عماد عليلم يشغلني شيء طوال مطالعاتي واطلاعاتي اكثر من الفلسفة والاسئلة العفوية والتامل العميق في كينونة الحياة. واذا كان من الممكن ان ندعي وجود الفلسفة في المجتمع الاسلامي باسم الفلسفة الاسلامية كما تُنطق مجازا اكثر من المعني في جوهره اساسا. وعليه، واخيرا وجدت ان اجيب بما اقدر عليه وبشكل حيادي بعيدا عن خلفيتي الفكرية الفلسفية والاثنية عن الاسئلة المتزايدة يوما بعد اخر في ذهني واعتقد في اذهان الكثيرين من المهتمين بالفلسفة الاسلامية بشكل خاص ايضا وفي مقدمتها السؤال، هل حقا هناك فلسفة اسلامية حقيقية قبل اي شىء، وهل يمكن ان نعتقد بانها اي الفلسفة انبثقت في المجتمع الاسلامي بعيدا عن استخدامها وجوهرها من اجل اهداف اخرى وما يمكن ان نسميها الفلسفة المجردة كفلسفة بذاتها وبهدفها الخاص ولم تنبثق لما تطلبتها ادعاءات الصراعات السياسية واستعمالها كآلية جاهزة لنفي الاخر ومنعه من التقدم او عرقلة بيان موقفه واسقاطه فكريا قبل تقدمه بخطوة واحدة او انتشاره اصلا؟

فوجدت ان الفلسفة في المجتمع الاسلامي او ما يمكن ان نسميه الحضارة الاسلامية اصبحت ضحية الصراعات المختلفة والسياسية بشكل خاص والمستوى المتدني للثقافة العامة للمجتمع في مراحل نشر الدين الاسلامي وفقدان دور النخبة المتميزة وضمورهم اساسا او تذمرهم من السلطة الجائرة وتقييد حريتهم في اكثر المراحل الاسلامية حكما عبر التاريخ.

و ما دعاني الى هذه الكتابة هو اعتقادي بان اية محاولة وان كانت ضئيلة لفهم الفكر والفلسفة الاسلامية من اية ناحية كانت العقلانية والتقلانية والعرفانية تضطرك الى العودة مجبرا الى التاريخ الطويل لتجلي وتنمية وتوسع الفكر الاسلامي بشكل عام في تلك المراحل، وبالاخص العودة الى مرحلة بدايات القرن الثاني الى نهايات القرن الرابع الهجري التي تميزت بانبثاق ما يمكن ان نسميه مجازا الفلسفة الاسلامية، وهي المرحلة الذهبية للتاريخ والفكر الاسلامي. لكونها المرحلة التي يمكن ان نعتبرها قد تجلت فيها ما سميت بالفلسفة الاسلامية والفكر الاسلامي والثقافة الدينية وكُتبت تلك العلوم الاساسية واُعتبرت اساسا للمراحل الاخرى التالية لها. لم تكن تلك المرحلة نهاية التفكير والتوجهات الشفهية فقط وانما اعتبرت بداية لتدوين العلوم في الثقافة الاسلامية وكذلك تاسيس وتدوين العقل الاسلامي بتوجهاته الرئيسية الثلاث. وهذا لا يعني ان العلم والفكر الاسلامي قد توقف عن التنمية والتطور فيما بعد وانما بمعنى اخر ان البنية الرئيسية للعقل الاسلامي واسسه العامة واطره الفكرية قد اثبتت بشكل قوي في هذا العصرنتيجة ما تلاقته من الدعم المميز من سلطة تلك المراحل من جهة والصراع المنضبط بشكل واخر فيها.

رغم ذلك الا اننا لا نعتقد بان الفسفة الاسلامية قد انبثقت بشكلها العلمي المعروف ولكنها الى جانب ذلك ما يفرض نفسه ان نقول انه انبثقت ارضية مناسبة لظهورها وتاسيسها وتطورها من خلال توريد الافكار والتوجهات الفلسفية ودمجها مع الواقع الموجود في حينه، ولكنها ورغم الارضية والدعم انها واجهت عراقيل وعقبات كثيرة مما اجبرتها على الخنوع والخضوع للامر الواقع واوقفتها ومن ثم اسقطتها واماتتها وهي لا تزال في رحم التاريخ. وكل عملية فكرية مابعد تلك المرحلة لم تكن غير الدوران في تلك الدائرة التي كونتها الصراعات السياسية قبل الفكرية والفلسفية بشكل عام، وكلما تعمقت واهتم بها الكثيرون فاصبحوا مضطرين الى العودة الى تلك المرحلة لبيان اساسها وصحتها وحقيقتها، وهو العصر الذي اُعتبر بداية تعرف المسلمين على الاسس العامة للفسفة والكتابات الاجنبية وبداية مرحلة عملية الترجمة بشكل واسع الى اللغة العربية التي كانت اللغة الرسمية للفكر الاسلامي بما احتوت العديد من المصطلحات والمفاهيم والمعطيات الاجنبية التي كانت هذه اللغة قد تعرفت عليها من قبل، او كما يقول الاخرون لم يكن في ثنايا اللغة العربية تلك المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالفلسفة الا بعد عملية الترجمة ونقل فحوى ما انبثقت في الحضارة اليونانية وتسملتها الفلسفة العربية وامتزجت بها واكثرها بشكل مشوه ايضا لانها اجبلت في بيئة اسلامية غير مشجعة على الاستقبال لتلك المفاهيم بشكل علمي وصحيح.

وهذا،اي عملية انبثاق الفلسفة باي حال كانت، ان كانت بدوافع خاصة مبنية على صراعات سياسية الا انها مع ايجابياتها المتعددة دفعت الى افراز سلبيات جمة معاكسة للتوجه الفلسفي الصحيح، وهو ما سبب في تعمق العملية الدينية وخلط الفلسفة بالمباديء الدينية ويمكن ان ندعي بان نتيجة ذلك اُنشات مدارس ومذاهب وتوجهات عدة كرد فعل لما استوردت من الفلسفات الاجنبية وبالاخص من اليونانية. وكان دعم العصر العباسي وفي مراحله الاولى وبالاخص ابان حكم المامون للتعرف على ما كان موجودا في بلاد الاغريق وترجمة منتوجاتهم الفكرية والانسانية له الاثر الاكبر، وان كانت تلك العملية من اجل اهداف سياسية بحتة كما يعتقد الكثير من المتخصصين والمتفقين على انها كانت ضد الفكر والتوجه والاداعاءات والنتاجات الغنوصية الباطنية في تلك المرحلة. وعلى الرغم من ذلك الا انها كانت بداية انبثاق مرحلة جديدة وشيئا ما انقطاعا بين الفكر الديني المحلي المغلق على نفسه وتحولهاالى التوجهات الجديدة من الفكر المنفتح والمركب والمتاثر بافكار الاثنيات والثقافات المختلفة.

 

عماد علي

 

سألني: ما هو الحب؟

فأجبتُ: ستعرفه عندما تضيع فيه، فالأفلاك التي تدور في سماواتها انما تحركها أمواج الحب، ولولا الحب لكانت كالجليد تتجمد، وتمضي الأفلاك في مداراتها لأن عرش الله يغمرها بانعكاسات الحب. (وكل في فلك يسبحون) (الصوفي جلال الدين الرومي).

وفي موضع آخر يتحدث الرومي عن الحب قائلا: سوف أخبرك كيف خلق الله الإنسان من طين؟

ذلك أنه جل جلاله نفخ في الطين أنفاس الحب!

(د. صهباء محمد بندق.الحب كيف نفهمه وكيف نمارسه. القاهرة: دار السلام ، الطبعة الأولى، 2006، ص15).

هذا تعريف المتصوفة للحب.

بهذا المعنى الربوي الفيّاض للحب، الذي غمر الكون كله بما فيه؛ سماءه وما حوت، وأرضه وما أقلّت أستفتح حديثي عن الحب. الحب تجلى في السماء أولاً، ثم في الأرض ثانياً.

الحب موسيقى عزفت في أرجاء الكون، فالشمس بضوئِها احتضنت السماء والأرض. الأرض تعكس أمواج الحب بألوانِها المختلفة، خرير الماء، هدير الشلالات، حفيف الشجر، نسمات الهواء، صوت الرعد ، مشاهد البرق، نزول المطر، وهطول الثلوج، أنس الحيوانات مع بعضها البعض وأصواتها، كلها تعزف موسيقى حبِها، وحبِّ وتعظيمِ خالقها (كل قد علم صلاته وتسبيحه...) (وإن من شيء الاّ يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحَهم).

الحب كلمة كبيرة مثقلة بمعانٍ متعددة بتعدد جزئيات الكون، ولا يمكن حصره في معنى واحد أو نوع واحد، وعلى حد تعبير أدمون روستان(الشمس يتجزّأ نورها وتبقى كُلّاً ... مثل المحبة). نعم هذا أبلغ تعبير عن أنواع وأصناف الحب التي لا حدود لها، فالحب متكثّر بتكثّر ما تكرّمت به يد الخالق البارئ في الكون وما ضمّ واكتنز.

ويعّرفه ابن القيم بقوله: (معاني الحب لا تعلم حقيقتها الاّ بذوقها ووجودها..وفرق بين الذوق والوجود.. وبين التصور والعلم، والحدود والرسوم التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها... بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات)(د. صهباء، ص25).

يعّرفه عالم النفس الألماني إريك فروم بأنه (قوة تنبعث بين اثنين، فإذا حدث لإثنين مغتربين شأننا جميعا أن سمحا فجأة للحائط بينهما أن يسقط، وشعرا بأنهما أصبحا شخصاً واحداً، فإن هذه اللحظة الخاصة، والحميمة من الشعور بالتوحد هي من أشد التجارب في الحياة بعثا للبهجة، والتوهج بالسعادة، فليس الحب حالة سلبية بل هو حالة ايجابية)(د. صهباء.ص28).

لا أريد التفصيل أكثر بمعنى الحب، أكتفي بتعريف جلال الدين الرومي للحب في أول الحديث، وأتبنّاهُ؛ لا لكون قائله رجلاً صوفياً إنما للمعنى الوافي الذي فسّر فيه الحب، فضلاً عن ميلي الشديد لأفكار المتصوفة نظريا لا عمليا.

على ماذا يرتكز الحب؟

للحب على الأرض ألوان عديدة لا حصر لها منها: حب الله ، الحب الإلهي(الصوفي) ، حب أنبياء الله، وأولياء الله، حب الأخيار والصالحين، حب الوالدين، حب الأخوة، حب الأبناء، حب الأصدقاء، حب الغرائز، حب الطبيعة وسحرها، حب الصور الجميلة، حب المعاني الجميلة، وحب الرجل والمرأة، وهو ما يخص موضوعنا اليوم.

وقبل الدخول في عالم النفس وفضاءاتها، وما يقوله علماء النفس في الحب، وسبل وطرائق الوصول اليه، والتعاطي معه، والأخذ، أو عدم الأخذ به؛ فهو حديث يطول. لكن أردت طرح ما يجول بخاطري وفق معرفتي المتواضعة، واطلاعي بخصوص هذا الموضوع المهم.

هناك شروط خاصة لكي يولد الحب ويتجذر في النفس. القلب المحب هو قلب كريم، مضحٍ، والقلب الكريم يعطي بلا حدود، وكرم القلب مشروط بطهارته، لأن الكرم صفة مقدسة من صفات الله جل وعلا، وطهارة القلب تعد أساسا لانبثاق النور فيه، فخصال التضحية والكرم والطهارة والنور هي أحجار كريمة نفيسة منها تنبثق مشكاة الحب. الحب الأصيل هو ذا الذي ينبني على هذه الخصال. القلب الذي يخترع العناصر المتقدمة وفوقها هو قلب كريم، وهو يعرف كيف يحب؛ فالحب الصحيح ليس كل القلوب قادرة على توليده. الحب الأصيل يولد في القلب الطاهر، فهو كالصلاة التي لاتصح بدون طهارة ووضوء.

(ما لمس الحب شيئاً الاّ وجعله مقدساً) (الحب لا يُكتب على الورق لأن الورق قد يمحوه الزمان، ولا يُحفر على الحجر لأن الحجر قد ينكسر، الحب يوصم في القلب وهكذا يبقى الى الأبد)(جلال الدين الرومي).

كلما سمت القلوب صارت أكثر صفاءً، وسموها آتٍ من خلو الفضاء حواليها من الإغراءات والمظاهر المادية. حينما تصفو القلوب تغدق الحب بلا حدود. وحينما نستطلع حياة الماضين وكيف كانت سيرورة إيقاعها؛ لا نستغرب من سماع قصص حب مشبوبة بأجلى وأجمل وأرق المعاني.

الثقة، والصدق، والوضوح، والإحترام، والاهتمام، والتقدير، والإيثار، والتضحية، كلها ركائز أساسية للحب الصحيح بين الجنسين، وهي التي تقود الى علاقة ناجحة. وهي ساهمت بشكل كبير في حفظ العلاقات العاطفية والزوجية من الإنهيار والتدهور والإنزلاق، يكسوها كذلك صفو الحياة وخلوها من أي منغّصات قد تؤدي الى حدوث خلل في العلاقة بين الطرفين. هذه المعاني إذا فُعّلت في العلاقة فستؤدي الى نجاحها بالنهاية. كل ما يدور من جدال وسجال في إطار العلاقة بين الجنسين هو حول هذه المعاني المتقدمة، وعليها إما تدوم العلاقة أو تنتكس فيما إذا اختل معنى منها.

كل منا يستطيع أن يرسم نقشاً خاصاً لحبه على صفحة كتاب الحياة، وكل نقش هو سمة أو بصمة خاصة به لا تشبه بصمة أحد. الحب مزيج (كوكتيل) وأعني الألوان المتعددة للشيء، من مجموعة معانٍ من العاطفة المتوهجة، والبهجة، والقوة، والألم، والتحدي، والصبر.

يمكن بعضٌ منا لا يحب التكثير والمبالغة في أساليب الحب مع الطرف الآخر كأن يكون حبيب أو غيره. لكن بعضٌ آخر يحب التكثير، والمبالغة، والتلوين الذي يأخذ مديات كثيرة (إن الكيميائي الذي يستطيع أن يستخلص من عناصر قلبه الرحمة، والاحترام، واللهفة، والصبر، والندم، والدهشة، والعفو، ويدمج هذه العناصر في عنصر واحد يمكن أن يخترع هذه الذرة التي تسمى الحب) (جبران خليل جبران).

نظرة سريعة مقارنة في إيقاع الحياة بين الماضي والحاضر

إذا توغلنا قليلا في الماضي واستطلعنا بشكل مختصر حياة أجدادنا، وأهلنا، وربما جيلنا عاش جزءاً منها، لوجدنا ايقاع الحياة آنذاك مختلفا تماما عن الآن. كان ايقاع الحياة بطيئا فيه تأمل، وصمت، وإنصات، وأمزجة الناس كانت متوائمة ومتسقة تماما مع سيرورة الحياة. نأخذ أقرب مثال فيها أصوات الناس آنذاك غيرها الآن، فأصواتهم صافية، موسيقية، جميلة؛ لذلك الغناء والموسيقى في ذلك الزمان جميلان، والسبب صفاء الهواء، والماء، والغذاء من كل الملوثات التي نشهدها الآن، وهي على تنوعها، الكيمياوية، والإشعاعات الكهرومغناطيسية، وإشعاعات أجهزة الإتصال، والكثير لا حصر له في الغذاء، والماء، والهواء، وكل ذلك له أبلغ الأثر في صحة الناس الجسدية ،والنفسية، والمزاجية، وتأثيراته في جمال الأصوات. الموسيقى والغناء في الزمن القديم كانا بطيئين يسيران وفق إيقاع الحياة، فآذان الناس سمّاعة للأنغام والموسيقى الطويلة المتأنية،  وتأنس بها. خلاف الحياة الآن، فإيقاعها سريع، وكل ما فيها يمضي بسرعة. فالتكنولوجيا المتطورة المواكبة للحياة البشرية غطّت كل مجالاتها، وفي كل مجال لها باع طويل، وتتغير الحياة وفقها. نمط الحياة تغير، وكل شيء غدا سريعا، ونحن في سباق مع الزمن السريع، الذي يدعونا الى المزيد من الاستهلاك، ليذهب عنا لذة الإستمتاع بلحظات الجمال والتأمل. الملوثات الخطيرة في الهواء، والماء، والغذاء، التي ذكرتها كلها لها أبلغ الأثر على الصحة العامة. أصوات الناس لم تعد صافية موسيقية جميلة كالسابق، فضلا عن سرعة الحياة فلا توجد متعة في الموسيقى والغناء كما السابق. الحياة صارت لحظية، لذلك نرى الغناء الآن كله عبارة عن لقطات خاطفة براقة أو ما تسمى (فيديو كليب)، وهي تجسّد صورة من صور الحياة التي تمضي بسرعة البرق الخاطف.

كون الحياة آنذاك بطيئة تأملية نرى حتى أسماء الناس طويلة وتلفظها يحتاج الى نفس طويل، فأسماء البنات كان ينتهي بالياء المشددة والهاء المربوطة مثلا: هاشمية، كاظمية، جاسمية، جمهورية، لطفية...الخ) وبعضها ينتهي بتاء مربوطة مخففة: مثل مليحة، مديحة، صبيحة...نعيمة.الخ، وبعضها ينتهي بتاة مربوطة لكن أجمل مثل: خالدة، ساجدة، ماجدة..الخ). حتى بين الطبقة المتحضرة الأسماء لو كانت جميلة لكنها تلفظها صعب.. مثل : انتصار، انتظار..) والسبب كما عبرتُ هو ايقاع حياة الناس كان بطيئا تأمليا، ونفسهم طويلا؛ فكل شيء يسير ببطء وتأمل. أما الأسماء في الزمن الحاضر فهي قصيرة سهلة اللفظ تتناغم وايقاع الحياة السريع غير المتأني، وتتواءم مع نَفَس الناس السريع الذي لا يقبل البطء. فأسماء البنات القديمة اختفت وحلت الأسماء الجديدة وأكثرها لا تينية لسهولتها مثل:(لينا، ألينا، إلينا، لورا، لارا، سارا، سما، حلما، شيدا، شدا، رنا، رولا....الخ). إذ لا وجود لجرس موسيقي في الأسماء، فهي سهلة اللفظ وهي موائمة للزمن الحاضر وسرعته.

الأزياء كذلك تغيرت. كانت الأزياء في زمان مضى فيها من التعقيد والخياطة الجميلة بموضات مختلفة، والأقمشة كذلك كانت تُلزمنا على تصفيفها الدائم بآلة المكواة، في حين الأزياء الآن تخلو تماما من التعقيد، فالأقمشة عملية من النوع السريع اللبس ولا يحتاج المكواة، ولا تحتاج للإهتمام الزائد في النظر اليها لكونها مصنوعة من مادة مطاطية (البولستر او الستريج). والأزياء تقريبا الآن أصبحت موحدة عالميا. نرى أحيانا في بعض أزياء الجيل الجديد ثقوب وتشوّهات في موضات خياطة الألبسة، وهي مقصودة، حتى يتلافى الجيل الجديد النظر لزيّه والمضي السريع فتيار الحياة جارف خاطف، ولسان حاله يخاطب الجيل: ارتدوا زيّكم وامضوا سريعا. نحن جيل السبعينات الآن نبحث في الأسواق حتى نعجز، ونتعب، ولا نعثر على أزيائنا، بسبب اختلاف الأزياء الذي لا يتفق مع أذواقنا نحن القدامى ذوي الإناقة المتميزة التي يفتقدها جيل اليوم.

الطعام كذلك، في الزمن الماضي ذو نكهة لذيذة خاصة فالأمهات يجهدن أنفسهن بإعداده، لساعات طويلة في المطابخ، بينما الآن نرى على شاشة التلفاز يعدون وجبة طعام خلاف نصف ساعة، وبعضها بعشر دقائق، وطغت عليه الدهون المشبعة والكريمات والأجبان المذابة، وسمي (Fast food) (فاست فوود) يعني الغذاء السريع، الذي منه البيتزا، وغيرها من الأغذية التي يدخل في اعدادها الأجبان المذابة التي تشكل خطرا كبيرا على صحة الإنسان. (فاست فوود) يعني كُلْ سريعا وأنت واقف فالحياة لحظات سريعة لا ينبغي لك التأمل والحديث حول مائدة الطعام كما السابق، فالحياة تسبقك وهي لحظات انزلاقية، نعم هذا لسان حال (الفاست فوود) يقول لنا، وهو إحدى صور العولمة. العولمة اقتضت أن نعيش كلنا على سطح الكوكب الأرضي الشاسع لكن في قرية صغيرة، فوسائل الإتصال الإجتماعي هي إحدى صور العولمة(الفيس بوك، الواتساب ، الفايبر، تانكو، تلكرام...الخ). توحيد الزي العالمي أيضا إحدى صور العولمة.

المعلومات التي ينقلها لنا الطب الحديث مخيفة، فإحداها إن الرجولة كلما تتقدم الأجيال تضعف بسبب ضعف هرمونات الذكورة عند الرجال، والسبب كما أسلفت إيقاع الحياة الحاضرة والتغيرات الجذرية التي طرأت عليها، فنوع الغذاء وتلوث الهواء ليس بعوادم السيارات، والمصانع، وغيرها فحسب، بل حتى الإشعاعات والأمواج التي تبثها شبكات الإتصال، وكل اجهزة الإتصالات، والعواصف الشمسية، والتغيرات المناخية التي طرأت على سطح الكوكب الأرضي، فضلا عن نوع الأنسجة التي تصنع منها الألبسة، والأفرشة، وأنواع الموكيت، و السجاد كلها تضعف هرمون الذكورة، وفوق ذلك الاختلاط الفوضوي والعشوائي بين الذكور والإناث.

علاقة الرجل والمرأة

العلاقة بين الرجل والمرأة كانت مختلفة عن الآن تماما. فبسبب كون المجتمع آنذاك محافظا فإن وجود المرأة في الشارع والحياة بعامة نادر. وإذا وجدت فهي متحفّظة، وحافظة مقامها، ومجدها، وأنوثتها بزيّها المحتشم، وحيائها، وتمنّعها. فالمرأة في ذلك الزمن مختلفة عن المرأة الآن تماما. المرأة المتزوجة في منزلها منهمكة بأعباء الزوجية والمنزل والأبناء، وإذا خرجت تخرج لزيارة صديقاتها فقط حتى هي ممنوعة من دخول الأسواق، لأن المجتمع محافظ لا يسمح بدخول النساء اليه. كون المرأة في منزلها وتكفّلها مسؤولياتها بنفسها ساهم كثيرا في بسط الحياة، وصفائها، وراحتها، وسكينتها، وطمأنينتها. وكما أوضحت فإن إيقاع الحياة آنذاك بطيء فإعداد الوجبات الغذائية يستغرق الكثير من وقت المرأة لذلك يقل تواجدها خارج المنزل فضلا عن العادات والتقاليد الاجتماعية، التي لا تسمح لها بالتواجد الدائم. على ضوء هذا فإن الرجل لا يمكنه أن يتعدى حدوده خارج علاقته بزوجته، بسبب عدم وجود المرأة الدائم والمشاع والفوضوي كما الآن. والكلام كله حول حياتنا الشرقية. أما الحياة الغربية فهي مختلفة عنا تماما. المرأة موجودة مع الرجل منذ نعومة أظافرهم في صف واحد وكرسي واحد فلا توجد في حياتهم عقد علاقات عاطفية وجسدية، لذلك حين يتزوج  الغربيون يختارون شريكة الحياة التي يرغبون بها بجد، ويقضي كل حياته معها حتى الشيخوخة، ما خلا اذا حصلت حالات خيانة فهي حالات طبيعية حين تتعدد الخيارات يسبقها عدم رغبة الرجل بالزوجة الأولى وتغيير الحياة تماما. في مجتمعنا الآن العلاقات مفتوحة، ومباحة، ومشاعة، وفوضوية بين الذكور والإناث، فلا الزواج غدا كافيا لسد حاجة الذكور والإناث الغريزية على حد سواء. لذلك ترتفع نسبة الخيانات الزوجية بين الرجال والنساء. في مجتمعنا الشرقي ذات القيم والتقاليد، يخون الرجل والمرأة معا لا فرق، والشواهد كثيرة جدا نسمعها ونراها بآلاف الحالات، وحالات الطلاق، والانفصال السريع بعد فترة وجيزة من الزواج بسبب وجود بدائل كثيرة؛ فالخيانات الزوجية على قدم وساق بين الرجال والنساء وأسهل وسيلة هي الموبايل وغيره. وكل هذه الصور التي ذكرتها لا تجسّد المعنى الحقيقي للحب الذي تحدّث عنه اخصائيو علم الإجتماع، وعلم النفس، وعلم العلاقات العاطفية.

من كان هدفه من العلاقات الحصول على أكبر عدد من الأجساد؛ فهو لا يعيش حالة الحب الحقيقي، وعليه أن لا يقع في فخ الزواج، فالزواج فيه عقد شرعي أمام الله وأناس شهود، من ينقض العقد بالخفاء فهو محاسب أمام الله، لأن العقد جرى بين طرفين لا يحق لأي منهما نقضه تحت أي عنوان. ومن عدّد الأجساد، لا يعرف ماهية الحب. الحب ليس الجسد، والحب معناه عميق، والكثيرون يجهلون معناه.

على ضوء ما ذكرت فإن الرجال والنساء ما لم يحدّوا ويغيّروا من نمط اهتماماتهم؛ فحياتهم العاطفية والزوجية مهددة بالخطر والانهيار. كذلك سيكون مستقبل الأسرة في خطر. لا أكون متشائمة والتشاؤم ليس من خصالي، لكن الوضع الذي وصل اليه مجتمعنا خطير جدا، وسيبتلع مستقبل الأجيال القادمة وأقصد بهم جيل الأحفاد، التي ربما لا يكون للزواج الدائم من موقع في حياتهم الاّ العلاقات المؤقتة العابرة، كأني أرى ذلك جليّا، الاّ ما ندر فيهم.

الجيل الجديد من الشباب إذا استطاع من ترويض نفسه، واستيعاب المتغيرات الهائلة والمرعبة في حياتنا، واستطاع التأقلم؛ ربما سينجح في إدارة دفة العلاقات المشتركة إذا تمتع برصيد عال من الذكاء الإجتماعي.

صورٌ من الحب  في التراث العربي

جسّد لنا التراث العربي صوراً للحب مشبوبةً بالوجد والهيام بالمحبوب. في التراث الحب وجد قلوباً كريمة منفقة له بكل زهد وإفراط. تتشابه القلوب والنفوس؛ فتنفق الحب دون حساب(اقترب ممن يفتحون في روحك نوافذ من نور، ويقولون لك أنه في وسعك أن  تضيء العالم) (شمس الدين التبريزي).

هذه نماذج لامعة للحب الجميل في الزمن الجميل، نذكرها على سبيل المثال:

قيس بن الملوح مجنون ليلى

الذي قيل انه تابع كلب ليلى؛ ليدله على مكانها فمر على جماعة يصلون وعندما عاد ماراً بهم؛ قالوا له : أتمر علينا، ونحن نصلي، ولا تصلي معنا؟

قال: أكنتم تصلون؟ قالوا: نعم، قال: والله ما رأيتكم، ووالله لو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى ما رأيتموني قط.

قيس يخاطب ليلى معاتباً حين رأى كفّيها مخضبتين بالحناء، قائلا:

ولما تلاقينا على سفحِ رامةٍ                وجدت بنانَ العامريةِ أحمرا

فقلتُ خضبتِ الكفَّ بعد فراقنا؟           قالت معاذ الله ذلك ماجرى

ولكنني لما وجدتُك راحلاً                 بكيتُ دماً حتى بللتُ به الثرى

مسحتُ بأطرافِ البنانِ مدامعي           فصارَ خضاباً في اليدين كما ترى

وجميل بثينة الذي هام ببثينة، وأنشد فيها أرقَّ الأشعار، وأجملهاَ، ومنها:

وما ذكرتك النفس يابثين مرة      من الدهر الا كادت النفس تتلف

والاّ علتني عبرةٌ واستكانةٌ          وفاض لها جارٌ من الدمع يذرف

وابن زيدون الذي هام بولادة ابنة المستكفي بالله في العصر الاندلسي، وأنشد فيها فيضاً من أعذبِ الأشعار وأرقِّها ومنها قصيدته النونية المشهورة:

أما هواك فلم نعدل بمنهله شرباً     وان كان يروينا فيضمينا

لم نعتقد غير الوفاء لكم رأياً          ولم نتقلد غيره دينا

اما ديستوفيسكي فقد قال لزوجته وهي على فراش الموت: لم أخنك حتى في الذاكرة، وفي مورد آخر قال لها:

(احبك انتِ، لا أعرف كيف يولد الحب، ولا كيف يوضع شخصين على شمس واحدة، أو كيف يوزع الليل نجمة نجمة بينهما، ولا أعرف لماذا ترك قلبي جاراتك ، والنادلة ، والبائعة، واختارك أنت).

(يمكن لأي شخص أن يختارك في توهّجك، لكني أنا سأختارك حتى حين تنطفىء، تأكد بأني وإن رأيتُ النور في غيرك سأختار عتمتك)(شمس الدين التبريزي).

هذه صور جلية للحب الحقيقي، الذي نفتقده في زماننا هذا، ليس لأن الزمان تبدّل، والخيارات للاثنين مفتوحة فحسب، فهي أيضا موجودة في كل زمان بصورها المختلفة؛ لكن لأن الأغلبية ذكورا وإناثا لم يصلوا للحالة التي وصل اليها ديستوفسكي، وأمثاله النوادر، الذين يَرَوْن صورةَ المحبوب مرآةً لأراوحهم، وشقوا في ذواتهم حفرا تحتضن أجلى وأرق صور للحب غير الذي نراه الآن في زماننا؛ فهو ليس حبا أصيلا، إنما لهاث وجري خلف ألوان قوس قزح المبتذلة في كل مكان، وهو وقوع في الحالة الحيوانية، التي من الأجدر بالبشر الترفع عنها ليتميزوا عن نوع الحيوان، والتي تسببت بكوارث وصدمات لايمكن الوقوف بوجهها اذا ما استمروا على هذه الحال، وقانا االله وإياكم شرورها.

يستورد شبابنا إنموذجا غربيا للحب (فالنتاين)، حتى في المعاني التي ترسم السعادة والبهجة على محيا حياتنا، يستوردونها من العالم الغربي؛ فيما أهملوا نماذج َلامعة سطعت في سماء الشرق هنا خلفها لنا التراث العربي، وجسدت أجلى صور للحب.

القسيس (فالنتاين) كان قد نذر نفسه للجمع بين الشباب والشابات العشاق في زواج مشروع في عقد مشروع. ولما علمت به الكنيسة عاقبته واعدمته؛ لأن يُعتبر هذا التصرف خرقاً لأسرارِ الكنيسة فصار شهيدَ الحب، ومنذ القرون الوسطى والشباب يحتفلون بيوم الحب تخليداً لذكرى شهيد الحب. وسرى الاحتفاء من العالم الغربي الى عالمنا الشرقي، وهو مُحتفىً به بين جيل اليوم، والذي ما كان له وجود في أيامنا الخوالي، ماخلا في العالم الغربي، وهو غير عالمنا.

كما نعلم أن الإحتفاء به في عالمنا آتٍ من فراغ حقيقي يدور فيه أبناؤنا يفتشون عن معنى ما يبعث فيهم نوعاً من الأمل؛ لمواصلة الحياة التي غدت لهم بلا معنى.

يقول جلال الدين الرومي في العشق واصفا الناس فيه: (الناس في هذا العالم مثل ثلاث فراشات أمام شمعة متوهجة، الأولى اقتربت من الشعلة بعض الشيء وقالت: بهذا عرفت العشق.

والثانية اقتربت أكثر حتى لامست الوهج بطرف جناحها وقالت: بهذا عرفت كيف تحرق نيران العشق.

أما الثالثة فاندفعت بكليتها الى الشعلة حتى احترقت تماما، هي وحدها من عرفت ماهو العشق).

الحب من منظور علم النفس

نجوب في فضاءات علم النفس، وما يقوله عن الحب، وما هي دوافعه، والمؤثرات التي تحوطه، والسبل الكفيلة بإبقائه، عبر تساؤلات أجابها فحوى المكالمة الهاتفية التي تلقيتها من إبنتي الدكتورة تقى عبد الجبار الرفاعي المتخصصة بطب الأنسجة (باثولوجي)، وهي قارئة جيدة ليست في مجال اختصاصها فحسب؛ بل في مختلف مجالات الطب، ومنها الطب النفسي، كذلك سماعها لمحاضرات مهمة لأطباء وأخصائيي علم النفس، والعلاقات العاطفية والأسرية.

تحدثت لي من منظور علم الطب النفسي شارحة حالة الحب وماهيته، بالإعتماد على المحاضرات الشفاهية، عن أبرز متخصصي علم النفس والعلاقات العاطفية والأسرية.

حاولتُ الإبقاء على أفكار المهاتفة كاملة، لكن كتبتها بتصرف مني:

نشأة الحب بتأثير نوعين من الهرمونات هما "هرمون النشوة" (دوبامين) و"هرمون الحب" (أوكسيتوسين)

يقع الحب بصورة عامة تحت تأثير هورمون خاص به أسمه (Dopamine) (دوبامين)، وهو هرمون النشوة والإدمان، يرتفع هذا الهرمون في الجسم في اللقاء الخالي من العلاقة الجسدية بين الجنسين، وتكون نسبته في صعود في الفترة الأولى من اللقاء، ويستمر بالصعود كحد أقصى من 6- 9 أشهر. ويؤكد أخصائيو العلاقات العاطفية والأسرية أن في غضون هذه الأشهر الستة أو التسعة أشهر الأولى من العلاقة أن لا يكون فيها أي علاقة جسدية؛ والسبب حتى يتأكد الشريكان أنهما في العلاقة الصحيحة أم لا، وهل هما متعلقان ومتفقان منطقيا وعقليا بعد التسعة أشهر؟ بعد التسعة أشهر يبدأ الهرمون بالهبوط، وذلك حين تهبط حالة الشغف والهيام بينهما. قامت طبيبة أمريكية بتصوير أدمغة مجموعة من العشاق بأشعة الرنين المغناطيسي(MRI) فلاحظت أن الأدمغة لديهم تتحفز عند اللقاء، نفس تحفّز أدمغة مدمني الكوكائين حين يتعاطوْنه، وهي مادة تسبب النشوة والارتياح لمدمنيها.

دكتور هولاكويي اخصائي علم الاجتماع والعلاقات الأسرية والعاطفية. يؤكد على: ضرورة وجود الطرفين خلال المدة من 6-9 أشهر مع بعض في لقاءات طويلة، كأن تكون مثلا مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وفي كل مرة يكون اللقاء من 6-10ساعات، يتعاشران سوية، ويخرجان معا في فضاءات مختلفة، حتى في مجالات عملهما، لكن بدون علاقة جسدية؛ عندئذ يعرف أحدهما الآخر وبالتأكيد سوف يكتشف أحدهما الآخر. في كل منهما صفات جيدة أو سيئة ظاهرة وباطنة. ويؤكد على أن هذه الصفات لابد من ظهورها شاءا أم أبا، فهي تظهر بشكل عفوي. إذا كانت الصفات السيئة التي تظهر يمكن تحمّلها من الطرفين عند ذاك يمكن البقاء في العلاقة، واذا لايمكن؛ فيجب قطع العلاقة على الفور حتى ولو كانا في عنفوان هيامهما.

بإمكاننا الإعتراض على كلام الدكتور هولاكويي وذلك بقولنا: من المحتمل أن يكون أحد الطرفين كتوما ويخفي بعضاً من صفاته السيئة عن الشريك، ويكون مثاليا أمامه، حتى يتجاوزا الفترة الإنتقالية الأولى التي تقودهما الى مرحلة الحياة الزوجية. لكن الدكتور قطع علينا الطريق ولم يفسح مجالا للنقاش بقوله: الصفات لابد من ظهورها شاءا أم أبا، فكان حديثه وافيا لا يقبل النقاش فيه، وجّلنا مرّ بالمرحلة الإنتقالية ولاحظ ذلك جليّا.

ماثيو باغز أخصائي علاقات عاطفية وزوجية يقول: أن الحب والجنس لدى الرجل منفصلان، يصور الحب في مدينة (ميامي)، والجنس في مدينة (سياتل)، والفاصلة بينهما كبيرة، إذا دخل الرجل في خانة الحب (ميامي) والكلام لماتيو؛ يخاطب المرأة: عليك إعطاؤه وقتا، هل هو أهلا له؟ وهل هو في مكانه الصحيح، وتقبل مسؤولية الحياة المشتركة؟

هو في (ميامي) إذا أخذ كفايته من الحب، وكان أهلا لتقبل الحياة المشتركة والحياة الزوجية، عند ذلك خذيه الى ولايته (سياتل) الى حيث العلاقة الجسدية التي تُبنى على أساسها العلاقة الزوجية. يُقال: إن الرجل إذا أراد إمرأة لتكون شريكة حياة حقيقية يتسلّق لها الجبال.

وهرمون آخر أسمه هرمون الحب (Oxytocin)(أوكسيتوسين)، وهو هرمون العناق والالتصاق، وهو عند المرأة عشرون ضعف ما عند الرجل، وهو مهم بالنسبة للرجل والمرأة في العلاقة الجسدية، ولا يقتصر عليها، وله علاقة وثيقة بفسلجة الجسم بل يتعداه الى مدى أبعد؛ فيفرزه جسم المرأة حين الولادة والرضاعة، فتلتصق بوليدها وتحتضنه وترعاه. لهذا الهرمون تأثيرات مهمة في الجسم، حينما يرتفع يؤثر على المشاعر؛ فيشعر صاحبه بالراحة النفسية، والانفتاح، والبهجة، والثقة بالنفس، والدفء، والإيثار، ويمتد على تعابير الوجه والبشرة، وحتى تمتد المشاعر لتغرق آخرين بالحب، والحب المعني هنا هو الحب الإنساني الأخوي حينما يكون هذا الهرمون مرتفعا لدى صاحبه، ويتجسد عند المرأة الحاضنة للزوج، والأهل، والأخ، والإبن. الله جل وعلا أوجده في جسم المرأة أضعاف ما هو عند الرجل لغاية عظيمة هي احتواء الجنس البشري، والحفاظ عليه من الانقراض بالعاطفة، وتحت تأثير هذا الهرمون المهم جدا لديمومة الحياة وحفظها.

يلخص علم النفس الحب بنزول وصعود هذا الهرمون بالدم؛ هرمون (الأوكسيتوسين) عند الرجل والمرأة. يرتفع هذا الهرمون عند المرأة أثناء علاقة الحب وبعد العلاقة الجسدية بين الجنسين. عند الرجل يرتفع هذا الهرمون لديه عند العلاقة الجسدية مع المرأة التي يحبها، لكن لا يرتفع مع المرأة التي لا يحبها، ويوضح علم النفس على هذا الأساس أن الرجل لا يحب الاّ أمرأة واحدة، فالعلاقة الجسدية عند الرجل ليس لها علاقة بالحب. أحيانا الرجل يمارس العلاقة مع إمرأة لا يحبها مثلما يحدث في العلاقات المؤقتة. هرمون (الأوكسيتوسين) مرتفع عند المرأة على الدوام ويرتفع عند الرجل حين يقترب من المرأة فيما ينخفظ لديه هرمون الذكورة(التستسترون). حينما ينخفظ لديه هرمون الذكورة يحتاج الرجل أن يبتعد عن المرأة؛ ليرفع هرمون الذكورة، ويعيده الى مستواه الطبيعي الذي يعيده الى رجولته، وبعد أن يشبع ذكورته يعود لعائلته، زوجته، وأبنائه، أو صديقته. هرمون (الأوكسيتوسين) هرمون الالتصاق، يكون مرتفعا لدى الرجل كلما كان قريبا من المرأة؛ لأن ينخفض لديه هرمون الذكورة؛ وكلما ازدادت الذكورة قربا من الأنوثة تضعف وتتأنث، عكس تصور مجتمعنا أن من يمارس العلاقات المتعددة مع النساء هو ناتج عن قوة في الذكورة والرجولة، وان من لم يمارسها فهو ليس رجلا. علم النفس يثبت خلاف ذلك تماما.

نعود الى هرمون (أوكسيتوسين) الذي يكون مرتفعا عند المرأة في حالة الحب، وفي العلاقة الجسدية أو غيرها. المرأة بعد العلاقة الجسدية لا تتأثر بل تزداد حبا للرجل لأن هرمون(أوكسيتوسين) لديها مرتفع.

وتقول دكتورة في علم النفس: أن دماغ الرجل مقسم الى خانات منفصلة واحدة عن الأخرى؛ فالاتصال بين جانبي الدماغ عند الرجل أقل من المرأة بكثير. حينما يدخل الرجل في خانة ينفصل عن باقي الخانات، يعني الرجل حينما يؤدي عملا واحدا؛ لايمكنه في آن واحد أن يؤدي عملين، عكس المرأة التي بإمكانها أن تؤدي أعمالاً عدة في آن واحد؛ لأن الإتصال بين جانبي الدماغ لديها كبير. فلو لو تكن المرأة غير قادرة على أداء عدة أعمال في آن واحد لربما يموت الكثير من الأطفال. يمكنها مداراة الطفل والقيام بأعمال عدة بموازاته. الرجل لو أدى أعمالاً عدة في آن واحد؛ لما كان بإمكانه حماية عائلته، والعمل لأجلها. فالتركيز عنده فقط على عمل واحد لا غير.

الرجل حين يدخل "كهفه"

الرجل من أجل أن يسترجع نسبة هرمون الذكورة في الدم الى نسبته الطبيعية يحتاج لأن ينفصل تماما عن عالم المرأة؛ فيدخل في مخدعه؛ فيمارس أعماله التي تسترجع فيه الرجولة، والأمثلة كثيرة في هذا: مثلا يمارس عمله اليومي النهاري، متابعة التلفاز، التفكير بحل مشكلة ما، عمل تجاري، عمل فكري كأن يمارس الكتابة والقراءة ،أو يلتزم الصمت، وغيرها الكثير من انشغالاته.

يؤكّد علم النفس على المرأة أن تترك الرجل حين يدخل مخدعه هكذا يسميه أو “كهفه"، كما يعبر عنه د. جون كري مؤلف كتاب"الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، وأنصح النساء والرجال والشباب بقراءة هذا الكتاب المهم الذي يكشف ويحل بعض المشاكل بين الرجل والمرأة. يجب على المرأة في هذه الحالة ترك الرجل نهائيا وعدم التواصل معه سواء بالحديث، أم بالإتصال الهاتفي، أم بأي شيء آخر. دورالمرأة هنا أيضا التوجه والتركيز على أعمالها المتعددة. الرجل يحتاج لأن يستجمع حاله، ويعود لرجولته، ويرفع هرمون الذكورة لديه، ثم يعود سعيدا منتشيا، يعاود ممارسة الحب مع زوجته وأبنائه، أو صديقته. (أن نتوقع من الرجل الذي في كهفه أن يصبح فورا منفتحا، وأكثر استجابة، وودودا أمر غير واقعي مثلما نتوقع من المرأة المنزعجة أن تهدأ فورا وتصبح منطقية جدا. إن من الخطأ أن نتوقع أن يكون الرجل دوما على صلة بمشاعره العاطفية مثلما هو خطأ أن نتوقع أن تكون مشاعر المرأة دوما عقلانية ومنطقية. عندما يدخل أهل المريخ الى كهوفهم يميلون الى نسيان أن أصدقاءهم يمكن أن تكون لديهم مشكلات أيضا، وتسيطر عليهم الغريزة التي تقول قبل أن  تهتم بأي شخص آخر، يجب أولا أن تهتم بنفسك، وعندما تشاهد المرأة رد فعل الرجل بهذه الطريقة، فإنها تقاومها وتستاء من الرجل).(الرجال من المريخ  والنساء من الزهرة. د. جون كري. ترجمة: عبد الكريم العقيل. الرياض: مكتبة جرير، الطبعة الثانية، 2007، ص63).

ويؤكد د. جون كري، على المرأة أن لا تجعل من الرجل المحور الذي تدور عليه حياتها بأكملها، فهذا خطأ فادح، يقول للمرأة مشبّهاً الرجل بوجبة الطعام، يجب أن لا يكون الرجل وجبتك الأساسية، لتكن وجبتك الأهم نفسك وعالمك بما فيه اهتماماتك الرئيسية، ثم بعدها الرجل الذي يمثل لك طبق الحلوى بعد الطعام.

