الاسلامي متطوراً لفهمه للانا والاخر وتوفيقه بين العقل والدين، هذا التطور العلمي حفز الاوربيين لمعرفة الأرسطية من خلال التيار الارسطي المتمثل بتوما الأكويني، وذلك بعد سيادة التيار الافلاطوني الاوغسطيني(354 _430) من قبله والذي ربط السعادة بالإيمان والمثُل الافلاطونية (العالم الاخر)، اما الأكويني (1225_1274) ربط بين الدين والعقل من خلال الطبيعة الحية التي توصلنا للحصول على السعادتين، فكان العقل هو المفصل في توفير طرق السعادة كما أفاد كثيرا لما قدمه الفلاسفة المسلمين في التوفيق بينهما والذي اثمر عنة تطورا هائلاً يشهد له العالم أنذالك، فما كان الحال الان من تطور الغرب وانحدار التطور الاسلامي اذ يمثل محاربة العقل والاعتماد على الدين فقط الذي سبب صعود التيارات المتطرفة للواجهة الاسلامية، اما الغرب فكان حاربهم ضد وصايا الكنيسة، مما كان حرك العقل الانساني للحصول على السعادة . وما هذا الا دليل على تقاعس العقل العربي عن التفكير فان استخدام العقل يوفر لنا الحصول على السعادتين، كذلك اعتماد اسس الجماعة للسعادة التي تمثل الزعامة والقيد الذي جعل الفرد في مهب الانتماءات المذهبية الشائكة مع ظهور من يردد بوجود حقيقتين معتمدين على التفسير الرشدي للحقيقة .

اما الغرب فكان لهم ما يبغون من تطور علمي جعل للعقل كلمته على الكنيسة اذ اعادوا التوازن للعقل الانساني وتفرده لكي يبدع ما يمكن يجعله مخلداً، وليس انتظار الموت لكي نعيش سعادتنا، فالسعادة تكمن في العمل الذي يجعل الانسان في ما ينبغي علية ان يكون وهذا هو الدين الحقيقي الذي اراده الله لنا، والا لجعلنا الله بدون عقل لكي نؤمن به، وهذا يدل على ان العقل الاساس في الحصول على سعادة الانسان الحقيقة .

هذا ما جعل بليز باسكال(1623_ 1662) يقول للوصول للسعادة يجب الايمان (الاله المحتجب) او هو الرغبة عند اريك فروم (1900_1980) (فن الوجود) اي جعل السعادة هي الهدف من الوجود الانساني، حيث كانت (1724_1804) يرى السعادة تكمن في صورتها النقدية في التحقق من الشيء قبل الايمان به ثم العمل بإخلاص، وهذا مبدا العقل الجاد للتطور العقلي (اندرية كريسون، المشكلة الاخلاقية والفلاسفة).

مع تطور العلم اخذت مطالب السعادة ومفاهيمها تتغير وفقاً لمتطلبات كل عصر فالعصر الحالي اصبح العقل يوفر سعادة ومتع من خلال ابتكاراته الهائلة في العلم مما جعل الدين متوحداً بسبب ابتعاده عن غايات الانسان اليومية، كما انه اصبح مصدر البؤس للفرد لما له من وصايا على العقل الانساني من خلال تعدد وجهات النظر الى صورة الله فكل يري الله حسب ايديولوجيا السعادة . فتحديد السعادة الحقيقة التي تعيد الى الانسان توازنه امراً مهماً في علاج ايديولوجيا الدين، وان السبب الرئيسي يقع على القائمين علية اذ انهم يرون السعادة تقبع بعد جدار الموت لكي نحصل عليها يجب عبور هذا الجدار بسرعة، وهذه هي النظرة المتطرفة للدين لكن الحق لا يضاد الحق كما يقول ابن رشد، فان الدين الحقيقي يدعو الى التعقل ومحاولة زرع التوازن بين العقل والعاطفة والعمل وفقا للطبيعة الانسانية التي وجد الانسان من اجلها الا وهي الحياة العقلية مع اللذات الحسية المقومة لها، والتوفيق بين الأنا والأخر من حيث جعل التعامل مع الدين من الأنا، لأنه يمثل تجربة خاصة بذات الانسان والله والعقل من خلال التعامل مع الاخر، لأنه يمثل المسافة والطريق للتكامل مع الأخر وفق حريتي الذاتية، لذلك يجب على الدين ان يوفر في ضل التقدم العقلي للإنسان ليس الاجابة عن ماذا علي ان أفعل؟، وكيف يمكن ان أعيش؟، بل كيف علي ان أسعد في ضوء طبيعتي الخيرة ومتغيرات العالم .

