صادق السامرائي"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..."

البقرة 143

والتطرف لغويا من الطَرَف وهو مصدر قولك طرِفتِ الناقة، إذا تطرّفت أي رعت أطراف المرعى ولم تختلط بالنوق.

والطرَف: الناحية.

وفي قوله تعالى "أقم الصلاة طرفي النهار..."   "ومن الليل فسبح وأطراف النهار..." "أو لم تروا أنا نأتي الأرض ننقضها من أطرافها".

وتطرفت الشمس: دنت من الغروب.

وتطرف الشيء: صار طرَفاً.

التطرف فعل غير مقبول إجتماعيا وسياسيا ودينيا، ويجنح إلى الشر وسفك الدماء وترويع الحياة وتدمير أركانها، وهو مرفوض في المجتمعات المعاصرة ويعدّ مثلبة حضارية، لكنه ظاهرة سلوكية لا يمكن القضاء عليها، لأنها بنت الحياة فتتوالد وتتطور معها.

وهو جزء من السلوك البشري وقد رافقه منذ الأزل .

فقابيل كان متطرفا، وهابيل معتدلا في رأيه وتصوراته، لكن قابيل قتله بعد أن أسقطه في لحظة تطرف آخر، وباء بسوءته، فانتشر رأي هابيل المعتدل وساد بعد موته .

وتطرف قابيل تواصل وتمكن من حين إلى حين، برغم ما رافقه من آلام وتأنيب ضمير وعذاب أيام.

والحياة لا يمكن لعجلاتها أن تدور بالتطرف فقط أو بالإعتدال فقط، وإنما بالتفاعل القائم بينهما.

"...ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ..." البقرة 251

وفي أيامنا نسمي التطرف Extrimism بأسماء متعددة، وكلها تشير إلى معنى واحد، وهو التمسك بآراء ووجهات نظر وإعتقادات وأفعال خارج نطاق المألوف أو المتعارف عليه بين الناس.

فالمتطرف هو الشخص الذي لديه وجهة نظر متطرفة.

أو متحمس لإعتقاده ويتمسك بوجهات نظر إجتماعية أو سياسية أو دينية متطرفة أو أنه يتعصب لذلك .

ويسمونه في الإنكليزية Fanatic، Extrimist or Radical ومعناه الشخص الذي يدعم الأفكار التي تحيد عن مجموع الآراء.

 

والصراع ما بين التطرف والتطرف، والإعتدال المتأثر بالتطرف، هو التفاعل القائم في الأرض على مر الأزمان.

والصراعات السائدة دوما هي ما بين المتطرفين، وفي ذلك إرادة كونية فاعلة، لكي تحافظ البشرية على توازنها، بسيادة الإعتدال والتفاعل الإيجابي، الذي يؤسس للحياة ويديمها.

ولهذا فالتطرف يأكل بعضه ويحافظ على نسبته اللازمة لتفوق الإعتدال عليه وبقاء الحياة. وبسبب الصراع الدائب ما بين أقطاب التطرف فإن الإعتدال دائما ينتصر عليها، ولأنها لا تمتلك حجة قوية ودافعا واضحا لمحاربة الإعتدال، فيخمد أجيجها وتتحول إلى بصيص، لكنها تتأجج وتفعل ما تفعل، عندما يكون هناك نفر متطرف مثلها لا يتزعزع عن رأيه، ويقاتل في سبيل ما يتمسك به من رؤى وتصورات، ويسعى إلى محق الآخر لكي يسود.

والتطرف والإعتدال، والتطرف والتطرف، كلها تخضع لقانون الأضداد، والتناقضات الذي يحكم مسيرة الحياة الأرضية، ويدرك ذلك كل مفكر ستراتيجي ومتأمل تأريخ، يقرأ تفاعلات السلوك البشري.

فلماذا يتم قلب الحقائق؟!

ولماذا ينتشر القول وكأن جميع المجتمعات بلا تطرف، إلا مجتمعاتنا؟!

وهذه الأقوال السائدة في عالم اليوم تجانب الحقائق وطبائع الأمور، وكأنها من نهج "أكذب، أكذب حتى يصدق الناس".

ففي كل مجتمع مهما كان وإدّعى، وفي كل دين وحزب وتجمع بشري أيا كان، هناك تطرف وهذا من سنن الحياة.

" سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" الفتح 23

فهل وجدتم بلدا واحدا في التأريخ بلا تطرف ولو للحظة واحدة؟!

أدرسوا تأريخ البشرية والأديان، وستجدون فيها التطرف السياسي والديني الإجتماعي، وغيرها التي عمت الأرض وصنعت المآسي والويلات الدامية.

فهل أن التطرف ظاهرة لابد منها؟!

لنتأمل منحنى الانتشار الطبيعيNormal Distribution Curve الذي ينطبق على الظواهر الأرضية ومن الصعب أن لا تخضع له ظاهرة ما.

وهو عبارة عن تل تم قراءته ببصيرة إحصائية واستخراج قوانين الطبيعة التي تتحكم بنا.

وكل منا يرى التلال لكنه لا يقرأها، ولا يفهم لغة الطبيعة من خلالها، فالبشر لا يقرأ المكتوب بالكلمات، فكيف يقرأ لغة الطبيعة ومفرداتها.

 

ومن خواص التل أن قاعدته عريضة وأطراف قاعدته تحافظ على بقائه وصموده أمام عوامل التعرية الطبيعية، وكلما كانت قاعدته أعرض كلما تأكد صموده.

وقاعدة التل العريضة متناسقة مع سفوحه التي تنتهي برأسه.

ولا يمكن أن يكون التل عمودا أو منقلبا، أي رأسه إلى الأسفل وقاعدته إلى الأعلى، أو أن يكون مثلثا مقلوبا أو مَعينا يقف على رأسه.

وربما قد أخذت فكرة الأهرامات من التل، للتعبير عن ظاهرة الوجود ذات القاعدة العريضة والقمة الصغيرة وتناسق التفاعل ما بينهما، حيث تتناقص القاعد كلما تحقق الارتفاع حتى تنتهي إلى نقطة.

وقبل الأهرامات كانت الزقورات، بذات المعنى والفهم للوجود والطبيعة وظواهرها الفاعلة في الحياة.

ووفقا لهذا الوعي تحقق الرمز العمراني لمعاني التل وجوهر فكرته، بالزقورات والأهرام والقباب والأقواس.

هذا التل الذي أدرك الإنسان المتبصر إن الظواهر التي يريد فهمها تخضع لقوانينه، أي قوانين التل، الذي سنقلبه إلى رسم بياتي نسميه منحنى الانتشار الطبيعي.

فماذا نقرأ في هذا المنحنى؟

المنحنى يكون متماثلا أحادي الشكل أو جرسي الشكل أو يشبه التل، والمنطقة التي تحت المنحنى تعادل ستة انحرافات معيارية Standard Deviations، وانحراف معياري واحد للبيانات حول الوسط يساوي 68%، وانحرافين معياريين للبيانات حول الوسط يساوي 95% ونسبة 99.7 % من البيانات الإحصائية تكون ضمن ثلاثة انحرافات معيارية.

وبلغة أخرى لو تخيلنا التل مثقوبا من قمته ومجوفا من داخله، وأسقطنا فيه أية ظاهرة سلوكية أو طبيعية، لوجدنا أنها تتخذ ذات القاعدة المشار إليها أعلاه في الانتشار والتوزيع البياني.

ووفقا لهذا المنحنى فأن 95% من الظواهر المعبّر عنها ببيانات إحصائية ضمن انحرافين معياريين حول الوسط أو المركز، أي كلما ابتعدنا عن المركز أو الوسط تقل القيمة الإحصائية للظاهرة، وتزداد ضغطا وانحباسا حتى نصل إلى زاويتين في نهايتي طرفي المنحنى، قيمتهما الإحصائية 4.7%، وهي تمثل مجموع الطرفين السالب (الأيسر) والموجب (الأيمن) من المنحنى، ومن هذا يكون نسبة الطرف السالب مساوية إلى 2.35%، من أي ظاهرة يمكن دراستها والنظر في قوانينها وتأثيراتها.

وعليه فأن التطرف قد يكون إيجابيا أو سلبيا.

والتطرف الإيجابي هو الذي يشمل –على سبيل المثال- النوابغ والمخترعين الذين غيروا مسار البشرية، ونقلوها خطوات كبيرة إلى الأمام، ولولاهم لما تحقق ما تحقق في الحياة، وهؤلاء يكونون أصحاب قدرات عقلية وفكرية متفوقة على المجموع البشري العام.

أما التطرف السلبي الذي يحتل الزاوية الضيقة اليسرى من المنحنى، والذي يؤلف النسبة الضئيلة، التي تحارب الصيرورة والتفاعلات الإيجابية وتستنزف الطاقات، وهو الذي يسود الحديث عنه والمساهمة بإظهاره، وكأنه النسبة السائدة وليس نسبة 2.35% السالبة.

وذلك بسبب تسليط الأضواء، وتفعيل وسائل الإعلام وتركيزها على هذه النسبة وإهمالها لنسبة 97.35%، وفي هذا خداع وتضليل كبير للعقول والنفوس، وتسخير هذا التضليل المشين لتحقيق غايات سيئة.

فلماذا يتم التغاضي عن 97.35% من أبناء المجتمع، ويتم التركيز فقط على نسبة 2.35% السالبة منهم وإعتبارها تمثل الجميع بلا إستثناء؟!

إن التركيز الكبير على هذه النسبة الضئيلة السالبة، يهدف إلى تعطيل النسبة الكبيرة السائدة، وتحجيم دورها وتحويلها إلى ضحية مرهونة بنسبة 2.35%، وذلك لدفع منحنى الانتشار الطبيعي نحو اليسار وتشويه شكله.

وفي هذا تكمن المأساة والإضطرابات وتفاعلات التفرقة والتناحر والصراعات، التي ستجعل الجميع يتوهم بأنه مهما فعل وقال، فأنه يكون سلبيا ومحكوما بالضئيل السالب الضال.

ترى هل أن التطرف تعبير مقنَّع عن الموت؟!

الموت مشكلة أزلية ومعضلة وجودية كبرى يواجهها كل مخلوق في نهر الحياة الدافق .

وقد فتش عن كنهه ومعانيه جلجامش في ملحمته الخالدة وإنتهى إلى مغالبته بالإبداع والبناء.

ووقف الفراعنة أمامه بذهول وخوف وحسبوا الإنتصار عليه بالحفاظ على الأبدان والمقتنيات وإخفائها في مقابر عظيمة في بطون الجبال والوديان، إنتظارا لعودة الروح إليها .

وأيقن البشر بأن الحياة مرحلة في مسيرة الوصول إلى ما بعد ذلك، وكأن الموجودات تتحرك نحو أفق لا تدري ما يسكن خلفه، أو كأنها تطارد الآفاق دون أن تصل إليها وتتعرف على حدودها .

ولهذا فأن الأجيال تسعى في محيطات من الأوهام والتصورات والتفاعلات، التي تبغي من ورائها تحقيق حالة الإطمئنان واليقين بالموت وربما بعشقه وتمنيه.

والكثير من السلوكيات البشرية في جوهرها وأصل دوافعها، ما هي إلا تعبيرات عن فعل الموت وسطوته وجلده للمخلوق لكي يمضي في الطريق المؤدية إليه، وبما أن الموت حتمي فأن الكثير من البشر قد اختار نهايته، وعبّر عنها بأفعاله وقررها لنفسه بوعي أو غير وعي منه.

وبسبب سلطة الموت ودوافعه المهيمنة على أعماق اللاوعي البشري، فأن سلوكياتنا تكون محكومة بقوانينه وتقررها تعاليمه، المنصوص عليها في دساتير البقاء والفناء، بين كفي الأزل والأبد، وما بين قبضة الضياء والظلام.

وهناك الكثير ممن لديهم طاقة الموت المستعرة، والتي تدفع بهم إلى تبني خيارات تحقق مراميها وتنجز أهدافها وتعلي شأنها وقيمتها.

ولهذا ترانا نميل إلى التطرف وربما يصعب علينا أن نتوسط ونتفاعل مع الأيام بإعتدال وإتزان، لأن ذلك يتنافى وإرادة الموت المتأكدة في كياننا، رغم ما نظهره من حب زائف للحياة.

فندخن بشراهة، ونشرب بإسراف، ونأكل حتى التخمة، ولا نشبع من أي شيئ، بل نبقى نركض خلف سراب الغرائز التي لا يمكننا أن نرضيها، فنمعن في السلوك الذي يؤذينا ويدفع بنا سريعا إلى الموت.

وإرادة الموت فاعلة فينا ومقيمة في أعماقنا، ولهذا فهي تنتصر على أكثر من مليون إنسان منا كل عام، وتجعلهم ينتحرون ويتخلصون من الحياة التي أثقلت أرواحهم ونفوسهم.

وفي كل ما نسلكه ترانا نجد أعذارا وتبريرات وممكنات لتأكيد السلوك الذي يقضي علينا.

فنتحدث عن الإدمان ونعطي للذي يتعاطى الخمر والحشيش والهيروين والكوكائين والمنشطات والمهدئات ملايين الأعذار لكي يتواصل هذا السلوك ويتحقق الموت.

وبين سلوك الموت اليومي والتطرف علاقة وثيقة، لأن المتطرف في كل شيئ، إنما هو يميل إلى الموت قبل الأوان ويساهم في بناء مملكة الآلام والأحزان، لأن الحياة ما عادت ذات قيمة ومعنى في رأيه وعقيدته السوداء أو الحمقاء، وسميها بكل إسم إلا الإعتدال والحكمة والعقل.

الذي يأكل بشراهة ويصاب بالبدانة وأمراضها، متطرف

الذي يدخن كثيرا جدا متطرف

الذي يعبّر عن طمعه وحبه الشديد للمال متطرف

الذي يرى بأن ما يفكر به هو الأصدق والصواب المطلق متطرف

وكل فعل خارج عن سياق السلامة والأمان متطرف

والحقيقة أن الإنسان تتحرك في أعماقه عواصف التطرف والإنحياز لإرادة الموت، ويسميها بأسماء ويعطيها عناوين، كالبطولة والشجاعة وغيرها الكثير، والتي تعبّر في واقع جوهرها عن صوت الموت وإرادة الرحيل.

نعم إن الإنسان يموت، وكل مخلوق يموت، ولكن لماذا يتطرف لكي يموت؟

هل أن الموت يكون أكثر لذة بالسلوك المتطرف؟

وهل أن الخوف من النهاية المريرة تستدعينا لكي ننتصر عليها باختيار غيرها ورسم معالمها؟ 

التطرف تعبير شرس عن الموت، ورقصة متوحشة على مسرح الحياة، تهدف إلى الخروج منها بإبداعات فنائية فائقة الخيال.

وقد جسد الإنسان التطرف في أبشع صوره، ومارسه بحماسة وإندفاع متدفق لا يعرف الهدوء والإعتدال.

ولهذا فأن أفعال التطرف المعاصرة ستتفوق على خيال البشر، لتوفر الوسائل المتجددة والأفكار المدمرة بعناصرها ومفرداتها ومهاراتها وعلومها ومبتكراتها المرعبة، وستكون مثل باقي المخترعات التي تجاوزت قدرات التصور والنظر!

والمشكلة التي تواجه البشرية، أن السلوك المتطرف يزداد قوة وتأثيرا، والسلوك المعتدل لا يُعطى له دور وتأثير، ذلك أن وسائل الإعلام تساهم بقوة في تغذية التطرف، لأنه مادتها الإخبارية والتسويقية، لجذب الملايين.

فما قيمة خبر معتدل؟

بينما الخبر المتطرف يتصدر جميع وسائل الإعلام، وهذا يمنح السلوك المتطرف طاقات إدامة وتعزيز وتثمين وتحفيز، حيث يجد المتطرف أن ما يقوم به يؤثر على البشرية، وتتناوله وسائل الإعلام بسرعة مذهلة وفورية.

حتى أصبح السلوك المتطرف من أقصر الطرق إلى الشهرة ودخول التأريخ!!

وهذا يعني أن البشرية بما إمتلكته من قدرات تواصل وإتصال، تساهم في تنمية الإتجاهات المتطرفة في كل شيئ، مما سيؤدي إلى زيادة الميل للتطرف، والذي سيدفع إلى حرب هائلة لابد منها لإخماد نيران التطرف السقرية.

فتنمية ثقافة التطرف وتسويغها والميل نحوها بسبب طوفان العولمة، وما أوجدته من آليات دفاعية كانت كامنة في الأعماق البشرية، أو معطلة، قد أسهمت في زيادة حدة التفاعلات المتطرفة وتنوعها .

كما أن إصابة المجتمع البشري بإضطرابات أميبية، تهدف إلى زعزعة الكيانات وتقسيم الحالات، وتجزأة كل مجزّأ، وإسقاط ما هو قائم، وإقتلاع ما هو ثابت، قد أطلق طاقات الرعب والخوف والقلق وفقدان الأمان، وهذه العواطف يتم إستثمارها لتحقيق أقصى درجات السلوك المتطرف اللازم لتحقيق القدرة على السيطرة والتأثير في المحيط، لتأكيد الشعور بالقوة والبقاء.

فكل حالة تهددت أصابها التطرف فتطرفت!!

ولا يُستثنى من ذلك دين، حزب، فئة، طائفة، مذهب، أو جماعة، وغيرها من المسميات والكيانات الموجودة في الحياة. 

فالتطرف عند البعض قد يكون الخيار الوحيد للشعور بالقوة والقدرة على التأثير والإحساس بالبقاء.

وكما هو معروف فأن الإنتماء العقائدي المطلق الغير قابل للمراجعة، والتقييم والتفاعل مع المتغيرات الزمانية والمكانية، هو جوهر التطرف، إضافة إلى التوجه نحو التعدد والتقسّم وتكاثر الظواهر والحالات، مما يتسبب في زيادة نسبة التطرف.

ويبدو أن مسيرة التطرف تسعى بإتجاه تشويه منحنى الإنتشار الطبيعي اللازم للحياة الأصلح، مما سيؤدي إلى وجوب حرب كونية لإعادة توازنه وتناسقه، وهذا ما يلوح في أفق الأحداث الأرضية المحتدمة بتطوراتها ومنطلقاتها وتفاعلاتها الصاخبة؟!!

فهل أن الساحة قد أصبحت رحبة للتطرف، ومؤهلة للحرب؟!!

ما يستوجب هذا التساؤل أن الأصوليات الدينية عندما تتنامى وتستفحل، فأن السلوك العدواني العنيف يتزايد وينتشر في الرقعة الجغرافية التي تتمكن فيها، ويتجاوزها إلى الدنيا كلها وفقا لما بلغناه من قدرات التواصل والتفاعل السريع.

فالأصوليات الدينية لها دورها المؤثر والفعال في إنطلاق السلوك العنيف المدمر للذات والموضوع، لأنها عبارة عن طاقات عدوانية مضغوطة ومحقونة بإنفعالية متأججة وعواطف سلبية حارقة ومدمرة، تستحوذ على حواس المصاب بها وتلغي عقله وتقضي على مداركه.

والأصولية بآلياتها التفاعلية التي تقدّس الفرد الذي يكون على رأسها وتذعن له، وتتعبد في محراب إرادته ونفسه المفلوتة الرغبات، وتجعل من المصابين بها كالأرقام أو الدمى التي تحركها إرادة الفاعل فيها، وكأنها موجودات منوّمة أو منقطعة عن الحياة، ومؤهلة للإقدام على ما لا يخطر على بال من البشائع السلوكية، فهي الحاضنة العظمى للعدوانية المتفاقمة بمسمياتها المتنوعة والمتجددة، والتي تهدف إلى الخراب والدمار وسفك الدماء والإستثمار في الآثام.

والأصولية تصنع تيارات فاعلة في المجتمعات وتجرف معها الموجودات لشدة تدفقها وجنون حماسها وإستعار عواطفها، ولا يمكن الإنتصار عليها إلا بتيار يقظوي إستنهاضي تنويري معاصر ينطلق من تفاعل المختصين بالعلوم النفسية والمفكرين والفلاسفة وذوي المعارف والثقافات الأخرى، ويجب أن يقترن بإرادة سياسية ذات قدرة على الإقدام والجرأة والتنفيذ.

أما القول بالإقتراب الإختصاصي الإنفرادي من الحالة فأنه سيواجَه بفشل حنمي، فهذه الظاهرة لا يمكن مواجهتها بالعلوم النفسية وحسب، وإنما بجمهرة من التفاعلات المعاصرة المرتكزة على الإجراءات المدروسة والخبرة السلوكية الموسوعية الشاملة. 

ويبدو أن البشرية في حالة الصدمة ولهذا يخيم عليها التخبط والإستجابات الإنعكاسية، التي تأتي في مقدمتها الإنقضاض على الحالة وكأنها جديدة وليست قائمة في دنيا البشر منذ الأزل.

أكتفي بهذا القدر من النظر، فالمسألة تحتاج إلى مؤتمرات ودراسات وكتب وإجراءات فورية صارمة وحازمة، مثلما نواجه أية حالة مرضية وبائية ذات خطورة عالية جدا.

 

د. صادق السامرائي

 

 

محمود محمد عليشهدت المرحلة الثانية من نشأة النحو العربي، وهي تلك المرحلة التي تبدأ بالخليل بن أحمد وتنتهي بسيبويه، فتمتد بذلك قرنا ونصف القرن من المرحلة التي شهدها النحو العربي لدى أبي الأسود الدؤلي، وقد بينا أن هذه المرحلة من أهم المراحل التي مر بها النحو العربي، إذ شهدت تحولا كبيرا في التعامل مع مادته المستمدة – في أغلب الظن – من منهج وصفي – علي وفق ما وصفت به المرحلة الأولي إلي منهج تجريبي . وإذا كانت الآلية الشفاهية هي الطريقة الوحيدة في النظر إليه في المرحلة الأولي، فإن الأمر انقلب تماما عند سيبويه الذي أنتج لنا نظرية نحوية مدونة ومؤسسة علي منهج تجريبي واضح يشير إلي نضوج التفكير النحوي عنده، الأمر الذي يعني أن المرحلة التي سبقته كانت مرحلة ناضجة أيضا، ولكنها لم تفلح في تأسيس نظرية مدونة، ليصبح سيبويه – فيما بعد – رائدا لعملية التدوين وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ النحو، إذ إن النظر إلي الكتاب ينبئ عن رصانة التفكير النحوي، وتمكن العقل العربي من الانقلاب به من مجرد المشافهة إلي مشروع فكري ناضج خاضع لمنهج تجريبي ناضج أيضا .

وننتقل هنا إلي المرحلة الثالثة من نشأة النحو العربي، وهي التي جاءت بعد سيبويه، والتي بدأ من خلالها يظهر أثر المنطق في النحو وأصوله واضحا إلي حد ما، نتيجة حركة الترجمة التي بدأت تتسع شيئا فشيئا خلال القرن الثالث الهجري؛ حيث وصلت إلينا كل كتب الاورجانون الأرسطي، ووجدنا أعلام مدرستي البصرة والكوفة يسعون جاهدين إلي مزج النحو بالمنطق. ولكن هذا المزج في الأغلب الأعم كان قاصرا علي الشكل، والمنهج، والتنظيم، والتهذيب، وطرق الجدل، ووسائل الحجاج، ثم علي شئ من المصطلحات والأساليب والتقسيمات .

ويؤكد الكثير من الباحثين أن نحاة البصرة كانوا أسبق من نحاة الكوفة إلي الانتفاع بالمنطق، وأن عقولهم كانت أكثر خضوعا وإذعانا لسلطانه ومناهجه . وهم يرون أن سبق البصريين إلي الانتفاع بالمنطق لم يكن محض اتفاق، وإنما يعود إلي صلة البصرة المبكرة بالدراسات المنطقية والفلسفية، ولذلك ظهر تأثير المذاهب المنطقية والفلسفية في البصرة قبل ظهوره في غيرها . كما بين نحاة البصرة كثيراً من المتكلمين والمعتزلة الذين حرصوا علي الإحاطة بعلوم الفلسفة والمنطق، والتعمق فيها والتسلح بها لدفع الشبهات عن القرآن، ثم أفسحوا السبيل بعد ذلك لهذه العلوم لكي تؤثر في دراستهم للنحو . وكان نتيجة خضوع نحاة البصرة لسلطان المنطق ومناهجه أن سُموا " بأهل المنطق ".

والذي يظهر بوضوح أن تأثير المنطق في العصر الأول لوضع النحو كان تأثيرا ضعيفا خافت الصدي، وكان من أوضح آثاره استخدام آلة القياس والتوسع بواسطتها في وضع القواعد النحوية . وقد أجمعت كتب تراجم النحويين وطبقاتهم علي أن "عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي" (ت : 117هـ) يعد أعلم البصريين، لأنه أول من فرع النحو، واشتق قواعده، وطرد القياس فيها، وعللها تعليلا يمكن لها في ذهن الدارسين.

وظل الدرس النحوي محافظا علي أصالته طوال هذه المرحلة، يظهر ذلك بوضوح في محافظة النحاة والدراسات النحوية علي الغرض أو الغاية التي وضع النحو من أجلها، وهي " انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه " . فبقي النحو دراسة للأساليب التعبيرية إلي جانب عنايته بالإعراب والبناء. وقد وجدنا لهذه الروح الأصيلة امتداداً في المرحلة التالية.

وفي أوائل القرن الثالث الهجري، انفتح المجتمع الإسلامي أكثر علي ثقافات العالم، وتوسع في نقل علوم المنطق والفلسفة، وقد انبهر علماء هذه المرحلة – ومنهم النحاة بهذه الثقافات المختلفة في مصادرها والمتنوعة في فنونها، وقد حرصوا علي الإلمام بها، بل أجهدوا أنفسهم في استيعابها وتمثلها، حتي أصبح بعضهم موسوعة لثقافات عصره.

وننتقل إلي حديثنا عن بدايات مزج النحو بالمنطق عند مدرستي البصرة والكوفة في أوائل القرن الثالث الهجري، فنقول : لقد حاول النحويون بعد "سيبويه" إعادة النظر في كتابه مادة وأسلوبا، فشرعوا يذللون صعبه بالشروح، ويخرجون شواهده ويختصرونه، ورأوا مع كثرة المدارسة أنه يمكن اختصار عنواناته الطويلة في صورة محددة يستقر عليه المصطلح الذي حام "سيبويه" حوله وأوشك أن يقع عليه، ورأوا كذلك الاستقرار علي واحد من مصطلحاته الكثيرة التي كان يطلقها علي المسألة الواحدة، فيكتفون بهذا المصطلح عما عداه .

وقد أخذ التجديد في المصطلح بعد سيبويه منحيين : أولهما : التسمية، والآخر : وضع الحدود الخاصّة بها وأُلّفت في ذلك الكتب، وكان من أقدمها كتاب "الإمام أبو زكريا يحيى بن زياد المعروف بالفرّاء " الذي ألفه في " حدود النحو"، واشتمل على ستين حدّا .

وفيما هم آخذون بخدمة هذا الكتاب، أخذت تشتد بينهم الخلافات في مسائله، فمنهم من تابعه وأخلص له، ومنهم من خالفه في جانب وتبعه في آخر، ولم يكن هناك نحوي واحد خالفه مخالفة تامة في مسائله جميعها، حتي إن " الكسائي" وهو إمام أهل الكوفة وفي مقدمتهم، والذي وُصف بأنه اجتمعت له أمور لم تجتمع لغيره، فكان أوحد الناس في القرآن، وكان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم في الغريب،ما يقول ابن الأنباري، الكسائي الذي كان يقف منه موقف الند يناظره ويخالفه الرأي لم يستغن عن دراسة كتاب سيبويه، وتأثر به حتي في المصطلحات، ولا غرابة في أن يكون كتاب سيبويه دستور النحاة من بصريين وكوفيين، ومائدتهم الكبري في صناعة النحو، فسيبويه تلقي أكثر نظرياته عن "الخليل بن أحمد"- أستاذ البصريين والكوفيين علي السواء بشهادة الكثير من المؤرخين.

وإذا كان الخلاف بين البصريين والكوفيين هو الشائع بين النحاة بصفة عامة، فإن الكوفة لن تنسي تلمذة "الكسائي" علي يد "الخليل"،  و" يونس"، ولا تلمذة " الفراء" علي يد " يونس بن حبيب"، وأن "الخليل" كان السبب في توجيه نظر "الكسائي" للرحلة إلي البادية ليتعلم الفصاحة واللغة ، وهذا كان بشهادة الرواة الذين أكدوا أن :" الكسائي خرج إلي البصرة، ولقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، وأنه سأله عن علمه من أين أخذته؟ فقال له: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج الكسائي، ورجع، وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب سوي ما حفظ، ولم يكن لهم غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات، وجلس في موضعه "يونس بن حبيب " البصري النحوي، فجرت بينهما مسائل أقر له "يونس " فيها، وصدره في موضعه.

وهنا نريد أن نقول بأن مدرسة الكوفة لم تكن تختلف عن مدرسة البصرة في الأصول العامة للنحو . فالكوفيون قد بنوا نحوهم علي ما أحكمته البصرة من تلك الأصول، وذلك لأن أئمة النحو الكوفي قد أخذوا النحو من مدرسة البصرة . فالكسائي قد تتلمذ علي "الخليل بن أحمد "، وقرأ كتاب سيبويه علي الأخفش . والفراء قد رحل إلي البصرة وتتلمذ علي يونس بن حبيب كما ذكرنا منذ لحظات، وأكب علي كتاب سيبويه يقرأه، كما أكب عليه جميع أئمة الكوفة من بعده . وكل خلافهم مع البصريين، إنما كان في بعص المصطلحات النحوية، وفي جوانب من العوامل والمعمولات.

وهنا نستطيع القول مع بعض الباحثين بأن الكوفيين لم يكونوا يشكلون مدرسة نحوية تتميز بأسلوبها الخاص ومنهجها الذاتي، وذلك لأنهم لم يخرجوا علي منهج مدرسة البصرة في دراسة النحو، فالبصريون والكوفيون يتحركون في إطارات متشابهة ويطبقون أصولا واحدة، وإن اختلفوا فيما بينهم في بعض الجزئيات فإنه اختلاف لا ينفي عنهم وحدة المنهج واتفاق الأصول.

ومن يرجع إلي كتاب " الأنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين " لأبن الأنباري، يجد أن عامة المسائل التي خالف فيها الكوفيون البصريين لا يمكن أن تجعل من الكوفيين نحاة من نمط جديد، أو تجعل آراءهم التي جاءوا بها تؤلف مدرسة نحوية متميزة، وبهذا يصبح كل ما قيل في عصرنا هذا من كلام من صيغ في الثناء علي الكوفيين لتميزهم في العمل النحوي أمراً مبالغاً فيه.

وليس صحيحا ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين من أن الكوفيين كانوا أقل من البصريين انتفاعا بعلوم المنطق والفلسفة، فقد كان للفراء أثر واسع في التفسير، وفي اللغة، وفي النحو، وقد طلب إليه المأمون أن يجمع أصول النحو . وأن يجمع ما سمع من العرب .. فعكف علي ذلك وألف الكتب، وضبط النحو وفلسفه، فألف فيه كتاب "الحدود" واسم الكتاب يدل علي تأثره بالمنطق، فهو يريد بالحدود التعاريف. كـ (حد المعرفة والنكرة) وحد (النداء) وحد (الترخيم) .. إلخ، وهذه أمور لم يعن بها سيبويه في كتابه كثيرا، وهي أثر من آثار الفلسفة والمنطق، كما ذهب أحمد أمين في كتابيه - ضحي الإسلام وفجر الإسلام.

فالنحاة الكوفيون ومتأخرو البصرة كانوا سواء في اهتمامهم بالمنطق، فقد سلكوا سبل المنهج الكلامي نفسها، هذا المنهج هو الذي يقوم علي المحاكمة المنطقية . أما ما كنا نأخذه علي الأقدمين من تمسكهم بالعامل، فهو منصب علي البصريين والكوفيين علي السواء، فقد قال الكوفيون بالعامل وتمسكوا به كما فعل البصريون تماما، فالطرفان لم يختلفا في جذور نظرية العامل، وربما اختلفا في ضبط هذا العامل وتعيينه في المسائل التي اختلفا فيه، كاختلافهم في رافع خبر المبتدأ، فذهب الكوفيون إلي أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ، فهما مترافعان . وذهب البصريون إلي أن المبتدأ يرتفع بالابتداء والمبتدأ معاً، وذهب آخرون إلي أنه يرتفع بالابتداء.

إلا أنه لما قامت المنافسة بين علماء البصريين نُسب كل واحد إلي بلده، فهذا بصري وذاك كوفي، واستقلت كل طائفة بشخصية مميزة وقامت بين علماء الفريقين مناظرات وصلت بهم إلي حد تعرض بعضهم للبعض الآخر بالهجاء.

ولست هنا متحدثاً عن قيام هاتين المدرستين، فقد ثبت ذلك وكتب عنه كثيرون في القديم والحديث، وألف كل منهما بحثًا مستقلًا، ويكفينا ما كتبه من المحدثين : الدكتور مهدي المخزومي في كتابه "مدرسة الكوفة"، وما كتبه الدكتور عبد الرحمن السيد في كتابه "مدرسة البصرة"، فقد تكفل كلاهما ما يمكن أن أقوله في هذا المقام.