وتؤكد دكتورة أخرى متخصصة في علم النفس بقولها: ان الرجل لا يحب المبالغة في الحب من المرأة؛ فالحب الزائد يخنقه. وتؤكد يجب أن لا تكون المبادرة من المرأة، فالأجدر المبادرة يجب أن تبدأ من الرجل أولاً، بعد أن تعطيه المرأة كامل حريته في فضائه، ولا تبدي إزاءَه أيَّ مشاعر، لكنه حينما يقترب منها يجب أن تبدو أنثى بكل معنى الكلمة. 

كيف تحافظ المرأة على علاقة الحب؟

تقول أخصائية العلاقات الزوجية و العاطفية هيلينا هارت:

يجب أن تحافظ المرأة على أمرين في علاقتها مع الرجل، هما:

1- الفضاءSpace "، يعني ترك الرجل في فضائه حراً، دون الاقتراب منه والكلام معه، فحينما يكون في فضائه لا تكون لديه أيّة طاقة اتصال مع المرأة، وعليك أيتها المرأة أن تنشغلي أيضا بفضائك الخاص بك، وأن لا تصل طاقتك للرجل بكلام، أو أمر بعمل ما، أو أي صورة من صور التماس معه. وتستطرد: ركّزي أيتها المرأة على فضائِك ودَعي فضاء الرجل له، أخرجي الرجل من دماغك. هرمون الرجولة(التستسترون) يحب الحرية، الطبيعة البيولوجية له تقول هذا، وهي التي أعطته هذا الحق في معاشرة الكثير من النساء. لذلك هو لا يحتفظ بالنسل البشري، بسبب حريته؛ فالحرية التي يطلقها له الهرمون الذكوري يحثه على نثر خلاياه الذكورية في فضاء واسع، وتستدل على هذا أن بإمكان جسم الرجل في اليوم الواحد أن يفرز ملايين الخلايا الذكورية، فيما يفرز جسم المرأة خلية واحدة كل شهر التي هي البويضة، والفرق شاسع جدا بين الجنسين؛ فالمرأة تحفظ النسل البشري، فيما الرجل لا يحفظه؛ بسبب تعدد علاقاته الجسدية، إذ لا يدري أين تكون خلاياه الذكرية في أي مكان ما ضيّعها.

وهذا الأمر سارٍ في بلدان الغرب، ويسري في بلدان الشرق الآن، لغير الملتزمين بدين وأخلاق وقيم واعتبارات.

2- النعومة: Softness  تعني بها الأنوثة، وتؤكد إن على المرأة أن  تتمتع بأنوثتها كاملة أمام الرجل زوج أو حبيب، يجب عليها ذلك حينما يكون قريبا منها. عليها أن تظهر كامل أنوثتها دون تصنّع، فالأنوثة شيء فطري عند المرأة يظهر مع الحبيب بشكل لا إرادي، حتى تتحقق السعادة الكاملة لها وله بالحب، والمعاشرة الزوجية.

محراب الرجل

كاتبة أمريكية أخرى تصف قلب الرجل بالمنزل ذي الغرف المتعددة التي هي تمثل العلاقات العابرة بنساء أخريات غير المرأة التي يحبها، وفيه محراب مقدس واحد،  وفي المحراب توجد المرأة التي يقدسها الرجل ويحبها. النساء الأخريات دورهن عابر. محرابه المرأة التي تترك أثرا عميقا في حياته، كأن تمنح حياته معنى، مثلا يحقق بظلها مقاما معنويا، مقاما علميا، مكسبا ماليا مهما، أي التي تمنح حياته قيمة Value ، تمنحه طاقة ايجابية، تضيء حياته بإشعاع الأمان ؛ فهي ملاذه من آلام الحياة ومتاعبها والتي يكمل مشواره الحياتي معها بعيدا عن كل الاعتبارات الأخرى خارج ما ذكرت. وأما الباقيات فوجودهن عابر. لذلك تؤكد على أن المرأة يجب أن تتحلى في هذه الحال بالذكاء لتدير دفة العلاقة مع زوجها، أو صديقها.

نعترض هنا على الكاتبة الأمريكية التي تصف قلب الرجل مقسما الى خانات في كل خانة هناك أمرأة؛ لكن المرأة التي تمنح حياته قيمة وأهمية هي محرابه المقدس. إطلاق العنان للرجل لممارسة ما شاء الله له من علاقات هي دعوة الى المشاعية في العلاقات، والعلاقات الفوضوية تؤدي الى انهيار الأسر، ونشوء مشاكل في الأسرة، التي ربما تكون مشاكل صحية، أو سلوكية، أو نفسية، أو اجتماعية، للزوجة، وللأبناء ما لاحد لها ربما ستعود على الرجل بالذات بمردود سلبي كبير، والشواهد أمامنا كثيرة لا حصر لها. والعلاقة مع الأخريات غالبا ما تتم بالسرّ والخفاء، ومن كان متزوجا لا يحق له التنقل بالعلاقة بما شاء له تحت غطاء ديني أو إجتماعي، والدين كما شرّع تعدد الزوجات بعقد مؤقت أو دائم، كذلك حرّم السرقة، والزواج دون علم الزوجة هو سرقة الثقة، والسرقة لا تقتصر على المادة؛ بل أيضا تتعداها الى المعنى. وإذا كانت له زوجة مقدسة يحبها فمعنى هذا ان العلاقة مع المقدسة أجمل وأرقى وأمتع، فلماذا يتزوج؟ وما فائدة الزواج هنا؟

تجيب الدكتورة فوزية الدريع المتخصصة بعلم النفس والجنس عن أسباب "خيانة" الرجل وهي تسمية آتية من الغرب، في الشرق تسمى "علاقة عابرة"، أو "زواجاً ثانياً"، وفي الغرب تُسمى "خيانة"، وهي كذلك تصنف أي علاقة خارج إطار الزواج ب(الخيانة) لعدم علم أحد طرفي العلاقة:

الحقيقة أن السبب الأول هو عدم وجود إشباع في نظام الزواج كله ..بالطبع البعض وهو يدرك بشاعة الفعل ربما يبرره بأنه حب...قضاء وقدر، وحصل الذي حصل وهذا يبقى مجرد تبرير لإعطاء الخطأ شرعية معينة. عند الغرب تعتبر الخيانة خيانة إذا كان الطرف الآخر لا يعلم، وهم يرون الزواج عقد اتفاق لذلك فلو تم الإتفاق مع أحد الزوجين فيمكن أن تتم الخيانة دون خوف، ويبقى ذلك أحد صور انكسار روحانية وقيمة العلاقة الثنائية. (كتاب مليون سؤال في الجنس، ج2. د فوزية الدريع. منشورات الجمل، 2006،ص74).

د.وليام كلاسر طبيب نفساني أمريكي يقول: على الطرفين أن يحدّا من استخدام السيطرة (الكونترول) الخارجي من الطرفين؛  ظنا منهما أنهما سينجحان في مهمتهما وهو خطأ كبير تقع فيه النساء والرجال، البحث والتنقيب والمتابعة في شؤون، وهواتف، وكتب، وأوراق، ووثائق عمل، وغيرها من الشؤون الشخصية لكل منهما غير صحيحة، وتقودهما الى الفشل الذريع في العلاقة. ويؤكد أن الرجل كائن بصري. يستمتع النظر للنساء، وليس بالضرورة أن تكون كل النساء التي ينظر اليها يحبها؛ لكن حب النظر طبيعته، ولا توجد امرأة تنافس امرأة. يخاطب المرأة قائلا:  كوني أنت كما أنت، وارفعي من ثقتك بنفسك. أما إذا غيّرتِ من طريقة التعاطي والتعامل مع الرجل الصحيح الذي هو رجل الحياة فستنجحا، وتنتصرعلاقتكما وتحافظا عليها. في حالات خاصة إذا اختار الرجل نفسه حياة جديدة قاصدا الخلاص من حياته السابقة، وترك زوجته أو شريكته؛ فذلك بحث آخر. البحث هنا فقط في حدود العلاقة الزوجية، أو العاطفية الناجحة التي تسير سيراً طبيعيا.

علاقة الرجل والمرأة في الزمان الماضي

د. تقى عبد الجبار الرفاعي المتخصصة بطب الأنسجة (باثولوجي) تشرح حالات نجاح الزيجات في الزمان الماضي، بسبب كون المرأة مؤدية كامل مسؤوليتها الأنثوية وانشغالها بعالمها الخاص، فإدارة المنزل وشؤون الأبناء، والإهتمام الكامل بالزوج وشؤونه. والزوج أيضا يؤدي كامل مسؤولياته الزوجية التي هي العمل لكسب العيش، وحماية الزوجة والأبناء ورعايتهم، وكل هذا كان قبل الحرب العالمية الثانية. المرأة لم تكن باحثة عن شؤون الزوج الشخصية في السابق، وكانت محدودة الصلاحيات، فكان الرجل سيدها (سي السيد)، وليس لديها صلاحية السيطرة (الكونترول) عليه، فمسؤوليات كل منهما محدّدة ومعروفة.

أما بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول الماكنة الى الحياة، ودخول المرأة عالم الحياة الجديد، ومنافستها الرجل في عالمه أدى الى قلب القيم وكل الإعتبارات على عقب، فالمرأة أخذت مجالات الرجل، وغادرت عالمها الأنثوي الخاص، وهو منزلها مخدع أنوثتها، فصارت تكسب المال كما الرجل، ولم يعد للرجل عليها من سلطة مالية وولاية ذكورية، فصارت هي المرأة، وهي الرجل على حد سواء. وصارت لديها السيطرة (الكونترول) البحث عن شؤون الرجل؛ لأنها بدأت تقوى بالمال، وفي عصرنا الراهن أجهزة الاتصالات صارت هي الكونترول الأساس للمرأة حتى الجالسة في منزلها التي لا تعمل، ووسائل الاتصال الاجتماعي التي أدت الى إنفلات اجتماعي مرعب وهائل. كل ذلك أدى الى ذكورية المرأة بخاصة التي تعمل في مجالات الرجال فصارت شبيهة الرجل، حتى جسدها وشكل وجهها اختلف عن السابق.

دعوة جادة للعودة الى الوراء

في محاضرة له يؤكد الدكتور جون كري محتجا على وضع المرأة الراهن:

يجب على المرأة أن تعود لأنوثتِها، الأنوثة يعني النعومة والحاجة لحماية الذكر. وقعنا ضحايا التطور والحضارة والمعاصرة، وكل ذلك أدى الى انحسار دور المرأة، وتضائل أنوثتها، وأطلب من المرأة احترام الرجل وذكورته والعودة الى مركز ثقلها، عند ذلك تسعد الحياة، ونسعد، وكل يأخذ دوره في الحياة.

يستند الدكتور جون كري في نصيحته هذه على أن العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على اعتبارات فطرية غريزية عند كليهما، وهو ان الرجل يحب السيطرة واحترام شخصه وتقديره، وهو يحب سماع كلمات التقدير، والاحترام، والثناء الدائم عليه، وكل ذلك يعود الى عودة المرأة لمكانتها الحقيقية، وأنوثتها، ورقتها، ويجب على المرأة أن تسمعه كلمات تعبر عن ذلك دائما؛ لأن سماعها يرفع لديه هرمون الذكورة(التستسترون)، وهو أهم شعور لدى الرجل يجب أن لا تهمله المرأة مطلقا.

ويضيف لا ننكر وجود صور للحب نادرة، و شاذة يتجسد فيها الأخلاص بكل معانيه التي لا يحيد الرجل والمرأة عنها.

يقول اختصاص العلاقات الاسرية ماثيو هاسي:

إن الحب الحقيقي الخالص من الشوائب سينتصر في النهاية .

(فأما الزبدُ فيذهبُ جُفاءً وأما ما ينفعُ الناسُ فيمكثُ في الأرض).

لأبنائي وبناتي الأعزاء المحترمين:

أبدلوا (الفالنتاين) ب(إبن زيدون) كأهم أنموذج لعيد الحب.

كونوا "كالنحلة التي تعيد تكوين الرحيق عسلا، ولاتكونوا كالببغاء ترددون ما تسمعون".

كونوا الغواصين لالتقاط اللؤلؤ من أعماق البحار، وليسوا الواقفين على الساحل بانتظار من يغوص بدلا منكم لتحوزوا عليه.

 

انتزال الجبوري

سكرتيرة تحرير مجلة "قضايا إسلامية معاصرة"

 

 

 

منى زيتونكان لانتشار ثقافة الاستهلاك في مجتمعاتنا المعاصرة تأثيرات سلبية كثيرة، لعل من أهمها ذلك التصور الذي أصبح لدى كثيرين بأن السعادة في الأخذ، فأفرطوا على أنفسهم في الملذات غير مدركين أنها كماء البحر لا يروي!

يستحيل أن تكون السعادة في النهم، ولن يجد إنسان سعادته الحقيقية سوى في العطاء. والأطفال الصغار هم أكبر دليل على أن السعادة في العطاء، هولاء الملائكة نحن من نهتم بشئونهم، فيعود علينا ذلك بسعادة لا تُوصف. جرِّب أن تعطي الآخر، صغيرًا أو كبيرًا، ما يفرحه وما يريده، ماديًا أو معنويًا، وسترى أن السعادة قد ارتدت إليك.

وتذكر أن ليس لك حقوق على الناس بأكثر مما عليك واجبات. والأناني فقط من يأخذ ولا يعطي، أو يعطي ما يراه حسنًا وكافيًا للآخر بغض النظر إن كان هذا النوع من العطاء يُعجب الآخر ويريده أم لا! وهذا تجاهل تام لرغبات الآخر! وشكل من أشكال الأنانية يغفل كثير من الناس عنه.

ويعتبر كتاب "لغات الحب الخمس" The 5 Love Languages للدكتور جاري تشابمان Gary Chapman استشاري العلاقات الزوجية، من أكثر الكتب مبيعًا حول العالم.

الفكرة الأساسية التي طرحها الكاتب في كتابه أن ما يجعل شخصًا يشعر أنه محبوب يختلف عن شخص آخر، كما أن طرق البشر التي يعبرون بها عن الحب لشركائهم تختلف؛ ولذلك قد لا ندرك حبهم لنا في بعض الأحيان، لأننا ننتظر منهم عطاءً من نوع ما، بينما هم يقدمون لنا الحب بطريقة أخرى، كما نقدم نحن لهم الحب بطريقة لا يفهمونها! وكمثل شخصين يتحدثان لغتين مختلفتين من المؤكد أن يحدث سوء تفاهم!

اعتبر الكاتب أن هناك خمس لغات حب مختلفة، ولكل منا لغة حب أساسية يستخدمها للتعبير مع أحبائه، وأحيانًا نستخدم اللغات الأخرى أو بعضها كلغات ثانوية. هذه اللغات هي:

لغة الحب الأولى: كلمات التشجيع  Words of Affirmation

لغة الحب الثانية: تكريس الوقت Quality Time

لغة الحب الثالثة: تبادل الهدايا  Receiving Gifts

لغة الحب الرابعة: تقديم المساعدة والخدمات  Acts of Service

لغة الحب الخامسة: الاتصال البدني  Physical Touch

ولأن الحب ليس أخذًا بل هو عطاء؛ فهو شيء مقدم للآخر وليس لأنفسنا، فقد ركز تشابمان على أن إرضاء الشخص لشريكه يخلق حالة من السعادة والإيجابية لديه، تعود على الفرد نفسه، وما لم نتعلم لغة الحب الأساسية الخاصة بشريكنا في الحياة كلغة حب ثانوية لنا، إضافة إلى لغتنا الأساسية للحب، لنعبر له من خلالها، لن نستطيع إرضاءه؛ لأن معرفة لغته وتعلمها هي بمثابة امتلاك مفتاح قلبه، ولن تستطيع فتح قلب إنسان إلا بمفتاحه. كما أن التحدث بلغة حب شريكنا ليس علامة على حبنا له وحسب، بل هو إشعار له بالأمان في علاقته بنا، وفي الحياة بوجه عام، وإشعار له بأهميته لدينا، ورفع لمستوى ثقته بنفسه وثقته في علاقته معنا.

حقق الكتاب نتائج باهرة بين من قرأوه، إلى حد صناعة المعجزات، وإعادة الحب والسعادة إلى أكثر الأزواج ضجرًا وكراهية لعلاقتهما؛ لأنه أفهم كل زوج أن عليه أن يقدم الحب إلى الطرف الآخر بالطريقة التي يتمناها الآخر، وأن يسلك بالطريقة التي ترضي الشريك وتسعده؛ فسلوكياتنا السيئة نحو شركاء حياتنا كثيرًا ما تكون محاولة منا للبحث عن الحب وفق طريقتنا.

نقطة أخرى هامة لفت إليها د/تشابمان، وهي أن استخدام لغة الحب المناسبة لا بد أن يكون بصفة مستمرة، كي يكون الشريك ممتلئًا بالحب دائمًا، فالحب هو غذاء علاقاتنا الاجتماعية التي لا ضمان لاستمرارها حية بدونه. وبدون ملء خزان الحب لشريكنا بشكل دائم سيشعر شريك الحياة أنه مستغل وليس محبوبًا.

لغة الحب الأولى: كلمات التشجيع (الكلمة الطيبة صدقة)

بالنسبة للغة الحب الأولى؛ كلمات الثناء والتشجيع، فتعتمد على الإطراءات اللفظية وإظهار التقدير الدائم لشريك الحياة عندما تعلم أن هذه لغة الحب التي يفهمها؛ فتمتدح زيه وهيئته وأي عمل منزلي قام به، وأي عمل مهني نجح فيه، بعبارات بسيطة ومباشرة. وهذا بدوره سيحفزه فيحاول إرضاءك وإسعادك كرد فعل لكلماتك الطيبة التي أشعرته بحبك له.

إن كلمات التشجيع تتطلب في البداية أن نرى الأمور من منظور شريكنا، ونشعر باحتياجاته ورغباته وأولوياته. كلمات التشجيع تشعر من يتلقاها بالأمان لثقة الشريك فيه وفي قدراته، وتساعده على تنمية أداءاته ومهاراته التي يرغب في تطويرها، وأن يأخذ خطوات جادة في حياته لم يكن ليأخذها لولا تشجيع شريك حياته.

وكل منا مهما كان حجم استيائه من شريكه فلا بد أنه يقر أن له حسنات وأشياء جميلة يفعلها ولو أحيانًا. جميل أن نركز على إخبار شريكنا بما يعجبنا فيه، وأن نكف عن الشكوى والتذمر مما لا يعجبنا. جميل أن نذكر نجاحاته ونثني عليها بدلًا من أن ننكر عليه سلوكياته التي تزعجنا، ومن الرائع أيضًا أن نشجع أي سلوك إيجابي يعتبر خطوة صحيحة في طريق السلوك المستهدف الكامل الذي يستحق التشجيع حقًا. كما أنه من الرائع أن نمدحهم ليس فقط أمامهم، بل وأمام غيرهم من الناس المهمين بالنسبة لهم، والذين نثق أنهم سينقلون لهم رأينا الإيجابي فيهم.

من خلال ملاحظاتي المتجمعة، توصلت إلى استنتاج -بدا لي غريبًا للوهلة الأولى- بأن الرجال بحاجة إلى كلمات التشجيع والتقدير من زوجاتهم أكثر مما تحتاجها النساء! كما أن من هذه لغته الأساسية لاستشعار الحب يضايقهم الشكوى والنقد والإلحاح كثيرًا أو معارضة الشريك لأفكارهم، بقدر ما يضايقهم نقص الدعم اللفظي من الشريك. وسبق أن تحدثنا في مشكلات التواصل اللفظي عن حساسية الرجال تجاه أي خلاف في الرأي من زوجاتهم في موضوعات مصيرية هامة، وأزعم أن الرجال أيضًا حساسين لفظيًا للغاية تجاه عدم استشعار التقدير من شريكات حياتهم لهم، وعدم تقديرهن لما يقومون به لأجل دعم الأسرة. كذلك فإن من أهم ما يُشعر الرجل بالتقدير أن تأخذ المرأة رأيه في أمورها وشئونها الخاصة.

قد يقول قائل إن كثيرًا من النساء أيضًا في أوقات الشكوى قد ترد على زوجها بأنها هي الأخرى تفعل كذا وكذا للمنزل وله وللأولاد ولا تتلقى تقديرًا، لكن حقيقة الأمر أنه شتّان بين الفعل وبين رد الفعل. المرأة حين تقول هذا فليس أكثر من رد فعل على مقولة الرجل، أما الرجل فهو دائم الشكوى الحقيقية من نقص تقديرها له لأن هذا بالفعل يحزنه، بينما هي إن كانت تستشعر نقصان حبه لها فغالبًا سيكون بسبب انشغاله الدائم عنها وعدم قضاء وقت معها.

نقطة أخرى لاحظتها، وهي أن الأشخاص الذين يستشعرون الحب من خلال كلمات الدعم والتشجيع ربما كانوا أكثر قابلية للوقوع في الخيانة الزوجية من غيرهم، لأنهم الأسهل في تبدل عواطفهم وتحولها إلى شخص آخر يصبح هو مصدر الدعم في حياتهم، والذي لا يستغنون عنه! وربما لأجل ذلك كانت الخيانة أكثر انتشارًا بين الرجال.

لغة الحب الثانية: تكريس الوقت

لغة الحب الثانية؛ هي تكريس الوقت، وتعني أن الحب عند من هذه لغته هي قضاء بعض الوقت معه بشكل دوري، يتحدث فيه مع الشريك، وقد يمارسان نشاطًا مشتركًا فيه –حتى ولو كان الحديث أثناء تناول الطعام-، مما يشعر الفرد بالاهتمام والأمان والسعادة.

ولأن قضاء الوقت يتوفر كثيرًا في مرحلة الخطبة حيث يتحدث كلا الطرفين كثيرًا رغبة من كليهما في التعرف على الطرف الآخر، فإن الصدمة تكون مفجعة بعد الزواج لمن تكون هذه لغته الأساسية التي يستشعر من خلالها الحب، بينما تكون لغة شريكه لغة أخرى.

هذه اللغة تنتشر بين النساء أكثر، وهي سبب جملتهن الخالدة بعد الزواج "أنت لم تعد تهتم بي"! فكثيرًا ما تكمن الإشكالية وراء اختفاء سعادة المرأة الزوجية في أن المرأة ترى أن عدم حديث الرجل معها، وقضاءه وقته بعيدًا عنها، وممارسة أنشطة لا تجمعه بها، دليلًا على قلة حبه واعتنائه بها؛ فلا هو يهتم بعالمها، ولا هي جزء من عالمه!

والرجال في الغالب يستمرون بعد الزواج في قضاء أوقات مع أصدقائهم، وغيرها من الأنشطة الذكرية كمشاهدة مباريات كرة القدم وغيرها، التي لا تستهوي كثيرًا من النساء فلا يشاركونهم فيها. ربما كان من أسباب الفشل الزوجي إصرار الرجال على أن يستمر برنامج لقاءاتهم مع أصدقائهم بالمعدل نفسه الذي كان عليه قبل الزواج. ولا أبالغ حين أقول أن انتشار الكافيهات المزعج حيث يلتقي الرجال بعيدًا عن زوجاتهم له دوره في رفع نسب الطلاق.

كما أن الوقت الذي يقضيه كثير من الرجال في المنزل لا يعطون فيه زوجاتهم انتباههم؛ فجلوسه بجانبها في حجرة المعيشة بينما يُحدق في جهاز التليفزيون أو الكمبيوتر أو يقرأ مجلة أو جريدة ليس وقتًا يمضيه معها ويتحدث إليها، وقد ذكرنا عند الحديث عن الاتصال البصري أن المرأة لا تشعر بالانتباه إلا عندما ينظر الرجل إليها، حتى لو كان يسمعها بالفعل. كما ذكرنا في الفصل الخاص بأساليب التواصل أن المرأة لا تريد في أغلب الأحيان أكثر من الفضفضة مع الرجل عما يزعجها، فهي لا تطلب منه النصح بل الإنصات! وهو ما لا يفهمه أغلب الرجال.

في مصر، كانت هناك عادة منتشرة في بيوت الطبقة العليا والطبقة المتوسطة من المجتمع المصري حتى أواخر القرن الماضي، وهي جلسة شاي وحلوى وقت الأصيل قبل غروب الشمس، وكانت لقاء العائلة اليومي الذي يتحدث فيه الزوجان والأبناء، ويعرف فيها الجميع أخبار باقي أفراد الأسرة. كانت جلسة يومية تعمق الروابط الأسرية وتشيع الدفء في العائلة، وتُعرِّف كل فرد من الأسرة ما يحب ويكره الأفراد الباقون. لكن مع أهمية تلك الجلسات التي تضم الأبناء فإن جلسات الزوجين الخاصة لا غنى عنها.

إذًا فالمقصود بتكريس الوقت هو إعطاء الانتباه الكامل لشريك الحياة، إعطاؤه وقتًا كافيًا –ليس بالضرورة أن يكون طويلًا- يتبادلان فيه الحديث عن أحوالهما وما يشغلهما، وربما يتشاركان في نشاط معًا. أن يكونا معًا، وليس أن يكونا فقط في المكان نفسه! وأن يكونا معًا تعني أن يعرف كل منهما عن الآخر أدق تفاصيل حياته، وكل ما يحب وكل ما يكره، وعندما يسترجعان شريط حياتهما معًا يكون بإمكانهما أن يجدا العديد والعديد من الذكريات المشتركة، وهي ما يمكن أن نُطلق عليه اسم "ذكريات الحب".

وأحيانًا تكمن المشكلة ليس في عدم رغبة الرجل تخصيص جزء من وقته لقضائه مع زوجته، ولكن المشكلة أنه لا يعرف كيف يتبادل معها الحديث، لا يعرف كيف يحدثها عن نفسه لأنه لا يجيد التعبير اللفظي عن أفكاره ومشاعره الشخصية، وليس المقصود هنا أن يخبرها بحبه، فهذا تبسيط مُخلّ لحجم المشكلة.

كما قد تكمن المشكلة في طريقة تعبير المرأة عن رغبتها في تكريس زوجها لبعض من الوقت يقضيه معها؛ لأنها ببساطة تصيغ طلبها صياغة عامة، وليس صياغة محددة؛ فالرجل غالبًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل تحديدًا، فإن أردتي منه أن يخرج معكِ للتنزه أو لتناول الطعام وحدكما أخبريه عن رغبتك بشكل محدد. ومن المهم للغاية عدم الإلحاح خاصة إن كانت لغة الحب لزوجك هي اللغة الأولى "كلمات الدعم والتشجيع"؛ فهؤلاء يكرهون الإلحاح والشكوى تمامًا وربما يعاندون!

ولا يعني هذا أنه لا يوجد رجال يتشكون من أن زوجاتهم لا يضعونهم على قائمة أولوياتهن، لكن بالتدقيق نجد أن أغلب شكاوى الرجال من انشغال النساء تكون منصبة في حقيقة الأمر على لغة الحب الرابعة "تقديم المساعدة والخدمات"؛ فهو لا يشتكي أنها لا تمنحه جزءًا من وقتها لتقضيه معه، بل يشتكي تقصيرها في أداء الأعمال المنزلية، والفرق كبير.

ملحوظة أخيرة لاحظتها في علاقة الأبناء بالآباء تتعلق بتكريس الوقت، وهي أن اندماج المراهقين في جماعات الأقران بشكل كلي أو جزئي يرتبط بدرجة أساسية بتكريس الوالدين أوقاتًا لهم في مرحلة الطفولة؛ فالوالد الذي يُكرس وقتًا كافيًا لابنه في طفولته يقوي علاقته به لدرجة الصداقة في الكِبر، بحيث لا يغنيه أقرانه عن أبيه مهما كانوا مقربين منه، وعلى العكس من ذلك قد تنقطع علاقة المراهقين بآبائهم لأنهم عانوا في طفولتهم من نقص تخصيص أوقات يقضونها معهم.

لغة الحب الثالثة: تبادل الهدايا (تهادوا تحابوا)

لغة الحب الثالثة، هي تبادل الهدايا. "تهادوا تحابوا"، فإن كانت لغة الحب الثانية؛ تكريس الوقت، تصنع "ذكريات الحب"، فلغة الحب الثالثة تصنع "تذكارات الحب".

ولا يخلو زواج في أي ثقافة حول العالم من تبادل الهدايا، بل إن إعلان الارتباط يبدأ بخاتم يهديه الزوج إلى زوجته. في ثقافتنا العربية يُسمى هذا الخاتم بالدبلة، ولا بد من قطع ذهبية أخرى تُهدى إلى العروس تُسمى الشبكة، تختلف قيمتها وحجمها من منطقة إلى أخرى، وإن كانت الظروف الاقتصادية الطاحنة قد ساهمت في تقليلها، لكنها لا زالت باقية لأن هناك من لغة الحب الأساسية عندهم هي تلقي الهدايا! فالحب ليس عطاءً معنويًا فقط بل ومادي أيضًا!

والهدية في حقيقتها هي رمز مادي له قيمة عاطفية. لكن الهدايا ليست ذهبًا ومجوهرات فقط، ولا يلزم أن تكون غالية الثمن، بل تكمن قيمتها في أن من أهداها قد فكّر في إسعادك، وانتبه إلى ما يعجبك، فانتقى هديته لتناسب ذوقك. والتفات شخص إلى قيمة الهدية التي أُهديت له ربما كان علامة سوء في شخصيته، لكن ربما كان أيضًا لأن الهدية بسيطة للغاية بحيث لا تتناسب إطلاقًا مع المستوى المادي لمن أهداها.

هناك صعوبتان تتعلقان بهذه اللغة من لغات الحب، إحداهما ذكرها د/تشابمان في كتابه، وهي أن الشريك المطلوب منه إسعاد شريكه التي هذه لغته، عليه تعلم كيفية اختيار الهدايا أو صنعها، وربما كانت الاستعانة برأي الأصدقاء وأفراد العائلة مفيدة.

الصعوبة الأهم من وجهة نظري التي لم يذكرها د/تشابمان هي أنه وإن كانت المداومة على الهدايا شيء جيد في الثقافات الغربية إلا أن هذه اللغة للحب يصعب أن تكون لغة رئيسية في ثقافتنا للتعبير عن الحب؛ بحيث نعطي هدايا بشكل مستمر كما نفعل في كلمات التشجيع وتكريس الوقت، ولو فعل زوج مصري هذا سيساور القلق زوجته بأنه ولا شك اقترف كارثة ويسترضيها ليقلل قوة الصدمة إزاء فعلته.

في ثقافاتنا العربية غالبًا ما تقترن الهدايا بالمناسبات، وقد تكون هذه المناسبات مستجدة كترقية حديثة أو عودة من سفر، وقد تكون ذكرى كعيد الزواج وعيد الميلاد، وهذه الأمور الأخيرة يصعب على الرجال كثيرًا تذكرها، فلا يشترون الهدايا المتوقعة منهم لزوجاتهم، وتنشأ المشكلات من جرّاء ذلك.

وكفرق ثقافي إضافي بين ثقافتنا والثقافة الغربية في التعبير عن الحب بلغة العطاء المادي، كثيرًا ما يستبدل الزوج الهدايا بالنقود في المناسبات كالأعياد، أو يعطي الزوجة بطاقة بنكية للسحب منها بشكل دائم وشراء كل ما تريد بدلًا من التفكير في شراء هدايا قد لا تناسب ذوقها.

قد يظن بعض الناس أن الأفراد الذين يفضلون الهدايا المادية للتعبير عن الحب ماديون متطلبون بطبعهم، والحقيقة أن هذا ليس شرطًا على الإطلاق، وأحيانًا ما تكون هديته المادية التي يطلبها هي وجود شريكه نفسه جانبه في مواقف حياته الصعبة. ربما يختلط علينا الأمر في هذه الحالة، فهل هي تكريس للوقت أو تقديم هدية؟! لكن لأنه ليس أي وقت، ولأنها أوقاتنا الصعبة، فوجوده المادي في حد ذاته هو هدية.

كما أن هؤلاء الأشخاص يقدرون الهدايا من نوعية أن يشتري شريك الحياة وجبات طعام جاهزة أو يتولى أمر الشواء عوضًا عنهم في العزائم، أو حتى تقديم ورود أو هدية للمنزل، أو أن تدفع صدقة جارية عنهم، كما أنهم يحبون الهدايا التي تُصنع لأجلهم مهما كانت بسيطة.

لغة الحب الرابعة: تقديم المساعدة والخدمات

لغة الحب الرابعة هي تقديم المساعدة والخدمات. ولا يجب أن نتصور أن هذه اللغة تنتشر بين الرجال فقط فيشعرون أن المرأة التي تؤدي الأعمال المنزلية بمهارة تحبهم لأجل ذلك، فهناك نساء كثيرات أيضًا من هذه النوعية التي تُقدر للغاية المساعدات والخدمات، وتستشعر أن الآخر يحبها عندما يقوم بها لأجلها، وكما يمكن أن نجد رجلًا يشكو أن زوجته لا تكوي ملابسه أو لا تطهو طعامه، يمكن أن نجد امرأة تتشكى من أن زوجها لم يصلح لها صنبور المطبخ أو أنه كثيرًا ما ينسى إخراج كيس القمامة!

ولا يقتصر تقديم المساعدة والخدمات على الأعمال المنزلية. الفكرة أن هؤلاء يشعرون بالحب ويجدونه أكثر عند مساعدة الآخرين لهم في تنفيذ أي عمل أو مشروع. أن تعمل أشياء من أجلي يعني أنك تحبني.

وتقديم المساعدة والخدمات ليست كتكريس الوقت الذي نقرر فيه فقط أن نكون على سجيتنا مع شريك حياتنا، وأن نمارس أنشطة ممتعة كالتنزه أو تبادل الحديث، بل يستلزم القيام بالخدمات والمساعدات بذل الجهد، وكما أن بعض الناس يسيء فهم فكرة تكريس الوقت فيعتقد أن وجوده في الحجرة نفسها بينما يتشاغل عن شريكه بشيء ما يعني أنه يهتم لأمره، فكذلك هناك من يؤدي تلك الخدمات مع التبرم وإظهار الاستياء، فيستحيل أن تكون والحال كذلك تعبيرًا عن الحب.

من أهم ملاحظاتي حول من لغة حبهم تقديم المساعدة والخدمات أنهم من أنصار الدور الجنسي التقليدي؛ أي أنهم يحتفظون في أذهانهم بتصور تقليدي عن الأدوار التي يجب أن يلعبها الذكور وتلك التي يجب أن تؤديها الإناث، وليس لأي منهم أدنى رغبة في القيام ببعض أدوار الجنس الآخر التقليدية، فكما يستحيل على رجل منهم أن يغسل الأواني أو يساعد في تنظيف الأطفال فإن المرأة منهم تنتظر من الرجل أن يقوم بصيانة المنزل بنفسه، وكما يكره هو أن تشتري طعامًا جاهزًا أو تحضر خادمة إلى المنزل، تكره هي أن ترى عمالًا في المنزل لإصلاح الأشياء البسيطة فيه! كما أن الرجل الذي هذه لغة حبه الأساسية لا يحب أن تعمل زوجته خارج المنزل أو تكثر الخروج من المنزل حتى للزيارات العائلية.

وقد ذكرنا سابقًا أن الرجل عادةً يستخدم الصيغة الآمرة كأسلوب ذكري في التواصل لضمان تحقيق طلباته إن تأخرت المرأة عن تلبيتها، فإن كانت لغة الحب الأساسية التي تشعره بالحب هي تقديم الخدمات فأوامره التي يلقيها لا شك تُلحق الأذى النفسي بشريكته. يمكن استبدال الأمر بالطلب لأن تلقي الأوامر يُضيع جو المحبة والود، وتضرره لن يقل عن مستوى تضررها. يمكنه أيضًا أن يحدد لها طلباته منها بوضوح، وربما يضع قائمة بما يحب أن يكون عليه شكل المنزل عند عودته، وأن يتحمل دوره في الأعمال التي يقوم بها الرجال عادة ولا يتهرب من أدائها ويلقيها عليها.

لغة الحب الخامسة: الاتصال البدني

يعتبر الاتصال البدني لغة الحب الخامسة التي تشعرنا بحب شريك الحياة لنا. وهي تبدأ من الأيدي المتشابكة وحتى العلاقة الحميمة بين الزوجين.

الشد على الأيدي والعناق تحديدًا لا يتوقفان على العلاقات الزوجية، فهما من قنوات التواصل غير اللفظي العالمية التي نُشعر بها الآخرين بحبنا ومساندتنا لهم خاصة في أوقاتهم الصعبة.

على العكس من تكريس الوقت فإن مجرد الجلوس بجانب شريك الحياة أثناء مشاهدة التليفزيون أو القيام بأي نشاط مستقل بجانبه يعتبر تعبيرًا عن الحب لمن تكون لغة حبهم الأساسية هي الاتصال البدني.

وشريك الحياة (زوجًا أو زوجة) الذي يكون اللمس طريقته في التعبير عن الحب لا يكثر فقط من الاقتراب وملامسة شريكه، بل ويعبر عن حبه بالطريقة نفسها مع كل فراق ولقاء قصير، فبمجرد الخروج من المنزل والعودة لا بد من تقبيل وعناق قصير. وهو يحب أن يسير بجانبه في الطريق وقد يمسك يده، وينزعج كثيرًا عندما يشعر أنه ينفر من المشي إلى جانبه فيتقدم أو يتأخر!

وإن كانت الخيانة الزوجية تؤثر في أي إنسان طبيعي، فإنها لدى أصحاب لغة الحب الخامسة تكون مدمرة لهم على المستوى الإنساني، فالطريقة التي طالما اعتبروها تعبيرًا لهم عن الحب يتم التعبير بها لشخص آخر!

وكثير من الرجال يعتقدون أن الاتصال البدني هو لغتهم الأساسية للحب لمجرد أنه يشعر بالرغبة الجنسية نحو زوجته، وهذا خلط كبير؛ فلغة الحب الأساسية هي اللغة التي تُشعر الشخص أنه محبوب، والتي يُعبر بها الشريك لهم عن الحب. فإذا ما كانت العلاقة الزوجية الحميمة لا تكفي وحدها لتشعر الرجل أن زوجته تحبه –وكثيرًا ما يكون الأمر كذلك-، فهذه ليست لغته الأساسية للحب.

وينبغي أيضًا ملاحظة أن الرجل تنشأ لديه الرغبة في العلاقة الحميمة مع زوجته لأسباب فسيولوجية حتى ولو لم يكن يستشعر حب زوجته له، وذلك على العكس من أغلب النساء اللاتي يستحيل أن يرغبن في تلك العلاقة ما لم يكن يحببن أزواجهن ويشعرن كذلك بحبهم لهن.

ينبغي أيضًا ملاحظة أن هذه اللغات الخمس ليست قاصرة فقط على التعبير عن الحب في العلاقة بين الزوجين، بل هي لغاتنا التي نعبر بها عن الحب لكل الناس، كبارًا وصغارًا، قطعًا مع اختلاف درجة علاقاتنا بهم. ولكي تنجح علاقتك مع أي إنسان بدءًا من ابنك الصغير ووصولًا لزميلك في العمل أو جارك في السكن ينبغي أن تعرف لغة الحب الأساسية التي يفهمها وتؤثر فيه لتتعلمها كي تعبر له عن نواياك ومشاعرك الطيبة نحوه عن طريقها. هذه هي اللغة التي يمكن أن تخاطبه بها فيفهمك، ويشعر بحبك له.

لكن، من منا لا تسعده كلمة طيبة، كلمة تقدير وتشجيع ممن يحبهم؟ ومن لا يشعر بالسعادة عندما يقضي وقته معهم؟ ومن لا يشعر أن من أهدى له هدية يحبه ويفكر فيه؟ ومن منا لا يمتن كثيرًا لمن ساعدوه في إنجاز عمل وخدموه بطريقة أو بأخرى؟ ومن لا يشعر بالدفء والأمان عندما يمسك بيد أحبائه أو يحتضنهم؟

الحقيقة الدامغة أننا كلنا كبشر نفهم تلك اللغات الخمس لكن بدرجات مختلفة، والحال يشبه من يتكلم لغة أم، ولغات أخرى بعضها قد يتقنها لكن ليس إلى درجة إتقان اللغة الأم، وبعضها يتحدثها بدرجة ضعيفة.

وأسهل طريقة لنعرف اللغة الأساسية للحب لشخص ما هي من نوعية الشكوى التي يبديها الشخص تجاه شريك حياته، لأنه حين يشتكي يكشف دون قصد سبب نقص شعوره بالحب؛ فهل هو يشتكي أنه لا يُقدِّره أو من أنه لا يقضي الوقت معه أو ......؟ وليس بالضرورة أن نكون نتذمر لدرجة الشكوى فيمكننا أن نعرف لغتنا من مراجعة ما نطلبه من الشريك ومن الآخرين ذوي الأهمية في حياتنا. كما أن طريقتك في التعبير عن حبك للآخرين قد تعبر عن لغة الحب الخاصة بك التي تتمنى أن يخاطبوك بها، لكن ربما كانت تعبر أيضًا عن تنشئتك الاجتماعية.

أمر آخر هام ينبغي لفت النظر إليه وهو أنه في حال كان للزوجين لغة الحب الأساسية نفسها، فإن هذا لا يعني بتاتًا أن كلًا منهما سيجيد مخاطبة الآخر بها، ففي بعض الأحيان تكون للتنشئة الاجتماعية في بيئتين مختلفتين تأثيرها السلبي على إمكانية التفاهم؛ فقد يشتركان في كونهما يرغبان في كلمات التشجيع، ولكن أساليبهما التعبيرية تختلف، كما قد تختلف المواقف التي يرونها جديرة بالاهتمام وتشجيع شريك الحياة عليها، وقد يشتركان في أنهما يرغبان في تكريس وقضاء الوقت مع الشريك ويختلفان حول نوعية الأنشطة والاهتمامات التي يمكن أن يقضوا أوقاتهما فيها! كما قد يختلفان على نوعية الهدايا التي يجدها كل منهما مناسبة للآخر! وقد يكونان ثنائيًا لغته الأساسية هي تقديم المساعدة والخدمات لكن الرجل لا يقبل أن يقوم ببعض الأعمال التي تربى في منزله على أن المرأة فقط هي من تقوم بها، والعكس، فلا هو يمكن أن ينظف المنزل بالمكنسة، ولا هي ستعتني بحديقة المنزل أو تشتري الطلبات لأن والدها هو من كان يقوم بهذه الأعمال! 

من أجل ذلك، لا يكفي أن نعرف لغة الحب الخاصة بشريك حياتنا، بل أن نفكر بدماغه، ونسأل أنفسنا عما يمكن أن يسعده حقًا. تريد أن تقضي معه وقتًا اقضه في مكان يحبه هو، لا المكان الذي تحبه أنت. تريد أن تشتري له هدية، اشترِ ما يعجبه هو، لا ما يروقك أنت. تريد أن تطهو له اصنع له طعامه المفضل. حاول أن تتوافق مع نفسيته، مع تطلعاته، مع رغباته. يمكن أيضًا أن تخيّره.

كثيرون تكمن مشكلتهم في محاولاتهم الدءوبة لإسعاد من يحبونهم والتقرب منهم، لكن على طريقتهم هم. علاقاتهم مع الناس أشبه بمن يمسك قوسًا، يرمي به أسهمًا كثيرة، لكن أي من تلك الأسهم لا يصيب الهدف، ولا حتى يقترب منه. ثم يشتكون بعد ذلك عن سر عدم تقبل شركائهم لهم، وابتعادهم عنهم.

باختصار، فكر كما لو كنت زوجتك، وفكري كما لو كنتِ زوجك.

والأمر يستحق المحاولة. علينا أن نفهم أن تعلم لغة حب شريك الحياة ومخاطبته بها لإرضائه عاطفيًا من الأساليب الناجحة عند إعادة فتح صفحة جديدة بين الزوجين، يتطلعان فيها للمستقبل، وينسيان ما أفسداه في الماضي في علاقتهما نتيجة التعامل الخاطئ لكل منهما مع الآخر.

هناك أيضًا نقطة هامة أخيرة أشير إليها، وهي أنه بالرغم من اتفاقي مع د/تشابمان في أن أغلب مشاكل التواصل تأتي من عدم توافق ما يقدمه لنا من يحبونا مع توقعاتنا منهم، وأنهم لو تعلموا أن يتوافقوا مع توقعاتنا ويخطبوا ودنا بما يسعدنا سيكون ذلك رائعًا، لأن الحب هو شيء نقدمه للآخر وليس لأنفسنا، نلبي به احتياجه، ليرتد ذلك إلينا، لكن بالرغم من ذلك، أرى أن د/تشابمان قد فاته أن يلفتنا إلى ضرورة الانتباه إلى ما يُقدم لنا كتعبير عن الحب وتقديره أيًا كان اللغة التي يُقدم بها، لأن الحفاظ على العلاقات الإنسانية في النهاية مسئولية الطرفين، وكل شخص منا مهما تعلم التعبير بلغة الآخر ليسعده سيبقى أسهل عليه أن يُعبر بلغته، وبدلًا من أن يتحدث كل منا لغة الآخر العاطفية لِم لا نتحدث معًا باللغتين معًا ونقدرهما معًا لنصل إلى الإشباع العاطفي لكلينا معًا؟ مع ذلك أتمنى ألا تكون هذه الفكرة الأخيرة رِدّة لمن فهم فكرة لغات الحب فيستسهل ويعبر عن حبه بلغته هو فقط، ويتناسى لغة الآخر التي هي السبيل الحقيقي لإسعاده، لتبقى فكرة لغات الحب بالنسبة إليه تنظيرًا لا حظ له من التطبيق!