 

كاظم لفتة جبر

 

مجدي ابراهيمتدورُ هذ الفكرةُ حول ألفاظ اللغة العربية : شاعريَّتُها ومجَازُها وموحياتها، تمهيداً لقراءة لغة الخطاب الصوفي التي هى بالأساس لغة مجازيّة تحصل من خلال التجربة، وتُسْتَفَادُ من التجربة، وتمتلئ بالمعاني التي تعطيها التجربة ويسفر عنها من ثمَّ مَذَاق العارفين؛ حتى إذا ما توصَّلنا إلى معطيات العبارة الصوفيّة كون لغتها مفتوحة غير مغلقة ولا هى بالسطحية، استطعنا أن نضع لغة الإشارة التَّصوِّفيَّة (= لغة المعنى الصرف ولغة التجربة المحضة) في مواجهة فلاسفة التحليل ممَّن دانوا بمذهب الوضعية المنطقية حين أرادوا تقييد "المعنى" بدلالته الحسيّة الواقعية وكفى، ومن ثمَّ رفض الميتافيزيقا إذْ دلت هنا على معنى غائب غير مرئي؛ فإذا الهدف من وراء هذه القراءة يجيء بعد اختيار منهجيّة المقارنة والنقد والتحليل كمُعالجة للموضوع هو رفض مقولاتهم، وقبول مقولات التّصوف في إصابة المعنى في غير ما تقع عليه الضلالات الحسية؛ بسبب أن الإدراك الذوقي الرُّوحاني في التصوف خَاصَّة من شأنه أن يُحَوِّل معطيات الحس إلى رموز وإشارات بمقدار ما يُحَوِّل أحداث التاريخ إلى قصص رمزية، وهو ما كان يفعله ابن عربي تحديداً كما يشير "كوربان" في " الخيال الخلاق عند ابن عربي".

فهنالك فرقٌ؛ وفرقٌ كبير بين انعدام المعنى بالمطلق أو قصوره على المعطيات الحسية من جهة، وصعوبة تعريف المعنى من جهة أخرى، فليس الحسّ هو المعنى تماماً كما أن الجسد ليس هو الروح.

ولتحقيق هذا الهدف، قدَّمنا بما نقصده من الدلالة الميتافيزيقية للألفاظ بما نسميه من جانبنا بميتافيزيقا اللفظ المفتوح، وأود توضيح هذه النقطة بالتحديد؛ فإذا كانت اللغة تنقسم إلى مستويين فإنني لم أقصد على التحقيق بــ "ميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة" هنا ما اصطلحت عليه "الوضعية المنطقية" (logical positivisms) (كارناب خاصَّة) من اصطلاح "اللغة الشارحة" أو" ما بعد اللغة - (meta Language) تمييزاً لها عن اللغة الشيئية؛ أو "لغة الموضوع"، (Object-Language) على اعتبار أن اللغة الشارحة تستخدم في الكلام عن اللغة الشيئية، فمستوى هذه دون مستوى تلك. نحن لم نقصد هذا، وإنما جاء قصدنا هو الاستناد إلى قوة الشعور التي هى قوة "معنى" لا لفظ فيه؛ في المقام الأول، ثم تجيءُ الألفاظ (المباني/ الأواني) تابعة للطف المعاني، كما أشار إليه ابن الفارض، حيث قال:

ولطف الأواني في الحقيـقة تابـعٌ

للطف المعاني والمعاني بها تنمو

هذا مستوى، أما المستوى الآخر من القصد؛ فصرف ظاهر اللفظ، أعني صرف ما توحي به دلالته الظاهرة، وطلب العلم بالدلالة الباطنة، على ما قال ابن عربي في "ترجمان الأشواق":