ولكن تبقي لي كلمة أنهي بها حديثي في هذا المقال فيما يتعلق بالطريقة التي من خلالها تمت عملية مزج النحو بالمنطق ؛ خاصة بعد أن صار الخلاف كبيرا بين الفريقين إلي حد ما، حتي شاع بين الدارسين المتأخرين أن نحاة البصرة كانوا أميل لمزج النحو بالمنطق، في حين كان نحاة الكوفة رافضين لهذا المزج . ولقد أفادت قضية علاقة النحو بالمنطق من خصومة الفريقين فائدة كبيرة، إذ نظر كل فريق إلي تلك العلاقة نظرة الناقد، ثم شرعوا في تطويرها وتهذيبها وتطويرها، حتي وصلوا بها جميعاً إلي الاستقرار الذي لم يكن من اليسير علي "سيبويه" أن يصل إليه بسبب نزعته التجريبية، فالاستقرار مرحلة تالية لمرحلة شهدت مدارسات، وخصومات شديدة ومناظرات في هذا العلم لم تهدأ حتي استقر النحو، ورست حدوده ومصطلحاته بالشكل الذي وصل إلينا .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

علاء اللامييعتبر الوضع الحقيقي لما كانت عليه مدينة أورشليم-القدس ومحيطها بمنطقة تلال وسط فلسطين، في العصر البرونزي، والعهد الأول من العصر الحديدي، واحدة من أكثر قضايا التاريخ الفلسطيني أهمية وخصوصية وتعقيدا لدى الباحثين المتخصصين بالتاريخ القديم وعلم الآثار "الأركيولوجيا" والعلوم الأخرى القريبة منهما. وقد تأتى ذلك من أن الرواية التوراتية أنشأت لنفسها ركائز تسلطية قوية، مبنية على مزاعم لا تأريخية حول دور العبرانيين، بني إسرائيل، اليهود - على ما بين هذه الكلمات من غموض وفروق جوهرية في المضمون- في هذه المدينة المقدسة اليوم لدى معتنقي الديانات الإبراهيمية الثلاث. وقد نجحت تلك الرواية الدينية التوراتية، خلال القرنين الماضيين، في أن تجعل من سرديتها نصا تاريخيا رئيسا معترفا به، ومعه جعلت التاريخ الفلسطيني العام هامشا تابعا ومكملا، على العكس مما هما عليه واقع الحال، حيث تبقى السردية التوراتية هامشا صغيرا في السردية الفلسطينية الألفية الأشمل.

وبالتالي، فقد نجحت -السردية التوراتية - في أن تسود، وتتحول إلى قناعة مهيمنة لأسباب عدة، منها قوة التضليل والتزوير الاستشراقي، خصوصا لدى اليهود والمسيحيين الصهاينة من البروتستانت لدرجة بالغة الضلال والجهل، ومنها أيضا تخبط وقلة كفاءة الخطاب التاريخي والإعلامي العربي والفلسطيني للأسف. لقد بلغت الفعالية التضليلية والتزويرية الصهيونية ذروتها مع الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، الذي لا يختلف كثيرا عن زملائه الرؤساء من حيث جهله المدقع بحقائق التاريخ القديم والحديث، والذي بادر إلى الاعتراف بأورشليم-القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" لأنها كما قال مدينة بناها وسكنها اليهود! في حين أن التوراة نفسها لا تقول ذلك، بل تعترف في مواضع عديدة بأن المدينة يبوسية، بناها وسكنها اليبوسيون وقومهم الكنعانيون وهم من سموها بهذا الاسم، ولا علاقة تأسيسية لها بالعبرانيين أو بني إسرائيل القدماء شبه المنقرضين؛ لا لناحية تأسيسها ولا لجهة تسميتها أورسالم أو أورشاليم، أورشليم ولا من حيث ديانة سكانها وهويتهم الإثنية قديما وحديثا.

ومن المؤسف، على الجانب المقابل من المشهد، أن هناك من العرب المعاصرين، باحثين وكتاب ومواطنين عاديين، يجهلون حقيقة اسم "أورشليم"، يتحرجون من ذكره ويرفضون استعماله بمفرده أو الى جانب اسم القدس المعاصر العربي، ظانين خطأً أن "أورشليم" اسم عبري أو يهودي أو إسرائيلي، وما هو كذلك، بل هو اسم كنعاني جزيري "سامي" أطلق على المدينة قبل ظهور العبرانيين في المشهد التاريخي الشرقي بأكثر من ألف عام كما سيأتي بيان ذلك مفصلا في عدة مواضع من هذه الدراسة. فأول ذكر للعبرانيين - إذا افترضنا جدلا صحة التفسير القائل بأنهم هم أنفسهم الخابيرو أو العابيرو - قد ورد ذكرهم لأول مرة في التاريخ سنة 1369 ق.م، في إحدى رسائل تل العمارنة خلال هجومهم على شكيم، فإن أورشاليم القدس الأولى كانت قائمة خلال الألف الثالث ق.م. 

إنَّ من الباعث على الأمل وجود بداية ليقظة في هذا المضمار في السنوات القليلة الماضية بين بعض الكتاب والباحثين العرب عبرت عنها أصوات عدة. من ذلك مثلا ما كتبته السيدة منال زيدان - من مركز يافا للدراسات - تحت عنوان (أورشليم"القدس" اسم عربي كنعاني). ورغم تحفظي على اعتبارها الكنعانيين عربا كما تقول الصيغة الصحافية الشائعة، فالصحيح علميا من الناحية الإثنية والانثروبولوجية "الإناسية" هو أن الكنعانيين واليبوسيين والأموريين والعرب والأكديين جزيريون "ساميون"، ولكنني أتفق مع جوهر ما عَنَتْهُ الكاتبة من أن اسم "أورشليم" لا علاقة له بالعبرانيين أو الإسرائيليين القدماء، وبالتالي لا حرج أبدا من استعمال هذا الاسم الجزيري الكنعاني؛ بل الحرج هو من التردد في استعماله وتركه للإعلام والسردية الصهيونية غنيمة باردة تم التنازل عنها عربيا.

تدعم الكاتبة زيدان رأيها بحجج تاريخية منها أن (أقدم أثر لاسم "أورشاليم"، يحمل اسم مدينة أوروسالم إلى الفترة ما بين 2000ق.م-1900ق.م، وقد عثر على قطعة أثرية عام 1926م وعليها نقش أورشليم، ويظهر الاسم مرة أخرى في إحدى الرسائل التي تم اكتشافها ضمن مجموعة من الألواح عام 1887 في تل العمارنة في مصر الوسطى. دنيا الوطن عدد 2017-05-11)، وكما قلنا قبل قليل، فهناك تاريخ أقدم من ذلك لنشوء أورشليم القدس الأولى باسمها الجزيري "السامي" هذا: أورشاليم.

تؤكد الأركيولوجيا عبر دراسة طبقات الأرض، هذا المعنى بخصوص القدس القديمة. ويعتقد الباحث العراقي خزعل الماجدي في كتابه المهم "تاريخ القدس القديم" أن بُناتَها الأوائل هم الأموريون، مستدلا على ذلك من (بقايا الفخاريات المصبوغة وقواعد الأعمدة والسقوف؛ والتي عثر عليها في موقع القدس القديمة، وتعود الى الألف الثالث قبل الميلاد كما أكد باحثون من بينهم شيلوح وباركر ومانكلستر. ص 72 وما بعدها). وهذا يعني - من وجهة نظر الماجدي - أن القدس بُنيت مع بداية العصر البرونزي، أي قبل مجيء الكنعانيين واليبوسيين ... وإنها، على الأرجح، كانت أمورية البُناة والهوية، قبل أن يصل اليبوسيون الى منطقة التلال الوسطى في فلسطين وبعدهم وصل الكنعانيون وأعادوا بناءها. أما أول إشارة لاسم المدينة بصيغة "روشاليموم" في أثر مادي فقد وردت في نصوص اللعن التي تعود إلى عهد الفرعون سيزوستريس الثالث (1878 – 1842 ق.م)، كما يقتبس الماجدي عن كارين آرمسترونغ في كتابها (القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث).

يُسهب الباحث الماجدي بخصوص اسم أورشليم، ويعرض لقرائه جدولا مهما عن تطوراته وتحولاته واشتقاقاته على الصفحة 92 من كتابه، ومنه نفهم أن اسم "أورشليم" مرَّ بعدة مراحل وهيئات لفظية نذكر أهمها في الآتي:

أورشليم- في آثار من مملكة إيبلا.

 أورسالم- في ألواح أكدية من العراق القديم.

 يوروشاليم- في نصوص الطهارة من مصر.

 أوشاميم، في نصوص اللعنات - من مصر.

 أوشاليم - مصر، أورساليمو- أموري.

 شهر شلايم - في ألواح أوغاريت.

إضافة الى أربعة أسماء أخرى، وجدت في رسائل تل العمارنة يُعَتقد أنها أطلقت على أورشليم القدس، رغم أنها بعيدة لفظا عن أورشليم. ويخلُص الماجدي إلى (أن أغلب أسماء القدس في العصر البرونزي دارت حول "أورشليم". ص 92). ويستدرك مرجحا (أن أقدم اسم معروف للمدينة، وقد يكون سابقا على كل هذه الأسماء، هو اسم "منورتا" الذي يوحي باسم سامي آرامي يعني "الشمعة أو الضوء"...)؛ ثم يعود الباحث ويرجح أن هذا الاسم ربما كان أموريا وليس آراميا بناء على تحليلاته اللغوية التاريخية، ويمكننا أنْ نلحظ هنا القرب اللفظي الحروفي بين مفردة "منورتا" الآرامية التي تعني الشمعة أو الضوء وشقيقتها "منورة" العربية الحية المُحيلة الى المعنى ذاته.  

وكانت آرمسترونغ في كتابها (القدس مدينة واحدة، عقائد ثلاث - ص 28)، قد رجحت أن تكون ترجمة مفردة "يروشاليم" الحرفية هي (شاليم هو الذي وضع الأساس) وتضيف (ففي العالم القديم بالشرق الأدنى والبحر المتوسط كان الناس يعتبرون أن الاستيطان والتخطيط من الأعمال الربانية)، أما شاليم فتعقد أنه (هو نفسه الشمس الغاربة أو كوكب المساء).

 بعيدا عن رصانة البحث العلمي لدى المتخصصين، نجد أن الإعلام الصهيوني في دولة "إسرائيل"، قد ركز جهوده على عدد من خطوط الدفاع السطحي، وحاول القيام بعدة محاولات هجومية مضادة بائسة على صعيد نفي الصلة بين شعب فلسطين اليوم، سواء كانت الملايين التي ظلت مقيمة ومتشبثة بأرضها أو الأخرى المقتلعة منها والمهجَّرة إلى مخيمات اللجوء، وبين أسلاف هذا الشعب ومدينته أورشليم القدس، سواء كان هؤلاء الأسلاف  القدماء كنعانيين أو "فلسطيين" أو غيرهم من الأقوام الجزيرية السامية والبحرية التي عاشت واندمجت في فلسطين، طوال قرون عديدة، وصولا الى الموجة الجزيرية "السامية" الأخيرة الشاملة بعد الفتح العربي الإسلامي قبل أكثر من أربعة عشر قرنا متواصلا، والتي انتهت بإضفاء انسجام إثني كبير على الموجود الانثروبولوجي والتشكل الإثني الذي لم يسلم تماما من تداعيات الحروب والغزوات والهجرات السابقة للفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الهجري واللاحقة له.

إن هذا الحراك الانثروبولوجي والإثني البطيء، والذي استغرق أكثر من أربعة عشر قرنا، لم يقتصر على فلسطين؛ بل حدث في جميع أقطار المشرق العربي شمال الجزيرة العربية، وخصوصا في بلاد الرافدين وبلاد الشام؛ بل وعبر سيناء نحو الشمال الأفريقي حتى ضفاف الأطلسي غربا، وأعاد نسج الفَرْشَةِ الانثروبولوجية والإثنية لشعوب المنطقة مجددا، وبهذا القدر من العمق والتماسك أو ذاك.

ولعل من أكثر النصوص التي كتبها إعلاميون "إسرائيليون" إثارة للسخرية هو تلك المقالة العجيبة التي نشرها نداف شرغاي في صحيفة "إسرائيل اليوم" في 7 شباط -فبراير 2014 تحت عنوان رنان يقول (محاولة فلسطينية جديدة لتزوير التاريخ!) ، يذكر فيها الكاتب عددا من الأمثلة التي يحاول من خلالها نفي وجود أية صلة بين الفلسطينيين وبين أسلافهم الكنعانيين. ومن هذه الحالات - الأدلة المضحكة يطرح شرغاي الآتي (خذوا على سبيل المثال السيدة سلمى فيومي من سكان كفر قاسم، التي عرضت بفخر كبير طعام "الكُشري" وبينت الطاهية من كفر قاسم قائلة: "جاءت عائلتي من مصر من الفيوم، وأنا سلمى الفيومي جئت من الفيوم").

أما المثال الثاني الذي يعرضه شرغاي فهو بخصوص السيد فتحي حماد وزير الداخلية في حكومة حماس في غزة، الذي طلب مساعدة مصرية أثناء العدوان الصهيوني العسكري الدموي على قطاع غزة (آذار 2012)، وقال كما يروي شرغاي (إن نصف عائلتي من جهة شخصية من مصر. فأين رحمتكم؟ وإن أكثر من ثلاثين عائلة في قطاع غزة تسمى المصري وأن نصف الفلسطينيين هم مصريون ونصفهم الآخر سعوديون). تصوروا هذا الاكتشاف العجيب: وجود سيدة فلسطينية من أصول مصرية وثلاثين عائلة من ذات الأصول في قطاع غزة الذي يقترب عدد سكانه من مليوني نسمة! أما العبارة التي ينسبها شرغاي إلى فتحي حماد من أن نصف الفلسطينيين مصريون والنصف الآخر سعوديون فهي أكثر سطحية وتناقضا من غيرها، بل إن الجزء الأول من كلامه عن وجود ثلاثين عائلة غزية من أصول مصرية تكشف كذبها وتناقضها مع حكاية نصف الفلسطينيين من أصول مصرية.

ولكنَّ مقالات "إسرائيلية" من هذا النوع، وهي كثيرة كما يبدو، ولها قراؤها ممن يؤرقهم أصلهم العرقي المثير للجدل، ومبررات وجودهم على أرض شعب آخر بالقوة والعنف، تكشف لنا عن مستوى ضحالة الإعلام "الإسرائيلي" وتأزمه حين يناقش أمورا علمية مهمة تتعلق بالتاريخ أو أنثروبولوجيا أو المورثات "الجينات"، والتي تحظر إسرائيل دراستها كما يخبرنا عالم المورثات الروسي أناتولي كليوسوف.

 وبالمناسبة، فالعلم الأخير وهو من العلوم التجريبية التي لا تقبل الخطأ إلا نسبة لا تكاد تذكر، أثبت، وعلى أيدي باحثين أجانب من بينهم باحث "إسرائيلي" مشهور هو إران حايك، أن اليهود الأشكناز، والذين يشكلون قرابة 90% من يهود العالم اليوم لا ينتمون لذات الجينات التي كان يحملها بنو إسرائيل واليهود العبرانيين في العصور القديمة. فيما أكد عالم جينات روسي آخر هو البروفيسور أناتولي كليوسوف خلال برنامج تلفزيوني (برنامج "رحلة في الذاكرة" بثته قناة "روسيا اليوم" بتاريخ 5 أيلول/ سبتمبر 2018)، أكد أن الجين الذي يسميه بعض الباحثين الصهاينة "الجين الكوهيني" ويعتبرونه جينا خاصا باليهود، لا علاقة مباشرة له باليهود؛ بل هو جين عربي وجد عند العرب قبل اليهود بأربعين ألف سنة. وكنا قد توقفنا عند هذا الموضوع في دراسة بجزأين نشرت في يومية "الأخبار" عدد 4 تشرين الأول 2018

وبالعودة إلى هوية الأقوام القديمة في فلسطين الوسطى، سجل باحثون مرموقون كُثر ما مفاده أن العلاقة بين أحد هؤلاء الأقوام على اختلاف تسمياتهم: العابيرو والخابيرو والساشو، بنو إسرائيل، اليهود، الذين ما يزال الغموض يلف اسمهم وهويتهم وموطنهم الأصلي وبين هذه المدينة لا تتعدى علاقة مهاجرين متسللين أو غزاة في إقليمٍ شكَّلَ الغزو والهجرات ثيمتين رئيستين في كل تاريخه القديم. وقد سيطرت قبائل العابيرو على المدينة سكانيا وبشكل سلمي لقرنين أو ثلاثة في العصر الحديدي وليس في هذا العصر البرونزي، وسنتوقف عند هذه الحيثية لاحقا بشيء من التفصيل. ثم ما لبثت المدينة وبلاد فلسطين كلها أن أصبحت متقلبة التبعية وبؤرة صراع إقليمي شرس بسبب موقعها الجغراسياسي، وكونها سُرَّةً تتلاقي فيها عوالم أفريقيا وآسيا وأوروبا، وعتلة العالم القديم المتنازَع عليها بين القوى الدولية الكبرى آنذاك كمصر الفرعونية وممالك وإمبراطوريات بلاد الرافدين وبلاد فارس والمقدونيين؛ فالرومان وصولا الى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي "سنة 637 م".

لقد كان الفتح العربي الإسلامي الأخير بمثابة إنهاء وتبديد لحالة الصراعات القديمة وإعادة تأسيس عميقة لهوية فلسطين الجزيرية السامية الأم، ولكن بنسختها العربية الطالعة في المشرق العربي، والمندمجة مع بقايا الفلسطينيين الجزيريين الساميين فيها من كنعانيين وغيرهم. أي أن الفتح العربي في القرن السابع الميلادي كان التجلي الجزيري "الجديد والأحدث" للمظاهر الانثروبولوجية والإثنية الجزيرية الأقدم منه، والتي سبقته كالتجلي الأموري واليبوسي والكنعاني المندمج بشعوب الفلسطة والتكر البحرية، وهو التأكيد الانثروبولوجي العملي والتاريخي لهوية فلسطين الجزيرية السامية الكنعانية لآلاف السنوات؛ ومن ثمَّ شقيقتها الهوية العربية الوارثة والجامعة للهوية الجزيرية الكنعانية منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.  

ومع تصاعد الترويج الصهيوني في أوروبا الغربية للرواية والرؤية التوراتيتين، والذي بدأ به الصهاينة البروتستانت قبل الصهاينة اليهود خلال القرنين الماضيين وقبلهما بكثير، وهذا ما يرصده ويوثقه الكتب اليهودي المنصف إيلان بابيه في كتابه "عشر خرافات حول إسرائيل"، بدأت فؤوس علم الآثار "الأركيولوجيا" عملها الفعال والمنهجي العلمي في القرنين الماضيين، ومع ضربات تلك الفؤوس انهارت أجزاء كبيرة من صخور وجلاميد أسس الرواية التوراتية وتحولت الى رماد، خصوصا أجزاءها المتعلقة بالعصر البرونزي وحتى بدايات العصر الحديدي؛ وسنلقي نظرة فاحصة وتحليلية على حيثيات الموضوع في مناسبة قريبة قادمة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

...................

* هذه المقالة جزء من دراسة مطولة حول أورشليم القدس في العصر البرونزي ستصدر لاحقا في كتاب "نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى".

 

مجدي ابراهيمالناسُ قد تعوَّدوا ممَّن يسمونهم بكبار المفكرين أن يقولوا فنصغي باكتراث شديد إلى ما قالوه، والناس قد تعودوا ممَّن يقدّرون المفكرين أن يرفعوا من أقدارهم فوق شوائب النقص والنقد والاعتراض. وكاتب هذه السطور واحدٌ من هؤلاء الذين يقدّرون الفكر وأهله؛ لأنه يصغي باهتمام شديد إلى ما يقوله المفكر إذا هو فكر وأجاد التفكير، لكنه لا يرفع الفكر فوق مراتب النقد والاعتراض، لا لشيء إلا لأن "الفكر" هو في المقام الأول فكر، يجوز لك أن تقبله، ويجوز لك أن ترفض منه ما لا ترى فيه جدارة القبول.

ومن هنا ينشأ التنابذ والصراع والتخاصم بين المفكرين وأشباه المفكرين. ربما اختلفت وجهات المفكرين باختلاف المنازع الفكريّة والبواعث العقليّة التي تحركهم إلى الإصلاح وتدفعهم إلى مسيرة التغيير دفعاً ما إنْ تذهب تفتش عن جذوره الخبيئة إلا وجدته كامناً في طوية الإنسان كمون النار في الحجر أو كمونها في هشيم تراكم ينتظر التّوهج والاشتعال، وما على المفكر - من بعدُ - إلا أن يقدح عوداً واحداً وكفى؛ لتلتهب النار وتشتعل. هذا العود المقدوح هو "الفكرة"؛ وبمقدار ما يكون التركيز قوياً في قدح العود يكون تباعاً اشتعال النار فيما تلاه، وعلى قدر ما يجيء التركيز ضعيفاً خافتاً يجيء معه الاشتعال علامة على غياب التركيز، ومن ثمَّ خمود النار المشتعلة تنطفئ فلا يقوى لتوهجها اشتعال. وإني لأعني باختلاف الوجهة عند هذا المفكر أو ذاك هو اختلاف "الفكرة" من أين استقاها صاحبنا فدّلت على وجهته في التفكير وقبلته في الاتجاه يتجه إليه، ويريد أن يوجه الناس إليه كلما أستطاع؟

إمّا أن يكون استقاها من واقع عاشه أو من تأمل استوحاه، أو رأي نقحه واعترض به على غيره من جمله مفكرين سبقوه أو عاصروه، أو مصدر من مصادر التشريع استهدى حقائقه وتفهم مراميه، أو عقيدة إيمانية تمكّنت من قلبه فتحوّل بمقتضاها سلوكه، أو كل هذا أو بعضه ممّا تتعدد معك وجهات المفكرين، لكنها في جملتها ترمي إلى هدف واحد هو : إسعاد الإنسان بمجموعة القيم التي يعتنقها بعدما يتنبَّه إلى ما هو كامن فيه من باطن طواياه.

وعلينا، من بعدُ، أن نصغي إلى وجهات المفكرين؛ لندرك إلى أي مدى يستطيع المفكر أن ينفذ إلى أغوار الإنسان فيسعده، وإلى أي مدى يخفق في وجهته فلا يكشف عمّا عَسَاه يكون مدفوناً في باطنه من أعمق الأعماق؟ قد يكون فكر المفكر يجري على تراث السابقين، يستهدى من الأوائل فكرته، ويستوقد ناره المبدعة فيخرج علينا بمجموعة من القيم نسلّم نحن من ورائه بصحتها وبضرورتها كذلك، وبحاجتنا الماسّة إلى تطبيقها في حياتنا اليومية، لكن هذا التسليم لدينا هو من قبيل التسليم بالقيم التي تعودنا ممارستها أو التي لم نتعود بعد. وما هى القيم التي تعودناها؟

هى القيم التي يعرفها كل مسلم وعى كتابه الكريم .. ماذا قال في هذا؟ وماذا جاء في ذاك؟ والأصل في الفكر أنه ذو مصادر، ولا يوجد فكر بشري بدون مصادر، ومجموعة "القيم" التي عُرفت في تاريخ البشرية هى في الغالب ذات أصل ديني، يحكمها النزوع الباطني العميق في التوجُّه نحو الغيب، وترتاض عليها سريرة الإنسان منذ عَرَفَ له سريرة على وجه هذه البسيطة. ولم نزل نبحث في أسرارها فلم نجد سراً أبدع ولا أروع من معرفة الإنسان لضميره منذ فجر نشأته الأولى.

وعلى هذه القيم يدور الفكر كله في حلقة متسلسلة ومتواصلة، ممتدة الإيقاع في بطن التاريخ، يأخذ اللاحق فيها عن السابق، ويضيف، ويعدّل، ويزيد، أو يبدع في إطارها، ولكن يبقى الأصل في مثل هذا التوجُّه واحداً، والجوهرُ لا خلاف عليه.

*    *    *

ومن هذه التقدُّمة وددت أن أقول : إنّ في القرآن الكريم أصولاً أصيلة من القيم الكبرى، ربما كانت وما زالت هى هى التي يحدثنا عنها المفكرون الأقدمون والمحدثون بضروب مختلفة من الأحاديث والأطروحات، ثم يتنابذون ويتعاركون من بعدما يتعصبون لاتجاهاتهم! وآفة الفكر التعصب والانغلاق، فكما تكون "آفة الرأي الهوى" كما يقول القدماء، فكذلك تجيء آفة الفكر التعصب والتحجر والجمود على القديم.

ولو أننا أزحنا التعصب جانباً لفهمنا مغزى الإشارة من العبارة المأثورة "فيه خبرُ ما قبلكم"؛ فإن الخبر لا يقتصر على الحكاوي وسرد الوقائع ورواية الأحداث بل يحيط العقل الواعي بنماذج أخَّاذَة من القيم الكبرى، على ضوئها يؤمن العقل بضرورتها الواجبة. وأهم هذه القيم عندنا هى قيمة "الوجود الرُّوحي" الذي نرتفع به متى ارتفعنا بأنفسنا، ونندك وننحط متى تخلينا عنه.

ولنتذكّر في هذا الصدد عبارة مُلهَمة قالها الأديب الكبير "توفيق الحكيم" في إطار المقارنة بين روحانية الشرق وهو متخلّف، ومادية الغرب وهو متقدَّم :" إنّ روحانية الشرق قد هَبَط بها كسل النفس إلى المادية، وإنّ مادية الغرب قد أرتفع بها تيقظ النفس إلى الروحانية". وهى عبارة قد ردّد معناها الإمام "محمد عبده" من قبله باختلاف الصياغة مع اتفاق المضمون عندما قال :" ذهبتُ إلى الغرب فوجدت مسلمين بلا إسلام ".

ولعلّ هذا يُفسر السبب المباشر في عِلّة التقدّم والتخلف بين الأمم، وهو عندي سببٌ لا يرجع إلى المادية أو إلى الروحانية بمقدار ما يرجع إلى الأشخاص الذين يفهمون من هذه الروحانية خمود الروح وكسل النفس ولا يفهمون منها اليقظة والثورة على النفس وحيوية الانطلاقة الرحبة نحو القيم الكبرى؛ إذْ العيب لا يكمن في الروحانية أو المادية قدر كمونه في التوجه والفهم والإدراك وتحويل الفكرة إلى سلوك؛ لأن الفكر في الغالب عرضة للرفض وللقبول، وهو هنا من هذه الجهة بالتحديد يختلف عن "العقيدة" المنزلة بوحي السماء.

والفرقُ بين الفكرة والعقيدة هو أن الفكرة تُقبل أو تُرفض، بمعنى أنه إذا كان من حقك أن تقبلها، فمن حقي أنا أن أرفضها. بإمكاني أن أرفض العلمانية مثلاً أو الشيوعية أو الاشتراكية أو الليبرالية أو ما شئت أن تضيف، أرفضها وأنا مطمئن إلى رفضي إيّاها، ولن يحاسبني الله على رفضها أو قبولها؛ لأنها أفكار بشرية نابعة من عقول فكرت ودبّرت، ورأت أن يكون سبيلها في هذا المذهب أو ذاك. والإسلام "عقيدة" ليس كذلك.

أي نعم ! ليس من حقي أن أختلف مع العقيدة ما دُمت قد اخترتها بادئ ذي بدء طواعية لا إكراه فيها؛ "ولا إكراه في الدين". وليس بالإمكان ولا هو بالمستطيع أن يرفض المرء ديناً منزلاً مُوحى به من عند الله كان قد ارتضاه منذ البداية ثم يختلف معه ويقول : وجهة نظري في هذه الجزيئية كذا وفي تلك كيت! إذا أنت فعلت ذلك، تساوي عن جهل أو عن غفلة بين ما هو بشري وما هو إلهي، أو بين ما هو قابل للنقد والاختلاف، وما هو مقدَّس لا يقبل النقد، ولا يقبل الاختلاف معه بحال.

مثل هذا الخلط الشنيع بين "الفكرة" و"العقيدة"، هو الذي يقدح من الوهلة الأولى في تفعيل "التوحيد"، وهو الذي يخلق التنابذ والصراع على المستوى الأيديولوجي، وعلى مستوى الممارسة الفعليّة كذلك، ثم هو نفسه الذي لا يغرس فاعلية القيم في نفوس قابليها ولا يُسيغها في عقول متلقيها بل يغيّبها، ويجعل من الظلام موطنها؛ فلا تقوم في الناس لها قائمة، ثم يشيع بعد ذلك "لغة التمزق" من جراء تفاقم النزاع والانقسام والتنافس الغبي على تحقيق المصالح، وكلها - كما ترى - عوامل هدم لا عوامل بناء.

السؤال الذي يفرضه المنطق المقبول : كيف يتمُّ إزالة هذا كله مع وجود عوائق من الأولى أن نزيلها قبل التوسع في الإصلاح والترقية بالصالح ومحاربة الفساد من كافة الهيئات والمؤسسات؟ ثم هل هناك أملٌ في كل هذا أو مثله، والواقع المعيش يطحن بعضه بعضاً إلى الدرجة التي أصبحت معها مقولة "الحوار" في بلادنا بغير ذات معنى، وأن الجالسين للحوار مقيدون بمقولاتهم الذهنية، فيجيء كل منهم وهمُّه كسب النقاش لا طرح الحلول، ليؤول الحوار بينهم آخر الأمر إلى "حوار الطرشان"؛ فتضييع القيم مع هذا النزاع بغير أن يكون هنالك أملٌ في استرجاعها ؟!

عندي أنه لا يمكن أن تكون هنالك نهضة وطنية حقيقية ذات فاعلية وتأثير والنزاع بينا على أشدّه. الوطنية الحقيقية أقوى وأرسخ من أسباب الاختلاف. وبناء البلاد توحيد لا اختلاف فيه. ولا تقوم الوحدة الوطنية إلا بقيام روحها فينا. تقرِّب ولا تفرّق بين الناس لتوَحِّد غايتهم .. وإلاّ (فَمَتَى يَبْلُغ البُيْنَان تَمَامَهُ .. إذا كُنْتَ مَا تَبْنيه غَيْرَكَ يَهْدِمُ)

يقول لك بعض المحللين إنه : لا يزيل الخلافات سوى الجلوس على مائدة الحوار، وبخاصة إذا تعلق الأمر بالداخل. الأفضل بدء العلاج ببرامج "التنمية" التي تقضي على الجهل والتخلف والتعصب، فهل كلام المحللين هذا صحيح؟

ليته يُجدي نفعاً ويحقق غرضاً ويصلح شأناً، وينهض بتحقيق قيمة على أرض الواقع الفعلي؛ يحضرني في هذا السياق عبارات مهمّة لها مغزاها لأحد الكتّاب المعاصرين يرى فيها - ومعه الحق كل الحق فيما يرى -  أن كل أنواع برامج التنمية تكاد تكون مقبولة إلا التنمية البشريّة فهى سبوبة للارتزاق : "... يقوم بها الفاشلون الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا يجيدون سوى عبارات التشجيع والدَّعم النفسي من نوعية (أحبّ ما تعمل حتى تعمل ما تحب!) وهى عبارات من أردأ ما جاءت به قرائح شياطين التنمية البشرية لعنها ولعنهم الله. الوسيلة الوحيدة كي يحبّ المرء ما يعمل هى أن يكون بالفعل ممَّن يعملون ما يحبون في ظروف عمل يحبونها، تؤهلهم للعمل وتحقق لهم مآربهم فيما يعملون. لا فائدة من صناعة "التنمية البشرية" كلها إذا لم تكن دعايتها الإيجابية تقابل فلسفة إيجابية يعتنقها المتلقي نفسه ويفعلها أولاً في ذاته .. لماذا؟ لأننا لا نقبل على الدعاية الإيجابية إلا إذا كنا إيجابيين أصلاً، ومتفائلين فعلاً! الحقيقة أن صناعة التنمية البشرية كلها تقوم على أساس بيعك ما تملكه أساساً. هذه بضاعتك رُدَّت إليك.

وأنا أخشى أن تكون البرامج الأخرى لها من هذا الجانب الهدَّام حظ ونصيب.

ومادام الإنسان لا يتحرّك إلا لاعتبارات مصالحة الشخصية، فمن الأجدى بنا أن نعود إلى الإنسان في كل مرة نصلحه ونزكيه من طريق التربية أولاً قبل التنمية : يعنى غرس مجموعة سامية من القيم العاملة النافعة، تكون القيم القرآنية الكبرى في مقدمتها، يهتدي بها إلى تنمية ذاته، وتقوده إلى تجاوز مصلحته الشخصية إلى حيث العمل خالصاً لله ثمّ مصلحة المجموع والوطن على التعميم.. ثم ماذا؟

لننظر من بعدُ في قوله تعالى من سورة البقرة آية (137) كيف يزفُّ إلينا "القيمة" خالصة، طيبة، نقيّة، في قوله تعالى: "فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم اللهُ وهو السَّميعُ العليم".

فماذا تلاحظ؟ انظر إلى كلمة شقاق هذه، كيف جاءت في موضع حقيق بالنظر وجدير بنسبة الشقاق والنازع إلى مَن لم يهتدْ بنور الهداية الذي هو نور الإيمان، فلا شيء يمنع الهداية ويحجب نورها غير التناحر والفُرْقة وعلائم الإعراض عن الحق. فلئن تولوا فإنما هم في شقاق ثم ماذا؟ ماذا بعد الشقاق والتباغض في غير جدوى. ماذا سيكون غير كفاية الله لعبادة يستغنون به عن العالمين؟ :

قلوب تتناحر، وعقول تدبّر ألوان المكائد، وأوهام تتنابذ، ونفوس مشحونة بالتحاسد والتباغض وسائر الآفات الأخلاقية وغير الأخلاقية التي تهبط بها إلى أخلاق الخنازير - إنْ صحّ أن يكون للخنازير أخلاق - لأجل ماذا؟ لأجل أنها في معرض الفُرْقة والنزاع تنأى عن "الهداية"؛ لأنها تنأى عن الإيمان. وفي البعد عن الإيمان والإعراض عن الهداية يكون الشقاق ويحل التخاصم المذموم. وها هنا تتنزل كفاية الله على الذين يستغنون به عن العالمين ويعملون من أجله وكفى؛ لأنهم فقراء إليه، فسيكفيكهم الله، وكفى بالله أنه سبحانه سميع، وأنه سبحانه عليم.