 

د. منى زيتون

...........................

* ملحوظة: فكرة لغات الحب مأخوذة عن د/جاري تشابمان، لكن ما ورد في هذا المقال ليس نقلًا عنه.

 

يُتَهَمُ الاسلاميّون بانهم لاولاءَ لهم لأوطانِهم، انطلاقا من مقولة: (انّ وطنَ المسلمِ عقيدتُهُ) . وهذه المقولة (وطنُ المسلمِ عقيدتُهُ) لاتتنافى ولاتتقاطع مع قدسيّة الوطن التراب ؛ فقد جاء عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم انّ: (من قُتِلَ دونَ ارضِهِ فهو شهيد) . وقد جاءت الايات لتؤكدّ الترابط والتواشج بين الوطن الارض والوطن العقيدة يقول الله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة: الاية: 8، فنرى في هذه الاية علاقة ورابطة بين الدين والاخراج من الاوطان . وجاء في اية اخرى مدحا للمهاجرين الذين اخرجوا من وطنهم وضحّوا بالاموال ابتغاء مرضاة الله، وقد قدم الاخراج من الديار على التضحية بالاموال، لان فراق الوطن اقسى على النفس من التضحيّة بالمال . يقول الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)

الحشر: الاية: 8 .وجاء في مدح الانصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر: الاية: 9، فهناك رابطة وعلاقة بين الدار والايمان .

ونرى هذه العلاقة بين الدعاء بالامن للوطن، ورزق اهله من الثمرات، وبين الايمان بالله واليوم الاخر للتاكيد على الوشيجة القويّة بين الوطن الارض والوطن العقيدة.

يقول الله تعالى حاكيا عن خليله ابراهيم في دعائه:اذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) البقرة: الاية: 126 وفي دعاء اخر لابراهيم ينقله القران الكريم يؤكد على الرابطة القوية بين الوطن (الارض) وعقيدة التوحيد، يقول الله تعالى:

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ابراهيم:الاية:35 .

الوطن في اللُغَة

يقول ابن منظور في لسان العرب: (الوطن: المنزلُ تُقيم فيه، وهو موطن الانسان ومحلهُ، واوطان الغنم والبقر مرابضُها واماكنُها التي تاوي اليها، يقال: اوطن فلان ارض كذا وكذا اي اتخذها محلا ومسكنا تقيم فيه) ابن منظور، لسان العرب، مادة وطن، ج 6، ص 949 .، وقد وردت مادة وطن في القران الكريم بمعنى المكان والمقام فيه، في قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)التوبة: الاية 25.

وفي الوطن الارض يقول الرسول (ص) حينما اخرجه قومه من وطنه مكّة:

(ما اطيبك من بلد واحبَكِ اليّ، ولولا انّ قومي اخرجوني منك ماسكنتُ غيرَك) .

الطغاة والمصلحون

الطغاة وعلى طول الخط يتهمون دعاة الاصلاح، بانهم مثيروا فتنة، وانهم يخونون اوطانهم . وقد اتهم فرعون موسى عليه السلام بانّ مشروعه السيطرة على البلد ونفي الشعب وفرعون خارج البلد، يقول الله تعالى: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ) طه: الاية: 57 . وفي اية اخرى يحرّض فيها فرعون بني اسرائيل على موسى (ع) متهما اياه بانه يريد نفي بني اسرائيل من وطنهم، يقول الله تعالى:

(يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) الشعراء: الاية: 35.

المفهوم الاحادي للوطن منشا الكوارث

الحركات المتطرفة لها نظرة احادية للوطن، فهي تحصر الوطن بالوطن العقيدة، وتزدري الوطن الارض، والذي هو نزوع فطري عند الانسان، وهو عند الكائنات الحيّة الاخرى غريزة، فالحيوانات ترتبط بالمكان، وتقيم لها مكانا تأوي اليه مع صغارها وتدافع عنه . وهذه النظرة الاحادية، قسّمت الوطن الى دار حرب ودار اسلام، فسيّد قطب في كتابه (معالم في الطريق) يرى ان وطن المسلم الذي يحّن اليه ليس قطعة ارض . وجاء في كتاب المعالم ايضا: ان الوطن ليس هو ارض مصر، وانما الوطن هو الاسلام . ولكن هذه نظرة احاديّة اختزاليّة للوطن . فعبد الحميد بن باديس الذي اعتبر حب الجزائر لايتعارض مع حب العروبة كدائرة اكبر، ولايتعارض مع الانسانيّة الدائرة الاوسع . وهذه الدوائر تتكامل ولاتتقاطع.

وراي سيّد قطب تبنّاه شكري مصطفى، زعيم جماعة التكفير والهجرة، فهو لايجيز الدفاع عن ارض مصر، والانخراط في صفوف جيشها دفاعا عن الارض والوطن، يقول مصطفى شكري في التحقيقات: ص 1540 مايلي:

(اذا اقتضى الامر دخول اليهود اوغيرهم فان الحركة حينئذ ينبغي الاّ تبني على القتال في صفوف الجيش المصري، وانما الهرب الى اي مكان امن؛ اذ خطتنا هي الفرار من العدو الوافد تماما كالفرار من العدو المحلي وليس مواجهته) .

ويتحدث القاضي جواد ياسين بهذه اللهجة الحادة، في كتابه (مقدمة في فقه الجاهليّة المعاصرة)، ص 105:

(عندما تنسلخ الاوطان من رداء الاسلام، ينحسر عن المسلم واجب الدفاع عنها، والجهاد في سبيلها ... بل وقد يجد نفسه ملزما بمجاهدة وطنه، ومقاتلة اهله) .

وطنان لاوطن واحد

اذا تعاملنا مع الانسان ككيان واحد بسيط ينتمي الى هذا العالم، عالم الملك، الى الدنيا ؛ فحينئذ يكون الحديث عن وطن مُلكي، وطن دنيوي، وطن الجسد . اما اذا تعاملنا مع الانسان ككائن ثنائي له روح وجسد ؛ فعندها سيكون له وطنان، وطن ينتمي الى عالم الملك، الى عالم الدنيا، الى وطن الجسد . ووطن اخر ينتمي الى عالم الملكوت، وطن الروح، وطن الاخرة .

وطن الجسد ينتمي الى الارض مبدا ومصيرا، يقول الله تعالى:

(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ) طه: الاية: 55

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)

هود: الاية: 61 .

والوطن الاخر، وطن الروح، فيبتدا من الله وينتهي اليه، يقول الله تعالى:

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) البقرة: الاية: 156.

الدولة الحديثة

الدولة الحديثة تحدثت عن وطن واحد، لانها دولة تنتمي الى هذا العالم، ولاتبحث عن ماوراءه ؛ بل ترى ان البحث عن ماوراء هذا العالم بحث بلا معنى ولاجدوى، وهي غير معنيّة به .

الحداثة كلها تتحدث عن وطن واحد يحتضن الانسان من الولادة الى الوفاة، وهو غير معنيّ بما بعد الموت .

وفي الختام، الذين تبنّوا احادية الوطن جلبوا الكوارث على امتنا وشعوبها، هذا ماصنعته داعش واخواتها من قتل وتنكيل وتدمير لكل الاوطان . والنظرة الثنائية للوطن هي نظرة واقعيّة تتعامل مع الكائن الانسانيّ بواقعيّة .

وانهي الحديث بالقول: انّ الاسلاميين الذين اتهموا بعدم ولائهم لاوطانهم، كانوا اشدّ الناس دفاعا عن الاوطان . ففي الجزائر كانت الثورة الجزائرية اسلاميّة في منطلقاتها وقيادتها، وفي العراق كانت ثورة العشرين التي خلصت العراق من الاحتلال البريطاني، كانت اسلامية بقيادتها وجماهيرها ونخبها . واليوم اسلاميّوا لبنان هم من حررّ الارض، واسلاميّوا العراق هم في طليعة من واجه داعش، وحرر الارض . فلو كان ولاؤهم لغير اوطانهم، فما معنى بذلهم للدماء والتضحيات بسخاء.

 

زعيم الخيرالله

 

زهير الخويلدي(يجب تحرير الناقد من قدسية النظرية ومخاطبة السلطة بلسان الحقيقة) .. إدوارد سعيد

انتشرت العديد من الكتابات النقدية للظاهرة الدينية من مشارب مختلف وضمن استراتيجيات متعددة واختلط فيها النقد الكانطي مع النفي الهيجلي والقلب الفيورباخي مع القراءة التاريخية المادية للماركسية، والجنيالوجيا النتشوية مع التحليل النفسي الفرودي والتقويض الهيدجري مع الوجودية العدمية عند سارتر، واختلاف دولوز مع خلخلة دريدا، والتشريح الأركيولوجي لفوكو مع البراغماتية الجذرية عند رورتي.

كل هذه النصوص التي كتبت في الفضاء الغربي من الفلسفة المعاصرة وكسبت شهرة كبيرة في العالم وعمّقت من درجات العلمنة والأنسنة والعقلنة في الديانات الكبرى والمعتقدات المروثة لدى العديد من الشعوب قد أنتجت جملة من النصوص الاستشراقية والمباحث الاستشراقية المعكوسة في الثقافة الشرقية تزعم ممارسة النقد والتفكيك والتشريح والمراجعة الجذري وتبشر بالتنوير والعقلانية والإنسية والمدنية، في حين أنها لم تتمكن على مستوى الواقع الاجتماعي من القضاء على التطرف والتشدد والغلو والتعصب ولم تقدر على إلغاء الإرهاب والعنف والتوحش الذي يستعمر ميكروفيزياء السلطة ويستوطن في الخطاب.

كما عرف الفكر العربي منذ قرابة قرنين انتشار تجارب تونير متعددة المشارب والمجالات وارتبطت بالداروينية والوجودية والفرويدية والماركسية واللبيرالية والعقلانية الديكارتية والنقدية الكانطية ولكنها أثمرت محاولات جدية في بعث مشاريع حضارية تنهمك في قراءة التراث من زاوية معاصرة بروح الحاضر وتدفع نحو اللحاق بالعالم المتقدم عن طريق تطبيق مناهج التحديث وسبل التطوير التي اتبعها.

والحق أن القراءة التي أخضعت لها الدين من خلال هذه التجارب التجديدية توزعت بين محاور ثلاث: قراءة استرجاعية احيائية تدعو إلى المحافظة وقراءة إلغائية استبعادية للعقائد وقراءة توفيقية تصالحية.

لقد كان سلاح التنوير عملية  نخبوية بامتياز تم توجيهها للتحكم في الثقافة التقليدية للجمهور والسيطرة عليها من وجهة نظر معيارية واعتبارها فاقدة للقيمة والمعنى وفي عداد الماضي التاريخي اللاّعلمي.

لقد فشلت في اجتثاث ثقافة اللاّتسامح وعقلية الاستئصال وأعادت إنتاج آليات الإقصاء والإقصاء المضاد وبررت أسوأ الإيديولوجيات المفلسفة التي تستند إلى نظرة مانوية للحياة وتقر بامبريالية المعرفة المطلقة.

لقد ترتب عن اللاتسامح تجاه الذات الكثير من الويلات وتزايد الانقسام والتجزئة والضعف وسوء التفاهم الثقافي مع الآخر والدخول في صراع دائم مع المغاير والاشتباك العنيف مع القوى العالمية والقيم الكونية.

لم يكن نقد الفكر الديني الطريق السريع نحو التخلص من هيمنة الدين على مختلف أروقة الثقافة الشرقية وتاريخية المعتقدات والأديان لم تترجم إلى حركة مدنية ترجع النصوص المقدسة إلى طبيعتها البشرية ولم تتجاوز ذهنية التحريم وثنائيات الخير والشر، والإيمان واللاإيمان ولم تتمكن من إنتاج رؤية معيارية بعدية ومن فهم الوضع البشري خارج إطار المقدس والمدنس وفي السياق العادي للتحولات التاريخية والعلمانية.

علاوة على أن محاولات التوفيق بين الماضي والحاضر وبين الأصالة والمعاصرة وبين التقليد والتحديث فشلت بشكل لافت ولاقت امتعاض من الماضويين والمستقبليين ومن الذين يؤمنون بأهمية الاعتناء بالحال الحاضر وعطلت كل التجارب التنموية التي تريد مغادرة التخلف والخروج من التأخر ومقاومة الارتداد.

لقد ظهر بعد ذلك وعي بالمأزق وإحساس بعمق الأزمة وإرادة فعلية للرد على التحديات عبر مدارس نقد النقد ومابعد الحداثة والتفكيك المزدوج والتشريح المضاعف وعلم الاستغراب والنظرية مابعد الكولونيالية ولكن الفوضى الاجتماعية وقع تعميمها وأصبحت تنذر بالخطر والتفسير المنغلق للدين صار هو الملجأ والخلط بين المرجعيات وحرتقة المفاهيم أدى إلى نهاية المثقف وإفلاس السياسي وعودة الداعية والخبير وتصدعت الذات الحضارية بشكل غير مسبوق وبرز زمن الاضطراب واللاّيقين واليأس والبدائل السائلة.

من هذا المنطلق يظل مطلب التخلص من أشكال اللاّتسامح والإقصاء في ارتباط مع القضاء على منطق امتلاك الحقيقة المطلقة والانتماء إلى المذهب الصحيح يقتضي إجراء نقد متكامل للدين والمقدس والعقائد.

أما التسامح الفعلي فهي قيمة حضارية يجدر الاشتغال عليه بين مكونات الفضاء العمومي وضمن مجتمع المواطنين داخل السياق الحضاري وضمن التنوير الأصيل وبعد تنضيج أداة الوعي والنقد الثقافي الملتزم.

التسامح يبدأ بالحوار ويستدعي اللاّعنف ويكرس التفاهم بين مكونات الذات الجمعية ويشيد التوافق البناء والتعاقد الاستراتيجي على الخيارات الوطنية الكبرى التي تؤسس مستقبل الجماعة التاريخية التي تنتمي للوجود البشري وتبجل أسلوب فض النزاعات بالطرق السلمية ودفع النقاشات المصيرية إلى حدودها القصوى وتأجيل المعارك الإيديولوجية الطاحنة إلى مرحلة لاحقة واعتماد آلية الكتلة التاريخية للخلاص.

فماهو المخرج من هذه المراوحات التي أوقعنا فيها النقد الجانبي والتحديث المسقط والتفكيك الفوضوي؟ وكيف يتم بصورة مشروعة ربط التنوير الديني بالتصدي للإرهاب والتطرف؟ ألا يجب العمل على إيقاظ الوعي الذاتي وتفعيل حركات النقد من الداخل؟ وماهي القيمة الإجرائية لمحاولات النقد الثقافي لم تتمكن من مبارحة الصالونات الضيقة ومخابر الجامعات ولم تترجم إلى حركة أنسنة مجتمعية تُقِرُّ التعدد وتقطع مع الإقصاء؟ وكيف السبيل إلى اكتساب القدرة على التحمل من أجل تفكيك اللاّتسامح والاستفادة من النقد؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

احمد الكنانييشعر القارئ لديوان المثنوي بشحنة روحية هائلة ومتجددة كلما امعن النظر في معانيه وتأمل في رسائله التي أراد الرومي ايصالها الى مستمعيه، متسامية ومتجاوزة حدود القوافي، خصوصا تلك التي تبتدأ بحكاية او قصة او عبرة، حيث الدعوة الى مغزى ما تحمله ابياته الشعرية دون التوقف على صياغة الالفاظ او حساب الاوزان، ولعل هذا احد الأسباب التي جعلت من المثنوي يربو على خمسة وعشرين الف وستمائة بيتا من ارقى ما اختطته انامل شاعر في الوجود، اذ كان مهتما بالمعاني دون الفاظها رغم كونها من مقتضيات الصناعة الشعرية، ولم يصرف وقته في إعادة صياغات الفاظ القصيدة والنظر في تراكيبها،وليس معنى ذلك ان المثنوي يبتعد عن الوزن والقافية بل هو متناسق الاوزان والقوافي من دون تكرار او ملل،هي قصائد مغناة تتحسس الموسيقى ماثلة بين بياتها، هو مثنوي العنوان والمعنون بمعنى ان المثنوي هو العنوان الذي وضعه الرومي لديوانه وفي الوقت ذاته هو نوع الشعر الذي نظمه في ديوانه القائم على اتحاد القافية لكل مثنى من الابيات، والمثنوي من جنس الخطاب الملقى على سامعيه، ولم يكن كتابا اختطه الرومي بيمينه في خلواته ليعيد ويصقل في صياغاته البلاغية، وانما هي معان سامية تتدفق من فمه ويتلقفها الكتبة والحفَاظ، وهذا ما يميَز الرومي عن غيره من شعراء الفرس كحافظ و سعدي، حتى قالوا عنه : ان المثنوي قرآن بلغة فارسية، وهذه التسمية لم تأت جزافا بل هي مضمون المقدمة التي كتبها الرومي بالعربية، وقرآنية المثنوي سأقف عليها مليا عند الكلام عن مقدمة المثنوي .

وقد هيمنت شخصيته الفذة المؤثرة على اثنين من مقربيه كانوا كتبة كرام بررة يستنسخون كل ما يتفوه به المولوي و بذات الالفاظ كما تشهد بذلك مخطوطات المثنوي، ولعل ذلك سبب اخر في اخراج المثنوي بهذا الشكل من الدقة والرصانة، اذ كان صلاح الدين وحسام الدين خير ناصر ومعين في حفظ تراث الرومي، وفي خروجه عن عزلته بعد فراقه لشمس التبريزي ومرحلة انقلابه من فقيه كلاسيكي الى عارف صوفي عاشق بحر متلاطم الأمواج لا يهدأ له روع .. ولولا محمد حسام الدين الجلبي هذا لم يكن بين أيدينا سفر خالد اسمه المثنوي .

في مقدمة المثنوي ذات القيمة الأدبية والروحية يقول انه اجتهد في تطويل المنظوم المثنوي ... " لاستدعاء سيدي وسندي ومعتمدي ومكان الروح من جسدي ...ابو الفضائل حسام الحق " . اذن هو كتب المثنوي نزولا عند رغبة حسام الدين، وكان التوقيت في غاية الحسن والجمال لينهي الرومي حياته بأبيات من الشعر هنَ خلاصة ما جاشت به روحه الطاهرة ..

جاء ديوان المثنوي بعد هدوء ثورة الرومي و غزلياته وبعد بلوغه الثامنة والخمسين وفي العشر الاواخر من عمره وهو في قمة نضوجه الفكري وعطاءه الشعري، فتربع المثنوي على قمة الهرم المولوي ليشكل اخر نقطة تحول في حياته .

ثلاثة مراحل قضاها المولوي ليصل الى ما وصل اليه من سمو الروح ليصبح امير العاشقين .

المولوي كان فقيها متبحرا في الفقه قضى شطرا من حياته بين التدريس ومجالس رجال الدين، تلك هي المرحلة الأولى .

والمولوي يلتقي بشمس فتطوى صفحة كونه رجل دين ليتحول الى عارف صوفي عاشق يتدفق الحب من بين جنباته، يشبَه نفسه بطير ماء متسلقا لأمواج البحر الهائج يصعد مع الموج في علاه ويهبط معها في سفلاه :

ما همه مرغابيانيم أي غلام       بحر مي داند زبان ما تمام.

حيث يخاطب متلقيه بأننا طيور ماء بحر والبحر وحده الذي يفهم حديثنا

ولسنا غرباء على البحر ..

والبحر صورة رمزية  تجدها متكثرة في شعر الرومي .

فهو يعتقد انه بحر من المعنويات وهناك جزيرة الرومي والقادم لها يغرف ما امكنه وما اتسع لها ظرفه،

گر شدی عطشان بحر معنوی     فرجه‌ای کن در جزیره‌ی مثنوی

 

تلك هي المرحلة الثانية .

ثم المولوي في العشر الاواخر اكثر هدوءا بعد فراقه لشمس التبريزي، وفي لحظة صمت وتنصت لحسام الدين وهو يلتمس منه كتابا لن يضلوا بعده، ليخرج من عمامته ورقة عليها ثمانية عشر بيتا هنَ  بدايات المثنوي :

بشنو از نی چون شکایت می‌کند      از جداییها حکایت می‌کند  ...

استمع للناي يأخذ في الشكاية    ومن الم الفراق يمضي في الحكاية

ابتغي صدرا يمزقه الفراق              كي ابث شرح آلآم الاشتياق

نائحا صرت على كل الشهود                 وقرينا للشقي والسعيد

... الى آخر الابيات

المهم في المثنوي معاني الحب المتدفق من ذاك العاشق الكبير، اذ لا يخلو دفتر من الدفاتر الست التي تضمنها ديوان المثنوي من إشارات لطيفة من العشق العميق الذي يحمله قلب الرومي للنفس الانسانية ومنها الى العشق الإلهي الاسمى .

فالهمَ الأكبر للرومي هو العشق ولا شيء سواه، وهذه الأرض الخصبة لا يزرع فيها سوى بذرة الحب، هكذا جرى نشيد الحب على لسانه في الغزليات :

بجوشید بجوشید که ما اهل شعاریم              بجز عشق به جز عشق دگر کار نداریم 

دراین خاک دراین خاک دراین مزرعه پاک       بجز مهر به جز عشق دگر تخم نکاریم

فهذا ما لديَ ولا عمل اخر سوى الحب سوى الحب

ولا بذرة لدي سوى الحب اغرسها

في هذه التربة وفي هذه المزرعة الطاهرة .

لازال الكلام في بداياته عن مثنوي مولانا جلال الدين الرومي .

 

احمد الكناني

 

 

 

ضياء نافعالكتاب الاول عن تشيخوف في تلك السلسلة من الكتب الروسية صدر العام 1946، وهو من تأليف يرميلوف، والكتاب الثاني عن تشيخوف في نفس تلك السلسلة صدر العام 1974، وهو من تاليف بيردنيكوف، والكتاب الثالث عنه (وايضا ضمن نفس تلك السلسلة) صدر العام 2010، وهو من تأليف كوزيتشيفا .

الترجمة الحرفية لتسمية هذه السلسلة هي – (حياة الناس الرائعين // البارزين // المشهورين)، والترجمة العربية الملائمة والمناسبة لهذه السلسلة هي – (سيرة حياة الأعلام // العظماء). تصدر هذه السلسلة من الكتب الروسية واقعيا منذ القرن التاسع عشر، رغم انها لم تكن طبعا بمثل هذه الصورة المتكاملة والشاملة، الا انها توقفت بعد ثورة اكتوبر1917، ثم عادت الى الصدور بمبادرة من مكسيم غوركي في الثلاثينات بالاتحاد السوفيتي (ولازالت هذه الكتب تصدر وعلى صفحتها الاولى جملة – اسسها غوركي عام 1933)، واستمرت بالصدور منذ ذلك الحين و الى حد الان، وصدر منها مئات الكتب المتنوعة حول عظماء روسيا والعالم، وهي كتب تقع في مئات الصفحات وذات أغلفة فخمة وجميلة ومتميّزة، وفي كل كتاب نجد عشرات الصور النادرة والوثائقية لتلك الشخصية، وباختصار، فان تلك الكتب تحولت الى مصادر اساسية في المكتبة الروسية حول تلك الشخصيات، وقد وصلت نسخ طباعة بعض اعدادها من (100000) الى (150000) نسخة وحتى أكثر.

موضوعنا هنا هو الكتب الى صدرت عن تشيخوف ضمن هذه السلسلة، وعلى الرغم من ان هذه السلسة تتناول سيرة حياة شخص معين، اي تسجّل وقائع محددة ومعروفة، الا انها – مع ذلك - تختلف باختلاف المؤلف والمرحلة  التي كانت تمر فيها روسيا، وهكذا نجد الكتاب الصادر عام 1946 عن تشيخوف بقلم يرميلوف يحمل خصائص تلك المرحلة السوفيتية، وليس عبثا، ان هذا الكتاب حاز على جائزة ستالين من المرتبة الثانية . يقع هذا الكتاب في 430 صفحة من القطع المتوسط، وقد تم ترجمته الى عدة لغات، منها لغتنا العربية . يصور يرميلوف في كتابه هذا حسب مفهوم سوفيتي بحت سيرة حياة تشيخوف، والتي كانت تعيسة، وكيف انه (اي تشيخوف) كان يبشّر بالمستقل الوضّاء، وهكذا نرى عناوين الفصول في كتابه ترسم تلك الصورة – اذ تبتدأ بفصل عنوانه (في طفولتي لم تكن عندي طفولة)، ثم نجد بعد ذلك (نحن نعيش قبيل الاحداث العظيمة)، ثم نرى بعد عدة فصول فصلا بعنوان - (لا يمكن العيش أكثر هكذا)، ثم يأتي بعدئذ فصل - (السعادة – في المستقبل)، ثم في الختام تقريبا - (مرحبا ايتها الحياة الجديدة). وكل عناوين هذه الفصول مأخوذة فعلا من رسائل تشيخوف او من كلمات بعض ابطاله في قصصه الكثيرة او مسرحياته، وهي منتقاة بدقة ومهارة من نتاجاته ورسائله، وتؤدي بالقارئ الى استنتاج محدد مفاده، ان تشيخوف كان مبشّرا للنظام الذي حلّ في بلده لاحقا، وهو النظام السوفيتي، حيث ابتدأت (الحياة الجديدة !)، التي يقول فيها أحد ابطال تشيخوف – (مرحبا ايتها الحياة الجديدة) كما مرّ ذكره أعلاه. مؤلف الكتاب فلاديمير يرميلوف (1904 – 1965) كانوا يسمونه (الناقد الحزبي)، وكانت كتاباته كلها تؤكد على خط الحزب الشيوعي السوفيتي ونظرته الى الادب، وكان في تلك الفترة مشهورا واسما كبيرا في حركة النقد الادبي السوفيتي، الا ان مؤلفاته فقدت الان اهميتها و قيمتها، اذ اصبح مفهوم (الحزبية في الادب) في خبر كان كما يقول التعبير العربي الطريف .

الكتاب الثاني عن تشيخوف صدر عام 1974، وهو من تأليف بيردنيكوف (1915 – 1996)، الباحث السوفيتي المعروف، ومؤلف العديد من الكتب النقدية حول تشيخوف وتولستوي وغيرهم من كبار الادباء الروس، وهو بروفيسور في جامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا). كتاب بيردنيكوف ذو طابع اكاديمي صرف، وقد وضعه الباحث في قسمين، وكل قسم يحتوي على عشرة فصول . تتوزع فصول القسم الاول بين مدينة تشيخوف تاغنروغ ودراسته فيها، ثم انتقاله الى جامعة موسكو وعمله في الطب والصحافة و كتابة القصص القصيرة و الكثيرة وتأثره بتولستوي وينتهي القسم بالبحث عن افكاره، اما القسم الثاني فيبدأ برحلته المهمة الى سخالين، والتوقف عند جملة جاءت في احدى رسائله تقول، ان الانسان بحاجة ولو الى (قطعة) من الحياة الاجتماعية والسياسية، ويتوقف الباحث في هذا القسم عند الحب لدى تشيخوف (يوجد فصل خاص بحبيبته ليكا ميزينوفا – وهي كاتبة ناشئة، وهناك قصة حب رومانسية بينهما)، وعن حياة تشيخوف بعيدا عن موسكو وعن (السعادة الصعبة) عنده . لازال كتاب بيردنيكوف مهما في مسيرة الدراسات عن تشيخوف في روسيا .

الكتاب الثالث عن تشيخوف صدر عام 2010، ويقع في 847 صفحة من القطع المتوسط، وقد أصدرته سلسلة الكتب المشار اليها بمناسبة الذكرى (150) سنة لميلاد تشيخوف . مؤلفة الكتاب كوزيتشيفا (ولدت عام 1941)  من أشهر المتخصصين في أدب تشيخوف بروسيا في الوقت الحاضر، ولديها عدة كتب عنه، منها كتاب مهم بعنوان – تشيخوف في النقد المسرحي الروسي، ويعدّ كتابها عن حياة تشيخوف ضمن هذه السلسلة واحدا من الاصدارات الرئيسة لدراسة حياة تشيخوف وابداعه، وقد اعيد طبعه عام 2012، ويتميّز بنظرة تفصيلية و شاملة ومتكاملة وموضوعية بكل معنى هذه الكلمات .

ثلاثة كتب عن سيرة حياة تشيخوف صدرت في روسيا، ولكن كل كتاب منها يحمل خصائص تلك المرحلة، التي صدر فيها .

 

أ.د. ضياء نافع

 

نجيب طلالاستدراك: هُنا لا ندافع عن (الوزير) أو نتعاطف معه؛ ولا ننشر غسيلا؛ ولا نتحامل؛ بقدرما نضع سياق المعطيات التاريخية في نسقها الطبيعي الذي كانت عليه؛ كاشفة جانبا من الوجه الخفي الذي يتحَرك جوانية الممارسة المسرحية؛ ذاك الوجه الثاني للاحتفالية و(فقيهها) من زاوية ما نراه؛ وحَسب ما نطقت به الأبواب؛ وليس كيف ما يراه الغاوون؛ وإن كان البعْض ولازال يتعامى ويقفز على عدة محطات أساسية؛ محطات كانت عطبا في صيرورة ومصير الحركة المسرحية ببلادنا؛ فالمبدع الحقيقي أو المثقف الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون معارضًا، فهو الحكيم والعَرّاف والمعالج، وهل ثمة حكيم لا يعارض الحمق والجنون؟ وهل ثمة طبيب لا يخاصم الأمراض ولا يعارضها ولا يفكر في استئصالها؟

إذ مصيبة المسرح المغربي في مملكة رب العالمين ! أنه فرز جملة من العميان؛ أغمضوا أعينهم على بهتان (الإحتفالية) و(صاحبها) إما جهلا أو شراء أو مساومة؛ ولكن لا نبخَس حقَّ البعْض؛ وهم موجودون في كتاباته؛ وإن كانوا على الهامش؛ كمرجع لبناء المضاد من القول. لأن هنالك أجيالا تعاقبت وممارسون مسرحيون؛ أفرزتهم مرحلة الثمانينيات وما بعْدُ من (ق، م) لا تمتلك مصادر الخيوط المتشابكة والتي تلاعَبتْ وساهمتْ إلى أبعَد الحُدود في تضبيب تاريخية الحركة المسرحية؛ لأن الإشكالية تكمن في عمق العملية المسرحية ببلادنا وذلك: بسيادة مفاهيم ومقولات خاطئة كثيرة؛ انتشرت بين الناس ولا تزال عالقة في أذهانهم؛ وبات من الضروري وضعها على طاولة الفحص والمعاينة الموضوعية بعيدا عن الأدلجة وقولبة الأمور(1) هذا سعينا له فيما مضى؛ ولكن انطلاقا من التدوينة التالية ((شيخ ما تسمى الاحتفالية كان رئيسا للجنة الدعم السينمائي ويدعو لمحاربة الدعْم المسرحي))(2) فتحت لنا بوابة النقاش؛ فثارت ثائرة الأخ – عبد الكريم برشيد – ولم يستحمل هاته الإشارة؛ التي كان بإمكانه مناقشتها بهدوء؛ وفي سياق جدل مُعقلن؛ لكن وصلتْ به سفائف الأمور من خلال ردوده علينا. ردود متشنجة ومنفلتة عن عقالها لفقيه (الاحتفالية) الذي أضحى يجتر ما قاله سنوات وسنوات؛ ونفس الخطاب يتردد في ردوده؛ وقبل هاته الردود. وإن سعينا نقاشه فكريا وفلسفيا؛ لكِن عُقدته التي يتحَرك فيها هي الدعم المسرحي (؟) الذي لم يعُد يستفيد منه كل سنة وبانتظام ؟ وعقدته الثانية تتشكل في وزير الثقافة الأسبق- محمد الأشعري- (؟) ومن خلال هاته العقدة (المتفردة) اتهمني بالحرف بأنني مُسخَّر من طرف (الوزير) ؟ عجائب حتى في الوهْم ! ومنه قال: (...والمهم هو البحْث عن أرض غير أرض عَرفتُ فيها الحصار من طرف سيِّدك وولي نعمتك المدعو محمد الاشعري.... كما أن مسرحيتي (يا ليل يا عين) والتي لم تكن مدعمة من وزيرك، والتي أقصيت من المهرجان الوطني بتطوان، ذهبتْ الى المهرجان الدولي بالجزائر.... وفي تلك الأيام السوداء، والتي حاربت فيها وحدي، كان الجميع يتفرج ويتغذى ويتعشى على مائدة الوزير، أو على فتات مائدته التي هي من المال العام...)(3) فهذا القول: هل يمكن أن يصدر ممن يَدَّعي التنظير؟ ولكنه صَدر من [ عبدالكريم برشيد] أمثل هذا الكلام التافه؛ ألا يفرض الضحك والتفكه، وضرب الأنخاب ! على أنه فعلا أمْسى الحمق أو الجنون يدنو بشكل علني لفقيه (الإهتبالية) لأسباب لا عَلاقة لي بها شخصيا (؟) ولكي نستوعب أبعاد عقدته مع (الوزير) حينما سيتمعن المرء في هذا المقطع الذي له ارتباط تاريخي ب (الإحتفالية) لأنه لا يمكن تمفصل الماضي عن الحاضر(افتتحت المندوبية الإقليمية للثقافة بالخميسات يوم 9/7/1996. وكان عبد الكريم برشيد أول مسؤول إداري تم تعيينه لتسيير هذه المندوبية.لكن في غشت سنة 1997 تم الاستغناء26عن خدماته. مازالت أسباب وتفاصيل هذا الاستغناء الموثقة غير معروفة، لاسيما وأن هذا الاستغناء كان لفترة محْدودة . فقد عين عبد الكريم برشيد على رأس هذه المندوبية مرة أخرى سنة 1999.وقد كان تسليم المهام يوم الجمعة 29 يناير 1999.هذه العَودة الثانية كانت لما كان محمد الأشعري وزيرا للثقافة. بقي عبد الكريم برشيد في موقعه الإداري هذا إلى حين حصوله على التقاعد الوظيفي بداية سنة 2004. ويبدو أن عبد الكريم برشيد كان يرغب في التعاقد معه من أجل الاستمرار في المنصب الإداري، لكن رسالة "شكر وتقدير" بعد الإحالة على التقاعد، موقعة من قبل وزير الثقافة السابق السيد محمد الأشعري ومؤرخة ب 26 ابريل 2004 وضعت حدا لهذه الرغبة(4) طبعا هاته الفقرة سيؤولها كعادته؛ ولقد أوَّلها باتهمنا وبكل وقاحة (وعليه، فإنني أدعُو للارتقاء بهذا السؤال البوليسي والاستخباراتي، حتى يصل الى درجة العلم والفكر، وأن يناقش الافكار الرمزية بدل ان يبحث في اسرار الناس الخفية، وان يظل في حدود النميمة الثقافية)(5) فهل الذي يُنظر أو يدعيه؛ يتهم من يحاجج بالأدلة والبرهان؛ باتهامات (تلك) والتي عِشناها في زمن الرصاص والحصار؟

ما نطق به التاريخ:

الملاحظ أن المونوغرافية أغفلت السؤال الجَوهري؛ هل كان – برشيد- تابعا لوزارة التربية الوطنية كمدرس للغة العربية؛ أم تخلى عن وظيفته ليصبح موظفا في وزارة الشؤون الثقافية وقتئذ؛ أم كان ملحقا بها (أو) متعاقد ا معها ؟ إذا ما نظرنا أنه في سنة 1983 كان مستشارا لوزير الثقافية السيد [ سعيد بلبشير ] وبعْد ذلك تقلد منصب {مندوب عام } في عهد الوزير السيد[ محمد بنعيسى] وعين بمدينة (مراكش) وكان يدافع بشراسة عَن الوزارة وأنشطتها. ومن الحنين المفقود؛ توحي لنا خَرجاته بأنه يستمرأ حلاوة دهاليز وزارة الشؤون الثقافية. وموارد ثرواتها ! كما أشرنا؛ حينما يتأمل المرء ردود أو حتى خطاب فقيه (الاحتفالية) يستشف الاجترار والتكرار؛ وإنتاج نفس الخطاب هنا وهناك؛ بحيث يحفظ ذلك عن ظهر قلب ويعيده !! متوهما أن الناس لا تدون في ذاكرتها ومفكراتها ما يقال. ونعْطي مثالا للذين يتدخلون؛ وهم لا يقرأون ولا يعرفون ما دوَّنه مولاهُم (برشيد) في نشرة ربيع المسرح (... إن هذا الربيع؛ قد واكبته وجوه وأقنعة؛ واكبته نماذج بشرية حقيقية وأخرى مجرد دمى قرقوزية؛ فقط دُمَى تحركها عصي أو خيوط خفية. ولذلك فقد كان هناك من فضل الوقوف في العتمة، مكتفيا بتحريض بعض(الصحفيين)على الكتابة؛ ولعل علاء الدين محسن هو خير مثال على هؤلاء... فهو دخل حربا ليس له فيها عاطفة ولا نافطة. الشيء الذي يفجر الأسئلة التالية: وهذه الكتابة لمن؟ ولحساب من؟ وما هُو ثمنها؟)(6) نفسه قيل في حقنا؛ وفي حق الفنان عبد القادر البدوي؛ ولكن بصيغة أخرى وهذا موثق في النشرة؛ وقبل هذا وذاك؛ لنتأمل المفردات القدحية والمجترحة عن القيم الأخلاقية والمعرفية والحاملة لنوايا السوء؛ والتي تكشف (أنا ولا أحد) وبالتالي فكل من مارس رأيه: يعتبره حَربا ضده: سبحان الله. فالصحفي علاء الدين محسن والمسرحي البدوي؛ أليس من حقهما أن يعَبرا وينتقدا – مهرجان ربيع المسرح العربي؟ وللعلم أن هذا المهرجان كان تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية التي كان وزيرها: محمد بنعيسى؛ وضمنيا كانت أيادي حِزب: الأحرار منوجدة فيه؛ والذي كان مندوبه العام ؟ عزيزهم - برشيد- والمضحك أنه يدعو بالحرف (...وأن يكون هذا الحوار بيننا واضحا وشفافا؛ يظهر الأشياء وما خلفها ويرفع الحجاب عن المسكوت عنه؛ ويجهر بالمهموس به. وأتساءل الآن؛ ومن حقي ذلك: هل هناك من يخشى مبدأ الحوار؟)(7) التاريخ يسجل من كان يخاف ويُرهبه مبدأ الحوار؛ وبالتالي فاحتفالية (تلك) المفرد في اللآجماعة؛ تتوهم أنها نظام/ مشروع شمولي ! ولاسيما أن الاختلاف ممنوع في الأنظمة الشمولية؛ لكي لا يبحث المرء عن الحقيقة؛ وحقيقتكم تكمن في مسار تاريخكم الذي لا يتمفصل عن اهتباليتكم؛ التي كانت تسعى ممارسة الإرهاب المسرحي بأساليب خاصة؛ وبلغة ماكرة؛ أساسها تحريض زبانية من كانوا يتلهفون للسفريات والإكراميات لممارسة التصدي لأي حِوار كاشف وغير مهادن؛ لكن حمدا انتهت تلك الزبانية؛ وانقلب السحر على الساحر حَسب قولك:... ووجدتُ كثيراً من أصدقائي ورفاقي القدامى يُساهمون في الحملة على شخصي وعلى تجربتي المسرحية وعلى الاحتفالية، تنظيراً وإبداعاً وتاريخاً، وسار في رِكاب هذه الحملة الصليبية أو المتصابية كثيرٌ من الصحافيين وكثيرٌ من المنابر الإعلامية المأجورة، وكانت النتيجة بعد ذلك، أنَّ هذا الوزير سقط في الانتخابات سقوطاً مدوياً، ولعنَته الجماهير في التجمُّعات الانتخابية، وتبرَّأت منه الدولة (**) وسحبت من تحت مؤخرته كرسيَّ الرئاسة، وألقت به إلى مزبلة التاريخ (8) فتحليل هذا الكلام يحتاج لصفحات عِدة؛ ولكن نختصره بأن أغلب الذين كانوا احتفاليين/ مصلحيين افرنقعُوا عَن { الوالي وموسمه ! } بعْدما انتهت مُدة صلاحية البضاعة (الفنكوشية) وهَذا طبيعي؛ لأن (الاحتفالية) ظهورها بُنيَّ على باطل لأسباب سياسية مُدمجة في الفعل المسرحي؛ في أواسط السبعينيات من (ق؛ م) تلك الظرفية التي كانت متسمة بالاحتقان والتوتر، فمن خلالها تقوى المسرح التجريبي/ الهاوي؛ وأمسى وسيلة فنية وجماهيرية للنضال. ولاسيما اندماج الفصيل الطلابي بشكل مكثف وحضور الأحزاب التقدمية واليسارية بشكل أو آخر في الجمعيات المسرحية؛ فمن الطبيعي أن يتم البحْث عن صيغة للاختراق والتشرذم؛ فكانت (الإحتفالية) لتمييع المسرح من توهجه وحَركيته إلى نموذج كرنفالي/ شعْبوي: يُفعِّل أشكالا ما قبل التاريخ (البشري) مما أبيح لها أن تتحرك (كذلك) بين ملفات ودهاليز وزارة الثقافة؛ بحيث كان (الحضور المتكرر لأسماء تتقاسم مع عبد الكريم برشيد رؤيته للمسرح..... وانطلاقا من معطيات أخرى، يتضح أن عبد الكريم برشيد لم يكن يتصرف باعتباره مندوبا إقليميا يزاول عملا إداريا، يفرض عليه مراعاة اختيارات الدولة فقط، ولكنه كان يتصرف كذلك بوصفه صاحب "تنظير" وهَذا هو السبب في تردد ... لإلقاء ما كانوا يسمونه "محاضرات" وهي في الواقع العملي عبارة عن كلام مرتجل، كله إطراء لعبد الكريم برشيد ودفاع عَن" التنظير" وبطبيعة الحال بمقابل مادي يستخلص من ميزانية وزارة الثقافة (9) هُنا من سمح له بالتصرف في المال العام؛ أليس (الوزير) الذي يقوم مقامه في المدينة ؟ أليس مدير ديوان الوزير له العلم أن – برشيد- كان يعمل على استمالة فعاليات محلية بدعْوتها إلى المشاركة في "ندوات" أو إلقاء "محاضرات" أو أشعار وزجل. وكانت هذه الفعاليات تبدو مدافعة عن عبد الكريم برشيد و"التنظير" رغْم أن كثيرا من هذه الفعاليات لا عَلاقة لها بالمسرح (10) أليس الأمر يدعو للاستغراب؛ لأن تلك المعطيات من واقع معاش؛ وفي فضاء معلوم؛ لكن الأخطر في بقية الهامش؛ صور سوريالية من صانعها ؟ كمحاولة لإبقاء- برشيد- في الوزارة بأسلوب التمديد: (لكن هذا الدفاع زال بعْد استقرار عبد الكريم برشيد بمدينة الدار البيضاء لما أحيل على المعاش ابتداء من سنة 2004 باستثناء واحد مازالت مصلحته مرتبطة به. وقد بعثت مجموعة من هذه الفعاليات رسالة رسمية إلى وزارة الثقافة تلتمس من خلالها التمديد لعبد الكريم برشيد على رأس المندوبية الإقليمية لوزارة الثقافة بالخميسات. هذه الرسالة كانت "من رؤساء الجمعيات الثقافية" وأسفل هذه العبارة وردت عبارة "مثقفي إقليم الخميسات" حسب الرسالة. وهي صيغة عامة لا تعكس الحقيقة، إذ لم توقعها على سبيل المثال "جمعية الجرس للمسرح والموسيقى" وجمعية "مسرح نون" ووقعها أحدهم بوصفه " فاعِلا جمعَويا " حسب الرسالة. أما آخر فوقعها مرتين وبصفتين. الصفة الأولى هي:" مثقف وزجال وباحث" والصفة الثانية تتعلق بمسئولية إدارية هي "مدير مركز اليونسكو بالمغرب" ولذلك فصفة "مثقف" لا توجد إلا بالنسبة إلى هذا الشخص في الرسالة. ومع ذلك استعملت في هذه الأخيرة عبارة "مثقفي إقليم الخميسات" وأنا هنا أسجل الوقائع النصية فقط..(11) وبدورنا نسجِّل ما نطق به التاريخ ! لكي يفهم أي مهتم كيْف نمت (الاحتفالية) وكيف كانت حَركية المسرح المغربي من خلال الوجه الثاني؟ لمحاولة القبض على منطلق الخيط المتشابك؛ ممن يعتبرهم البعض رموزا مسرحية !! وبالتالي فعدم التمديد تحَول إلى وهْم الصراع مع الوزير:

ما جاء في احتفالية الوزير:

منطقيا ليس كل الرغبات الخارجة عَن طبيعتها أو قانونها؛ يمكن أن تتحقق. لكن السيد – برشيد- يريد أن يكون كل شيء؛ وجوانية الأشياء كينونته؛ لكن توقفت كينونته بعَدم التمديد. والغريب جدا أنه اعتبره قرارا أحمقا و مضحكا !!  إذن " فكُل من أحيل على التقاعد (عليه) أن يعلن حَربا ضد إدارته " وفعلا أعلنها حربا(دونكيشوتية) معلنا أنه تعَرض للحصار(ولكلِّ أنواع الإبعاد والتهميش والإقصاء، وما زالت تداعيات ذلك الحصار الجائر والظالم تلاحقني إلى اليوم، وكلُّ هذا لماذا؟ فقط لأنَّني كاتبٌ يكتب، بمداده وقلمه وبأفكاره.... كلَّ هذا الخوف المرضي، من الكلمة وأهلها، لم يأت من أهل الجاه والسلطان، ولكنَّه أتى من مثقَّفٍ قديم وغشيم... مثقف تسلق أعتاب وسلالم السلطة، بدل أن يرتقي مدارج الخلق والإبداع، وفي لحظة حمقاء وعمياء وصمَّاء...أصبح هذا المثقَّف المتسلِّق مسؤولاً كبيراً في غفلة من العقل والمنطق، وبين ليلة وضحاها، ومن غير مقدِّمات ولا حيثيات، ومن غير أهلية ولا خبرة ولا شواهد علمية، وجد نفسه وزيراً، يقول كلاماً تافهاً ويسمع السامعون، ويأمر أوامر قرقوشية ويطيع الطائعون، ويصدر قرارات حمقاء مضحكة ويصفِّق الهتاَّفون.... وقد وجدتُ نفسي بعد ذلك أدفعُ ثمن صدقي، ووَجَدتُ الكذَّابين والمنافقين والمتملِّقين ينالون الجَزاء الأوفى (12) هنا نتساءل قبل أن يكون رئيسه في وزارة الثقافة؛ كان رئيسه في اتحاد كتاب المغرب عام 1989 وبقي على رأسه لثلاث ولايات متتالية. آنذاك هل كان قبل أن يصبح وزيرا: يقول كلاماً تافهاً ويسمع السامعون، ويأمر أوامر قرقوشية ؟ هل فعلا كان مثقَّفا قديما وغشيما ؟ ألمْ يرتقي مدارج الخلق والإبداع ؟ إذن كيف أصبح رئيسا للاتحاد ؟ بغض النظر عن الملابسات المتداخلة بين الأحزاب واتحاد كتاب المغرب (أنذاك)؟ الإشكالية هاهنا؛ تفرز لنا الخط البياني للحَركة الثقافية والمسرحية ! لأنه في ظاهركلام (الإحتفالي) يبدو أنه هجوم وحَرب ضد الوزير السابق محمد الأشعري، وتعْرية أوراقه ! بالعكس فالوضعية تتخذ خطين محورهما (الاستغناء عنه/ تقاعد) -

1) لفت الأنظار على أنه الأحق بوزير الثقافة في المغرب عوض الأشعَري؟ وهذا ما هَمس وصرح به العديد من المثقفين أنذاك. لأن طموحه كان كذلك؛ وبالقرينة ينتهي أي تحليل وتفسير بحيث يقول: من خلال سؤال مفاده: هل تقبلون في يوم ما بتقلد منصب تيقنوقراط في وزارة للثقافة ؟: كان من الممكن أن أقبل؛ لوْ أن هذا كان قبل عشر سنوات؛ أم الآن؛ وقد أصبح وضع الثقافة المغربية مميعا بالصدقات والعطايا وبالصفقات المشبوهة؛ وأصبح للإبداع الأدبي والفني سوق كبير؛ وأصبح لهذا السوق تجار و سماسرة يفهمون في الأرقام ولا يفهمون شيئا في الأفكار والمعاني؛ فلا أعتقد أنني من الممكن أن أقبل. ولقد أعلنت مؤخرا انسحابي من هذه الوزارة، ووضعت في اعتباري الحقيقة التالية؛ وهي أنه لا وجود اليوم لشيء يسمى وزارة الثقافة في المغرب (13) لنتذوق ما بين الحروف؛ ليفهم اللبيب والمتمكن في أسرار اللغة؛ حقيقة المضمر من الحوار ! ولكن الجميل أن منطوق وهْم (الأنا) حاضرة بقوة في لفظة أعْلنتُ (انسحابي) وإن كان في الأصل (تقاعدا) فلماذا يطلب الاعتذار من الوزارة مادام أنه انسحب منها؟:(... ويعتقد أن من حقه على تلك الوزارة أن تعتذر له وأن ترد له اعتباره بعْد عشر سنوات من الإقصاء" (14) والمضحك . لماذا الاعتذار من أصلِه إن كان ينفي وجود (الوزارة) أساسا؟ (...وضعوا في أذهانكم أنه لا وجود في هذا المغرب الجَديد لأي شيء يمكن أن يسمى وزارة الثقافة، وما هو موجود هو مجرد ملحقة تابعة لحزب سياسي، وذلك في هذا المغرب الغريب، والذي أصبح يقترب من أن يكون لكل عشيرة فيه حزبها الخاص(15) فهذا القول فيه ما فيه منَ لعبة { العصيان الثقافي} مبتغاه الحقيقي هو إضفاء صفة المتمرد والمنقذ للثقافة المغربية من براثين الفساد من رجل/ مسرحي (لكنه) متماه مع السلطة. ولاسيما أنه يصرح علنا (...ولقد كنت دائما ليبراليا متحررا، ولم يُسجل علي يوما أنني كنت اشتراكيا أو ماركسيا، فأنا لا أومن بالطبقية، ولا بالصراع الطبقي(16) تصريح جميل؛ ولكن الأجمل أنه لم ينجَر أو يتبعه أحَد في أوهامه؛ معتقدا أن المسرحيين المغاربة سيجسدون (فاوست) المؤمن بالأوهام التي قد تكون معرية ولها غوايتها، تلك الأوهام التي يُشكِّلها ويغُلفها الشيطان بالجمال الثقافي والاجتماعي، لكي يبيع فاوست نفسه للشيطان في لحظة ضعْف ! ومن هذا الباب انفضت وافرنقعتْ جَوقة (الاحتفاليين) ولاسيما أن هذا العصيان أصدره قبل سنوات في وثيقة عنونها ب (المسرحيين المغاربة.. المسرح المغربي: فشلُ سياسة أم فشلُ مرحلة؟) وفصلنها نحن تحت عنوان(اهتبالية وثيقة المسرحيين)(17) فمن خلال هاته الوثيقة؛ نقبض على الخط الثاني من خفايا(التقاعد) وليس(الانسحاب) كما يدعي :

2) ضمنيا شكوى وانحناء؛ للجهات المسؤولة . لأن الأمر لم ينحَصر مع الوزير السابق- الأشعَري- فلو كان كذلك؛ نجد مبررات وتخريجات مقبولة؛ بل: (بدا متحاملا على وزارة الثقافة كإدارة، واعتبر الكلام القائل بتكريم الفن والمرأة المغربيين بتعيين جبران وزيرة للثقافة "مجرد إنشاء، والأساسي في نظره هو النتائج"، مشيرا إلى أنه "لا يقبل أن يكون أي شخص على رأس أي وزارة إذا لم يكن منفتحا وله علاقات جيدة"(18) وبلفظة ليست عابرة نستشف المواربة والمداهنة (...ويبقى أن يكون لها طاقم من الذين لهم غيرة حقيقية على الإبداع والثقافة المغربيين(19) هنا لم تتم الاستجابة لشكواه؛ فتحامل على الذي بعْدها(... آملا أن يهذي الله "إخواننا الرفاق" حسب قوله، وأن "يترفقوا بنا وبالثقافة المغربية" وأن "يستحيوا مما يفعلون".... وليس مِلكيَّة باسم التقدم والاشتراكية..... يتضح أن برشيد يقصد بكلامه وزير الثقافة المحسوب على حزب التقدم والاشتراكية المنتمي لحكومة بنكيران(20) يبدو لي: فهذا ليس شكوى ولا تحاملا؛ حَسب الاستنتاجات بل أراد أن يكون معمرا (ك)[سيدنا نوح ]عليه السلام في قلب وزارة الثقافة والاتصال ؟ وبالتالي فهل (المنظر) ينزل لهذا المستوى من الانحطاط الثقافي والسلوكي؟ أين العزة والكبرياء ؟؟

قبل إقفال الباب:

الوزير السابق؛ ولج غمار الكتابة المسرحية؛ هل غواية أم هواية أم نكاية ؟ فألف نصا [اشكون أنت ؟](21) تلك مفاجأة ؟ إذ اعتبر البعض العمل أنه ينتقد استبداد السلطة؛ والبعض اعتبره محاولة (لتفكيك الأبعاد النفسية لجنون السلطة من خلال نموذج حي ...وأبعد من فضح تداعيات ممارسة السلطة وتجلياتها في من يخضعون لنيرها، ينحو نص "شكون انت؟" لاعتبار مجنون السلطة أول ضحاياها، إذ ينتهي إلى أكل نفسه بعد أن تخونه تقلبات الزمن السياسي وتلقي به إلى الهامش، وينحدر إلى درك الريبة والوساوس والهلوسة الفصامية، وصولا إلى موت نكرة (22) إذ المسرحية في عرضها كانت مناسبة لعبد الكريم برشيد؛ أن يشحذ أفكاره وبلاغته؛ تجاه العمل وقبل أن يصنفه خارج (الإحتفالية) ولا يمثل المسرح المغربي في شيء؛ كان عليه أن يعَري جملة من الملفات ضد الوزير؛ لكن ربما وجد نفسه معني/ مقصود: في سياق العمل؛ ولم يقترب إليه بالنقد ؟ لأن المسرحية أساسا ليست محاكمة سياسية بل تأملا في تراجيديا السلطة التي تصنع وحوشاً؛ وبالتالي يقول: عبدالمجيد الهواس، مخرج المسرحية (إن نص الأشعري يتقدم بسؤال جوهري عبر العنوان: “اشكون انت؟ سؤال فلسفي وجودي يتمركز حول الهوية. “إن سؤال: “من أنت؟” يخفي ضمنيا سؤال “الأنا”؟.. الأنا المتعددة والملتبسة والتي تبرز في شخصية رمسيس. يقدمها لنا الكاتب في طبيعتها المتحولة. إننا أمام رمسيس1 ورمسيس2 وربما هو شخص ثالث. لعبة الأصل والنسخة .... يتحول هذا السؤال إلى مادة جوهرية لاشتغالنا، فهو يقودنا إلى لعبة المرايا التي تصبح جوهرية في تصميم الفضاء ومن تم فإننا نرى في "الانعكاس" الصورة الدفينة للشخصية...(23) تلك الشخصية هي (رمسيس) لأن الوزير السابق؛ لم يرد ولو بكلمة على تهجمات صاحب (الإحتفالية) ربما ترفعا لمقامه؛ أو كان يستجمع طريقة الرد على (باب الوزير) بأسلوب مسرحي؛ لأن العمل وفي مؤتمره الصحفي الذي عقد في نادي الصحافة بحضور مخرج العرض، قال الأشعري:(إن العمل بدأ في التسعينيات كنص ذهني ونوع من التفكير في تراجيديا السلطة التي تصنع وحوشاً، وذهب إلى محاولة كتابته في تلك الفترة، لكن عَدم توافر المسافة الكافية حول الظاهرة وأيضاً لدواعي فنية تأجل المشروع ليعود منذ سنة ونصف السنة لإنجازه، وقد قارب من خلاله علاقة وحش السلطة بالآخرين بنفيهم من حقهم في التعبير والوجود أيضاً، وأضاف إنه لا يعتبر المسرحية التي كتبت بسخرية سوداء محاكمة سياسية، بل هي عبارة عن تأمل في ظاهرة إنسانية، فالوحش تغذى من نفسه ويأكل نفسه ويولد من نفسه (24) من هو الوحش هل الممارس للسلطة أم الباحث عنها؟ المفارقة أن المسرحية قدمت مواقف سياسية كذلك من خلال التركيز على شخصية (رمسيس) وبالتالي(مسرحية “شكون أنت؟! تضعنا أمام بورتريه لشخصية رمسيس الغامضة المركبة “إنه فرعون صغير خبر وتدرج في الدهاليز المظلمة للحكم (25) وفي تقديري بما أن الإحتفالية أكذوبة تنظيرية؛ فصاحبها من خلال طروحاته يبدو شخصية غامضة .....

 

نجيب طلال

..............................

إحالات:

1) ثورات القرن الماضي بين الحقيقة والتزييف:لحواس محمود في مجلة رصيف 22 بتاريخ 26 /01/2019

2) نشرت في جداريتي بتاريخ - 03/10/2018

3) رد عبدالكريم برشيد في جدارية – جناح التهامي- في 04/10/2018

4) منوغرافية: تاريخ الممارسة المسرح بمدينة الخميسات - ص16 إنجاز الباحث (أ. ب) سنة 2007

5) رد عبدالكريم برشيد في جدارية – جناح التهامي- في 08/10/2018

6) نشرة ربيع المسرح العربي عدد6/7 ركن - في الشفافية المسرحية - 4 - ص14- بتاريخ 29/06/1990

7) نفسها

(**) عينه الملك الحسن الثاني وزيرا للثقافة في حكومة "التناوب" بقيادة عبد الرحمن اليوسفي في مارس 1998

وجدد الملك محمد السادس تعيينه - في تعديل للحكومة المذكورة- في وزارة الثقافة، وأضيفت له حقيبة الاتصال

(وزير الثقافة والاتصال) ثم عينه وزيرا للثقافة في حكومة إدريس جطو في 2012

8) المسرح حاجة لكن يمكن تزييفها - حوار مع عبد الكريم برشيد: في صفحات سورية حاوره/ أنوار محمد بتاريخ 5/04/ 2009

9) منوغرافية: تاريخ الممارسة المسرح بمدينة الخميسات - ص18/19

10) تاريخ الممارسة المسرح بمدينة الخميسات - من هوامش منوغرافية تحت عدد34:

11) نفسها

12) المسرح حاجة لكن يمكن تزييفها – حوار مع برشيد: في- صفحات سورية - حاوره / أنوار محمد

بتاريخ 5/04/ 2009

13) مجلة اتحاد كتاب الأنترنت المغاربة- حوار مع برشيد أجراه: عبده حقي في 12/05/2015 14) وجهات نظر المثقفين في استوزار ثريا جبران: بقلم حكيمة أحاجو/أسبوعية المشعل في 19/11/2007 15)المسرحي برشيد يُطلق النار على وزير الثقافة - الكاتب: رشيد صفر- صحيفة أنفاس: في 09/06/2014

16) انظر حواره في مجلة الهيئة العربية للمسرح بتاريخ 24/ 07/2012

17) تصفح: اهتبالية وثيقة المسرحيين بقلم: نجيب طلال صحيفة دنيا الرأي في 10/12/2008

18) وجهات نظر المثقفين في استوزار ثريا جبران: بقلم حكيمة أحاجو/ في أسبوعية المشعل 19/11/2007

19) نفسها

20)المسرحي برشيد يُطلق النار على وزير الثقافة - الكاتب: رشيد صفر- صحيفة أنفاس: في 09/06/2014

21) اشكون أنت ؟ عمل أنجزته فرقة مسرح أفروديت من إخراج [ عبد المجيد الهواس] سنة 2013

22) موقع الجزيرة "شكون انت؟".. فنتازيا تسبر أعماق المتسلط بقلم نزار الفراوي- الرباط- في 17/02/2013

23) موقع كود-“أفروديت” تجر محمد الأشعري إلى المسرح. الأشعري يصفي حساباته السياسية على الخشبة في 22/01/2013

24) مجلة سيدتي:وزير مغربي ينتقد الاستبداد في مسرحية متابعة  فتيحة النوحو في 19-01-2013

25) عبدالكريم الجويطي موقع كود-“أفروديت” تجر محمد الأشعري إلى المسرح. الأشعري يصفي حساباته السياسية

على الخشبة في 22/01/2013

 

علجية عيشيؤكد علماء السياسة والإجتماع أن تنظيم العدالة الإجتماعية داخل نطاق دولة وطنية متوقف على ضمان ثلاثة حقوق وهي الحقوق المدنية، الحقوق الإجتماعية والحقوق السياسية، هذه الحقوق حددها جون راولس john rawls وهو من أبرز المفكرين السياسيين في أمريكا في كتابه "نظرية العدالة"، وبغض النظر عن الحق في العمل وفي التأمينات الإجتماعية وفي الحصول على حد أدنى من الدخل المضمون وحق الملكية الشخصية، قال راولس أن هذه الحقوق تعني الحريات المُكَرَّسَة في البلدان الديمقراطية مثل حرية التعبير وحرية الإنتماء للجمعيات، أي حرية الشخص وحمايته من الضغوطات النفسية ومن الإعتداءات الجسدية، وحق حمايته من التوقيف والإعتقال التعسفي، وحمايته من عنف النظام السياسي للدولة وتعسفها، وبهذه الحقوق يصبح هدف العدالة ضمان الحرية في أفق نظام حقوقي بنظم توافقية جامعة لكل الحريات الفردية، وهذا يعني تحقيق العدالة السياسية، التي تعطي للفرد حق المشاركة.

لقد أطلق جون راولس على حقوق المشاركة اسم حقوق المواطنة les droits de citoyennete، وحق المواطنة كما يرى هو لا تقتصر عند الحصول على حماية اجتماعية أو مدنية بالمعنى الشامل للكلمة، بل تتمثل في ضرورة حق اكتساب حق المشاركة الفعلية والفعالة في صياغة القرارات التي تهدف إلى تنظيم الحياة الإجتماعية، اي ممارسة الحرية في المجال السياسي وهو الإنتخابات وحق اختيار من يمثل الشعب واتخاذ القرارات، ومعاقبة من انتهت عهدتهم متى حلت انتخابات جديدة، لكن الإرادة الشعبية غير موجودة، وإن وجدت فهي شكلية، لأن السلطة نشرت أجنحتها في منظومات وشبكات داخل مؤسسات ( البنوك، الجامعة، الجيش، النقابة، الإعلام بما فيها المنظومة التربوية)، أي شكلت " لوبي" ما جعل النظام السياسي في مفترق الطرق بين القوى ومراكز النفوذ، إنَّ السياسية كفن للهيمنة هي تأجيل ضمني، هي تقنين لأية حقوق ممنوحة للمواطن بما هو كذلك، لا لشيء إلاَّ لكون المواطنة مفتوحة بدرجة تسمح باستيفاء دلالتها على نحو عام، إذ بدون فهم وممارسة تاريخية المواطنة، يستحيل التحدث عن أية فاعلية سياسية لها.

وقد تحدث جان مارك فيري في كتابه "فلسفة التواصل" ترجمة الدكتور عمر مهيبل عن أفكار جون راولس، حول المواطنة، حيث قال هذا الأخير (جون راولس) أن فكرة المواطنة نشأت وفق نماذج مستلهمة من ساحات القتال وبعد ذلك من المسرح ثم الساحة العامة أو المجلس (فوروم) أو من الأغورا agora، والأغورا اسم يطلق على الساحة العامة التي كانت مجالس السياسة والنقاش في المدن الإغريقية تنعقد فيها، وهذا يتطلب إعادة النظر في الخطاب السياسي وإضفاء عليه الشفافية، في تحليلاته اعتمد جان مارك فيري على نظرية العدالة التي تحدث عنها جون راولس للبحث عن ماهية المبادئ العامة التي يمكن لأعضاء جماعة سياسية ما، مهما كانت الإختلافات فيما بينها في وجهات النظر أو بين المصالح من أجل بلوغ مجتمع عادل، دون أن يكون كل طرف مضطر للتراجع عن قناعاته أو توجهاته الخاصة، وكعينة ما يحدث الآن في الجزائر وفي دول أخرى التي تعيش أجواء الإنتخابات، فالجميع يسعى إلى تحقيق أهدافه دون التفكير في مصلحة الشعب، حيث شهدت الساحة السياسية نوعا من الفوضى بين مؤيد ومعارض لترشح الرئيس الجزائري لعهدة جديدة، إذ يرى معارضوه أنه من غير العدل أن يترشح رئيس مقعد على كرسي متحرك لإدارة شؤون البلاد، بحكم أن هذا القرار مخالف للدستور، لأنه لم يعد بالإمكان الإستمرار في خداع المواطن والضحك عليه باسم الإستمرارية والمصالحة الوطنية وما إلى ذلك، وعلى الشعب أن يحدده موقفه من هذه الإنتخبات.

 الأمر طبعا لا يتعلق بالجزائر فقط، وإنما بالعالم كله وبخاصة الدول العربية التي لخصت مشهد الديمقراطية المزيفة والمثيرة للضحك، ولا شك انها ستمر بدون اهتمام الناخبين، المؤمنين بإيديولوجيات متعددة لاسيما دعاة التغيير السياسي، يقول جان مارك فيري أنه في المجتمعات جرت العادة أن تضم مدونة الحقوق الأساسية الحقوق المعنوية droits moraux التي تمكن الدول من التطلع إلى بلوغ مرتبة الديمقراطية وبدون هذه الحقوق لا يمكن الحديث عن العدالة السياسية، المرتبطة فعليا بالإمكانيات الممنوحة لكل واحد بوصفه مواطنا للتعبير عن رأيه بحرية، غير أنه في ظل التغيرات لا شك أن انتخابات 2019 في العالم كله ستؤثر لا محالة على الأوضاع الجيوسياسية والجيواقتصادية في العالم، وبالتالي يفقد الشعب إيمانه بالديمقراطية وبالعملية الانتخابية، وتُعرض حقوق الانسان والامن للخطر، ولذا بات من الضروري تعميق الديمقراطية كخيار وكاستراتيجية لتحسين نزاهة الانتخابات في جميع أنحاء العالم وتحقيق العدالة السياسية والعدالة الإجتماعية، بقي هنا الإشارة إلى ان فكر جون راولس لقي العديد من الإنتقادات، ما دفعه إلى انتهاج الفكر الوسطي في دراساته وللرد على المنفعيين.

 

علجية عيش

 

مصطفى غلمانإلى الفراعنة الأجلاء أصدقائي في مصر التاريخ والحضارة: أمل كحلة وأحمد الشهاوي وصبري الصاوي

صحيح أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق. ومن ينظر من عين الإبرة ليس كمن يرى بعين الجمل. ذلك أن الرؤية الأولى تضيق واقعا وتأسر الباطن في الحجم الذي تطوى فيه كل الحدود والمسافات.

هذا المتن الإيتيقي هو عنوان يصح كلما اقتربنا من تاريخنا الواجد. وفيه تحصر الفكرة مجال النظر في الحدث الماضي بالتسجيل والوصف والتحليل. وليس ذلك فقط، لكن بالأساس التأكيد على النظر من زوايا فهمنا للحاضر والمستقبل. وهو الاقتراب الذي يكاد يغيب تماما عن تفكيرنا ورؤيتنا.

عندما نكون مأسورين بالماضي، مقيدين بنواميسه معصوبين بمواقيته، نحاول التماس أعذار الانوجاد تحت سلطاته، ننشد مفازاته تحت قهر الزمن ونثار الأحلام ووهم التجاسر. ولا يترك هذا السوار المأسور بالضغط والاضطراب أن نكون في الراهن، أن نستلذ بطاقة الفعل وممارسة الحياة، بما هي معنى يأتي في تحقيق أعلى شكل من أشكال المعرفة، والذي يعتبر نموذجا للخير والمحبة والسلام، حسب المفهوم الأفلاطوني.

أما المستقبل فلا يحدو هذا الصوت المتحرج دون الإصغاء لروح الأمس واليوم، وبينهما يوجد الخط الواصل الذي لا مفر منه بسبب طفرة الوقت وقوانين الفيزياء.

إذا اجتزأنا التاريخ أحدثنا القواطع بين المخروطات الضوئية وشطرنا الزمن إلى مطلق وغير مطلق، ونفذنا عبر إحداثياته دونما حاجة للتعبير عن الوصف أو التفسير والتحليل.

إننا نبلغ قمة الإحساس بفعل التاريخ عندما نعلن عن قيمة حضوره في الوجود. ومن ثمة لا حاجة للفشل فيه عند الاصطدام به أو الرجوع إليه كما يقول إتيان كلان.

أدركت جوهر هذه المتاهة عند زيارتي الأخيرة لأعرق الحضارات البشرية مصر الكنانة. في التاريخ المصري علاقة تعاقب وتوالي، شكل مسرد جار باتجاه محدد ولا يمكن العودة فيه. ويتمفصل فيه الإنسان كمحور حافر في الكوني المطلق وعلى كل واجهات قياس وحدات الزمن والوقت.

إن لعظمة التاريخ الإنساني أثر عميق في وحدة الوجود، كما الشأن بالنسبة لمفاهيم الديمومة والامتداد الذهني والزمان والمكان. وهو التحول الذي يقتدر بالحضارة الفرعونية كمآلية متفوقة وكرصيد حضاري متفرد، يعجز أحيانا محولات استظهار التاريخ وتوثيقه ورصد معطياته.

لقد فتن العالم بأنثروبولوجيا الثقافات المصرية الغابرة ووصفتها معظم الدراسات بكونها معجزات التحول البشري والعلمي وظواهر غير مسبوقة في التفكير والإبداع والعلم. وهذا كلود ليفي شتراوس يتحدث عن هذه الإلماعة بقوله " إن الإسهام الحقيقي لأية ثقافة لا يتكوّن من قائمة الاختراعات التي أنتجتها بل من اختلافها عن غيرها، فالإحساس بالعرفان والاحترام لدى كل فرد في أية ثقافة تجاه الآخرين، لا يقوم إلاّ على الاقتناع بأن الثقافات الأخرى تختلف عن ثقافته في جوانب عديدة، حتى وإن كان فهمه لها غير مكتمل، ومن ثم فإن فكرة الحضارة العالمية لا تقبل إلا باعتبارها جزءًا من عملية شديدة التعقيد. ولن تكون هناك حضارة عالمية بالمعنى المطلق الذي روّج البعض لاستخدامه، لأن الحضارة تعنى تعايش الثقافات بكل تنوعها. والحقيقة أنّ أية حضارة عالمية لا يمكن أن تمثل إلا تحالفا عالميا تحتفظ فيه كل منها بأصالتها" * على نحو يربط فضيلة الانتماء للتاريخ المشترك والثقافات المشتركة بالعلاقات والجسور المتقاطعة أحيانا والمنسجمة أحايين أخرى.

من لم توغر صدره شظايا الاسترجاع والتماهي في الحفريات التي تتنوع ما بين أوراق النباتات أو الهياكل أو الأصداف وآثار ومسارات البشر والحجر والإنسان والحيوان. لا يحتاج فقط إلا لبوصلة روحية تهديه غمار التشوف والتحليق والإذعان للخيالات المجنحة.

إن أكبر استنارة للتاريخ الإنساني تمجيد النظر في الباطن وتحقيق أبعاد الانتماء إليه. لكن ليس بالتخفي خلف شوارد الزمن وابتداعاته ومظاهر فشله وتحلله. بل التاريخ هو تفكير ممتد عبر كل المسارات والقطائع، حتى ليظن القارئ الرائي أن الفعل الكامن خلف هذا النص التاريخي تأثير الصورة وحركية الزمن. ولعمري إن تاريخ مصر وحده لكفيل بملء كل فراغات المعنى الهارب. وصدق الشاعر العظيم بول فاليري:" إننا لانزال من التاريخ في حالة الاعتبار النظري، والمراقبة المضطربة ... التاريخ يبرر ما نريد، إنه لا يعلم شيئا بدقة وحزم لأنه يشمل على كل شيء، ويقدم المثل على كل شيء ... التاريخ أخطر محصول أنتجته كيمياء الفكر ".

 

د. مصطفى غَلْمَان

.......................

هامش:

* ليفى شتراوس (كتاب التنوع البشرى الخلاق) مؤلف جماعي  المشروع القومى للترجمة-المجلس الأعلى للثقافة-رقم 27-عام 97-ص29.

 

ميثم الجنابي"جمهورية المستقبل" -  الاحتمالات والبدائل

أدى سقوط التوتاليتارية البعثية في العراق في نيسان من هذا العام (2003) إلى انتهاء فترة طويلة من زمن الجمهوريات الدموية الخارجة على القانون. وللمرة الأولى بعد أربعة عقود من الزمن ظهرت إمكانيات متنوعة للاحتمالات في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. فقد شكل سقوطها في عام 2003 مرور أربعين عاما بالضبط بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في الانقلاب الغادر عام 1963. ويرتقي هذا الزمن من حيث رمزيته وفاعليته في تكون الأفراد والشخصيات إلى مستوى النضج الكامل و"سن الحكمة" و"النبوة". من هنا فإن التحول العاصف الذي يلف العراق الآن لا يقوم في انتهاء مرحلة "الجمهورية الثالثة" فحسب، بل وفي تنوع الاحتمالات العديدة لتطوره اللاحق. الأمر الذي يجعل من فكرة الاحتمال عنصرا جوهريا في تحديد ماهية "الجمهورية الرابعة" وآفاق الدولة العراقية وطابعها الوطني وحدودها الجغرافية السياسية.

إن إحدى الإشكالات الكبرى التي تعاني منها الدولة في العراق تقوم في اضمحلال فكرة السيادة، بمعنى تحلل فكرة الدولة ومرجعيتها في الوعي السياسي للأحزاب. وهو السر القائم وراء تحول الدولة إلى جزء من السلطة، والسلطة إلى أداة بيد الحزب، والحزب إلى أداة بيد "القادة" و"الزعماء". ومن ثم تحول فكرة الدولة إلى جزء من الأهواء الحزبية. فقد أدت هذه النتيجة في مجرى "الجمهوريات الثلاث" (1958، 1963، 1968) إلى تآكل فكرة الدولة بصورة شبه تامة. بمعنى فقدان ابسط مقومات الشرعية فيها. بينما لا وجود لحقيقة الدولة دون فكرة الشرعية. وفي العالم المعاصر تتطابق فكرة الدولة بالمعنى الدقيق للكلمة مع فكرة الدولة الشرعية. ويتمثل هذا التطابق في الواقع حقيقة العلاقة التاريخية المتراكمة بين الدولة والشرعية. وضمن هذا السياق، يمكن اعتبار سقوط الدكتاتورية الصدامية في نيسان عام 2003 قطعا أوليا مع زمن التآكل والتحلل في فكرة الدولة. ومن ثم، أدى وللمرة الأولى بعد أكثر من أربعة عقود إلى ظهور إمكانيات جديدة واحتمالات عديدة لتجريب فكرة الدولة الشرعية، أي لتحقيق فكرة الدولة وسيادتها الذاتية.

إن "الجمهورية الرابعة"، باعتبارها نموذجا ممكنا للبديل الشرعي، هي إمكانية وليست واقعا، واحتمال لم يرتق بعد، بما في ذلك في مشاريع الأحزاب والنخب إلى مستوى النموذج الضروري. ذلك يعني أننا نقف أمام هلامية السيادة الذاتية للدولة في الفكر والواقع على السواء. وهي نتيجة مختبئة في سيادة نفسية المؤقت وذهنية السلطة. بينما حقيقة الدولة (الشرعية) هي عقل اجتماعي ومؤسساتي متراكم، وثبات في ديناميكية الإصلاح والتطور. ذلك يعني أن فكرة سيادة الدولة، باعتبارها مشروعا واقعيا وقابلا للتحقيق مرتبط بضرورة النفي العقلاني لتاريخ الجمهوريات العسكرية. وهو نفي متعدد المستويات، لكن مضمونه الفعلي ينبغي أن يتمحور حول السيادة الذاتية لفكرة الدولة بشكل عام والشرعية بشكل خاص، أي صهر السبيكة الخربة المتكونة من نفسية وذهنية الفكرة الراديكالية والمؤقت. وبالتالي التحرر من رق التراث التوتاليتاري أيا كان، والعمل من اجل إبداع بلا ضفاف في مختلف الميادين لا يقيده شيئا غير إدراكه الذاتي لأهمية سيادة الدولة الشرعية وإنهاء فكرة المؤقت.

إن انعدام الثبات الحقيقي في الدولة العراقية وتاريخها المعاصر يقوم في عدم استنادها إلى أرضية الحق الدائم والدستور الدائم، أي فكرة الشرعية، ومن ثم فكرة الدولة. لاسيما وأنه الأساس الوحيد القادر على أن يضفي على تغير السلطة وتبدل أشخاصها قوة إضافية بالنسبة لترسيخ تقاليد الحق والشرعية وتراكم قوتها الذاتية في كافة الميادين. وفي حال النظر إلى واقع العراق بعد سقوط الدكتاتورية، فإننا نقف أمام نفس الضعف الفعلي المميز لنفسية وذهنية "الانتقال". إذ لم يكن بإمكان مختلف أشكال "الحكم المؤقت" التخلص من هذه الحالة بعد سقوط الدكتاتورية، وذلك بسبب انعدام مؤسسات الدولة وتقاليدها الاجتماعية ومؤسساتها الشرعية من جهة، ولكون مختلف نماذج "الحكم المؤقت" هي نتاج مساومات سياسية واجتماعية وقومية ضعيفة. ويفسر هذا الواقع وظيفته "الانتقالية" فقط، ومن ثم قيمته السياسية، بوصفه "مؤسسة" النقص التاريخي لفكرة الدولة الشرعية. إلا انه كان وما يزال يحتوي على قدر صغير من العقلانية يقوم في تمثله للمرة الأولى فكرة المساومة السياسية، رغم أنها جرت في ظروف حرجة وبضغط قوى خارجية، أي لم يكن نتاجا تلقائيا للإدراك السياسي من جانب قواه المكونة. لكنه استطاع للمرة الأولى في تاريخ العراق السياسي من جمع اغلب القوى السياسية تحت مظلة تقر بوجودها المؤقت في السلطة، وإن ما تعمل ضمنه هو مجرد كيان عابر وكينونة انتقالية إلى أن يجري نقله إلى الوضع الدستوري الدائم. ذلك يعني إقرارها السياسي بضرورة الحصول على صيغة شرعية لحق "الثبات" في الحكم، وان هذا الثبات مقرون وملازم لثبات الدستور والقانون.

إننا نعثر في هذه الحالة على قيمة تاريخية مهمة بالنسبة لتطور الوعي السياسي والحركات والأحزاب السياسية. غير أن حقيقة هذا الإدراك وقيمته ترتبطان بمدى استعداد هذه القوى السياسية على تجسيد ماهية ومدى ووظيفة "الانتقال" المرهونة به. إلا أن تحليل طبيعة ومضمون السلوك الفعلي للأحزاب والقوى السياسية المؤثرة يكشف عنها أنها مازالت في اغلبها تمثل الاستمرار الفج لنفسية المؤقت. ولعل سيادة نفسية وذهنية الطائفية والجهوية والعرقية هو احد مظاهره القوية والبارزة. ولا تنتج هذه المظاهر غير نفسية المؤقت، أي كل ما هو عرضة للزوال والاندثار، كما كشفت عنه تجربة العراق الأخيرة، التي جعلت من تحرره من "قانون" المؤقت مقرونا بالاحتلال والغزو الأجنبي.

فالتجربة التاريخية لفقدان "السيادة" واسترجاعها في العراق بهذا الصدد تبرهن على أنها مجرد نتاج طبيعي للعملية التي رافقت مد "الطوفان" وانحساره، أي النتيجة الملازمة لابتعاده عن فكرة الدولة وسيادتها الذاتية بوصفها مؤسسة شرعية. إذ لم يكن "استرداد السيادة" الأولية من الاحتلال (الامريكي) سوى البداية الأولية لمواجهة الإشكاليات الفعلية والأكثر تعقيدا لإيجاد النسبة الواقعية والعقلانية للتحرر من العبودية أيا كان شكلها ومضمونها، بوصفه أسلوب بناء الدولة الوطنية الحديثة.

لقد خرج العراق في بداية القرن العشرين من تحت الانتداب البريطاني، وها هو يخرج في بداية القرن الحادي والعشرين من الاحتلال الأمريكي للحصول على سيادته "الكاملة". فبعد كل مائة عام يظهر له من يجدد له "دين" الاستقلال مرة و"دين" الديمقراطية مرة أخرى مع بقاء السيادة الحقيقة مبتورة أو منقوصة أو مشوهة أو مهدورة. وفي جميع الحالات يبدو هؤلاء "الغرباء" "محررين" و"مصلحين". وهي "رسالة" لها غرابتها وقيمتها التاريخية. فقد "حرر" الإنكليز العراق من شبح العثمانية الثقيل، كما "حرر" الأمريكيون العراق من همجية الدكتاتورية الصدامية. وأعطى ويعطي كل منهما "السيادة" للعراق. وما زال العراق بين السيادة الأولى والثانية يراوح في نفس المكان. إذ لا يعني الحصول على "السيادة الكاملة" الآن سوى بدايته من "الصفر" في تحسس وإدراك وتحقيق معنى كونه سيد نفسه ومستعدا للاتصاف بصفة السؤدد. ولا تزويق في هذه الحالة. فقد استعبدت الدكتاتورية الصدامية العراق، وجعلت منه عبدا ذليلا وكسرت إرادته بطريقة ليس لها مثيل في تاريخه العريق. وكشفت عن إمكانية إزالته من الوجود! وبرهنت على أن احتمال اشتقاق اسمه من العرق ليست ضمانة لعدم اقتلاعه من جذوره الفعلية. ويعطي هذا الواقع للغزو الأمريكي قيمة خاصة بالنسبة لإدراك حقيقة سيادة الدولة الشرعية بوصفها أداة السيادة الوطنية. كما انه واقع اقرب إلى المفارقة التعسة، التي تعطي لفكرة السيادة الحالية مغزاها المتميز وتجعل منها إشكالية متعددة المستويات بالنسبة للعراق وقواه السياسية والاجتماعية والفكرية. كما يجعل منها إشكالية متعددة الأوجه. والقضية لا تقوم فقط في ماهية ومستوى السيادة التي تمتع بها العراق في وجوده المعاصر، بل وبحقيقة هذه السيادة بعد قرن من الوجود "المستقل".

أما في الظروف الحالية التي تميز مرحلة ما بعد انهيار الدولة ومحاولة تأسيسها الجديد، فإن العراق يقف أمام ما يمكن دعوته بمهمة "تطهير" التاريخ السياسي للسلطة من كل أفعالها الداخلية والخارجية من خلال تعليمها والتعلم منها لغة المخاطبة الوطنية وليست لغة العنف والإرهاب. فالسيادة ليست مقولة جغرافية، بل حالة معبرة عن مستوى ولاية النفس والعمل بمعايير الشرعية والحق ومتطلبات الواجب الوطني.

فمن بديهيات الفكر المنطقي والسياسي العلمي الإقرار بالفكرة القائلة، بأن تمتع الأغلبية المعذبة والمغيبة عن السلطة بموقعها المناسب لها هو أمر معقول، وأن يتسم سلوكها بالانتقام والتشفي فهو أمر طبيعي، إلا أن المطلوب هو تجاوز هذا "الطبيعي المعقول". بمعنى الارتقاء إلى مصاف الواقع القادر على تذليل هذين المكونين اللذين كانا وما يزالا نتاجا للإخلال بمرجعية النظام والحرية وشكل تحقيقها في مبدأ الديمقراطية والحق. إذ تفترض الديمقراطية أن يكون الحق السائد للأغلبية، كما أن حق الأغلبية ينبغي أن يكون الأسلوب الطبيعي لتسيير أمور الدولة والمجتمع.

وشأن كل مفهوم، فان من الضروري النظر إليه بمعايير "المعاصرة" من اجل رؤية إمكانياته الفعلية ونواقصه المحتملة. فقد ارتبطت هذه النواقص أساسا بمستوى تطور الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية منها بشكل خاص. وعندما نطبق هذه المعايير على ظروف العراق الحالية، فإنها تشير عموما إلى واقع الخلل العميق، بل الانحطاط شبه الشامل والموروث من حقبة السيادة شبه التامة لتقاليد الراديكالية السياسية، التي جسدت الصدامية نموذجها الأكثر تخريبا. لقد أدى ذلك إلى خراب الدولة والمجتمع والثقافة وانحطاط الوعي السياسي. ونعثر على هذا الواقع في صعود الطائفية السياسية والقومية العرقية. وهما التياران الأكثر فاعلية في استمرار التخريب البنيوي للدولة. وذلك لانحصار همومهم الباطنية والفعلية بقضاياهم الخاصة، أي الجزئية. بمعنى غياب فكرة سيادة الدولة.

فالهمّ الشاغل للتيارات الطائفية يقوم في محاولة الاستحواذ على الطائفة من اجل إعادة إنتاج التأثير التقليدي، ومن خلاله سرقة "الأغلبية المعذبة"، بينما لا همّ يشغل الحركة القومية الكردية غير "كركوك"، كما لو أنها سلعة ينبغي المتاجرة بها أو سرقتها على حين غفلة. والقضية هنا ليست فقط في انه لا علاقة للحركة القومية الكردية والأكراد عموما بكركوك وغيرها من مناطق العراق الأصلية من الناحية التاريخية والثقافية والجغرافية والقومية والسياسية، بل ولتحويلها إلى عصب الرؤية الذاتية لكل ما يجري في العراق. ويشير هذا الواقع إلى مستوى الاغتراب شبه الشامل عن فكرة الدولة الشرعية ومبدأ النظام الديمقراطي والحق الاجتماعي. وبغض النظر عن كل الأساليب والمستويات الممكنة للتبرير والتدليل، فان طبيعة النوايا تكمن في سيادة الرؤية النفسية وليس العقلية فيما يتعلق بفكرة الدولة. ولا ينتج هذا الأسلوب بهذا الصدد غير الاغتراب الفعلي عن "الأغلبية المعذبة" في العراق عبر زجها في معركة وهمية ومخربة للعقل والضمير السياسي والتاريخي والقومي.

إن ترابط الذهنية الطائفية والعرقية في نسيج الحركة السياسية يؤدي بالضرورة إلى اندثارهما سواء نجح العراق في الخروج من أزمته العنيفة الحالية أو فشل. ففي حال نجاحه سوف يؤدي بالضرورة إلى اندثار القوى التقليدية للطائفية والقومية العرقية. وفي حال فشله، فانه سوف يؤدي إلى سحقهما بالحديد والنار. وهي مخاطر لم يتوصل هذين التيارين بعد إلى إدراكهما كما ينبغي. وسبب ذلك يقوم أساسا في بقائهما خارج حدود المعاناة الفعلية للأغلبية المعذبة. وحصيلة التأمل الواقعي والنقدي لسلوك هذين التيارين يكشف عن ضعف إمكانياتهما الذاتية في مواجهة الإشكاليات الجوهرية الكبرى التي يعاني العراق منها. وهي عملية طبيعية وضرورية بوصفها جزء م تراكم الوعي الاجتماعي والسياسي الذي خربته تقاليد الاستبداد والتوتاليتارية.