فاصْـرِفْ الخَاطر عن ظاهرها

واطْلب الباطِــن حتى تَعْلـــمَا

ثم آثرنا أن نُوَسِّع من انعكاس الكلمة لصورة الثقافة العربية بمقدار ما تعكس ماضيها وتحيله حاضراً في عقيدة الإنسان العربي وتجربته الأصلية؛ أعني تجربة الحضور السرمدي واكتشاف ما في اللحظة ذات الأبعاد الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل.  ولم يكن مجاز اللغة بالبعيد عند متناولنا من حيث كونه يدلُّ بالمباشرة لا على شاعرية اللغة العربية فحسب بل على لغة الخطاب الصوفي بالأساس؛ فكان أقرب ما يُفيدنا في بيان الدلالة المجازية في اللغة هو ما قام به المتصوفة من ضروب التفسير الإشاري للقرآن الكريم؛ كون لغة الخطاب هاهنا رمزيّة ومفتوحة يتبيَّن فيها أن المعنى غائر في أعماق التجربة؛ وأنه كلما اتّسعت الرُّؤية الشهودية ضاقت العبارة اللفظية.

بيد أن هنالك مضامين فكرية فلسفية لبعض الألفاظ المستعملة أثرنا أن نشير إليها إشارة سريعة على حَسَب ما قال الفارابي إنه يوجد من الألفاظ ما يستعمله أهل صناعة على معنى ما، ويستعمله أهل صناعة أخرى على معنى مختلف.

باعثنا إلى هذه القراءة نوجزه في نقطتين : النقطة الأولى: هى مدى ما نُلاحظه من انحطاط اللغة في العصر الحديث, إهمالاً للذوق السليم وافتقاراً للتربية الشعورية والوجدانية، تعكس فقر الفكر الديني بامتياز، حين تسيطر عليها لغة الظاهر المشحونة بالأعراف والمصطلحات، يستبد فيها بالمتلقي مثل ذلك الجري اللاهث الكسيح وراء الاصطلاحات المقيدة بمقولاتها العقلية في عزلة غريبة عن الشعور بالكلمة، والإحساس برقابة آثرها في الأعماق الباطنة، وعزلها بالجملة عن تجربة السامع والقارئ والكاتب سواء.

أمّا النقطة الثانية؛ فهى نتيجة للأولى مباشرةً تَلْزَم عنها ضرورة؛ فتجيء لتلاحظ معها شيوع "لغة التّمَزق" وانتشارها على جميع المستويات وشتى الممارسات لتكون هى هى اللغة السائدة: التمزق النفسي والاجتماعي والأخلاقي والقِيَمي؛ هذا فضلاً عن التمزق السياسي الذي يشهده عالمنا العربي في الآونة الأخيرة؛ إذْ كشفت "لغة التّمزق" عن توحش ينطوي على العُنف الدامي والإرهاب الكريه؛ تجليةً من الوهلة الأولى لشلل الحيوية الروحيّة إنْ على المستوى الفردي وإنْ على مستوى المجموع.