لكأنما الذين يكتفون بالله في مثل هذا الخضم العنيف من المكائد والدسائس والتشاحن والبغضاء وضياع المزايا الفاضلة والخصال الحميدة، إنما هُم الذي يرتفعون بذواتهم بكفاية الله لهم أن بصرهم بشرِّ الشقاق بعد التولي والإعراض، وأن هداهم بإيمانهم إلى ودائع المعرفة به وخلوص السريرة إليه في قصد التوحيد.

وقس على هذا التخريج كل القيم التي نراها أو لا نراها ببصر محسوس. وقد صدق أبو حيان التوحيدي حين قال في إشاراته الإلهية :" سبحان مَنْ إذا شاء لأرانا في الذي أرنا غير ما أرانا". نعم ..  (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) .

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

منير الجلبي(هذا التحليل كنت قد اعددته في شهر تشرين الثاني 2018  قبل صدور قرار المحكمة الفدرالية العليا في كانون الثاني 2019 برفض والغاء معضم البنود الاساسية لقانون "شركة النفط الوطنية"، وكانت الدراسة بطلب من المرحوم الصديق العزيز باسل سيفي للمساهمة كوجهة نضر ودراسة للنشر في مجلته "قضايا ستراتيجية" والذي كان سينشر في بداية عام 2019 ، حيث كان العدد تحت عنوان "سياسات نفطية لخدمة الشعب العراقي حاضرا (الاجيال الحالية) ومستقبلا (الاجيال القادمة)". غير ان القدر لم يمهل العزيز باسل لنشرها).

ان الهدف من هذا التحليل هو االقاء الضوء على العواقب الكارثية التي ترتبت بسبب المخططات والسياسات المتتالية لوزارات النفط الاتحادية العراقية واقليم كردستان منذ عام 2006 ولحد الان على حاضر ومستقبل تطور الثروات النفطية والغازيه وعلى الصناعات الوطنية العراقية وتاثيراتها السلبيية على مستقبل الاستقلال الاقتصادي والسياسي للبلد.

ان هذه السياسات جعلت الاقتصاد العراقي اقتصاد اكثر ريعيا من اي وقت مضى، وكسوق للاستهلاك للمنتجات والصناعات الاجنبية وتابعا بشكل متزايد لقررات البنك الدولي وسياسات السوق الحرة الممثلة للشكل الحقيقي للاستعمار العالمي الجديد.

فما هي الادلة المؤشرة لمثل هذا المستقبل المظلم:

1- لقد وضعت وزارات النفط الاتحادية في بغداد ووزارة نفط الاقليم كل اهدافها القصيرة والمتوسطة والطويلة الامد في زيادة الطاقة الانتاجية للنفط الخام فقط. لقد كان من الواضح ان هذه المخططات لم تكن جزء من سياسات تنظيم وطنية جيدة توضح اين يتجه هذا القطاع او الكيفية التي يجب ان يعمل بها، وما هي العواقب المترتبة من السياسات الوحيدة الجانب على مستقبل الصناعات النفطية الوطنية. ان رسم سياسات هدفها "زيادة انتاج النفط الخام فقط" لم تكن قرارات حكيمة ووطنية على الاطلاق حيث ان جميع جولات التراخيص المتتالية لم تكن جزء من مخططات مدروسة للربط ما بين جميع العناصر ضمن مخطط لتطوير مستقل للصناعات البتروكيميائية الوطنية بمعزل عن الشركات الاحتكارية العالمية.

2- عدم ربط اتفاقيات "جولات التراخيص الهجينة" بتكوين الصناعات البتروكيمياوية العراقية الوطنية. كنت قد بينت بشكل واضح منذ عقد هذه الاتفاقيات قبل حوالي عشر سنوات، ان استراتيجية وزارة النفط الاتحادية يجب ان تتركز على بناء صناعات نفطية وغازية وطنية سواء في مرحلة الانتاج او مرحلة التصنيع النفطي، وان تكون "سياسة زيادة الانتاج" جزء من الاستراتيجية لتنمية صناعة الطاقة الوطنية  وان لا يكون زيادة الانتاج هو "الاولوية الوحيدة" في مثل هذه المخططات.

وقد بينت ان السياسات التي لا تربط عمليات رفع الانتاج ببناء سياسة تطوير الصناعات الوطنية البتروكيمياوية بدا بتطوير صناعة التكرير، سيجعل من سياسة الانتاج كاولوية وحيدة ستؤدي فقط الى خدمة مصالح الاقتصادات الغربية وسياسات الادارة الامريكية  وارباح شركات النفط العالمية، وهذا ما اثبتته السنين العشرة الماضية منذ عقد هذه الاتفاقات السيئة.

3- ان جميع جولات التراخيص للحكومة الاتحادية واتفاقيات المشاركة في الانتاج لاقليم كردستان لم تؤدي الى اعادة بناء وتنمية مستقلة لصناعات النفط والغاز الوطنية العراقية، بل على العكس من ذلك ادت الى تفكيك ما كان في طورالتطوير او البناء من هذه الصناعات الوطنية واعطت السيطرة الحقيقية على هذه الصناعات لشركات النفط والغاز العالمية الكبرى وللمرة الاولى منذ عمليات التاميم الوطنية لهذه الثروات في سبعينيات القرن الماضي.

لقد كان بدعة خلق ما اطلق عليه في اتفاقيات جولات التراخيص وما سمي باسم "مؤسسات التشغيل الميدانية FODs" ما هو الا عملية تسليم الدور الاكبر لشركات النفط العالمية الكبرى لصناعة القرار وفي السيطرة على الانتاج في جميع الحقول المنتجة العملاقة وادارتها وتشغيلها، وصولا الى اعطائها السيطرة على عمليات الاستكشاف والتطوير والانتاج للحقول المستكشفة والتي لم تكن قد بدأت عمليات الانتاج فيها في وقت منح العقود.

4- ان الاستمرار بسياسة الاعتماد في تقييم "ستراتيجي ووطني" لما اطلق عليه "بعقود الخدمة الفنية" في جولات التراخيص لا يصح ان يتم بمحاولة الاكتفاء والاستمرار بمقارنتها باتفاقيات "المشاركة في الانتاج" التي وقعها اقليم كردستان للخروج باستنتاج صلاحية ووطنية هذه الاتفاقيات.

غير ان التقييم الاستراتيجي الحقيقي الوطني والعلمي لجولات التراخيص يجب ان يتم ويعتمد اساسا من خلال مقارنة ايجابياتها وسلبياتها بالسياسة الوطنية النفطية التي كانت سائدة في الفترة التي بدات بقانون 80 لعام 1961، ثم قانون تاسيس شركة النفط الوطنية عام 1967، لتليها تاميم شركة نفط العراق عام 1972 وانتهاءا بتاميم شركة نفط البصرة عام 1975 والتي حولت الصناعات النفطية الى صناعات وطنية عراقية بجميع مراحلها بدء بالاستكشاف مرورا بالاستخراج والنقل والتسويق وصولا الى البدا بخطى ثابتة بتكوين صناعات بتروكيمياوية.

فاين سياستنا النفطية الحالية مقارنة بما كانت عليه عام 1979 ؟

5- ان جولات التراخيص الخمس لوزارة النفط الاتحادية واكثر من 70 اتفاقية في "المشاركة في الانتاج" سيئة الصيت لحكومة اقليم كردستان قد انهت اي امكانية لقيام صناعة وطنية عراقية في الوقت الحالي او في المستقبل، وحولت دور اي مؤسسة عراقية وطنية لا يتجاوز دور مراقب لتطور العمل في حقول النفط العملاقة التي اصبحت ادارتها كاملة بايدي شركات النفط العالمية الكبرى. لقد كنت قد تطرقت بالتفصيل عن سيئات هذه السياسات في تحاليل مختلفة منذ عام 2008 وقد اثبتت السنوات العشرة الماضية صحة هذه التحاليل.(2)

6- كان المطلوب من وزارة النفط الاتحادية ان تخطط للمدى المتوسط والطويل لسياسة ستراتيجية "عراقية وطنية" سواء لبناء الصناعات الاستخراجية او التصنيعات البتروكيمياوية تربط تطوير الصناعات الاستخراجية للثروات النفطية والغاز كجزء متكامل مع بناء الصناعات البتروكيمياوية المرتبطة بهذه الثروات وان لا تجعل زيادت انتاج النفط الخام هي "الاولوية الوحيدة" .

ان ما جرى في السنوات العشرة الماضية والذي جعل من العراق واحدة من اكثر الدول الفاشلة في تطوير صناعاتها النفطية حيث لم يتم انهاء تشيد حتى اي مصفى جديد ناهيك عن اي صناعات بتروكيمياوية جديدة على الرغم من ثبات وجود هذه الثروات الهائلة في باطن الارض منذ عشرينيات القرن الماضي حيث اصبح الاحتياطي المثبت للنفط في الحقول المكتشفة في السنوات الاخيرة يتجاوز 154 مليار برميل، وهناك توقعات ذات مصداقية من بعض المؤسسات العاملة في هذا الحقل تتكلم عن ارقام تصل الى 300 مليار برميل.

7- ان الاعتقاد السائد لدى البعض بان ما جرى في العراق من اتفاقيات جولات التراخيص الهجينية للحكومات الاتحادية المتوالية او اتفاقيات المشاركة في الانتاج في اقليم كردستان المرتبطة بزيادة استخراج النفط الخام فقط تمثل "سياسات وطنية اذ انها تجلب موردا ريعيا للدولة!" ومن دون ان ياخذوا بنظر الاعتبار ضرورة ربط هذه الاتفاقيات بانشاء مصافي نفط وطنية او صناعات للاستفادة من الغاز المصاحب لانتاج الطاقة الكهربائية بدل حرقه، او انشاء صناعات بتروكيمياوية، اضافة الى تسليمهم الكامل لصناعات الاستخراج الى شركات النفط العالمية الكبرى.

ان وزارة النفط الفدرالية لم تقم في السنوات العشرة الماضية ببناء اي مشاريع للتصنيع البتروكيمياوي في العراق الا باستثناء التوقيع على مشروع مصفى كربلاء والذي حتى بعد الانتهاء منه (ان تم ذلك ان اردنا التذكير بمشاريع الوزارة الاخرى!) فهو لن يستطيع سوى التعويض عن قسم من منتج مصفى بيجي الذي دمر بشكل شبه كامل، وهو يثبت ان مشاريع وزارة النفط لن تكون باحسن حالا من المشاريع العتيدة لوزارة الكهرباء.

ان هذا الفهم الخاطئ للسياسات الاقتصادية هو ابعد ما يكون عن فهم الواقع التدميري لمثل هذه السياسات و منعها لاي تطوير لاقتصاد وطني وجعله تابعا استهلاكيا لصناعات الدول الصناعية المتطورة وعلى الاخص اقتصادات الدول الاوربية والولايات المتحدة الاميركية. اذ لو كانت سياسات التركيز على تطوير صناعات الاستخراج بمعزل عن الصناعات المرتبطة بها هو مثال للسياسات الوطنية لاصبحت الحكومات التابعة للاقتصادات الغربية في السعودية والامارات وقطر والكويت  ونايجريا وغيرهم من اكثر الحكومات االوطنية واقلها فسادا واقلها تبعية للاجنبي على هذه الكرة الارضية!!

8- ان مجمل هذه الاتفاقيات قد حولت العراق الى "مضخة نفط" لخدمة السوق النفطية العالمية ويعطي الولايات المتحدة احتياط نفطي اضافي كدور مكمل للدور السعودي والنفط الحجري الامريكي لاستخدامه للتحكم بالاسعار كسلاح سياسي للادارة الامريكية لاجبار كل من يعارض المخططات الامريكية على الخضوع لمخططاتها من خلال اغراق سوق النفط العالمية بكميات لا حاجة للسوق اليها.

وهذا هو ما تنفذه الادارة الامريكية حاليا وحسب الاعتراف العلني للرئيس الامريكي ترامب وذلك لاجبار كل من ايران وروسيا وفنزولا على الانصياع للمخططات الامريكية، وفي نفس الوقت يعطي الادارة الامريكية سبيل للسيطرة الداخلية في العراق من خلال اثراء النخب المحلية الفاسدة وكسب تبعيتها للمخططات الامريكية كما يحصل حاليا ومنذ بدا الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 وذلك من خلال السماح لهذه النخب بسرقات نسب معينة من النفط الخام المستخرج وتهريبه من دون ان يكلف الاحتلال الامريكي اي تكاليف من الميزانية الامريكية.

9- اعتمادا على الارقام الرسمية الصادرة من وزارة النفط االاتحادية، فقد ارتفع معدل صادرات العراق للنفط الخام (باستثناء ما صدره اقليم كردستان)  من 2،165 مليون برميل يوميا (م ب ي) عام 2011، الى 3،3 مليون ب ي عام 2017، ويتوقع ان يصل معدل التصدير الى حدود  3،5 مليون  ب ي عام 2018، اي بزيادة قدرها حوالي 1،35 م ب ي وتمثل ارتفاع بحوالي 65% مقارنة بعام 2011، وتمثل نسبة الارتفاع هذه واحدة من اعلى نسبة ارتفاع ضمن الدول المصدرة للنفط بعد الولايات المتحدة والسعودية. (5)

ويجب التاكيد على ضرورة اضافة ما لا يقل عن  0،5 م ب ي وهي معدل صادرات اقليم كردستان الى صادرات العراق النفطية على الرغم من ان وزارة نفط الاقليم لا تصدر احصاءات رسمية لصادراتها وهناك ادلة على ان ما يصدره الاقليم الى تركيا ومن ثم لاسرائيل وما يتم تهريبه من ابار كركوك هو اعلى من هذا.

ان الارقام الحقيقية لمجموع صادرات العراق النفطية هو اعلى بكثير من الارقام التي تصدرها وزارة النفط الاتحادية. فعلى سبيل المثال فان ارقام وزارة النفط الاتحادية المنشورة على موقع وزارة النفط لشهر اكتوبر 2018 هو 3،47 م ب ي، في حين ان الرقم الحقيقي لمجموع الصادرات هو 4،76 م ب ي حسب ما ورد في موقع CNBC للاعمال وهذ الرقم يزيد بحدود 1،3 م ب ي عن ارقام وزارة النفط، وهو اعلى بكثير من المسموح به كحصة العراق في منظمة OPEC. (4)

كما ان التساؤل الثاني هو انه ان طرحنا 0،5 مليون ب ي كرقم يدعي الاقليم بان هو مجموع صادراته من الفارق 1،3 م ب ي  اعلاه، فاين ذهبت الـ 0،8 م ب ي المتبقية؟ وهل يمثل هذا الرقم ما يتم تهريبه وسرقته من قبل القوى والاحزاب المتنفذة في اقليم كردستان وفي المناطق الجنوبية من العراق؟

10- وهنا يطرح التساؤل حول مستقبل العراق في منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك،  فجعل مستقبل الصناعات النفطية يتركز على رفع انتاج النفط الخام فقط سيؤدي بالتاكيد الى ان تكون سياسة العراق الستراتيجية ترتكز على السعي لرفع حصة العراق التصديرية في منظمة الاوبك، والى الاصطدام المباشر مع دول الاوبك الاخرى مما سيؤدي اما الى اغراق السوق بكميات فائضة تؤدي الى انهيار الاسعار كما يحصل حاليا وبضغط من ادارة ترامب، او خروج العراق من المنظمة على شاكلة ما قامت به قطر مما سيؤدي حتما الى انهيار منظمة الاوبك، وسيرتبط بهذا انهيار اضافي في اسعار النفط الخام وهذا هو الهدف الاساسي من احتلال العراق عام 2003 وما خطط له من قبل الادارة الامريكية للسياسة النفطية للعراق خلال السنوات العشرة الماضية.

ان خطر انسحاب العراق من منظمة اوبك الذي اصبح يطرح كخطر جدي على مستقبل المنظمة، ويزداد هذا الخطر مع ازدياد قدرة العراق على رفع قدرته الانتاجية وعلى سيطرة اشخاص كانوا وما زالوا من المخططين لهذه السياسة النفطية التي تدعو الى التركيز على بيع النفط الخام فقط، وهم من اعمدة تمرير القانون المشؤوم المسمى "قانون شركة النفط العراقية" واصبح كثير منهم يسيطر حاليا على مناصب في رئاسة الوزراء ووزارة النفط ووزارة المالية في الحكومة الاتحادية. (4)

11- ان قانون شركة النفط الوطنية العراقية الجديد بشكله الحالي الذي مرر بالخداع في ليلة سوداء وبدون مناقشة معقولة قي مجلس النواب ولا بين المختصين ما هو الا حلقة اساسية لخصخصة كل ما تبقى من "الصناعات الوطنية للنفط والغاز" على شاكلة ما جرى لكل الصناعات الوطنية الاخرى وصولا للمشاريع الاخيرة لما سمي بمشاريع "خصخصة الطاقة الكهربائية".

فلقد قام القانون بتحويل العوائد السيادية من بيع النفط الى عوائد "شركة عامة" مما يفقدها الحماية السيادية تحت القانون الدولي، واعطى هذا القانون مجلس ادارة هذه الشركة الذي لم ينتخبها احد صلاحيات اعلى من صلاحيات مجلس الوزراء ومجلس النواب وجميع مؤسسات الدولة الاخرى مجتمعة. لقد منح هذا القانون الشركة انشاء وتمويل وادارة مؤسسات مالية ليست لها اي علاقة بطبيعة نشاطاتها كشركة نفطية صرفة. كما ان الخطورة الكبرى الاخرى في هذا القانون هو انه سيؤدي الى تشكيل كيانين متنافسين لادارة القطاع الاستخراجي البترولي، وهما وزارة النفط وشركة النفط الوطنية اللتان ستتصارعان للقيام بنفس المهام! وهذا ما سيضاعف عدد العاملين في الاجهزة البيروقراطية التي ستقوم بنفس العمل في كلى المؤسستين .

12- كما ان قانون شركة النفط الوطنية الجديد مكملا للخطوات التي سبقته في رسم سياسة مدمرة لمستقبل الصناعات النفطية والغازية الوطنية العراقية،  حيث ان القانون يتخبط بشكل فوضوي في مستقبل الثروة الغازية، فمرة يدعوا الى مؤسسة مماثلة لشركة النفط الوطنية لتدير الغاز! وفي نفس الوقت يدعوا الى تقسيم صناعة الغاز بين وزارة النفط والشركة الجديدة! كما ان مسودة القانون استبعدت شركتي غاز الشمال وغاز الجنوب من قائمة الشركات المملوكة والمرتبطة بالشركة الجديدة، فبمن سترتبط هاتين الشركتين اذا؟؟

وهنا يجدر التاكيد بان قانون شركة النفط  الحالي الذي مرر بوقت حكومة العبادي لم  يتعرض في اي من فقراته إلى عقود المشاركة في الانتاج غير الشرعية التي وقعتها حكومة اقليم كردستان، وكأن كردستان ليست جزءا من العراق، وأن عقود كردستان قانونية لا تتعارض مع الدستور العراقي ! في حين تضمن القانون مادة تلزم الشركة بمراجعة "عقود جولات التراخيص" المبرمة فقط وتعديلها في حين لم يكن القانون يشير مطلقا لعقود المشاركة في الأنتاج لحكومة اقليم كردستان، كما ان هذا القانون سيكون مظلة قانونية للغطاء وضمان الابقاء على العشرات من اتفاقات المشاركة في الانتاج غير الدستورية التي وقعها اقليم كردستان، وهذا ما سيفتح الطريق لعقد مثل هذه الاتفاقيات في اجزاء العراق الاخرى.

وكنت قد تطرقت بالتفصيل الى السيئات الكارثية لهذا القانون في مقالتي التحليلية في اذار 2018  وكانت بعنوان "هل مرر البرلمان حقا القانون المشبوه..." ويمكن لكل من يرغب في الاطلاع على تفاصيل التحليل الرجوع الى المقالة. ( 1)

13- ان نوعية اتفاقيات جولات التراخيص هي في الحقيقة تمثل انعكاسا حقيقيا لنوعية العملية السياسية الجارية في العراق، سواء في الفساد الهائل المرتبط بتطبيقاتها الواقعية او بارتباطاتها وتبعيتها للاقتصادات الغربية، وهي احد الاسس الاقتصادية لضمان بقاء العراق تابعا للاقتصادات الغربية لـ 30 عام القادمة.

لقد تطرقت في مقالات سابقة عام 2011 وبالارقام (3) الى انتشار الفساد المالي بشكل واسع جدا في شركات النفط العالمية لمشاريعها في العالم الثالث وبضمنها العراق ونيجيريا والخليج حيث بينت منظمة الشفافية العالمية بان الشفافية في مشاريع العالم الثالث في شركة BP  البريطانية لم يتجاوز 14% وشركة النفط الصينية 1% (وهما المتعاقدين على حقلي الرميلة)، وEni  الايطالية 20% وتوتال الفرنسية 11% وشيفرون الامريكية 8% ولوك اويل الروسية 15% واوكسن الامريكية 10% وسننكيل النيجيرية 0% وهذه جميعها شركات وقعت مع وزارة النفط على عقود ضمن جولات التراخيص، وباختصار فان وزارة النفط في بغداد قد اعطت "صك مفتوح" لمجموعه نادرة من اللصوص وهذا بعيد كل البعد على ادعاءات الوزارة بالشفافية .

استنتاجات:

1- ان السياسات المذكورة اعلاه سواء كانت سياسات الحكومة الاتحادية او حكومة اقليم كردستان لا يمكن ان تؤدي الى اية امكانية لقيام اي صناعات مستقبلية مستقلة ووطنية  للطاقة في العراق بدء بالصناعات الاستخراجية مرورا بصناعات التصفية ووصولا الى الصناعات البتروكيمياوية.

2- ان الثروات النفطية والغازية الوطنية في العراق تمر في احلك ظروفها حاليا في ظل وجود كثير من الشخصيات المسؤولة عن السياسة النفطية الحالية. ان هذا يشير بان الحكومة الحالية ستبذل جهدها للسير في نفس المخطط والطريق الذي سلكته حكومة العبادي على الرغم من ان هذه الحكومة تبدو من اضعف الحكومات منذ عام 2006 حيث لا تملك اية قاعدة برلمانية مرتبطة بها، وتعتمد في بقائها على سياسات وقرارات وتفاهمات كتلتي سائرون والبناء.

3- ان البعض يعتقد بان هنالك اخطاء او سوء تقدير او قلة خبرة في التخطيط ورسم كل هذه السياسات الكارثية، ولكن هذا تحليل خاطئ لما قامت به الادارات المتعاقبة  سواء في وزارة النفط الاتحادية او في اقليم كردستان. ان المخططين في هذه الادارات كانوا يخططون ويعملون بشكل مبرمج في تمرير مشاريع شركات النفط الدولية في العمل على السيطرة الكاملة على عمليات التنقيب والاستخراج كما هو الحال في الاتفاقيات الهجينية لوزارة النفط الاتحادية او تخصيص هذه العمليات  كما جرى في اتفاقيات المشاركة في الانتاج لحكومة الاقليم.

ولذا اصبح من الواجب على كل "عراقي وطني" له اطلاع بالاقتصاد وسياسات الطاقة العمل على كشف هذه السياسات غير الوطنية التي حولت العراق الى مضخة لاغراق الاسواق العالمية بالنفط الخام وتحريم انشاء اي صناعات بتروكيمياوية عراقية وطنية ومستقلة.

4- ان هذه السياسات جعلت الاقتصاد العراقي اقتصاد يزداد اعتماده بشكل كامل على تصدير النفط الخام فقط، واصبح الاقتصاد اكثر ريعيا من اي وقت مضى في تاريخه، حيث تحول بشكل اساسي كسوق استهلاك للمنتجات والصناعات الاجنبية وتابعا بشكل متزايد لقررات البنك الدولي وسياسات  السوق الحرة الممثلة الحقيقية لبرامج الاستعمار العالمي الجديد.

 

منير الجلبي -  محلل في محاور السياسة والطاقة

....................

مراجع:

1- هل مررالبرلمان حقا القانون المشبوه الجديد "لتكوين شركة النفط الوطنية العراقية"؟ وما هو الهدف من تمريره؟

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/926189

Iraqi Oil: What is hidden inside the Oil Contracts from the 1 and 2nd Bid Rounds?

http://iraqieconomists.net/en/2013/02/28/iraqi-oil-what-is-hidden-inside-the-oil-contracts-from-the-1st-and-2nd-bid-rounds-by-munir-chalabi/

3- ثمانية اعوام على عقود الخدمة (الهجينة).. فماذا حل بنفط وغاز العراق؟

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/917349

4- Iraq could be the next to break ranks with OPEC، analyst says

https://www.cnbc.com/2018/12/04/iraq-could-be-the-next-to-quit-opec-after-qatar.html

5- Iraqi Oil Report

https://www.iraqoilreport.com/news/november-exports-decline-as-global-prices-drop-34280/?utm_source=IOR+Newsletter&utm_campaign=94b3f957e1-Email_Update&utm_medium=email&utm_term=0_f9870911e6-94b3f957e1-187540517

 

اياد الزهيريبلداننا العربيه عامه والعراق خاصه يعيشوا ظروف شديدة الفوضى، ولا شك ما لهذه الفوضى من تداعيات تنعكس على الحياة العامه والخاصه لعموم المجتمع، حتى أن ما وصل اليه وضعنا الأجتماعي والسياسي من سوء،  جعل الوضع ينذر بتداعيات خطيره، تضع المنطقه عامه على كف عفريت. السؤال الذي يطرح نفسه بعد معرفة المسببات الخارجيه منها والداخليه للوضع القائم، ما هو السبيل للخروج من هذه الأزمه . لا شك الاجوبه متعددة، منها مايقول الحل هو الأنقلاب على النظام السياسي الجديد، ومنها ما يقول الحل هو رجوع الأحتلال الأمريكي لتولي حكم البلد بدل هذه الأحزاب الحاكمه، وهناك من يقول عودة النظام السابق، ولكن كل ما قيل لا يأتينا بالحل الناجع، لسبب بسيط هو أن كل هذه الحلول المقترحه هي السبب فيما وصل اليه البلد من خراب ودمار، وهي تمثل حلول أنفعاليه تعكس حاله نفسيه مضطربه لجماهير فقدت الثقه في كل شيء . في أستطلاعك لتاريخ الثورات الكبرى ما عدا السماويه منها التي حدثت بالتاريخ والتي غيرت من وجه العالم وأحدثت نقلات كبيره في تاريخ الأنسانيه، ترى أن هناك طبقه جهدت بالتهيئه والتحضير والتنظير لها من أمثال كتاب ومفكرون، فمثلآ من مهدوا للثوره الفرنسيه وشحذوا مشاعر الجماهير وأيقظوا فيهم روح الثوره، ورسموا شعاراتها ونظروا لمنطلقاتها، وقننوا لمبادأها مفكرون وكتاب من أمثال فولتير ومنتسيكيو وفولتير وفكتورهيجو وجان جوك روسو وميرابو وكذلك هو الحال لثورة أكتوبر الأشتراكيه كان لمفكرين من أمثال ماركس وأنجلس وتولستوي ودوستوفسكي وغيرهم ساهموا في تنضيج وتنظير ساهم في حدوث التغير، وكذلك هو الحال للثوره الأمريكيه بقيادة الرئيس واشنطن، والصينيه بقيادة ماو والذي قاد الثوره الثقافيه فيها، والثوره الأيرانيه 1979 الذي نضج ونظر لها مفكرون كمطهري وعلي شريعتي واية الله طالقاني والحال ينطبق على عصر التنوير في أوربا الذي حولها الى أوربا الحديثه بفعل ما كتبه مفكروا أوربا الذين كانوا السبب الأساسي في ثورتها الصناعيه والحضاريه التي تعيشها اليوم . أن ما أشرنا اليه من تحول كان السبب في صناعته هي طبقة الأنتلجنسيا (الطبقه الثقافيه) . هذه الطبقه التي يسميها غرامشي بالمثقفون العضويون، ويسميها أدوارد سعيد بالمفكر الرسولي، ويطلق عليها سارتر بالمثقف النقدي، وينعتها عبد الله الغروي بالصفوه، ويعرفها محمد عابد الجابري ب(هو ذلك الذي يلتصق بهموم وطنه ويخدم الطبقات المقهوره والكادحه، أنه المثقف العضوي). أذن يمكننا من كل هذه التعريفات أن نجسدها في تعريف شامل تتلخص بكونها الطبقه الرافضه للواقع السلبي، والداعيه الى تغيره، وفق منظور حضاري متقدم . أن البنيه الأساسيه في هذه الأنتلجنسيا هو المثقف الفرد والذي ينبغي أن تتوفر فيه مقومات تجعل منه يستحق هذا الموقع بجداره، وهو لا شك أنسان يتمتع بوعي تاريخي كوني، ووعيآ لعصره ومجتمعه، وله القدره على توظيف خبرته في الميدان، كل حسب أختصاصه. أن هذا التوصيف سيبعد عنا الكثير ممن يدعون الأنتماء الى الأنتلجنسيا زورآ وبهتانا، هؤلاء المتطفليين على هذا الحقل، كما تطفل الكثير في حقول السياسه والعلم والوجاهه والدين، هذه الطفيليات هي من أساءة لواقعنا، ليس فقد بالسنين الأخيره لما بعد السقوط بل ومنذ تأسيس الدوله العراقيه فقد تبوء الكثير بالعهد الملكي لمنصب الوزاره وهم أناس أميين أو أشباه أميين، فمثلآ يتبوء شيخ عشيرة البو سلطان سلمان البراك وزيرآ للزراعه وهو رجل أقطاعي، والشيخ رايح العطيه وزيرآ للأقتصاد في دوره، وفي دوره أخرى وزيرآ للزراعه، أناس لا يفقهون من السياسه ولا التخصصات المعهوده لهم من شيء، فهم أميون، أو أشبه أميون وهناك الكثير ماضيآ وحاضرآ . هذه الطبقات الغير مهنيه هي من وضعت العصي بعجلة التقدم في بلدنا، وهي من أوصلت بلدنا الى درجه من البؤس الشديد . ألم يكن صدام حسين الذي لا يملك الا شهادة الأعداديه ولم يخدم حتى خدمة العلم (المكلفيه) يتبوء رئاسة الجمهوريه ويكون القائد العام للقوات المسلحه، والذي أدخل البلد بحروب لا طائل من وراءها، وحول واحد من أغنى بلدان المنطقه الى بلد منهك ومدمر يستجدي المساعده من الآخرين .

أن بيئتنا الرثه والمحطمه بأمس الحاجه الى مثقف توعوي، نهضوي يساهم في عملية البناء الفكري للجماهير، لامثقف البروج العاجيه . مثقف غفاري كأبوذر الغفاري لا تأخذه بالله لومة لائم صلب لا يهادن ولا يبيع بضاعته للغير بحفنه من الدولارات كما باعه بعض من أحتسب على طبقة الأنتلجنسيا العراقيه، والقاريء يعرف كيف هرول البعض لمجرد دعوه من قبل ال أم، بي، سي السعوديه والذي يعرفون جيدآ قبل غيرهم بأن السعوديه هي من أنشأت وربت الأرهاب ومولته، وهناك للأسف ممن يحسب على الأنتلجنسيا العراقيه، من أمثال الشاعر سعدي يوسف والكاتب رشيد الخيون الذين تنكروا لشرف مهنتهم الساميه، فالأول كشر عن أنيابه الطائفيه، وهو يدعي أنتسابه لليسار العراقي، والثاني الذي يروج للمملكة الشر السعودي مقابل ريالهم القوي . أرجع الى أبوذر الغفار الذي أستعصى على معاويه في محاولة شراءه له وعلى عثمان بن عفان وأخذ يجوب الشوارع والأزقه والبلدان رافعآ صوته ويقول (عجبت لمن لا يجد قوت في بيته، كيف لا يخرج شاهرآ سيفه على الناس)، هل نمتلك أنتلجنسيا كهذه، أنها أنتلجنسيا مدرسة علي بن أبي طالب (ع) كمعلمها لا تباع ولا تشترى همها مبدأها ومجتمعها، أنتلجنسيا كان معلمها علي (ع) يقول (أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل - وحسبك داء أن تبيت ببطنة (3) * وحولك أكباد تحن إلى القد، أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش). العراق اليوم بأمس الحاجه الى طبقه مثقفه قائده ورائده يتناغم في طروحاتها الموروث الأصيل مع الحداثه، فهو السبيل للخروج من مستنقع الواقع المؤلم . طبقه تقف في وجه التوحش (الأمريكو-صهيوني) لا طبقه متميعه، كل طموحها تعيش الحياة المخمليه واللاهيه. أننا لسنا بحاجه الى مثقفي المقاهي والحانات، بل الى مثقفي الساحات العامه، الى مثقفي خط المقاومه، لا مثقفي الأستسلام . أن الحل اليوم نجده في فكر طبقه مثقفه قادره على بلورة رؤيه متقدمه واعيه تغذي حركة الجماهير لتساهم في أنهاء الأزمه الخانقه التي يمر بها البلد، رؤيه تجنب الجماهير الحاله الضبابيه التي أفقدتها الرؤيه فجعلها تتعثر في طريق المطالبه بالأصلاح، وتنقذها من أحتيال الطبقه السياسيه وأبرها المخدره . من المعروف كان للعراق طبقة انتلجنسيا فاعله، ومن كل التوجهات سواء كانت يساريه أم قوميه ودينيه، هذه الأنتلجنسيا هي التي أسقطت معاهدة بورتسموث عام 1948، وهي التي عبئت الشارع بالتصدي لكل المعاهدات المشبوهه مع بريطانيا، كما تصدت لكثير من الوزارات الفاسده، ولكن اليوم لا نمتلك طبقه مثقفه قويه وفاعله تحمل هموم الناس وتعيش معاناتهم، كما أن ما زاد الطين بله هو صعود أنساق تقليديه من عشائريه ومذهبيه وأثنيه الى الواجهه، كما ساهمت ظروف موضوعيه من تكثيف وجود هذه الوجودات على حساب الطبقه المثقفه الباهتة الوجود في الساحه، وهذا لا شك ناتج من ضعف المدينه والمركز بمقابل القريه، وأعني في مواجهة نسق التفكير العشائري الذي يتناسب تناسبآ عكسيآ مع قوة وضعف المركز الحضري، أن النسق العشائري والحضري النفعي والأثني والمذهبي هو ما تقاطع وبشكل حاد مع كل توجه ينحو بأتجاه التمدن والتوجه المؤسساتي للدوله، ويتقاطع مع الثقافه التقدميه والرائده، وهناك ما يؤكد الحاله الحاضره بمثل له وجوده بالماضي القريب نقله لنا الدكتور حنا بطاطا في كتابه (الشيخ والفلاح) حيث ينقل رد مدير شرطة الديوانيه عام 1947 على متصرف اللواء أزاء ما تقدم أحد أطياف الأنتلجنسيا العراقيه والمتمثل بالحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي لأنشاء مقر له بالديوانيه فكتب (في ضوء حقيقة كون هذا اللواء أحد أهم الألويه القبليه، وكون معظم سكانه هم من الناس البسطاء، فأن المصادقه على هذا المطلب قد يؤدي الى زعزعة الأمن العام ) . هذا المقتبس يؤكد تقاطع التوجه العام لطبقة الأنتلجنسيا، وطبقة المشايخ العشائرين، وكذلك السلطه الفاسده، بسبب أن حراك هذه الطبقه التي سوف ترمي الحجر في البرك الأسنه مما يثر ما تعتبره الدوله والمتحالفين معها من المشايخ مشاكل تعكر عليها صفوها وتقطع عليها منافعها الماديه.