أما الحلول الواقعية والعقلانية لإعادة تأسيس الدولة، فإنها تفترض إشراك "الأغلبية المعذبة" في إدارة شئونها. وهي عملية ممكنة من خلال بناء منظومة مرنة للمركزية واللامركزية الاجتماعية الاقتصادية السياسية، وليس الطائفية أو القومية. بمعنى بناء منظومة قانونية تحكم الدولة والمجتمع، تأخذ بنظر الاعتبار واقع التعددية الفعلية (مع أنها تعددية اقرب إلى الواحدية بالمقاييس العالمية) التي انتهت في الظرف الحالي إلى مأزق خطير. إذ من الصعب إعادة اللحمة إليها بمعايير الرؤية الأخلاقية والدينية، وذلك لأن القوى السياسية الأكثر تأثير في ظروف العراق الحالية هي قوى طائفية وعرقية. ومن ثم لا يمكن الاعتماد على "أخلاقياتها الوطنية"، لأنها لا تتمتع بالقدر الضروري منها. بينما أدى ويؤدي ضعف السلطة المركزية إلى استفحال مختلف ظواهر الانكماش والتحلل. من هنا ضرورة إعلاء وممارسة مركزية الدولة وليس مركزية السلطة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

 

المهدي بسطيليإن إنكار الثقافة الغربية لا يُشَكِّل في حَدِّ ذاته ثقافة، والرَّقصُ المَسْعُور حول الذّات المفقودة لن يجعلها تنبعث من رمادها

عبد الله العروي

لا يمكن الحديث عن المجتمع دون الحديث عن الثقافة، مستحضرين التعريف الذي قدمه الأنثربولوجي تايلور بأنها الكُل المُركب الذي يشمل المعرفة، والعقائد، والفنّ، والأخلاق، والقانون، والعُرف، وكلّ القدرات، والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع .إنها إذن جوهر المجتمع والسبيل لفهمه، وهو تحديدا ما نحاول القيام به من خلال هذه الورقة، كمحاولة بسيطة في فهم الثقافة الشعبية المغربية من حلال استعراض  بعض من صورها داخل المنظومة الاجتماعية.

لقد ظلت كل الدراسات الكولونيالية التي قاربت المجتمع المغربي في فترة الاستعمار الفرنسي وما قبله، تنظر للثقافة المغربية على أنها ثقافة بدائية، تقليدية، وذلك من خلال مقارنتها بالثقافة الأوروبية وفسر الباحثين المغاربة هذه النظرة بحضور الطابع الذي شكل الهدف الرئيسي من  قيام هذه الأبحاث، لكن هذا لا يلغي الأهمية التي تحصلت عليها هذه الأخيرة من خلال قدرتها على تفكيك البنيات التقليدية والعميقة للثقافة المغربية، ولا يمكن أيضا أن ننفي ما صورته هذه الدراسات بالكامل، مادامت معالم التقليد حاضرة داخل بنياتنا الثقافية بكل صورها.

ننطلق في البداية من خلال مساءلة السؤال الديني لذى المغاربة، والذي يرتبط بشكل وثيق بالسؤال السياسي، وهو نفسه السؤال الذي طرحه 'ادموند دوتي' عن تصور المغربي للوحدة الوطنية، فهي لا تخرج عن معنى الثقافة الروحية الذي يشكل الدين الإسلامي جوهرها أكثر من أن تكون وحدة إدارية، ويقول 'ليس هناك أشد وأخطر من الحركة التي تقوم على الدين لأنها تأخذ شكل حرب مقدسة'، ويثبت ذلك جاك برك أيضا بقوله 'لقد لعب الديني بالمغرب الدور الذي لعبته البيروقراطية بأوروبا '.إن ما يمكن تدوينه بهذا الصدد أن القومية المغربية –روحية ثقافية- تشكل العنصر الأساسي القائم بالإنتماء للوحدة الترابية وذلك يبدو مخالفا لما يتصوره الأوروبيين بمجتمعاتهم، وطبيعة الإنتماء إلى الوحدة الوطنية طبيعة روحية ثقافية ميزت المجتمع المغربي" .

يقول ادموند دوتي' "بما أن الدولة المغربية لها طابع ديني بالأساس، فإن فكرة القومية قد عوضها الإيمان وبالتالي فالفرد المغربي لا يختلف عن الأوروبي في فهمه للسيادة فحسب وإنما أيضا بالكيفية التي تطبق بها حدود ممارسة هذه السيادة"'،وبالتالي الدولة المغربية حسب دوتي كتصور يبنيه الفرد المغربي، لا تبدو حدود محددة بشساعة ترابية، بل سلطة رمزية تترجم كوحدة روحية تترجمها سلطة الإمام (السلطان) لتمتد ونظريا، لتشمل عمليا كل القبائل التي تصلي باسمه.

إن تصور 'ادموند دوتي' بغض النظرعن خلو خطابه من النظرة الاستعمارية أو وجودها إذا ربطناه بتصور 'عبد الله العروي' باعتباره من مؤسسي المدرسة الوطنية، سيبدو مقنعا لتبرير ماحدده هذا الأخير من عناصر محددة للوحدة المغربية. ويمكن أيضا أن نبرر قبول هذا التصو، إذا تأملنا تاريخيا كيف تقبل المخزن المغربي الإحتلال الفرنسي للجزائر كمصيبة عظمى وكارثة حلت بالإسلام، من خلال رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان"...في شأن الواقعة التي ساءت الإسلام والمسلمين وأخذت عيون أهل التقوى والدين من استيلاء عدو الله الفرنصيص على ثغر الجزائر ..." ولم تكن لأحداث تطوان وتوغل الإسبان في الحدود الترابية المغربية، تأثير كبير على حدث احتلال الجزائر، بل اعتبرت من الدرجة الأولى اعتداء على الوحدة الإسلامية واعتبر الحدثين نازلة عظمى أعلن من خلالها الفقهاء إشهار السيف دفاعا عن حرمة الدين أكثر منه دفاعا عن حرمة الوطن.

في حقيقة الأمر هو بناء مترابط ارتبط فيه الديني بالسياسي، بل احتواه وشكل جوهره ومعناه، لكن الغريب في الأمر هو اعتبار الوجود الوطني وجودا دينيا يحكمه ويمنحه معنى ودلالة، وهو ما قد يجرنا لنقاش آخر عنوانه: ماهي معايير الحديت عن دولة إسلامية؟ ولعل الشرعية السياسية بالمغرب كانت شرعية دينية تؤطرها العديد من المفاهيم التي أنتجها الاسلام الشعبي، كالبركة والشرف...بل لطالما شكلت معايير القبول والإنتقاء داخل النسق السياسي المغربي، وآلية للضغط الاجتماعي، ولعل حادثة 'بوحمارة 'تؤكد ذلك، ألم يعهد 'الجيلالي الزرهوني' في ثورته الفاشلة إلى إعلان نفسه أسطورة دينية تمنحه الشرعية في منافسة هالة السلطان والقضاء على صورته؟

إن تاريخ المؤسسات التقليدية كذلك مع النظام المخزني بالمجتمع المغربي وخاصة منه تاريخ الصراع، استدعى استمرار الشرعية الدينية باستمرا، ألم تجعل القبائل الصوفية كذلك منافسا للشرعية الدينية للسلطان؟ وكان القول إلى كان السلطان ولد النبي فالنبي الله يرحمو مسكين ومولاي عبد السلام هو اللي خلق الدنيا والذين ولعل تاريخ العلاقة بين المخزن والزوايا، كان تاريخ صراع من أجل الإحتواء والبحث عن الشرعية الدينية التي تشكل روح الثقافة المغربية السياسية وعمقها.

جانب آخر بمكن نجده بالممارسات الدينية لذى المغاربة، فالمغربي يتصور أن للإسلام أركان خمسة لا يستقيم إلا بها، ومن خلالها، لكنه في نفس الوقت لا يمكن أن يتساهل مع من يتخلى عن ركن الصوم الذي أصبح طقسا دينيا اجتماعيا  بمجتمعاتنا، ويعتبره كافر ويمكن أن يتساهل مع من لا يصلي ويطلب له العفو والثوبة، ألا تبدو هذه حالة من السكيزوفرينيا؟

يحيل ذلك على فهم للمحتوى والمضمون الديني في اعتبار الفرد المغربي، ويتخذ من فهمه لهذا المحتوى حتى لو كان ضيقا العين التي ينظر بها لكل الأمور والقضايا باختلاف مجالاتها، ولايقبل النقاش في نظرته التي يعتبرها الصواب الذي لا يقبل النقاش، إن المغربي يعتبر النص الديني مقدس لما له من هالة، ويجعل من تصوره حبيس فترة من الزمن يحن دائما للعصر الذهبي الذي عاشه المسلمين ويحن باستمرار لهذا المجد العالق بالماضي، وهو في نظري ما جعل من الفرد المغربي إنسان بذهنية الماضي والحاضر.

هي إشكالية التقليد والحداثة التي لم يستطع الفرد المغربي أن يجد لنفسه تموقعا فيها، وهو جزء آخر تحضر فيه مسألة العلمانية التي لم نستوعب معناها أصلا ودخلنا في نقاش حولها، واستطاعت بعض الإيديولوجيات أن تسوقها للذهنية المغربية في شكل صورة بشعة، وصل الأمر بالبعض لربطها بالإلحاد والخروج عن الدين ...وما أن تتحدث عن العلمانية إلا وتجد نفسك متهم في عقيدتك ومحط شكوك تعتبر بمثابة ضريبة الخروج على النسق.

إن الفرد المغربي يستدعي الإسلام الشعبي في كل محطات حياته، وحتى في المسألة الجنسية كما تحدث عن ذلك أساتذتنا فالفرد المغربي يتعامل بنوع من الإنتهازية الخطيرة جدا، ألا نحرم الممارسات الجنسية خارج مؤسسة الزواج ونستدعي النص الديني من خلال تأويلاته باستمرار لتحريم ذلك؟ وفي نفس الوقت هناك إقبال على المحفزات الجنسية بالإضافة إلى الاستهلاك الخطير لموانع الحمل بشتى أنواعها،لأن الفرد المغربي يعتبر علاقته الجنسية الشرعية محكومة بشروط الحياء كما يتمثله هو، ويرفض كل محاولات النقاش من أجل متعة جنسية للطرفين، رغم حاجته المشتركة لذلك، ويبحث في المقابل عن متعة جنسية مع طرف آخر خارج العلاقة الشرعية، وقد يتقبل كل أنواع المتع الجنسية ويحللها حينها، ولعل ها التناقض خطير يعاني منه الفرد المغربي وينعكس بالضرورة على علاقته الأسرية.

كما أن المغربي منذ بلوغه، يجد نفسه مطالبا بفتح غزواته الجنسية الخاصة، والإستمتاع بعلاقته الجنسية مع نساء مختلفات، وعليه أن يبحث في أخر المطاف على أنثى حافظت على جسدها الذي لا تملك الحق فيه، وينادي بحقه المشروع في جسد طاهر بمعنى ما يتصوره، ويطلب الضمانة المتمثلة في عذرية الأنثى، ولعل هذه الممارسات وهذه الثقافة الجنسية لا يمكن أن نحمل الذكر المسؤولية، فيها حتى نختلف عن النقاشات التي تدعي حملها لقضية المرأة، بل إن الثقافة هي التي رسمت حدود هذه الممارسات وجعلت منها قانونا اجتماعيا، وللأسف فقنوات  التنشئة الاجتماعية  تعمل على تمرير هذا القانون الذي جعل للمجتمع أدوار وقوالب جاهزة يلجها كل من الذكر والأنثى منذ الطفولة .

أتذكر في طفولتي روت لي الوالدة أسطورة 'عايشة قنديشة' وطلبت مني أن لا أغادر البيت ليلا لأن الأخيرة تخرج وتقتل كل ذكر، وأنا أتسائل منذ ذلك اليوم ما سر هذا المخلوق الأسطوري؟

في حقيقة الأمر "عائشة القديسة "كما روتها الأسطورة في حالتها الأولى، كانت امرأة في غاية الجمال وشاركت في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وكانت تخرج ليلا لتهاجم الجنود الفرنسيين وكانو ينعتونها بالقديسة لجمالها وشجاعتها، لكن الذهنية المغربية شوهت صورتها فهي قبيحة رغم جمالها لأنها ولجت عالم الرجال وحملت السلاح.

نحن  ندعي الحداثة باستمرار وندعي الحقوق وغيرها من المفاهيم الرنانة، لكن يتضح أن هذا لا يتجاوز الشكل وربما حتى نخبتنا المثقفة، والتي تدافع باستماتة عن مطالب الحداثة لا تعمل بها، في حياتها الخاصة وكأن المسألة تتعلق باستعداد فطري لتقبل هذه التمثلات،إنها قوة الثقافة

إن الحديث عن الثقافة يستدعي نقاشات واسعة وتفكيرا شامل، وقد نجد لكل  مسألة ارتباط بقضايا أخرى لكن في حقيقة الأمر وبشكل شخصي، أعتبر أن الإجابة عن أخطر المشاكل اتي تعيشها مجتمعاتنا موجودة في ثقافتنا، التي لم نتصالح فيها مع زمن موحد وواحد، والخطير في الأمر هو الاستمرار في تطويع الحاضر لأجل الماضي والدفاع عن الإيديولوجيات الثقافية بنوايا خفية .

 

المهدي بسطيلي –طالب باحث بسلك الماستر

 

مجدي ابراهيمأدعى الدواعي إلى تفعيل الإرادة، مطلق الإرادة، هو الإمارة على النفس؛ ففي هذه الدنيا العجيبة ما أشدّ ما ترى فيها من غرائب الأفعال وغرابة الأيام. وليس أقسى على المرء من أن يشتمّ من نفسه رائحة الصفاء والروحانيّة ثم تصادفه الأيام نفسها بما لا يتوقع مصادفته من الخنازير الآدمية. الأيام التي نعرف فيها معنى أن يكون "القلم" هو الأداة الشريفة التي توصلك بالله تعالى خير وصلة، وتقربك منه قرابة مرضية لهى هى الأيام التي تتعرض فيها للدناسة والقذارة ومصادمة الأغيار، لكنما كانت هذه القُرْبَة أو ذاك الاتصال عنواناً دالاً على وحدة الوجود كله بخيره وشره.

إنما هى وحدة وجود واحد لا شك فيه؛ فأنت أنت الذي تعيش اللحظة السعيدة مع نوارنية الحكمة وفواتح الوجود العلوي، ثم ما تلبث أن تعيش اللحظة التالية مع أوْهاق المادة وكثافة الظلمة وأقذار المخاليق: لحظات متداخلة مرة على الصفاء والنقاء، ومرة أخرى على الحجاب الأسود الداكن في عتامة كئيبة منفرّة وفي سواد طاغ لعين.

ينفتح الوجود كله أمامك في حالات الصفاء، فلا كأنك موجود مع موجودين ثم تنسدل عليك ظلمة الأغيار بأكثف ما يمكن أن يكون معه الوجود على الكثافة الظلمانيّة. تعيش الجمال كله مع التفتح والإشراق، ويشوبك النقص كل النقص مع الشر ومع الظلمة والحجاب. لكأنما كان الوجود كله مشطوراً إلى نصفين. الأول: علوية المقاصد وخيرورة الأهداف. والثاني منه: كل ما فيه من شرور وآفات. وتعيش الذات في حالة من التوتر بين الشدِّ إلى هنا والجذب إلى هناك، لكنه مع ذلك: وجود إنساني واحد.

والرغبة الباقية في أن تكون إنساناً كريماً بما تحمله من مقاصد علوية وأهداف خَيِّرة هى ليست رغبة منك لكنها كانت مفروضة عليك، هكذا تبدو.

أنت مقهور لها قهراً ومقسور عليها قسراً، لا غلبة لك فيها ولا حيلة لك في أن تعيش أو تحيا كما ينبغي أن يكون العيش وكما تلذُّ لك الحياة. تتعرض للدناءة من النفوس الدنيئة، ولا تدري ماذا عَسَاَكَ تفعل؟ ويقابلك اللئيم ولو كنت كريماً معه فيرد الإحسان بالإساءة بغير أن تدرك أنت كيفية المواجهة له، بل تحمر وجنتيك وتنتفخ أوداجك ويرتعش بدنك في مواقف الإحراج، فلَزَمَ تفعيل الإرادة؛ ولأنك كنت أميراً على نفسك فلم تصرفها فيما صرفها هو من خسة المعاملات. ولكن الشر هو الطاغي ولا خيرورة هناك، والكل محكوم بقبضة العزة. لا شيء في عرف الناس معروف، ولا شيء في أخلاقهم مدروس، لا شيء يبقى، ولا شيء يكون أو يدوم، وكل ما هو كائن في الدنيا مردّه إلى زوال، وإلى عدم وفناء. الدنيا لا شيء كما قال الشّبْلي.

كلما داهمتنا هذه الأحوال تذكرنا ابن عربي، طيّب الله ثراه، الذي يرى الوجود كله وحدة واحدة. كما يرى فيه الخير والشر صنوان لا يفترقان في الوجود، فولا الشر ما كان الخير، ولولا المعصية ما كانت الطاعة، ولولا النار ما كانت الجنة، ولولا الرزيلة ما كانت الفضيلة، ولولا الغضب ما كانت الرحمة، فليس في الوجود شر لأنه عرضي: مجرد تجليات لصفات الجلال الإلهي. كما أن الخير تجليات لصفات الجمال الإلهي؛ ومن أجل ذلك، وجب الإحسان إلى  من أساء إليك كما في الخبر المشهور، ووجبت من ثمّ محبة الأشرار، لا لأنهم أشرار في ذواتهم، ولكن لأنهم تجليات لصفات الجلال الإلهي. 

ولولا أن مَنَّ الله برجال في عباده أن يكونوا أمراء على أنفسهم من طريق الإرادة؛ لكانت الدنيا خراباً من الأزل إلى الأبد، بل ما كان هناك شيء يسمى أزلاً ولا أبداً؛ لأنه إذْ ذاك لا يكون هنالك وجود حقيقي للإنسان، لكأنما الإمارة على النفس شيء لم يعهده الآدمي في طباعه وأخلاقه فيما لو سقطت منه الإرادة. وهل كان آدم عليه السلام أميراً على نفسه حين عهد إليه ربه وأغواه الشيطان فلم يجد له عزماً؟ أيكون بذلك خَلّفَ من الأعقاب ما ورث هذه الصفة، ولم تكن له صحة عزمة، وعمل بها حتى آخر نفس يلفظه في هذه الدنيا؟ .... لا أدرى!

لكن الذي أدريه جيداً أن الإمارة على النفس طبيعة إلهية خلقها الله تعالى في الإنسان؛ ليكون إنساناً كاملاً لا حيواناً أعجمياً. فتلك العُجْمة الروحية تؤكد سقوط الإرادة وغيبة العزيمة ممن لم يكونوا أهلاً لهما. وإنْ تعجب فلا أشدَّ من عجبك، حين ترى الإنسان لم تزل فيه، رغم كل هذه الأوصاف، من الحيوانية ما يغيضه وغيضاً من معدن الروح الذي هو فيه، لكأنما هو مخلوق على التقدير: قدر الله فيه الروح المنفوخة كما قدر فيه الطينة، ولم يُشهد خلقه كيف كان فهو مخلوق على تقدير لا نعرفه، وأعجب من ذلك أن ترى الإنسان في عين الاختيار مجبور ويزعم أنه فعل هذا وقام بذاك، وارتفع ها هنا وساد هناك، وله الفضل كل الفضل فيما لا فضل له فيه ولا تقدير، وعجباً لهذا المخلوق الغريب!

فلو كان أميراً على نفسه، لأختار أن يكون حراً في اختياره غير مجبور. فليس يبقى إلا الرحاب العلوي يفرُّ إليه الأقوياء القدراء ويتهيبه الجبناء الأغرار؛ فما دُمتَ خائفاً من أن يجيء كمالك مشوباً بالنقص، فلن تنالَ إرادة ولا شيئاً مما تريد.

وما دمتَ تخشى العواقب وتدقق في النتائج، وتتردد؛ فكل أعمالك لا تكون جديرة بالقبول، لكأنما جزاء الإنسان في أعماله أن يكون مغبون القيمة، وأن مصير التقديرات الآدمية هو هذا الخذلان. أعمل وأنفق وقتك وطاقتك وعمرك كله؛ فقيمتك في نظر الآخرين لا شيء، فهل يصاب الإنسان بخسارة أخزى ولا أنكى من هذا الخذلان؟

هَبْ أنك أحسنت وقدرت وجهدت نفسك كل الجهد على أن تصنع شيئاً ذا قيمة، أيكون الجزاء على هذا الصنيع هو أن يجردك الآخرون من القيمة! .. لماذا؟ لأنك لا تحسن في موضع يكون فيه الإحسان مقبولاً على كافة الأحوال، ومنذ متى كان الإحسان مقبولاً في عالم التقديرات الآدمية على كافة الأحوال. ذلك هو عالم التقدير الآدمي يُلصق بطبيعة الضعف في كل ضعيف لا يقوى على تغيير الطبع الملعون في باطنه، ولا يصبر على شروط التغيير التي تفرضها الإرادة كما تفرضها الإمارة على النفس؛ لأنه لم يتعود التصبر ولا التخلق بأخلاق الكرام، بمقدار ما لم يتعود الركض في ميادين الحياة الشريفة، والإخلاص مع الناس إفلاس، والإخلاص من أجل الله وحده أحساس بالرقابة الإلهية على العمل.

إنك لا تحسن في موضع يكون فيه الإحسان مقبولاً في كافة الأحوال. ذلك ديدن الإحسان في العوالم الأرضية بعكس الإحسان في معاملة الله تعالى فهو أضمن ميدان يجرى فيه العمل الشريف، وهو إحسان تكون فيه الزيادة من القبول، والزيادة من الخير، والزيادة من الأجر والمثوبة، والزيادة من القربة والتوفيق، والزيادة، وهى الأهم، مما لا يخطر على بال الآدميين، بُله المحسنين.

عالم التقديرات الأرضية وضيع وحقير وناكر للفضل، وإذا كان للفضل قيمة في ذاته، لم يشأ إلا أن يسلب عنه هذه القيمة فلا يجعلها قائمة بمقدار ما يسقطها، ويسقط ما فيها من بقاء وتقدير.

وعالم التقديرات الإلهية عالم جليل وعظيم لا يبخس قدراً ولا يهضم قيمة، يحفظ للإنسان قيمته، ويدخل هذه القيمة في إطار من الوعي المحفوظ بترقي الزيادة من مدد إلهي موصول غير مقطوع، لا يعلم الإنسان، بما هو إنسان، كيف يفيض ولا كيف يتوارد:" للذين أحسنوا الحُسْنَىَ وزيادة ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُم قَترٌ وَلَا ذِلُّة؛ أولئك أصحاب الجنَّة هُمْ فيهَا خَالدُون" (يونس: آية 26).

هذا عالم جليل وعظيم . وذاك عالم وضيع وحقير.

وهذا هو الفرق الفارق بين عمل الإنسان وتقدير الآدمي، وبين عمل الله تعالى وتقدير الربوبية. وهذا هو الفرق الفارق بين عمل العبد وعمل الرب، بين عمل المخلوق وعمل الخالق. فالتهيؤ للاتصال بالعالم العلوي لتحصيل أسمى آيات الكمال من الزيادة التي لا يشوبها نقصان هو عمل الأقوياء العاملين القدراء ذوي الإرادة النافذة والعزم الجميل.

فإذا انصرف الإنسان بكل قوته إلى رحاب الله؛ فلأنه أولاً موهوب هذه القوة وممدود العون بملكة التعلق في التوجه لهذا الجناب الأعلى. ولأنه ثانياً مفقود الجزاء في العالم الأرضي والتقدير الآدمي لا يعزيه شيء قدر ما يعزيه أن ينصرف عن تقدير المخلوقين إلى تقدير الخالق، وإنه ليكفيه من قوة وعزيمة ومضاء أن يكون منصرفاً عازفاً عن دنيا الناس إلى حيث ضمان التقدير من موعود الجزاء، فهو وحده ذلك الرحاب العلوي الذي يغنيه عن طلب الجزاء، ويعزيه عن فقدان الحمد والثناء بعد ضياع القيمة من وراء العمل، وضياع المثوبة في شواغل الأعباء. ومن عرف ما أخذ، هان عليه ما ترك.

*    *     *

هنالك تجيء العقيدة لتكون هى هى القيمة الباقية في عالم التقديرات الإلهية إذا عَوّل عليها الإنسان ولم يعوّل على سواها، وعرفها من طريق الإرادة الواعية وسلك سبيلها في طريق التصحيح وطريق العرفان. أذكر إني قرأت منذ زمن طويل للأستاذ العقاد، عليه رحمة الله، عبارة جاءت في كتابه "حقائق الإسلام وأباطيل خصومه" لا يقولها إلا فيلسوف خبير بمعالجة الأفكار الكبرى في مثل قامة العقاد طيَّب الله ثراه. جاء فيها:" إنك لتلمس أصالة الدين عند المقابلة بين فرد يؤمن بعقيدة من العقائد الشاملة وفرد معطل الضمير مضطرب الشعور، يمضي في الحياة بغير محور يلوذ به وبغير رجاء يسمو إليه. فهذا الفارق بين الفردين، كالفارق بين شجرة راسخة في منبتها وشجرة مجتثة من أصولها، وقَلَّ أن ترى إنساناً مُعطل الضمير على شيء من القوة والعظمة إلا أمكنك أن تتخيله أقوى من ذلك وأعظم إذا حَلَّت العقيدة في وجدانه محل التعطيل والحيرة".

وعليه؛ فالعقيدة الإيمانية محور صادق وأمين يرتكز عليه العمل، وإذا هى حلت في ضمير الفرد أوجبت عليه مسعى التقدُّم والتعلق؛ فمن حيث جهة التقدم: معرفته بالسلوك على هدى من موفور الاعتقاد. ومن حيث جهة التعلق: وجوب الأعمال خالصة في إطار تلك العقيدة، وفي إطار الانتماء إليها وتقديرها في البواعث التي يتحرك المرء بمقتضاها ويدور في فلكها. وطالما تعلق القلب بالعقيدة الدينية فرضت عليه الإرادة أن يكون عمله في إطارها مرهوناً بالتفتيش في بواعث العمل، وبواعث العمل على نحو من الأنحاء تبدأ بالخواطر، ويلزم للخواطر إرادة واعية.

هنالك أنواع ثلاثة من الخواطر تلمُّ بالنفس العاملة، ومع ذلك ليس بالإمكان أن يقوم العقل بالتفرقة فيها بين الأعمال إلا أن تكون في الأصل عاملة في نفس صاحبها ومسيطرة. الخاطر الأول: خاطر شيطاني باعثه على العمل وسوسة الشيطان، وهو شيطاني لأنه إلقاء في النفس من جهة الشيطان. والخاطر الثاني: خاطر نفساني باعثه على العمل الشهوة وطلب الراحة، وهو حديث النفس وطلب الراحات للأنفس وللأبدان. والخاطر الثالث: خاطر ربَّاني باعثه العمل والتوفيق، وهو إلقاء من جهة الحق سبحانه، ولذلك كان الخاطر الرَّبَّاني يرد بأسرار خطابات العارفين وإمداداتهم الإلهامية؛ إذْ كان سراً من الله بعد تزكية حال صاحبه واستقامة قلبه على منهاج العارفين. يلزم للتفرقة بين هذه الخواطر إذْ كانت بواعث إعمال، إرادة يقظة. ولا يلزم قيامها في نفس صاحبها بغير إرادة؛ فغياب الإرادة وفقدانها غياب في الوقت نفسه للخلق القويم والنظر السديد يشي بفقدان الإيمان وفقدان العقيدة ويدل فقدانهما على حالات الضعف دلالة التقريب.

هذه حالة مَنْ تتفسخ لديه الإرادة فتنعكس بالسلب على المجموع ممَّن يحيطون به سواء؛ فالخسارة إذن مع تلاشي الإرادة ظاهرة واضحة في الحالتين: حالة الفرد الذي يفسد نشاطه كله بفساد إرادته وتنقلب حيويته إلى ضعف، وإدراكاته إلى فتور، واقتداره على الأفعال إلى خنوع وبلادة وتردي ونكوص. ثم حالة المجموع الذي ينتسب إليه هذا الفرد، إذْ الجماعة البشرية الصالحة والناهضة دوماً لا تتكون مطلقاً ممَّن أصابهم الضعف والفسُولة من جَرَّاء فقدان الإرادة، ولكنها تترقى دوماً من فعل أولئك الذين لديهم القدرة على العزم والحسم والنهوض بجليل التبعات، أعني أولئك العارفين من ذوي الهمم العالية؛ ومع توافر أركان الإرادة من قوة واقتدار وعزم وحسم وتصميم في الأفراد القادرين على توخي أركان الإرادة وتحققها فيهم، ينصلح حال المجتمع وتسمو إرادته الجمعية، وينهض رجاله بالمسؤولية المنوطة بهم في كل حال وفي كل حين.

فالأخلاق في جوهرها إرادةٌ مسئولة وتبْعَة باطنة ووجود ملحوظ ينبغي أن يتحقق في الواقع الفعلي، فضلاً عن تحققه في الواقع النفسي، فلا مناص من توافرها في طبقات المجتمع بكافة طبقاته وأطيافه ودرجاته.

ويوم أن ننحِّي"الإرادة" جانباً من نطاق الأفراد يكون على المجتمع وحده تحمُّل العواقب الوخيمة يتضرَّر بها من فئات فقدوا مقومات التربية والترقية من طريق فقدهم لمزايا الإرادة؛ لاسيما تلك "الإرادة" التي نتحصَّل عليها من الشعور الديني العميق؛ لأن الدين هو أكثر المقومات ترقية للفرد وتربية لإرادته وتهذيباً لأخلاق المجتمعات. الوعي الديني من الأهمية بمكان بحيث يجيء لازماً لابد منه من لوازم الجماعة البشرية: إصلاحها وتعاونها وتآلفها وتوادُّها وتراحمها وحفظ السلامة فيها، وارتقاء أفرادها ذلك المرتقى العلوي الذي يوفِّر لها الأمانة والأمن كما يوفر لها التعايش السلمي بين أبنائها. وليس هذا بالشيء القليل.

أنزع عن الفرد عقيدته التي يدين لها بالولاء، وأسلخ عنه ولاءه لمجموعة القيم التي يَحْتَكمُ إليها، ثم رَاقب حالته النفسيّة، ستجد جهازه العصبي كله في غاية الاضطراب، ستدمر كل مصادر الطمأنينة النفسية والقلبية لديه، وسيعيش حالات القلق والخوف والرهبة في أعلى درجاتها؛ لأنك في تلك الحالة نزعت من قلبه الرجاء والأمل، وهما أرقى مراقي العبودية من مخلوق يتوجَّه بهما إلى الخالق دُوناً عن سواه.

والشيء الذي يُقَالُ في فرد، يُقَالُ كذلك في مجتمع يعيش بغير ملاذ الإيمان: فما الكوارث وما الآفات وما الشرور وما الآثام التي يسقط فيها المجموع في مستنقع آسن إلا نتيجة حتمية لزعزعة اليقين بموارد العقيدة وروافدها الإيمانية؛ أو قُلْ هو نتيجة لاعتقاد لا يخالطه عمل، ولاعتناق لدين لا يمازجه سلوك، ولتبني أفكار نظريّة لا تمارس ولا تطبق: التنظير فيها شيء، والعمل شيء آخر. العقيدة فيها في جانب والممارسة الفعلية في جانب آخر. الخطاب الأيديولوجي في كفة، والطريقة التنفيذية لهذا الخطاب في كفة مقابلة.

هنالك هوَّةُ وسيعةٌ بين القول والعمل، أو بين التصوِّر والاعتقاد من ناحية، والحركة الفعليّة في الواقع العملي من ناحية ثانية؛ وتلك مشكلة الضمير العربي وأزمته الكبرى - ولو فيما نراه نحن - على وجه العموم.

إنما ضعف اليقين وقلة الإيمان وشلل الحيوية الروحيّة أمور تؤدي حتماً بالفردية إلى الوهم، وتفشي الوهم يؤدي حتماً إلى التخلف وظلمة السعي والعمل وانتشار الأمراض النفسيّة بين الأفراد فضلاً عن الجماعات؛ وإذا ضَعُفَ اليقين ونضبت الحيوية الروحية وغارت الحماسة الدينية، شاعت الأوهام في بواطن الفردية وكثرت، وبشيوع الوهم يضطرب السلوك، ويشل العمل النافع للفرد بكل تأكيد؛ فتتمثل أمامه الأوهام والخواطر الدنيا فلا يدرك سواها، بل كل ما يدركه حجاب؛ حتى إذا شاع الوهم وشاعت الخواطر السفلى في مدارك المحجوبين تَبَدَّتْ الحياة أمامهم وكلها حقائق! كأنها الحق الصُّرَاح الذي لا يخالطه باطل، تلك الحقائق التي يتصورونها من فعل الوهم، وهى في الحق سرابُ خَادعُ لعلم لا ينفع ولعَمل لا خير فيه!

ومادامت هناك أوهام يختلط فيها الحق مع الباطل والكذب مع الصحيح؛ فمن المؤكد أن هنالك دعاوى تحركها رعونة الأدعياء، وكل دعيِّ هو في الواقع من أهل البصائر المطموسة، والذي يتبعه في رأي أو في  منهج أو في تقليد هو كذلك ذو بصيرة مطموسة، وأهل البصائر المطموسة ليسوا أهلاً للصحبة؛ لأنهم ليسوا أهلاً لأن يكونوا أصحاب وعي ينفتح على بصائر الصابرين من ذوي الصدق الخالص، إذْ البصيرة المطموسة وحدها هى التي تحركهم، وهى التي ترشدهم إلى ما في النفوس من مقدرة على خلق الشرور والآثام.

*    *     *

ولكن في رحاب المعيّة الإلهية تسقط الإرادة الإنسانية ويخبو وهج العقل ليعتمل في جوف الإنسان نور البصيرة ونور الإيمان. وفي رحاب المعيّة الإلهية يتنازل العقل قليلاً قليلاً عن تحليلاته وتعليلاته، فلا شيء يحلل ليُفهم ولا شيء يعلل ليدرك، كل ما هنالك تسليم مطلق لطوارق الأحوال. في هذا الرحاب الجليل الجميل تتهافت الأنظار وتتطامن الرؤوس أمام هاته الرياض النضرة الفائقة: رياض الصحبة العظمى والأنس بالله فلا إرادة لإنسان أشرف من أن تكون إرادته في إرادة الله، بل لا إرادة لإنسان أعلى وأرفع من أن يكون في هذا المقام بلا إرادة. العطاء الإلهي في مثل هذه الأحوال يسلب الإنسان أعلى وأقدر قوة فيه، فلا قوة لديه إلا أن يكون محفوظ القوة بأمر الله، ممدود العون بفضله ولا عليه بعد ذلك أن يسأل: فيمَ كانت قوته موجهة، وإلى أين يصير الركب ويحل خطى الترحال؟ أقدار العباد محكومة بقبضة إلهية لا يعللها العقل، ولا يعطيها حق التعليل الأمين ألا نور الإيمان، فكل ما هو فوق طور العقل من شأن العقل أن يحيله لتدركه البصيرة المهدية بنور الهداية الإيمانية، ومن هذا الطور كانت أقدار العباد.

فإن مسألة الإرادة الإلهية إنما هى مسألة حفيت من أجلها أقلام الكاتبين ولا نخالها من بعدُ جاءت بحلول صحيحة صائبة اللهم إلا الحلول التي عولت على الإيمان، يتذوقه العُرفاء بمعدنه الكريم في جوف الإنسان. وفي الصحيحين عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: كنّا في جنازة في بقيع الفرقد، فأتانا رسول الله ، فقد وقعدنا حوله ومعه مخصرة (أي ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه وما يأخذه الملك فيشير به إذا خاطب) فجعل ينكت بمخصرته ثم قال:"ما منكم من أحد، أو قال، ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة". قال، فقال رجل: يا رسول الله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؛ فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟! فقال رسول الله :" اعملوا فكل ميسر: أمّا أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ:" فأمّا من أعطى واتقى ... إلى آخر الآية من سورة الليل (الآية: 5 وما بعدها).

وفي رواية: كان رسول الله  ذات يوم جالساً وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال:" ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلتها من الجنة والنار " قالوا: يا رسول الله فلم العمل؟ أفلا نتكل؟ قال: " لا: أعملوا فكل ميسر لما خلق الله ثم قرأ " فأمّا من أعطى واتقى ".

لا شك كان هذا البيان المحمدي الأمين يطلعنا على مسألة الإرادة الإنسانية بين الجبر والاختيار، وعلى أن أقدار العباد مسألة في صميمها تتصل بالعلم الإلهي؛ فالله يعلم أزلاً إنك ستكون من أهل السعادة، فييسر لك عمل أهل السعادة، أو يعلم أزلاً إنك ستكون، بإرادتك، من أهل الشقاوة؛ فيهيئ لك عمل أهل الشقاوة، وكلٌ ميسر لما خلق له مع العمل لا مع الخمول والكسل. وعلامة الإذن إذا شاء الله له أن يكون هو التيسير.

            *    *     *

لم تنقطع تلميحات الصوفية ولا تلويحاتهم في الإشارة المُعَمَّقة بوجوب الطَرْق الدائم على أن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا بموت النفس. وموت النفس ليس يأتي من قبَل النفس أبداً، فما من نفس تريد أن تموت عما وقر فيها من آفات وشهوات وأوهام تحركها وتنقاد لها كما تنقاد السائمة لمن يقودها. ولكنه مع ذلك يأتي؛ وهو حين يأتي لا شك أنه يجيءُ من جناب علوي غير ميدان النفس المستبدة بصاحبها، القادرة عليه مع قلة قدرته عليها. في هذا الجناب العلوي يعمل "التفويض" عمله الفاعل، وتتزكى جذوته المشتعلة بقبس من دوام الدعاء، فالذي يعجز عن علاج نفسه لن يعجزه التسليم فيها لله؛ لأن الله خالقها بصيرٌ بها مطلع عليها بمقدار بصره وإطلاعه على العباد؛ فلزَمْ التفويض.

ومن ذلك ما قاله ابن عبّاد الرندي في شرحه على حكم ابن عطاء الله السكندري:"وسبيلُ المريد إلى الوصول إلى موت النفس إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء إلى مولاه في أن يعينه ويقوِّيه على أمر نفسه، ويسهل عليه طريق سلوكه. وعليه أن يستعمل هذا (العلاج دواء لنفسه المريضة) في كل حال ووقت، وليجعله عُمْدَته فيما هو بسبيله"(1). تلك كانت في مجملها قيمٌ تترقى من مفعول "الإرادة" إلى قيم "العقيدة".

وليس من شك، أن الدعاءَ مُخُ العبادة؛ فما من عَبْد يعبد الله، ويتحقق من فنون العبادة وأذواقها، إلّا وهو يدعوه إمّا راجياً أو خائفاً. ومحور العبوديّة في مناجاة الله: هِجِّير العارف في مناجاته، وعبادته على الإخلاص توفيق؛ ولسهل بن عبد الله التُّسْتَّري شذرة رائعة تقول:"الأعمال بالتوفيق؛ والتوفيق من الله، ومفتاحها الدُّعَاء والتَّضَرُّع ".

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

..........................

(1) شرح الرندي على الحكم العطائية، جـ2؛ ص 146 .

 

منى زيتونيذكر محمد السيد عبد الرحمن (1998) إنه كي يكون هناك توازن بين مكونات المهارة ‏الاجتماعية الشاملة ترتبط بالكفاية الاجتماعية للفرد ككل، لا ينبغي أن تكون نتائجه عالية جدًا أو منخفضة ‏جدًا على أي بعد أو على أكثر من بعد في مقارنة بالأبعاد الأخرى من أبعاد المهارات الاجتماعية.‏

وفي ذلك يقول ريجيو ‏Riggio,1986)‎‏) إنه حقيقة أن درجة بعد ما من أبعاد المهارة ‏الاجتماعية الشاملة تعد في غاية الأهمية، ولكن ينبغي أن يقترن ذلك بنوع من التوازن بين ‏المهارات الاجتماعية الأخرى.

ولعل هذا يبدو منطقيًا، فبفرض أن مهاراتك التعبيرية جيدة، وتتمتع أيضًا بحساسية جيدة، لكنك تفتقد الدرجة الملائمة من مهارة الضبط الانفعالي أو الضبط اللفظي أو كليهما، فهذا الحال أبعد ما يكون عن أن يُوصف بالكفاءة الاجتماعية. كما أن درجة مرتفعة للغاية من الحساسية للفرد ربما تكون من أكبر العوائق أمام تفاعله مع غيره من الناس.

وهذه بعض الإرشادات التي استخلصتُها في ‏ضوء دراساتي وخبراتي عن المهارات الاجتماعية، من أجل ‏رفع مستوى كل مهارة منها، وإحداث هذا التوازن المنشود بينها.

أولًا: مهارة التعبير الانفعالي:‏

‏1-‏ ليس من الخطأ أن يعرف الناس أنك حزين أو مكتئب. عبِّر عن انفعالاتك ‏كما تحسها.‏

‏2-‏ اجعل سرعتك معتدلة في الكلام.‏ لا تتكلم بسرعة بحيث لا يفهم عنك مُحاورك، ولا تبطئ بحيث يضيع ترابط الكلام، وتعطي انطباعًا بعدم الثقة عن نفسك.

‏3-‏ عندما تكتئب، فإن من حقك على أصدقائك أن يشاركوك وجدانيًا ويشعروا بما يزعجك، ليحاولوا التخفيف عنك، لكن ليس إلي درجة أن تجعلهم مكتئبين.‏

‏4-‏ العينان مرآة الشخصية، سيكون انطباع الآخرين عنك رائعًا عندما تبدو مشاعرك من ‏عينيك، ولكن عليك أن تتعلم أن تخفي هذه المشاعر عندما يكون ذلك في مصلحتك.‏

‏5-‏ أثناء تعاملك مع الآخرين حاول ألا تكون انطباعات سلبية منذ بداية التعامل معهم، ‏واترك لنفسك فترة كافية قبل تكوين الانطباعات.‏

‏6-‏ جميل أن تضحك عندما تشعر بالفرح والسرور، لكن لا تجعل هذا يحدث بصوت ‏مرتفع.‏

‏7-‏ اسأل نفسك: لماذا ينتابك أحيانا اضطراب يجعل أصدقاءك وأسرتك ‏يدركون أنك غاضب أو منزعج لوجودك معهم؟ أليس من الأفضل أن تحاول ضبط ‏مثل هذه الانفعالات السيئة بدلًا من التعبير عنها؟!

‏8-‏ لماذا لا تظهر تعبيراتك الوجهية كما تحسها؟ لا ضرورة إطلاقًا للتحكم في تعبيراتنا عن مشاعرنا الإيجابية.