فإذا كان من المؤكد أن عناصر اللُّغة لا تقوم ناهضة فاعلة إلا على الوجدان والعاطفة، والفكر والرأي، والبيئة والمجتمع، والمدلولات والدَّوال؛ وأن التفكير كما كان أفلاطون يقول إنْ هو إلا كلامٌ نفسي؛ فمن المؤكد كذلك أنَّ الإبداع الفكري والأدبي يستند في الأساس على قوة الشعور وَدَفْقَةِ الوجدان، وأن السلام النفسي لمجتمعاتنا العربية المعاصرة لا يتحقق أبداً بلغة العنف والإرهاب. ومن هاهنا تأتي أهمية هذه القراءة في إطار فهم اللغة الصوفيّة خَاصَّة، وفهم معطياتها في استنباط الإشارة من العبارة عَسَانا نَقْتَرِب؛ من الوجهة الإدراكية الذوقية تحديداً، من كيفية فتح اللفظ اعتماداً على قوة الشعور فيما يتَّصل بأذواق أهل الإشارات؛ إذْ كانت هذه الأذواق مُعِينَةً لهم على فهم تلقي المعنى بمطلق الإشارة واستخراج معانٍ ودلالات للألفاظ والاصطلاحات الصوفيّة من طريق الإشارة المرموزة : استخراجها بمعنى مختلف تماماً عَمَّا تُوحي به الدلالة المباشرة للَّفظ, وأظهرها وأخَصَّها, كما قلنا فيما تقدّم؛ هو التفسير الإشاري للقرآن الكريم يقوم على ركيزتين أساسيتين: "الإيحاء" و"الاستنباط".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصارأدرك «المنفلوطي» أن انتصاره للمنقول في مسألة لباس المرأة من زاوية الدفاع عن الدين والعريق من العادات لن يقبله شبيبة المفتونين بالمدنية الغربية، فراح يحتكم إلى العلم والممارسات العملية للفصل في هذه القضية فأكد أن الإفراط لا ينتج عنه إلا التفريط وأن الذين يدعون إلى ارتداء المرأة النقاب أو البرقع والتزام الحرامليك والتنازل عن كبريائها وكرامتها وحريتها إرضاءً للرجل كل ذلك الإفراط وغيره من أشكال التعصب الذكوري لا ينتج عنه سوى ثورة هوجاء، ناقمة على كل الثوابت، وعلى ذلك الاستبداد الذى حرمها من حريتها المغتصبة وأول ما تتمرد عليه تلك الثورة فضيلتى الحياء والعفة بحجة أن الحياء الذى اكتسبته المرأة من التربية الخلوقية قد انعكس في سلوكها فنجم عنه العديد من القيم السلبية مثل الجبن والخنوع والاستسلام والعبودية، وجعل الرجل لا ينظر إلى المرأة إلا بعين الشهوة فهى بالنسبة له لا ترقى إلى مقام الصديق أو الرفيق العاقل أو المُربى الفاضل حتى لو كانت أمهِ.

أما الفضيلة الثانية التى عصفت بها الثورة هى العفة، التى حُرمت من أجلها المرأة من التعليم والعمل والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

ويوضح «المنفلوطي» خطر تلك الثورة على سلوك المرأة أولًا وسلامة المجتمع وأمنهِ ثانيًا، فإذا كانت الحرية حقً مغتصبً فمن الواجب على من يريد استردادها التأهل لها حتى لا يسقط في أخدود الرذائل ويحترق بنيران الفوضى.

ومن ثم جاءت دعوة مفكرنا للسيّر نحو تحرير المرأة بغير عجلة فلا نطالب بسفورها واختلاطها بالجنس الآخر قبل أن نسلح شبيبتنا الذكور بالنخوة والشرف والنُبل وغير ذلك من فضائل تمنعهم من تلك النظرة الجائرة التى لا ترى في المرأة إلا جسد ومتعة وشهوة وأن التواصل معها لا يكون إلا بغرض اللعب بها وعواطفها وغرائزها. كما يجب على المجتمع أيضًا توعية تلك المرأة الجاهلة التى سجنها وراء قضبان التقاليد خوفًا عليها والانتفاع بجهدها ومواهبها داخل البيت لتكون جارية أو مرضعة.

وليس أدل على إيمان وقناعة «المنفلوطي» بحرية المرأة باعتبارها إنسانًا كاملًا إلا هذه الكلمات التى جاءت في حديثه عن حقوق المرأة، تلك التى صورها فيها على أنها هرة سجينة آبت أن تعيش الحياة خلف الأبواب الموصدة.

فيقول «لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًا مطلقًا، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطرٌ إلا أدب النفس.

الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محرومًا منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر.

الحرية هى الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُعب المتحركة في أيدى الأطفال بحركة صناعية.... إن الإنسان الذى يمدُّ يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجّد، وإنما هو يطلب حقًا من حقوقه التى سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منَّة لمخلوق عليه ولا يد لأحد عنده».

وإذا انتقلنا من توضيح مقصد «المنفلوطي» من مناشدته الداعين لتحرير المرأة ضرورة التمهل في ما ينشدون، والبرهنة في نفس الوقت على أنه من أكابر دعاة الحرية باعتبارها من أشرف الحقوق الإنسانية.