كما أن الأنساق الأخرى كالجيش أذا حكم لا يداوي جرحآ، وهذه مصر والسودان ماثله أمامنا، فهم لا يعملون الا لتكريس الدكتاتوريه والأستبداد في البلد، كما يخاف من أنجرارهم الى محاور معاديه لتطلعات الجماهير، والرئيس السيسي كمثال بالأرتماء في الحضن الأمريكي، والسوداني بالحضن السعودي، كما أن الأنساق الحاليه من أثنيه، ومذهبيه وما يمثلها من أوساط ذوي نزعه عشائريه يمثل نزوعآ خطيرآ ومضرآ بالحياة العامه للناس ولمستقبل البلد عامه، لذى لا بديل عن أنتلجنسيا عراقيه وطنيه تتمتع بكل مواصفات الأنتلجنسيا العضويه والرساليه والوطنيه والتي تتمتع بمداد فكري متقدم وأنساني يحفظ للشعب كرامته، ويضمن له مستقبله، كما تكون مستعده أن تتصدر صفوفه في أحتجاجاته الجماهيريه المطالبه بالأصلاح ومكافحة الفساد بكل أشكاله، وتعبر عن ضميره وآلامه وأحلامه . فبدون هذه الطبقه ستعيش الجماهير حالة الدوران الباعث على الأعياء والمنتهي بالنكبه والسقوط . كما ينبغي الأنتباه الى أن طبقة الأنتلجنسيا يمكن أن لا تكون منتجه أذا كان لا يمثلها كيان مؤسساتي تجمع قواها وتفعل خطاباتها و وتلزم مريديها، وتضعهم أمام مسؤلياتهم التي يدعون أستعدادهم لتحملها أخلاقيآ ووطنيآ.فنجاح هذه الطبقه يكون بواقعيتها، وحراكها، وشعبيتها، وتكاملها، وتكافلها، وأن ترفع شعار (الحكمه مخافة الله)، فالعلم والحضاره التي يقودها أناس لا تخاف الله لا يخلو من مخالب تدمي الأخرين.

 

أياد الزهيري

 

محمد عبد الكريم يوسفهل يعي الإنسان معنى أن يتحمل مسؤولية الإدارة في المؤسسات العامة والخاصة والمشتركة؟ هل يدرك الإنسان أنه بمجرد قبوله تحمل المسؤولية الإدارية يصبح مسؤولاً عن المؤسسة ونجاحها وفشلها وأي تقصير أو انحراف معياري في أداء أي فرد من أفرادها. تهتم علوم الإدارة الحديثة المتنوعة في خلق المدير المسؤول بعيد النظر الذي يستطيع أن يرسم السياسات العامة للمؤسسات ويستشرف فرص النجاح ويتوسم في الطاقم الإداري والفني أمارات الذكاء وتحمل المسؤولية والعمل بروح الفريق .

لنتخيل أنفسنا مدراء لشركة تجارية أو صناعية محدودة المسؤولية . لنتخيل حجم الضغوط التي نتعرض لها داخليا وخارجيا شاقوليا وأفقيا ورغم الصعوبات الكثيرة علينا أن نقود الشركة نحو النجاح والتكيف وتحقيق الأرباح وتطبيق أنظمة الإيزو المعمول بها . كيف يمكننا أن نستخدم خبراتنا العقلية والوظيفية ومهاراتنا في سبيل تحقيق النجاح .

تتحمل إدارة الشركة سلسلة من المسؤوليات الكثيرة تبدأ بضمان عمل الشركة وفق القوانين والأنظمة المرعية في الدولة وبما ينسجم والتوجهات العامة للدولة . وتتجسد المسؤوليات في تطبيق القوانين ذات الصلة من الناحية الإدارية والمالية والقانونية وتنفيذ الالتزامات القانونية المختلفة تجاه عمالها وتجاه المتعاقدين وتجاه الغير . وقد تأخذ الإدارة أشكالا مختلفة في المؤسسات مثل المدير العام أو مجلس الإدارة أو كليهما معا وفق صلاحيات يرسمها القانون وينظمها التشريع المالي والقانوني .

وفي كل الظروف العادية والطارئة، يجب أن تعبر الإدارة لفظا وفعلا عن التزامها بمصالح الإدارة والدولة ويجب أن تظهر الولاء المطلق للمؤسسة التي يعمل بها أو يديرها وعليه أن يعمل على تنمية المهارات والاجتهاد لدى العاملين لديه . ويتوقع دائما من المدير التصرف بحسن النية لتعزيز فرص نجاح الشركة أو المؤسسة . وكلما كان النظام القانوني والإداري والاقتصادي قويا كانت الإدارة قوية، وهذا المفهوم يتفاوت من بلد إلى آخر . في الدول الراقية، الإدارة قوية جدا وتطبق معايير الجودة الشاملة وأنظمة الإيزو وكافة المعايير المطبقة في عمليات الإنتاج وخدمة الزبائن وفي بلدان أخرى نجد أن هذه الثقافة أضعف وأكثر هشاشة وظروف الحياة الاقتصادية والسياسية هي من يصنع النظام الإداري القائم . ويدخل الصراع الثقافي والقبلي في صراع المصالح الإدارية وصناعتها ويجعلها أقل عرضة للمسائلة الإدارية والقانونية نظرا لأنها محمية من قبل السلطات الثقافية والقبلية. هذا السلوك يجعل الإدارات ضعيفة البنيان ولا تتحمل المسؤولية ونادرا ما تنجح في إدارة المشاريع التي تنفذها وتسويق المنتجات التي تطرحها في الأسواق. الإدارة الناجحة هي تلك التي تتبع قواعد النظام وتتخذ القرارات الإدارية التي تحقق مصلحة الإدارة ولا تهتم بمصالح الأفراد وتتسم بالشفافية والمكاشفة وتعلن للمساهمين فيها كافة الإجراءات المتبعة والمسموح والممنوع في السياسة العامة للمؤسسة .

المدير العام و مجلس إدارة المؤسسة هما المسؤولان في المرتبة الأولى عن:

-  تحديد الأهداف والسياسات الإستراتيجية للمؤسسة

-  رصد التقدم المحقق نحو تحقيق الأهداف والسياسات

-  تعيين الإدارة العليا

-  المحاسبة عن أنشطة المؤسسة أمام أصحابها أو المساهمين.

وعندما يكون في الشركة مدير تنفيذي عليه يتوافق مع الإستراتيجية الشاملة للمؤسسة و يقدم تقارير إلى المدير العام أو مجلس الإدارة.

يتم تعيين أول مديرين للمؤسسة عند تسجيلها للمرة الأولى . أما التعيينات التالية فتخضع للمواد القانونية لعقد التأسيس أو اتفاقيات المساهمين في المؤسسة .

وعند تعيين المدير الجديد، يسأل عن معلومات شخصية محددة للتسجيل، ويزودون في العادة بمعلومات وافية عن أهمية العقود التي تقوم بها الشركة والمساهمين ورغبات واهتمامات المساهمين .

وعلى المدراء الجدد أن يكيفوا أنفسهم مع مذكرات المؤسسة والطريقة التي تعمل بها والقوانين والأنظمة وقوانين الشركات والعقود الهندسية الدولية والشروط التجارية الدولية ذات الصلة وطريقة كتابة المذكرات القانونية والأنظمة والمعلومات الهندسية للشركة وكل ما يسهل عمله ويفيده في انجاز المطلوب بسرعة واحتراف . ويعد المدير العام ومجلس الإدارة والمدير التنفيذي مسؤولا عن العمل في الإطار القانوني للمؤسسة وعليه أن يعلم القيود والواجبات والمحظورات في عمل المؤسسة.

يمكن للمدراء أن يعملوا جماعات أو فرادى لتحقيق أهداف المؤسسة ويمكن في حالات محددة تفويض الصلاحيات .

ويجب أن يكون المدراء على دراية بأنهم يخضعون شخصيًا لواجبات قانونية بصفتهم مديرين للمؤسسة وهم في ذات الوقت الذي يتمتعون فيه بسلطات واسعة عرضة للمساءلة القانونية . بالإضافة إلى ذلك، تخضع المؤسسة ككيان قانوني منفصل ومستقل للضوابط القانونية والمديرين مسؤولون عن ضمان امتثال المؤسسة لهذه الضوابط .

وفي سورية على سبيل المثال، يحدد قانون الشركات الصادر عام 2011 واجبات إدارة و مهام المدير والمحظورات في المواد 67-  70  كما يلي :

إدارة الشركة..

1- يتولى إدارة الشركة مدير أو أكثر من الشركاء أو الغير على ألا يتعدى عدد المديرين الخمسة.

2- ويجوز في الشركة التي يزيد عدد الشركاء فيها على خمسة وعشرين أن يكون لها حتى سبعة مديرين.

3- يشترط في المدير أن يكون بالغا السن القانونية متمتعا بحقوقه المدنية وإلا يكون من العاملين في الدولة أو محكوما عليه بأي عقوبة جنائية أو في جريمة من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة ويتم إثبات توافر هذه الشروط بموجب تصريح موقع من قبل كل مدير وسجل عدلي مصدق أصولا.

4- يعين النظام الأساسي طريقة تحديد تعويضات المديرين ويجوز أن يترك للهيئة العامة تحديدها.

5- يجوز أن ينص النظام الأساسي للشركة على تشكيل مجلس للمديرين

يرأسه رئيس ينتخبه المديرون من بينهم وفي هذه الحالة تطبق الأحكام المتعلقة بمجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة الشركة المساهمة لناحية النصاب وشغور مركز احد أعضاء المجلس واتخاذ القرارات وصلاحيات تمثيل الشركة ومسؤوليتهم على مجلس مديري الشركة ورئيسه.

6- لا يجوز أن يتعدى عدد أعضاء مجلس المديرين العدد المحدد لمديري الشركة.

7- تستعمل عبارة مدير في هذا الباب لصيغة الجمع ولمجلس المديرين.

8- لا يحق للمدير إحالة أي من صلاحياته المفوض بها من الهيئة العامة للغير إلا بموافقة هذه الهيئة.

9- يحدد النظام الأساسي مدة ولاية المدير ولا يجوز أن تتجاوز أربع سنوات وهي قابلة للتجديد.

10- لمدير الشركة كافة الصلاحيات اللازمة لإدارة الشركة ما لم يتم تحديدها في النظام الأساسي وتعتبر القيود الواردة في السجل التجاري سارية بحق الغير إذا تمت الإشارة في العقد أو التصرف الصادر عن الشركة إلى رقم سجلها.

11- يجوز عزل المدير بأغلبية أصوات الهيئة العامة للشركة أو بقرار قضائي إذا ما وجدت أسباب تبرر ذلك .

12- إذا تولى إدارة الشركة مدير واحد و شغر مركزه لأي سبب كان جاز لكل شريك مطالبة الوزارة بتوجيه الدعوة لعقد هيئة عامة لانتخاب مدير جديد للشركة.

المادة/68/

واجبات المدير..

1- يجب على المدير أن يتقيد بتوجيهات الهيئة العامة وألا يخالف قراراتها.

2- يجب على المدير أن يعد خلال الشهور الخمسة الأولى من كل سنة مالية..

أ- تقريرا عن أعمال الشركة في سنتها المنصرمة وخطة العمل المستقبلية.

ب- الميزانية السنوية العامة للشركة وحساباتها الختامية وحساب الأرباح والخسائر والتدفقات النقدية عن السنة المنصرمة مصدقة جميعها من مدقق حسابات الشركة.

3- على المدير الحصول على موافقة الهيئة العامة للشركة للقيام بأي عمل أو تصرف يخرج عن الصلاحيات الممنوحة له بموجب النظام الأساسي للشركة.

4- يحظر على المدير أن يفشي إلى الغير أي معلومات أو بيانات تتعلق بالشركة وتعتبر ذات طبيعة سرية بالنسبة لها وكان قد حصل عليها بحكم منصبه في الشركة أو قيامه بأي عمل لها أو فيها وذلك تحت طائلة العزل والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالشركة ويستثنى من ذلك المعلومات التي سبق نشرها من جهة أخرى أو تلك التي تجيز القوانين أو الأنظمة نشرها .

المادة/69/

مسؤولية المديرين..

1- المديرون مسؤولون بالتضامن تجاه الوزارة والشركة والشركاء والغير عن مخالفاتهم لأحكام القوانين أو لنظام الشركة الأساسي أو لقرارات الهيئات العامة ويكون المديرون مسؤولين بالتضامن تجاه الشركة والشركاء عن أخطائهم في إدارة الشركة ويحق لأي مدير الرجوع على باقي المديرين المسؤولين عندما يثبت هذا المدير اعتراضه خطيا في محضر الاجتماع على القرار الذي تضمن المخالفة او الخطأ.

2- ويجب على المدير لدفع هذه المسؤولية إقامة الدليل على انه اعتنى بإدارة أعمال الشركة اعتناء الوكيل المأجور.

3- تسقط دعوى المسؤولية بالتقادم بمرور ثلاث سنوات من تاريخ انعقاد الهيئة العامة التي أدى فيها المدير حسابا عن إدارته ما لم تكن تلك المسؤولية ناتجة عن عمل أو امتناع عن عمل متعمد أو متعلقة بأمور أخفاها المدير عن الشركاء وفي حال كان الفعل المنسوب للمدير جرما فلا تسقط دعوى المسؤولية إلا لأحكام القواعد العامة .

المادة/70/

المحظورات..

1- لا يجوز للمدير دون موافقة الهيئة العامة للشركة أن يتولى الإدارة في شركة أخرى منافسة أو ذات أغراض مماثلة أو أن يقوم لحسابه أو لحساب الغير بعمليات في تجارة مماثلة أو منافسة لأغراض الشركة.

2- لا يجوز أن يكون لمدير الشركة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في العقود والمشاريع التي تعقد مع الشركة أو لحسابها إلا إذا كان ذلك بموجب ترخيص تمنحه الهيئة العامة ويجب تجديد هذا الترخيص في كل سنة.

3- لا يجوز للمدير أن يحصل من الشركة على قروض أو كفالات لصالحهم أو لصالح أقربائهم حتى الدرجة الرابعة بما فيها هذه الدرجة.

وفي المملكة المتحدة، يحدد قانون الشركات لعام 2006 سبعة واجبات عامة للمديرين وهي:

-  التصرف ضمن الصلاحيات وفقًا لقانون المؤسسة واستخدام تلك الصلاحيات فقط للأغراض التي منحت لها.

-  تعزيز نجاح المؤسسة لما يحقق صالح أعضائها.

-  اتخاذ القرار المستقل.

-  العمل باهتمام عقلاني ومهارة واجتهاد.

-  تجنب تضارب المصالح

-  عدم قبول رشاوى أو فوائد من أطراف ثالثة

-  للإعلان عن مصلحة إدارة المؤسسة في صفقات أو ترتيبات مقترحة

يتم تفسير هذه الواجبات القانونية في المملكة المتحدة وفقًا للسوابق القضائية السابقة والتي لا تزال ذات صلة.

بالإضافة إلى المهام العامة السبعة المذكورة أعلاه، يخضع المدير للوائح والتشريعات الأخرى بما في ذلك قانون الإعسار لعام 1986، وقانون إخلاء المسؤولية لمديري المؤسسات لعام 1986، وقانون الصحة والسلامة المهنية في العمل لعام 1974، وقانون جرائم القتل العمد للشركات والقتل الجماعي 2007.

قد يكون أعضاء مجلس الإدارة عرضة للعقوبات إذا فشلت الشركة في أداء واجباتها القانونية. وإذا كان هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشخص المختص  مثل مدير آخر أو طرف ثالث قد تم تكليفه بمهمة التأكد من الامتثال للأحكام القانونية  فيجوز استخدامهم كدفاع عن القضية . وفي بعض الدول ومنها سورية، عندما يتخذ المدير العام قرارا بناء على معلومات اختصاصية فنية أو قانونية أو مالية معللة تكون مسؤولية المدري العام بالحد الأدنى .

هناك مسؤولية أخرى لأعضاء مجلس الإدارة وهي التأكد من أن المؤسسة تحتفظ بسجلات محاسبية كاملة ودقيقة . و يجب تقديم ميزانية ختامية وحساب ربح وخسارة لكل فترة مالية إلى المساهمين وتقديمها إلى مسجل الشركات أو الجهات الوصائية والرقابية المختلفة.

يتحمل المدراء مسؤولية شخصية مدنية وجنائية عن تصرفاتهم أو سهوهم عند توجيه المؤسسة . ويمكن أيضًا استبعادهم من العمل كمدير للشركة ويمكن في بعض الحالات أن يكونوا مسؤولين شخصياً عن ديون الشركة .

كما يتعين عليهم التأكد من الالتزام بالصحة والسلامة المهنية وأنظمة البيئة والإطفاء في العمل وعليهم التأكد من التقيد الصارم بقوانين السلامة المهنية حفاظا على ممتلكات العمل وأرواح العاملين وعليهم توجيه العقوبات المسلكية الصارمة لمن يخالف هذه التعليمات حتى لو لم تتضرر المؤسسة من سلوكهم .

يمكن للمدراء أن يطلبوا من الآخرين انجاز الأعمال المختلفة ولكن ذلك لا يعفيهم من مسؤوليتهم القانونية في حال الخطأ .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.........................

المراجع

www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5579&cat.

www.parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5579&cat..

 https://www.burges- salmon.com/.../the- responsibilities- and- duties- of- a- company- directo...

https://www.managementskillscourses.com/directors- duties/

 

نايف عبوشاغلب التقنيات المتقدمة الحديثة، هي وليدة العقل الصناعي الغربي المعاصر، بشقيه الأمريكي والأوروبي، بنية وعتادا، يضاف لهما اليابان، وإلى حد ما الصين، التي بدأ نجمها يسطع في مجال التقنيات الرقمية، وباتت تزاحم التقنيات الغربية، بل وتنحيها من بعض الأسواق، بفعل أسعارها المتهاودة، التي تتناغم مع مداخيل المستخدمين، وتلبي رغباتهم، حتى وإن لم تكن تقنياتها بنفس المستوى من الجودة.

وتجدر الإشارة إلى أن التقنيات الرقمية، ومنها تقنيات الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، على سبيل المثال، قد شاعت في الاستخدام على نحو مريع، في كل القارات، وفي كل البلدان، المتقدمة منها، والنامية، على حد سواء، وبشكل لا يكاد يصدق.

ولعل توأمة تلك الأجهزة الذكية ذات التقنيات الرقمية، بالشبكة العنكبوتية، زاد من وهج الإستخدام، بشكل ملفت للنظر، حيث بدأ الإستخدام يتضاعف بشكل يقترب من المتوالية الهندسية، إذا جاز التعبير، نتيجة سرعة الاتصال، وتنوع تدفق المعلومات، وتعدد مواقع التواصل.

والملفت للنظر أن شريحة المستخدمين، قد ذابت بين مختلف حلقاتها، كل متطلبات معايير الاستخدام العلمية، وانتفت معها الحاجة إلى الخبرة المتراكمة، فباتت تضم في ساحتها الواسعة، حامل الشهادة العليا، والمتعلم، والأمي، وعالم الذرة، وصباغ الأحذية، وبائع الخضراوات، وسائق العربة. كما اضمحل معيار العمر بين كبير السن، والشباب، والصبية، والأطفال حتى بعمر سنتين، أو ثلاثة سنوات، بعد أن أصبح الكل مستخدماً، ولكن الأطفال تميزوا عن بقية الشرائح في الاستخدام، بشكل ربما يفوق في البراعة، وإتقان التفنن، قدرات الشيخ الكبير.

ويظل سر سهولة الإستخدام بهذه الطريقة المتناهية في اليسر، بحيث بات يتقنها المستخدم، أيا كان عمره، ومستوى تحصيله العلمي، دون مواجهة صعوبة تذكر، أمرا يبعث على الدهشة، لاسيما، وان التقنيات الجديدة، تحتاج ابتداءً إلى تدريب، وتلقين، لفترة مناسبة، حتى يتمكن المتدرب من اتقان استخدامها على النحو المطلوب .

ويلاحظ أن هذه التقنية الساحرة حقاً، قد انتزعت رغبة المستخدم، وجردته من حرية الإرادة، عندما ارغمته على الالتصاق بها، وحملته على الاستغراق في استخدامها حد الإدمان، عندما عزلت المستخدم عن وسطه الاجتماعي الحقيقي، حيثُ انفصل في تواصله عن محيطه، وأصدقائه، وعائلته، وذلك باندماجه كلية مع فضائها، وربما أصبح يعاف حتى تناول وجبة طعامه في وقتها، بل وربما يعمد إلى تأجيل قضاء حاجته في التبول، حتى يصل مرحلة الاضطرار.

وهكذا فنحن اليوم في مجتمع التقنيات الرقمية الحديثة، قد أصبحنا أمام عصرنة صاخبة، تتميز بتقنية متمركزة في الإبداع، والعتاد، والبرمجيات التطبيقية، وحتى في التوريد، في نفس الوقت الذي تبدو فيه متواشجة، مع لامركزية استخدام مفتوحة بلا قيود، وذلك بغض النظر عن تداعيات الاستخدام، وهو امر ملفت للنظر، بلاشك، ويتطلب وقفة متمعنة، تعيد للإنسان المعاصر مجدداً، حس التواصل الحقيقي، ودفئ الارتباط الاجتماعي الفعلي مع مجتمعه، وبيئته، والذي خطفته منه هذه التقنية العجيبة .

 

نايف عبوش

 

محمد كريم الساعديإنّ نظرة (هيغل) عن الشرق هي نفسها النظرة الى الاسلام وباعتبار الاسلام هو الامتداد التاريخي والطبيعي للشرق، لذلك فأن (الروح المطلقة) لديه والتي تعد الفكرة المركزية في فلسفته، قامت بمراحل تطورها التاريخي ابتداءً من العالم الشرقي، والعالمين الاغريقي والروماني وصولاً الى العالم الجرماني، والذي تطورت فيه الى درجة النضوج الانساني المتكامل وفي هذا المسار التطوري للروح المطلقة، أخرج (هيغل) الاسلام من دائرة التطور والانسانية التي تقوم على الجانب العقلي في نظامه الفلسفي، وهذا يأتي من أنّ الاسلام ونظامه العقدي والروحي استبعد الاهتمام بالعالم الانساني، وهذا هو السبب الذي جعل المزاج الاسلامي يتأرجح مثل بندول بين الحماسة المتطرفة واليأس المطلق، من حد اقصى الى أخر، وبسبب من هذه الحدود القصوى انطوت الحضارة الاسلامية على نوع من التدمير الذاتي، والوقوف على حافة الخروج من التاريخ لا شيء لدى الاسلام يقدمه الأن سوى التطرف، والاستماع الجنسي، والطغيان، وهذه المرتكزات الثلاثة هي ما تكررت عند أغلب المفكرين ورجال الدين الغربيين وخصوصاً قضية الاستمتاع الجنسي والشهوانية المرافقة للمسلمين ورسوله محمد(ص)، حسب وجهة النظر الغربية، وطغيان الدولة وتوسعها على حساب الامم الاخرى بالتطرف والارهاب وقوة السيف، وكأن الاسلام امة متوحشة يصورها الفكر الغربي ويسوقها على مدار الاجيال الى العالم اجمع، ويركز (هيغل) في رؤيته الفلسفية على إنّ الشرقيين ومن ضمنهم المسلمين ذات النزعة الشهوانية هم ليسوا أحراراً، أي أنهم لم يعرفوا الحرية بكافة أشكالها، فأنهم لم يكونوا احراراً، وكل ما عرفوه هو ان شخصاً معيناً هو حرٌ، ولكن على هذا الاعتبار نفسه، فأن حرية ذلك الشخص الواحد لم تكن سوى نزوة شخصية وشراسه، وانفعال متهور وحشي، أو ترويضي واعتدال للرغبات، لا يكون هو ذاته سوى عرض من أعراض الطبيعة، أي مجرد نزوة كالنزوة السابقة، ومن ثم هذا الشخص الواحد ليس الا طاغية، لا انساناً حراً، ولم يظهر الوعي بالحرية، وهذه التصورات هي مطابقة في الرؤية للإسلام ولرسوله(ص) هذه الأمة التي لا يعتبرها امة حرة، بل هم عبيد يوجههم شخصية واحدة لديها نزوات شخصية وشراسة، وهي ما تنطبق على تصوراتهم الفكرية في الغرب عن الرسول محمد (ص)، علماً إنّ (هيغل) جعل الاسلام هو الامتداد التاريخي والطبيعي للعالم الشرقي.

وفي انتقاله اخرى الى مفكر أخر وهو المؤرخ والفيلسوف الفرنسي (أرنست رينان 1823-1892)، وكانت محاولاته في وصف الاسلام ورسوله، وكذلك عمل على ارجاع التفوق الى العالم الغربي من خلال الصراع الحضاري بين الشعوب السامية التي يرجع لها الاسلام والشعوب والآرية التي يرجع لها بعض الاقوام الاوربية المتفوقة عرقياً، ورأى (رينان) في المحاضرة، التي القاها عن (الاسلام والعلم)، التي يستمد فيها أفكاره من (فولتير)، إذ يقول: أنّ العقل الشرقي غير قادر على التفكير المنطقي والفلسفة، وكان ذلك سبباً في الوقوف من دون تطور العلم والمعرفة في العالم الاسلامي. كان العلم القليل والفلسفة اللذان جاء بهما المسلمون نتاجاً لثورة على الاسلام، والذي هو - على وفق رأي (ارنست رينان)- دين بعيد عن التفكير والابداع التي أصبح من سمات الأمم المتقدمة، لكن الإسلام أسهم في جعل الشعوب التي دخلت تحت رايته من العيش في التخلف وانحدار نحو الهاوية، والجهل والابتعاد عن المعرفة والتقدم، والإسلام على وفق تعاليم الرسول (ص) لا يتناسب مع المعرفة والعلم والتطور، بل هو دين استند الى تعاليم دينية ابعدته كل البعد عن حقيقة التقدم، لهذا السبب يرى (رينان) أنّ المسلمين هم أول ضحايا الاسلام، تحرير المسلم من دينه هي افضل خدمة يمكن للمرء أنّ يقدمها له، وهذه الخدمة هي إبعاد المسلمين عن حضارتهم وديانتهم وانتمائهم لنبيهم . وهنا نسأل (أرنست رينان) هل هذه الاطروحة التي تقول بها معتمدة على دراسة الاسلام بشكل صحيح، ومن داخل المنظومة الاسلامية نفسها؟، اي هل اطلع (رينان) عل (القران الكريم) ودرسه بشكل علمي سليم، دون أنّ يعتمد على اراء الاخرين فيه؟ وهل درس حياة الرسول الكريم (ص) من نفس مصادر المسلمين انفسهم؟ أم تأثير بأقوال الآخرين، كما هو تأثيره برأي (فولتير)، أو غيره من المنظومة المعرفية الغربية التي وضعته بالضد من الإسلام ورسوله الكريم (ص)؟، هذه التساؤلات وغيرها عادة ما تكون بعيدة عن المفكرين الغربيين، فهم فقط يدرسون الإسلام وحياة الرسول من خارج الاسلام متأثرين بآراء بعيدة عن الاسلام نفسه، لذلك كانت نظرة (ارنست رينان) عن الرسول محمد (ص) تناقض الحقيقة وبعيدة عن صفات الرسول (ص)، اذ يرى (رينان) في الرسول محمد (ص) تناقض الحقيقة وبعيدة عن صفات الرسول محمد(ص)، اذ يرى (رينان) في الرسول وحسب رأي نسبه الى المسلمين بأنهم اعترفوا أنّ الرسول في مناسبات عدة كان اكثر استجابة لرغباته منه الى واجبه، رينان الذي نظر الى القران الكريم كثورة ادبية بقدر ما هو ثورة دينية، خلص الى أنّ الحركة الاسلامية حصلت دون إيمان ديني، وأنّ النبي لم يقنع سوى أناس قليلين في الجزيرة العربية، يقول رينان (ايضا): كل أنسان يتمتع بالحد الأدنى من الاطلاع على شؤون العصر يرى بوضوح الدونية الحالية للبلدان الاسلامية والانحطاط الذي يميز الدول التي يحكمها الاسلام والبؤس الفكري للأعراق التي لا تقتبس ثقافتها وتعليمها الا من هذه الديانة.

إنّ آراء (رينان) تكشف عن عدد من النقاط التي يراها في الاسلام ورسوله الكريم (ص) وهي كالاتي :-

اولاً- إنّ الاسلام هو دين يبعد العقل ويعتمد فقط على الطقس الديني، وهذا ما يجعل الشعوب التي تعيش تحت سلطته هي شعوب متخلفة بعيدة عن التطور والعلم والمعرفة.

ثانياً- إنّ هذه الديانة تأتي على وفق ترتيب (رينان) المؤدلج في المراتب الدونية وهي منحطة وتعيش في بؤس فكري، مما انعكس ذلك على الأعراق التي عاشت في ظلها، فهذه الأعراق هي الصورة الطبيعية للدين الاسلامي وافكار الرسول (ص)، وخير دليل يراه (رينان) البلدان الاسلامية وثقافتها المستمدة من هذه الديانة.

ثالثاً- إنّ هذه الافكار والثقافة الاسلامية التي أوجدها الرسول (ص)، يراها (رينان) ما هي الا إستجابة لرغبات الرسول (ص) فقط وليست مستمدة من رسالة سماوية، وهذا ما ينقله (رينان) عن المسلمين ورأيهم برسوله وكما يزعم، وفي هذه الصورة تَجني كبير، كون (رينان) نفسه قد تأثر بآراء غربية صورت الرسول (ص) في صورة مشوه قائمة على الرؤية من خارج الاسلام، أي نظرة غربية بعيدة عن الموضوعية في هذا المجال .

و ننتقل الى الكاتبين (واشنطن ايرفينج 1783- 1859) و(مارتن توين 1835-1910)، فالكاتب الأول نشر كتاب بعنوان (محمد وخلفائه)(Mohamet and his Successors)، اراد فيه أنّ يقدم صورة عن انظمة الحكم في الاسلام والتي تتميز بحكم الرجل الواحد المتسلط (الاوتوقراطي)، وتشكيل سلطة دينية (تيوقراطية) بعيدة عن الديمقراطية، وحسب المفهوم الغربي، وهذه الطريقة في الحكم صنعت شعوب بعيدة عن الحرية، وهذا السياق من الحكم يبقى في نفس التصورات السابقة، بأنه حكم الرجل الواحد الذي يسيرهم بحسب اهوائه، وهذه الشعوب تبقى تعيش في فترة العبيد الذين لا يستطيعون تغيير، أي شيء في حياتهم .أما الكاتب الثاني (مارتن توين)، ففي كتابه عن الشرق الذي يحمل عنوان (السذج خارج الوطن) قدم فيه نقد للمسلمين على أنهم شعوب همجية قذرة وجاهلة ومتخلفة، يؤمنون بالخرافات التي اتتهم من طبيعة حياتهم وطريقة حكمهم وطريقة دينهم، ففي زياراته الى فلسطين يصفهم بأنهم يعيشون في مستنقع قذر لا يعباؤن بالجهل ولا الوحشية، أما في زيارته لمصر رأي بأنهم لا يستحقون التقدير .إنّ كتاب (السذج خارج الوطن) مليء بصور ذهنية لكاتبة عن شرق اوسط مسكون بالقراصنة والانبياء والمعوزين على محمل الجد، وبالتالي فأن عدم التفريق بين هؤلاء وأوصافهم، وأوصاف الشعوب في الشرق الاوسط، يجعل من (توين) يعيش في صورة تحمل النمطية ذاتها عن هذه المنطقة، كون دينهم لم يرتقي بهم الى مستوى الحياة، وكل هذه الاوصاف المنحازة في ذهنية (توين) يتحملها الاسلام ونبيه الذي لم يرتقي بهم الى مستوى الشعوب والامم الاخرى كالشعوب التي تعيش تحت سلطة المسيحية في الغرب.