‏9-‏ الإنسان الذي نادرًا ما يظهر غضبه يحبه الناس.‏

‏10-‏ لكل إنسان حدوده الشخصية التي لا يحب لأحد أن يتعداها، لذا درِّب نفسك على ‏عدم الاقتراب الزائد أو ملامسة الأصدقاء ‏‎-خاصة غير الحميمين‏‎–‎‏ عندما تتحدث ‏إليهم.‏

‏11-‏ ما أجمل أن تكون تلك الشخصية الرائعة المرحة القادرة على تحويل التجمعات ‏المملة إلى تجمعات مليئة بالضحك والمرح والابتسام.‏

‏12-‏ الشخصيات المرحة التي تعبر عن مشاعرها في دفء وصراحة تكون محل ومحور ‏انتباه الآخرين دومًا، ومن المؤكد أن هذا يسعدك، لكن دع هذا يحدث تلقائيًا، ولا ‏تحاول أن تلفت انتباه الآخرين بتصرفاتك لأن هذا ينقص من قدرك ولا يرفعك.‏

‏13-‏ حاول أن تظهر مشاعرك وانفعالاتك بالقدر الذي يصل بالإنسان الذي تتفاعل معه ‏إلى إدراك حالتك المزاجية، لكن لا تشطط في التعبير عنها كما يحلو لك.‏

‏14-‏ وازن في مقدار حديثك، لا تكن صامتًا كالأبكم، أو ثرثارًا حتى يصل الأمر ‏بأصدقائك إلى أن يخبروك صراحة أنك تتحدث كثيرًا.‏

‏15-‏ لماذا يكون التعبير عن الغضب بالصياح أو الصراخ؟! لا شك أنها وسيلة بشعة ‏للتعبير عما يعتري الإنسان، تقلل من حب الناس له وتعاطفهم معه.‏

ثانيًا: مهارة الحساسية الانفعالية:‏

‏1-‏ راقب حركات وتصرفات الناس بقدر ما تستمع إليهم، لا تترك الآخرين ‏يتحدثون وأنت لا ترقبهم. لا شك أن هذا يضايقهم.‏

‏2-‏ ليس كل الناس عديمي الحساسية والتفهم، فبعضهم حساسون متفهمون للغاية، وبعضهم ‏الآخر ينقصهم فرط الإحساس بمشاعر الآخرين، ومن الخطأ الحكم على جميع الأفراد ‏وتقييمهم من خلال التعامل مع فئة قليلة منهم، أو الحكم على فرد من خلال مواقف قليلة.‏

‏3-‏ نمِّي قدرتك على ملاحظة أي شخص يهتم بك أثناء تواجدك في الحفلات ‏والتجمعات، ولكن حذار من استشعار اهتمام زائف، ليس له أصل أو وجود في ‏الحقيقة.‏

‏4-‏ تعرَّف ما يجذب انتباه الناس، ولكن لا تجعل شخصيتك تضيع وسط تلبية ما ‏يرغبونه. ‏

‏5-‏ تذكر دائمًا أن فهمك لطبيعة أي شخص من خلال ملاحظته وهو يتعامل مع الآخرين ‏يتوقف على طبيعة الشخص وطبيعة الموقف، فلا تسرف في تكوين رأي عن ‏الشخص الذي تلاحظه من خلال التعامل مع الآخرين. ‏

‏6-‏ إن استكشاف المشاعر الحقيقية للناس هي مهارة حاول أن تدرب نفسك عليها، لأن ‏هناك الكثير من البشر الذين يحاولون إخفاء مشاعرهم الحقيقية وإظهار مشاعر ‏مزيفة.‏

‏7-‏ لا شك أن استكشاف المحتالين؛ الذين يظهرون مشاعر وأحاسيس مزيفة لا يشعرون بها ‏حقيقة، هي مهارة تتطلب الحساسية لانفعالات ‏الآخرين، حاول أن تنميها لديك، لكن لا تجعل الحال يصل بك إلى تصور أن الجميع ‏محتالون.‏

8-‏ مقابلتك لشخص ما وتعاملك معه لمرة واحدة ليس محكًا كافيًا لتكوين انطباع ‏وحكم عن هذا الشخص.‏

‏9-‏ جميل أن نجد سعادتنا مع الآخرين، وهذا يعتمد كثيرًا على حُسن اختيارنا لهؤلاء الآخرين!‏

‏‏10-‏ كل إنسان يواجه مشاكل في الحياة لا يخففها غير إحساسه بأن هناك من يشعر بها ‏وبه، ومن لا يستمع إلى الناس عندما يحدثونه عن مشاكلهم بصدر رحب لن يجد من ‏يستمع إلى مشاكله.‏

‏11-‏ لماذا الصراخ عند رؤية المشاهد المحزنة؟ إن الإحساس بانفعالات الآخرين لا يكون ‏إلى هذا الحد. إن تصرف مثل هذا سيقابل بانتقاد من المجتمع مثله في ذلك مثل ‏عدم المبالاة بانفعالات ومشاعر الآخرين.‏

‏12-‏ لا تتأخر عن تقديم التشجيع ومعانقة أي شخص لديه مشكلة للتخفيف عنه.‏

‏13-‏ مشاهدة الآخرين وتأملهم يجعلك تحس وتفكر بما يحسون، لكن ينبغي ألا يصل بك ‏الأمر إلى أن تقضي ساعات لمجرد مشاهدتهم وتأمل أحوالهم، لا شك أن مشاركتك ‏الاجتماعية لهم ستكون أفضل لك ولهم.‏

‏14-‏ رؤية الآخرين لك على أنك حساس وعاطفي لهو اعتراف لك بمشاركتك الوجدانية ‏لهم. حافظ على ذلك.‏

‏15-‏ مد يد العون لأصدقائك عندما يكونون قلقين أو متضايقين، وساعدهم ‏على تحقيق الهدوء والطمأنينة. سيحبك الجميع إن كنت ذلك الشخص.‏

ثالثًا: مهارة الضبط الانفعالي:‏

‏1-‏ ابذل المزيد من الجهد لإخفاء مشاعرك السلبية وضيقك عن الآخرين.‏

‏2-‏ تحكم في ضحكك وابتسامك بقدر ما، عندما تكون عناصر الموقف الاجتماعي تتطلب ذلك، لا تكن ضحوكًا دائمًا أو عبوسًا دائمًا.‏

‏3-‏ إن ظهور انفعالاتك على وجهك شئ جميل، ولكن هناك بعض المواقف التي ‏يكون من الأفضل فيها إخفاء مشاعرك، مثلما هو الحال عندما تشعر بارتباك. درِّب نفسك على استخدام أساليب الإلهاء كالتفكير في أي شئ آخر ‏غير الموقف الذي يسبب لك الارتباك.‏

‏4-‏ تذكر أن عليك أحيانًا أن تضبط انفعالاتك، وتتحكم في مشاعرك.‏

‏5-‏ إخفاؤك مشاعرك الحقيقية عن أي شخص هو مهارة في بعض الأوقات فقط، فلا ‏تستخدمها دائما لأن هذا يعزلك عن الناس. التوازن يحقق لك التفاعل الجيد مع ‏الآخرين.‏

‏6-‏ درِّب نفسك على أن تمنع نفسك من الضحك في بعض الأوقات.‏

‏7-‏ اسأل نفسك: لماذا يكون من الصعب عليك أن تتحكم في انفعالاتك؟

‏8-‏ تذكر دائمًا أن الإنسان الماهر اجتماعيًا لديه قدرة كبيرة على المحافظة على ‏مظهره الهادئ حتى لو كان قلقًا أو مضطربًا.‏

‏9-‏ حاول أن تنسجم بتصرفاتك وأفكارك مع أي مجموعة يتصادف وجودك بينها.‏ تخلص من فكرة أنك تنسجم فقط مع مجموعات من الناس ذات مواصفات معينة.

‏10-‏ إنها مهارة عظيمة أن تستطيع أن تخفي ضيقك وغضبك الشديد من بعض الأمور ‏في بعض الأوقات.‏

‏11-‏ هل تعتقد أن إظهارك لمشاعر السعادة الغامرة في المواقف الاجتماعية حتى لو ‏كنت تشعر بغير ذلك في الحقيقة هو شئ مفيد لصحتك النفسية؟ إن الضبط لا ‏يعني سحق مشاعر الإنسان إلى درجة العدم.‏

‏12-‏ ليست مشاعر كالضيق أو السعادة فقط هي التي يجب تعلم ضبطها وإخفاءها في ‏بعض الأوقات. أي مشاعر قوية تجتاحك تجاه فرد ما، من الأفضل لك أن تتحكم ‏فيها أيًا كان نوع تلك المشاعر.‏

‏13-‏ مثلما أن تمثيلك الإحساس بالسعادة وقت حزنك وترحك خطأ ترتكبه في حق نفسك ‏‏-ولكنه قد يكون مبررًا بأنك لا تريد أن يشعر أحد بحزنك-، فإن تظاهرك بالغضب ‏والحزن بينما أنت تشعر بالسعادة خطأ أيضًا، ولكن قد لا يوجد له ما يبرره.‏ بعض الناس يتقنَّعون بمشاعر سلبية لإخفاء مشاعر إيجابية!

‏14-‏ لماذا يعرف الناس مشاعرك حتى لو حاولت أن تخفيها عنهم؟ الإجابة ‏بالطبع: لأنك لست ماهرًا في ضبطها.‏

‏15-‏ اضبط انفعالاتك ومشاعرك، ولكن لا تصبح ممثلًا يغير من نفسه ليبدو سعيدًا في ‏لحظة، وحزينًا في لحظة أخرى.

رابعًا: مهارة التعبير اللفظي:‏

‏1-‏ استمتع بوجودك في الحفلات والتجمعات.‏

‏2-‏ عبِّر عن نفسك بوضوح، واسأل نفسك لماذا يستغرق الناس وقتًا لمعرفتك جيدًا؟ ‏أليس هذا لأنك لا تُعرِّف الآخرين بنفسك جيدًا.‏

‏3-‏ شارك في الأنشطة الاجتماعية التي تتاح لك فرصة المشاركة فيها، لابد أن هناك من ‏الأنشطة ما يتلاءم مع ميولك.‏

‏4-‏ اشترك في الأعمال التي تتطلب مشاركة أكبر عدد من الناس.‏

‏5-‏ اختلط بالآخرين أثناء الحفلات والاجتماعات.‏

‏6-‏ ليس عيبًا أن تبادر بتقديم نفسك للغرباء.‏

‏7-‏ ليس عيبًا أن تبادر بمحادثة الآخرين.‏

‏8-‏ عندما تحكي قصة أو حدث لشخص ما، استخدم كثيرًا من الإشارات والأمثلة ‏لتوضيح ما تقول.‏

‏9-‏ لماذا لا تشارك بنصيب كبير في الحديث عندما تكون في مناقشة مع الآخرين؟

‏10-‏ في الحفلات والمواقف الاجتماعية حاول أن تجد متعتك في الحديث مع مختلف ‏الناس.‏

‏11-‏ الإنسان الناجح ينفرد بنفسه أحيانًا لأجل التفكير في شئون حياته، لكن تذكر أن هذا يكون أحيانًا وليس دائمًا، وأن الانعزال عن الناس هو أول خطوات الانحدار بالصحة النفسية للفرد.‏

‏12-‏ لا تخص أفرادًا بعينهم بحديثك في الحفلات والتجمعات الكبيرة. اجعلها فرصة لمقابلة ‏أشخاص جُدد والتعرف عليهم.‏

‏13-‏ لماذا لا تجد في نفسك الشجاعة للحديث مع الغرباء؟ تذكر جيدًا أن من يبدأ الحديث ‏أكثر جرأة وشجاعة من الآخر، فتخير لنفسك إحدى المنزلتين.‏

‏14-‏ إذا كنت أنت الشخص الذي ينعش أي حفلة ويدخل عليها المرح، فستكون ‏محبوبًا في مجتمعك.‏

‏15-‏ إن امتلاكك لمهارة التعبير اللفظي لا يعني أن تفرط في الحديث عن أي موضوع ‏لساعات. اسأل نفسك من ذا الذي يستطيع أن يستمع إلى كل هذا القدر من الكلام ‏دون أن يمل؟! ‏

خامسًا: مهارة الحساسية اللفظية: 

‏1-‏ فكِّر في أسباب ما يُوجه إليك من نقد وتوبيخ، ربما كنت مخطئًا وتستحق ‏كل ما يُوجه إليك.‏

‏2-‏ اجعل تفاعلك مع أحزان وأفراح الناس معتدلًا. لا تجعلهم أكبر مصدر ‏لسعادتك وأحزانك، وفي نفس الوقت لا تكن ذلك الشخص غير المكترث بمشاعر ‏الآخرين وبما يحدث لهم.‏

‏3-‏ وازن بين مشاركتك للآخرين وبين ملاحظتك وتحليلك لما يقولون، فأحيانًا ‏ما تكون زيادة الملاحظة والتحليل عائقًا أمام مشاركتك وتفاعلك.‏

‏4-‏ حاول أن تكون متوازنًا في تأثرك بالحالة النفسية للمحيطين بك.‏

‏5-‏ إن تفكيرك بخصوص ما تقوله وتفعله، وهل هو صحيح أم لا، لهو أمر جيد لكي ‏تحاسب نفسك أولًا بأول، لكن لا تجعل هذا يجعلك تسرف في التشكك في أقوال ‏وأفعال لست بحاجة لأن تحاسب نفسك بشأنها.‏

‏6-‏ لا تأخذ كل ما يقوله الناس بشكل شخصي أو على أنه يمسك.‏

‏7-‏ وازن في تأثير ما يعتقده الآخرون عن تصرفاتك عليك، فليس من المنطقي ألا ‏يؤثر عليك إطلاقًا، كما أنه ليس من المقبول أن يكون كل همك.‏

‏8-‏ لماذا أنت حساس إلى هذا القدر؟ طالما أنك لم تقصد الإساءة إلى الآخرين بما ‏قلت، فلا شك أن العقلاء منهم سيدركون هذا حتى لو سبَّب لهم ما قلت إساءة حقًا، ‏فلا تقلق إلا أن يكون الموضوع حقًا يستحق القلق.‏

‏9-‏ حافظ على سلوكك حسنًا في مخاطبة الناس ومعاملتهم.‏

‏10-‏ تبسم شخص ما لك أو عبوسه في وجهك قد يكون تعبيرًا عما يُكنه هذا الشخص لك ‏من مودة أو ضيق، وقد يكون تعبيرًا شعوريًا عما يعتري هذا الشخص من أحاسيس ‏في تلك اللحظة، لذا لا تكون انطباعًا عن مشاعر الآخرين نحوك في ضوء مثل هذه ‏التعبيرات الوجهية فقط.‏

‏11-‏ لا تسرف في حساسيتك للنقد.‏

‏12-‏ تذكر جيدًا إنه من المهم جدًا أن يحبك الناس ذوو الأخلاق الحسنة المتسمون ‏بالفضائل، أما غيرهم فليس شرفًا لك أن يحبوك، لذا لا تشغل بالك كثيرًا بهم، وكما ‏يقول الحكماء إنك لن تستطيع أن ترضي كل الناس كل الوقت، فكيف تصل إلى ‏محبتهم لك جميعًا؟!‏

‏13-‏ لا شك أن مراقبة أي شخص لتصرفاتك يشعرك أنك موضوع تحت مجهر يرصد ‏صغائرك قبل كبائرك، ومثل هذا التصرف قد يكون ‏مزعجًا، لكن حاول ألا تكون عصبيًا تجاهه. فكِّر في أسباب هذا الشخص ودواعيه ‏لمثل هذا التصرف إزاءك، وكما يُقال إذا عُرف السبب بطل العجب.‏

‏14-‏ لا تسرف في الاهتمام بما تكونه عن الآخرين من انطباعات.‏ احكم على كل موقف بحياله.

‏15-‏ اهتم بفكرة الآخرين وانطباعاتهم عنك، لكن لا تجعل هذا الانطباع يحول بينك ‏وبين أن تكون نفسك.‏

سادسًا: مهارة الضبط اللفظي: ‏

‏1-‏ حاول أن تنسجم مع كل الناس صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم.‏

‏2-‏ عندما تكون مع مجموعة من أصدقائك وازن بين كونك متحدثًا ومستمعًا.‏

‏3-‏ لماذا لا تواجه الآخرين عندما تحادثهم؟ انظر في وجه من تتحدث إليه، وكن واثقًا ‏مما تقول.‏

‏4-‏ أعد للمحادثات التي تشترك فيها إعدادًا جيدًا حتى تصل إلى قدر من ‏المهارة في إجرائها.‏

‏5-‏ درِّب نفسك أن تتحدث أمام جمع كبير من الناس.‏

‏6-‏ عندما تكون مع مجموعة من الناس، وحتى لا تضطرب بخصوص الأشياء ‏الصحيحة التي يجب أن تتحدث عنها، حدد الموضوعات التي يمكنك التحدث ‏بشأنها مع هؤلاء الناس، ولو بالتشاور مع أصدقائك.‏

‏7-‏ درِّب نفسك على إدارة المناقشات الاجتماعية.‏

‏8-‏ إذا ما تعاملت مع أناس يختلفون عنك في المستوى الاجتماعي، حاول أن تجد مساحات من التوافق كي ‏تنسجم معهم، ولا تجعلهم يشعرون بنفورك منهم.‏

‏9-‏ تعلم الاختلاط بالناس أثناء الحفلات والتجمعات.‏

‏10-‏ الشعور بعدم الراحة أو الغربة في التجمعات التي يحضرها عدد كبير من الأشخاص ‏المهمين جدًا ليس له ما يبرره، فمن المؤكد أنك ستجد أشخاصًا في هذا التجمع في ‏نفس مكانتك الاجتماعية، ولهم نفس الاهتمامات ليشاركوك وقتك.‏

‏11-‏ فكر جيدًا، لماذا يستشعر الناس من مختلف المستويات عدم الانسجام أو التكيف ‏معك؟ لابد أنك تسهم بتصرفاتك في مثل هذا الشعور.‏

‏12-‏ عند الحديث مع الغرباء، ينبغي توخي الحذر فيما يجب أن يُقال، حتى لا يتطرق ‏الحديث إلى نطاقات لا ينبغي الخوض فيها.‏

‏13-‏ اختيار فرد ما ليكون قائد المجموعة هو اعتراف صريح له بالأفضلية، وبقدرته ‏على الضبط والتحكم إزاء أي موقف يعرض للمجموعة. قد لا تكون أنت القائد، ‏وهذا قد يعني أنه يوجد من هو أفضل منك، ولكنه لا يعني أنك سيئ أو غير قادر ‏على القيام بمهمات وتبعات القيادة، تذكر أن الشيء الأهم هو أن تتعلم كيفية القيام ‏بأدوار القيادة إذا ما طُلب منك ذلك.‏

‏14-‏ لماذا تجد نفسك في مواقف اجتماعية غير ملائمة لا تحسد عليها؟ ألست أنت من ‏يضع نفسه في تلك المواقف ويتسبب بتصرفاته في وقوعه فيها؟!‏‎ فكِّر في تبعات تصرفاتك قبل أن تفعلها.

15- درِّب نفسك على أن تنسجم بسهولة وسرعة مع أي موقف اجتماعي.

 

د. منى زيتون

 

670 شمهود 1التروبادور  trovador هو عبارة عن غناء رومانثي - خليط -romance - ظهر في كاتالونيا وجاليقيا وشمال ايطاليا وجنوب فرنسا والبرتغال.. وقد ظهر هذا النوع من الغناء في القرن الحادي عشر على يد الشاعر 1127-1071 Guillermo de Poitiers ثم تطور هذ النوع من الغناء  في القرن الثاني عشر .. ويذكر بان هناك تشابه للشعر الاندلسي في مضامينه مع شعر التروبادور حيث كان شعرا دنيويا خالصا مثل الغزل والحب ومدح الابطال المحاربين .. وبالتالي فان شعراء التروبادور كانوا متأثرين جدا بشعر جيرانهم الاندلسيين العرب الذي كان الغزل ووصف الطبيعة اكثر الموضوعات ورودا في اشعارهم .. ويذكر بان الشعر الرومانثي او اللغة الرومانثية هي خليط بين الموروث الايبيري واللغة العامية العربية او الفصحى . وكان غناء التروبادور غناء جماعي تؤديه فرق جوالة رحالة تنتقل من مكان الى آخر وعادة مايكونون من طبقة النبلاء واغانيهم غالبا ما تدور حول الغزل وتمجيد الابطال ورجال السياسة .. ويذكر انه غناء متأثر او بالاحرى مأخوذ من الموشحات الاندلسية... وقد انتشر بين طبقة الاغنياء ورجال السياسة والدين فغناه الكثير من الملوك وقساوسة الكنيسة مثل الملك الانكليزي ريكاردو قلب الاسد والبابا كليمنت وغيرهم ..

ورد في كتاب - مسالك الابصار- لابن فضل العمري -1349- بان هناك مولى اندلسي يدعى سالم كان عبدا للامير المغيرة بن الحكم - القرن التاسع - اشتهر بالغناء والعزف وانه قد تعلم بعض الالحان من النصارى , وكان المغيرة قد جلب مغنية من المشرق الى جانب سالم ... وهكذا مزج سالم بين غناء النصارى والغناء العربي القادم من المشرق . ويسمي بعض المؤرخين هذا النوع من المزج - بالرومانثي - الى ان جاء علي بن نافع الملقب زرياب سنة 821 قادما من بغداد الى قرطبة في زمن عبد الرحمن الاوسط فجاء بما لم تعهده الاسماع واحدث ثورة في التجديد والالحان والموسيقى في الاندلس ....

ثم جاء الشاعر والفيلسوف - ابن باجة - واخترع طريقة جديدة للموشحات لا توجد الا في الاندلس مال اليها طبع اهلها فرفضوا ما سواها ... وهنا تروى قصة طريفة يرويها ابن باجة فقد القى على بعض قيناته موشحته ..:

جرر الذيل ايما جر       وصل السكر منك بالسكر

فطرب الممدوح لذلك فلما ختمها بقوله :

عقد الله راية النصر      لامير العلى ابي بكر

670 شمهود 3.jpg

فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح واطرباه وشق ثيابه .... وقال ما احسن ما بدأت وما ختمت . وحلف ايمانا مغلظة لا يمشي ابن باجة لداره الا على الذهب ... فخاف الحكيم سوء العاقبة فأحتال ان يجعل في نعله ذهبا ومشى عليه.. - وقد روى هذه القصة المقري في كتابه- نفح الطيب - الجزء الرابع.

من جانب آخر يذكر بعض المؤرخين انه حدثت هجرة للنصارى من المناطق الشمالية الاسبانية الى المناطق الاندلسية لطلب العلم والدراسة والعمل في بلاطات الامراء والزراعة والصناعة وغيرها وسمي هؤلاء - بالمستعربين -mozárabe - وكان من بين المهاجرين مغنيات وشاعرات . وكانت هذه الجواري قد جلبن معهن تقاليد مجتمعاتهن , حيث كان بعضهن يرجع الى اصول مدن تتكلم اللغة - الاوكستانية - وهن افرنجيات - . وبالتالي فقد نقلن الاغاني والموسيقى الى الاندلس وبذلك اختلطت الثقافتين وظهر نوع من الشعر يدعى الموشحات ..... ويذكر ابن بسام في كتابه - الذخيرة في محاسن الجزيرة - ان مبتكر هذا النوع من الموشح هو الضرير مقدم بن معافي القبري - القرن التاسع - وهو شاعر مولد وانه قد جاء بعد المولى سالم ب 75 سنة فمالت اليه الناس ونسوا ما سبقه ...

وعندما عاد قسم من هؤلاء المستعربين الى اوطانهم ومدنهم نقلوا معهم الثقافة العربية والاسلامية ونشروها ومنها لون الاغاني وطرزها وفرق الموسيقى وآلاتها بل حتى الامثال الشعبية .... وازداد هذا النقل عن طريق العرب والمسلمين الذين عاشوا في الامارات النصرانية ويسمون - بالمدجنين - al mudéjar

وبذلك فقد انتشر الغناء الشعبي الاندلسي في الممالك النصرانية واصبحت هناك فرق جوالة موسيقية يطلق عليها - التروبادور - وهذه الظاهرة انتشرت في اوربا عن طريق الاندلس . وبالتالي اصبح هؤلاء يتحركون بدون حدود فعبروا الى اوربا حاملين معهم تقاليدهم الموسيقية والادبية متأثرين بفنون العرب فدخلوها لاول مرة بنوع جديد وثوب لم تالفه اوربا من قبل ..... وقد تكررت هذا الظاهرة اليوم عندما بدأت في نهاية الستينات من القرن العشرين حركة الهيب هوب والبريك دانس والبونك والراب وغيرها وهي ايضا فرق موسيقية رحالة انتشرت في كل انحاء العالم .

670 شمهود 2.jpg

الآثار الباقية

يذكر احد المؤرخين العرب المعاصرين وهو الدكتور عباس الجراري بأن الموسيقى الاندلسية المحافظ عليها حتى اليوم في المغرب مماثلة لما هو موجود في بعض الاقاليم الاوربية التي كان لها احتكاك بالمسلمين مثل اسبانيا وصقلية وجنوب فرنسا وجنوب ايطاليا واليونان والتي احتفضت بموسيقاها الشعبية دون محاولة للتطوير او ادخال تعديلات التي قد تغير الملامح على حد ما يثبت غناء - الافلامنكو - الاسباني و- الفادو - البرتغالي .

واليوم تعود هذه الظاهرة الغنائية الشعرية والشعبية على شكل فرق منظمة ومنسقة في المراكز السياحية والساحات العامة وهي تعزف بمختلف الالحان واللغات محاولة منها السير على التقاليد القديمة للتروبادور .. ومن هذه الفرق التي تسمى اليوم في اسبانيا تونا Tuna - - وهي فرقة لها جذور قديمة تعود الى القرن الثالث عشر ومنهم من يقول الى الخامس عشر وكانت تتكون من الطلبة الفقراء الذين اخذوا يتجولون لجمع الاموال لسد نفقات دراستهم فكانوا يعزفون ويغنون الاغاني الفلكلورية . واليوم تتكون هذه الفرق من طلبة الجامعة بزيهم التقليدي القديم وباناقة وجمال ساحر فهم يرتدون الملابس السوداء من سراويل قصيرة وقميص وعباءة تنزل على الظهر عليها شرائط من الالوان المختلفة كما توجد على احد الاكتاف مجموعة من اعلام وشعارات الامارات والدول وهي اشارة الى اممية الموسيقى وتجوالها... ويظهرون في الاحتفالات الخاصة والعامة والاعراس وعلى نغم الالحان والموسيقى القديمة.... وهناك فرقة اخرى تسمى اليوم الجوتيس Chotes - - وهي من التقاليد المدريدية الموروثة حيث لها لون آخر من الشعر الغنائي الرومانثي مثلا لازالت اغنية ترددها بعض الجماعات الغنائية الشعبية ومطلعها في الاسباني .

Por la calle alcala

Todo el mundo viene y va

Por la calle alcala

وهي على نغم الموشحة وتعتبر رومانثي لانها خليط من الكلمات العربية والاسبانية المحلية وقد ورد في هذه المقاطع كلمة alcala اي القلعة وبالتالي فان الاغنية تترجم هكذا: في شارع القلعة, كل الناس تأتي وتروح, في شارع القلعة.

وقد صدرت بحوث ودراسات كثيرة جدا في مطلع القرن العشرين حول هذه المواضيع على يد عدد من المستشرقين الاسبان منهم المستشرق الكبير ميغيل آسين بلاثيو واميليو غارثيا غومث وماريانو مورينو والاخير هو مؤرخ واستاذ كبير وقد ترجمت بعض كتبهم الى اللغة العربية وغيرهم .Mariano Moreno .Emilio Garcia . Miguel Asin Palacio.

وبعد الانفتاح الاوربي على ثقافة الشرق بدأت تقام مهرجانات ثقافية وفنية متبادلة لتعزيز اواصر الصداقة والمحبة بين البلدان واثراء الثقافة الانسانية والعلاقات الاجتماعية بين البشر . وقد وفد على اسبانيا كثير من الفرق الفلكلورية العربية في مناسبات وطنية واصبحت مدريد مركز استقطاب لهذه الفرق الموسيقية الشعبية

فكانت اعناق السواح تمتد اليها مذهولة طربا واعجابا بتلك الفنون الجميلة التي لم يألفوها منذ عدة قرون . وقد شاهدت فرق مصرية ومغربية  شعبية فلكلورية تقدم غنائها ورقصاتها في وسط مدريد  في ساحة plaza mayor   وسط جمهور غفير من الناس خاصة السواح الذين  انسجموا وصفقوا لهذا اللون من الفنون الشعبية .

 

د. كاظم شمهود

 

سلام جمعة المالكيالسيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي المحترم.. السادة مسؤولو المؤسسات الاكاديمية المحترمون...تم التطرق في الجزئين السابقين للأساسيات المفترضة في التخطيط والشروع في استحداث جامعات جديدة استنادا للحدود الدنيا المعمول بها عالميا وواقع حال التجربة غير السارّة في العراق، أضافة لاستعراض متطلبات ومواصفات الملاكات التدريسية المناط بها قيادة تلك الجامعات المستحدثة وما يفترض ان يكون عليه اسلوب التعامل مع تلك الشريحة باعتبارها العنصر الاهم والابرز في نجاح او فشل العملية برمّتها مع اشارة مختصرة "مشّفرة" لواقع حال أقل ما يمكن وصفه أنه "غير صحّي" ولا يبشّر بمستقبل واعد....

أستعرض في هذا الجزء بعض مفارقات تدعو لإعادة فتح ملفات استحداث الجامعات في العراق الذي تم في سنة 2014، كلّا او جزءا والتوجه لإلغاء تلك الجامعات والحاقها بالجامعات الاكثر استقرارا.... لما سنرى من دواعٍ وثغرات...

لم تكن سنة 2014 سنة عادية، رغم انه لا يمكن وصف اي سنة من سنوات هذا البلد المسكين بالاعتيادية منذ عشرات السنين،.. غير ان تلك السنة قد تميزت بمنعطفات خطرة جدا أبرزها الظهور المفاجئ لداعش كقوة محتلة لا تقهر، استولت على ثلث مساحة البلد!!!، وظهور موجة هائلة من التهجير والنزوح الاضطراري للكثير من المواطنين بينهم طلبة واساتذة وموظفين.. رافق ذلك الامتناع غير المفهوم "علنا على الاقل" عن التصويت على الموازنة الاتحادية العامة للبلد مما ترك المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في حال من التخبط والحيرة فيما يتعلق بالتصرفات المالية والتخطيط لها... هذا اذا لم ننس انها كانت سنة انتخابية عاصفة شهدت ما شهدت من صراعات ومناكفات بين مختلف الفرقاء للاستيلاء على اكثر ما يمكن من موارد السلطة والسيطرة... يمكن عندها تصوّر حال التوتر واختلال البوصلة المتوقع من تظافر كل تلك الظروف في اي بلد مستقر... فكيف لو كانت ذلك البلد هو العراق!!!!؟؟؟

وسط كل ما ذكر أعلاه يتم، فجأة، الاعلان عن تأسيس 14 جامعة في مختلف مناطق العراق تحت مسمى "الجامعات المستحدثة" وعنوان "جامعات تخصصية"!!! في بلد يكاد قطاع الصناعة "العام والخاص" فيه ان يكون ميتا، والقطاع الزراعي يئن تحت وطأة الاهمال والعطش والقطاع الصحي في أردأ حال....فمن الذي شخّص الحاجة للتخصصات والاعداد المطلوبة واين هي دراسات الجدوى؟؟  ومع انه غير مفهوم هذا الاصرار على ان تكون جامعات وليست كليّات.. وهذه سنعود اليها لاحقا لأهميتها في كشف واحدة من ابرز اسباب عدم التوفيق في هذه الخطوة،... فان المتعارف عليه عالميا ان استحداث جامعات او كليّات، ان يكون البلد ومؤسساته الانتاجية خاصة على درجة عالية من الاستقرار والنمو بما يستدعي ضخ دماء وطاقات جديدة للانطلاق العمودي في تلك المؤسسات الانتاجية نحو آفاق اكثر تخصصية اضافة للسيطرة على معدلات البطالة وتحسين ناتج الدخل القومي....فهل يقترب هذا من واقع العراق في تلك السنة او الفترة تحديدا؟؟؟ تلك واحدة....

أيضا...يقفز لواجهة الحوار تساؤل احمر قانٍ، عن سر حملة الشروع بإنشاء 14 جامعة "اكرر جامعة وليس كليّة" مع ما تتطلبه من نفقات تأسيس ضمن فقرة الاصفار التسعة في وقت كان البلد فيه على حافة هاوية تهدد كيانه كدولة وانهيار اقتصادي شامل بسبب شبه توقف الانتاج النفطي والتصدير في المنطقة الشمالية وملايين المهجرين والنازحين ونفقات هائلة للقطاع العسكري وووو وكل ذلك بالتزامن مع انهيار اسعار النفط "المورد الوحيد لميزانية البلد"...هذا اذا لم نتطرق للتضخم الاضافي في اعداد موظفي الدرجات الخاصة من كبار مسؤولي تلك الجامعات وتشكيلاتها، ومعظمهم، واقعا، من ذوي الدرجات الادنى التي "قد" لا تقترب من الدرجة الاولي قبل التنصيب...نعم لو كان اولئك المسؤولين الجدد من ذوي الخبرات والدرجات العلمية المتقدمة ومن الحائزين على مكانة علمية عالمية تمثل اضافة ودفعا للمؤسسات المستحدثة...لو!!!..

أيضا وأيضا، وبلحاظ شبه انعدام اي تخطيط حقيقي لتلك العملية المفاجئة وكون قرار الانشاء لم يكن اكثر من توقيع على ورق والذي برز من خلال الحيرة الكبيرة للقيادات المكلفة بإنشاء تلك الجامعات في ايجاد مقرات ولو وقتية لتلك المؤسسات "فشلت بعضها في ذلك ايضا مما ادى لاختفائها".. والتفكير الطويل "الذي تجاوز السنة مع بعضها" بعد ذلك التأريخ في ماهية وعناوين التخصصات التي يمكن على أساس عناوينها القول بوجود حقيقي لتلك ال"جامعات المستحدثة"، نصل لنتيجة منطقية مفادها تفنيد المسوّغات المعلنة عن حاجة سوق العمل لان القبول بتلك المقولة لا يعني سوى القبول بأسلوب "تحضير العلف قبل الحصان"!!! وهي سياسة ادارة مقلوبة ولا ينتج عنها سوى هدر وضياع للموارد المالية والبشرية واشاعة العشوائية "هذا توصيف حسن النيّة ...واقعا"...يتبع...

 

  أ. د. سلام جمعه المالكي

 

احمد شحيمطعلي الوردي (1913 – 1995) من خيرة علماء الاجتماع العرب . في تجربة غنية ودراسات علمية قيمة للوقائع الاجتماعي وتأملات في طبيعة المجتمع العراقي والفرد كنموذج ومقياس الدراسة في قوة الملاحظة . وشدة الانتباه للمتغيرات والظروف الاجتماعية والسياسية التي ساهمت في تكريس بنية ذهنية من ترسبات الماضي البعيد والقريب. يلف الوردي على التاريخ ويعيد قراءة منها أشياء دقيقة لا مرئية . ويمنحها معنى آخر أو يحيطها بالمعاني المسكوت عنها . ففي العودة للماضي يبدو الصراعات التي لازالت تغدي المخيال الشعبي . من صراعات على السلطة وانقسام المجتمع إلى طوائف ومذاهب . وآراء ثابتة هيمنت على الحياة وترسبت في النفوس . وعندما يستمع الوردي وينصت لكل ما يكتب عن الصراعات المذهبية وتاريخ الأمس البعيد وما يكتب في كتب التاريخ عن المجد والحضارة ومنطق لفكر الثابت. يدرك حاجة الشعوب إلى منطق جديد في الفهم والتجاوز . رواسب المفكر آتية من الدراسة المشبعة بقيم الحداثة والفكر الغربي في بعده المادي والإنساني . فقد تمرس الوردي في الغرب خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية ومن هنا يمكن القول أن الاحتكاك بالغرب كان بالغا في نفس عالم الاجتماع واكتسابه ما يكفي من المعرفة الأكاديمية ومعرفة عقليات الآخر . لن نميل هنا إلى تصنيف الوردي إيديولوجيا لان فكره يشهد أنه حاول بالفعل أن يقدم نظرة مغايرة عن كل علماء الاجتماع العرب أو الغربيين دون الدخول في مرامي وتفاصيل نشأة العلم وتاريخه والميل لرواده الأوائل . ودون أن ينصحنا بإتباع دوركايم أو كارل ماكس أو ماكس فيبر . فيلسوف التاريخ في استلهام منطق ابن خلدون لإعادة تصويب الفكرة الخلدونية في فهم تاريخنا وأحوالنا. وللفهم أكثر عن منطق البداوة والحضارة والصراع بينهما . هنا يعترف الوردي أن هذه الفكرة هي جوهر ما وصل إليه ابن خلدون أما باقي الأفكار والتحليلات فكلها تابعة ونابعة منها. علم العمران البشري في الملاحظة وتقصي أحوال السابقين من الأمصار والدول بالتحري والدقة وتمحيص الأخبار الزائفة من الأخبار اليقينية هي ما يميز علم التاريخ الخلدوني . والتقرب في المعاينة والعيش بقرب الناس من الأشياء التي ساهمت في تبلور منطق ابن خلدون عن القبيلة والقبلية والعصبية وتشكل المدن والدول . كل التأويلات التي قسمت المؤرخين في أقوالهم عن التاريخ الأموي وغيره بين نظرتين . سلبية تلقي اللوم على الحكام في بعدهم عن الدين القويم والميل إلى الترف والبذخ وانحلال الأخلاق أو القول المؤرخ والباحث في تاريخنا أن الدول منها من ساهم في نشر الدعوة الإسلامية وإيصالها إلى ابعد الشعوب . أما الصواب حسب الوردي فيكمن أساسا في حركية التاريخ ودورته حسب ابن خلدون. في أطوار الدول من النشأة إلى التقدم وأخيرا الأفول والانحطاط . دورة كاملة أشبه بعمر الإنسان . تلك الأيام تجري ويداولها الناس ولهم في الفكر قراءة أحادية واختزالية للتاريخ والأوضاع المعيشية . لكل دولة بداية ونهاية .  

 يبحث الوردي كثيرا في نوازع الناس وميلهم نحو الشر . نوازع تشير إلى ما في الطبيعة الإنسانية من التوحش والميل إلى الغلبة والتسلط . وعندما يتغلغل الوردي في صفات البدو والبداوة يدرك أنها طبائع ميالة للخشونة والتغلب. وان كانت هناك صفات ايجابية كالشجاعة والكرم فليست في عمقها إلا للمباهاة بين أبناء القبيلة الواحدة والقبائل الأخرى . فالإنسان ابن بيئته وليس مدني بطبعه كما يقول الحكماء اليونان .ومنهم أرسطو بل أن البيئة هي التي تكسب الفرد طبائع وصفات من المجتمع الذي بدوره خاضع لأحوال سياسية واقتصادية . ومن هنا فالأخلاق نتاج للمجتمع وليس للفرد كان يقول الوردي وليست هناك في البيئة العربية مجال للكلام عن القيم الفردانية التي جاءت من ثقافة الغرب العقلانية أي قيم الحداثة في نزوع الإنسان نحو الاستقلالية والحرية والاختيار . منطق الصراع بين البدو والحضر يعني الصراع بين البداوة والحضارة. لا بد أن يأتي اليوم الذي يهجم فيه البدو على الحضر وسلب كل مستلزمات الحضارة من نعيم وترف . وتتشكل رابطة جديدة من أبناء القبيلة الواحدة . هذه الرابطة تشد الناس بعضهم إلى بعض .وعندما تضعف يتسرب الضعف للدولة فيبدأ الصراع من جديد على الرئاسة والاستفراد بالسلطة والزعامة . وينتهي لقيام مجتمعات أخرى وهكذا . في تصنيف ابن خلدون للبدو فقد صنفهم إلى ثلاث أصناف وهم البدو الذين يعتمدون في معاشهم على الإبل . يليهم أصحاب الشاء والبقر . والصنف الأخير أولئك الذين يمتهنون الزراعة . وفي الخصائص ما يناسبها من طبائع للبدو والحضر أي أن ابن خلدون ذكر خصائص العمران وأحوال الناس في الصنائع والفنون . فمن يقرأ في مقدمة العلامة ابن خلدون سيخرج بأفكار عدة عن أحوال الناس ووضعية الإنسان في زمنه. وفي لحمة القبيلة وهيمنة النزعة القبلية والعصبية . وأشكال الدول المتعاقبة وطبائع كل من العرب والعجم . وفي التاريخ والجغرافية . والتغير الذي يصيب الناس والبلدان . وفي الطبيعة البشرية وعلم العمران البشري واصل الاجتماع وزوال الدول . من هنا يبدو أن علماء الاجتماع العرب ومنهم ساطع الحصري يعتبر أن ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع الحديث. ومن كتابات الوردي ومحمد عابد الجابري كان للمفكرين ميزة أساسية وهي إعادة التفكير في ابن خلدون على ضوء ثقافتنا الحالية .   

فمن العراق يوظف علي الوردي منطق ابن خلدون في دراسة المجتمع العراقي وشخصية الفرد والطبيعة الإنسانية . ويقترح مواصفات للشخصية الناجحة في العودة إلى الشعور ودراسة خوارق اللاشعور . والتغلغل في بنية العقل للتعبير عن نوازع الناس مند القديم نحو الشر والقوة .ويعود في نفس الوقت في الاعتراف صراحة بكل ما أغفله ابن خلدون مع الثبات على فكرة التقابل بين الحضارة والبداوة . ففي دراسة الوردي للعراق وطبيعته فانتماء الرجل لبيئة العراقية منحته أفكار جاهزة ومعقولة في نفس الوقت من مرحلة ما في تاريخ العراق. أي أن الوردي خبر المكان وعاش مدة طويلة بين أحضان المجتمع .وبذلك يلم بحيثيات المكان أكثر من الإنسان العادي . انه عالم اجتماع ومطالب بسبر أغوار الذات في الخطاب المحمول والمعبر عنه بالكلام أو في الخطاب الموجه للذات . وهو الذي التف والتمس من السيكولوجية آليات خصوصا من التحليل النفسي مع سيغموند فرويد في القول بالعقل الباطن والعقل الظاهر . فالعراق بالذات يعرف هذا النوع من الصراع بين الحضارة والبداوة وهو الذي يقع على منبع فياض للبداوة, منبع الجزيرة العربية . وهنا يحلل الوردي هذا الانقسام في المجتمع بين البداوة الآتية من القرب الجغرافي ومن الفتح العسكري وكذلك من عصارة الحضارة القديمة . فالعراق منبع الحضارة البابلية والأشورية وغيرها . يتجه الوردي نحو الفرد في تحليل مكوناته ورواسبه من هيمنة نزعة القبيلة عليه لذلك تجده اشد حرصا على القبلية أكثر من الدولة التي يعتبرها مؤسسة لاستنزافه في دفع الضرائب والتقليل من سلطته. وهذا النوع من القول والفعل رهين بقوة أو ضعف الدولة . ومرة أخرى يحاول الوردي تعميم الفكرة على الأوطان العربية .ويفند فكرة أن العرب اشد بداوة وتوحشا عن غيرهم من الأمم علما أن التتار والمغول اشد الشعوب توحشا وهمجية .  

فالأمر هنا كما يقول ساطع الحصري أن المقصود بالعرب عند ابن خلدون هم البدو . علي الوردي بدوره يتساءل عن معنى الحضارة والبداوة . ففي الانثروبولوجية الغربية ظل التقابل سائدا بين أهل الريف وأهل المدينة . بين الطبيعة والثقافة باعتبار أن المجتمعات الغربية تعيش على قيم الحداثة والعقلانية .وان الحضارة عصارة الانتاجات الروحية والرمزية والمادية. ولذلك نجد المؤرخ الأمريكي كتب عن قصة الحضارة الإنسانية .ومن كل الأمم التي ساهمت في بنائها . هنا يلج الوردي في إبراز شخصية البدوي وكأنه يقدم لنا دراسات سيكولوجية في الشخصية وليس دراسة وقائع اجتماعية . فمن سمات هذه الشخصية البدوية التغالب أي البدوي يحب دائما أن يكون غالبا لا مغلوبا . ويتميز البدوي بالمروءة والكرم والعزة . والقطب السالب في الحياة البدوية هي العصبية والتعصب للقبيلة وحب الغزو والنهب والاعتداء . ويحتقر البدو الصنائع والمهن الفكرية . ويتباهى البدوي بوفرة الغنائم عن طريق الغلبة والقتال والعودة للديار سالما. أما في الحضارة فالناس على درجة كبير من الرقي والألفة والابتعاد عن التعصب والنزعات القبلية . يقبلون على المهن والصنائع . تنظمهم دولة تدبر شأنهم . وفي الترف والازدهار تتبدل أحوال الحضر وتظهر مظاهر أخرى للانحلال الخلقي وما شابه ذلك من أحوال جديدة قي العيش . ومن طبائع المجتمعات العربية مقاومة كل تغيير وتحديث في الذهنية وقواعد التدبير للمجتمع . نحو إدخال أشكال أخرى في التنظيم والتسيير, نحو بناء المؤسسات والعمل بالقوانين. ونحو فرض الانضباط للدولة. لكن اعتقاد الناس أن الفرد لا يمكن أن يكون متمدنا ومتدينا في نفس الوقت. فالفرد العراقي يعاني من ازدواجية الشخصية بين الداخل والخارج من خطابين متناقضين .

فالإنسان العربي بدوي في عقله الباطن ومسلم في عقله الظاهر . وهي فكرة من مسلمات الوردي أو لنقل من النتائج المستخلصة في دراسة طبيعة الشخصية العراقية ومحاولة تعميمها على الإنسان العربي بصفة عامة . طبيعة لا زالت تزود الإنسان بالفكر المترسخ في أعماق اللاشعور . ومن ترسبات القيم البدوية التي تسللت للمدينة وكانت هناك نشوء دول وكيانات تغذت على ما هو قبلي . فالواقع أن الوردي عندما عاد إلى قراءة ما كتبه من بعد وجد نفسه بالفعل أنه كان مقصرا في الملاحظات والدراسات . والأجدر انه كان يمكن يحدو في الدراسة في استعمال منطق دوركايم أو أوكست كونت في قراءة مادية وعلمية صرفة للوقائع دون الدخول في مقارنات . وان يستعين بالعوامل الاجتماعية دون أن يلتمس منجزات وإسهامات علم النفس خصوصا مدرسة التحليل النفسي مع فرويد في دراسة الشخصية الفردية . عندما التمس علي الوردي ابن خلدون في منطق دراسته . كانت تلك الدراسة تعني أن اغلب السكان يسكنون في البادية . وان التغيرات الحديثة من الاستعمار إلى الطفرة النفطية والانفتاح عل قيم جديدة تمنح عالم الاجتماع أن يبدل من أدوات الدراسة وان يكف عن التعميم وان يستعرض أقوال السابقين ويعتبرها مدخلا لإعادة فهم التاريخ والمجتمع وترسبات الفكر . فالعراق الحديث وليد ثورات وتجارب في السياسة والاقتصاد .وصراعات مذهبية وطائفية تغلغلت في النسيج الاجتماعي وأصبحت في الآونة الأخيرة سرطانا موجه للفعل السياسي . العراق الحديث نتاج طاقات بشرية واطر متمرسة في العلم والمعرفة موجودة في المعاهد والمؤسسات الغربية . ونتاج صراعات لا تنتهي يحاول فيها الإنسان العراقي العبور نحو الديمقراطية وإقامة مجتمع المؤسسات والقانون للكل . عموما يبقى على الوردي شعلة في علم الاجتماع العربي. من محاسنه العودة للبيئة لأجل قراءة أحوال المجتمع بأدوات المنطق الخلدوني . ومن قراءته نداء للباحثين لاستكمال مسار البحث في المجتمعات العربية في الظواهر التي تعطل التنمية. وان تكون مفاهيمه حاضرة وقابلة للاستثمار في سبيل بناء علم اجتماع مستقل بذاته . وان كان أهل البادية تسللوا للمدينة في هجرة واسعة فان الأمر هنا يتعلق بأهداف الرأسمالية وخلق بنية صناعية والتي كانت في حاجة إلى بروليتاريا عمالية وخلخلة المجتمع التقليدي . وأخيرا لن يداوي منطق البداوة في بعدها السلبي إلا ترياق العلم والديمقراطية وبناء الدولة العقلانية.