وحسبنا أن نكشف عن نهجه في تثقيف المجتمع المصري وتوعيته بضرورة الحفاظ على مشخصاته وهويته الثقافية التى لا يمكن تبديلها بين ليلة وضحاها دون إدراك إخطار ومآلات ذلك التغيّر المفاجئ، فذهب في إحدى قصصه «الحجاب» إلى أن أحد أصدقائه الذين راقهم العيش وفقًا للمدنية الأوروبية - وذلك في خلال دراسته وعمله في أوروبا -، قد جاء يشكو له جمود زوجته وتمسكها بالحجاب ورفضها الجلوس مع أصدقائه ونقضها سلوك الأوروبيات ولباسهن، فبيّن له مفكرنا أن هناك فارقا كبيرا بين الثقافتين من العبث تجاهله، فرد عليه صديقه بأنه يحلم بذلك اليوم الذى تمزق فيه كل البراقع وتصبح المرأة المصرية حرة في لباسها وسلوكها مثل المرأة الأوروبية، فرد عليه «المنفلوطي» بأن البرقع ليس حجابًا بل هو رمز لقناعات وقيم اجتماعية وخلوقية ألفتها المرأة المصرية واستراح إليها المجتمع وباتت من الثوابت الثقافية. فلم يقتنع صاحبه بحجته قائلًا «إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال بشرفها وعفتها في حصن حصين، لا تمتد إليه المطامع». فلم يجب عليه «المنفلوطي»، وتأكد أن التجربة وحدها هى التى سوف تثبت له عكس ما ادعاه.

وراح يردد في نفسه «هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نسائكم، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز».

وكيف تقنعون المرأة المصرية وهى بحالتها هذه في الربع الأول من القرن العشرين أن الحب أساس الزواج وأن اختيارها للزوج حقٌ مطلقٌ لها لا يشاركها فيه وليًا أو ناصحًا، وأن الزوج المرغوب يجب أن يكون دومًا هو العاشق المتيم بفتنتها والمشبع دائمًا لغرائزها وإذا عجز عن ذلك فلها أن ترغب في غيره وتبحث عن دونه بين ما يروق لها من الرجال شأن ذلك الحق الذكوري، الذى أباحه المجتمع للرجل دون المرأة.

وأن البرقع والحجاب لا يليق بالمرأة الحرة فتبرجت وخلعت مع البرقع الحياء والعفة وعرضت نفسها في سوق الجوارى بعد إدراكها ان الرجل لا يقنع إلا بمن ترضى شهواته وغرائزه، فرغب عنها المحافظون وتأفف منها المتحررون بحجة أن معاشرتها بغير زواج يؤدى الغرض والأفضل والأوفر بالنسبة له، وبذلك كله سوف تجنون عليها باسم المدنية والحرية.

وراح يصرح بقوله معقبٍ على ما كان يدور بداخله «نحن نعلم كما تعلمون أن المرأة في حاجة إلى العلم، فليهذبها أبوها أو أخوها، فالتهذيب أنفع لها من العلم، وإلى اختيار الزوج العادل والرحيم، فليحسن الآباء اختيار الأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج عشرة نسائهم. وإلى النور والهواء تبرز لكليهما وتتمتع المرأة فيهما بنعمة الحياة، فليأذن لها أولياؤها بذلك وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها كما يرافق الشاه راعيها خوفًا عليها من الذئاب فإن عجزنا عن أن نأخذ الآباء والإخوة والأزواج بذلك فلننفض أيدينا من الأمة جميعها نسائها ورجالها فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها».

والسؤال المطروح هل في مقدورنا تقبل هذا الرأي في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين؟ - بعدما مارسنا التجربة المناقضة لرأى «المنفلوطي» كاملة-.

فهل تحررت المرأة مما كانت تؤاسيه؟ وهل تغيرت نظرة الرجل إليها؟ وهل نجحت المحجبات منهن - في ظل الثقافة الحاضرة - في الحفاظ على حيائهن وعفافهن؟

«وللحديث بقية حول هذه القضية».

 

بقلم : عصمت نصار