وكان لرجال دين أمريكيين مواقف من الرسول محمد(ص) والإسلام، هي مبنية على تصورات سابقة لمفكرين وكتَاب ووعاظ غيرهم، لكن هذه التصريحات للأمريكيين المعاصرين كان لها الدور في رسم وتأكيد العداء ضد الاسلام ورسوله الكريم في الولايات المتحدة الامريكية، وهذه الاوصاف تتناغم مع السياسات الحالية في وصف العرب والمسلمين بأنهم أرهابيين، وهم شعوب بعيدة عن الحياة والتحضر، واذا استعرضنا بعض أقوال هؤلاء الكتّاب الذين يمثلون الشريحة الدينية في أمريكا الذين يعدون العالم الاسلامي تهديداً ويدعون الى عدم احترام مقدساته وهذا يجعل الكراهية تزداد للمسلمين في أمريكا، ويجعل المسلمين يزدادون كرهاً ايضاً لأمريكا، ومن هذه الاقوال : يقول (بات روبرتسون): لقد كان (أودلف هتلر) إنساناً سيئاً لكن ما يفعله المسلمون باليهود هو اسوأ مما فعله (هتلر)، وعندما يشير (الاب جيري فالويل) في كلامه عن النبي محمد (ص) أنه (ارهابي)، وندما يقول (جيمي سواغارت) في صلاته (ليبارك الله اولئك الذين يباركون اسرائيل ويحفظونها ويلعن اولئك الذين يلعنونها). وعندما يقول الاب (فرانكلين غراهام) عن الاسلام أنه (دينشرير)كما يقول أن المسيحية والاسلام (يختلفان عن بعضهما اختلاف النور والظلام) . وهذه الاقوال الأربعة هي خطاب مكرر يرجع الى ازمان سابقة، وهذا الخطاب الذي أنتجه هؤلاء الكتاب دون أنّ يقع تحت مبدا المسائلة والاساءة للأخرين، كما هي الطريقة التي يحارب بها كل شخص يتناول اليهودية بالأقوال، أو الافعال، وهذه الاساءات للإسلام ورسوله الكريم (ص) لم تواجه من قبل الساسة في الغرب لأنها حسب زعمهم تقع تحت بند حرية التعبير في العالم الغربي .

ونستنتج من هذه الاقوال الاربعة ما يأتي :-

اولاً- إنّ تهمة الإرهاب التي اصبحت في الوقت الحاضر الصيغة المهمة لاتهام الاخر، هي صفة من صفات الرسول (ص) حسب راي (جيري فالويل) الذي - على وفق قوله هذا فأنه - يجيز الاساءة للرسول (ص) واتهام دين الاسلام بأنه دين إرهابي أوجد الارهاب بصيغته الحالية في العالم.

ثانياً- إنّ الاسلام هو الاسوأ في الوقت الحاضر، اسوأ حتى من (هتلر) وما فعله في اوربا وهذا يعطي الحق للدعوة في الصلاة (جيمي سواغارت) ضد الاسلام لأنهم يلعنون اليهود، وبالتالي فأن الاسلام دين شر.

ثالثاً- الإسلام دين الشر والظلام يختلف عن الديانات الاخرى (اليهودية والمسيحية) كاختلاف النور والظلام، والخير والشر، والمسامحة والارهاب، وهذه الثنائيات هي ليست جديدة بل هي تقسيمات قديمة ترجع الى الحروب الصليبية وما قبلها من ثنائيات كانت تستخدم للتفريق بين الاسلام والغرب.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

عبد الرضا حمد جاسمالنموذج الثامن: [نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بواقع(199) حالة في 2013(القدس العربي). وفي تصريح حديث للقضاء العراقي فان "بغداد وكربلاء وذي قار" تصدرت حالات الانتحار للعام الماضي بواقع (22، 23، 38) "حالة على التوالي"] انتهى (الحرة عراق، 5/7/2017). [مكرر]

تعليق:

1- الجزء الأول من النموذج يتكلم عن عام 2013 في حين الدراسة تبحث في حالات الانتحار خلال عامي 2015 و2016.

2- هذا النموذج غريب وملفت، فهو يتضمن خبرين لا رابط بينهما لا من حيث جهة التصريح ولا وسيلة النشر ولا عام الصدور ولا المناطق المشمولة بالخبرين. أحد الخبرين من "مفوضية حقوق الانسان "والاخر "تصريح للقضاء العراقي" أحدهم نشرته "القدس العربي" والأخر نشرته "الحرة عراق". أحدهم حول الانتحار في عام 2013 والاخر عن عام 2016.أحدهم عن حالة الانتحار في محافظة ذي قار فقط والثاني يقدم ارقام عن محافظات بغداد وكربلاء وذي قار.

 لا اعرف كيف اجتمع الخبران في "نموذج واحد "ولماذا في حين وجدنا خبر واحد يجزأ الى "نموذجين"؟

 على أي حال وكل حال، لو نقارن الأرقام التي وردت في الخبرين المؤلف منهما هذا النموذج يتبين لنا الانخفاض الهائل في حالات الانتحار في محافظة ذي قار وفق الأرقام التي اعتمدها أ. د قاسم حسين صالح في هذا النموذج كالتالي:

1- عام 2013 كان هناك (199) حالة انتحار وفي عام 2016 صار(38) حالة. أي انخفاض بنسبة أكثر من مرات ويقفز لعشرة مرات لو اعتمدنا الرقم الاخر حيث هذا الرقم (38) مشكوك فيه كما سيرد.

2- لو نقارن الأرقام التي وردت في هذا النموذج مع تلك التي وردت في "النماذج" السابقة نجد العجب ليس في رجب فقط ... كالتالي:

*في "النموذج الثالث" سجل أ. د قاسم حسين صالح ان عدد حالات الانتحار في ذي قار عام 2016 كان حالة في الأسبوع أي(52) حالة وهنا يسجل(38) حالة [مشكوك فيه] وفي النموذج الأول ذكر في ذي قار(199) حالة. أي ثلاثة ارقام لحالة واحدة لسنة واحدة في محافظة واحدة!

* ذكر أ. د قاسم حسين صالح في" النموذج السادس" ان النجدة سجلت في بغداد عام 2016...(128) حالة وهنا يقول "النموذج الثامن" عن نفس العام (22) حالة فقط [رقم22 خطأ] وذكر في "النموذج الثالث" عن نفس العام ايضاَ كانت (44) حالة. وهذا يعني ان نفس الكاتب وفي نفس المقالة يذكر ثلاثة ارقام عن الانتحار في بغداد في عام 2016!!!

* في "النموذج الخامس" كتب أ. د قاسم ان باحثاً في كربلاء سجل(120) حالة بين انتحار ومحاولة انتحار في عام 2015 وهنا يسجل(23) حالة في عام 2016 وهنا سأتعمد اعتبار الرقم (120) يمثل (100) حالة انتحار و(20) محاولة انتحار حتى يتعلم من يريد ان يَعْتَمِدْ خبر او نص أو رقم، لا يعتمده اعتباطاً او بقصد التمويه وحتى يبحث عن تفاصيله وان يتعلم التَمَعُنْ جيداً في الأرقام بالذات لأن الأرقام ستتكلم في يوم من الأيام وربما تصرخ ، أن يتعلم ان لا يركض خلف "افراد الصحافة والفضائيات". بل هم من يجب ان يركضون خلفه في سبيل الحصول على الحقيقة او بعضها. ووفق هذه الأرقام والمقارنة سيكون هناك انخفاض كبير في حالات الانتحار في كربلاء تقترب من خمسة مرات

هل من المنطق ان يقبل المنطق مثل هذا النموذج؟ هل هذا مقبول او مسموح به ويعتبر من الحقائق التي يسندها المنطق او من تقارير تتمتع بالمصداقية او من بحوث جامعات عراقية؟

اليكم ما نشرته "القدس العربي" تحت عنوان:" تصاعد خطير في ظاهرة الانتحار بين الشباب العراقي" في 29/02/2016: لتتبينوا كيف تُلتقط الأرقام من تلك "الصحف".

https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4/

[تشير الاحصائيات الحكومية إلى أن محافظة ذي قار جنوب العراق احتلت المرتبة الأولى في عدد حالات الانتحار بين محافظات العراق، حيث شهدت تسجيل(220) حالة للفترة من 2004 لغاية 2015 تلتها محافظة المثنى بـ 118 حالة انتحار للفترة نفسها والنجف بـ 98 حالة.

(كانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية كشفت عن زيادة معدلات الانتحار في العراق خلال العام 2013 الماضي عن سابقتها بنسبة (60 في المئة) (ماعدا اقليم كردستان)، و(أشارت إلى ان محافظة ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في محافظات العراق بـ (119) حالة).

و(قالت المفوضية في بيانها ان (439)حالة انتحار مسجلة بشكل رسمي في العراق خلال عام 2013 الماضي أغلبهم من الشباب، وبزيادة وصلت(60 ٪)عن العام 2012)] انتهى... [الرجاء الانتباه لما بين الاقواس]

مناقشة هذا الخبر:

1- دققوا كم "نموذج" اُسْتُخْلِصَ من هذا الخبر غير الدقيق...هنا خبر واحد دخل في عدة نماذج رغم ان مصدره واحد وأعلاه خبرين من مصدرين دُمِجا في نموذج وحد.

2- في نفس الخبر هذ ورد بخصوص محافظة ذي قار: (220) حالة انتحار للفترة: من 2004 لغاية 2015 وورد ان عدد حالات الانتحار في محافظة ذي قار عام 2013 الذي هو ضمن نفس الفترة، كان (119) حالة وهذا الرقم اعتمده أ. د قاسم حسين صالح!!!!!! فلو رفعنا هذا الرقم من اجمالي الفترة من 2004 الى 2015 سنحصل على:(220-119=101) حالة انتحار في (11 عام) وهو يعني ان معدل عدد حالات الانتحار في السنوات الأخرى هو: اقل من (10) حالات سنوياً. نستخلص من هذا ان حالات الانتحار في سنة 2014 و2015 منخفض جداً وهو انخفاض هائل بالمقارنة مع عام 2013 يصل الى أكثر من عشرة مرات تقريباً يعني من (119) حالة انخفضت الى(10) حالات. وهذا يفند الكلام عن ارتفاع حالات الانتحار في العراق وفي ذي قار بالذات.

وورد ان عدد الحالات فقط في عام 2013 (199).[ هناك (119) وهنا (199)]. حالة بزيادة على عام 2012 ب 60%، علية فعام 2012 كما بينتُ في الجزء السابق كانت: (119) حالة تقريباً فسيكون مجموع السنتين (2013 و2012) في ذي قار هو:(199 +119=318) حالة أي أكثر من الرقم المعلن للفترة من 2004 الى 2015 ب:(318-220=98 حالة) ...

العجيب: كيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الأرقام واعتمادها بزهو والتحدي بكونها من "المنطق وهي حقائق ومن مصادر رسمية ومن تقارير تتمتع بمصداقية ومن دراسات جامعية عراقية"؟؟؟ ... شيء يثير الاستغراب والريبة ويدعو للقلق ويدفع بأسئلة من قبيل: ما السر في ذلك؟؟؟ لماذا ؟؟؟ كيف؟؟؟

اليكم نص ما نشرته "العربي الجديد" وليس "القدس العربي "تحت عنوان: "زيادة حالات الانتحار في العراق...احتلال وعنف وبطالة بتاريخ 26 فبراير 2016" والذي ورد فيه نص ما تفضل به أ. د قاسم حسين صالح حرفياً: [سجلت محافظة المثنى جنوب العراق، 24 حالة انتحار خلال العام 2014، ليرتفع العدد بذلك إلى 188 حالة خلال تسعة أعوام، ما يجعلها تتصدر المحافظات الأعلى في عدد حالات الانتحار في العراق. وتثير هذه الزيادة غير المعهودة في العراق تساؤلات بشأن الدوافع والمبررات، غير أن منظمات اجتماعية رأت أنها تزايدت عقب الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، وبلغت ذروتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية لأسباب تراوحت بين الأوضاع المعيشية الصعبة والتدهور الأمني. وسجل قسم التخطيط والمتابعة في مديرية شرطة محافظة المثنى، بحسب مديره العقيد صفاء الموسوي"188 حالة انتحار منذ عام 2004 حتى نهاية العام الماضي، بينها 26 حالة في 2014 [وكانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية قد نشرت في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى، وفي مقدمتها محافظة ذي قار التي سجلت 199 حالة في 2013)] انتهى.""

تعليق:

*هنا المثنى تتصدر وهناك ذي قار وهناك بغداد!!!!

*هل القدس العربي او الحرة عراق مصادر حكومية او دراسات جامعية عراقية او مصادر تتمتع بمصداقية؟

* هل صحيح ان في بغداد(22) حالة وكربلاء(23) وذي قار(38)؟ الجواب هناك عدم دقة فبعض "المصادر" تقول غير ذلك. كيف؟؟

اليكم: نص التصريح القضائي الذي نشرته الوكالة الوطنيـة العراقيـة للأنباء nina /09/07/2017"تقرير السلطة القضائية": [تصدرت محافظات بغداد وكربلاء وذي قار حالات لانتحار في العراق وذكرت إحصائية للسلطة القضائية عن عدد حالات الانتحار في البلاد العام الماضي، ان بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور والاناث. "أكدت إحصائية "ان العاصمة بغداد سجلت(38) حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء ب(23) ثم ذي قار ب(22) حالة انتحار خلال عام 2016] انتهى

[انتبهوا لطفاً الى عبارة: "بغداد متصدرة جميع المحافظات"].

*واليكم نفس التصريح من صحيفة الصباح الجديد العراقية بتاريخ 06/06/2017: [نشر القضاء العراقي إحصائية رسمية تظهر عدد حالات الانتحار في البلاد العام الماضي. وبحسب الإحصائية فأن بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور والإناث، وأكدت الإحصائية أن العاصمة بغداد سجّلت(38) حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء ب(23) ثم ذي قار مسجلةً (22) حالة.] انتهى

تعليق: لطفاً لاحظوا الأرقام كيف وردت في المصدرين أعلاه وكيف ذكرها أ. د قاسم حسين صالح.

السؤال هنا كيف انقلبت الأرقام؟ الجواب هو ان من نقلها "قطع ولصق" من "الحرة عراق" ولم يكلف نفسه البحث عن مصادر أخرى للتأكد.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

علي المرهجلا أقصد هنا بالبناء العقائدي، ما تفرضه العقائد الدينية، أو الرؤى الأيديولوجية فقط، إنما هي خليط من هذا وذاك بفعل هيمنة أي منها (الديني العقائدي) أو (الأيديولوجي العقائدي)، مُضافاً لهما تأثير البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد، "التنشئة الاجتماعية" أو ما أسماه الوردي "القوقعة الاجتماعية" وهي قيود تفرضها تقاليد وعقائد وقيم وأيديولوجيا الجماعة التي تُغرس في ضمير الفرد منذ نشأته، فهي ليست ببناء عقائدي محض ديني، ولا ببناء عقائدي محض أيديولوجي، صنعته رؤى إنسان يوتوبي حالم أو واقعي ينهل من اليوتوبيا ببُعدها الحالم، وهي ليست محض قيم وتقاليد موروثة فقط.

إنها خليط عجيب من هذا وذاك يكون للجغرافية والمكان، أو البيئة ببعدها المناخي ومُتغيراته تأثيرها الفاعل في بناء الشخصية، ويبدو أننا نحن العرب أو الشرقيون لم نستطع التخلص أو الفكاك من هيمنة البناء العقائدي بكل تمظهراته الاجتماعية (السياسية والأيديولوجية)، بل والثيولوجية، التي انعكست سلباً في الحياة السياسية التي جعتنا ننوء بحمل الماضي و"الإنهمام" توظيفه، بل واستلهامه في بناء الدولة العربية والإسلامية التي لا علاقة بنظريات بناء الدولة الحديثة بالماضي ومورثاتنا التي تستقي ادارتها بأفضل ما يُمكن من خبث دُعاة بناء الدولة الإسلامية وفق نموذج "الأحكام السُلطانية". التي ليست هي بفلسفة تاريخ كما يظن أو يحسب بعض دارسي فلسفة التاريخ على ما فيها من بعد (حكمي)، إلَا أنه لا تعدو أن تكون وصايا لإدامة بقاء الحاكم على كُرسيه، وليست بناءاً لرؤية معرفية مُستمدة من الواقع واستشراف لمُستقبل أفضل يستقرأ الفكرون فيه مُتغيرات المُجتمع وتحولاته.

ربما يكون لابن خلدون (732م ـ 808م) فضل تنشيط الوعي بفلسفة التاريخ و"العمران البشري" وفضل سبق على مونتسكيو وتوينبي وشبنجلر في استقراء حركة التاريخ، وطرحه للتفسير الدوري لهذا التاريخ، الذي يمر بأدوار، أهمها: الطفولة، والصبا أو الشباب، والكهولة، وظنَ أن هذه مراحل "حتمية" لا بُد أن تمر بها أية حضارة، لمدة أقصاها مئة وعشرين سنة.

كان من اهتمامات ابن خلدون تأكيده على دور البيئة في بناء الوعي العقائدي والمعرفي، ولكن مع اختلاف الأدوار، فقد أكد على أن إعتدال المناخ وإضطرابه يؤثر في نفوس الأفراد.

وسيبقى في البناء العقائدي بأثر البيئة إقصاء للآخر، وفي البناء المعرفي إنتماء للخصوصية و"إنهمام" بدور الفكر في تنمية الوعي بمُتبنيات "الآخر" والإفادة منها، كما دعى إلى ذلك ابن رشد من قبل في النهل من علوم الأمم الأخرى وإن كانت مُغايرة لنا في الملَة، أو في المُعتقد، وقد تنبه لذلك د.حسن العبيدي في كتابه (جغرافية التفلسف).

لم يكن اشبنجلر (1880ـ 1936) مُتسقاً في رؤيته مع توينبي في موقف الأخير من الحضارة الغربية، فقد ذهب اشبنجلر إلى القول بـ "تدهور الحضارة الغربية" مُخالفاً في ذلك نظرة توينبي التي تؤمن بمركزية الحضارة الغربية، إلَا أنه أيضاً يؤمن بالتفسير الحتمي للتاريخ وفق رؤية ابن خلدون وتوينبي في الاعتقاد بأن للتاريخ بداية ونهاية، وكل حضارة ستمر بمراحل أساسية ثلاث هي: الطفولة، والشباب في نُضجه، والكهولة، أو الشيخوخة. فالحضارات بالنسبة لإشبنجلر كما الإنسان، هي كائنات حية، ودورة في الحياة تولد فيها حينما تستيقظ الروح، وتموت بعد أن حققت هذه الروح جُلَ ما تبتغيه في حياتها، الأمر الذي يعني كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون وتوينبي من قبل أن لكل حضارة عمر أو زمن، كما الإنسان، والخاتمة هي الفناء أو الموت.

رغم أن أرنولد توينبي (1889ـ 1975) يؤمن بمركزية الحضارة الغربية ودورها، إلَا أنه يُشابه ابن خلدون في تفسيره الحتمي للتاريخ، وتحديده لأدوار تمر بها الحضارة من النشوء إلى الارتقاء وصولاً إلى الأفول والانحلال.

وقد تشابه توينبي مع ابن خلدون في تأكيد الأخير على مفهوم البيئة، وفق نظريته في "التحدي والاستجابة"، فللبيئة تحدياتها التي تفرض رؤية تستدعي الاستجابة، على قاعدة لكل (فعل ردَ فعل)، فظروف التحدي تستدعي ايجاد سُبل جديدة يُسميها شبنجلر "الاستجابة".

نجد في كل الحضارات التي اهتم بدراستها توينبي، بدءاً من الحضارة العراقية القديمة مروراً بالحضارة الفرعونية (المصرية) القديمة، والحضارة اليونانية، ومن ثم الحضارة الإسلامية، يتخذَ من عاملي البيئية والجُغرافية أساساً لفهم طبيعة تقدم الحضارات وأفولها.

وضع توينبي الأديان في مكانة تجعلها سبباً في منح الشعوب فرصة أمثل للارتقاء ـ حسب ظنه ـ لأنها ساعدت البشرية على الخلاص من سطوة النزعة المادية، وهو في هذا الرأي لا يختلف كثيراً عن ابن خلدون، رغم نزوع ابن خلدون للتفسير الاجتماعي للدين، ونزوع توينبي للبعد الروحاني للدين الذي لم يغب عن ناظري ابن خلدون، ولكنه وجد في عصبية الدين ما يؤثر على بُعده (الجواني) في الانقاذ.

لم أكن أروم في مقالي هذا شرح نظريات فلسفة التاريخ وتفسيرت فلاسفتها الحتمية، بقدر ما كان همَي تأكيد دور البناء العقائدي في تأطير الرؤية الإنسانية للوجود والعالم والحياة لأن همَ الفلسفة هو كسر القيود وفكَ هذه الأطر التي صيَرها هؤلاء الفلاسفة التاريخانيون ـ بعبارة بوبرـ في كتابه (عُقم المذهب التاريخي) أو (بؤس التاريخانية) على أنها تفسيرات حتمية تحكم حركة التاريخ ولا مناص لنا للفكاك منها أو الخلاص من رؤاهم المُؤطرة بـ "أسيجة دوغمائية" ـ بعبارة محمد أركون.

يؤكد بوبر في كتابه هذا على أن الإيمان بتفسير حتمي للتاريخ رداً على الماركسية، لا يعدو أن يكون مُجرد خُرافة، لأن التاريخ هو سجل لأحداث الماضي، ولكنه يتأثر بنمو المعرفة العلمية والإنسانية، ولا يُمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نضبط قرائتنا للتاريخ كي تكون كالعلوم الطبيعية في تطورها المعرفي، وكل مُحاولة لفرض رؤية لا قيمة علمية لها، على ما في العلم من تغيَر، إنما تُعدَ انتهاكاً صارخاً لقيمة العلوم التجريبية في حال ربط حركة التاريخ بها، أو توقع إنعكاس التاريخ على الحاضر أو المُستقبل رغم مُغايرة ما في المُستقبل بكل ما فيه من ديناميكية وسرعة في تغير وتقدم العلوم التقنية والمعلوماتية والإحيائية ما لا ينطبق بأي حال من الأحوال على حوادث التاريخ في "المُطابقة" بقدر ما يتعارض مع هذه الأحداث في "الاختلاف".

يكتب لنا بوبر كتاباً بعنوان "المُجتمع المفتوح وأعداؤه" ليشرح فيه وينقد في الوقت ذاته رؤى دُعاة الحتمية التاريخية وتهالك مُتبنيات أصحابها، لأنها بصريح القول فرضيات لم تصمد أمام "التفنيد" أو "التكذيب" الذي يتخذ منه بوبر منهجاً لقبول فرضية أو رفضها، وبالتجريب المُتحقق حياتياً وبتلمس وبعد تطبيق وممارسة لرؤى القائلين بالحتمية التاريخية تبيَن لنا خطأ وخطل مُتبنياتهم، وأن التاريخ لا تحكمه رؤية عقائدية أو أيديولوجية واحدة، ولا نهاية للتاريخ، إنما النهاية يكتبها "الدوغمائيون" لفكرهم، فلا مقبولية لفكرة الخلاص التي يتبناها هؤلاء ولا بقاء لها ولا استمراية، لأنها فرضية لا تصمد أمام النقد و"التفنيد"، لذا يطرح (بوبر) رؤيته الفلسفية النقدية لطرق التفكير ضد من يعيشون "أسطورة الإطار" ويظنون بأن رؤاهم أو أطرهم الفكرية إنما فيها الحل الأمثل والناجع لتحقيق "مُجتمع أفضل".

المُجتمع المُغلق الذي خلقه دُعاة (الشمولية) من الذين يتبنون التفسير الحتمي للتاريخي الذي يُصيَرُ الناس فيه وكأنهم "قطيع" لا دراية لهم ولا علم، إنما هُم يسيرون بهدي "الوصاية" و"الهداية"، فلا تنافس في مجتمع مثل هذا، لأنه مُجتمع "سكون" و"انتظار" لخروج هادي ومُخلص، فيما نجد في "المُجتمع المفتوح" فرص أكبر لتفعيل الفكر وحيويته، واتاحة للفرص وفق مبدأ التنافس في العمل وإنتاج ما هو أفضل، فالعقل حُر لا تقييد لإبداعه، والنقد ففيه سمة وخاصية لأفراده، على قاعدة (أن ليس للإنسان إلَا ما سعى)، و(لا تزر وازرة وزرة أخرى)، و(كل نفس بما عملت رهينة)، وهذه هي من مناط الحرية الفردية والمسؤولية الوجودية للإنسان عن نفسه وعن الآخرين في هذه الحياة وفق مبدأ الصراع والتنافس الذي يرنو دعاته لتنمية المعرفة العلمية شحذ الذهن والعقل للعمل على الخلاص ليس بالاستعاننة بآخر قادم من عالم ميتافيزيقي (غيبي)، بل بالاعتماد على مهارات العقل الإنساني في تحقيق الخلاص في عالمه الأرضي باندكاكه بالواقع واقتحام عوالمه الخفية بالاعتماد على الذات على قاعدة أن "الحُرية لا تُعطى إنما تؤخذ".

الفضاء المعرفي فضاء حُر لا مكان فيه لمن يُقيد عقله، في متبنيات أصحابه مقبولية للرأي الآخر وتشكيك بقدرة الإنسان على إمتلاك الحقيقة، ولكن أصحابه شغوفون بالمعرفة و"البحث عن اليقين" للعيش في عالم أفضل، ولكنه ليس عالم للفردوس، إنما هو عالم للتعايش وقبول للآخر (المُغاير) لا تفضلاً ومكرمة بل إنها طبيعة وجود إنسانية تفرضها التحديات والمُتغيرات...

عالم الفردوس يصنعه دُعاة عقيدة الخلاص، وعالم التعايش يصنعه الأحرار الذين يعترفون بأن التاريخ لا نهاية لحركيته و(دينامكيته)، وكل ما جاء في أطروحة (فوكوياما) حول (نهاية التاريخ) إنما هي "اعتراف" منه بأن أحداث التاريه لا تنقطع إنما مقبولية المجتنع لفكرة (التعددية) والإيمان بالليبرالية بأنها الحل الأنجع للعيش معاً هي التي تُشكل نهاية التاريخ) لرؤى دُعاة الحتمية التاريخية..

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

محمود محمد علينعود للجزء الثاني من مناقشة بحث "أندرو ماك عن "لماذا تخسر الدول الكبري الحروب؟، حيث يمكن القول بأن دراسة "أندرو مارك" كان لها تأثير كبير علي صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نبهتهم إلي تغيير استراتيجيات وتكتيكات نمط الحروب، إذ بدأوا يلجأون إلي نوع جديد من الحروب، وهو الحرب بالوكالة أو ما يسمونها حروب الجيل الرابع، وهي حروب تستهدف تحطيم القدرات العسكرية عن طريق نشر الفتن، والقلاقل، وزعزعة الاستقرار، وإثارة الاقتتال الداخلي، بحيث تقوم تلك الحروب على تفتيت الأمة من الداخل، فالجيش ينقسم على نفسه، والشرطة والقضاء تكون ضد الجيش وضد بعضه ؛ أي عملية شرذمة للجميع واقتتال داخلي بحيث تنهار الأمة من الداخل.

ومن هنا حروب الجيل الرابع هي عبارة عن استراتيجية تم وضعها خصيصا لإفشال الدول، ويتم تنفيذها ببطء عبر العمل على إنهاك الدول المستهدفة، والنخر فيها من الداخل إلى أن تتآكل وتصاب بالعجز، وينتهي بها الأمر إلى الركوع والخضوع، لإرادة وهيمنة الدولة المستهدفة. لذلك حرب الجيل الرابع يعرفها الخبراء، بأن من ضمن أهدافها، إشعال الفوضى في الدولة المستهدفة، لتتحول إلى دولة فاشلة، يسهل زعزعة استقرارها، وإن حرب الجيل الرابع لا يمكن إشعالها، إلا باستخدام وكلاء محليين، ويكون ذلك إما بترتيبات للتعاون مع قوى خارجية، سواء عن وعي بما تريده هذه القوى، أو أن تكون المنظمة الإرهابية جاهلة بالهدف الحقيقي للجهات الأجنبية، وغافلة عن أن ما تفعله، يخدم في النهاية هدفاً استراتيجياً أعم وأشمل، وأن هذه المنظمات مجرد أدوات للتنفيذ .

ويستخدم في هذه الحروب ما يُعرف بحرب المعلومات وتعتمد على شقين : الأول دفاعي يحمى أنظمة الدولة، والثاني هجومي مُوجه ضد أنظمة الدولة المعادية، وتستخدم الحرب، والعمليات النفسية، والاستخبارات، ومهاجمة الوسائط، والهاكرز، وأعمال التجسس، وزرع العملاء إلي أن يتكون مناخ عدائي بين أطراف الأمة ومؤسساتها ونسيجها الوطني ليبدأ الصراع الداخلي.

كما أن حروب الجيل الرابع تمثل “حالة من الحرب تمتاز بدمويتها وطول مدتها وتعدد جبهاتها، ويصعب فيها التفريق بين المقاتلين وغير المقاتلين، والجندي، والمدني، والسياسي، والحرب”، وهناك من يعتبرها ” حرباً تقوم إرغام العدو على تنفيذ إرادتك – أي حرب بالإكراه، والإكراه يقوم على مصادرة إرادة الخصم بغض النظر عن الوسائل، والأساليب، والأدوات المستخدمة في الوصول إلى هذه النتيجة، لذلك يمكن الوصول إليها دون حاجة إلى استخدام جيوش وأسلحة وقوات كبيرة ؛ بمعنى أنه يمكن الوصول إليها دون اللجوء إلى استخدام النيران والسلاح “.

فمنذ نهاية حقبة الرئيس بوش الابن، بدأ الحديث عن جيل جديد من الحروب، يغنى عن الجيوش والطائرات والمدافع، حيث يتم تسخير إرادات الغير في تنفيذ مخططات العدو، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، تحددت ملامح هذا الجيل في بعض دول أوربا الشرقية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في بعض الدول في بعض البلاد العربية، حيث تم التخطيط لما يسمي بالثورات الملونة وثورات الربيع العربي، حيث تقوم الولايات المتحدة بالتخلي عن الأنظمة بعد العمل على إسقاطها شعبيا، واستباق الخروج المفاجئ لهذه الأنظمة في ثورات شعبية، تأتى بأنظمة وطنية لا تخدم المصالح الأمريكية، وتفجير هذه الثورات ودعمها، وفق حسابات دقيقة لتنصيب أنظمة جديدة لا تخدم الولايات المتحدة.

والغرض من هذه الثورات ليس إصلاح حال تلك الدول، وإنما هو زعزعة الاستقرار، وزعزعة الاستقرار لدولة ما له عدة أشكال وأنواع، كما يمكن الوصول إليه بعدة طرق، وأساليب تختلف عن بعضها البعض؛ ومن أبرز هذه الأشكال والأساليب؟

1- العمل على أن تصبح الدولة دولة شعوبية، حيث يمكن استغلال الاختلافات الدينية والمذهبية، والاختلاف في العرق والأصول والمنابت، من أجل تقوية إشعال فتيل وجذوة التعصب.

2- من خلال العمل على تحويل مناطق وأراضي الدولة المعنية إلى مسرح للجريمة من قتل، وخطف واغتيال، وقنص تقوم بها عصابات ومجموعات مسلحة ومتمردة، الأمر الذي يخل بأمن المواطنين ومؤسسات الدولة على اختلاف الدولة على اختلاف أنواعه، وينال من السلطة المركزية، وبالتالي فتح الطريق بسهولة أمام تحويل الدولة إلى دولة فاشلة .

3- يمكن استخدام بعض مواطني الدولة نفسها لتحقيق هذا الهدف، عبر تضليلهم وإغرائهم بالمال وتقديم السلاح لهم بعد تدريبهم عسكرياً وشحنهم بأفكار متطرفة وحاقدة، وهذا ما يغنى عن الحاجة إلى تحريك قوات نظامية أو جيوش أو قطاعات عسكرية من مكان إلى آخر، كذلك يمكن أن يشترك في هذه الأعمال من المواطنين: الرجال، والنساء، وحتى الأطفال.

4- يمكن استخدام ما يسمى بالطابور الخامس في هذا الإطار، وهذا الطابور هو الذي يملك استعدادات للتعاون مع أي جهة ضد دولته مقابل مكاسب معينة يحصل عليها مالية أو غيرها .

وعندما يتحقق مثل هذا الهدف المنشود تصبح الدولة فاشلة، وبالتالي تكون مهيأة للتدخل الخارجي بكل أشكاله ودرجاته السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية، والأمنية المخابراتية، حتى يمكن أن تكون مهيأة لما هو أكثر، لأن الهدف الذي يرتكز على شل إرادة الخصم، وجعلها غير قادرة على الاستقلال، وغير قادرة على امتلاء القدرة اللازمة لاتخاذ القرار الوطني المستقل، يجعلها فريسة للتدخل، والإملاء، وعرضة للارتهان للأجنبي أو بالأحرى للآخر .

إذن في مثل هذه الحالة التي يكون فيها المجتمع في أية دولة منقسما على نفسه، طائفياً أو عرقياً، ومذهبياً، ودينيا وتسوده الخصومات السياسية، والاختلافات المتعددة الأوجه، يكون الوصول إلى الدولة الفاشلة أسهل بكثير، ويقود بالتالي إلى إسقاط هذه الدولة بشكل نهائي.