 

 بقلم : احمد شحيمط كاتب من المغرب  

 

ميثم الجنابيإن جغرافية الدولة هي جغرافيتها السياسية. لكن حقيقتها تتراكم حول ما يمكن دعوته بمراكزها التاريخية الثقافية، التي تجعل منها على الدوام قوة جاذبة. الأمر الذي يجعل من توسع او تقلص حدودها الجغرافية حالة عابرة، وبالأخص بالنسبة للدولة العريقة. والعراق دولة عريقة، بل احد اعرق الدولة في التاريخ العالمي. فقد كانت حدوده الجغرافية والسياسية تتوسع وتتقلص من إمبراطوريات كبرى إلى كيانات مجزئة وصغيرة، لكنها بقت على الدوام محصورة ضمن إطار الفكرة المتراكمة في تاريخه الذاتي ومراكزه الثقافية السياسية الكبرى، أي عراق أور وبابل ونينوى، وعراق البصرة والكوفة وبغداد والموصل، أي نفس الجغرافيا السياسية والثقافية. وهي مكونات طبيعية وماوراطبيعية في الكينونة العراقية، ارتقت إلى مصاف المرجعيات الذائبة في وعيه الثقافي والسياسي، وذلك لأنها ليست جزء من تاريخه، بل مستويات ذائبة في صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية.

ففي إحدى القصائد الكبرى التي قيلت بحق سرجون الثاني، ملك آشور (ت – 705 قبل الميلاد)، نقرأ الخطاب الموجه إلى نينيجيكو (اله الحكمة):

يا اله الحكمة!

فجّر ينابيعك لسرجون، ملك آشور،

وحاكم بابل،

وملك سومر وأكد،

ومشّيد هيكلك!

واجعل للعقلاء والعلماء قدرهم

ووفقهم بالتمام وبلوغ المرام!

ويعكس هذا المقطع النموذجي فكرة وذهنية المركز السياسي، التي صنعت بدورها قيمة المركز الثقافي. بمعنى التوكيد على أن الحكمة هي منبع الحكم، وان العراق هو آشور وبابل وسومر (أي شماله ووسطه وجنوبه) وان للحكم الرشيد (العقلاني والحكيم) قدره في بلوغ التمام والمرام. وتكشف هذه الفكرة بعد مرور حوالي 2700 سنة عن ضحالة الواقع العراقي الحالي و"نخبه السياسية"! لكننا حالما نضعها ضمن سياق الحاضر والمستقبل، فإنها ليست أكثر من مؤشر على بديهة التاريخ العراقي القائلة، بأن العراق هو صيرورة تاريخية وكينونة ثقافية لا مكان فيها للتجزئة المفتعلة. بمعنى أن كل الصيغ المفتعلة التي جرى حشرها في وعيه السياسي على امتداد تاريخه الحديث (وبالأخص منذ ثلاثينيات القرن العشرين) لم تؤد في نهاية المطاف إلا إلى الزوال والاندثار دون أن تثير في الذاكرة شيئا غير مختلف نماذج الأسى والكراهية، كما هو جلي في ما آلت إليه الأيديولوجيات الكبرى كالشيوعية والبعثية، وما نراه ونسمعه من صداها الباهت في "استفحال" الأحزاب العرقية (الكردية)، وهوس الحركات الطائفية (الشيعية والسنية)، وهمجية السلفيات الإرهابية، ومختلف أشكال ومستويات التجزئة والانحطاط. إلا أن كل هذه المظاهر الخربة والمخرّبة هي جزء من زمن الضياع التاريخي للعراق الحديث الذي تراكم في مجرى انحلال مراكز الثقافية السياسية، وخصوصية ظهوره الحديث بأثر تفاعل بقايا عثمانية متهرئة وسطوة كولونيالية بريطانية. وبالتالي، فإنها جزء من زمنه السياسي العابر وتجاربه الحديثة.

إن الدولة العراقية ليست جزأ من تجارب الحركات والأحزاب، بقدر ما هي جزء من "نظامه السياسي". والعلاقة بينهما كبيرة لكنها ليست جوهرية فيما يتعلق بالثوابت أو المرجعيات الجوهرية للدولة في العراق وهويته الذاتية. وهو أمر جلي حالما نحلل علاقة الدولة العراقية الحديثة بنظامها السياسي، وأثره بالنسبة للحالة الآنية المهددة لوحدة الدولة وإمكانية تجزئتها. بعبارة أخرى، إن كل ما يجري فيه الآن هو جزء مما ادعوه بتجربة الاحتمال الكبرى الحديثة فيه من اجل إعادة تأسيس الدولة العراقية (وليس إعادة بناءها) بطريقة تستقيم مع مكوناته التاريخية الثقافية واثر مراكزه الثقافية. انه صراع من اجل السيادة والدولة والمركزية الثقافية السياسية. من هنا الطابع العنيف للصراع فيه، بوصفها الصيغة المباشرة للصراع من اجل المستقبل.

فمن المعلوم أن نشوء الدولة العراقية المعاصرة ارتبط بكيفية انهيار السلطنة العثمانية من جهة، وبطبيعة السياسة الإمبريالية آنذاك للدول الكبرى (بريطانيا وفرنسا وروسيا) من جهة أخرى. وقد أدى التقاء هذين المكونين على صياغة معاهدة سايكس - بيكو ونتائجها المترتبة على رسم الخطوط الجغرافية العامة للدولة العراقية وخضوعها المباشر للسيطرة البريطانية. ولم تكتمل هذه الدولة آنذاك (بعد نهاية الحرب العالمية الأولى) من حيث مقوماتها الجغرافية والقومية، إلا أنها كانت تحتوي على قبول حتمي للظهور بهيئة دولة موحدة بفعل جذورها الثقافية ووعيها التاريخي الذاتي واستعدادها السياسي. والقضية هنا ليست فقط في أن العراق كان من الناحية التاريخية هو مصدر فكرة المدينة – الدولة والحقوق والإمبراطوريات في المنطقة والعالم، بل ولتكامل جغرافيته وتوحيدها المتراص منذ أقدم العصور، باعتباره وحدة للسومرية والبابلية والآشورية المصهورة بالكينونة العربية - الإسلامية لاحقا. وهي وحدة لا يمكن فصل عراها. لاسيما وأنها وحدة تختلف عن الوحدات الأخرى من حيث سيادة المكون الثقافي فيها على العرقي أو القومي. ولم تكن هذه الصفة معزولة عن خصوصية المكون العربي - الثقافي - الإسلامي للعراق وأثره الجوهري في بلورة هويته التاريخية والوطنية. ك

لقد كان العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ودخول القوات الإنجليزية إليه يعاني من ضعف ذاتي هائل في مجال بنية الدولة والمجتمع والسياسة والثقافة. باختصار انه كان مجرد هيئة قابلة للاستعداد، أي انه كان في حالة كمون أو في طور الإمكانية. والإمكانية هي واقع. أما كيفية تحول الإمكانية إلى واقع، فإنها مرتبطة بأسباب وشروط عديدة. إلا أن هذه الأسباب والشروط كانت متطابقة آنذاك فيما أشرت إليه من كيفية سقوط السلطنة العثمانية واحتلال القوات الإنجليزية للعراق. أما النتيجة المباشرة لتفاعل هذين السببين على خلفية ما أسميته بالضعف الذاتي الهائل للعراق آنذاك، فإنها ظهرت للمرة الأولى في اقتراح وتطبيق شكل ومحتوى الدولة العراقية المعاصرة في بداية عشرينيات القرن العشرين. ووجدت هذه العملية انعكاسها غير المباشر في ترافق "ثورة العشرين" الفلاحية - العشائرية وقياداتها الدينية (الشيعية) وإنشاء الملكية "الهاشمية".

لقد أدت "المساومة" السياسية التي جعلت من العائلة الهاشمية عائلة مالكة في العراق، إلى كسر الإمكانيات السياسية والثقافية والاجتماعية الآخذة بالنمو في أواخر المرحلة العثمانية في العراق. فقد كانت العائلة الهاشمية بعيدة عن تاريخ العراق ما قبل الحرب العالمية الأولى. كما أنها لم ترتبط به وجدانيا وسياسيا وثقافيا وتاريخيا. لقد كانت من حيث مكوناتها هذه كلها نتاجا "للأرستقراطية العلوية" المزيفة في مجرى صراعها مع آل سعود من اجل الاستحواذ على السلطة. إذ لم تعن الدولة بالنسبة لها في أفضل الأحوال سوى السلطة المحكومة بمفهوم ونفسية "الإمارة" القبلية والدينية. الأمر الذي كان جليا في "مساومتها التاريخية" مع الإنجليز قبيل وبعد ما يسمى "بالثورة العربية". وهو أمر كان يشير في الإطار العام إلى الضعف البنيوي الهائل آنذاك لمنطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية ككل من جهة، وللضعف البنيوي (التاريخي والاجتماعي والسياسي والثقافي) في تركيبة العائلة الهاشمية في العراق من جهة أخرى. وسوف يظل هذا التناقض يحكم تاريخ العراق السياسي حتى الانقلاب العسكري في الرابع عشر من تموز عام 1958.

فقد كانت الملكية الهاشمية في العراق مصادرة تاريخية وسرقة عائلية لتراث الجنوب العراقي آنذاك، أي للقوة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي بلورت الهوية العراقية منذ أقدم العصور. إن ذلك لا يقلل من مأثرتها التاريخية الهائلة بالنسبة لتكوين وبناء الدولة العراقية المعاصرة في مختلف الميادين، إلا أنها كانت في الواقع العائق الاجتماعي والسياسي الكبير أمام صيرورة العراق الفعلية في دولة حديثة بالمعنى الدقيق للكلمة. وكانت هذه النتيجة مترتبة على الضعف الذاتي العراقي قبيل تأسيس الدولة الحديثة، إلا أن الملكية الهاشمية حولته إلى حالة بنيوية سياسية كان بدوره الاستمرار الحتمي لنشوئها التاريخي بوصفها نتاجا لمساومة خارجية. وقد لازم هذا الضعف مسارها التاريخي في غضون ثلاثة عقود حتى انتهى بحالة مأساوية في الرابع عشر من تموز 1958.

الدولة الجمهورية – جمهورية الآمال والخراب

كان الانقلاب العسكري للرابع عشر من تموز عام 1958 المخرج العنيف للشحنة الراديكالية المتراكمة في مجرى تعمق الخلل البنيوي للدولة العراقية في مجرى ثلاثة عقود من بنائها المعاصر. إذ لم تستطع الملكية تحويل مساومة ظهورها التاريخي صوب الرؤية العقلانية السياسية من خلال إشراك المجتمع في عملية بناء الدولة. وهو ضعف تتحمله أيضا القوى الاجتماعية والسياسية العراقية التي افتقد اغلبها لتقاليد الرؤية العقلانية السياسية. ويمكن تفسير هذه الظاهرة بطبيعة المرحلة التاريخية آنذاك وسيطرة النزعة الثورية وتراكم أبعادها وعناصرها التي جعلت اغلب الأحزاب أسيرة الرؤية النفسية والأيديولوجية. وقد وجد ذلك انعكاسه المباشر في "الفرح الطاغي" لجميعها على "الثورة" ونسيان قيمة الفعل التاريخي والاجتماعي للصراع السياسي المتراكم في مجرى صيرورة الدولة العراقية والأحزاب السياسية وبوادر المجتمع المدني. الأمر الذي جعل من السياسة رهينة المغامرة التي صادر العسكر بريقها اللامع، بحيث أعطى للنجوم الذهبية الرخيصة على أكتافهم وزنا ابتذل بصورة شبه تامة قيمة المادة القانونية. مما أدى إلى أن تكون "الثورة" انقلابا فعليا في المسار التاريخي "الطبيعي" للدولة العراقية الناشئة. فقد قلب هذا الانقلاب موازين القيم والأعراف السياسية الناقصة أساسا، صوب ابتذالها شبه التام. مع أن النتائج الأولية لانقلاب الرابع عشر من تموز كان من الناحية النفسية تنفيسا للكبت الاجتماعي والسياسي والضعف الاقتصادي للمجتمع. وبالتالي فسح المجال أمام التثوير الراديكالي للقيم والمفاهيم والسلوك، بما في ذلك السياسي صوب توسيع أطر الحرية ومضامينها، إلا انه أدى فعليا إلى خراب هائل لمفاهيم وقيم الحرية والنظام. وذلك لأن الانقلاب العسكري للرابع عشر من تموز لم بفعل في الواقع إلا على استكمال النقص الجوهري للدولة الملكية المتركبة من مساومة تاريخية ضعيفة بحد ذاتها، عبر تجذيره في يقين أيديولوجي متنوع الصيغ والأشكال عن إمكانية الراديكالية المتطرفة في التعامل مع بنية الدولة والمجتمع والقيم. فقد كان هذا اليقين يحاكي بصورة غير واعية ما سبق وأن أحدثته الثورات الاجتماعية الكبرى. وإذا كانت "الثورة العراقية" تلتقي في زمن حدوثها مع تاريخ حدوث الثورة الفرنسية العظمى، فإن ثقل الرمز التاريخي كان مجهولا تماما بالنسبة لحفنة من العسكر متضاربة المشارب والتربية والغايات. بحيث أعطى لمحاكاتها في إعدام العائلة المالكة وقتل رجالات الدولة بطريقة لا تقل قسوة عن المقاصل القديمة صيغة دموية مغامرة. والقضية هنا ليست في القتل بحد ذاته، بل بالقوى التي أثارت زوبعته السياسية.

إذ لم تتأسس مفاهيم الانقلاب العسكري بقيم الحرية والعدالة والإخاء، ولم تعرف ماهية الديمقراطية السياسية، كما أنها بحد ذاتها غير قادرة على التمام في فئة اجتماعية قادرة على الاندماج الفعلي بمعايير القانون والمجتمع المدني. إذ ليس بإمكان العسكر القيام بهذه المهمة، كما أنها ليست مهمته التاريخية ولا وظيفته الاجتماعية والسياسية. بينما كان تدخله المباشر والقيادي والريادي في هذه العملية قد افسد المكونات الضرورية للدولة ومؤسساتها التي تراكمت بصورة صعبة في مجرى تطور الملكية العراقية في عقودها القليلة. وفي هذا كان يكمن الخطر التاريخي والسياسي القاتل لانقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. فقد ادخل الجيش في السياسة وإدارة شئون الدولة بصورة مباشرة مما أدى إلى تخريبه وتخريب الدولة النظام السياسي والمجتمع المدني. وهي الحصيلة التي أدت إلى نهايتها المشهورة في انقلاب الثامن من شباط عام 1963ا، الذي أنهى فصلا من فصول التاريخ الجمهوري في العراق مبتدأ فصلا دمويا ثانيا فيه.

فقد كانت الجمهورية الأولى (1958 – 1963) الصيغة الأولية للتجربة التاريخية التي رافقت القضاء على الحكم الملكي في العراق. فقد جسّد الانقلاب العسكري للرابع من تموز عام 1958 المحاكاة المضحكة المبكية لثورة الفرنسيين في الاستيلاء على الباستيل يوم الرابع عشر من تموز عام 1789.  إلا أن الانقلاب العسكري العراقي كان يخلو من تاريخ فكري سياسي، بما في ذلك عند الأحزاب السياسية الكبرى، التي أيدت بين ليلة وضحاها ما يتعارض مع حقيقة الفعل السياسي. وسوف يدفع الجميع ثمن هذا التأييد. بينما كان الخاسر الأكبر والمتضرر الحقيقي هو كل من المجتمع والدولة العراقيين على مدار أكثر من أربعة عقود دموية.

ولعل الصيغة الفاقعة في هذه المحاكاة المسطحة هو استعادة البونابرتية لفاعليتها السياسية. فإذا كان نابليون بونابرت يتمتع على الأقل بتاريخ عسكري عبر البحر المتوسط و"مكتشف" مصر وتاريخها العظيم ومثير القلاقل التاريخية الجسام في جسد أوربا العجوز، فإن البونابرتيين العراقيين الجدد لم يتعدوا في الأغلب حدود الفلوجة وتكريت والرمادي وديالى وغيرها من المناطق المتربة المشبعة بتقاليد العشائر المتخلفة. الأمر الذي يفسر في الواقع انحدار "البونابرتية العراقية" اللاحق من قاسم إلى عارف، ثم إلى عارف أتفه، ثم إلى بكر أسخف، ثم إلى صدام مجرم.

لقد كان انتهاء الجمهورية "الأولى" وإعدام القادة العسكريين وبالأخص عبد الكريم قاسم النهاية المأساوية لمرحلة الراديكالية الحالمة حيث كشفت أحداثها وإنجازاتها في ميدان بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات السياسية عن خلل جوهري يقوم فحواه في كسر مجرى التطور الطبيعي للدولة والمجتمع. وبالتالي فسح المجال أمام إمكانيات المؤامرة والمغامرة من جانب الحثالة الاجتماعية للوصول إلى سدة الحكم عبر الانقلابات العسكرية. وتجسدت هذه النتيجة بصورة نموذجية في مجرى ونتائج الأحداث التي رافقت الانقلاب الفاشي الدموي في الثامن من شباط لعام 1963 ووصول القوميين البعثيين للسلطة.

وهي المرة الأولى التي تصل فيها حفنة من المغامرين "الخارجين" عن منطق التاريخ ومضمونه الاجتماعي من اجل إرساء أسس "جمهورية جديدة". فقد كانت هي بالفعل جمهورية من طراز خاص شكلت من ناحية تسلسلها انقلابا شديدا في تاريخ الجمهورية في العراق، بحيث يمكن اعتبارها "الجمهورية الثانية" (1963- 1968) التي شكلت نفيا واستمرار لما قبلها. فقد نفت المضامين التحررية الجزئية والأبعاد الاجتماعية للجمهورية الأولى، إلا أنها استمرت بتوسيع وترسيخ تقاليد الراديكالية الممتزجة بالنفسية الجهوية والفئوية والمتحزبة والطائفية. وليس مصادفة أن تتشكل في أولى أيامها القوات الانعزالية التي أطلق عليها تسمية "الحرس القومي"، باعتبارها القوة الضاربة المتكونة من الحثالة الاجتماعية والأفراد الأكثر وضاعة وخروجا حتى عن الأعراف والتقاليد العادية المميزة للعراق والعراقيين. بعبارة أخرى، أنها أشركت في بناء وحدة متراصة من قوى التخلف والانحطاط الجاهلة بأولى مقومات الفعل السياسي الحقيقي. إذ كانت تجهل بصورة تامة مضمون الدولة والمجتمع المدني وفكرة الحقوق. بل أن كل كيانها كان نقيضا تاما لهذا المضمون. وبالنتيجة لم تبن إلا جمهورية "حراس" تخبطت بينهم لتنتهي بطريقة مخجلة بعد الانقلاب الداخلي لعبد السلام عارف أول الأمر ثم استكماله بأخيه عبد الرحمن، لينتهي بدوره إلى جمهورية "حراس" جدد مهمتهم تشديد القبضات حول جدران القصور الجمهورية بعد انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968.

أما ما جرى في عراق "الجمهورية الثالثة" (1968 – 2003)، فانه يحاكي من حيث الصورة والنتائج ما سبق وأن جرى في "الرايخ الثالث" الألماني (الهتلري). بمعنى اشتراكهما في صنع توتاليتارية متشددة! مع أن كل منهما صنعها بطريقته الخاصة، وأعطى لها صورا متنوعة.

فقد كانت التوتاليتارية البعثية الصدامية مسخا متميزا في تاريخ العراق استطاعت تجريده من كل مقوماته الذاتية وحصانته المادية والمعنوية. وهو السبب الذي يفسر سرّ انهيارها السريع وهروبها المريع، اللذين كشفا عن حقيقة تقول بان التوتاليتارية البعثية الصدامية زمن بلا تاريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وتشير هذه النتيجة في الإطار العام إلى فقدان التوتاليتارية البعثية إلى جذور طبيعة لها في العراق، وأنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة  للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين.

وإذا كانت آلية توليد وإعادة إنتاج التوتاليتارية ترتبط أساسا بفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وبفقدان الاعتدال العقلي الأخلاقي وكذلك بالخلل القائم في التوازن الداخلي للدولة والمجتمع والثقافة، فإنها عادة ما تؤدي إلى ظهور وسيطرة وفاعلية ما يمكن دعوته بالمشروع الواحد الذي لا يعرف البدائل، واليقين الواحد الذي لا يقر  بالاحتمالات، والإرادة الواحدة التي لا يردعها رادع، والواحدية العقائدية السياسية الخاوية من كل روح ثقافي. أما النتيجة الحتمية لكل ذلك فهو تخريب المجتمع والدولة والثقافة. وفي الإطار العام يمكن القول، بان نتيجة التوتاليتارية هي تخريب الكلّ، وذلك لان كل سعي لفرض نموذج كليّ سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير الكلّ. 

وقد جسّدت البعثية الصدامية في العراق نموذجا خاصا للتوتاليتارية أدى إلى "صناعة" نوع ربما هو الأتفه في تاريخ التوتاليتاريات بأسرها. أنها جعلت من "مشروعها" لبناء العراق عقدا أبديا لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب "الحزب" الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لكل احتمالات من جانب أي فرد وجماعة ومنطقة وطائفة وحزب وقومية. مما أدى بها في نهاية المطاف إلى أن تصنع "جمهورية" قصور محمية من جانب "حرس جمهوري"، كما كان الحال بالنسبة لسابقتها التي كان يحميها "حرس قوميون". وهي استعادة لها رمزيتها ومعناها الواقعي القائم في اغترابها التام عن العراق بكافة مكوناته، جعلت من الجمهورية رديفا لسجون مطوقة بحراس من الحثالة الاجتماعية.

***

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

 

مجدي ابراهيم (تحيّة للكاتب ودراسة للموضوع)

سألتُ نفسي في لحظة تأمل: فيما تفكر؟ وبعد برهة ليست بالطويلة تداعت معها خواطري تترى، تتابعت وتشاكلت وتشابهت مع المقروء، ثم انفعلت به، لتجيب: أفكرُ فيما يثيره عندي هذا المقال، وهو شئُ جديرُ بالوقوف حقيقٌ بالإثارة، وتلك هى علامة الكاتب المبدع: أن يثير فيك حفيظة التفكير لتوافق أو تعارض، سيّان. المهم إنك تفكر فيما تقرأ، وأن يقودك التفكير دوماً إلى الإثارة المعرفيّة.

وبما أن فريضة التفكير خاصّة عقلية في الإنسان على التعميم، تقتضي التنبُّه الدائم واليقظة الفاعلة في معقول ما يُفكر فيه، فلا شئ يقدح زناد شعلتها وينبّه إلى نشاطها غير قوة الفكر وصياغته في لغة تناسب تلك القوة وتلائم توجُّهاتها العلويّة وآفاقها النظريّة سواء.

أنا هنا لا أتحدّث عن وفاق أيديولوجي بيني وبين الكاتب من جهة العقل، ولا عن محبّة قديمة من جهة القلب، ولكن أتحدّث عن "خصيصة معرفيّة" قد لا تتوافر لدى الكثيرين ممّن يسوّدون صفحات بيضاء.

كنتُ أقول لنفسي: كم منهم ممّن قرأت وتابعت، أثار فيك حفيظة التفكير والمعرفة، وجعلك تمسك بقلمك لتعلق رافضاً أو موافقاً، مختلفاً أو متفقاً، ليس هذا هو المهم مع أنه من الأهمية بمكان، ولكن المهم هو إنك أُثرت، فانقدحت لديك مشاعل التفكير.

ليت شعري، ألم تكن هذه الإثارة الباطنة هى نفسها علامة صقل الكاتب ورسوخه فيما يكتب من غير أن يفرض عليك قناعاته؟

الإجابة عندي، نعم ! بالطبع هذه الإثارة الباطنة علامة نفاذ الكاتب إلى العمق؛ لتكون كتابته خالية من التسطيح فضلاً عمّا يتغشّاها من صدق مُخلص فيما عساه يرى من مقبول الآراء. أمّا القناعات، فهي شئ آخر، إن تكن ماثلة مع الوفاق الأيديولوجي غير أنها تخاطب فيك سلامة الذوق وسلامة الإحساس واتساق الفاعلية العقلية.

ربما تجد إنّك بحاجة إلى قراءة الموضوع مرة بعد أخرى لتُرسّخ عندك جمال العبارة ولتتذوق حيوية الفكرة، بعكس ما تقرأه لغيره ممّن يكتبون بغير صدق وبغير تعميق، هنالك في التيه المترامي لست تنتهي إلاّ إلى  ما هو أقرب إلى التسطيح، ما تلبث أن تقرأ وتمضي في القراءة أشواطاً حتى تتمنى أن تُنهى ما تقرأه لكي لا تعلق بذهنك تفاهته، أو يرسب بعقلك ضعف مستواه، ناهيك عن افتقار الإثارة المعرفية مطلقاً، إن في الشكل وإن في المضمون، إن في المبنى وإن في المعنى. فالفرق جدُّ كبيرٌ بين العمق هنا والضحالة هناك.

ومن ذلك الفرق الهائل بين الضحالة والعمق، أقول تعليقاً على ما أثاره المقال عندي، والحقيقة أنه لم يكن مقالاً واحداً بل عدّة مقالات مرتّبة فكرتها العامة في سياق دلالي هادف، تجمعها دراسة كلية تحت هذا العنوان (الديمقراطية بين الممارسات والشعارات في ثقافتنا العربية) للصديق الدكتور "عصمت نصّار" أستاذ الفلسفة والكاتب المرموق والباحث المُدقق والمفكر الأصيل، مجموعة ضمن كتابه الصادر هذا العام بعنوان "من التقليد إلى التبديد"، لتختط طريقها المنهجي نحو (إشكالية المفهوم - أوهام الديمقراطية - بين مصطلحي الديمقراطية والحريّة - الديمقراطيّة ومعوقات تطبيقها) من (ص 127 - إلى ص 141) من الكتاب المذكور.

إنه؛ إذا كان يحدّثنا عن عبادة البطل وتقديس الحاكم باعتباره هو المسئول وحده عن تسيير الحياة السياسية وضبط إيقاع المجتمع في شتى نواحيه، لينحدر ذلك الوهم من موروثاتنا الثقافية التي تجعل الحاكم هو ظل الله على الأرض، وأن جلوسه على كرسي الحكم قدر لا فكاك منه. أقول؛ إنه إذا كان يحدّثنا عن أحد أعمدة المربع الوهمي الافتراضي لغياب الديمقراطية ويختار فكرة تقديس الحاكم أهمها وأولاها؛ ليبدأ بتعرية الوهم الناشئ عنها، فإنّ عبادة البطل وتقديس الحاكم، خصوصاً في ثقافتنا المصريّة، تمتدُ لجذور عريقة ترجع إلى أقدم الحضارات.

لقد كان الفرعون يمسح أثار الماضي البغيض ممّا توصّل إليه سابقه بممحاة سوداء، لكأنها تشبه قطعة من الفحم كيما لا يراها أحد، إنه ليقطع التواصل الذي يحكم به منطق التاريخ لينسب لنفسه فضل صناعته، ثم يبدأ كفاحه الجديد وكأنه هو الأوّل والأخير على وجه الأرض (أنا ربُّكم الأعلى) ثم يأتي الفرعون اللاحق له فيمسح ما تركه الأول بنفس القطعة الفحميّة، وهكذا دواليك بغير انقطاع. ثقافة المسح وإلغاء السابق، أو إن شئت قلت: ثقافة المسخ لا فرق ! هى الثقافة العريقة في الوعي المصري. نقدّس حكامنا إلى درجة العبادة لا بل نعبدهم بالفعل، ونخشاهم بالفعل، فنضطر إلى تملقهم ونفاقهم بغير أن نصارحهم أو ننصحهم، أو يكون لنا عليهم حق المعارضة والاختلاف.

لو كان الأمرُ متصلاً بعامة الناس لهان الخطر وخفّ البلاء، ولكن أمر العبادة هذا، يتجاوز رجل الشارع ليلحق بالمثقفين والكتّاب وأولي الرأي في بلادنا؛ فإن الخضوع للحاكم والتذلل لسلطته آفة العقول التي تقترب منه بوجه من الوجوه، وهى آفة لا تكاد تتعدى حدود العبادة بمعناها الشرعي الديني، فكل سلوك أو عمل منمّط وفق هذا الشعور الديني المنظور إليه كسلطة عليا ترهب وتخيف، هو عبادة قائمة على السخرة والخضوع لا على المحبّة والموالاة.

فليس يكفي أن يكون الحاكم في الموروث الشعبي ظل الله في الأرض، وبمجرد جلوسه على سدّة الحكم يكون قد أخذ حقه البطريركي، لا ليس يكفي هذا، ولكن أيضاً "تجب طاعته، والانصياع إلى أوامره، والدعاء له من فوق المنابر عقب كل صلاة. أمّا مناقشته أو مراجعته أو عصيانه فجريمة آثمة تصل إلى حدّ المروق والعصيان أو الخيانة والكفران".

أفتح إن شئت أية صفحة رأى في أي جرنال، فماذا تجد في الأغلب الأعم غير كمّ هائل من النفاق المُزرى للقائد الزعيم مع أن الزعامة والقيادة لا تحتاج إلى مثل هذا النفاق الموبوء؟ الزعامة تحتاج إلى وعي الشعب بحقوقه ومسؤولياته كيما تتقدّم وتمضي في طريقها على ثقة واطمئنان، ولا تحتاج الى التطبيل الذي يضرها ولا ينفعنا، ويعوق سيرها النافع للبلاد والعباد.

أكثر الناس إسهاماً في صناعة البطل وبالتالي غيبة الديمقراطية هم الكتّاب المنافقون، والجهلاء المزيفون، والمثقفون المغيبون، والإعلاميون المأجورون؛ فلئن كان عليهم عبء درء التخلف ومواجهة المزالق الخطرة ومحاربة المفاسد المستشرية، فإنهم لا يملكون ضمائر حيّة توقظ  وتنشط ولا تدعو للغفلة والنعاس.

اليوم قرأتُ مقالاً لأحدهم هو رجل عاش في زمن العمالقة - وفي زمن العمالقة يختفي الأقزام - أيام الفتوة الفكريّة على عهد المرحوم د. زكي نجيب محمود، وهو الآن يعدُّ من كبار المُنظّرين للوعي المصري خاصّة، بل والوعي الحضاري على التعميم، يُرجع إليه المرجع الأصيل للفصل فيما هو قائم، لكنه في زمن زكي نجيب محمود لم يكن في عداد الطائفة المثقفة التي يناط بها عبء النهوض بمستقبل ثقافي لهذا البلد، والبلاد التي تجاوره وتتشارك معه في الخصائص والسمات.

هذا المُنظّر الكبير يقول في مقال طويل هو تلخيص لبحث ألقاه بالمملكة العربية السعودية في إطار المشاركة بفاعلية دعم الحوار وتشجيعه، إذ يبدأ مقاله بتلخيص فكرة البحث عن الحوار وسمة المجتمع المدني، وبعد أن يتكلم عن الحق البطريركي، كما تصوّره السير روبرت فيلمر كنظام مؤسس عن الحق الإلهي للملوك، الأمر الذي يجعلهم لا يطيقون فكرة خلعهم من عروشهم؛ لأنهم يستمدون هذا الحق من وجودهم المقدّس باعتباره إلهيّاً، يروح فيعرض لما تصوّره "جون لوك" للمجتمع المدني ممّا هو يأتي على الضد من فكرة روبرت فيلمر.

بالطبع؛ هذه الفكرة تجئ على النقيض من فكرة المجتمع المدني كما يراها جون لوك؛ إذ الإنسان في رأيه يولد حراً، وهذه الحرية تحوطه بالمسؤوليات وتفرض عليه التبعات. ومن ثم؛ فإن أي نظام حُكم يلزم بالضرورة أن يستند إلى عقد اجتماعي معتمد من جماعة بشريّة لتأسيس مجتمع يكون من صنع سلطة العقل، وليس من صنع سلطة دينية.

ولا شك في وضوح الفكرة ولا غبار عليها، ولكن وجه الاعتراض هو: بافتراض أن الذي يمنع المجتمع المدني من التدهور ويمنع كونه مجتمعاً مدنيّاً مستمراً على هذا النحو دون تحوّل، هم، في رأي كاتب المقال، جماعة المثقفين ! تلك كانت هى فكرة "المثقف العضوي" كما جاءت لدى مؤسسيها الاشتراكيين وخصوصاً "أنطونيو جرامشي".

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما معنى الزّج بهذه الأفكار اليوم، مع قدمها، ومحاولة الضغط بها على المثقفين، والمثقفون معزولون، رغماً عنهم أو باختيارهم، عن الواقع الفعلي؟

عندي أن قياس الديمقراطية في الشعب لا تقيسها نسبيّة الثقافة، ولكن يقيسها المواطن العادي أو قُل رجل الشارع إزاء ما ينعكس عليه من معطيات الحياة اليوميّة إن سلباً فسلب، وإن إيجاباً فإيجاب، فهل تحققّت لرجل الشارع حياة كريمة على أرض الواقع تحت ممارسة حرة أم لم تتحقق؟

ودع عنك، من بعدُ، أي نظام، وكل نظام، حتى ولو كان شعاراً لا يمسّ الواقع في شئ.

هذا هو "الهامش" الذي كنتُ أفكر فيه، وجاء صدى للدراسة أو المقال الذي كتبه الدكتور "عصمت نصار" (بتاريخ 13/10/2018) بنفس العنوان.

ولكن عليّ قبل المُضي قدماً في دراسة الموضوع بتفصيلاته أن أختط لنفسي - عامداً متعمّداً - خطتها في نقطتين: الأولى، أن أحفظ حرف الكاتب كما هو دون التصرُّف فيه إلاّ قليلاً، وأن أبقيه خالياً من التدخل من جانبي كيما أحتفظ بالصياغة الذاتية للفكرة موجّهةً في قالب نقدي نحن أحوج ما نكون إليه. وسبب ذلك عندي هو: كشف تنويعات المستوى الدلالي الصادر عن البنية العميقة للخطاب لا البنية السطحية، فليس أسهل من أن يتم تلخيص الفقرة بكلمة أو كلمتين أو التعقيب عليها بما يناسبها من دلالة أو مفهوم، لكن هذا لا يكشف عن البنية العميقة لكاتب النص ولا يبقي أثره حياً فاعلاً في هامش القارئ، ومقصودي هو إثراء الهامش المعرفي بإثارة الدلالة الخفيّة.

أمّا النقطة الثانية: فهى تتعلق بالمنهجية النقدية، إنه مادام النقد التحليلي باقياً في صلب الموضوع حاضراً في أجزائه، فلسنا بحاجة إلى إبراز ما هو بارز أو إظهار ما هو ظاهر، وإلّا كان الأمر مُجرّد تحصيل حاصل لا مزيد عليه، وليس الشأن - في تقديري - هو الموافقة أو المعارضة، وإنمّا الشأن هو استجلاء "الهامش" الذي تتركه في الذهن عملية القراءة نفسها، وتبقيه يقظاً فاعلية الإثارة المعرفيّة في إطارها النقدي.

فالديمقراطية في بلادنا شعار لا ممارسة - كما قال الدكتور عصمت نصّار - شعارٌ يرفعه الشباب في تظاهراتهم الساخطة على كل أشكال الاستبداد والقمع والقرارات والقوانين التي تحد من حرية الأفراد والجمعيات المدنية، وتحول بين المبدعين والمفكرين والبوح بتصوراتهم وآرائهم، باسم (الحفاظ على العادات والتقاليد تارة، وحماية الأصول العقدية تارة ثانية، والعمل على الاستقرار واستتباب الأمن تارة ثالثة). أضف إلى ذلك، أحاديث الإعلاميين عن حرية النقد والمناظرة باعتبارهما من أهم آليات الإعلام الثوري الرامي إلى إيقاظ الرأي العام وتنويره، وردع السلطة القائمة للحد من إساءتها وجورها للشعب والكشف في الوقت نفسه عن مواطن الفساد الذى استشرى في كل نواحي حياتنا اليومية".

إذا كانت الديمقراطية بهذه المثابة: مجرّد "جهود نظرية" وغايات مأمولة للدفاع عن الحرية كمطلب إنساني وحق مشروع، غير أنها تعدّ في رأي "عصمت نصار" مجموعة من الأفعال التي لا تعدو أن تكون مجرّد دعوات غوغائية تتشدق بشعارات غير واضحة المعالم على أرض الواقع، لا حظ فيها من العقلانية أو العمل الجاد الساعي إلى تحقيق الرغبات وتفعيل الأماني في حياتنا العمليّة. ومن أجل ذلك، وجبت لديه دراسة الموضوع دراسة فلسفية وفق منهج يراه الكاتب "منحازاً إلى المنطق في الاستدلال وإلى الممارسة في المحاجاة وبسط الأدلة".

وكان من البديهي أن يبدأ البحث بتحديد المصطلحات ليتم عرض الإشكالية بموضوعية وحياد بعيداً عن التهم التي تلقى جُزافاً في غير تحقيق، فكان السؤال الفلسفي هنا من الأهمية بمكان؛ لتقويم أركان المناقشة للموضوع وترقية منهجيته العملية بفرض الفروض اللازمة لمعنى الديمقراطية واستخلاص المفاهيم المُساغة لتطبيقها.

وعليه؛ فأول سؤال يطرح نفسه - سؤال المفهوم -: هل مصطلح الديموقراطية الذى أضحى شعارًا قد خرج من بين سطور القواميس والمعاجم السياسية وصفحات فلاسفة السياسة القدماء والمعاصرين إلى دنيا الممارسة؟ وهل هذا مصطلح متفق عليه أو مجمع على دلالته التطبيقية بين ممارسيه؟

وبعد طرح السؤال بتلك الكيفية الدلالية لإزالة اللبس عن الاصطلاح، يروح "عصمت نصار" فيجيب عن التساؤل المفهومي في إطار العنصر الذي بدأ به دراسته عن "إشكالية المفهوم"؛ ليرى أن " أن معانى الديمقراطية التي وردت في المعاجم السياسية هى نظام سياسي يكون فيه للشعب نصيبٌ في حكم الدولة بطريقة مباشرة أو شبه مباشرة. وقد أجمع التطبيقيون على أن الصيغة الديمقراطية المباشرة (الشعب يحكم نفسه بنفسه) لا يمكن تطبيقها إلا في نطاق ضيق كأنظمة (الأسرة، المؤتمرات، الإدارات، داخل الأحزاب والمؤسسات، أو المدن الصغيرة من حيث المساحة وعدد المواطنين) وبهذا، تصبح الديمقراطية صورة ليس إلاّ، تصبح شكلاً بلا مضمون.

أمّا الديموقراطية شبه المباشرة، فهى التي يشترك فيها الشعب عن طريق ممثليه يختارهم بالانتخاب أو الاقتراع ويعرف ذلك النظام بالديمقراطية النيابية. ويعرّف الليبراليون الديمقراطية بأنها تلك التي تقوم على البرلمان أو المجلس النيابي المنتخب من قبل الشعب، وتتلخص وظيفته في: (التشريع وسن القوانين، ومراقبة الحكومة، وحماية القضاء، والتأكد من إخلاص ووطنية وولاء الممارسات الحزبية القائدة).

أمّا الاشتراكيون والماركسيون فيرون أن ديمقراطية الغرب زائفة، لأنها تحمل بين طياتها الفروق الاجتماعية والطبقية الجائرة (سادة رأس المال، وعبودية الفقراء) بجانب فساد البرجوازية واستغلال الإقطاعية، ومعنى ذلك أن الديمقراطية الأمريكية والأوروبية مجرد شعارات وهمية تُخدع بها الشعوب.

والحقيقة أنها لعبة لا يملك قواعدها إلا من يمتلك الدولارات والمصانع ودور الصحف؛ فجميعهم هم أصحاب القرار الحقيقيين.

وبما أن الديموقراطية الحقّة هى التي تعبّر عن مصالح الجماهير الكادحة وتمثل الصيغة السياسية للدولة الاشتراكية، فإنها لا محالة تحمى حقوق الشعب في تطبيق العدالة والمساواة والرعاية الصحيّة والاجتماعية، وتصبح الحكومة في ظل هذا النظام خادمة للشعب وساعية إلى تحقيق حقوقه في العمل والإسكان والتأمينات وحرية التعبير والنشر، وهى التي تسعى دوماً إلى سعادة ورفاهية المواطنين دون أدنى تفرقة بينهم، طبقية كانت أو عرقية أو دينية، شريطة أن تطلع بهذه المهام الآتية: (تنظيم الأسواق وحماية المواطنين من الاستغلال، الضمانات الاجتماعية والتأمينات المعيشية، إيجاد تعليم حكومي راق يعمل على تلبية احتياجات المجتمع وتقدّمه، نظام ضريبي تقدمي).

تلك كانت أهم المفاهيم التي صيغت تحت ظلال الديمقراطية اصطلاحاً وإجراءً، لتحدّد معانيها وتبيّن دلالاتها، ولكن هذا البعد المفهومي ولا شك هو بعدٌ يُخرّج مفهوم الديمقراطية بما يتناسب مع واقع المجتمعات التي تتخذها، إمّا شعاراً وإمّا ممارسة، فليست كل المجتمعات بقادرة على قبول تطبيق المفهوم منها من حيث كونها دلالة على الممارسة واقعاً محققاً بالفعل. وكما تكون الممارسة جديرة ببعض النظم السياسية والتطبيقية في بعض المجتمعات المتقدّمة، يكون الشعار هو الأغلب الأعم في الدول النامية أو في المجتمعات التي لا يتوافر فيها قبول الفكرة من حيث كونها واقعاً أو تطبيقاً، لفرط استبداد أنظمتها وترهل قياداتها، ولشدة مفارقة النظرية للتطبيق في واقعاتها الحياتية والمعيشة، فالفيصل إذن هو مدى قبول المجتمع للفكرة، وتنزيلها من يوتوبيا النظر إلى دنيا التطبيق، من الشعار إلى الممارسة.

ويتساءل الدكتور "عصمت نصار" - وهو كثير الأسئلة الفلسفية، دقيق الإجابة عليها، محيط بالمأثور الذي يقرر أن طرح السؤال الفلسفي أبلغ من محاولة الإجابة عنه - يتساءل في مقدّمة دراسته بعد أن طرح المنهجيّة وحدّد المفهوم وقيّد الاصطلاح وعرّف الإجراء ليقوم بتوظيف ذلك كله على واقع سياساتنا العربية، فيقول: فإلى أي نوع من أنواع الديمقراطية ننتصر وندعو ونطالب؟ وهل لدينا من الوعى ما يمكننا من التفرقة بين الأشكال العديدة لتطبيقات الديموقراطية؟ وهل عندنا أحزاب حقيقية تمتلك رؤى وتصورات واستراتيجيات ثوريّة بديلة أو انتقادات واعية لما هو قائم بالفعل أو تعديلات مبررة لقرارات الحكومة أو سياسات للمؤسسات؟ وهل ندرك البون الشاسع بين النظر والتطبيق في تصريحاتنا السياسية وخطاباتنا الحماسية وترشيحاتنا لتولى المناصب والمهام؟

أسئلةٌ في غاية الأهميّة مطروحة في ظل واقع يعترك بالمتناقضات السياسية، وكلها أسئلة تبدو من تنوع سياقاتها رفض ممارسات الواقع السياسي العربي الراهن، ورفض المحاولات التي تتشدق بما كان يحدث في العصر الذهبي للسياسة المصرية، وهو يعني بذلك تلك التجربة الحزبية الثانية من عام ١٩١٩م إلى ١٩٥٣م، الحقبة التي شهدت أقطاب التنويريين يحكمون ويشرّعون ويدافعون عن الحقوق ويحترمون القانون وينتقدون السلطة الملكية والحكومة، ويعارض بعضهم البعض، ويتساجلون تساجل الأيقاظ الأصحّاء دون أدنى مساس بمصلحة مصر. فإن مثل هذه المظاهر غابت تمامًا عن المسرح السياسي الراهن.

وليس يخفى أن فقدان الوعي السياسي مدعاة إلى النكوص والتردي للمشاركة في العمل السياسي، وفقدان الفاعلية التي تلزم عنها الممارسة كما يلزم عنها التطبيق. ولا خفاء كذلك في أن فقدان الوعي السياسي ينجم عنه بالبداهة فقدان الأيديولوجية، والعكس صحيح كذلك، فإن فقدان الأيديولوجية سببٌ لفقدان الوعي السياسي بداهةً؛ فلا طلاب المدارس، ولا عمال المصانع ولا الحرفيون ولا الموظفون والفلاحون، ولا كل هؤلاء أو بعضهم كانوا تدرّبوا في السابق على العمل السياسي ليمارسوه، وإذا لزمت ممارسته فلربما عادت لا إلى القناعة بالفكرة بادي ذي بدء، ولكن إلى العصبية القبلية أو العرقية أو الطائفية أو الدينية أو إن شئت قلت إلى الأيديولوجية، وهى مفقودة كما تقدّمت الإشارة اليه أو تكاد، لفقدان الوعي السياسي الذي ينشئها وتتولد عنه كما تتولد الأفكار المستنيرة من رحم العقول المفكرة.

ومن المؤكد أن فقدان الوعي السياسي على الجملة فضلا عن التفصيل، لم يكن عاملاً من أهم العوامل يترتب عليه انهيار المؤسسات القومية القادرة على صناعة الرأي العام وصناعة قادته وأعلامه فحسب، ولكنه كان العامل المانع، بحكم ضعف هذه المؤسسات، من الترشح لعضوية الأحزاب والبرلمان واللجان المختلفة في المحليات.

إنه، إذا غاب الوعي السياسي وفُقدت الأيديولوجية، غاب المفهوم التطبيقي للديمقراطية المعاصرة، وبغيابها تتحقق الفوضى لتكون معالم بارزة في الحياة اليومية، يصفها كاتبنا بأنها غدت، أي الديمقراطية المعاصرة، (إحدى أركان مربع وهمى افتراضي يشغل الدين، والدولار، والدمار باقي أركانه، أما مركزه فشاغل بكائنات لا تُرى، تروح وتغدو بين أطراف هذا المربع لتصطنع أوهاماً تصدرها للمواطنين .. إنّ الديمقراطية المعاصرة أضحت أيديولوجية يفرضها الأقوياء على الضعفاء، فتقوم الحروب باسمها ويتآمر بها الأذكياء على الأغبياء، فتنشب الثورات وتخرج المظاهرات لقلب الأنظمة وإحداث الفوضى، ويُنظر إليها على أنها ضد الدين وسلاح العلمانيين، ومن ثمّ يجب أن يجيش ضدها الجيوش وتسفك من أجلها الدماء. وفى كل الأحوال يقف العقل ساخراً على زاوية الفوضى، تلعب الدور الرئيس على رقعة الشطرنج التي لا معالم لها ولا قطع تتحرك وفق قانون ثابت فيها).

المربع الوهمي بأضلاعه الأربعة: تقديس السلطة الحاكمة، والمتاجرة بالدين واستحالته - مع التوظيف - إلى سياسة، واستحالة السياسة إلى عقائد دينية، وعبادة الدولار واستغلال الأغنياء للفقراء المعوزين، ثم الدمار اللاحق على هذا كله، والذي هو ثمرة ونتيجة لانتشار تلك العوامل في مجتمع لا تقوم له في الواقع قائمة لهو هو مربع السقوط يقابله مربع آخر يترادف معه. والمقصود به الوقوف على جوهر الديمقراطية بمراعاة أهم أركانه المقابلة (الحريّة الواعية، المعتقدات والأعراف، المال والثروة، الاستبداد والعنف) بشرط إزالة أوهام الديمقراطية من العقل الجمعي عن طريق تنظيف مرآة الوعى والنقد والإصلاح. ثم استواء العلاقة المتبادلة بين الحاكم والرعية؛ فتقديس الحاكم، كما سبقت الإشارة، والتملق له أو تضليله أو تعجيزه أو التمرُّد عليه بغير حق من قبل الرعية يؤدى إلى استبداده وتجبره وانفراده بالرأي أو كذبه وخداعة للرعية وخيانة الأمانة، هذا من جهة السلطة الحاكمة، ومن جهة أخرى، جهة الرعيّة؛ فإن آفة التواكل والتقاعس عن المشاركة الجادة في مجريات الأمور من قبل المجموع، سوف تؤدى حتماً إلى نفس المصير، كما أن إهمال الحاكم تعليم الرعية وتثقيفهم وتوعيتهم ورعايتهم اجتماعيًا وصحيًا سوف يخلق من أفراد المجتمع جماعات فاسدة ومتطرفة في ميولها إلى العنف أو الاستسلام ، كما سيخلق تباعاً مواطنين غير منتمين، مغتربين ويائسين أو أنانيين جشعين، لا ولاء لهم لقيمة أو دين أو وطن أو مجتمع أو سلطة حاكمة.

وبذلك كله تصبح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية، مجرّد شعارات أو أكاذيب يتلفظ بها المنتفعون لتخدير الشعب، فتستحيل إلى دين فاسد أو إلى "أفيون للشعوب"، ثم تستحيل على يد الحكام إلى يد باطشة بالشعب، فتهدر كرامتهم وتسفّه أحلامهم وتضيّع حقوقهم، جزاءً عادلاً لاختيارهم الخاطئ.

ومثل هذه المجتمعات لا مصير لها إلا الدمار - وهو الزاوية الرابعة من المربع الوهمي الافتراضي - وعليه؛ فالدرس الأوّل الذى يجب فعله هو اقتلاع ذلك الوهم من العقل الجمعي، وإقناع الجمهور بأن أي حاكم أو مسئول ما هو إلاّ موظف عند الشعب، ومن هنا وجب التنبيه على أن إهمال محاسبة الحاكم ونقد أفعاله وسياساته وتقييم ما حققه من المهام التي كُلف بها يجب أن يكون المعيار الأول لانتخابه أو تنصيبه من قبل الشعب الذى يتحرى الدقة في استقصاء بياناته ومعلوماته، كما أن الروح السلبية اليائسة من التغيير وإهمال الحق في المشاركة في الانتخابات يعد تنازلًا حقيقيًا عن تلك الغاية أو عن ذلك الشعار، فالتصريح بالرأي هو الأساس الأول الذى تبنى عليه لبنات ممارسة الديمقراطية.

كان ذلك هو الوهم الأول من أوهام الديمقراطية العالقة في تشبث عجيب بذهنيّة العقل الجمعي. أمّا الوهم الثاني الذي يجب اقتلاعه من ذهن العقل الجمعي، فهو النظر إلى أوروبا باعتبارها الممثّل الحقيقي للديمقراطية والنظر إلى المجتمعات الشرقية بعامة والعربية منها بخاصّة، على أنها شعوب وليدة ثقافة استبداديّة جُبلت على التبعية والتسيس بمنطق العصا والجزرة، فمثل ذلك الوهم يُثبط الهمم ويثبّت العقول ويغلّها بأغلال التخلف، ويخلق رأيًا عامًا عاجزًا عن اتخاذ أي قرار إصلاحي أو يقتل أي رغبة في التغيير. وتشهد الواقعات والدراسات العلمية المعاصرة أن ذلك النموذج المُتوهم (الديمقراطية الأورو أمريكية) أبعد ما تكون في الممارسة والتطبيق عن المقصد المنشود من الديمقراطية وحقوق الإنسان".

وثالث أوهام الديمقراطية، أي جوهرها الذى يحوى بين طياته العدالة والحرية، هو مُفارقة المفهوم عن التطبيق، فبالنظر إلى فلاسفة السياسة والأخلاق ندرك أنهم أكدوا أن ذلك الجوهر من اليوتوبيات التي يحلم بها الشعب دوماً في كل المجتمعات، وذلك لأن كل نظام يتوهم أنه يحقق العدالة تبعًا لوجهة نظره وخدمة مصالحه. ومن ثمّ ليست هناك حرية مطلقة ولا مفهوم للعدالة متفق على صحته، الأمر الذى يستوجب تفعيل ذلك الجوهر في حياتنا بدايةً من الأسرة وتربية الصغار دون أدنى تقليد لعوائد غريبة عن مشخصاتنا أو السير في ذيل المجتمعات المغايرة، فالديمقراطية فعل وليست خطاباً، شأنها شأن الحداثة لا تتحقق بالخطب أو الشعارات بل هى وليدة الفعل والممارسة.

ثم يعرض "عصمت نصار"، لإمكانية الممارسة الديمقراطية في الحياة الأسريّة، في إطار المساحة المخصّصة بين توافق الديمقراطية مع الحرية وانسجامها مع الغاية المقصودة، ويواجه بالنقد والتفنيد كل الظروف التي تحيط بتلك الحياة بدايةً بولاية الأب واعتباره هو الحاكم الأول والأخير لا لشيء إلا لأنه ينفق ويعول ويدبر شئون الخاضعين لولايته، ومع أن المرأة تشاركه في عين المهام الأسرية، ولكنها لا تلقى الدور الذي يلقاه الرجل، لأن المجتمع عموماً ينظر إليها كتابع ناقص الأهلية لا يحق لها، من الأسرة أو من المجتمع، المطالبة بالعدالة والمساواة، ومن ثم صارت مسألة تمكين المرأة، فضلاً عن كونه وهماً يطعن في ذهنية العقل الجمعي ولا يكفل للمرأة تحصيل حقوقها، فهو أيضاً يُضاف إلى جملة الأوهام التي تعوق تحقيق الديمقراطية على مستوى الأسرة والتربية وتأهيل الأفراد الصالحين في مجتمعاتنا. وعليه؛ فاقتلاع هذا الوهم المعشعش في جوف العقل الجمعي هو أول الأولويات التي تنشئ الأجيال على أسس من الحرية والبعد عن العبودية والاسترقاق (ولاية الأب والأم) وإزالة الفوارق بين الذكور والإناث، وتحقيق أكبر قدر من الحرية والمساواة والعدالة باعتبارها القيم التليدة التي ينبغي أن ينشأ عليها الجميع، وبغيرها لا تقوم للديمقراطية قائمة من دلالات الفعل والواقع.

وفي الحق أن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والعقدي أبعد ما يكون عن الجانب الإيجابي الذى يجب أن يشغل المساحة الفاصلة بين هذه الحدود في مركز المربع والفراغات المحايثة لرؤوسه.

ولذلك، كان ضرورياً حصر جميع السلبيات، وهو ما فعله عصمت نصار، التي تقف حجر عثرة في سبيل تحقيق الديمقراطية، وهى في الحقيقة سلبيات ناشئة عن لوثة المفاهيم، وعن التربية والتعليم لا عن الحقائق المصفاة؛ فمبدأ الشورى مثلاً قد يبرر قبوله من قبل عقولنا التي فطرت على أحادية الرأي والتبعيّة والاستبداد المبرر بالهيمنة والسيطرة. وربما ترجع إلى الأساطير التي شغلت حيزًا كبيرًا من مقدساتنا؛ فالحاكم الظالم قدر وابتلاء، والأمم المتخلفة سنة كونية، وفساد الحياة الزوجية نصيب، والشقاق والصراع من فعل الشيطان. تلك كانت مبررات اتكالية غير مدروسة ولا معقولة تفت في عضد الاستقامة والاستقلال على جميع المستويات الفكرية النظرية أو العملية التطبيقية؛ فلا نخالها إلا الأوهام القادحة في التطبيق والتحقيق فضلاً عن قدحها سلفاً في النظر والاعتقاد.

ثم إننا إذا انتقلنا، حسب نصّار، من التعميمات ودائرة التنظير إلى استقراء مجهر التطبيق على منطق الحوار، فهل ما يجرى بيننا على كل الأصعدة، وفى كل الميادين، يتسم بجوهر الديمقراطية الذى يعترف بالمخالفة واحترام الرأي الآخر، وهل نحن ممّن نمارس التفكير الناقد في محاججاتنا؟  - هكذا يتساءل عصمت نصار - والإجابة لديه بالقطع لا، وإذا كانت الإجابة بالنفي، فلها كذلك ما يبررها ويعطيها حق التبرير بالقطع الذي لا مرية فيه بشواهد من الواقع وأدلة من المحسوس؛ فباستعراض خطاباتنا المُرسلة سواء في التخطيط أو الإدارة أو المؤتمرات المنعقدة وإقامة الندوات أو الإعلام، أو في غيرها من الميادين المتعددة التي تجري فيها ناشطةً كافة الخطابات المُرسلة، فإن شدّة تشريح بنيتها الداخلية وتركيبها في ذهن المجموع بهذه الطريقة التفصيليّة التي يصوّر مشخّصاتها ويجسد سلبياتها قلم الدكتور "عصمت نصار" تصويراً وتجسيداً ربما يتبادر للقارئ للوهلة الأولى فيهما: الخروج عن الواقع والجنوح إلى المثال، ولا هكذا تكون الديمقراطية مع كل عيوبها ومثالبها، وخلوّها في الغالب من ثمرات المثاقفة والتفكير الناقد، لأنها مجرّد نظام. أمّا سلوك الأشخاص فهو أخلاق، فالنظام من الدولة والمؤسسات، والأخلاق من القطاعات العريضة للجماهير، ولكي تتحقق الديمقراطية لابد من موافقة الأخلاق للنظام، ولا يُقال إن الأخلاق الفاسدة لا تؤهل النظام للاستقامة إلا كما يقال إن النظام الفاسد لا يهيئ الأخلاق للحضور أو للتحقيق.

فلئن كانت قنوات التعبير عن قيم الديمقراطية في ثقافتنا العربية مجرّد صيغ إنشائية وعبارات فضفاضة أقرب إلى لغة الخطابات المُرسلة منها إلى المشروعات المعّدة للتطبيق؛ فلأنها (أولاً) مفقودة الموافقة بين النظام والأخلاق، ولأنها (ثانياً) ينقصها الدُّربة على التخطيط، والدراية بفنون التناول للرؤى الإبداعية الحرة، يظهر ذلك كُله مشخّصاً - كما يرى كاتبنا - في الحوارات الإعلامية بداية من جهل الطرفين بآداب الاختلاف وأخلاقيات طرح الرؤى وتعصب المتحاورين لآراءٍ أنتحلوها أو مذاهب آمنوا بها أو أيدلوجيا انضووا تحتها دون استيعاب لمقاصدها أو مآلاتها أو أقوال مسيسة كُلفوا بترديدها، ومرورًا بالأكاذيب المدسوسة والمغالطات المقصودة والتدليس المتعمد وانتهاءً بعداء في متنفس من العنف، وكل ذلك بالطبع يبعد تمامًا عن الديمقراطية التي نطالب بتطبيقها، بل إنه يعكس منطق الاستبداد والرجعية والسلبية، وكلها من الآفات التي تلعب دورًا كبيرًا في تزييف الوعي العام. ولعلّ أفلاطون (عاش ٤٢٧ ق.م - ٣٤٧ ق.م) كان مصيبًا عندما نادى بضرورة استبعاد أولئك الذين يقودهم الهوى وتعوذهم الحنكة والدراية عن المسرح السياسي، وذلك لأن كثرتهم الجاهلة أو اندفاعهم وراء شهواتهم لا يعود بالنفع على المجتمع من تطبيق مثل هذه الديمقراطية الضالة، ويرى أفلاطون أن استبداد النخبة العاقلة أنفع لتسيس المجتمع من الكثرة المضللة التي يقودها التعصب لشعارات أو أوهام فتفرضها على المجتمع فيؤدى ذلك إلى دماره. والحق أن أفلاطون - كما يرى عصمت نصار - كان محقًا في ثلاثة من طعونه على الديمقراطية: أولها، أن السياسة من العلوم العمليّة التي لا تكتسب إلا بالممارسة ومن ثمّ يجب على من يريد اللعب على المسرح السياسي أن يكون ممارساً لها منذ صغره، وثانيها: أن القول بأن النظام الديمقراطي يتيح لكل الأفراد التعبير عن آرائهم الحرة ورغباتهم الحقيقية زعم يحتاج مراجعة؛ لأن معظم العوام تنقصهم القدرة على المفاضلة بين الرؤى وتمحيص الآراء ثم الانتصار لواحد منها بمحض اختياره، وثالثها: أن الجماهير التي تمارس الديمقراطية بغير استحقاق يقعون فريسة لأيديولوجيات سماسرة العمل من المأجورين.

ويؤكد أرسطو (٣٨٤-٣٢٢ ق.م) أن الحاكم الغيور على مصلحة بلاده عليه أن يبذل قصارى جهده لتحرير شعبه من سجنين، هما: الفقر والجهل، فكلاهما يحول بين المواطن وممارسة حقوقه الديمقراطية. فالعوز يدفع المرء للتنازل طواعية عن رأيه لمن يدفع الثمن، والثاني يجعل من المواطن مجرد دمية تتحرك بمقتضى إرادة الأغيار، فعقله العاجز لا يقوى على فضح مكائد من يتعمدون اللعب به على المسرح السياسي. وعليه لا ينبغي على أي حاكم الفرح بتأييد الجماهير، الذين تقودهم عواطفهم أو حماستهم، فإن ذلك الدافع سرعان ما يتبدل أمام الإغراءات المادية أو الوقوع في شَرَك شعارات عقدية أو أيدولوجية.

وماذا بعدُ؟ فهل لنا أن نسائل الدكتور عصمت نصار: مثل هذا التنظير الفلسفي كما ورد عند أفلاطون وأرسطو هل يوافق أو يخالف واقعاتنا الحياتية في زمن غير الزمن وحياة دون الحياة، أم أن الأفكار الحيّة، لا وطن لها ولا حدود لأزمنتها ولأمكنتها، تجاوز بفعل طلاقتها العقلية حدود الزمان والمكان لتفعل في الواقع المعيش أفاعيل الحضور والتلقي بل والفاعلية المرهونة بغايات التطبيق؟!

وربما كانت هذه النقطة الأخيرة هى عينها نقطة انطلاقه تماماً كما تكون هى نفسها نقطة انطلاق كل تنظير فلسفي، يرجع دوماً إلى الأصول الفلسفية، ويرد الفكرة الأصيلة إلى ينبوعها الحيوي ومصدرها الفكري الثري.

واتساقاً مع تحذير الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم (1711-1776) من الديمقراطيات الفاسدة ينطلق عصمت نصار لمعالجة الدرب الثاني الذى يحول بيننا وبين ممارسة الديمقراطية في مناقشاتنا أو محاوراتنا، وهو الذي يراه متمثلاً في ادّعاء أحد المحاورين بأنه يمتلك من الحقائق فصل الخطاب، حيث لا يمكن الشك فيها، الأمر الذى يدفعه إلى اتهام محاوره الذى يخالفه الرأي بالجهل والتخلف والتنقيص وهو ما يتشدق به غالباً من لم يدركوا مسئولية تطبيق الديمقراطية، فليس هناك أسوأ من غلبة الجهلاء، أو كثرة الحمقى عند التشاور أو اتخاذ القرار أو تقييم الأفكار، تلك التي تعبر عن ديكتاتورية عصبة الكثرة.

والصواب لإصلاح هذين الدربين من الاستبداد هو تفعيل الديمقراطية الحقيقية أي أن تصبح قراراتنا الاستراتيجية وخططنا التكتيكية وليدة حوارات ومناقشات بين علماء متخصصين لا مجال في موائدهم للمجاملة أو المداهنة أو التحزب أو الاتفاقات المبرمة قبل التصويت عليها لتطبيقها وتنفيذها. فإن مثل ذلك الفعل سوف يجعل كل المشاركين في الرأي مسئولين مسئولية كاملة عن المقاصد والمآلات ويختفى المثل القميء الشائع (اربط الحمار كما يريد صاحبه)، ويمنع صاحب السلطة من الانفراد بالرأي ويعّوده في الوقت نفسه على دراسة الآراء المتباينة وتمحيصها بمنطق العقل الجمعي، والإيمان بأن النقد والمعارضة من سبل الإصلاح والبناء وليس الهدم. وعلينا كذلك الالتزام بمعايير التناظر بداية من اختيار المتناظرين والصفات والسمات التي يجب أن تتوفر فيهم".

ومع ملاحظة هذا التنوّع المعرفي في زوايا التخريج بالنسبة للعلاقة بين الحاكم والرعية، أقول مرة أخرى: هذه مثالية تتقرر وسط الأفكارّ ولا تتقرر في الواقع العملي، ويكتبها المفكرون الأحرار في حالات الصفاء بأبراجهم العاجية، فإذا انتقلوا إلى الواقع الفعلي أصابهم ما أصابهم من العزلة التي تفرضها الهوة السحيقة بين النظر والتطبيق، فيستعبدهم الواقع السفلي بمنغصاته السوداء، لكأنما ينزعهم نزعاً من الحرية المنشودة إلى واقع الاستعباد والاسترقاق. فهل تحققت مثل هذه النظرات المثالية وإن جاءت في حلة فلسفية وثوب قشيب يوماً من الأيام في زمن من الأزمنة أم الغالب أن الفكر في عزلة عن الواقع، وأن التنظير شئ والفاعلية الواقعية شئ آخر؟!

حقيقة؛ كلما طرحت على نفسي تلك الأسئلة وواجهتها بما أقرأ من سطور الدكتور عصمت نصار اتهمتها بالتشاؤم الذي يقوّض دعائم الآمال، وحمدت صنيع عصمت نصار؛ لأن التفاؤل يحدوه، والأمل المنشود يظهر تحت سنان قلمه الناصع الأبيض الشفاف.

واذا كان الفكر السياسي الإسلامي له دوره في هذه الشئون، وله رأيه كذلك، فقد اشترط توافر العديد من الخصال والسمات في متخذي القرار وأهل الشورى وأرباب التناظر وأطلق عليهم أهل الحلّ والعقد، ومن ثم لا تجوز المشورة أو الديمقراطية إلا في وجودهم.

ولا يشك عصمت نصار قيد أنمله، ولسنا معه من الشاكّين، في أن التشاور والنقاش والتثاقف من أهم تطبيقات الديمقراطية التي ننشدها، ومن أجل ذلك يعود فيطرح السؤال نفسه: هل نحن ديمقراطيون في دور العلم وحلقات البحث؟ وعنده إن الواقعات تشهد بالنفي، فدروسنا في المدارس والجامعات المصرية تسير وفق نهج تلقيني استبدادي سلطوي، فالمعلم يلقى الدروس على طلاب المدارس وفق مقررات دراسية لم يشارك في وضعها ومن ثم فهو مكلف بتوصيلها لعقول الطلاب دون قيد أو شرط، وعليه تصبح وظيفة الملقن هى حشو أدمغة الطلاب بالمعارف المكتوبة دون مناقشتها من حيث القيمة والغاية والمقصد ومدى الاستفادة منها في الحياة العملية. غير أنه يتابع نقد هذه الظاهرة نقداً منهجياً لا يقف عند القشور القاحلة بل يتوغل للأعماق حتى ليكاد يقتلع جذور الآفات اللاحقة عليها، وإنه ليستغرب من أن "جل المشتغلين بالعملية التعليمية والمناهج التربوية - في مصر على وجه الخصوص - يعلمون أن مثل هذه الطرائق التلقينية قد ثبت فشلها في التطبيق فعجزت عن صناعة العقول وتنمية المدارك وعصف الأذهان، بيد أن الواقع يشهد بأنهم مصرون على هذا النهج الخاطئ، فلا نكاد نلمح في برامجنا الدراسية ساعات أو حصص للمناقشة الحرة بين المعلم والتلاميذ، ولم نسمع كذلك عن تلاميذ أعادوا صياغة ما يدرسون من معارف بأساليبهم وتعبيراتهم الخاصّة ولم نقف أيضًا على ضروب من الأسئلة أو الاختبارات تخاطب المهارات الإبداعية أو العقليات الناقدة، بل جميعها ينشد ما اختزنه أذهان الطلاب من معلومات بغض النظر عن كونها معارف مشوشة تفتقر إلى الدقة أو مشوهة تعوزها البساطة ويعوزها الوضوح".

وليس يخفى على القارئ عموم مثل هذه النزعة الإصلاحية في جميع مرافق الحياة، ومحاولة تطبيق مبادئ الديمقراطية عليها لتستقيم، وفي حالة نزع تلك المبادئ منها تعوج وتنحدر على التعميم. والمرفق الحياتي الأول الذي تظهر فيه نزعة الإصلاح هو التعليم؛ وبما أن النزعة الإصلاحية في السياسة والاجتماع تجمع الخيوط المتلاقية بين الأصالة والحداثة وتحفظ هُويّة المتعلم من جهة وتُقدره على الابداع ومواكبة عوارض التقدم والتجديد بخصوصية هويّته من جهة أخرى؛ فالتربويون والمفكرون وقادة الرأي والإصلاح كانوا جميعاً يجمعون على تلك النزعة الإصلاحية التي عمادها التجديد ومتكأها النقد المنهجي وغايتها التطهير والمراقبة وإشاعة التنوير بين أبناء العربية. وليس عصمت نصار (طهطاوي هذا العصر) بأقل منهم حرصاً على الإصلاح وأخذاً بدعائمه التأسيسية، فجميع مفردات الإصلاح، مفردة، مفردة، تتواجد بلا مبالغة في منهجه النقدي العام. فليس يغفل تطبيق هذا المنهج الإصلاحي على مشكلات التعليم، وإذا أراد أن يربطه بالديمقراطية قال:  إنّ نهج المعلم في إلقاء الخطاب المعرفي على التلاميذ له عظيم الأثر في تربية أذهانهم وتعويدهم على ممارسة الديمقراطية من عدمها، فإذا كان حديثه أدنى إلى صيغ الأمر والانفراد بالرأي وإيهام سامعيه بامتلاكه لب الحقيقة التي لا تقبل الارتياب أو المناقشة ولا التقويم، يكبر التلميذ على رفض كل شكل من أشكال الاختلاف وكل درب من النقد وتعدد الرؤى، وينعكس ذلك بطبيعة الحال على حياته وتصرفاته فيخرج من استبداد الأب إلى استبداد المعلم معتقداً أن في طاعتهما النجاة من شر العقوق أو الخسران والرسوب في الامتحانات. ويتلقف "المتلاعبون بالعقول" هذه الذهنية في سن المراهقة - وهو المرحلة العمرية الأخطر من حيث تأثيرها في تكوين الشخصية وطرائق التفكير بوجه عام - فيطبعونها تبعًا لأهوائهم ومنازعهم ومعتقداتهم، مؤكدين بذلك آفة التقليد والطاعة التي حملها المقلدون منذ نعومة أظافرهم فيقضون تمامًا على بذور الحرية والتقويم عندهم، ويتخذون من الموروث والدين والمأثورات من المحفوظات وما خفى عن هاتيك الأذهان من معارف ومعلومات وآليات للسيطرة عليها. أما الفارون من شَرَك القولبة والتبعية يظلون عاجزين عن التعبير عن آرائهم، وذلك لأنهم لم يمارسوا هذا الدرب من دروب التعلم، وهذا الخلل نجده واضحًا تمامًا بين طلاب الجامعات الذين يصرون على ضرورة السير على نهج المدرسين: التلقين ثم التلقين، ومن المؤسف أن نجد نفرًا غير قليل من الأساتذة يخضعون إلى رغباتهم فتستحيل الجامعات إلى مدارس تلقينيه وليست قاعات للتثقيف والتنوير والبحث العلمي".

فمثل هذه الفقرة البيانية الفاصلة، فضلاً عن توظيف عملية النقد المنهجي، توضح فقدان الحرية الفكرية والأخذ بمنطق التلقين في التعليم سواء في المدارس أو في الجامعات، وهو مع هذا كله لا يلقى بالتبعة على الطلاب ومعلمي المدارس وأساتذة الجامعات وحدهم، وإنما يأخذ في الاعتبار (أعداد التلاميذ، وفساد الدورات التدريبية لرفع كفاءة المدرسين، ووجود معلمين غير مؤهلين لحمل الرسالة، ولا يقدمون الالتزام بأخلاقيات المهنة على مصالحهم الشخصية)، وذلك لأن المنظومة التعليمية بكاملها تحتاج إلى تقويم وإعادة بناء، كما أن البيئة الجامعية أضحت للأسف معقلًا لسجن العقول.

ولا يكتفي عصمت نصار بإلقاء القول على عواهنه مرسلاً غير مقيد بواقعات التفكير الفلسفي كما يفعل أدعياء البحث والمثاقفة بل يسوق إشارات بهذا السياق من فيلسوفين مختلفين الاتجاه متباينين النزعة، أحدهما روحي والآخر علمي هما: "هنري برجسون" (١٨٥٩-١٩٤١ م)، "وكارل بوبر" (١٩٠٢-١٩٩٤ م) فقد ذهب كلاهما في حديثهما عن الثقافات المغلقة والثقافات المفتوحة، فالأولى تسجن الأذهان داخل نموذج واحد مستمد من الموروث والمعتقدات بحجة أنه السبيل الأوحد للسعادة، وتحرّم عليهم إعمال العقل فيما يتعلمون أو يوجهون إليه بحجة أن الشك فيما يقدم لهم باعتباره ثوابت سوف يحرمهم من الأمن وراحة البال، التي يطمح إليها المواطنون في المجتمعات المغلقة دون المجتمعات الحرة التي تعلى من شأن العقل لاختيار الأنسب والأفضل من النظم والقيم والمعارف والسياسات".

وكما كانت العلاقة وثيقة بين الحياة السياسية والأخلاق، تكون العلاقة أوثق بين غياب الديمقراطية في المؤسسات التعليمية وحياتنا السياسية، ويضرب صوراً من الأمثلة عديدة (عدم تشاور المعلمين مع آباء التلاميذ خلال مجالس أولياء الأمور، انعدام الوعى السياسي تبعًا لإهمال تدريس التربية الوطنية، فشل نظام الانتخابات في الحياة الجامعية سواء على مستوى الاتحادات الطلابيّة أو اختيار القيادات في الكليات والمراكز البحثية)، فكل هذه الصور ما زالت تحكمها الشللية والمنافع الخاصّة، والفساد بكل أشكاله بما في ذلك لجان التعيينات والترقيات واختيار القيادات".

وربما كانت تلك الصور المرسومة حقيقةً هى صور واقعية كدرة تجري في الواقع الفعلي بلا شك، يصدقها ما وصلت إليه الأحوال العامة المترهلة في حيوات التعليم، حتى أضحى التعليم في بلادنا مفرخة الإرهاب؛ فالتلميذ في المدارس الإبتدائية والإعدادية والطالب في المرحلة الثانوية والجامعية عرضة لظاهرة بشعة هى ظاهرة الدروس الخصوصية في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، وظاهرة توزيع المذكرات وإرهاب الطلاب وتهديدهم بالرسوب في الامتحانات بالنسبة للتعليم الجامعي، ففي حالة العزوف عن شراء المذكرات اضطهاد للطلاب من قبل الأساتذة الذين يأكلون السحت ويقدسون المال ويمتصون دماء الفقراء، ويدهسون القيم العلوية بأقدم النعال، الأمر الذي يتولد عنه نفسيّاً إرهاب خفي غير معلن يتفاقم مع الأيام ليكون ضرراً يلحق بالمجتمع في صور انتقامية مرهبة لا تعرف الولاء للأوطان ولا القيم ولا للمجتمعات ولا للأديان.

ثم ينتهي إلى القول بعد بحث مستفيض وإطلاع واسع وحيويّة تنقل معرفي يكاد ينقطع معها في هذا الزمن النظير:  فالديمقراطية التي ينشدها كاتبنا المفكر وثيقة الصّلة بالأخلاق التطبيقية، وقد أكد على ذلك معظم فلاسفة السياسة بداية من أفلاطون، الماوردي (٩٧٢-١٠٥٨)، ابن حزم (٩٩٤-١٠٦٤)، جوسيا رويس (١٨٥٥-١٩١٦)، جورج برنارد شو (١٨٥٦-١٩٥٠)، برتراند راسل (١٨٧٢-١٩٧٠)، هارولد لاسك (١٨٩٣-١٩٥٠)، إريك فروم (١٩٠٠-١٩٨٠)، مايكل أوكشوت (١٩٠١-١٩٩٠)، حنة آرنت (١٩٠٦-١٩٧٠)، ديجون رولس (١٩٢١-٢٠٠٢)، ميشيل فوكو (١٩٢٦-١٩٨٤)، وغيرهم وغيرهم ممّا لا يتسع المقام لذكرهم وعرض آرائهم، كل أولئك أكدوا على  أمرين:

أولهما: أن دمار الديمقراطية يكمن في إخراجها من دائرة التطبيق إلى فوضى الشعارات، وانتقال حمى التعصب إلى آراء المتساجلين، فتصبح صكوكًا ومقدسات لا يمكن التنازل عنها أو التسامح مع من ينكرها من المخالفين، أضف إلى ذلك تغلغل الفساد في دنيا السياسة، فيبيت الدولار والمصالح الخاصّة والكذب والتآمر على مقدرات الشعب هو ديدن رجالات الأحزاب ورؤساء النقابات ورجال الثقافة والإعلام، ذلك فضلًا عن جعل شعار الغلبة للأقوى هو دستور العلاقات السياسية في الأمم غير المؤهلة.

أمّا الأمر الثاني: فيتمثل في غيبة آليات الديمقراطية باعتبارها أفعالًا وسلوكًا وفلسفة للتطبيق: فالوعى بأبعاد مفهوم مصطلح الحريّة بكل أشكالها وتربية الرأي العام وتعليمه وتثقيفه والمشاركة الإيجابية في جل ضروب التعبير عن الرأي والتمسك بالقيم الأخلاقية أثناء الثورات، وإعلاء روح التسامح بين المتنافسين والمتناظرين من أهم هذه الآليات بل إن شئت قل هى عمد الديمقراطية. وقد أجمع فلاسفة السياسة أيضًا على ضرورة استبعاد الجهلاء والحمقى من ممارسة الديمقراطية المباشرة، كما أوصوا بأن أهل الدربة والدراية هم المسئولون في المقام الأول عن احتلال موقع الصدارة على المسرح السياسي. أمّا من يفضل الانزواء أو المقاطعة أو الصمت والخنوع، فيجب إدراج أسمائهم في جداول الخائنين للديمقراطية المفتقرين للحرية".

وبعد؛ إنّ لهذا القلم صولة عقلية أصيلة لا يشك فيها قارئ متابع لما يقرأ، وإن له كذلك لجولات في عالم التفكير منوّعة المعارف متعددة الرؤى متصلة بأواصرها الفلسفية وروابطها المنهجية لا تخفى على من يطلع عليها من أول وهلة .. فهل لي أن أعيد ما ذكرته صادقاً في مطلع الدراسة من أن علامة الكاتب المبدع: أن يثير فيك حفيظة التفكير لتوافق أو تعارض، سيّان. المهم أنك تفكر فيما تقرأ، وأن يقودك التفكير دوماً إلى الإثارة المعرفيّة. ومن غير المعقول أن تثار معرفياً أمام هذا الرصد الهائل لقنوات التعبير المنظم المخلص بين شجون الفكر وهموم الواقع ثم في الوقت نفسه لا تغبط الكاتب غبطة السعادة والرضى بما تركه فيك ظاهراً من مفعول الآثار.

فتحيّة عطرة بأريج العرفان للأستاذ الدكتور "عصمت نصار"، صادرة من شغاف القلب، مُعززة بوعي العقل ما بقيت في القلوب والعقول سبحان التأمل وأشجان المعرفة، وما ظلّت في الأرواح دوماً مُعانقة الأفكار.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

الحسين اخدوشنسجت التربية الحديثة علاقات وطيدة ومعقّدة مع المدرسة العمومية في مختلف المجتمعات الإنسانية المعاصرة. مثّل هذا المعطى مؤشرا حاسما على نجاعة فكرة عمومية المسألة التربوية، بعد ما كانت في ما مضى من الزمن مرتبطة بالأسر فقط، خاصّة لدى العائلات الأرستقراطية التي تربّي الأولاد تربية النبالة التي تحثُّ عليها تقاليدها في القرون الخالية.

عكس ذلك، أصبحت التربية في راهننا البشري مشكلة عمومية بامتياز نخصّ الجميع من حيث كون الجميع معني بها في إطار الدولة المدنية. هكذا، أصبح يُنظر إلى التربية في إطار المجتمع القائم، كسيرورة تتطور من داخلها وظائف شتّى: اجتماعية، مدنية، سياسية..الخ كما تعمل السياسات المعتمدة في هذا الشأن على جعل تربية الحواس والذوق والملكات وتنمية الانتماء الوطني والتربية المدنية كلّها شؤونا عامة مرغوبة.

اتخذت التربية، فيما يخصّ فائدتها البيداغوجية الصرفة هنا، دلالة مجموعة من السلوكات التي تُطور منهجياً قدرات الصغار (Cuvilier,1967: 62). ولقد تقوّت النظرة المؤسساتية للتربية مطلع القرن العشرين لتصبح رابطاً أساسياً بين الكبار والصغار، حيث أصبحت، كما أشار لذلك إميل دوركايم، تتمثل في العمل الذي تحدثه الأجيال الراشدة في الأجيال النامية لمساعدتها في الحياة الاجتماعية.

غير أنّه إذا كان هذا التعريف، إضافة إلى تحديدات أخرى كثيرة، يمدنا بعناصر أولية فقط لفهم مجال اشتغال التربية باعتبارها منظومة من السلوكات الساعية لتنظيم العلاقة بين الأفراد والمجموعات بما يخدم مصالح وأهدافاً اجتماعية معينة تبعاً للفترة الزمنية وتتابع الأجيال والصراعات المجتمعية داخل كل حقبة تاريخية؛ فإنّ كلّ فرد وكلّ جماعة إنّما سيضيف من خلال خبرته وممارسته اليومية مبادئ جديدة إلى الجيل الآخر، مساهماً بذلك في إلغاء بعض تلك المبادئ والسلوكات وتعويضها بأخرى.

وفقا لهذا الأمر، لم يعد الفعل التربوي نمطيا جامدا لا يتغيّر ولا يتبدّل كما في التقليد الكلاسيكي، وإنّما أصبح مرنا منفتحا على كلّ ما من شأنه أن يساهم في تطويره نحو الأحسن. ولمّا تقرّر هذا الأمر بصفة واسعة، توجب على الفاعلين التربويين (أفرادا ومؤسسات) تجويد أساليبهم التربوية ومراجعتها بشكل مستمر. لكن يبقى المبدأ العام المؤسّس لفعل التربية الذي هو "الحرية" ثابتا في وجوهريا في كلّ تجديد أو مراجعة بيداغوجية محتملة وممكنة.

تشترط التربية وجود الحرية التي تقع في صلب ممارستها؛ فكلّ تربية غير مبنية على الحرية إلاّ وفقدت أساسها الأخلاقي الذي هو مبرّرها الوجودي. وهنا تظهر أهمية جون جاك روسو والفيلسوف الانواري عيمانويل كانط، خاصّة فيما قرّراه من أفكار تدعوا إلى تُحرّر الإنسان من خلال فعل التربية.

لقد تبيّن معهما أنّ التربية بدون ميل وتأهب للحرية لا تعني سوى تدجين وإخضاع للنوع البشري؛ بالتالي ضرورة جعلها مقرونة بتملّك الإرادة الحقيقية على الفعل والمبادرة الأخلاقية الحرّة. فالواقع يشي بأنّه لا يُصار إلى تجاوز قصور العقل بدون تحرير الفكر والإرادة من القيود التي تكبّلهما في المجتمع الحديث. بالمقابل، تعتبر الحرية ما يمنحنا الشجاعة على استخدام عقلنا بأنفسنا، بالتالي على التربية أن تعمل تحقيق هذه الحرية في برامج بيداغوجية قابلة للتعميم على كلّ أفراد المجتمع.

هكذا، ظهر أنّه بدون حرية تغدو كلّ تربية مجرّد ترويض للإنسان حتى يخدم قوى أكبر منه (السلطة). فالإنسان يشعر بأنّه حرّ كلّما كانت ممارسته لإرادته تمكّنه من أن يختار الخيارات المتاحة له دون إكراه أو ضغط. لذلك، يصعب إقناع الإنسان بأنه غير حر مادام لديه هذا الشعور بالحرية واستقلالية إرادته. فحتى اليونان (أقصد الفلاسفة) كان لديهم إدراك أخلاقي بأهمية ارتباط التربية بالحرية؛ حيث اعتبرت هذه التربية حرة نظراً للتوزيع المتوازن الذي ألحقته بالعقل والجسم. كان الهدف الأساسي لهذا النوع من التربية الإغريقية يكمن في إعداد الفرد في إطار طبيعته الخاصة حتى يكون مواطناً للدولة المدينة.

لقد سبق وان أصرَّ أرسطو، مثلا، على أن يمتد العمل التربوي من الولادة حتى بلوغ سن العشرين؛ بالمقابل، لم يعرف الرومان هذا المفهوم الحرّ للتربية التي تميزت بها الثقافة اليونانية القديمة، وقد ركزوا اهتمامهم على التربية البدنية التي كانت بمثابة العمود الفقري للتربية اليونانية. كان غرض هؤلاء الرومان هو صناعة الخطيب الذي يجب أن يلم بالفلسفة والقانون والأدب، فيكون رجلاً مثقفاً ومجيداً لصناعة الكلام فقط.

لكن ماذا عن تقاليدنا التربوية؟ لماذا لا تولي لحرية التفكير أواويتها المستحقة؟ لن أدّعي القدرة على تحليل هذه المعضلة التربوية كما هي في ثقافتا لأنّ هذا الأمر التحليل النظري ليشمل الخلفية الثقافية لقيمنا اعتقاداتنا التربوية. لذلك سأكتفي بالقول إنّ مشكلتنا التربوية هي نفسها مشكلتنا الثقافية! بما أنّ نسق قيمنا لم يعالج الاعطاب الثقافية والسياسية التي تعتريه، فإنّه من السابق لأوانه الحديث عن تأهيل المسألة التربوية كيفما كانت الوسائل البيداغوجية المعتمدة.

الحرية ضرورية لتطوير التربية، وهذا يعني فسح المجال للابداع وتغيير بعض التقاليد الراسخة، خاصّة منها المتعلقة بتصوّرنا للمربي والمتعلّم. والأمر، هنا، يحتاج إلى وقفة صريحة مع الذات، وقفة نقدية تكشف عن أوجه الخلل في ثقافتنا لمقاربتها بنظرة جديدة علمية وبعيدة عن الحسابات الأيديولوجية السياسية التي أزّمت الفعل التربوي.

فلمّا كان الواقع المعاش لدينا يشي بسيادة وحدانية السلّطة واستحكام ثقافة "الشيخ والمريد"؛ فإنّه من الضروري تسوية المشكلة السياسية أولا قبل المسألة التربوية، حيث لا يمكن للفعل التربوي أن يتطوّر ويغرس بذور التحرّر والفكر الناقد في عقول الناشئة بدون وجود تعاقد سياسي واضح يحاسب فيه الفاعل السياسي وفق القوانين الديمقراطية. لسنا بحاجة التذكير أنّ التربية الحرّة تنبني على التعاقد السياسي الواضح الذي يقوم على مبادئ فصل السُّلط والممارسة الديمقراطية للحكم.

يظهر أنّه نحتاج للقطع مع المنظورات القَدَرِية للتربية إلى جعل الحرية ممارسة سياسية ثقافية في المقام الأول، وذلك قبل الحديث عنها في الوسط التربوي. غير أنّ التقليدانية الراسخة في ثقافتنا الاجتماعية جعلت غياب الحكامة والتدبير العقلاني الديمقراطي للفضاء العام مناسبة لترسيخ الطغيان وتبريره قيميا وسياسيا. يجعلنا هذا الأمر نعترف أنّ المسألة التربوية ليست مشكلة معزولة عن باقي المشاكل الأخرى، خاصّة منها السياسية والثقافية والاجتماعية؛ لذلك، وفي ظلّ هذا التداخل بين المسألة التربوية والسياسية، حري بنا أن نعترف أنّ دور الفاعل التربوي يبقى جزئيا في تجويد ممارسته التربوية ما لم يكن النسق السياسي والثقافي بكامله يشجّع على التجديد التربوي.

 

الحسين أخدوش