كذلك توصف حروب الجيل الرابع بأنها تمثل حرب اللاعنف، وهي حرب يراد بها إسقاط الانظمة بلا سلاح مباشر عبر المظاهرات، والإضرابات، والاعتصامات، والعصيان المدني، وتعطيل سير الحياة اليومية، وإقامة حكومة بديلة، ومحاصرة المقرات السيادية للدولة واحتلالها سلمياً، هي حرب سياسية محضة، ليس فيها جانب عسكري حرب نجحت في أوروبا الشرقية وابتدأت في النجاح في الدول العربية، التي قامت فيها ثورات، لكن الأنظمة الدكتاتورية استطاعت تحويل وجهة هذه الحروب إلى الجيل الرابع (حروب الارهاب والحروب الأهلية).

ويعد الإعلام أهم أسلحة حروب الجيل الرابع على الإطلاق، وذلك باستخدام أجهزة الإعلام التقليدية مثل قناة الجزيرة أو تجنيد الإعلاميين أنفسهم لقيادة الرأي العام والتأثير عليه وغيرها من القنوات وأجهزة الإعلام الجديدة، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تشتيت الرأي العام، وتوجيهه والسيطرة عليه، والتجسس عليه ولاكتشاف من يمكن تجنيدهم كعملاء من خلال أفكارهم التي يطرحوها على مواقع التواصل، وقد تم تجنيد العديد من منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، لتشمل جميع الأدوات التي من شأنها زيادة النفوذ الأمريكي في أي بلد، لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاجون .

ولذلك تستخدم وسائل الاتصال المختلفة كإحدى أدوات حروب الجيل الرابع وما تلاه من أجيال، وتعمل الدول المُحاربة على تجنيد أكبر عدد من إعلاميي وصحفيي الدول المستهدفة، وممن يمتلكون القدرة على التأثير في الجهور وصناع القرار،وأصبح صناعة الخبر وبث الشائعات والفتن وتضخيم أحداث بعينها في مقابل تجاهل خبر آخر أمراً يسيراً، ويستغل الإعلام في التأثير على مواطني الدولة المستهدفة وكسب تعاطفهم مقابل التنفير من الحرب والنظام الحاكم، الأمر الذي من شأنه زعزعة أركان الدولة وجعل الإعلام أداة أكثر فتكاً من الجيوش العسكرية .

وازدات الأهمية التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الصدد، لتميزها بسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ومساهمتها في نشر الأفكار عالميا، وتوفير مادة معلوماتية – كتابة، أو صوت، أو صورة، أو فيديو – والتي قد تكون مغلوطة ومفبركة لتوجيه الأذهان، نحو قضية ما وكسب التعاطف، لصالح طرف بعينه،استغلت ولازالت تستغل الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها على الإنترنت وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة في إحكام قبضتها على العالم ومحاصرة من يعارض مصالحها، فأهم وأغلب محركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الالكترونية، ومشغلات الهواتف الذكية أمريكية الجنسية .

في كل ما تقدم من استنتاجات يمكن الجزم بأن أمريكا أصبحت من خلال الإعلام قادرة علي إسقاط أي دولة من خلال التكتيكات التالية:

1- أمريكا تسيطر علي وسائل الإعلام الجديد من الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة، حيث إن أهم محركات البحث الإلكتروني أمريكية، وجميع شبكات التواصل الاجتماعي أمريكية وجميع البرامج والتطبيقات الإلكترونية أمريكية وجميع مشغلات الهواتف الذكية.

2- أمريكا تتحكم وتسيطر علي أكبر المؤسسات الإعلامية التقليدية ووكالات الأنباء العالمية الرئيسية حول العالم حيث تتحكم في صناعة الخبر وتوجيهه أيضا.

3- أمريكا أصبحت النموذج العالمي للشباب، بواسطة السينما، والبرامج الفنية، وأصبحت النمط للحياة العصرية أو ما يسمي بــ (Life Style) .

4- أمريكا من خلال عولمة العالم حسب معاييرها ومقاييسها وقوانينها، أصبحت السلطة التشريعية للعالم أو بما يسمي العولمة، وبالتالي أخضعت المنظمات الدولية بما فيها منظمات الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ..الخ – حسب مزاجها، وقوانينها، ومصالحها.

5- كل منظمات المجتمع المدني العالمية، انبثقت من أمريكا، وتخضع للقانون الأمريكي وتتصرف حول العالم حسب المعايير الأمريكية وقوانينه.

6- أمريكا تمول قوي المعارضة المختلفة حول العالم في أمريكا وخارج أمريكا وتستخدمها بمزاجها وحسب مصالحها وفي الوقت المناسب الذي تختاره .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي المرهجباستعارة واضحة ومُمميزة من عبدالكريم سروش يستخدم أحمد القبانجي مفهومي "الإسلام المدني" = (الدين العلماني) عند سروش، و(الإسلام الأيديولوجي) كمقابل لمفهوم "الدين الأيديولوجي" الذي أشار إليه سروش في كتابه "الدين العلماني" وهو ما استعاره أحمد القبانجي في تسميته لكتابه "الإسلام المدني".

في الإسلام الأيديولوجي (السلفي ـ الراديكالي ـ "الإسلام السياسي") يقتصر همَ القائمين عليه على استلام الحُكم وتطبيق الشريعة بغض النظر عن افرازات هذه الأعمال على روح الإنسان وتكامله المعنوي، فليس المهم هو التكامل المعنوي والأخلاقي للإنسان بل اقامة الجمهورية الحكومة الإسلامية التي تُطبق الشريعة وتهتم بظواهر الإسلام وظواهر الأعمال لا الباطن.

بينما تجد عند أصحاب الإسلام المدني سعي حثيث للالتزام بالقيم الأخلاقية والبهجة الباطنية والنزوع نحو احترام القوانين، ولا يُضمر أصحابه عداء للمُخالفين لهم في الرأي والدين والمذهب على وفقاً لقول ابن عربي:

لقد كُنت قبل اليوم أُنكر صاحبي

إذا لم يكُن دينه إلى ديني داني

وقد صار قلبي قابلاً كُل صورة

فمرعى لغزلان وبيتٌ لأوثــان

وديــرٌ لرُهبان وكــعبة طــائف

وألواح توراة ومُصحفُ قــرآن

أُدين بـدين الحُـب أنى توجــهت

ركائبـه أُرسـلت ديني وإيمــاني

وهذه الرؤية تقتضي أن يُجازي الله كل إنسان وفق ما توصل إليه من عقائد وأفكار وسلوكيات مع الأخذ بنظر الاعتبار تأثير عوامل البيئة والوراثة والتربية.

هنا يكون الدين ذا نزعة إنسانية تقبل التنوع "أرحب من الأيديولوجيا" بحسب عبدالكريم سروش ليكون الدين أداة بناء لا هدم، فالدين في فكر (الثوريين الراديكاليين) غايته التقويض والهدم، لأن أصحابها يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة والتصور الحقيقي للدين!! لذا تجدهم جازمين حاسمين ييتخذون من الحلول الجذرية (المتطرفة) طريقة لهم وأسلوب أمثل لحسم الصراع مع (الآخر (المُغاير) لهم في الدين والمُعتقد، ولا تردد عندهم في ممارساتهم، ولا تشكيك بأنها يُمكن أن تكون خاطئة!!.

938 سروش

إنهم يفترضون أن الآخر عدو لأن أيديولوجية وجودهم لا تكتمل بنيتها النظرية ولا العملية من دون وجود هذا الآخر (العدو)، لأن جُلَ غاية أصحابها إنما هو تفعيل نشاطهم الحركي لا طلب الحقيقة، ففي طلب الحقيقة تفكر وتأمل وتحليل وتمحيص، وتلك غاية لا يصل لناصيتها سوى القلَة من البشر الذين إذا مسهم الشر قالوا سلاماً، فصبروا وصابروا، والصبر يقتضي السكون والعيش في عالم التأمل والبصيرة، لتجد في الفلسفة والتصوف الفلسفي محطة لأهلها، بينما هي عند (الأيديولوجيين الثوار) مرحلة ترتبط بحالة الاستقرار التي لا مكان فيها لهم، فهناك فرق كبير بين التنظير للثورة ساعة الحاجة للخلاص وبين وجود الثور في الدولة ليكونوا هُم قادتها.

ستجد الأمر مُختلفا، لأن الثوار اعتادوا وجود العدو، ولم يتعودوا أن يكونوا ـ لربما ـ هُم أعداء المجتمع، ليكونوا هُم العدو، لتجد أغلب الثوار الذين يقودون الدولة بعد انتصارهم يفشلوا في إدارة الدولة، لأن الدولة تحتاج لبناة حقيقيون يُدركون التنوع الفكري والسياسي والديني والمذهبي فيها، ويعرفوا أن إدارتها سياسياً لتحقيق النجاح إنما تكمن في كسب (الآخر) المُغاير، لا في مُناصبته العداء وتهميشه!!.

التغيير يصنعه الثوار، ولكن الدولة يقودها الأحرار الذين بالقدر الذي يدعون به لأن يكونوا هم أحراراً عليهم أن يتقبلوا أن هُناك (آخر) مُغاير لهم في المُعتقد وفهم الحرية يرغب أن يكون حُراً على طريقته!!.

لذا فالنزعة الثورية لا تصلح في قيادة الدولة بعد أن يُحقق الثوار مراميهم في التغيير.

لا نفع ولا تغيير إن استمر (مجلس قيادة الثورة) في إدارة الدولة بطريقة الثوار لا بطريقة الأحرار، ولربما يقول مُنتقد أن الثوار يبغون الحرية، وهذا صحيح، ولكن الحرية التي بغونها هي لجماعة مُشابهة لهم بطريقة التفكير والممارسة والتعبير، ولا مقبولية لـ (آخر) يُخالفم أو ينتقد طريقة إدارتهم للدولة بعد الإنتصار.

إن قبول (الآخر) يقتضي من (مجلس قيادة الثورة) الذي يُصر أصحابه على قيادة سفينة نجاة الدولة أن يتحولوا من نزعة الرفض والتقويض والهدم إلى نزعة جديدة هدفها البناء وتجديد الثقة بقيادة الدولة على أنها لا تُمثل جهة أو أيديولوجيا أو عقيدة أو دين بعينه، إنما هدفها بناء المجتمع وتحصينه بكل تنوعاته وإن اختلفت مُتبنيات مكون ما في الدولة وتناقضت مع مُتبنيات (مجلس قيادة الثورة)!.

لذا فالحل سيكون بقبول "التعددية" الفكرية والدينية والمذهبية بما لا يمس أمن الدولة العام.

إن تحويل الدين إلى أيديولوجيا عند جماعة (الإسلام السياسي) لم يجن منه أهل هذه المُجتمعات التي نشطت فيها حركات الإسلام السياسي هذه سوى الدمار والخراب!.

ليسعى من عنده بقية عقل ودين من جماعة (الإسلام السياسي) الذي تمكن أصحابه من السلطة للتخلص من الرؤية أحادية الجانب والنظر للدين على أنه عبودية بشر لبشر وتقديس فرد لفرد، وتخليص المجتمع من نزعة التقديس للاأشخاص وتصنيم بعضهم وتحويله لطوطم ليكون هو المعبود لا الخالق!.

إن غاية كل دين إنما هي تخليص الإنسان من عبودية البشر للبشر، ولا مقبولية لدين أو مذهب يُصير الإنسان فيه نفسه عبد لإنسان آخر مهما على شأنه، فالدين مليء بالأسرار، ولا مقدرة لإنسان طبيعي أن يدعي إمتلاك أسرار دين ما، أو إمتلاك مفاتيح الغيب!.

القرآن حمَال أوجه، هكذا قال الإمام علي (ع) وهذا قول يحمل بين طيَاته أن لا أحد يمتلك مفاتيح الإجابة عن سرَه المكنون، وكل مُتبنياتنا وتفسير المُسرين إنما هي رؤى بشرية ـ لربما ـ هي مُلزمة لمن يجد في التفسير وجهة نظر حقة، ولكنها في الوقت ذاته غير مُلزمة لمن لا يعتقد بها.

يُشبه سروش الدين مثل الهواء، بينما الأيديولوجيا هي مثل الرداء، فالهواء من حق الجميع التمتع باستنشاقه، ولكن الرداء هو من حق صاحبه أن يشعر بقيمة التمتع به، فالدين عام للجميع والأيديولوجيا خاصة لجماعة أو فرد.

 

ا. د. علي المرهج

 

مجدي ابراهيمإلى هنا؛ نكون قد استكملنا أركان الذاتية الخَاصَّة للقرآن الكريم (الحضور، والفهم، والحَلاوة، ووحدة القصد، والإيحاء، والعقل البصيري، والإيمان والعقل، وتحويل النفس، والتجلي) تلك كانت ركائز الذاتيّة الخاصَّة للقرآن فيما نرى، ودعائمها الأساسية باستناد التفسير الإشاري عليها، ولكن ليس معنى هذا أنه لا توجد خواص ذاتية للقرآن غير هذه التي تكلمنا عنها؛ لأننا لو رجعنا إلى ما قد رَسَمَه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صَوَّرَ لنا القرآن في صورة بديعة بل ومنقطة النظير، وهو صاحب القرآن؛ حين يتكلم عنه يتكلم عن حقيقة، لا بل يتكلم عن حقائق : حقائق جليلة حواها القرآن بين دفتيه؛ إذْ كانت ألفاظُه ألفاظ "حقائق" وليست هى بألفاظ "لغة".

ليس أصدق من قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في القرآن الكريم:" فيه نبأ ما قبلكم، وخَبَرُ ما بعدكم، وحكمُ ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومن أبتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبلُ الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يُخْلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به. مَنْ قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعي إليه هُدي إلي صراط مستقيم".

وبغض النظر عن خلاف العلماء في نسبة هذه الألفاظ : أإلى رسول الله حقيقةً أم إلى الإمام على بن أبي طالب؛ فهى ألفاظ "حقيقة" وليست ألفاظ "لغة"؛ فالذي وصف به سيدنا رسول الله القرآن إنمّا هو حقائق كلها يجمعها قوله تعالى:" وإنّه لكتاب عزيز. لا يأتيه البَاطلُ من بين يديه ولا من خلفه؛ تنزيل من حكيم حميد" (فصلت : آية 41- 42).

على أن خلاف العلماء في هذا الحديث : أهو منسوب إلى رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، أم هو من كلام عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، لا يقدح في كون ألفاظ القرآن ألفاظ حقائق وليست هى بألفاظ لغة. هذه واحدة. أما الثانية؛ فإن المحققين اعتمدوا صدور الحديث عن رسول الله، صلوات الله عليه، فجاء اعتمادهم هذا مستنداً على الآية الكريمة من سورة فصلت. ومادام في القرآن ما يؤيد نصّ الحديث فلا يعني اختلاف اللفظ فيه تضعيفه وترك العمل به.

فإذا رجعنا إلى الغزالي في كتاب آداب تلاوة القرآن من الإحياء ( ج 1 ص 323) وإلى السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن، م2، ج4، ص396). نجد السيوطي تكلم في هذا الحديث، وإنْ ضعَّفه كثيرون؛ فقال : أخرجه الترمذي والدَّارميَّ، وغيرهما من طريق الحارث الأعور، عن عليّ مرفوعاً: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكونُ فِتَنٌ "؛ قلتُ: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:" كتاب الله ....".. ثم ذكر بقيّة الحديث بلفظه؛ بما يتبيَّن منه خواص القرآن ذاتية وخاصَّة.

ألفاظ القرآن إذن ألفاظ "حقائق"، وليست مُجَرَّد عبارات وضِعَتْ في قوالب لغوية. غير أن هذه الخَاصَّة النبوية الفريدة يستنبطها القشيري فلا يتركها بغير إشارة، وذلك في معرض حديثه عن كثرة العبارات كونها للعموم، والرموز والإشارات للخصوص حيث يقول:" أَسْمَعَ موسى كلامه في ألف موطن، وقال نبيَّنا صلى الله عليه وسلم : " أوتيت جَوَامع الكلم فاختُصرَ لي الكلام اختصاراً " (لطائف الإشارات؛ جـ 1، ص 30).

فلكأنما يُشير من بعيد إلى أن ألفاظه عليه السلام إنمّا هى ألفاظ "حقائق" مادام قد أُعطىَ "جوامع الكلم"، وليست مُجَرَّد لغة تتردد على الألسنة دون تنفذ بين شغاف القلوب، بيد أنها تعبير عن "حقيقة" ربما يجهلها المرء لبعده عن ذوق طريق الله، ولكونه ممَّن لا يدركون من الكلم سوى شكله البَرَّاني لا حقيقته الخبيئة، لكنه من المؤكد يعلمها فيما لو كان داخل رحاب المعيّة الإلهية.

ومن جانب آخر، يصف الأديب الكبير مصطفي صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية"، هذه البلاغة النبويّة فيقول :" لقد رأينا هذه البلاغة النبويّة قائمة على أن كل لفظ فيها هو لفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم هى تختار ألفاظها اللغوية على منازلها، وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق الحقيقة المُعَبّر عنها. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف ولا يتعمّل ولم يكتب ولم يؤلف، ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعاً يقبل التنقيح، أو كلمة تقبل التغيير، كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان".

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن من أول وهلة: هل هذا يكفي؟ هل كل ما كان الرافعي ذكره يكفي لإماطة اللثام عن الفرق بين لفظ الحقيقة ولفظ اللغة؟ عندي أن ذلك وحده لا يكفي، ولا يُقرِّر غور هذا الفرق في واقعه المُقرَّر في التاريخ وفي التجربة؛ فألفاظ الحقيقة توضحها التجارب ويثبتها التاريخ بل تثبت بالتجربة وتثبت للتاريخ؛ فنحن هنا بإزاء ثلاثة مستويات: مستوى اللفظ، ومستوى المعنى، ومستوى الحقيقة.

والحقائق في عظمتها وجبروتها لا تدرك كل الإدراك ولا يُحاط بها كل الإحاطة وليس يشم منها أحد رائحة سوى ما تتجلى به عليه.

هنالك معاني لها، هذا صحيح، لكنها معاني تقريبية للحقيقة، أو هى صور ضئيلة جداً للحقائق تماماً كما أن الألفاظ في مستواها إنْ هى إلا صور ضئيلة جداً للمعاني؛ فاللفظ في ذاته يصور جزءاً من المعنى ولا تصور الألفاظ المعاني كلها.

والمعاني في مستواها كذلك لا تصور الحقائق من جميع أطرافها وجوانبها؛ ولا تدركها كل الإدراك ولا تحيط بها كل الإحاطة . والدليل على أن الألفاظ تقدّم صوراً ضئيلة جداً من المعاني: أن أبا الفتح عثمان ابن جنّي، صاحب "الخصائص"، كان يعتقد " أن اللغة، بأصولها وأصواتها التي تمثلها الأبجدية، إنمّا تقدم احتمالات لا نهاية لها من الألفاظ التي ترمز إلى معاني؛ وأن تقلبات اللفظ الواحد تؤدي إلى معان متقاربة اعتماداَ على ما كان قرَّره من وجود علاقة بين اللفظ ومدلوله".

وأنت حين تقول لفظة "التاريخ"، مطلق التاريخ؛ قلت حقيقة. وحين تقول كلمة "التجربة"، مطلق التجربة؛ قلت حقيقة. ولكن الذي ينقصك التَّحقق بالتجربة والثبوت في التاريخ؛ فإذا تحققتَ بالتجربة وثبتَّ في التاريخ بلغت الحقيقة. لكنك حين تقول:" التاريخ المصري ليس هو التاريخ الذي يُدرَّس الآن في المدارس والجامعات! "؛ قلت " لغة"، ولم تقل "حقيقة"، أو قلت لفظاً بلا معنى وبلا حقيقة. هذه اللغة يصدق عليها الخطأ كما يصدق عليها الصواب، يصدق عليها الباطل كما يصدق عليها الحق؛ وحين تقول:" تجربتي عن هذه الحياة إنها عابثة، وكل من فيها يعبث!"؛ قلت "لغة"، ولم تقل "حقيقة" أو قلت لفظاً بلا معنى وبلا حقيقة، هذه اللغة تقبل الكذب كما تقبل الصحة.

والخطاب النبوي ليس كذلك، ولكنه خطاب حقائق، صحيح على الدوام، صادق على الدوام، حق على الدوام.

ولنا أن نتأمل قوله تعالى :" وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تغلبون "؛ فماذا تجد ؟ تجد اللغة هنا إتيان بالباطل من القول، واللغو الصاخب في أثناء القراءة صرفاً للناس عنه وطلباً للغلبة، ومثاله في القرآن كثير: أعني مثال اللغو الذي ذكرت فيه اللغة اللاغية بسخيف الأقوال بله الأفعال، نماذجه في أكثر من عشرة مواضع في الكتاب الكريم. نأتي على خمسة منها فقط، وبقيتها توضيح يفرضه سياق الآية في مناسباتها الواردة فيها.

ففي "القصص" آية (55) قوله تعالى:" وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهليين"؛ فاللغة هنا لغو يلحق السماع؛ فبمجرد سماعه يستحق أن يُلغى من فوره بالإعراض عنه، والاكتفاء بالعمل خالصاً حين يشهده الله من المخلصين، ثم إبداء السلام على شرعة الإعراض أيضاً؛ طلباً للسلامة وتحقيقاً للإخلاص، لكنه هنا إعراض عن العبث وسخف القول وهما بُغية الجاهليين.

وفي "المؤمنون" آية (3) قوله تعالى:" قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون". فاللغة هنا لغو أيضاً ليس فيه فائدة لا من قول ولا من عمل، فليس اللغو هنا مقصوراً على اللفظ وكفى، ولكنه أيضاً يتضمن العمل. ولن يفلح مؤمن وهو في صلاته ليس بخاشع، وهو عن اللغو ليس بمعرض.

وفي"البقرة" آية (225) قوله تعالى:" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم". اللغة فيه سبق اللسان لغواً ممَّا لم يقصد به جزم اليمين؛ فسبق اللسان باللغو بالحلفان لغة صادرة عن اعتقاد الصدق وهى تتضمن البطلان!

وفي"الفرقان" آية (72) قوله تعالى:" والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً": مرٌّوا كراماً على ما ينبغي أن يُطرح بعيداً من قول أو فعل، مرُّوا كراماً لأنهم ارتفعوا عن اللغة التي تصيبهم بالدُّون ممَّا ينبغي أن يُلغي من الأفعال والأقوال، مرُّوا كراماً فما ينالهم إلا ما ينال الكريم من العزوف والإعراض، مرُّوا كراماً والكريم إذا مَرَّ باللغو لم يبال بصاحبه ولا بما يلغو فيه، مرُّوا كراماً فكرمت لديهم أنفسهم، وهان عندهم اللغو، وسقطت لديهم لغة المحجوبين.

وفي" الطور" آية (23) قوله تعالى:" يتنازعون فيها كأساً لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ". نعم! يتنازعون في الجنة ويتجاذبون فيها الكؤوس تنازع محبة وأنس لا تنازع شقاق وخلاف، كلٌّ منهم يجذب الكأس من يد صاحبه تلذُّذاً وتأنُّساً، فليس المقام مقام لغو ولا تأثيم، ولا هو بمقام لغة فاحشة وكلام قبيح، كما تفعل كؤوس الدنيا بذويها فتمنع ألسنتهم عن الصواب بعد أن تعقل عقولهم عن الصحة والسلامة بل: (لا تسمع فيها لاغية) من باطل ولا لاهية من لغو.

وعليه يتبين؛ أن ألفاظ اللغة ليست في كل حال صادقة، بل من اللغة ما هو باطل وقبيح، وما هو شاذ وساقط، ومنها ما يشتمل على سخيف القول وفضول الكلام. كما أن ألفاظ اللغة تلك ليست في كل حال صادقة على الواقع التاريخي الذي يشهد الحالة كما يشهد الواقعة تجربة وحدثاً في مجراه العميق الطويل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أختاره الله لرسالته واصطفاه لدعوته وأرسله إلى الناس كافة مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، لم تكن دعوته مجرَّد لغة، ولم تكن ألفاظه كلمات كسائر الكلمات، ولكنها كانت "حقيقة"؛ كما كانت دعوته واقعاً تجري فيه حقائق الحياة والكون وتشهدها وقائع التاريخ وتجاربه الحيَّة، ممارسة وفعلاً وحياة.

عدد الخواص الذاتية للقرآن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر خاصة؛ ما كان يمكن أن تستشعر قيمة هذه الخواص ولا واحدة منها ولا صفاتها بغير تجربة عملية فاعلة ومباشرة مع القرآن، كيما تستطيع أن تنفذ إلى أغوارها الدفينة في واقع التجربة الإنسانية أو في التاريخ الماضي أو في استشراف المستقبل.

الحركة الإنسانية كلها ممثلة في تجاربها المتطورة المنظورة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل كلها في القرآن؛ فالإنسان في علاقته مع الله هو هو الإنسان لا يتغير ولا يتبدل، جرت به سنة الله من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر، وتعاقبت عليه الأطوار والأجيال وهو هو الإنسان لا يتبدل:" سُنَّةُ الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً". والذي خلقه سبحانه وسواه لهو  أعلمُ بطبيعته؛ فالنموذج الذي كان بالماضي لهو هو النموذج الحاضر وهو هو نموذج المستقبل: روح وجسد، عقل وضمير، خير وشر، إيمان وضلال، عاطفة وشعور، قلب ووجدان، ضعف وقوة، حياة وموت، الإنسان إنسان في كل زمان ومكان لا يتغير ولا يتبدل.

فإذا خاطبه رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه بلفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، ولم يستطع فهم الخطاب، كان هذا الخطاب خطاباً لحقيقته الباطنة المجهولة بالنسبة له، وليس بخطاب لغة يَتَصَرَّف فيها اللسان ويلغو بقبيح القول والفعل كيفما اتفق وكيفما صَار. فالمطلوب فيما لو أراد فهم الحقيقة أن يَتَجَرَّد ويصفو ويكون أهلاً لمستوى فهم الخطاب النبوي.

تلك الحقيقة الإنسانية المُعدَّة من قبل الخالق لتلقي الخطاب النبوي لهى أجدر بارتقاء النظرة وشعور التهذيب من أن يجيء الخطاب إليها مجرد لغة وكفى، لغة لا تمس الحقيقة في شيء.

وإنما هى فوق كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، تتكشف مع قراءة الإيمان للقرآن ومعايشته وطول التدبر فيه؛ فحبلُ الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يُخْلَق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه. هذه كلها "حقائق" أنت لا تشم منها رائحة ولا تدرك لها معنى بمجرد اللفظ وكفى، ولو ظللت كل يوم تردد اللفظ ألف ألف مرة، ما استطعت أن تصل فيه إلى قرار ما لم ينقلك اللفظ إلى مستوى المعنى فترتحل تباعاً من المعنى إلى مستوى الحقيقة.

وبما أن الفكر الفلسفي يسلك على التعميم طريقة للوصول إلى الوحدة المنشودة، إلى الله، فإن الصوفية من بين أنواعه المتعددة هم الذين يلجئون إلى اللقاء المباشر بالوجود العيني بدل أن يلجئوا إلى "الأقوال" التي قيلت عن ذلك الوجود.

من أجل ذلك؛ أريد أن أقول قولاً فاصلاً أنه مادمنا نعتمد في بحثنا عن الحقيقة الإلهية على الكلمات باعتبارها الأقوال التي قيلت عن هذه الحقيقة لا الحقيقة ذاتها؛ فإن إيماننا بها لا يزيد على كونه إيمان "لغة" لا إيمان "حقيقة"، إيمان لفظي لا إيمان عيني، ومن هنا يخفق الذين يبحثون عن الله من خلال ما قيل عنه من أقوال ويساورهم الشك دوماً في وجوده؛ لأنهم يعتمدون إيمان اللغة وإيمان القول وإيمان الكلمة مما توارثناه طيلة أجيال متعاقبة من تراث الفرق والمذاهب والنظريات والمباحث على اختلاف استخدامها تعبيراً عن الحقيقة بالوجود اللفظي وكفى.

وكل هذا كله كلام فارغ لا يصور الحقيقة الإلهية ولا يمثلها ذوقاً في بؤرة الشعور؛ ربما يجريها لفظها نعم، ويصورها قولاً غير أنه لا يعمقها في الباطن ويفعلها مطلقاً في قلوب المؤمنين. لكن إيمان الحقيقة شيء آخر يختلف عن إيمان اللغة، هو نفسه اللقاء المباشر بوجودها العيني والدخول فيها مباشرة بغير اعتماد على قول يُقال عنها. وهذا هو إيمان الأولياء والعارفين : لقاءُ مباشر بالوجود العيني على التحقيق.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليمن غير المستغرب أن تكون حرب فيتنام هي الأكثر دراسة في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ إنّ الأدبيات الهائلة التي تناولت الحرب ترتبط بشكل مباشر بالفشل الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها فرنسا، في تحقيق الأهداف السياسية المنشودة من الحرب. وفي الجهة المقابلة، شكّلت هذه الحرب نموذجاً حياً لثوار جنوب العالم من جميع التيارات السياسية والأيديولوجية، ودرساً ناجعاً لخصمٍ ضعيفٍ يواجه جبروت إمبراطورية عظمى ويخرج منتصراً.

استمرت الحرب على مدى أكثر من عشرة آلاف يوم، نالت فيتنام بعدها حريتها من الاستعمار الفرنسي، وأعادت توحيد طرفيها في دولة واحدة، مُسقِطَةً بذلك المشروع الأمريكي؛ الذي هدف إلى الإبقاء على فيتنام الجنوبية دولة تابعة وقابلة للحياة في قلب الهند الصينية. وقد أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من ثمانية وخمسين ألف جندي أمريكي وما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين فيتنامي.

لقد تركت الحرب الفيتنامية، أثراً غائراً في المجتمع الأمريكي بأكمله، فظهرت الأعراض النفسية علي الجنود، وكذلك علي الأفراد العاديين، تعكس حالة من عدم الشعور بالأمان. وقد ظلت الأفلام السينمائية الأمريكية زمناً ” تتعرض للحرب الفيتنامية ضمن أحداثها، ويظهر بها الجحيم الذي تعرضت له الجيوش الأمريكية، وسط أحراش فيتنام التي يتصاعد من جنباتها ألسنة النار التي تصل إلي عنان السماء، حتي أنها تطول الطير في السماء فتحرقه، والجنود في داخلها كالجرذان داخل المصيدة لا يكاد الواحد فيهم يطمئن لموضع قدمه هل سيطأ الأرض سالماً أم سيسقط في كمين .

وقد ظلت عقدة فيتنام تلاحق الشعب الأمريكي فضلاً عن أفراد الجيش من الجنود أو القيادات العسكرية ذاتها، رغم المحاولات المتعددة التي قامت بها الولايات المتحدة لإزالة هذه الذكري المؤلمة من نفسية أفراد الشعب الأمريكي، ففي أعقاب المعركة، تم طرح عد كبير من الأفلام التي تمجد من المحارب الأمريكي الشجاع الذي لا يخاف من الأهوال مهما تكاثرت عليه، بل إن منها ما مس العصب مباشرة بعرض قصة الكتيبة الأمريكية التي حققت نصراً مؤزراً في حرب فيتنام نفسها أو الجندي الأمريكي الذي عاد لفيتنام بعد نهاية الحرب، لإنقاذ زميل له أو إنجاز مهمة ما، وتتوالي المشاهد وهو يفرغ رشاشه في جموع الفيتناميين الذين يتساقطون أمامه بالعشرات صرعي من غير أن يتمكن أحدهم من أن يلحق بالأمريكي مجرد خدش بسيط.

هذا علي المستوي الشعبي ، أما بالنسبة للسياسيين الأمريكيين فقد صار لديهم “حالة من الرفض لأي شكل من أشكال التورط العسكري للولايات المتحدة في نزعات العالم الثالث، حتي إن كثيرين “أطلقوا علي هذه الأعراض Vietnamic Syndtome ومعناها الحرفي الأعراض الفيتنامية أو ما اشتهر باسم ” عقدة فيتنام” ، وعقب التسوية التي تمت عام 1973 ظلت الإدارة الأمريكية ملتزمة الصمت لسنوات تجاه ما يحدث علي الساحة الدولية، وبقي الوضع كذلك حتي نهاية السبعينات لدرجة أن كثيراً من الأمريكيين أنفسهم انتقدوا هذا الصمت.

ومن هؤلاء الذين خرجوا من هذا الصمت ” أندرو مارك ” Andrew Marc وهو أحد المحللين السياسيين ، الذين أخذوا يحللون أسباب انتصار الدول الضعيفة على الدول القوية، وذلك من خلال بحث صدر له في سنة 1975 بعنوان ” لماذا تخسر الأمم الكبيرة الحروب؟” . وفي هذا البحث يتساءل “مارك” : لماذا خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام ؟ ، وذكر أن هذا سؤالٌ طالما شغل رجالات الدول والباحثين، العسكريين والسياسيين؛ فقد تكشفت حروب النصف الثاني من القرن العشرين، من الهند الصينية والجزائر، إلى فيتنام وأفغانستان، عن حقائق مذهلة: إنهزام جيوش كبرى أمام تنظيمات شبه عسكرية، صغيرة العدد، ضعيفة التجهيز، محدودة الوسائل، في نمطٍ جديد من المواجهات العسكرية أطلقت عليه تسمية: الحرب اللا تماثلية .

ثم قدم ” مارك ” في هذا البحث محاولة لفهم ديناميكيات الصراعات غير المتكافئة؛ حيث يقول :” بأنه كلما زادت الفجوة بين أطراف الصراع من حيث القوة زادت فجوة المصالح وتوقعات الجماهير، حيث إن القوة العظمى تكون لها مصالح واسعة، وتوقعات جماهيرية عالية، ورغبة في إنهاء الصراع بقوة وحسم. هذه التوقعات تضع السلطة السياسية والعسكرية في حالة من الضغط الدائم لتحقيق النصر العسكري؛ فإذا طال أمد الصراع فإنه يُسبب نوعاً من الغضب الجماهيري في النظم الديمقراطية، أو يعطي ثقلاً لحركات المعارضة؛ فكلما زادت قوة الدولة الاقتصادية والعسكرية، تقل مصالحها خاصة في الصراعات غير المتكافئة. ولذلك الحساسية السياسية تجاه تأخر النصر أو أمام الخسائر البشرية والاقتصادية، تؤدي بالعامة وحركات المعارضة إلى الضغط علي قيادتها لإنهاء الحرب، ووفقاً لهذا المنطق فإن الفاعل القوي لديه أسباب أقل للنصر من الفاعل الضعيف الذي تقع حياته نفسها علي المحك.

ويفسر “مارك” هذه الحساسية السياسية عند الفاعل القوي، بأن الجماهير أو حركات المعارضة سوف تجبر الفاعل القوي علي الانسحاب من الحرب أو إنهائها قبل انتهاء أهدافها الاستراتيجية، نظراً لكثرة الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بينما الفاعل الضعيف تمثل الحرب له نقطة حشد معنوية، واقتصادية، وحياتية للدفاع عن وجوده ذاته؛ حيث تصبح حياته نفسها علي المحك مما يدفعه لأخذ الحرب إلى نهايتها .

ويذكر “مارك” أنه حتى الحرب العالمية الثانية، كان السائد أن التفوق في القدرات العسكرية يؤدي تلقائياً إلى الفوز في الحروب، بيد أن المواجهات الدراماتيكية التي شهدتها الساحات الدولية في الحقبات اللاحقة، والتي انتهت بمعظمها إلى انهزامات مروعة لجيوش جبارة، أثبتت أن التفوق العسكري الكبير للقوى العظمى لا يمكن الاعتداد به للانتصار ضد دولٍ أضعف، كما أدت إلى سقوط المفهوم التقليدي للحرب، حين تتورط الجيوش الكبرى في صراعات مسلحة خارج أراضيها ضد قوى محلية، محفزة بدوافع مختلفة، ومستعدة للانخراط في قتال مديد ذي طابع مختلف، يحمل القدرة على قلب المعادلات وتغيير النتائج .

فعلى المستوى التكتيكي، يقول مارك :” تسقط في الحرب اللاتماثلية معظم الاعتبارات التي ترتكز عليها الحرب التقليدية، لمصلحة منظومة قتالية مختلفة، تصبح الأفضلية فيها لقوى التمرد المنخرطة في مواجهة الجيش الدخيل، وعلى النحو الذي يسمح لتلك القوى بإجهاض وتعطيل مكامن القوة والتفوق عند الطرف الأقوى، وجره إلى مواجهات من النوع الذي يلائمها، تسمح باستغلال نقاط ضعفه واستنزاف قواه في معارك مباغتة، وضربات خاطفة تضع القوات النظامية، بطلائعها وخلفياتها، بوحداتها القتالية كما الإسنادية واللوجستية، ضمن دائرة الاستهداف وتحت تأثير أشكال مختلفة من الصدمة والرعب” .

ومن هنا تصبح القاعدة الأساسية للحرب اللاتماثلية كما يري ” مارك”، “رفض قوى التمرد مواجهة العدو النظامي وفقاً لشروطه، بل وفقاً للقواعد التي تناسبها والظروف التي تختارها، وفي هذه القدرة على تغيير قواعد الصراع، ما سمح لقوات التمرد الفيتنامي بأن تتحول إلى أسوأ كوابيس الجيش الأمريكي الجرار في فيتنام، من خلال هجمات تنفذها أرهاط صغيرة مجهزة بعبوات ناسفة محلية الصنع، قادرة على إنزال خسائر قاسية بالوحدات الأمريكية المتحركة رغم تفوق أسلحتها وتجهيزاتها.

ومن جهة أخري يذكر “مارك” أنه في الحرب التقليدية يتم تقويم الصراع على أساس الخسائر العسكرية للأطراف المتحاربة، وهي التي ترسم اتجاهات الحرب ونهاياتها. أما في الحرب اللاتماثلية فإن الحسابات تتجاوز ذلك لتأخذ في الاعتبار تأثيراتها الاستراتيجية ومفاعيلها السياسية عند الطرف الأقوى، ذلك لأن الغاية الرئيسة لقوى التمرد، ليس تدمير القدرات العسكرية للعدو الأقوى، ولا ضرب معنوياته وإرادته القتالية؛ بل نقل تأثيرات الحرب ومفاعيلها النفسية والسياسية، إلى ما يتعدى المسرح الميداني للصراع، ليصيب الدولة العدوة في عقر دارها، بكل ما ينطوي عليه التعبير من معنويات واقتصاديات ومؤسسات سياسية. وعلى النحو الذي يربك مراكز القرار فيها ويحرض الرأي العام ضدها، بما يؤدي إلى إعادة الحسابات وتجريد خيار الحرب من أهم مرتكزاته، أي القبول الشعبي به .

ويستطرد ” مارك” فيقول “في ظل انعدام القدرات المادية، والتقنية، والوسائل الكفيلة بتدمير القدرات العسكرية للعدو، يصبح الهدف كسر إرادته السياسية على متابعة الصراع؛ ذلك هو جوهر ما كشفته الحروب التي خاضتها القوى العظمى ضد دول أقل منها شأناً وإمكانات، فالولايات المتحدة لم تخسر قدراتها العسكرية في فيتنام، بل إرادتها السياسية على متابعة الحرب. ذلك أن التأثيرات النفسية والمعنوية لتورطها العسكري في “هانوي” تخطت في الداخل الأمريكي تأثيرات الحروب التقليدية التي خاضتها، وإلى الحد الذي جعل الإدارة الأمريكية آنذاك، تستسلم أمام عاصفة الرأي العام المعارض للحرب، وتنسحب من فيتنام مهزومة، ما دفع وزير خارجيتها يومذاك، “هنري كيسنجر”، إلى القول “نحن خضنا في فيتنام حرباً عسكرية، وأخصامنا خاضوا حرباً سياسية”. هذه النتائج السياسية التي أفضت إليها حرب الفيتنام شكلت في الواقع الانتصار الأكبر لقوى الفيتكونغ.

ثم أخذ “مارك” يسأل سؤالاً خطيراً : كيف تتصرف القوى الكبرى والحال كذلك؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية ؟ وكانت الإجابة هي أن “نجعل العدو يقتل نفسه بنفسه. لماذا أقتله، وهو يمكن أن ينتحر؟ لماذا أوحده ضدي، وانقسامه في مصلحتي؟ لماذا أطلق عليه الرصاص والقنابل، فى حين أننى لو استثمرت واحد بالمائة من التكلفة على الإعلام الخبيث والشائعات  المضرة لتمزقه كل ممزق؟ .

وهذا لا يكون إلا من خلال حرب يتم فيها احتلال عقلك لا احتلال أرضك.. وبعد أن يتم احتلالك ستتكفل أنت بالباقي.. ستجد نفسك في ميدان معركة لا تعرف فيها خصمك الحقيقي.. إنها حرب ستطلق فيها النار في كل اتجاه.. لكن يصعب عليك أن تصيب عدوك الحقيقي.. وبالأحرى هي حرب من يخوضها يكون قد اتخذ قراراً بقتل كل شيء يحبه.. إنها “حرب تستخدمك أنت في قتل ذاتك وروحك.. وفى النهاية ستجد نفسك كنت تحارب بالوكالة لصالح رجل جالس في مكان أخر اختار أن يخرج مشهداً سينمائياً جديداً لفنون الانتحار الجماعي.. حرب المنتصر فيها لم يدخلها ولم ينزل الميدان” . وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

اياد الزهيريمن المعروف ان العشيره عباره عن نمط تنظيمي تأسس منذ البدايات الأولى لتأريخ الأنسان، هذا التنظيم قائم على أساس رابطة الدم والقرابه. هذا النوع من التنظيم أقتضته الحاجه قبل قيام الدوله، وهو الحاجه الى الحمايه والتكافل والتعاون بين أبناء العشيره في وسط قاسي وتنافسي وفي وسط متوحش عاشته الأنسانيه في بداياتها الأولى. نحن لا نريد ان نؤرخ لهذا اللون من التنظيم البشري بقدر ما يهمنا النمط العشائري وتأثيره وانعكاس أثره على تطور الحياة العامه على بلد مثل العراق.

تاريخيآ أحتل العثمانيون العراق عام 1534 م بقيادة سليمان القانوني، وكانت قبضة الدوله العثمانيه عليه تتأرجح بين القوه والضعف، ولكن خلال نهايات القرن الثامن عشر أخذت قبضتها تضعف على الأقاليم والمناطق العربيه عامه والعراق خاصه،حتى باتت سيطرتها تتمركز على المدن فقط، وحتى في المدن يكاد يكون صوريآ . وكان من مظاهر ضعف الحكم العثماني هو سيطرت المماليك في هذه الفتره على بغداد، وهم بالأصل عبيد جلبتهم الدوله العثمانيه من مناطق جورجيا والقوقاز وغيرها مما يعرف اليوم بالدول المستقله بعد أنحلال الأتحاد السوفيتي. كان نفوذ هؤلاء يتركز على بغداد، ولم يستطيعوا أن يبسطوا سيطرتهم على باقي مدن وأراضي الريف العراقي، هذا الوضع هو من شجع وساهم في بروز قوة القبائل وزدياد نفوذها كقوه بديله أو منافسه للدوله على مناطقها، وبات من المعروف كلما قويت الدوله ضعفت العشيره، والعكس صحيح . بروز قوة العشيره تصحبها لاشك قوة وهيمنة عرفها وتقاليدها العشائريه كبديل للقانون وسيادة الدوله. من المهم أن نتعرف بأن هناك هجرات كبيره قدمت الى العراق في هذه الفتره وكان أكبرها هو هجرة قبيلة شمر وعنزه باتجاه العراق من موطنها الأصلي بالجزيره العربيه لأسباب ليس ذكرها الآن فأستوطنت في الجزيره الغربيه للعراق وصولآ الى منطقة ربيعه في شمال غرب الموصل، ومع الزمن أخذ جزء منها يستوطن المدن على نهر الفرات . هذه العشائر تتميز بقيم عشائريه راسخه وقويه لأنها جاءت من قلب الصحراء موطن البداوه . هذه العشائر لا تعرف نظام ولا كيان ولا شيء أسمه دوله . أنها لا تعترف ولا ترى شيء خارج حدود العشيره، ولا تخضع لمنظومه غير العرف والمنظومه العشائريه . هذا الواقع هو من دفع السلطات العثمانيه ومن يمثلها من المماليك الى كسب ود رؤساء العشائر في محاوله للسيطره عليهم وتجنب الدخول معهم في صراعات وحروب لا طاقه للدوله بها، كما يمكن أستخدامهم في تأمين الطرق ومنع حوادثها المتكرره المتمثله بالسلب والنهب والتي أغلبها تقوم العشائر هي نفسها بها . كانت محاولة جذبهم تتمثل بتوزيع الأراضي على رؤساء القبائل على أسس نظام الطابو الذي طبقه أنذاك الوالي مدحت باشا، والذي يكون بمستويات وأصناف مختلفه، والمهم أن الدوله لم تعطيهم صفة الطابو الصرف ولكن فوضتهم بالطابو وتسمى بالميريه وهو نظام تكون فيه مرجعية الأرض للدوله، وهذا النوع من الطابو يستخدم لربط هذه المشايخ بالدوله وضمان عدم تمردها ودفعها للضريبه لأن العكس تجرد العشيره من الأرض وتعطى لقبيله أخرى تظهر الولاء والطاعه للحكومه. هذا النظام أستمرت في تطبيقه بريطانيا عند أحتلالها العراق 1918م وكرسته وأعتبرته كعصا غليظه على رؤوس رجالات القبائل ومنع تمردهم، وهذا هو المهم لأن بريطانيا ليس من مهامها تنمية البلد وتطويره ودخول الحياة المدنيه له، بل لغايه أستعماريه الغرض منها نهب وأستغلال ثروات هذه الشعوب وسرقتها.

هنا العشائر كانت بأوج نفوذها حتى أنها دخلت كنسق في العمليه السياسيه، فقد دخل رؤساء القبائل في مجلس الأعيان وفي البرلمان وحتى كوزراء، ومنهم على سبيل المثال رايح العطيه، وعبد المهدي المنتفكجي وسلمان البراك وأمير ربيعه أنذاك،ولكن حدث تطور بعد ثورة 14 تموز 1958م قلل كثيرآ من النفوذ العشائري وهذا يرجع لسببين هو قانون الأصلاح الزراعي الذي أصدره الزعيم عبد الكريم قاسم، وكذلك تأثير الثقافه الحزبيه للاحزاب العراقيه في ذلك الوقت من قوميه ويساريه، وخاصه الحزب الشيوعي العراقي الذي أعطى أهتمامآ كبيرآ للمسأله الزراعيه وواقع الريف في نشراته الحزبيه وثقف في الوسط الفلاحي وخاصه في المناطق الوسطى والجنوبيه من العراق . أخذ النفوذ العشائري والقيم العشائريه بالضعف التدريجي حتى بلغت أضعف حالاتها في نهاية الثمانينات في القرن الماضي وذلك يرجع لسياسة البعث التي عملت على أضعاف كل القوى الأجتماعيه مقابل قوة الحزب والدوله، ولكن عاد حزب البعث نفسه المظاهر العشائريه الى الحياة العامه ولكن بطريقه هو أختارها عن طريق أختيار أشخاص أغلبهم لا تاريخ لهم في المشيخه العشائريه،حتى سموا هؤلاء بمشايخ التسعينات، محاوله كانت من النظام لتعويض الضعف الذي أصاب القوى الأمنيه والحزبيه ورغبه في كسب العشائر لجانب الدوله بسبب التهديدات بأمكانية نشوب حرب مع أمريكا وحلفاءها والنظام يحتاج الى من يقف معه من الشعب في أزمته مع أمريكا لتلافي ما أحدثه النظام البعثي من فجوه كبيره بينه وبين الشعب العراقي بسبب أساليبه الوحشيه والبوليسيه والطائفيه .

هذا البروز العشائري تضخم بشكل غير مسبوق بعد سقوط النظام 2003م بعد أن أحلت سلطات الأحتلال منظومة الجيش والشرطه وكل القوى الأمنيه . هنا جاءت المعادله التي تقول أذا ضعفت الدوله قويت العشيره والعكس صحيح. أن ظاهرة العشائريه ظهرت بابشع صورها،فقد أكتسحت مظاهرها تقريبأ كل المدن العراقيه،حتى وصل الامر الى العاصمه فتريفت وأصبحت بغداد عباره عن قريه كبيره . من المعروف أن الظاهره العشائريه تعتبر حاله نقيضه ومزاحمه للمدنيه، وتعتبر ظاهره معرقله للتطور الحضاري وذلك بحكم ما تصطبغ بلون التعصب وما تتمتع به من تقاليد وأعراف عشائريه غايه في التعصب والتخلف . كما ان العرف العشائري يزيح فاعلية القانون ويقصى حتى الشريعه في فض النزاعات والأحكام، وتكون السياده للأقوى من العشائر، وعندها يعيش المجتمع بحاله من الفوضى والأضطراب وشعور الناس بالاامن، وهي حاله تمثل نكوصآ اجتماعيآ مخيفآ وتعبر عن تراجعآ خطرآ للدوله والمجتمع لأن سيادة العرف العشائري تتآكل امامه الروح الوطنيه،لأن العشائريه لا تعترف ولا ترى أكثر من حدود ومصالح العشيره . هذه الظروف والأوضاع وضعت البلد على كف عفريت وجعلته قابل للقسمه على عدد عشائره وأحزابه لأن حتى الأحزاب التي هي مدنيه أساسآ أصطبغت كذلك باللون العشائري بسبب أختراقها من قبل أبناء العشائر وهؤلاء بدورهم لا يمتلكون ثقافه حزبيه مدنيه، فقط الأعراف والنمط العشائري مما حولها الى تجمعات ذات صبغه عشائريه في مراكز المدن . في وقت ينتقل العالم من طور الحداثه الى ما بعد الحداثه يتراجع المجتمع والدوله العراقيه الى النمط العشائري الذي ينبغي ان يختفي تمامآ في عصر مركزية الدوله الحديثه وما يحدث من تطور في عالم المدنيه .

أن أستمرار الوضع العراقي على ما عليه اليوم من سيادة العرف والتقاليد العشائريه، سوف يلغي أي فرصه حقيقيه للتحول للحياة المدنيه ونفقد الكثير من الفرص التنمويه التي نحن بأمس الحاجه اليها، ويفقد المجتمع الحضري الكثير من عناصره الحضريه لصالح العناصر والسمات العشائريه، أضافه الى ما فقده العراق من فرص تاريخيه تنمويه بفعل حروب النظام السابق، يجعل الأمر أكثر تعقيدآ في أرجاع العراق الى الحاله الطبيعيه . ان مغادرة الطور العشائري هي مهمه يشترك فيها الجميع أبتداءآ من الدوله ومؤسساتها الى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الى المؤسسه الدينيه لأن النمط العشائري كما هو معروف يتقاطع من نظام الدوله كما  يتقاطع من الشريعه الأسلاميه في الكثير من الأمور، وهذا ما جعل الرسول ص  يمنع الهجره المعاكسه الى الصحراء في حديثه النبوي المشهور (التعرب بعد الهجره) والذي أعتبر فيه الرجوع الى الباديه من الكبائر لأنه يمثل حاله من النكوص في المجتمع والقيم الأسلاميه، كذلك حذر القران الكريم من مفاهيم هذه البيئه لما تتميز به من همجيه وفقد للقانون وأبتعاد عن الحضاره فجاء في الذكر الحكيم (الأعراب أشد كفرآ ونفاقآ وأجدر الا يعلموا حدود ما أنزل الله).

 

أياد الزهيري

 

عزالدين عنايةتُطرح في أوساط المهتمّين بالقضايا الدينية تساؤلات بشأن الدور الوظيفي للمخزون الروحي للأديان في بثّ السكينة في مجتمعات تعاني من حالات الثوران، وذلك في ظرف مشوب بالارتباك والاضطراب. فهل بوسع نهج التصوف وسائر التجارب الروحية، الإسهام في تخفيض منسوب القلق والخوف والعنف الذي يجتاح عالمنا؟ صحيح أن التجارب الدينية متنوعة، ولكن يبقى التطلّع الجوهري لمختلف أصنافها متلخّصا في السعي لدحض القلق العميق الذي يكتنف عالم الإنسان، أو بحسب تعبيرة هايدغر لتخفيف وطأة الوجود الذي قُذف فيه وأُسلم للموت.

ففي أدبيات الدراسات الدينية المنضوية تحت علم الأديان، صيغت جملة من التفسيرات بشأن طبيعة التجربة الدينية وفحواها، هل هي فطرية أم اجتماعية أم نفسية؟ بلغ فيها الأمر حدّ اعتبار الدين حالة باثولوجية، لكن ما هو ثابت وملازم في هذه الرحلة الوجودية، التصاقها بأطوار الكائن البشري، منذ أمد بعيد، وهو ما أوحى بنعت الإنسان بالكائن المتدين (homo religiosus). لكن التجربة الروحية، في خضمّ التجارب الطقوسية والتشريعية والاجتماعية، هي ما يعنينا بالأساس، بوصفها تجربة ذوقية تجلى من خلالها الدين، فهل ثمة حاجة فعلية لذلك الخيار في راهننا؟ إذ صحيح أن مجمل الأديان، وحتى التي لا ينطبق عليها مفهوم الدين المتكامل، قد شهدت في أحضانها منشأ ظاهرة التسامي الروحي بين صفوة من أتباعها، ممن يذهبون إلى غور الإيمان، يبتغون وجهه الكريم ولا يقفون عند حدود المرئي الطقوسي أو التقعيد العقدي، وقد رُصد ذلك سواء لدى شامان سيبيريا أو لدى نساك الصحارى، مرورا بتقاليد دينية أخرى.

موسيقى الروح الجامعة

حيث يسود في أوساط تلك الصفوة انسجام مع الكون، وتغمر حلقاتهم أجواء سكينة وفيض محبة، ما يشي بوحدة نبضات قلب الروحاني وتوهّج روحه وإن تناءت المسافات وتباينت المجتمعات. ويتلخّص عمق التجربة في حضور فاعل في الوجود، عماده المحبة والإجلال للكون وما حواه، وليس حضورا سلبيا باهتا. إذ ثمة انسجام للأنا مع الكون، يصحبه رضا السالك. ولو تمعّنا الأمر، فمفردة (mystique) في اللغات الغربية، التي عادة ما تترجَم إلى العربية بالتصوف، هي معراج نحو العجيب ومرقى مؤداه إلى الجليل، تطبع سالكه روح شفافة يضنيها العشق، لما يكابده من شجن من شروط عيشنا وضيق تصوراتنا مدفوعا في ذلك بالشوق والوله عبر تطوافه.

في هذا السياق، تمثّل "موعظة الجبل" في التراث الإنجيلي مشروعا روحيا خالصا، يتأسس في ضوئه الترقي الروحي الأكبر. فلا يمكن الحديث عن قرب لله تعوزه المحبة. حيث تحدد تطويبات موعظة الجبل: طوبى للمساكين.. طوبى للحزانى.. طوبى للودعاء.. طوبى للجياع والعطاش.. طوبى للرحماء.. طوبى لأنقياء القلوب.. طوبى لصناّع السلام.. طوبى للمطرودين، التي صدح بها المسيح، المنطلقَ الجوهري لتطهير الكائن. ولذلك منذ عهد الإمبراطورية الرومانية التي عايشها الناصري إلى لاهوت التحرر الحالي في أمريكا اللاتينية ثمة محورية روحية لموعظة الجبل.

من جانب آخر، تبدو صرخة المسيح وهو يُجرّ إلى الصليب آسرة لعديد الصوفيين في التراث المسيحي: "إيلي إيلي لِم شبقتني"، أي "إلهي إلهي لِم تركتني"، وهي صيحة جزع وفزع تقرع مسمعيْ السالك الرباني في خياره الروحي وفي معراجه الطهري. حيث يتحوّل التسامي إلى تجربة يكابد فيها المرء الفزع الأكبر، وهو عمق الاختبار وِفق جون دي لاكروا. لكن تلك التجربة ترفقها حالة وجْد يعيشها الصوفي، "نحن في نعمة لو علمها الملوك لجالدونا عليها" كما لخّص فحواها إبراهيم بن أدهم في قوله المأثور. إذ ثمة كبَدٌ مرفوق بوجْد جارف يستحوذ على الصوفي، "ركعتان في العشق لا يصح وضوءهما إلا بالدم" كما قال الحسن بن منصور الحلاج. وهي أوضاع كونية ارتوى أهلها من نبع واحد، حيث نجد تريزا الآفيلية تصف تلك الحالة بقولها: "الوجْد قضاءٌ لا مردّ له، تُنتزع فيه الروح من الثرى بيدِ الله كما تختطِف الكواسر طريدتها دون أن تدري إلى أين المساق. وبالتالي لا بد من رباطة جأش لمتابعة المسار، إذ غالبا ما حاولتُ دفع الوجْد، مقدّرةً أنه وهْم، ولكني أجدُ نفسي صريعة كأني أغالب ماردا".

في هذا الترقي الروحي ميّز المفكر الكاثوليكي روبرت شارل زاهنر بين تصوف طبيعي منقوص، وتصوف ما فوق طبيعي مكتمَل. حيث الأول وإن لازمه تسامي الروح التي تعانق الحرية والانفتاح على المعرفة، فهو ينتهي إلى حدود الخلط بين ذات الكائن المحدودة وذات الألوهية المطلقة؛ في حين الثاني فهو تصوّف يخرق حجب الأسرار في علاقة المحبة الواصلة بين الباري وعبده، بما يشبه الصحراء الساكنة التي لا مكان فيها للاختلاف، كما تجلى الأمر للمعلم إيكهارت.

بحثا عن الغنى الأكبر

من هذا الباب أغوى الزهد طائفة الصوفيين، ليس إعراضا عن عرض الحياة الدنيا، وهو في متناول أيدي كثيرين، بل احتجاجا على عالم يدنّسه الحيف ويستنزفه الجشع. القديس الكاثوليكي فرانسيس الأسيزي، سليل الأثرياء، تركزت دعوته في مستهل تجربته الروحية في الزهد بوصفه نمط حياة المسيح. سعى جاهدا في تقليد الناصري والسير على منواله أملا في الإمساك بروح المسيحية. هكذا توهّم الأسيزي، أو سمع، أو أوحي له: "قم يا فرانسيس ورمّم بيتيَ المتداعي للسقوط"، ناداه المسيح بتلك العبارات في كنيسة سان داميان، فانقلبت حياته رأسا على عقب وهجر حياة الفرسان مختارا أن يكون في كوكبة "فرسان الودعاء" ليفوز بالملكوت، وهو ما دفعه إلى هجران زينة الحياة والعيش في فاقة. ولعل ما فاقم أزمة فرانسيس حينها عودته الخائبة من بلاد "الميرامولينو"(أمير المؤمنين) في المغرب، التي طلب فيها الشهادة على أيدي "المحمّديين" فلم يفز بمراده، فارتد عنفا وقمعا على هيكل جسده لإنهاكه. لكن الأسيزي، وِفق فرويد، ليس ضحية جنون بل ضحية وهْم، فالاعتقاد الآسر في المسيح ليس مثبَتا ولا مدعما بل يستجيب ويتلازم مع رغبة باطنية، ولا أحد منا قادر على أن يعيش بدون أوهام.

بَيْد أن ذلك الشجن الآسر المستحكم بذات الصوفي جعل ثلّة من علماء النفس يصنفون الأمر ضمن الباثولوجيات المرضية؛ ولكن التصوف مرضٌ جميلٌ في عالم نحسبه معافى، وفي واقع يطبعه خواء روحي ينفتح على هوة غائرة لا يراها إلا أصحاب الأرواح الشفافة ممن يسعون بنور الحقّ.

والجلي أن الصوفي خلال رحلته تلك غالبا ما يغرق في هاجس إنهاك الجسد بالرياضات الروحية، بدعوى التطهر والتسامي، وهو بالأساس احتجاج عميق على انحصار الإنسان في الظاهر وغفلته عن جوانيته وعلوه. لذلك مثّل التصوف من منظور سوسيولوجي زفرة احتجاج للروح في عالم مضطرب يبحث عن تماسكه. فأثناء تفاقم أزمة الإمبراطورية الرومانية انتشرت ظواهر الزهد والنسك والاعتكاف. وفي الشرق، مهْد التصوف المسيحي، نشأت أكثر الأشكال غرابة في ترويض الجسد وكبح جماح النفس. يروي لنا المؤرخ الإيطالي جورج رافينياني صفحات جميلة عن ذلك الفوران في كتابه "الحياة اليومية في نهاية العالم القديم". فقد كان يعقوب السوري يقف تحت الثلج المتساقط أياما حتى يغمره؛ وكان أحد مجايليه يقيم الليل حاملا على كاهله جذوع الشجر. أما ماكاريوس الإسكندري، فكان يطلّق النوم بقصد تعزيز قدرات التزهد لديه. وصادف أن لسعته بعوضة وهو قابع في صومعته، فسحقها بيده: لكنه أدرك للتوّ أنه مذنب فأدان نفسه بالوقوف ساكناً عارياً في مستنقع، فريسة للبعوض. أما القدّيس سمعان العمودي، ففي بداية موسم الصوم الكبير، عزل نفسه داخل صومعته بجدار ومعه عشرة أرغفة خبز وإبريق ماء، وبعد أربعين يوماً، وجدوه على وشك الهلاك، ولم يكن مسّ طعامه طيلة الوقت.كانت الغاية من تلك المعاناة تهدف إلى التحكم بالعواطف.

الرياضات الروحية فنون

كما يعود الفضل إلى الشرق في نشوء مختلف أشكال الترويض للجسد على غرار الرهبان "آكلو النباتات" (boskoi)، الذين يهيمون في الصحارى كالأنعام، و"الشجريون" الذين يتخذون من الأشجار سكناً، و"العموديون" الذين تنحدر تسميتهم من العبارة اليونانية (stylos)، أي العمود. فقد اختار هؤلاء الخلوة فوق الأعمدة على علو شاهق طلبا للتزهد. كانت الممارسة قد نشأت في سوريا بمبادرة من القدّيس سمعان الكبير، الذي اعتلى عمودا قرب أنطاكية عام 422 ومكث هناك حتى وافاه الأجل عام 459م. وكما كان العهد بالكثير من معاصريه، صُعق يوماً بفقرة من الإنجيل فقرر الانعزال. بعد قضاء ثلاثة أعوام في صومعة، تحول سمعان إلى تلة قريبة (تدعى اليوم قلعة سمعان) فشيّد جداراً دائرياً تموضع بداخله مكبِّلاً قدمه بسلسلة طويلة مثبتة بحجارة ضخمة من طرفها الآخر: هكذا حبس نفسه ليكرّس وقته للتأمل، وما فتئ أن خطر بباله يوما تسلّق عمود، فكانت هذه البداية العرضية لشكل من التزهد صار تقليدا يحتذيه كثيرون في بيزنطة، حتى استحوذت العمودية على الرهبان البيزنطيين. فالقدّيس سمعان العجوز قارب السبعين عاماً، أمضى منها تسعة وثلاثين على العمود، وكذلك القدّيس دانيال الذي عاش أربعة وثمانين عاماً، في ثلاثة وثلاثين منها مسكنه العمود، والقدّيس سمعان الشاب الذي وافته المنية عام 597م بعمرٍ يناهز الستة والسبعين عاماً، قضى منها ثمانية وستين عاماً فوق أحد الأعمدة.

ولفرط وعورة ذلك الدرب أحيطت حياة المتصوفة بالخوارق والمعاجز شرقا وغربا، فبوذا الذي يقتات بحبة أرز يقابله الروحاني المسيحي القانع ببرشام (خبز القداس)، وهو ما لا يسدّ رمق حشرة. ولكن هذه الغرائبية في السلوك الصوفي ووفرة الكرامات المذهلة إلى حد الريبة، ينبغي ألا تحول دون البحث عن جوهر التصوف وسط ركام العجائبي بوصفها ظواهر تتفسر ضمن أدوات الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا. فالقديسة تريزا الآفيلية المولودة سنة 1515، عقب ثلاثة قرون من وفاتها وُجد قلبها معافى، والراهبة مارت روبين، المولودة 1906، عاشت خمسين سنة دون أن يغازل جفنها النوم كما يروى.

يلوح دربُ الروح الواصل بين شتى التجارب الدينية الأوفرَ حظا في التقريب بين مختلف المؤمنين. وفي الغرب المعاصر تهفو قلوب كثيرة للتصوف الإسلامي، وللروحانيات البوذية والطاوية والهندوسية، برغم الاضطرابات الجارية في فضاءات تلك التقاليد والمتشظية في العالم رعبا وهولا. ما يعني أن هناك وردا مورود يطلبه الجميع وإن حجبته الأضاليل وسدته العراقيل، إنه درب المحبّة والتطلع إلى سنا وجهه الكريم.

 

د. عزالدين عناية - أستاذ بجامعة روما

 

عبد الرضا حمد جاسمالنموذج السادس: [في عام 2016 سجلت دائرة النجدة(251) حالة انتحار، منها(128) حالة في بغداد وكانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال] انتهى.

تعليق: *السؤال التقليدي: من أين حصل أ. د قاسم حسين صالح على هذا الخبر؟ * وهل الرقم (251) بخصوص حالات الانتحار أم "بشكل عام" حالات ومحاولات الانتحار؟ هل يعني هذا الرقم ما سجلته النجدة في كل العراق؟ إن كان، فهو يعني ان حالات الانتحار في باقي ال (17) محافظة هي (251 -128=123) حالة خلال عام 2016 منها (52) في ذي قار حسب "النموذج رقم 3) فالباقي:( 123-52=71) حالة انتحار في(16) محافظة خلال عام 2016 بحدود (4) حالات في عام 2016 وهذا رقم متدني جداً عن الأرقام المحلية والإقليمية والعالمية. ماذا يعني هذا؟ يعني طرح سؤال وهو: لماذا تؤثر العوامل الدافعة للانتحار في مدينة دون أخرى وهي تعيش نفس الظروف بحيث تصل الى أكثر من مائة حالة في محافظة والمحافظة المجاورة لها أربعة محاولات وربما لم تحصل أي محاولة؟ فما الفرق بين كربلاء والنجف او بين ذي قار والمثنى مثلاً؟ وهذا يدفع للشك بالأرقام والأسباب وانتباه الباحث /الكاتب" وتدفع الى الغاء كل قول ورد في مقالتي أ. د قاسم حسين صالح اللتان ناقشتهما في هذه السلسلة عن أسباب الانتحار وارتفاع نسب الانتحار في العراق. وإن كان لا، فعلى أ. د قاسم وكل من اعتمد هذه الأرقام وهمُ كثر ٌتفصيل ذلك للقارئ والمتابع وبالذات بالمهتمين من الأجانب افراداً ومنظمات.

 ورد "كانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال"...هذا يدفع للسؤال كم هي النسب الحقيقة؟ حيث أكيد هناك بعض الدوافع الخاصة لكل جنس توَّلدت من الدوافع العامة! وهذا التفصيل مطلوب عند/من الباحث الجاد المترفع عن الهوس والتطبيل الإعلامي حيث لمست ان البعض من المختصين لا يتميزون عن الإعلاميين المستجدين.

ثم هل "دائرة النجدة" تعني هنا شرطة النجدة ام نجدة الطوارئ/الإسعاف الفوري؟ حتى يمكن لمن يريد اعتماد الأرقام والتأكد من كونها حقيقية وصادرة عن دوائر مختصة التوجه لتلك الدوائر للاستفسار، فالرقم عند الباحث يتكلم بل يصرخ. إذا كانت شرطة النجدة فهي تابعة لوزارة الداخلية وإذا كانت نجدة الطوارئ/الاسعاف فهي تابعة لوزارة الصحة ذات العلاقة مع منظمة الصحة العالمية. والوزارتان كان لهما علاقة بالدراسة و "لجنة الدكاترة" وهذه المعلومة كانت متيسرة كما أتوقع امام "لجنة الدكاترة"

*والسؤال الأهم هو: هل يمكن قبول مثل هذا النموذج بهذه الصيغة واعتباره حقيقة ومن مصادر تتمتع بمصداقية ومدعوم بالمنطق؟

اليكم عن/من مصادر هذا النموذج. ((في التاليات سأشير الى "النماذج" التي وردت فيها التصريحات والارقام ))

# من الويكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

 [1.في عام 2013 سجلت المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق(439) حالة انتحار وسجلت محافظة ذي قار النسبة الأكبر" النموذج الأول"

2.في عام 2016 سجلت دائرة النجدة(251) حالة انتحارمنها(128) في بغداد وكانت نسبة انتحارالنساء أكثرمن الرجال] انتهى."النموذج السادس"

ملاحظة: الرقمين وردا في نموذجين من نماذج أ. د قاسم حسين صالح، ومن مقارنة الرقمين نستنتج ويستنتج أي متابع حريص ان هناك انخفاض كبير في حالات الانتحار في العراق في عام 2016 بالمقارنة مع عام 2013 وكما التالي:

(439-251=188 حالة!!!اي بنسبة أكثر من 57%) وهذا ينفي أي قول بتزايد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار...السؤال هنا: كيف يُفسر أ. د قاسم حسين صالح هذه النقطة للمتابع العراقي والعربي والأجنبي؟

اليكم من الكاشف نيوز الدولية 08/05/2019 قاسم الغراوي في مقالة "وقيدت ضد مجهول"

http://www.alkashfnews.com/28680

في عام 2013 سجلت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق(439) حالة انتحار وسجلت محافظة ذي قار النسبة الأكبر. "النموذج الأول"

وفي عام 2016 سجلت دائرة النجدة(251) حالة انتحار، منها(128) حالة في بغداد وكانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال. "النموذج السادس"

ملاحظة: يبدوا ان عمليات القطع واللصق هي عماد مقالاتنا وابحاثنا ودراساتنا عن الانتحار في العراق...وما خفي كان أعظم!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

النموذج السابع:

[شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً في نسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين] (الحياة، كانون الثاني 2016) [مكرر]

تعليق: نعود الى "النموذج السادس" وكيف عبرت الأرقام عن عدم دقة هذا الطرح حيث ظهر ان هناك انخفاض كبير في حالات الانتحار في العراق وليس كما ورد في هذا "النموذج".

* لو كنتُ في ندوة او لقاء يتحدث فيه أ. د قاسم حسين صالح عن الانتحار في العراق أمام مختصين محليين واجانب وطرح هذا النموذج وسألته: كم كانت الزيادة واين الوثائق التي تؤيد ذلك؟ او من أين حصلت على هذه المعلومة؟ وهل "صحيفة الحياة" مصدر يتمتع بمصداقية أو مصدر حكومي او ما تنشره حقائق او دراسات جامعية عراقية؟ ماذا سيكون الجواب؟؟؟؟

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

علي المرهجصورة الآخر هي ليست الآخر (كما يقول الطاهر لبيب). صورة الآخر بناء في المخيال وفي الخطاب". لذلك فمفهوم الذت الآخر هو من اختراع الذات، لا بمعنى إنكار وجوده الواقعي، وإنما وجوده هو وجود تصوري " من وحي المُخيَلة "مُخيَلة الأنا".

من النادر القليل أن ترى الذات في الآخر خيارها الإيجابي في الوجود وفي التكامل المعرفي، وأغلب الأمم تُعاني من تضخم النظرة للذات "القومية" أو "الوطنية" أو "الدينية" وتحصيل الحاصل"الطائفية"، وكلما ازدادت الذات تضخماً، إزداد حضور "الآخر"، في الغالب سلباً، إن كان هذا "الآخر" مُغايراً للذات في المعتقد الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي، ويكون الحضور إيجابياً في حال كان هذا "الآخر" مُتماهياً مع مقولات "الأنا" المتضخمة أو مُدرك لسيكالوجيتها المرضية القائمة على النظر للذات بوصفها أكثر نقاءً في الأصل "الوجود" وفي "المعرفة" وإدراكها للـ "اليقين".

هذا الوعي المتضخم للذات هو الذي أنتج ما يُسمى "الهويات الفرعية" التي تأتي كرد فعل للممارسة الاقصائية للذات الشمولية التي تدعي أو يتبنى دُعاتها مقولة "الاصطفاء" ووصف الجماعة الذين هم منها أنها "شعب الله المُختار" أو "سُفن النجاة" من الذين اصطفتهم الإرادة الإلهية، أو اقتضت وجودهم "الحتمية التاريخية" ليكونوا "المخلصين" أو مُلًاك الحقيقة ورُبَانيي "سفينة النجاة"، وأصحاب "الفرقة الناجية" بالمفهوم الإسلامي، الذي تجسد في خطاب بعض الحركات واالأحزاب الدينية مثل "حزب الله".

وقد وظف هذه الرؤية كثير من الأحزاب العلمانية ومنها الأحزاب (القوموية) التي  صيَر بعض مُنظَريها حزبهم بمصاف "الحزب القائد" وأن قائد الحزب والدولة هو الحاكم الفليسوف أو الفيلسوف الحاكم أو "القائد الضرورة" الذي أنجبه التاريخ كي يكون "المخلص" للأمة العربية من هيمنة الاستعمار والتبعية للغرب!!.

الجدير بالذكر أن هذه المفكرة تختلف في مضانَها عن فكرة "البطل" الفرد، أو دور الأبطال في التاريخ، لأنك في التاريخ شواهد لها، ولكن هذا (البطل) لا يُمثل حزباً بعينه، ولا يُدافع عن جماعة بعينها ويُقصي جماعة أخرى، ولا يُعامل مواطنيه على أنهم في مراتب هرمية، فهُناك الكثير من هؤلاء القادة في التاريخ العربي والإسلامي والدولي من الذين آثروا على أنفسهم واتخذوا من أنفسهم أضاحي من أجل تحقيق الحرية لشعوبهم.

من أمثال هؤلاء هُناك مُصلحون ومنهم الأنبياء، ومُفكرون إحيائيون من أمثال "كونفشيوس" و"لاوتزه" و"مارتن لوثر" و"أراسموس" و"مارتن لوثر كنك"، و"الأفغاني و"محمد عبده" و"الكواكبي، وآخرون. وهُناك قادة سياسيون أمثال: "غاندي" و"نلسن ماندلا" و"جيفارا" و"لنكولن" و" عبدالناصر" وآخرون. وهُناك فلاسسفة أمثال: "جون لوك" و"كانت" و"جان جاك روسو" و"فولتير"، وماركس.

وهؤلاء وغيرهم كُثر ممن تنطق عليه صفة "البطل التاريخي" من الذين غيَروا تاريخ أمم بكاملها بتخليصها من تشضي الهوية والتكور حول "الهوية الفرعية" إلى الإنتماء للـ "الهوية الوطنية" والحُلم ببناء هوية أشمل ألا وهي "الهوية القومية" ومن ثم "الهوية الإنسانية" بحثاً عن مُجتمع إنساني أفضل.

لكن فكرة "القائد الضرورة" هي على النقيض من ذلك، فيها تصنيف لهذا القائد هذا على أنه خُلق من طينة غير طينة بني البشر من أبناء جلدته، وهو يفوقهم بدرجات من حيث القوة والحكمة التي حباها الله له دون غيره من البشر، على قاعدة التصنيف الإفلاطوني الثلاثي للناس على أن بعضهم خُلق من (ذهب) وآخرون من (فضة) وغيرهم من (النُحاس)، لذا سيكون الحاكم هو وجماعته من الصنف الأول وباقي الناس بدرجات حسب صيغة الولاء له ولجماعته لا للوطن، فهو الوطن والوطن هو، فيُشبه نفسه بالأولياء والأنبياء، ويُسمي نفسه بأسماء الله الحُسنى!.

إن مثل هكذا رؤية تدفع باتجاه تنمية "الهويات الفرعية"، للمستوى الذي يجعل منها هوية مُباينة لـ "الهوية الوطنية" تحت مظلة "الأنظمة الشمولية"، فبدل من أن تبني هذه الأنظمة ذات الطابع "التوتالتاري" في الحكم وطناً ذا بُعد قومي، غيبت "الهوية الوطنية" بامتدادها القومي، فصار البعض يبحث عن مُماثلات لـ "هويته الفرعية" خارج حدود الوطن كي يحتمي بها، ولربما نكون سدَها المنيع ضدَ كل من لا يرتضي لرؤييتها الأيديولوجية وجوداً، الأمر الذي أدى إلى غياب "الوعي المواطني"، فتخلت بعض الأقليات عن انتمائها "الأثني" لا لقناعة منها بأيديولوجيا "الحزب القائد"، بل لأنها لن تجد لها موطئ قدم في المُشاركة في إدارة الدولة إن لم تُعلن ولائها للحزب والقائد، وإن كان فيهم بعض الشخصيات مؤثرة، فليس لأنها لها القُدَرة على أن تُعلن ولائها الوطني أو القومي أو الديني أو الطائفي، بل لأنهم أمعنوا  في القساوة على أبناء جنسهم لصالح تحقيق وتنفيذ مرامي "الحزب القئد" و"القائد الضرورة"!.

إن وعي الهوية المتضخم يؤدي بالضرورة إلى تنامي "الهويات الفرعية"، وكلما إزدادت "الذات المُهيمنة" تعالياً، ازدادت "الهويات الفرعية" عناداً في إعلانها عن وجودها سواء أ كان هذا الوجود يُمكن تحققه بالمماثلة أو بالرفض والممانعة، وستزداد "الهويات الفرعية" تماسكاً كلما ازدادت "الذات الشمولية" الحاكمة توهماً بأنها تمتلك آليات "الخلاص" بوصفها المالكة للحق والوصية على تطبيقه، لتبحث "الهوية الفرعية" عن تشاكل هوياتي لها خارج المُحيط الجُغرافي والتفاعل الاجتماعي "المواطني"، بل خارج هيمنة السلطة الحاكمة "التوتاليتارية".

إن خطاب "الأنا" أو الذات "المُتضخمة" ينتج بالضرورة خطاباً مُغايراً، يجعل "الآخر" ضداً نوعياً يُهدد وجود "الأنا"، كما هو حاصل اليوم في في خطاب القومويين والإسلامويين، و"المتفرنجين"، بعبارة علي الوردي.

"الآخر" بوصفه مكمل للذات:

هناك من يرى أن صورة "الأنا" لا تكتمل إلَا بوجود الضد "الآخر"، سلباً أو إيجاباً، ففي نفي "الأنا" بترٌ لوجود "الآخر" وحضوره.

نجد (ريكور) يؤكد أن لا اكتمال لوجود الذات "الأنا" من دون وجود "الآخر"، لأن وجود "الذات عينها كآخر"، ومع (ديكارت) نجد أن وجود الذات كذات مُفكرة هو الوجود الحقيقي بمعزل عن وجود "الآخر"، بينما نجد (تشارلس ساندرس بيرس) يصف هذا "الشك الديكارتي" بأنه "شك لا منهجي" بل ليس سوى شك مُفتعل، لأن وجودنا الحقيقي يُدَرك عبر وجودات أخرى، فهُناك كثير من الكائنات الحية مثل "الحيونات" موجودة، تأكل وتتنفس، والشك بوجوودها لا يُمكن أن يكون شكاً منهجياً، "لأنه شك مُختلق لأن ينطلق من بديهية اختلقها هو وسلم بها هو وأنكر من خلالها وجود الأشياء جميعاً والشك في كُل شيء إلَا في كونه إنساناً يُفكر"، لذلك فكل إدعاء للشك في وجودات في واقعنا إنما هو مُعاندة شكية لا منهجية، لأنها خارج مُقتضيات التجربة الحسية.

قيل في المثل العربي "أن الناس أعداء ما جهلوا"، لذلك يُبادر الكثيرون منهم في رفض "الآخر" لمُجرد عدم معرفتهم به، ولكنني أرى أن معرفة "الآخر" تكون في بعض الأحيان أحد أسباب رفضه، وجهل "الآخر" به سبب أكبر للرفض، فمعرفة "الآخر" تعني الغوص أكثر في أنماط تحولاته المعرفية وجذور مُتبنياته الأيديولوجية التي ـ ربما ـ فيها اختلاف في التبني، فعادةً ما يكون أساس التبني عند "الآخر" قائم على الاستنباط والمعرفة البرهانية، فيما يكون نمط المعرفة عندنا قائم على الوجدان والمعرفة الباطنية أو "العرفانية"، وربما يكون هذا الفارق المعرفي أحد أسباب الرفض لا القبول لـ "الآخر"، لمعرفتنا باختلافنا وافتراقنا في الرؤية والمنهج، بل وفي نزوعنا العقائدي والأيديولوجي. أما في جهلنا له ففيه قصد واضح وإمعانٌ في الرفض، فليس من ثقافتنا قبول المُعارض وليس منَا من كان مُخالفاً لنا في الرأي والمُعتقد بحكم "الألفة" مع مُتبنياتنا المعرفية والأيديولوجية التي ورثناها من مُحيطنا البيئي والاجتماعي والتاريخي فجعلنا منها مناط الحُكم على صواب الرؤية المُغايرة لرؤانا من خطئها!، ولم نُكلف أنفسنا فحصها وفق مبدأ "التفنيد" البوبري نسبة لـ "كارل بوبر" أو للتشكيك الديكارتي، فصيَرناها مُسلمات أو بديهيات لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها!.

إن وجود "هويات فرعية" ذلك من طبيعة الوجود الإنساني، وهو ليس مُشكل بحد ذاته، ولكن تناميها للمستوى الذي تغيب فيه "الهوية الوطنية" ذلك هو المُشكل الأكبر والأعظم، فلكل منَا انتماء هوياتي فرعي، إما أن يكون عرقي "أثني" أو "ديني" أو "مذهبي"، وأميزها في قبول التنوع هو "الهوية الثقافية" والهوية الثقافية هذه يُمكن أن تكون هوية بلد وتاريخ حضارة ويُمكن أن تكون هوية جماعة مُعينة، ولأنها "هوية ثقافة" فهي بطبيعة وجودها هوية تقبل التنوع والمُغايرة في الرؤية والتوجه الفكري، وحينما تنحو باقي "الهويات الفرعية" باتجاه تفعيل وجودها الحضاري بوصفها "أيقونات" للتنوع الوطني والتكوين المُجتمعي الأشمل، فهي إغناء معرفي وإضافة تنويرية للـ "الآخر" المُختلف، ولكن حينما ينغلق أصحابها على هويتهم ولا يقبلون بوجود "آخر" مُشاركاً لهم في الوجود الاجتماعي والجغرافي المُسمى وطن تلك هي العقبة الكُبرى في بناء "هوية ثقافية" جامعة.

لقد تحولت بعض الجماعات المُتعايشة في الوطن الواحد إلى جماعات مُتصارعة بسبب شيوع الفكر "الدوغمائي" في مُجتمعاتنا سواء في غباء أحزاب السلطة المُنكفئة على رؤاها الأيديولوجية وسوء تقديرها لكيفية إدارة الدولة، أو بسبب تفشي الحركات "الراديكالية" = (الاقصائية) ذات التفكير الأحادي الذي لا يقبل دُعاته ولا مُريدوهم بوجود "آخر" يتبنى وجهة نظر مُغايرة لمُتبنياتهم "العقائدية"، الأمر الذي دفع الكثير من "الأقليات" إما للهجرة، أو الاحتماء بهوية مُماثل لـ "هويتهم الفرعية" فصنفهم البعض بـ "العُملاء" للأجنبي، أو "الولائيين" وتلك صورة لتشظي "الهوية الوطنية" إلى "هويات فرعية" بدَت جليَة وواضحة في المجتمع العراقي بعد الاحتلال الذي مهد لفكرة تشظية "الهوية الوطنية" في العراق إلى "شيعة" و"سُنة" و"كُورد"، وكل مُكون مُجتمعي من هؤلاء إنما صار يُدين بالولاء لجماعة أُخرى مُتضامنة مع نزوعه في التوجه "العرقي" أو "المذهبي" فصار العراق هويات لا هوية واحدة له، وازاد تشضي الهوية إلى أقليات صغيرة صارت تبحث لها عن ملاذات آمنة للخلاص من "داعش" مثل "المسيحيين" و"الأيزيديين" و"التركمان" وكل يبكي على ليلاه، ليلى "الجريحة" = (العراق) أو ما أطلق عليه سليم مطر "الذات الجريحة"، ألا وهي "الهوية الوطنية" التي غيبتها النُخبة السياسية العراقية وتجريحها وتشظيتها بحسب انتماءات هذه النُخب "الولائية" للمُحيط الخارج وطني.

كان بامكننا الاستفادة من "تجربة "مصر" ـ كما يقول سليم مطر في كتابه "الذات الجريحة"ـ ونجاح النُخبة المصرية في خلق "هوية مصرية" تعترف بديمومة الشعب المصري منذُ الفراعنة والأقباط حتى التكوين العربي الإسلامي. أي مُحالولة المُجانسة بين الأصالة المصرية من ناحية، والانتماء العربي الإسلامي من ناحية ثانية". لكن الذي حصل عندنا نحن العراقيين هو العكس تماماً غياب تأثير النُخبة في بلورة وعي وطني حقيقي، الأمر الذي جعل الكثير من العراقيين يشعرون أنهم في واد والنخبة الثقافية في واد آخر.

النتيجة أن صراع الهويات الفرعية بدأ بالأفول لا لأن النُخبة تمكنت فعلاً من إيصال رسالتها، بقدر ما كان لتوازن قوى العُنف وإيمان المكونات المُتصارعة بأن لا إمكانية من إلغاء الآخر المشارك له في الوطن، فالشيعة يمتلكون آلية السطو والغلبة بامساكهم بالسلطة والدعم الخارجي، والسُنة يمتلكون الامكانية على رد الفعل وفض سياسة التهميش بالقوة والدعم الخارجي، وكذا الحال مع الأكراد، وبما أن الديمقراطية لم تفعل فعلها في تهدئة الصراع لأنها (ديمقراطية توافقية) تحمل في مضانها نسفاً للديمقراطية ذاتها، فآثر قادة المكونات الرجوع للصف الوطني بعد أن فعلت قوى العُنف أفاعيلها في تشظي الهوية الوطنية

 

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد عليننتقل للحديث عن الجزء الخامس من مقالنا غواص في كتاب سيبويه، حيث نختم حديثنا عن التحليل البنيوي للمصطلحات التي استخدمها سيبويه، وفي هذا يمكن القول بأن سيبويه نقل إلي الأجيال مصطلحات "الخليل بن أحمد "واستعمالات أسانيده، وأضفي عليه من ذكائه وفطنته وقدرته علي التحليل والاستنتاج، فحاول أن يجعل أبواب كتابه واضحة، سهلة المنال ووضع المصطلحات النحوية وضعا أشرف علي الاستقرار، وفسر بعض المصطلحات ببعض، أو قل عبر عن بعضها بأكثر من تعبير، وحاول صناعة المصطلح النحوي ليستقر في صورته النهائية، وما لم يسعفه جهده بالظفر به لجأ إلي وصفه وتصويره بالأمثلة الكثيرة الموضحة، فكان شأنه في ذلك شأن المعلم القدير الذي يفتن في طرق تدريسه، فتارة يسلك سبيل الاستقراء، وتارة يتبع طريقة الاستنتاج، وهكذا، بل إن سيبويه يري في بعض الأحيان أن المصطلح الذي وضعه يقصر عن تحقيق الغرض، فيردفه بالتصوير والوصف .

ومن الملاحظ أن سيبويه يقتصر في أكثر حدود مصطلحات الكتاب علي التعريف بالمثال، قاصدا به إيضاح المعرف، فيقول في تعريف الاسم : " فالاسم رجل وفرس وحائط " ، وعلل النحاة بعده عدم تعريفه الاسم بالحد بأنه " ترك تحديده ظنا منه أنه غير مشكل " . وفي تعريف الضمير :" وأما الإضمار فنحو هو وإياه وأنت وأنا ونحن  "، وفي تعريف الإشارة يقول :" وأما الأسماء المبهمة فنحو هذا وهذه وهذان وهاتان  " والنصب في المضارع من الأفعال لن يفعل والرفع سيفعل والجزم لم يفعل " ، وافتقاد التعريف بالحد كان أمرا تفرضه طبيعة المرحلة التي يجتازها العلم زمن سيبويه، فقد كان النحو في بدايته، وكان هم النحاة حينئذ جمع المادة العلمية لحفظها وتفهمها، ولم تكن الدراسة آنذاك قد بلغت المستوي الذي يؤهلها لتثبيت المعاني الاصطلاحية بشكل حدود دقيقة .

وفي أمور كثيرة نلاحظ أن كتاب سيبويه يخلو من التعريف المنطقي إلى حد ما ، فهو مثلا لم يعرف الفاعل، ولم يعرف الحال، ولم يعرف البدل، ولا غير ذلك من أبواب النحو، ويكتفي في الأغلب بذكر اسم الباب، ثم يبدأ مباشرة بعرض القواعد المستخلصة من الاستعمال، فيقول مثلا :" هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلي مفعوله، وذلك قولك :" ضرب عبد الله زيدا، عبد الله ارتفع هاهنا كما ارتفع في (ذهب)"، وهذا باب ما يرتفع فيه الخبر لأنه مبني علي مبتدأ، أو ينتصب فيه الخبر؛ لأنه حال لمعروف مبني علي مبتدأ "، أو أن يقول :" اعلم أن النداء كل اسم مضاف فيه فهو نصب علي إظهار الفعل المتروك إظهاره، والمفرد رفع وهو في موضع اسم منصوب ". ومن النادر جدا أن نجد عنده تعريفا كالتعريف الذي قدمه عن الفعل بأنه " أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضي، ولما يكون، ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع ."، وإنما جل تعريفاته تقوم علي التمثيل كقوله :" الاسم: رجل وفرس وحائط " . أو تمييز المعرف بشئ من خواصه كقوله :" والتضعيف أن يكون آخر الفعل حرفين من موضع واحد، وذلك نحو رددت، واجتررت، وانقددت، واستعددت .." ، وهكذا فإن كتابه كله علي شموله لا يخرج عن هذه الأمثلة من التعريف، وهو دليل علي أنه لم يطبق المنهج الأرسطي فيه وقد يكون دليلا على أنه لم يعرف هذا الأصل في المنطق الأرسطي معرفة كان من الجائز أن يبدو لها أثر في الكتاب قبولا أو  رفضا " .

ولذلك من النادر جداً أن نجد عند سيبويه تعريفا دقيقا، كالتعريف الذي قدمه عن الفعل بأنه " أمثلة أخذت من لفظ أحدث الأسماء، وبُنيت لما مضي، ولما يكون، وما لم يقع، وما هو كائن لم ينقطع " ؛ أي أن الأفعال أبنية أو صيغ مأخوذة من المصادر، فهي تدل بمادتها علي المصدر، أو الحدث، وبصيغتها علي زمان وقوعه من ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، ويفرق بين هذه الأقسام بالتمثيل، وجل تعريفاته في الكتاب تقوم علي التمثيل، أو تمييز المعرف بشئ من خواصه، كقوله :" والتضعيف أن يكون آخر الفعل حرفين من موضع واحد، وذلك نحو : رددت، وددت، واجتررت، واستعددت "، وهذا التعريف يعد من قبيل الحد بالرسم، وفي هذا النوع من التعريف تحصر خواص التعريف أو علاماته أو تذكر علامته البارزة التي تميزه عن غيره، وهنا ذكر خواص المعرف وفرق بين أقسامه بالمثال لا بالتعريف .

وفي بعض الأحيان يذكر سيبويه حدودا إذا اشتبه بغيره، فيميزه، أو يجمع صفاتهما معا في تعريف واحد ليخلص لقاعدة النحو تجمعهما في مثل تعريفه لنون التوكيد الخفيفة والتنوين، إذ يقول : " النون الخفيفة والتنوين من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، والنون الخفيفة ساكنة كما أن التنوين ساكن، وهي علامة توكيد كما أن التنوين علامة المتمكن فلما كانت كذلك أجريت مجراها في الوقف، وذلك قولك اضربا إذا أمرت الواحد وأردت الخفيفة " .

ويستخدم سيبويه أحيانا الحد بالنقيض أو الضد في قوله في حد الحرف :" وحرف جاء لمعني ليس باسم ولا بفعل " . وفي مثل هذا التعريف لن تستطيع معرفة الحرف دون أن تكون مدركا لمفهومي الفعل والاسم، وهكذا في الحدود في كتاب سيبويه لا تخرج عن المثال أو العلامة، أو الوصف، أو الضد.

من كل ما سبق يتضح لنا أن سيبويه لم يتجاوز المرحلة التجريبية في كتابه، ويمكن أن نجمل مظاهر هذه النزعة لديه علي النحو التالي :-

المظهر الأول:  أن الحدود النحوية المرتبطة بالمصطلح النحوي، والمصطلح النحوي في زمن سيبويه لم تستقر بعد، وصياغة الحدود أو التعريفات   لا تستقر إلا باستقرار المصطلح، والمتتبع لمصطلحات كتاب سيبويه يواجه صعوبة كبيرة في تحديد أطرها، وجمع المتشابه منها إلي بعضه، وذلك للأساليب التي كان يسلكها في التعبير عن هذه المصطلحات، فهو إما يحوم حول المصطلح بالوصف، والتصوير، والتمثيل بالنظير، وذكر النقيض، وإما يورد المصطلح بصور وأشكال مختلفة من  التعبير، ولهذا لم تصغ التعريفات الأولي للمصطلحات النحوية الصياغة نفسها التي صيغت فيها فيما بعد.

المظهر الثاني:  تخلو الحدود النحوية في هذه المرحلة من الحدود المنطقية الأرسطية، وقد كان اهتمام النحاة في هذه المرحلة الوصول إلى إدراك فهم المصطلح النحوي وعناه دون أن يهتموا بالأسس الفلسفية في صياغة هذا المعني، أو المفهوم، لهذا نجد الحدود النحوية في هذه المرحلة حدودا لغوية وصفية تمثيلية في أغلبها.

المظهر الثالث:  ارتباط الحدود النحوية باستنباط القواعد، والأحكام النحوية وتطبيقها، فعندما يعرف سيبويه الاسم بالمثال ويقول "الاسم رجل وفرس وحائط" نجد في مثاله قاعدة يقاس بها بمعرفة الشبه بينها، وبين المثال فنميز بين الاسم وسائر الكلمات إلي حد ما، إلا أن بعض الأسماء لا نستطيع قياسها علي هذا المثال كأسماء الاستفهام وصياغة الحدود بالمثال تناسب مرحلة الاستقراء والتحليل التي يمر بها النحو العربي مع سيبويه قبل أن يصل إلي الصياغة العلمية الموضوعية المنظمة .

المظهر الرابع:  لا يهتم سيبويه بشكل الكلمة في التركيب اللغوي قدر اهتمامه بمعناها ووظيفتها وصلتها بغيرها من مفردات الجملة ؛ ومعني هذا أن التصنيف النحوي المؤسس علي شكل الكلمة الإعرابي لم يعرف بطريقة حاسمة إلا فيما بعد، حينما تحول الحديث عن الإسناد، وأنواعه، وأجزائه، وخواصه إلي حديث عن الأشكال الإعرابية : مرفوعات، ومنصوبات، ومجرورات، ومجزومات . وهذا موقف طبيعي ؛ إذ إن الحديث عن الشكل أو عن القاعدة النحوية مجردة من النص اللغوي لا يتأتي إلا بعد فترة زمنية تسمح للتفكير المنطقي – لا السليقة اللغوية – أن يتدخل فيصيغ القاعدة النحوية لنظرية تجريدية ولا يتلاءم هذا عقليا مع عصر سيبويه .‏

المظهر الخامس: عند تتبعنا للحدود النحوية في كتاب سيبويه وجدناها قليلة جدا، وما ذكر منها اعتمد علي التمثيل في أكثره، وهذا النمط من التعريفات هو السائد بين النحاة زمن الخليل وسيبويه وتلاميذهما، فالأخفش (215 هــ) مثلا يحد الاسم فيقول :" الاسم ما جاز فيه نفعني وضريني"، وسار المبرد" في المقتضب علي نهج سيبويه، غير أنه يضيف على حدود سيبويه في بعض الأحيان كما في حده للاسم، وينقلها كما هي في أحيان أخري كما في حده للضمير .

المظهر السادس: المصطلحات النحوية المألوفة في الكتب النحوية لا نعثر عليها إلا نادرا عند سيبويه، وهذا بدوره موقف طبيعي يتفق مع أولويات البحوث العلمية قبل أن تستقر أوضاع العلوم وتثبت مصطلحاتها . ومن أجل ذلك نجد سيبويه يلجأ إلي مصطلحات فجة بدائية ؛ وقد يستعيض عن ذلك بالدوران حول القضية، أو المسألة علي الظاهرة النحوية ؛ مثل هذا باب ما ينتصب من الأماكن والأوقات، وذاك لأنها ظروف تقع فيها الأشياء، وتكون فيها، فانتصب لأنه موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها، كما أن إذا قلت أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدرهم عشرون إذ قلت : عشرون درهما، وكذلك يعمل فيها ما بعدها، وما قبلها، ولقد صيغ هذا كله فيما بعد بهذه المصطلحات الثلاثة : ظروف الزمان، وظروف المكان، والتمييز .‏

المظهر السابع:-  ظاهرة الاستطراد شائعة عامة في كتاب سيبويه ؛ فالمسألة الواحدة تستدعي مسائل أخرى، والموضوع قد يتشعب إلى موضوعات عديدة، وصنيعة هذا يعد صورة مصغرة لما كان يجري بين العلماء، وفي مجالسهم سواء كان الدرس اللغوي أو النحوي شفويا ؛ غير أن استطراد سيبويه لا يبعد القارئ في هذا الاستطراد نوعا من المتعة العلمية حيث يعرض عليه نماذج من النصوص اللغوية مصحوبة بالبيان والشرح، وذلك عكس ما نجده في الكتب النحوية المتأخرة؛ حيث يكون الاستطراد مصحوبا بذكر الخلافات، والمناقشات،وتعارض الأفكار، وتشابك الآراء  .‏

المظهر الثامن: يكثر سيبويه من الأمثلة والشواهد بدرجة لا نظير لها عند غيره من النحاة ؛ ويتضح من ذلك أنه يريد جمع المتشابهات، وعرض النماذج، رغبة في توضيح الفكرة، وبيان ما يلازم استعمالها من اطراد ؛ ومصدر سيبويه في التمثيل آيات القرآن الكريم. وكلام العرب شعرا ونثرا، ثم ما يصطنعه هو من التراكيب اللغوية لأغراض خاصة .

المظهر التاسع : قلما يلجأ سيبويه إلي التعليل لبعض القواعد النحوية، أو الظواهر اللغوية، وهو – إن فعل – لا يلجأ إلي التعليل المنطقي المتسم بالتجريدية، ولا إلي التعليل العقلي المتعب ؛ وإنما هو تعليل فطري في متناول الكثير، تعليل مستمد من فهم النص اللغوي فهماً لا تكلف فيه، ولا صنعة ؛ وذلك مثل :" ومن ثم قال يونس امرر علي أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو، ويعني إن مررت بزيد أو مررت بعمرو" .‏

من كل ما سبق يتبين لنا أن كتاب سيبويه حمل نزعة تجريبية، وهذه النزعة تمثل المرحلة الثانية من نشأة النحو، وهي تلك المرحلة التي تبدأ بالخليل بن أحمد وتنتهي بسيبويه، فتمتد بذلك قرناً ونصف القرن من المرحلة التي شهدها النحو العربي لدى أبي الأسود الدؤلي، وقد بينا أن هذه المرحلة من أهم المراحل التي مر بها النحو العربي، إذ شهدت تحولاً كبيراً في التعامل مع مادته المستمدة – في أغلب الظن – من منهج وصفي – علي وفق ما وصفت به المرحلة الأولي إلي منهج تجريبي . وإذا كانت الآلية الشفاهية هي الطريقة الوحيدة في النظر إليه في المرحلة الأولي، فإن الأمر انقلب تماماً عند سيبويه الذي أنتج لنا نظرية نحوية مدونة ومؤسسة علي منهج تجريبي واضح يشير إلي نضوج التفكير النحوي عنده، الأمر الذي يعني أن المرحلة التي سبقته كانت مرحلة ناضجة أيضاً، ولكنها لم تفلح في تأسيس نظرية مدونة، ليصبح سيبويه – فيما بعد – رائداً لعملية التدوين وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ النحو، إذ إن النظر إلي الكتاب ينبئ عن رصانة التفكير النحوي، وتمكن العقل العربي من الانقلاب به من مجرد المشافهة إلي مشروع فكري ناضج خاضع لمنهج تجريبي ناضج أيضاً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط