رحيم زاير الغانمفي كتاب (لماذا الرسول؟) للكاتب محمد كريم الساعدي

نقرأ في مقدمة كتاب (لماذا الرسول؟) للكاتب الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي تساؤلات عدة تُطرح، بدءاً من مسألة الاساءة وقصديتها والتشويه وما تركه من فعل في المنجز الفكري/ الفلسفي، وقصديته التي أنتجت هكذا تعميمات، تاركة في ذهن صاحب الكتاب العديد من التساؤلات، نتيجة لما طرحه المنتج الغربي من رسوم الكاريكاتير، الى افلام مسيئة لشخص الرسول محمد (ص)، وما دعت له الضرورة، سواء على مستوى الفكر او الاعتقاد، كنتيجة طبيعية للأفكار المشوهة التي حفل بها التاريخ الغربي، على اعتبار ما يمثله الغرب من مقاومة فكرية وانسانية وحضارية كمركز، والتي يخضع لها جميع الهوامش، وما قد ينتج من تساؤلات كردة فعل باتجاه مركزيتها الصارمة مع ما تدعيه من عدالة او مساواة، ويبقى السؤال، اين العيش بكرامة قبالة ما يدور من فكر اقصائي للآخر المغاير، بعدما اعتبرته ضدا وعملت على تهميشه، عبر جعله يغرد خارج سرب الفعل الانساني، تاريخا وحاضرا، ولا يقبع عند هذا الحد بل الى توجيه اصابع الاتهام للمواطن العربي/ المسلم، قبوله الرضوخ للحكم الدكتاتوري بجذره الحضاري الاول في الشرق، مرورا بظهور الدين الاسلامي في الجزيرة العربية الذي يعد امتداد لكارزما الشخصية الشرقية بحسب الغرب، و(الروح المطلقة) كما يتبنى طرحها (هيجل)، لذا وبحسب المؤلف ان الاساءة والتشوية هي افعال قصدية، وما حركات الاستشراق من قبل (800) سنة، الا محاولات لإخضاع الشرق، باستهداف الاخر المسلم، عبر ثنائية الشرق والغرب وما انتجته من ثنائيات، (الغرب المتحضر، والشرق البربري) و(الغرب المؤمن، والشرق الكافر) و(والغرب المتنور، والشرق الظلامي)، وما اعقبتها من مرحلة في القرن الحادي عشر ميلادي بفتح كراسي الاستشراق والدراسات الشرقية في الجامعات الغربية بأمر من مجمع الكنائس، توجت بأطروحة (صموئيل هنتنجتون) في كتابه (صِدام الحضارات)، وما يهدف اليه من اعادة النظام العالمي، وما يعتريها من نَفَسٍ تقويضي للآخر المسلم ممثلا بمركزه العربي، أو ترسيخ فكرة اختيار الله للشعب اليهودي، وعدَّ ديانته دين الله الاوحد.

 ان تناولنا لهذا الكتاب بوصفه يناقش الحرية المفرطة في التعامل مع معتقدات الشعوب ورموزها الانسانية، الحرية التي تتنافى الى قدر كبير مع دعوات التنوير الفكري والاعتراف بالآخر بغض النظر عن جنسه او نوعه، التي يحرص على تسويقها، من أجل بلوغ اعلى مراتب الانسانية، نتلمس من خلاله ازدواجية المعايير في الطرح النظري مقارنة بالتطبيق الذي يحرص اغلب دعاة التنوير على الحث عليه، لوقوعهم تحت تأثير الفكر الاحادي الرؤية في تشخيص الاخر، بمرجعيات تاريخية مظللة او استشراقية ملفقة، حرص المؤلف على استحصالها بالمصدر تحقيقا للأمانة العلمية في النقل سواء على مستوى النص أو الفكر.

يتلخص الكتاب في ستة فصول تناول في فصله الاول: (الصورة / الذاكرة/ التشويه/ القصدية)

وفي الفصل الثاني: الاشتغال الثقافي للصورة (حضور الخطاب المهيمن)، وفي الفصل الثالث: الذاكرة وتفعيل الحضور الميتافيزيقي، والفصل الرابع: الفكر الغربي ومرجعيات التشكيل، والفصل الخامس: الاستشراق وقصدية التشويه، والفصل السادس: مرتكزات في قراءة صور الاساءة، وسنحرص على تناول هذه الفصول الست بدراسة يستعرض فيها الساعدي أفكار وتصورات الغرب للإنسان المسلم العربي، والخلفية التي استند عليها الغرب، مفنداً ادعاءاتهم من جهة ومنزهاً شخصية الرسول محمد (ص) مما لفق له من جهة اخرى، مع مراعاة بعض الجوانب التي لا تخفى على القارئ المثقف العربي، ان بعض السلوكيات هي نتاج حراك داخلي بمحركات ومحفزات غربية، عبر اجندة تدعو الى اعادة انتاج اسلام جديد يؤكد انطباع الشعوب الغربية عما تمَّ طرحه عبر ماكنة اعلامية وثقافية هائلة من نموذج مثَّل بالنسبة لهم طبيعة العربي الشهواني القاتل.

  لقد حرص الغرب على تشويه الذاكرة الصورية للعرب وتنشئة المواطن الغربي على تصديق مقولات التشويه، لما تشكله الصورة، من رسم تشكيل على صورة مفاهيم وخبرات في الذهن، ليس من السهل محوها، لأنها نمت بفعل امتهان جميع سبل التشويه سواء على مستوى استحضار محفزات التشويه العرقِي أو السلوكي للآخر، على الرغم مما يعتريها من تلفيق او تدليس، ولهذا اعتمد الغرب تشويه الذاكرة الاصل وابدالها بذاكرة مشوهة، وهذه الذاكرة المحدثة لا تتوقف عند التصورات للأشياء والمواقف والثوابت الانسانية بل تتخطاها الى تشويه الصورة، التي يحاول الغرب ترسيخها تماهيا مع تشويه تاريخ حضارة العرب، برسوم وافلام مسيئة لرمزه الديني والانساني على حد سواء، ليبدو العربي، في عصر ما بعد الحداثة نفسه، ذاك العربي القابع في الصحراء، وللمواطن الغربي الخيار ان اراد التواصل معه حضاريا وفكريا، وان رغب بذلك فانُّه سيصطدم بالعقلية البدائية والبربرية، ان رغب بالمجازفة، فأنه من دون أدنى شكٍّ سيحمل مشعل الفدائية في هدفه التنويري النبيل أو التبشيري المصلح، بعدما أقبل على شعوب العالم الثالث وهو معبأ بتصورات وافكار لا تمت بصلة للعالم المتحضر ممثلا بالغرب ومن التحق بركب حضارته، من الامم الاخرى، اذ انه سيقدم على أمم خارج التوصيف التاريخي لدولة الانسان، حققه النهج الغربي المنظم في تحطيم أواصر التواصل المعرفي مع الاخر العربي وعده ضداً، حرصاً منه على ديمومة الصراع، قصدية انتهجها العقل الغربي، بعدما ادرك ان لا مناص من تحقيق مركزيته على العالم من دون ترسيخ ثقافة تهميش الاخر الضد الحضاري، وأدرك مبكرا بنجاعة الضد (الشرق أوسطي) وبظهور الرسول محمد (ص)، استقرت بوصلة التشويه على الوطن العربي وما شخصية الرسول محمد (ص) الا الهدف الرئيس من ادامة الصراع الحضاري الذي ظاهره صليبي / اسلامي، الا ان باطنه صراع الغرب والعرب، قد لا يدركه البعض للان وقد تستهجنه قاعدة عريضة من جمهور الأمة، لكنها الحقيقة كما تصرح بها تجاذبات الصراع الدائر من حولنا شاء من شاء وأبى من أبى.

 

رحيم زاير الغانم

 

 

نبيل عودةانبهار العالم العربي بما يعرف بشعر المقاومة، اعطى للجنار الشعري ثقافتنا داخل إسرائيل دفعة حماسية غير معهودة فتكاثر الشعر والشعراء، تكاثر ايضا منظمي الكلام تحت تسمية الشعر، فكثر الشعراء وقل الشعر، وقد انتبه محمود درويش آنذاك لهذه الظاهرة وكان محررا لمجلة "الجديد" الثقافية، فكتب افتتاحية هامة بالعدد السادس – عام 1969 بعنوان "أنقذونا من هذا الحب القاسي". ختم مقاله الهام بقوله:" آن الأوان لأن توضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح، بصفتها جزءا صغيرا من حركة الشعر العربي المعاصر عامة، وذلك يستدعي تخلص الناقد العربي من الخضوع التام لدوافع العطف السياسي وحدها على أصحاب هذه الحركة، فلا يكفي هذا الشعر أن يكتب في إسرائيل. إن وضع الحركة في مكانها الصحيح هو خير طريقة لنموها وتطورها لارتياد آفاق أوسع، خاصة إذا تذكرنا دائما أنها مازالت في المراحل الأولى من الطريق الطويل". للأسف لم تقد صرخته لعقلنة الانفعال العربي بشعرنا الفلسطيني المقاوم، الذي انكشف آنذاك للعالم العربي، وانعكس ذلك الحب العربي سلبا على تطور شعرنا بعد موجة الحب العاصفة لمحمود درويش وزملائه!

كشعب بنيت ثقافته التاريخية على الشعر، ما زال الشعر مزايدة تهدف الى احتلال المكانة في رأس الصف، والحصول على المكانة بالموهبة وقوة الصوت (السنا شعوبا سماعية؟)، وهو مجد ما بعده مجد، وطموح للشهرة اسوة بشعراء المقاومة بعد ان كشف المرحوم الأديب غسان كنفاني لشعرهم وما تبع ذلك من عاصفة اهتمام ثقافية عربية، وعشق محلي للجنار الشعري بطموح الشهرة عربيا، اسوة بشعراء المقاومة، رغم ان الشعر الجيد لم يكن وقفا على الشعراء الأربعة فقط، ومن الواضح ان الاعلام الحزبي الشيوعي لعب دورا مؤثرا في رفع شان عدد قليل وتجاهل أصوات شعرية أخرى لا يمكن الاقلال من مكانتها ومن دورها في تعميق نهج شعر المقاومة أو التحدي السياسي لواقع التمييز والاضطهاد الذي عانى ويعاني منه المواطنون العرب في اسرائيل. منهم شعراء أرسوا هذا النهج وأبدعوا شعرا هاما في تاريخ مسيرتنا الشعرية، منهم على سبيل المثال وليس الحصر: عصام العباسي، حنا أبو حنا، حنا إبراهيم وغيرهم، وكانوا أيضا من أعضاء الحزب الشيوعي لفترات طويلة من نشاطهم. طبعا هناك شعراء آخرين لا يقلون بمستوى شعرهم عن الآخرين، لكنهم إعلاميا كانوا بعيدين عن الاعلام الحزبي الذي اعتمده غسان كنفاني.

                                                  ***

هل بالصدفة أن أهم شعراء وادباء العرب البارزين في العصر الحديث، قضوا جل حياتهم بعيدًا عن بلادهم وعن سلاطين بلادهم حتى لا يطولهم سيافي سلطاتهم بسيوفهم الجاهزة لقطع الرؤوس.

ان وراء شهرة شعر المقاومة، التحدي السياسي لسلطة عنصرية شرسة فرضت قيودا تعسفية عسكرية على الأقلية العربية، وجردت المواطنين العرب من أراضيهم وحقوقهم المختلفة، ودفع أدباء وقادة شعبنا الثمن من حريتهم الشخصية، ولعبوا دورا سياسيا تعبويا ضد السلطة العنصرية، وذاع صيت شعراء شعبنا بمشاركتهم بالمهرجانات السياسية والشعرية المجندة لمقاومة نهج السلطة. ودورهم في تثوير الجماهير العربية إعلاميا وثقافيا، وتعزيز الانتماء العربي داخل إسرائيل للثقافة العربية وللفكر الثوري غير المهادن.

بينما نجد الواقع المختلف تماما في العالم العربي، نجد الشعراء والكثير من المثقفين العرب مشردين في "بلاد الغرب الكافر"، او مقيدون في سجون حكامهم، تلافيا لشرهم على أمن النظام وضمان "حب الجمهور لحكامه"، عدا القيود على النشر.

اليوم تمتلئ صفحات الجرائد والأنترنت بالقصائد والنثريات والخطابات القومية التي تطفح بالاعتزاز العروبي والفلسطيني، مؤكدين بديهية انتمائهم للحضارة العربية الشرقية. أصبحت الوفرة سنة مبادئ حياتهم، ولم تعد مجاهرتهم بدعم النضال الفلسطيني وانتمائهم القومي العروبي، وشتم الصهيونية قبل وبعد الوجبات الدسمة، يجرهم الى المعتقلات او التضييق بأشكاله المختلفة.

فقدت الكلمة قيمتها، أصبحت الوطنية تقاس بعدد الكلمات وضخامة معانيها وطول القصائد الحماسية. أصبح التهريج والصراخ مقياسا للوطنية وصار كل مكتشف لسر صياغة الكلام شاعرا وكاتبا وطنيا.

كان الخرس خيار بعضهم حين كان شعبنا وطليعته النضالية يدفعون ثمنا رهيبا بحريتهم وبلقمة خبزهم. اليوم يريدون اقناعنا بمصداقيتهم الوطنية والشخصية، فابشروا وانشروا لم يعد النشر مخاطرة بالحرية الشخصية. استمعت للكثير من هذا الشعر، الصياغة، القواعد والالمام ببحور الشعر تستحق علامة كاملة، لكن المضامين فارغة وهي مجرد تكرار للشعر المنبري (المهرجاني) من سنوات الستين والسبعين من القرن الماضين، أي الشعر الذي جذب الحب العربي القاسي لشعرنا. كان شعرنا آنذاك حقا شعرا مميزا نتيجة ظروف مميزة وغير عادية اطلاقا، بل غير إنسانية عاشها شعبنا وواجهتها ثقافتنا المتحدية للخنجر باليد العزلاء. لكن المقلق ان هذا الشعر الذي يكرر شعر سنوات الستين والسبعين، بات مملا لا معنى ولا قيمة له، لا ثقافية ولا سياسية، لدرجة أني كتبت مقالا بعد ندوة استمعت فيها لعدد من تلك القصائد ان "خلصونا من هذا الشعر".

 شعراؤنا ومثقفونا ومناضلونا وشبابنا وشيوخنا ونساؤنا ورجالنا لم يهادنوا نظام القمع العنصري حتى في أحلك ايامه على شعبنا وأكثرها سطوة وتعسفا وارهابا. افتخر أني كنت صبيا يافعا بالسابعة عشر من عمري حين فرضت علي الإقامة الجبرية في مدينتي الناصرة، وكنت اسافر للعمل في حيفا بتصريح عسكري اسبوعي محدد بالوقت (صباحا وعصرا) ومحدد   بطريق الوصول لمكان العمل وعنوان مكان العمل وأي تجاوز معناه السجن والعقاب. لذا لم أكمل دراستي للهندسة الميكانيكة في حيفا، قضيت سنتين اتعلم بدون تصريح متهربا من الشرطة، ثم اقترح علي سكرتير الحزب الشيوعي في الناصرة المرحوم غسان حبيب السفر للاتحاد السوفييتي آنذاك لدراسة الفلسفة والاعلام وليس الهندسة كما كنت ارغب، وخسرت عمليا مستقبلي المهني. لأني لم أجد فيما بعد عملا مناسبا، حتى حزبي (فيما بعد جبهة الناصرة) بعد ان سيطر على بلدية الناصرة، اختار آخرين بلا أي معرفة مهنية، إدارية، إعلامية او سياسية، لوظائف مناسبة تماما لقدراتي الإعلامية او التعليمية المهنية، من الذين لهم واسطة او قرابة مؤثرة، أي تغيرت الإدارة ولم يتغير نهج المحسوبيات  الذي انتفضنا ضده، كما جرى معي ثلاث مرات مع بلدية الناصرة الجبهوية، رغم أني كنت وقتها من انشط كوادر الحزب الشيوعي والجبهة، تنظيميا وإعلاميا وانتخابيا كسكرتير لمنظمة الشبيبة الشيوعية وعضو قيادة الحزب الشيوعي والجبهة في الناصرة والإعلامي الوحيد الذي سوق جبهة الناصرة بمقالاته خلال عشرات السنين، أي حتى عام 2014 ، رغم الألم الذي لم يغادرني اطلاقا (لدي كل التفاصيل ولا انشرها احتراما للراحلين).

لا أحبائي لم نصل الى ما نحن به من دمقراطية وحقوق، رغم نقصانها الفاضح، لأن بطلا قوميا ظهر فجأة، وأرعب الصهيونية في عقر دارها. أو لأن العواصم العربية أصبح يحسب لها حساب في صهيون.

حين كان المتنعمون اليوم "يقرفصون" على عصاعيصهم أمام عتبة السلطة العنصرية، كان شعراء المقاومة وادباء ومناضلين صامدين آخرين وكوادر المثقفين والنشطاء السياسيين في فلسطين 48 يصلبون في الزنازين ويشتتوا في السجون والمنافي ويطردون من سلك التعليم وتقيد حرياتهم ويفتقدون للعمل المناسب. اين نحن اليوم من مناضلين لم يرضوا حتى بالصمت، وجاهروا بمواقفهم وطردوا من التعليم ومن العمل، وضيق السلطان مصادر الرزق عليهم، ولم يشتروا رضاء السلطان حتى بكلمة خادعة ؟!

حتى اللغة فقدت قيمتها اليوم، لا أهمية لما تنشر، المهم ان تضبط قواعد اللغة وتملأ صياغاتك بياض الجريدة أو صفحات الكتب، والويل لك إذا ألقى القبض على خطأ لغوي في نصك. مسموح لك ان تخطئ في استقامتك، ان تخطئ في مصداقيتك، ان تخطئ في شرفك، ان تخطئ في وطنيتك، ان تبيع نفسك ببعض الفضة، ببعض الشواقل، ولكن الويل إذا أخطأت بتشكيل آخر الكلمة.

هل الرأي الذي يطرح حين تزول المخاوف، له نفس قيمة الرأي الذي كان يطرح ويتعرض صاحبة لبطش السلطة؟!هل الراي الذي يطرح بتفكير واختيار صعب للمعاني، قيمته نفس قيمة الرأي الذي يقال بدون أي حساب وبدون أي تفكير وبدون ملابسات تعرضك لبطش السلطة؟!

هناك شعراء قتلهم شعرهم، واليوم تقتل التفاهة الشعر، تقتل الأدب الجيد، تقتل المواقف، تقتل العقلانية، تقتل الفكر، تقتل اللغة، تقتل الكرامة الشخصية وتقتل رغبة القراءة لدى القراء. يقول الشاعر محمود درويش: "الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة " هذا حق. والكرامة تعيد الحياة الى الأنسان، والصدق يعيد الحياة الى المجتمع البشري، والاستقامة تعيد للنفس البشرية تفاؤلها. نحتاج حقًا الى إعادة تفكير، وإعادة ترتيب بيتنا الثقافي والسياسي، والفصل بين الأدب وبين الضحالة التي اغرقتنا، بين السياسة والتهريج الذي أنزلنا الى القاع، علنا نُعيد للكلمة رونقها وللنص جماليته، وللغة معناها وقيمتها، وللشعر مكانته، وللأدب قيمته التي نفتقدها، وللعقلانية منبرها ومكانتها، وللسياسة احترامها.

امنيات، ولكن تجربتنا علمتنا انه لا شيء مستحيل !!

 

نبيل عودة

 

مجدي ابراهيميَمْتلكُ الإنسان المؤمن المسئول قدرة على الانفتاح على "المبدأ" قدر امتلاكه القدرة على الاعتقاد؛ فلئن كان الاعتقاد ممَّا يمليه الإيمان القلبي، فاعتناق "المبدأ" ممَّا يفرضه لديه التوجُّه العقلي، فهو على الدوام - عبر تاريخه الطويل - يتولى بالرعاية والتقدير مجموعة من المبادئ هى في الأصل "منظومة القيم"؛ التي تشكل وجدانه أو يفرزها عقله ويرعاها ضميره، وأنه لينظر إليها كل حين نظر التقدير والاحترام ما دامت هى التي، في كافة الأحوال، تشكل وجدانه وتحدِّد مساراته وتقوِّم شخصيته الحرة المستقلة؛ إنْ في الاعتقاد القلبي الإيماني، وإنْ في الاعتناق العقلي النظري؛ وسواء كانت هذه القيم ممّا يؤيده الدّين ويقره الشرع، وهنا يكون للاعتقاد القلبي أثره الفعَّال، أو كانت من جنس المبادئ العقلية التي لا يغفل عن الإيمان بها رجل عرف للعقل قيمته.

قد ينفق المرء من مداده - رخص هذا المداد أو غلا - فلا يستطيع أحد كائناً ما كان أن يضع له عنواناً على التقدم المعمول به في الفكر وفي الثقافة على وجه العموم حتى كأننا لم نعدْ قادرين على التكيُّف مع الواقع. فالواقع أشدُّ وقعاً على قهر النفوس والعقول والأفئدة لقبوله كما هو دون تغيير فلا كأننا درسنا، ولا كأننا تعلمنا، ولا كأننا نظرنا وفكرنا ورحنا في كل يوم وفي كل ساعة نقول: إن العلم هو الأساس فانهجوا سبيله تتحقق لكم نهضة الأقوياء العاملين؛ وإن التهذيب والتثقيف هما المقوم الحقيقي الجوهري لبني الإنسان.

حياتنا كلها لغط، منفِّر، أجوف، خربان! وهذه الأوصاف الأربع ( اللغط، المنفِّرُ، الأجوف، الخربان) هى الثمرة التي يتجرَّعها الفرد من الاجتماع والاختلاط. ليست للفردية قيمة مع الجماعة إذا كانت للجماعة قانونها الذي يقيد حرية الفرد فيطغى على كيانه واستقلاله. وليس للإنسان وجود مع أهواء الآخرين ومسايرة آفاتهم وأمراضهم النفسية. ما أجمل أن تكون منعزلاً مستقلاً بعيداً عمَّا يفرضه الآخرون عليك ممَّا لا يلق بالوعي الأدبي؛ فضلاً عمَّا لا يليق بالوعي بالآخرين. إن وعيك بالآخر ليس شرطاً أن يجيء مسايرة له فيما يفعل أو يقول وإنما هو يأتي بمقدار استقلالك عنه والنظر إليه من بعيد حسب اعتقاد الموقف واختيارك له. من بعيد قد ترى الصورة أوضح ممَّا هى عليه فيما لو اقتربت منها؛ إنك لو كنت قريباً منها لرأيت أشباحاً وظلالاً ليست هى ممَّا يمس الحقيقة في شيء، وإصلاح الجماعة إنما يكون في إتاحة الفرصة لذوي الاستقلال أن يمارسوا مهامهم الكاشفة عن عنصر" القيمة" في هذا الوجود. متى يأتي اليوم الذي يمتلك فيه المرء زمام نفسه؟ ومتى تحين "اللحظة" التي ينفرد فيها الإنسان بخالقه؛ ليعرف فتتكشفُ له - بعد المعرفة - سبلُ الحقيقة مجردة عن الزخرفة والرياء، خالصة عن كل ما هو مُبَهْرَج، مُزَركش، كاذب، خدَّاع؟ متى يمتلك الإنسان زمام نفسه فينفرد ليكون متفرِّداً؟ متى يتصل الإنسان فينا بالوعي الأسمى، بحقيقة الإنسانية فيه، ليكون سامياً في نفسه، قبل أن يسمو في نظر الآخرين، وليكتشف حقيقته الأصلية كلما رعي الوعي فيه. لماذا لا نعطي أنفسنا هنا، وهنا فقط، حَقَّها بمقدار ما نطالبها بواجباتها؟

وأول حقوق النفس هنا؛ وهنا فقط؛ أن تواجه الحقائق بمعوان "العقل البصير" والذوق النبيل والتصرف المقبول، وبمقدار مواجهتها للحقائق يكون اتصالها بمعدن القوة في ذاتها وفي طبيعتها، بل وفي وظيفتها المنوطة بها بقاؤها في هذا العالم.

نعم! حياتنا كلها لغط منفر أجوف خربان، وبعد التجارب الحقة إذا بالعلم الذي جعلناه هو الأساس فأردنا أن ننهج سبيله كيما تتحقق لنا نهضة الأقوياء العاملين، يصير هو نفسه المصيبة الكبرى التي يظل الإنسان يقاوم آفاتها وسلبياتها، وإذا بالفكر همُّ طويل، طويل، لا يخرج منه صاحبه إلا على أحوال متصارعة ومتداخلة من البؤس والشقاء والمرض والتعاسة وسوء الحال وقلة الموارد إلا أن يكون صاحبه متحذلقاً "نصَّاباً"، يجيد فنون الحذلقة "والفهلوة" بمقدار ما يجيد فنون التسلق على أكتاف الآخرين.

والجهلاء - أعازك الله من سلاطة الجهلاء! - ينعمون بنعيم الجهل؛ ولكنهم لا يشكون قط مرارة العيش وشظف الحياة! أما العلماء المفكرون المثقفون، فهم على الدوام؛ ناعون أنفسهم للتعاسة، شاكون شظف العيش وقلة الموارد التي تهيئهم أن يكونوا سعداء، وعزاؤهم الوحيد أنهم مهمومون بدرء المفاسد وإصلاح أحوال الأمة التي ينتسبون إليها ويدينون لها بالولاء. ومع ذلك؛ فهم أكثر خلق الله نبذاً من مجتمعاتهم وسلباً لمزاياهم وانتقاصاً لمواهبهم وتقديراتهم.

لقد بلغ السيل فيهم الذُّبَىَ: ماذا عليهم لو أنهم نكّسوا الراية وطووا اللواء؟ إنهم ليقولون مع الفخر الرازي مردِّدين قوله كما كان هو يردده في يأس من الإصلاح:

فأرْوَاحُنَا في وَحْشَة مِنْ جِسُوُمِنا      وَحَاصِل دُنـْيَـــانا أذَى وَوَبـَــــالُ

لمْ نَسْتَفْدْ مِنْ بَحْثِنَا طوُلَ عُـمْرنــــا       سِوَى أنْ جَمَعْنَا فيهِ قِيَل وَقَالوُا

إنه لحديث شريف ذلك الذي تقول كلماته الطاهرة:" لمدادٌ جرت به أقلام العلماء أفضل عند الله من دماء الشهداء في سبيل الله "، فهل يجوز بعد ذلك ألا تكون الكلمة العليا في المجتمع المؤمن برسالة الإسلام، لغير ما خطَّه العلماء بمدادهم الطاهر النبيل؛ كلُّ في مجال اختصاصه؟ ثم من ذا الذي يفترض فيه أن يتبع الآخر: أهل العلم يتبعون الناس أم الناس تتبع العلماء؟ وأيهما أرفع منزلة: العالم أم صاحب المنصب الذي يشوش على العالم سبحانه العلوية وينغِّص عليه حياته المباركة حين يقطع دوماً طرائق تفكيره؟

الواقع الذي تحسَّه الأيدي وتراه الأبصار: هو أن صاحب المنصب هو الذي ترفعه عيون الناس وتقدره نظراتهم، ولا تكون الصدارة في ظل أوضاع المجتمع المقلوبة إلا له، ناهيك عمَّا يتمتع به صاحب المنصب من تطاول على خلق الله واستخفاف بأهل العلم أحياناً كثيرة، ولِمَ لَمْ يستخف صاحب المنصب بأهل العلم وهو نفسه لم يصل إلى منصبه هذا إلا "بالحنجلة" والنفاق والتطبيل والتحايل على العلم وادعائه وهو مُجرَّد عنه ونبذ قيمه الظاهرة والباطنة ومطاردة العلماء الخُلَّص الذين لا يقدِّرون مطلقاً صاحب المنصب الوضيع (أو الرفيع سيان!) لأنهم يعرفون جيداً أنه لم يصل إلى منصبه إلا حين تخلى عن العلم، ولكن الواقع هو أن العلم تخلى عنه قبل أن يتخلى هو عن العلم؛ فإن للعلم أهلاً وجنوداً، وله كرامة مصانة في قلوب العلماء، وله عشائر يخدمونه بشرف البقاء في محرابه صباح مساء. له جنوده البواسل الفدائيون الذين يحرسونه من الباطل والسفيه، فيثبِّت عليهم أقدامه الراسخة في هذا العالم الغريب المأفون.

أما المنصب؛ فزائل لا يسعي إليه إلا الذين فرغت حواشيهم عن المطالب العلمية، فأثرتهم المريسة الإدارية، فصاروا يصدرون أحكامهم على العلماء خاطئة وكاذبة وهوائية، وهم في الواقع أبعد خلق الله عن الاشتغال بالعلم، وبالتالي عن تقدير رجاله.

للعلم رجاله الذين لا يخطئهم بصر الأعشى قبل المبصر، وينبغي لأصحاب المناصب أن يكونوا خُدَّاماً منقادين لهؤلاء العلماء، لا أن يضعوا أمامهم العوائق والعراقيل ويكسروا ما كان تبقى لديهم من عزائم أو يقيدوها بقيود من حديد، لتضيق حياتهم، فيشتغلوا بكل ما هو أدنى وأخس في دنيا كل ما هو فيها في الغالب خسيس ودنيء.

إن للعلم كرامة يعرفها العالم الذي يُحسن المجال الذي نبغ فيه؛ فإذا قابلته في طريقه ألوان المهانات التي يفرضها عليه أصحاب المناصب حقداً أو غيرةً أو حسداً أو كبرياء وجهالة، فقد يعز عليه أن يمضى مُعَافاً في طريق العلم لولا العزلة أو الهجرة، يأخذ نفسه بإحداها إلى حيث تكون وسائل الاحترام والتقدير. أما العزلة؛ فهى عزلة عن المجتمع الذي يعيش فيه، والناس، وانشغاله بعالم غير العالم وحياة غير الحياة، وفي تلك العزلة تكمن رياضة النفس على إبداع الجديد: متعة العالم الذي روَّض نفسه على الانعزال الإرادي لينتج وليبدع جديداً لا يبدعه ولا ينتجه وهو مهموم بشواغل الآخرين.

وأما الهجرة؛ فإلى وطن يرحم شقاءه، ويقدر عناءه، فيكفل له المواطنة الصالحة والتقدير المأمول، ولا عليه بعد ذلك لو فقد العالم المهاجر وطنه الأصلي، وظل حياته يستوطن أوطان الناس كما المتسوِّل على موائد كل لئيم.

مرة أخرى:" لمدادٌ جَرَتْ به أقلام العلماء أفضل عند الله من دماء الشهداء في سبيل الله"، لكن هذا المداد الذي تجري به أقلام العلماء ينبغي أن يعرف وجهته كيف تجري، ووحدة قصده كيف تسير في سبيل الإخلاص لله في الوجهة وفي وحدة القصد. إن صداقة العلماء لأقلامهم أغلى عندهم وأكرم من كل صداقة، وبالتالي فينبغي أن تكون أكثر إخلاصاً في سبيل الله الذي لا يعلو عليه سبيل مقصود؛ فليس هناك أوفى من قلم العالم وأفضل، وليس هناك أحفظ منه للسِّر ولا أكتم، ولا أنهج لخير الطرق ولا أبدع، هو الطريق الوحيد الذي يجيده العالم مخلصاً في علمه وعمله، ويبتغي مع الإخلاص راضياً أن يسير فيه؛ وذلك لأنه الطريق الوحيد الذي تبدو فيه الصداقة الحقة بغير زيف ولا بهتان وبغير نفاق ولا تطبيل؛ ففي القلم أبدع آيات التواصل المجيد بين عقل وعقل، وبين فؤاد وفؤاد، وفيه كذلك آيات المجد النافع وقناعات الصداقة الباقية الدائمة؛ فإذا تمَّ الحفاظ عليه، فقد تمَّت بالضرورة مصادر الثقة بكل ما هو نافع وخالد وجميل.

وعليه؛ فإذا لم تنقشع تلك الغمَّة ويسود في المجتمع نوع من الوعي والاهتمام بعقول الأمة التي ترغب في المشاركة، وتجد لديها القدرة على توجيه العقول إلى ما ينفع ويفيد؛ فلن يكون هناك إصلاح حقيقي نابع من ذوات هذه الأرض التي أرضعت أبناءها من ضرع الطين المصري الخالص الأصيل.

لا شك أن إصلاح هذا الواقع الذي تعيشه أمتنا العربية بضروبه المتناقضة حُلمٌ كبير يحتاج إلى جهاد طويل. والجهاد شأن عظيم من شئون الروح والضمير، ففيما لا يكون الجهادُ، والواقع الذي نعيشه يزخر بضروب التناقضات: الأخلاقية، والدينية، والمفارقات السياسية. فأما (الأولى) الأخلاقية: فالهيكلُ النظري غالبُ عليها، وما أبعدُ الفاعلية التطبيقية عن الواقع العملي حين يزعم لك الزاعمون أنهم يتحدثون في مجال الأخلاق.

وأما (الثانية) الدينية: فالسلوك فيها شيء لا يدلُ على الاعتقاد. والعمل الواجب تأديته غير القول الذي قيل للناس يهدفُ إلى البر، ولا عليه -  من جهة أخرى - إنْ جاء حظ النفس من مطالب البر والتقوى والسلامة والصلاح في غفلة النسيان.

وأما (الثالثة) السياسية: فقد لخصتها فطرة الشاعر العربي حين قال:

ونشربُ إنْ أردنا الماء صبواً       ويشرب غيرنا كدَراً وطيناً

فهذا هو بالضبط ما ينطبق على المفارقات السياسية في العلاقات الخارجية بين الدول. هنالك دول (= أنظمة) تنادي بأعلى صوت، بالحرية، والديمقراطية، والمواطنة، والتسامح، والأمن، والأمان، والعقلانية، والانتماء، والتعاون، والشـرعية الدولية، والسلام، والتعايش السلمي، وتحاول تطبيق هذه الأفكار الكبرى على شعوبها، أو مع الدول التي تتكافأ معها قوة وجنساً وعدة وعتاداً، حتى إذا ما خرجت تلك المفاهيم الكبرى إلى ميدان التعامل مع الشعوب العربية، تغيَّرت وأصبحت استبداداً وقهراً وظلماً وعَسَفَاً وغطرسة وعنفاً وحرباً ودماراً؛ فإذا المفاهيم مقلوبة، والكيل الذي هو بمكيالين لا يسري إلا على الدول العربية والإسلامية، وإذا بقول الشاعر حقيقية ليس فيها مجاز !

هذا الواقع المشحون بضروب المتناقضات والمفارقات .. كيف نواجهه؟ وما السلاح الذي نمتلكه ليساعدنا في فهم هذا الواقع ومحاولة إصلاحه؟ إننا نمتلك أسلحة كثيرة، لكنها مفقودة رغم وجودها الظاهر في الحياة عموماً، بل وفي سائر الحيوات التي نعيشها بأسلحة مزعومة؛ الأمر الذي يدعو المرء إلى كثير الأسف حين يجد في حياته الثقافية مثلاً أوضاعاً مقلوبة بمقدار ما يجد هذه الأوضاع المقلوبة تتواجد في غير الحياة الثقافية: اجتماعية كانت أو سياسية. أقول؛ يأسف المرء - كل الأسف - حين يرى الأوضاع المقلوبة سارية في أصلاب هذه الحيوات، ويشتدُ أسفه حيناً بعد حين عندما يشهد الفوضى والتخبط، ثم لا يقوى من دخائله على تعميم فريضة الإصلاح، ونقلها من إطار النظر إلى مستوى العمل؛ فليس أمامه - من بعدُ - إلا الاستسلام للقيود التي تَغِلّه صباح مساء، وتكتفي بالأغلال ولكنها تطالبه أن ينساق وراءها كما تساق السائمة!

وربما كانت تلك القيود قيوداً غير مفروضة عليه .. ربما، بل هى قيود داخلية قبل أن تكون قيوداً خارجية، مردَّها إلى تكبيل العقل وتقييد الضمير وامتناع الحركة عن الانطلاق الحر وفقدان الثقة الباطنة في شعور العاطفة الدينية وسيادتها في أرجاء هذا العالم الحيران. وعليه؛ فكل ما يقابله من صدود وقيود من هذه الجهة إنما هو صدود داخلية وقيود ذاتية لا يقوى على تغييرها في نفسه، ولا هو بقادر على كسر أغلالها في باطنه.

ومن عجيب الملاحظات؛ إنك ترى فئات المفترض فيها أن تقول الحق في غير بطلان، وأن تتوخى الصدق والهداية في كل حال، لكنها في أغلب الأحيان، إنْ لم يكن في كلها، لا تقول - إنْ هى قالت - غير الباطل ولا تجاهر إلا بالبهتان، لكأنما عيشها على "النفاق" هو كل الغاية من الحياة لديها. وأسلوبها الذي تسير عليه هو الأسلوب الذي لا تمتلك على الإطلاق أسلوباً غيره ترتفع به زاعمة، راغمة، إلى دنيا الإصلاح، إنْ في مجال الفكر، وإنْ في دنيا الواقع والتطبيق؛ فلا جَرَمَ أن ما يصدر عنها من كلمات وعبارات أو أفكار وآراء، هو خواء في هواء: تضييع للوقت والجهد بمقدار ما فيه تضييع للقيمة من ورائهما؛ لأنه في الحق عبارة عن فراغ كهذا الفراغ الذي يحيط بنا، فلا نرى بعده نهاية كلما نظرنا إلى السماء أو توجَّهنا بأبصارنا شاخصين نحو ما يحيطنا من فراغات الوجود.

السلاح الذي تمتلكه هذه الفئات هو بلا شك من ضمن أسلحة كثيرة نمتلكها موجودة غير مفقودة، وبمقدار ما هى موجودة لا تجد لها صدى على ضروب الحياة التي ينبغي أن نملي عليها - قادرين لا عاجزين -  فروض التغيير. هل هذا يعدُّ تقدُّماً تسير فيه دعوة المتقدِّمين إلى فروض التغيير؟ أم هو التخلف بعينه: التخلف النفسي والقلبي والمعنوي؛ فالذي لا يملك نفسه ولا قلبه ولا شئونه المعنوية والروحيّة هو يضربٌ بمعول هدم في جذور وجوده فتنهار كل القيم لديه من حيث يشعر أو لا يشعر.

هنالك أقلام شريفة تجاهد، وتسعى إلى الجهاد بطريقة أو بأخرى، صادقة في الوصول إلى الحقيقة الباطنة من وراء الزَّرْكشَات الفارغة والمظاهر الكاذبة، لكنها مع ذلك ينتابها الأسى من عراقيل تثبط الهمم، غير أنها على الدوام تؤمن بما هو أأمن لها من طريق الجهاد. وما دام الجهاد شأناً عظيماً من شئون الروح، فهو أدعى إلى بذل النفس في سبيله؛ وذلك هو "الإخلاص" الذي أشارت إليه حكمة مأثورة للإمام "محمد عبده" حيث قال:" الدليلٌ على صدق الإنسان فيما يدّعيه من "الإخلاص" أن يبذل من نفسه في سبيله؛ فإن لم يبذل فهو كاذب. ومهما يبلغ الإنسان، ولم يُظهر هذا المحك إخلاصه فهو غير مخلص"؛ لكأنما الإخلاص الذي يريده الأستاذ الإمام هو خيريَّة الصدق في العمل، والدأب على تحصيله، فلو كان صادقاً لكان مخلصاً، ولو كان مخلصاً لكان خيِّراً فيما يقوله وفيما يعمله.

واكتشاف "محك الإخلاص" هذا، والدأب على تحصيله مرة ثانية، لهو التقدُّم الروحي والنفسي والخلقي المرتهن بوعي"الذات الفردية" تجاه ذاتها أولاً ثم تجاه ذوات الآخرين .. ماذا عَسَاهَا تفعل، وماذا عَسَاهَا تترك؟ وإلى مَنْ تتوجه بما تفعل أو بما تترك؟

إن اكتشاف "محك الإخلاص" هذا لهو الرضى كل الرضى بالفعل أو بالترك، لا لشيء إلا لأجل جلال المُبتَغَى وجمال التوجُّه، ولا يتأتَّى الإخلاص عموماً بغير بذل النفس في سبيل الإخلاص كما قال الإمام عليُّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه:

" خيرُ العَمل مَا أكرهت نفسك عليه"

هذا هو السلاح المفقود الذي نحتاجه أكثر مما نحتاج إلى غيره من أسلحة ظاهرة الوجود غير أنها في حقيقتها مفقودة: أن نكره أنفسنا في جميع الأحوال على العمل الخيّر.

إنّ وَلاءَنَا للتفكير المادي هو بلا شك سبب الكوارث الأخلاقية، والخصومات السياسية بين الأمم والشعوب، وهو كذلك سببٌ قويُّ من أسباب ضعف الوطنية والتنافس الغبي بين المواطنين على نهب خيرات الوطن، وسرقة أموال الفقراء والمحتاجين. وليس أشنع في تصوِّر العقلاء الصادقين مع أنفسهم، من أن تنقلب القشور والمظاهر، والسطحيات، والتفاهات، والأعراض الزائلة دون الجواهر الباقية، والغباوات الآدمية ... تنقلب كلها إلى "حقائق" يصدقها الأعمى والمُبصر والكاذب والصادق، وذكي العقل وبليده على حد سواء.

ليس بالإمكان مطلقاً أن تجيء "الكماليات" أولى عندنا بالعناية والرعاية من "الأساسيات"، ولا أن تكون حقيقة الإنسان الأصلية مؤخَّرة عمَّا يُقدِّمه الإنسان نفسه من تقدّم في المادة واستخدام لها، أو من إبداع فيها وتطور معها، ولا يصح أن تكون استطاعته وإرادته أولى بالرعاية من حقيقته الباطنة في جوفه، فإذا لم تكن هذه الحقيقة موطن تقدُّم وإصلاح ورفعة فلا تنتظر منه أن يقدم شيئاً ذا بال في مظاهر المادة ووسائل الواقع الذي يعيشه بحواسه الظاهرة عيش العجماوات!

يمكن للإنسان أن يستغني عن كثير من مظاهر "التمدن المادي"، ولكنه لا يستغني بحال عن المدنية الروحيّة والتقدم الفكري؛ فليس أخطر على المرء من أن يتصور أن التقدم المادي وحده كفيل بإلغاء كل تقدّم في الأخلاق، وكل تطور في الحياة الروحيّة التي من شأنها أن تفرض التسامح، وتلغي في الغالب نزعات التعصب، وتقلع من الأساس جذور التطرف، وتزيل الكراهية بين القلوب والعقول.

وإنه لمن العجب العاجب، أن ترى أناساً من بيننا اليوم يسوؤهم أن يجدوا مَنْ يدعو في عصرنا هذا، إلى مثل هذه القيم، لكأنهم يعتبرونها اليوم قيماً ساقطة بمقدار ما يَعدُّونها دعوة إلى التخلف والرجعية؛ إنما واقع هذا العصر نفسه يشي بالنقيض، ويشير من أقرب دلالة إلى أن السقوط هو فيما يبدو ظاهراً فيما يصيب الإنسان من غفلة عن حقيقته الأصلية: من انفصام داخلي وتجزئ باطني وافتقار إلى معرفة التوحيد من جرَّاء مثل هذه الانتكاسة الشعورية بين ما يعتقد في الباطن من قيم ومبادئ ويسلك في الظاهر كل ما يناقضها. هذه هى "جرثومة التخلف" الذي يمليه اليوم ولاء الفرد المعاصر للتفكير المادي.

تلك هى جرثومة التّخلف وليس فيما سواه؛ فالمتخلفون حقيقةً لا مجازاً هم الذين يقلبون الحقائق لتكون فوضى بغير قانون يحكمها أو ناموس تسير عليه: كلِّ يُدْلي بدلوه فيها على هواه، ويقلبون "القيم" لتجيء قيَمَهُم الساقطة وحدها هى الحاكمة - هذا إذا صَحَّ أن تكون القيمة ساقطة وحاكمة في نفس الوقت! - ولكن هذا هو الواقع الصحيح المشهود اليوم.  ولم تكن القيم الروحيّة أبداً في زمن من الأزمان ولا في عصر من العصور مدعاة للتخلف والرجعية، ولم تكن الدعوة إليها كذلك تعدُّ دعوة متخلفة إلا أن يكون المراد بالتخلف هو تخلف الإنسان عن حقيقته الأصلية، وعن مسائل مسيره ومصيره، فلا يدرك - من ثمَّ - على الحقيقة سوى ما تراه عيناه وتلمسه يداه ممّا عساه لا ينفذ بالمطلق وراء المحسوس الملموس.

أعودُ فأقول؛ إنّ التقدم المادي وحده، وأخصُّ بالذكر التقدم العلمي منه، لا يرشدنا في كل الأحوال إلى السعادة المنشودة؛ فهو إذا كان لا يتناقض مع الأخلاق، غير أنه لا يعطينا تصوُّراً واضحاً نتقوَّى به إلى معرفة القيم الخلقية ثم سلوك هذه القيم سلوكاً طيّباً يرضى عنه الله، بل بالعكس قد يكون عائقاً أمام التقدّم الخُلقي فيما تشهده اليوم أنظار المشاهدين لصفحات الفيسبوك والتواصل الاجتماعي التي خربت عقول الكثير من الشباب وغير الشباب، وأضاعت أوقاتهم وأعمارهم أكثر مما أفادتهم؛ فالشئون الروحيّة هى عمل القدرة الإلهية، والكشوفات العلمية هى عمل القدرة الإنسانية المحدودة. والإنسان لا يسعد نفسه بنفسه سعادة الأبد الدائمة إلا إذا أتكئ على قدرة الله الذي خلقه؛ ولا يزال مفتقراً إلى هذه القدرة ما دامت فيه أنفاس الوجود. وقديماً قال الفيلسوف الفرنسي "ديكارت" أبو الفلسفة الحديثة:" إن أولئك الذين منحهم الله عقولاً، لامناص لهم من أن يستعملوها في السعي الدائب إلى معرفة الله تعالى، وإلى معرفة أنفسهم ...".

ولك إنْ شئت أن تتأمل مثل هذه الكلمات الديكارتية البسيطة العميقة في آن؛ لترى الدلالة فيها تُوحي بأمرين: الأمر الأول؛ إنّ سلاحين أساسيين نفتقدهما في مواجهة الواقع الكدر المظلم الذي تعيشه أمتنا العربية، فلا بدَّ من استرجاع ما فقد واستعادة ما سُلب: أحدهما سلاح "النور العقلي". والآخر سلاح "النور القلبي".

الأول: يمنحنا قدرة الانفتاح على "المبدأ"؛ والمبدأ هنا هو العقل. والثاني: يهبنا الهداية الإيمانية، وكلاهما يعبِّران بالضرورة عن وعي الإنسان الهادف بحقيقته الأصلية.

والأمر الثاني: إنّ نوراً فطرياً مغروزاً للعقل في أعماقه، يصل الإنسان بمقتضاه، فيما لو عرف كيف يستخدم هذا النور، إلى معرفة الحقيقة التي هو عليها في نفسه، تماماً كما يصل بمقتضى هذا النور الباطني، فيما لو أحسن استخدامه، إلى معرفة الله تعالى.

والمعرفتان على السواء: معرفة النفس، ومعرفة الله؛ هما "اليقين" الذي لو أنطفأ معه نور العقل ما يصح له من بعد ذاك وجود، ولصارت معارف الإنسان كلها أهواء شائبة، ومظالم بينة، وأوهاماً متبعة، لا نورانية فيها ولا ضياء يهدي سواء السبيل.

 

د. مجدي إبراهيم

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيليس بقصد التكرار الإشارة الى إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلى (أقليات) دينية أو أثنية أو لغوية.. والذي يتحدث عن مسؤولية الدول عن صون الهويات الخاصة ضمن إطار التنوع الثقافي المكون للنسيج الوطني ما يقتضي حمايتهم والمحافظة على حقهم في الوجود وفق منظومتهم الثقافية، لكنه من باب التأكيد على أهمية العمل الدؤوب من أجل تفعيل الأنشطة والمبادرات التي شهدها العراق في فترات زمنية متقطعة حول موضوعة توفير الفرص اللازمة أمام (الأقليات) للتعبير عن نفسها في واقع وجودها الجغرافي والمجتمعي دون تعسف أو ابتزاز أو اختلاق عمليات إرهابية تطالها بين آونة وأخرى لكتم تطلعاتها المشروعة أو التشكيك بانتمائها الوطني !

 والواقع أنه لا يجب أن تكون التعددية القومية أو الدينية سبباً في التناحر والتهميش والظلم الاجتماعي بين المكونات، فليس هناك أوطان كثيرة تتسم بقومياتها المتجانسة أي أنها تضم شعباً واحدا أو تضم أقلية ضئيلة العدد مثل اليابان والبرتغال وحتى بريطانيا التي تضم أكثرية إنجليزية وأقليات اسكتلندية وويلزية وإيرلندية، أو سويسرا التي تضم أربعة شعوب وهكذا، فبلدان العالم الأخرى تعج بالقوميات والأديان والطوائف لكنها في أغلبها لا تعاني مما نعاني نحن منه في بلادنا .

العصبية الدينية أو القومية

 ففي العراق وللأسف الشديد وطيلة الأعوام التي أعقبت العام 2003 لا تزال العصبية الدينية أو القومية تمارس دورها السلبي على حياة المواطن وقد تجاوز عدد ضحايا العمليات العسكرية والعنف الأهلي والإحتراب الطائفي بسبب هذا المسلك منذ ذلك الحين أكثر من مليون ونصف مليون عراقي وفق إحصائيات صادرة عن مؤسسات دولية محايدة تؤكد أن العراق فقد حوالي 3% من نسبة سكانه. فضلاً عن مغادرة الملايين لجغرافيتهم التأريخية بحثاَ عن ملاذٍ آمن في مخيمات متهالكة أو ملاجئ مغلقة أوأبنية تفتقر الى أبسط مقومات الحياة الكريمة .

 لقد أدركت القوى الاجتماعية الفاعلة في كثير من البلدان خطورة هذا العامل على تماسك مجتمعاتها، وتفتيت نسيجها الوطني فنظمت الكثير من الفعاليات الفكرية والجمعية الهادفة الى التحذير من الوقوع في هذا المنزلق الخطير، ومنها مؤتمر الأزهر المنعقد في نهاية شباط الماضي في القاهرة حيث شدد في إعلانه على تلاقي المسلمين والمسيحين على جملة من المعطيات، منها المسؤولية الوطنية المشتركة بين الجميع على أساس المواطنة ورفض إستخدام مصطلح (الأقليات) الذي يعني التمييز، وتوزع الولاءات، ومشروعية التبعية للمخططات الخارجية.

 وعلى الرغم من أن الدستور العراقي لم ينص على توزيع السلطة وفقاً للمكونات القومية أو الدينية لكن الممارسات الفعلية تتتناقض مع هذا المفهوم و تنعكس بشكل حاد على واقع المناهج الدراسية بمختلف المراحل الدراسية في العراق أيضاََ فلا تكاد تمر دورة إنتخابية جديدة، أو عند تغيير وزيرٍ للتربية أو للتعليم العالي دون أن يبادر الى إجراء تغييرات جزئية أو جذرية على بعض الكتب والمناهج لكي تتوافق مع إرادة الأغلبية البرلمانية أو الوزارة ذاتها، مما يؤدي الى تحميل موازنة الدولة كلفاََ مالية طائلة، وتلقي على كاهل الطلبة وأولياء أمورهم أعباءً جديدة فضلاً عن أن التغييرعادة يستهدف تغييب دور مكونات معينة في المسيرة التنموية والحضارية للبلاد أو التقليل من شأنها على حساب مكونات معينة اخرى تهيمن على مقاليد السلطة في البلاد .

قواعد ومعايير

 لقد تطرقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو" - التي تتولى مسؤولية وضع القواعد والمعايير ودعم الجهود لضمان إمتثال الكتب المدرسية للمعايير المعتمدة في شتى المجالات بما فيها التمييز والتحيز وحقوق الانسان والاحترام المتبادل - في تقاريرها الى واقع قطاع التعليم العراقي المؤسف، ففي حين كان يعد من الأكثر تطوراً بين الدول العربية خلال الثمانينات من القرن الماضي، نجدهُ اليوم وبعد أقل من ثلاثة قرون من الحروب المتواصلة والظروف السياسية المتقلبة والوضع الأمني المستمر في التدهور، يعاني من ضعف بنيوي وخلل نوعي خطير.

 ولكارثية إنعكاسات واقع تغيير المناهج الدراسية السلبي على الاجيال والمجتمعات فقد بادر المختصون في بلادنا عبر العديد من الفعاليات الى المطالبة بتحقيق العدالة والإنصاف وإحترام الآخر من خلال تضمين المناهج قضايا ذات العلاقة بالطيف العراقي والنوع الإجتماعي، وهذا ما تناولته بالتفصيل الورشة التي عقدها تحالف الأقليات العراقية في اربيل في نيسان 2012 وكذلك ندوة كلية الإعلام في جامعة بغداد المعنونة (إدخال قضايا الأقليات في المقررات الدراسية لكليات الإعلام في العراق) نهاية شهر كانون الأول من العام الماضي بمشاركة مهمة من المختصين والباحثين وممثلين عن كليات وأقسام الجامعات العراقية منطلقة من حقيقة إعتبار العراق (فسيفساء من الطوائف والأديان والقوميات والعرقيات والاثنيات مما يستوجب ذلك تثقيف الأجيال بهذا الطيف الذي أنجبه العراق منذ وجود الإنسان على أرضه) .

 لاشك أن الإلتفات الى أهمية وضرورة تفعيل مقاصد إقرار حصة عادلة عن العادات والتقاليد والتطلعات المشروعة ضمن الوطن الواحد لكل المكونات الوطنية وتأريخها على الأرض العراقية ومساهماتها في حضارة وادي الرافدين وبناء الدولة العراقية الحديثة في المناهج الدراسية للمراحل كافة وخاصة للمواد (اللغة العربية والتأريخ والجغرافية والتربية الوطنية) ستوفر أرضية صلبة أمام المواطن عامة والنشئ الجديد بالخاصة في التعامل بيسر مع التحديات السياسية و الإجتماعية التي تعصف بإستقرارنا ومستقبل بلادنا وترسخ القيم الإنسانية الرفيعة بإعتبارها المكونات الأصلية للوطن .

 إن تطوير المناهج الدراسية عبر التأكيد على سمات المكونات القومية والدينية للعراقيين فيها وحث طلبة المدارس وتنظيم زيارات لا صفية مبرمجة لهم إلى المتاحف والمواقع الاثارية الحضارية هي الوسيلة المثلى بإتجاه توحيد جميع المكونات في بودقة واحدة تحرص على التواصل مع تأريخه المشرق، وتحتكم للقانون وتلجأ الى الدولة التي هي صاحبة الشأن في أي مجتمع ديمقراطي رصين، وتقود الى بناء هوية وطنية مشتركة .

 

محمد حسين الداغستاني

 كركوك

 

1069 الوجودأفكر طويلا ولم اتردد لحظة، للإدلاء برأيي، حول كتاب مهم إلا وهو (الوجودية الجديدة عند كولن ولسن) للدكتور سليم عكيش، آخر المغادرين لحقل الفلسفة الأكاديمية المملة والقاتلة ببرودها، واحد المدافعين عن حق التفلسف في زمن اازيف.. حزنت لأنه غادر حقل الأحلام الفلسفية وانتهى إلى يقين احسده عليه .

هو يؤمن بأن الفلسفة، لا بد أن تحل في عمل معين أو سلوك أو فكرة عملية.

ولسني .. مولع حد الغيرة بمدني صالح، حتى اقارب بينهم باطروحته بلمسة كاتب محترف.. فقرا الاثنين بروح فلسفية تنهي الجدل بين الوجودية والتصوف، على اعتبار أنهما يسعيان إلى حقيقة الوجود الذاتي.

فهاله أمر الوجودية، وهو يفكر دوما بمنطق الوجودية الحيوي الذي لا يعير أهمية، سوى المعطى اليومي، وهم الحياة وقلق الوجود الملتف على نحره العدم، فاثر على نفسه أن يصوب سهام شغفه المنتمي إلى حقل اللامنتمي وسيرة العباقرة المهمشين أمثال كولن ولسن والذي بحسب رأيه، حاول أن يؤسس للوجودية اسسا جديدة، تنير له دربه بكشف المجهول الإنساني الذي سيطرت عليه النظرة الميكانيكية والتي بدورها أعطت للإرادة الإنسانية اجازة طويلة الأمد كما يصرح كولن ولسن في سقوط الحضارة.

انشغل ولسن بتحليل المشكلة ورموزها الثقافية، أدباء وشعراء وفنانون وفلاسفة ...الخ مثل هنري بارباس الفرنسي ورواية الجحيم والإنكليزي ويلز ورواية بلاد العميان والعقل في حدود الاحتمال وسارتر في الغثيان وكافكا في المسخ وهسة وهمنغواي الخ .. بل إنه درس اللامنتمي في التجربة الحية، مثلا عند لورنس العرب وفان كوخ ونجنسكي الراقص الروسي، والذين فشلوا في إدراكهم النفسي لطبيعة وقيمة حياتهم ووجودهم، لذا انتهت حياتهم بالجنون أو الموت وكلها علامة على فشل في الإدراك، لرؤية صوفية تخرجهم من ياسهم إلى تحقيق معنى حقيقة الوجود أو إدراكهم لذاتهم ..ولا يفوتني وقفته من رؤيا دوستويفسكي واختياره لما يسميه ولسن للتطرف الوجودي ..

أن كولن ولسن لامنتمي رومانسي تحكمه رؤية صوفية متفائلة فهو يعرف انه كائن منفصل عن واقعه المريض ويحاول أن يعي وجوده القاصر عبر الانتماء له وقهره في ممارسة وجودية حية تعزز الذات ومكانتها والقصدية تحرك الوعي والإرادة للنهوض بادراكه لوجوده ولوعيه الرؤيا، التي هي كشف صوفي ينهي سطوة الإدراك الموضوعي وينعش الإدراك الذاتي .

فالرؤيا تعزز الارادة ويصح العكس، المهم لا نكرر تلك الرؤى، بل الاستفادة من تعاليمهم ونظام حياتهم ..

ولا ينسى الباحث أن يذكر نماذج اعتمدها ولسن في هذا الشأن مثلا جورج غورداييف ونيتشه وغيرهم من الذين نبهوا إلى أهمية الجسد والإرادة والعاطفة لقهر اللامعنى وتحقيق التوازن النفسي.

أزمة اللامنتمي هي أزمة حضارية، اللامنتمي بطل الحضارة، وعرض من أعراضها المريضة كما يرى ولسن .اي أن القلة اللامنتمية هي من تبلغ بالمجتمع السعادة لأنها تمثل الوجود الحر والروح النقية للإنسان الحق، ولا تخلو هذه النظرة من نخبوية ومركزية عانى منها،، خطاب ولسن الذي هو، بحاجة إلى مناقشة ليس هنا محل ذكرها..

فهذه الأزمة دفعته التأثر باشبنجلر وتوينبي وبرناردشو،، ليجد حلا وجوديا ينهي بؤس المصير الغربي فردا وحضارة ..

كتاب الوجودية الجديدة، التفاته ذكية إلى منبع مهم في الكتابة الغير مألوفه، إلا وهو كيفية تجديد خطاب الوجودية على يد رموز اللامنتمي.. النوابغ، الذين انفصل كل منهم عن مجتمعه المريض، بسبب روحه الوقادة وحسه الناقد لروح عصره ومجتمعه وحضارته وقيمه،،

يعشق الانطواء الوجودي اذا صح القول فهو ولسني حد النخاع لا يرضى بالانتماء المميت، فقرر أن يجرب تجربة كشف الذات أو كما يسميها كولن ولسن، الإدراك النفسي، التي تهديه بالتالي لوضع حل لمشكلة وجوده المعدم لاسيما في بلد لا يغار على وجوده الأصيل!

الكتاب تغلفه لغة الأدب وأسلوب المتصوفة في كشف الحقيقة وفضح الزيف الذي يتجلى بروح شعرية وافق فلسفي طموح ينوي قتل اليأس وإحباط فلسفات التشاؤم عند هيدجر وسارتر،،،

فولسن لامنتمي رومانسي. يهوى تحقيق وعيه ووجوده الحق، عبر الاستفادة من نماذج الاغتراب الوجودي الواقعية والتي حضرت سرديتها في نصوص أدبية لديسكوفسكي وكافكا ولورنس النوابغ اللامنتمية، لحضارة مريضة والتي تغفل حريات الأفراد الروحية.

ما يرغب به اللامنتمي ان يحكم وجود المنتمون للحضارة المريضة والتي سادت بها رؤية قاتلة الوجود الحي . لكن اللامنتمي بفعله هذا إلا يؤدي بالتالي إلى خلق انتماء جديد إلى لا انتمائه؟.. سؤال مهم ينبغي الالتفات إليه، وسط دعوى الشمري إلى خطاب جديد، ربما يبقى همه الشاعري الحالم تحقيق الحلم الافلاطوني بترأس الفيلسوف، لكن هنا ترأس الوجودي الجديد، بملامح ولسن وتجربته الساعية إلى تشكيل نموذج نابغة يحكم أسوار المدن الصناعية الاستهلاكية ليعيد ترتيب القيمة الروحية .وليظهر دين أخلاقي يعلي من أمر الحرية والحياة المنتمية إلى حقل اللامنتمي..

يحتل هوسرل ووايتهيد مركزية مهمة في خطاب الوجودية الجديدة التي استفادت من قصدية هوسرل والوعي عند وايتهيد، ناقما وناقدا لكل أنصار الرومانسية الوجودية الضحلة عند أبرز روادها هيدجر وسارتر وياسبرز وآخرون، يقوده طموح نحو بلورة وجودية جديدة تأتي بعد اعمال العقل النقدي لكل التراث الوجودي عند أغلب روادها وفضح بنية خطابهم التشاؤمي.. أضف إلى ذلك أهمال فكرة القصدية الهوسرلية (هوسرل) عبر علائقية الوعي والاستجابة الرمزية والوعي المزدوج وكيفية عمل ميكانيكا التكرار المهلكة لهوية الكائن، كلها تجتمع في ثنايا خطاب وجودي صوفي يستلهم (الجشتالت) لفهم سيكولوجية الإنسان ووجوده وكشف حقيقة العالم وازمة معناه وتلاشي جوهره في عصر ثقافة الاستهلاك والوجود الزائف المسيطر..

 

قاسم جمعة

 

محمد الدعميللمتتبع أن يلاحظ أن عملية بناء الامبراطوريات الأوروبية انطوت في الوقت ذاته على عملية موازية بتفكيك الأقاليم المرشحة للضم، كمستعمرات، لغرض تيسير ابتلاعها ثم فرض الهيمنة عليها. وقد شملت “عملية التفكيك” أنشطة عدة أخرى، منها تأجيج وتغذية الفروقات الطائفية والإثنية وتهميش العلوم والمعارف الشرقية، والإقلال من شأن اللغات القومية والمحلية ونسف جميع أعمدة الثقافة الوطنية أو القومية.

وقد ادى حقل الدراسات التاريخية في أوروبا دوراً لا يُستهان به في هذا المضمار. في هذا الجانب، لم يكن الأمر ليتحدد بعمليات تسفيه التاريخ المحلي للأمم وإبراز مثالبه والسالب منه على حساب الإيجابي والبنّاء. كما تمثل هذا الاتجاه، من ناحية ثانية، في عملية فك رموز تراث وتواريخ الأقاليم المرشحة للضم أو المرشحة “لإعادة التورخة” ثم للضم، عبر ضم التواريخ المحلية لهذه الأقاليم إلى تاريخ الإمبراطوريات الغربية الذي عُدّ ذروة تاريخ البشرية، ومنها تواريخ أمم الأرض مجتمعة.

لذا، فقد منحت الرؤية الإمبراطورية النخبة المثقفة هناك شعوراً قوياً أن جميع تواريخ الأقوام خارج أوروبا لا تمثل سوى روافد صغيرة تصب في التيار الرئيس لحركة التاريخ الكوني الذي تتجلى ذروته في حضارة الإمبراطوريات الأوروبية، بدليل أنه بينما كان سيلي يطور رؤية “دولة عالمية” في كتابه “توسع إنكلترا” من خلال التكهن بنشوء حركة لا واعية في تاريخ إنكلترا والعالم تفضي إلى “بريطانيا الأعظم”، فإن مفكرين آخرين تعاملوا مع تواريخ الأمم الشرقية بحرية عابثة متمادية وكأنه جزء من ممتلكات الغرب.

من الطريف أن نذكر هنا أن بعض الكتّاب ساورهم الاعتقاد بأنهم، حين “يفككون” بعض غوامض التاريخ العربي الإسلامي، إنما يحققون فهماً جديداً “مستنيراً” لهذا التاريخ، ليس فقط نيابة عن العرب أو المسلمين أنفسهم، بل كذلك للتصحيح لهم، لأنهم قد أخفقوا في كنه دروس ماضيهم. وهذا ما يفسر نقد بعضهم للشرقيين بعامة باعتبارهم أقواماً لا تمتلك إحساساً بالتاريخ، وهي لذلك اقوام ليس لها شعور بالهوية الثقافية والقومية.

لقد دأب هذا النفر من المستشرقين على إشاعة الاعتقاد الخاطئ الذي يفيد بأن لولا مناهج وأدوات البحث التاريخي الأوروبية، لما تمكن الشرقيون من إدراك دلالات تواريخهم. ويتجلى هذا النمط من الخيلاء المتعالي على نحو صريح لدى الراحل برنارد لويس الذي ذكر ان الغربيين هم وحدهم المسؤولون عن “منح” الأقوام الشرقية إحساساً بالتاريخ، ولذلك، بالهوية القومية، وهو على حد زعمه شعور كان غائباً قبل ذهاب البريطانيين إلى الهند، على سبيل المثال، في كتابه المهم “التاريخ: مُستذكراً، مُستعاداً، مُكتشفاً” يقول لويس ما نصه:” فقط أوروبا كانت تمثل نوعاً من الهوية التاريخية الحقة…فالتأثير الأوربي والقوة الأوروبية، وأخيراً، البحث العلمي الأوربي، هي العوامل التي أقنعت سكان آسيا وأفريقيا بأنهم آسيويون وأفارقة”.

يجد هذا الموقف الخطير جذوره في النظرة الدونية التي خص بها المستشرقون التواريخ التي كُتبت بأقلام الشرقيين أنفسهم، بوصفها تواريخ غير علمية تتبنى الأسطورة والخرافة بدلاً عن الحيادية الموضوعية. وهذا بدقة ما قصده اللورد ماكولي، في القرن التاسع عشر، عندما كان يناقش مع زملائه في إدارة الهند الإمبراطورية عملية طبع المؤلفات التراثية العربية والسنسكريتية، اذ ادعى بأن التواريخ التي خُطّت بهذه اللغات لا تساوي من حيث القيمة العلمية حتى ثمن الورق الذي تطبع عليه، مشيراً إلى أن علوم الشرقيين بعامة تركبها الخرافة والغيبيات:” فتاريخهم يزدحم بملوك يجاوزون الثلاثين قدماً طولاً، وعهود حكم تتجاوز الثلاثة آلاف عام”. لاحظ المبالغة.

لقد طرحت انتقائية مستشرقي العصر الذهبي للاستعمار الأوروبي ذات الموقف والجو المفعم بالشعور بالتفوق والميل للعبث بما هو لغيرهم.

صحيح أن التاريخ العربي الإسلامي ليس حكراً على المفكر العربي أو المؤرخ المسلم، لكن التمتع بحرية الاستلال، بغض النظر عن الشمولية وعن اكتمالية النص التاريخي وسياقه السببي، هي علة الاختلال والإخلال. لهذا السبب ظهرت بعض مستلاتهم للأحداث أو للشواخص التاريخية العربية أو المسلمة، وهي مشوهة لأنها بدت وكأنها لا تمت بصلة عضوية للسياق التاريخي الأصل.

كما أن هذه الكيفية الانتخابية آلت إلى إهمال القوانين التاريخية، فتحول الحدث المنتخب إلى شيء اشبه ما يكون “بحكاية”، نصف أسطورية ونصف واقعية، حكاية يمكن تحليلها على النحو المطلوب وفق الأهواء، وعليه يمكن تقديم كل واحدة من هذه “الحكايات” للقارئ الغربي على أساس احتوائها على بعض الشذرات النادرة والطرائف الغريبة والحكم المأثورة، بغض النظر عن جدل وآليات التطور التاريخي المتواصل.

وباستثناء تتبع واشنطن ارفنغ، والكاردينال نيومن لقانون “الولادة-الذروة- الإضمحلال” في بعض أجزاء التاريخ العربي، فإن غالبية الغربيين المهتمين بهذا التاريخ عمدوا إلى التغاضي عن أنماط التطور المعتمدة في الدراسات التاريخية، لذا ظهر هذا التعامل منقوصاً: فأما أن يكون الإستلال فردي البؤرة أو حدثي التمحور.

غالباً، يصادف المرء هذا الكاتب أو ذاك المؤرخ وقد انتقى شخصية عربية، أو حادثة تاريخية إسلامية، أو قولاً مأثوراً محلياً ليقدمه كبؤرة لاهتمامه في سياق جدل عام، أو مناقشة قضية غربية محلية ساخنة.

هنا لا يفلت القارئ المتمعن من تطوير انطباعين لا ثالث لهما: الانطباع الأول هو أن هذا الكاتب يرتكن إلى معرفة واسعة تتجاوز حدود ثقافته المحلية، بينما ينطوي الانطباع الثاني على الشعور بأن هذا التاريخ الأجنبي إنما يخلو مما يستحق الاسترجاع أو الاستحضار، باستثناء تلك الشخصية، أو ذلك الحدث الذي اختاره الكاتب “العارف” لقارئ من عالم متفوق ومختلف.

ينطبق هذا الأمر على كتاب توماس كارلايل ”الأبطال”، فبينما يتجسد أبطال كارلايل كأعظم رجال التاريخ في أبطال أوروبيين، نلاحظ وجود بطل واحد فقط من الشرق، بطل مستزرع في هذا المشهد التاريخي الأوروبي الملحمي الذي تطغى عليه الصفة الآرية. هنا لا يجد القارئ الغربي مهرباً من الشعور بأن، في حين أن أوروبا كانت قادرة على تقديم أحد عشر بطلاً يستحقون عناية مؤرخ البطولة، لم يكن الشرق برمته قادراً إلاّ على تقديم رجل واحد يستحق المثول في “معرض” كارلايل للبطولة، وهو الرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم).

كما تتكرر هذه الحال في زحمة إشارات الكاتب الأميركي رالف والدو إمرسون، ذلك أنه ينتخب مقولات لأبطال عرب بوصفها ومضات من الحكمة الشرقية أو العربية القديمة، لكنه لا ينسى قط تذكير القارئ الأميركي، من آن لآخر، باعتزازه المعروف بالإرث “الرجولي للغرب”، ومرة ثانية، يكون الانطباع المتبقي للقارئ هو خلو التراث العربي مما يستحق الذكر، باستثناء ما ينتخبه المؤلف الأميركي أو الأوروبي له من شخصيات أو أقوال مأثورة.

وفي إطار فكرة إمرسون بأن المجتمع العربي الإسلامي يفتقر إلى المؤسسات المستقرة وإلى الشعور بالأمن والأمان، فإن عملية إبراز غياب التيقن والاستقرار في الحياة والشخصية العربية الإسلامية تبدو شيئاً لا مفر منه، كما أنها تغدو سبباً كافياً لتبرير خلو هذه الحضارة من العبقريات، لأن هذه العبقريات لا يمكن أن تنمو وتزهر في إناء اجتماعي خال من الأمن، ولذا قاد هذا التحجيم والتشكيك، “بقدرة المجتمع العربي على إنبات ورعاية العبقريات”، إلى التوكيد الغربي المبالغ به على شخصيات منفردة معدودة على سبيل عرضها أمام القارئ الغربي، لكن في أطر نصف خرافية بوصفها “قدحات” نادرة من كينونة تاريخية أثرية، لا تستحق إلاّ أن تُحفظ في المتاحف.

 

كاتب وباحث أكاديمي عراقي

 

 

جواد بشارةإبان الخروج من النفق الخرافي المظلم إلى الفضاء المعرفي العلمي مرت البشرية بمنعطفات كثيرة في تاريخها القديم والحديث، وتوقفت في محطات كثيرة تمخضت عنها أحداث اتسمت بالعنف والوحشية والقسوة وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح والتعذيب الوحشي حتى الموت وإحراق البعض وهم أحياء الخ... ولكن وفي نفس الوقت شهدت البشرية مراحل تطور وتقدم وإبداع وخلق وابتكار في كافة المجالات. ومن النقاط المضيئة في تاريخ البشرية صدور كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين وانتشار نظرية في التطور والانتخاب الطبيعي التي سددت ضربة قاصمة للتفكير الثيولوجي الخرافي عن خلق الكائنات بإرادة ربانية بطريقة الخلق المباشر على الهيئة التي تتواجد فيها هذه الكائنات الآن ومن بينها الإنسان وكيف خلق الإنسان الأول المدعو آدم ومن ضلعه حواء، وخلق الكون برمته بكلمة كن فيكون الإلهية. وما يزال الإنسان يتقدم ويتطور نحو السمو والتسامي والكمال ليصل إلى مصاف الآلهة التي خلقها هو في عقله وتصورها وأضفى عليها صفات الكمال والكلية والقدرة اللامتناهية، وهي أهداف حددها لنفسه لكي يبلغها ويحققها بنفسه وهذا هو ديدين وسر التطور.

تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية بما يمتلكه من وعي متطور وكونه عاقل يتمتع بذكاء وقدرة على التفكير، فالسمة المهيمنة على الكائنات الأخرى هي الغريزة ومنها غريزة البقاء على قيد الحياة والتكاثر في حين يتمتع الإنسان، إلى جانب الغرائز، بعقل يفكر ويحلل ويتأمل ويتساءل ويبحث ويكتشف ويتطور، ولديه ملكة الحدس والمخيلة والتخيل والإحساس بالمسؤولية، فالغريزة هي السمة والمعرفة الذاتية للقيام بفعل ما بينما الذكاء هو السمة والمعرفة الذاتية بإدراك إمكانيات الفعل الذي يقوم به الكائن العاقل.

الإنسان لم يتطور فقط بيولوجياً وفيزيولوجياً فحسب، بل تطور كذلك فكرياً، فالأفكار هي التي باتت تقود الإنسان منذ اللحظات الأولى التي بدأ فيها يفكر ويتأمل ويتساءل . هو الذي فكر وأعتقد أن هناك من اختاره من بين كافة الكائنات ليكون مركز اهتمام الخلق وكل شيء من حوله مسخر له ولخدمته، وما عليه مقابل ذلك سوى إبداء سلوك الطاعة والخضوع والخشوع وتقديم القرابين لهذه الكينونة الخارقة التي تخيلها والتي تقيم في الأعالي ولها تجليات أرضية. عليه أن ينصاع ويدوس على كرامته وعزة نفسه ورغباته وغروره وخيلائه تجاه تلك الكينونة المتعالية فقط ومقابل ذلك سيكون سيد الكائنات وحاكم الأرض ومنشئ الحضارات .

 في مغارات قديمة جداً عثر عليها في فرنسا، وبعضها في ألمانيا، عثر الآثاريون على عناصر لآثار لحضارات بدائية لإنسان الكرومانيون Cro-Magnon، تمثلت برسوماته الملونة على الجدران و منحوتاته على العظام والعاج وأدواته وتقنياته التي يعود تاريخها لآلاف السنين، قدرها البعض بـ 600000 سنة وأخرى بين 40000 و 50000 سنة، إلى ما قبل العصر الحجري القديم prépaléolithique. كانت قامات البشر في تلك الحقبة كبيرة تتراوح بين متر و 78 سنتمر و متر و 94 سنتمتر وأحيانا إلى ما يتجاوز المترين، وكانوا يعيشون على شكل جماعات منظمة ويقدمون الدليل على مرحلة تطورية خطية بمعنى ابتعادها عن المرحلة الحيوانية البدائية التي مر بها البشر . ومنذ تلك المراحل المبكرة نشأت الأفكار الروحية والأفكار التجريدية ومن بينها فكرة " الله الخالق" التي انبثقت من الهلع والخوف من المجهول والموت، ولكن على نحو مشوش وضبابي، وعنها تطورت الأفكار الأخلاقية والفلسفية والعلمية لاحقاً.

شعر الكائن البشري في تلك الحقب أن بإمكانه مواجهة الطبيعة وقهرها أو التكيف والتأقلم معها والتعامل مع قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا التي تحكمه. كما ظهرت لديه الأفكار الجمالية والفنية التي يمكنه تحقيقها بيده وبأدواته التي صار يعتني بها ويجملها ويزينها، صار يفكر بأشكال الطبيعة وينسخها ويتعلم منها فصار يصقل وينحت ويلون ويرسم ويقلد، ويفكر بإدامة جنسه وتطوره، خاصة بعد تبلور معنى وفكرة الجمال لديه.

اكتشف الإنسان البدائي النار وسخرها، ونوع استخداماتها وصنع الأسلحة وطورها وكذلك الأدوات التي تساعده في العيش والبقاء على قيد الحياة والدفاع عن نفسه وجماعته ونوعه وجنسه، وتعلم الزراعة والنسيج وتدجين الحيوانات وبناء الملاجيء التي تقيه من هجمات الكائنات المفترسة وتقلبات الطبيعة، والأهم من كل ذلك ابتكر اللغة ووسيلة التخاطب والاتصال وبنى الخلية العائلية ومجتمع القرية المصغر وأفرز نظام الكهنة الذين يقومون بمهمة الاتصال بينه وبين الكائن المتسامي في السماوات، وصار يقيم طقوس وشعائر العبادة البدائية والتفكير بما بعد الموت. وظهرت طبقة الكهان والسحرة والمعالجين، وأغلب الأحيان الثلاثة في شخص واحد.

ثم ظهرت الكتابة في الحضارة السومرية في العراق التي عرفت فيما بعد بالكتابة المسمارية وأعقبتها الكتابة الهيروغليفية في مصر وتم تدوين تفاصيل الحياة في تلك الحقب القديمة التي بدت لنا متطورة سياسياً وعمرانياً وعسكرياً وأخلاقياً واجتماعياً.

ولو عدنا إلى نهاية فترة السلالة الثالثة في مصر، أي حوالي 4000 سنة قبل الميلاد لوجدنا صفحتين فقط من أحد أقدم الكتب والتي تتضمن تعاليم كيجمي les instructions de Kégemmi، و تعاليم بتاح حوتب Ptah Hotep، في السلالة الخامسة أي حوالي 3350 سنة قبل الميلاد، وهي بالطبع ليست أقدم الكتابات، لوجدنا نظاماً متطوراً يحكم المجتمع، وقواعد سلوك متحضرة جداً سبقت تعاليم موسى التوراتي المنزلة بأكثر من ألف عام . ففي كتاب تعاليم بتاح حوتب هناك فقرة ضد القسوة والفظاظة تنصح الأمير إبن الفرعون: " لا تبحث عن أن تكون مخيفاً تخشاك الرعية لأن الله سيعاقبك" وهي إشارة إلى أن المجتمع وقادته يعرفون مفهوم الله العبري أو الإبراهيمي قبل ظهور الديانه اليهودية. ويتضمن النص العديد من النصائح الأخلاقية ضد الغرور والجهل والحث على المعرفة والتفكير بالعقل وتعلم الحكمة والتواضع والطيبة والرأفة والعمل الخيري الطوعي والصدق والأمانة والاعتدال والصراحة واحترام الآخر خاصة كبار السن وإدانة الحسد والغيرة والسرقة. يتضمن النص كذلك، نصائح للأسر والعائلات والأزواج :" لو كنت عاقلاً فعليك أن تهتم بأسرتك وبيتك وتدلل وتهتم بزوجتك وتوفر لها الطعام والمنام وسبل العيش الكريم وتداريها في حالة مرضها وتعالجها وتملأ قلبها بالفرح طيلة حياتها معك، ولا تكن شديداً وفظاً لا معها و لا مع غيرها خاصة الخدم فعليك أن تكون طيباً بشوشاً معهم فالسلام والسعادة والأمان ستفتقدهم إذا كان خدمك حزينين وبائسين. وإذا بحثت عن المسؤوليات فكن أنت القدوة والمثال وتذكر أن الصمت أبلغ من الثرثرة"  الخ.. ولم تغب مفاهيم الخير والشر عن الأذهان آنذاك أيضاً، وإن كانت مشوشة وتجريدية في البدء منذ انبثاق الوعي البشري كناتج للحربة المكتسبة وملكة الاختيار.

فالفكرة التجريدية عن الخير والشر لم يتم التعبير عنها على نحو مطلق وقاطع، لكنها كانت حاضرة منذ أن بدأ الإنسان بالتفكير بما حوله ورؤيته للموت ووعيه بما يتعرض له من مآسي وتحديات ومخاطر وقسوة حيث انبثقت في ذهنه فكرة أنه لا بد من أن هناك من يقف وراء الخير والشر ويتسبب بحدوثهما وهو المسؤول المباشر عنهما. فكان هناك إله للخير وإله للشر قبل أن تظهر التسميات الدينية عن الله والشيطان. كان الدين، حتى بصيغته البدائية، يرمز لفكر الخير عبر إله أو آلهة للخير، أما الشر فكان يمثله إله شرير أو أرواح شريرة. والخير يمنح الإنسان حياة حاضرة ومستقبلية سعيدة بينما يجلب الشر للإنسان العواقب . ولقد تبلورت هذه الثنائية فيما بعد في الأديان إلى مقولة العقاب والثواب في الدنيا والآخرة. عمل الفلاسفة والحكماء على تفكيك وتحليل هذين المفهومين واستنتجوا أنهما لا يمتلكان سوى قيمة نسبية، في حين أن من الممكن اعتبارهما يتمتعان بقيمة مطلقة لأن نشأتهما كانت قديمة بقدم الإنسان نفسه وتشكلا في عقول الشر الأكثر بدائية. المهمة شائكة لأن هناك خطورة في السماح بتسلل فكرة نسبية الخير والشر إلى أذهان العامة ومن ثم نأسف على احتكار الكتاب والفلاسفة الدينيين التعامل مع هذه الفكرة من وجهة النظر هذه. فالإنسان العادي، حتى لو كان يمتلك حسا فنياً أو موهبة علمية، فهو يمتلك، عبر العامل الوراثي، في لا وعيه أو في اللاشعور، حساً فردياً بالخير والشر، وربما يتقولب إحساسه بالخير والشر بموجب تربيته وما يتلقاه بشأنهما في طفولته، ولغروره واعتداده بنفسه وبذكائه وبالمبالغة في تقييم نفسه، يعتقد الإنسان أن من حقه وبمقدوره أن يتفلسف حولهما وإنه ربما أعلى شأناً ممن يطيع على نحو أعمى وبلا تفكير تعاليم المؤسسات الدينية، أو تعاليم الحكماء من أمثال بتاح حوتب وكونفوشيوس وبوذا، أو آراء الفلاسفة وتبرير سلوكه على أساس نسبية مفهومي الخير والشر. على غرار ملحدي ديدرو في كتابه أفكار فلسفية يقول أحدهم:" استطيع أن أميز الملحدين في ثلاث فئات : فهناك من يقول أنه لايوجد على الإطلاق إله، ويعتقد بذلك فكرياً وبصدق، وهم الذين يمكن أن أطلق عليهم الملاحدة الحقيقيين. وهناك من لايعرف كيفية التفكير بهذه المسألة ويعتمد أسلوب اختيار إحدى وجهي قطعة النقود المقذوفة، وهؤلاء هم الملاحدة المتشككين وغير المتيقنين وهناك من يدعي أو يتظاهر بأنه ملحد ومقتنع بذلك لكنه في حقيقة الأمر متردد وخائف وغير مقتنع لكنه يعيش كما لو إنه ملحد " . فالخير هو احترام آدمية الإنسان والشر هو الجهل بشخصية الإنسان ومعاملتها على نحو أدنى أو قريب من المستوى الحيواني. ففي الحالة الأولى يتمثل ذلك باحترام كرامة الإنسان وحقه في حرية الاختيار، وفي الحالة الثانية يتم انتهاك تلك الكرامة وسلب حق وحرية الاختيار .

أما معضلة الإله فلقد انحصرت بين المؤمن بها بدون دليل والناكر لها بدون دليل، ولكل حججه ومبرراته وآلياته التنظيرية ونبقى لا نعرف شيئا قاطعاً ونهائياً بشأنها فهي مسالة تتجاوز مستوى الإدراك البشري ولقد لخص الكاتب والفيلسوف المسيحي ميغيل أونامونو Miguel Unamuno الأمر بالجملة التالية:" الاعتقاد بوجود الله إن هو إلا رغبة في أن يكون موجوداً وبالتالي التصرف على نحو يوحي للمرء بأنه موجود . أما إنكار وجوده فهي رغبة في الإفلات من تداعيات هذا الوجود وبالتالي التصرف على نحو متحرر من قبضة كائن ليس هناك ما يثبت وجوده" . الكثير من البشر العقلاء والأذكياء والمتعلمين وخاصة العلماء، لا يستطيعون أن يصدقوا ويؤمنوا بوجود هذه الكينونة العلوية المسماة " الله" بسبب عجزهم عن تصوره وتمثله ذهنياً وعقلياً، وتخيل أو معرفة ماهيته، و لايتقبلون منطق المتدينيين القائل بضرورة وجود قوة متعالية ومتسامية وكلية وكاملة منظمة ومسيرة للكون المرئي لأنه لا يمكن أن يكون موجوداً بدون موجد، لأنهم يعتبرونه لاعقلانياً. تصور أحد الحكماء نفسه يحاور كائناً فضائياً أخذه معه في رحلة خيالية خرج الأرض وكان الحكيم يعتقد أنه يعرف كل شيء قبل رحلته هذه وعند وصوله إلى نهاية الرحلة وجد مكاناً مثالياً ليس فيه حزن ولا سعادة، لا راحة ولا عناء، لا جمال ولا قبح، لا سعادة و لا شقاء، فسأل ماهذا المكان ؟ قيل له أنه الخلاء ونهاية المطاف فرد بحسم و لكنني لا أؤمن بيوم الآخرة والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار . قال له الكائن الفضائي : قد تكون مصيب، ولكنك وحدك تعرف ذلك في أعماقك. أنتم البشر لا تعرفون سوى الجانب المادي المحض للوجود، وتعتقدون وأنتم واثقون من أنفسكم أنه مكون من مادة مرئية أو ملموسة ومحسوسة وقابلة للقياس فحسب ، في حين توجد هناك مادة أخرى غير مرئية تسمونها أنتم سوداء أو مظلمة وما يقابلها من طاقة مرئية وملموسة ومحسوس وسوداء أو مظلمة لاتعرفون عنهما شيئاً يذكر، كم أن هناك جوهر آخر غير مادي يمكن أن نسميه الجوهر الافتراضي الحي الذي لا يفنى وأقرب شي له عندكم هو الروح التي احتكرتها الأديان عندما عزتها لكينونة عليا متسامية لكي لا تبحثوا عنها وفيها، علمياً ومختبرياً . وهناك  مادة مضادة تتشكل منها أكوان كاملة وكلها لا تلتقي أو تتفاعل لأنها تفني بعضها البعض إذا حدث تماس بينهما . نحن مثلكم، وإن كنا أكثر تطوراً منكم والفرق بيننا أكبر من الفرق بين بكتريا وعقل عالم عبقري كآينشتين لكننا متحررون من قيود القالب المادي للجسد وبوسعنا اختيار الهيئة التي نريدها وقد اخترنا هذه الهيئة لكي ترانا و لاتفزع منا ومازلنا نبحث بدورنا عن الحقيقة المطلقة التي نعرفها نظرياً ولم نثبتها علمياً بعد. تساءل الحكيم بعد تردد لماذا أنا؟ أجابه الكائن السماوي : لأنك متميز، ولكنك لست الوحيد فهناك عدد كبير من أمثالك يستحقون الاستمرار فيما وراء جدار الحياة الأرضية، لا تندهش فنحن نتابع كل صغيرة وكبيرة عندكم مثلما تراقبون أنتم الحشرات والفيروسات وتدرسونها. لقد أسهمنا في أن تكونوا موجودين وتتمتعون بعقل ووعي وذكاء وملكة تفكير وحكم واختيار وتقدير . سوف تتطورون بعد بضعة مليارات من السنين لتصلوا حالة التسامي وتكون لكم كلمة في إدارة شؤون الكون المرئي لأنه جزء لامتناهي في الصغر من الكل المطلق، سيكون كل واحد منكم إلهاً كالإله الذي تعبدوه. أفاق الحكيم من غفوته وهو يردد أنا الحق ... أنا الحق.

 

د. جواد بشارة

 

 

ولد أفلاطون قبل وفاة بريكلس، تتلمذ على يد سقراط وعايش محاكمته، تذوق مرارة إعدامه، عايش فترة الحروب البوليبنيزية لذا كان السؤال الفلسفي عند أفلاطون هو سؤال بعمق سياسي حيث تساءل أو أكد على أن الفلسفة تنتعش حين تكون الأزمة، لذا يكون السؤال السياسي عند أفلاطون هو البحث عن أفضل نظام سياسي لتحقيق العدالة بين مختلف مكونات المجتمع، فكتاب الجمهورية يساءل مجموعة مفاهيم مثل العدالة والتربية بحيث تصبح العدالة في منظوره هي إعطاء لكل فرد ما له وما أهلته له الطبيعة. لذلك يكون الفيلسوف هو الأقدر على إشاعة النظام والعدالة والظلام والجهل. فالموقف الأفلاطوني نستشفه من قصة ربان السفينة الواردة في كتاب الجمهورية عبارة "البحار الحقيقي" تعني الأقلية الأقدر شرعيا على الحكم لتحيلها بالمهارة والخبرة الضروريتين. أما الحيوان الكبير في نظر أفلاطون يعني الشعب ونظرا لأن أفراد الشعب (الطاقم) يدبرون شؤونه من منطلقات الغريزة، العاطفة والهوى فإنهم ليسوا متوفرين على الخبرة والمعرفة اللازمتين للإبحار السليم، أي على الحصافة السياسية. يضاف إلى ذلك أن القادة الوحيدين الذين يثيرون إعجابهم متملقون: "لا بد للساسة من أن يعلنوا أنهم أصدقاء الشعب... إذا أرادوا... أن ينعموا بما يكفي من الاحترام"[1].

يتعذر وجود قيادة سليمة في النظام الديمقراطي، فالقادة يعتمدون على إرادة الشعب وتفضيله ويسعون بالتالي إلى الحفاظ على شعبيتهم وإدامة مناصبهم. تتعرض القيادة السياسية إلى ما يمكن "تسويقه". أما الأحكام المتأنية المدروسة، القرارات الصعبة، الخيارات المزعجة، الحقائق البغيضة، فلا بد من تجنبها، عموما تعمل الديمقراطية على تهميش الحكمة والحكماء، ينتقد أفلاطون الديمقراطية باعتبارها صيغة حكم تؤمن وتدعي تحقيق مساواة زائفة بدل البحث عن صيغة للتكامل والتماسك الاجتماعي. أما غيابه فيغذي الصراع بين الفقراء والأغنياء ويؤدي إلى انهيار السلطة والمجتمع معا، "تصوروا أن يكون الوضع على متن السفينة على النحو التالي، القبطان (أو صاحب السفينة) أكبر وأقوى من سائر أعضاء الطاقم، لكنه يعاني من قليل من الصمم وشيء من العمى، ومتواضع المهارات في فن الإبحار. ثمة صراع بين جميع أفراد قيادة السفينة حيث يرى الكل منهم أنه الأجدر بتولي القيادة، لم يسبق لهم أن تعلموا فن (أو مهارة وتقنيات) الإبحار ولا يستطيعون أن يزعموا أن أحدا علمهم مثل هذا الفن، أو أمضوا أي وقت وهم عاكفون على دراسته، بل يقول أن من المتعذر تعليمه وهم مستعدون لقتل كل من يرى عكس ذلك. يمضون الوقت كله محتشدين حول القبطان باذلين كل ما يستطيعونه من جهد في سبيل الإمساك بالدفة. إذا كان أحد الفرقاء أنجح من آخر، فإن شأن منافسيه أن يلقوا به في البحر، أن يشلوا القبطان الشريف بالمخدرات أو الحكول أو أي طريقة أخرى، أن يسيطروا على السفينة، أن يستولوا على حمولتها وأن يقبلوا الرحلة إلى نوع من اللهو العابث. أخيرا يكون هؤلاء معجبين بذلك الذي يعرف كيف يساهم في السيطرة على القبطان بالقوة والخداع، يكيلون المديح لمهارته في الإيجار وقيادة السفن ولمعرفته بأسرار البحر، شاجبين سواه، معتبرين ما عداه دون جدوى. ليست لديهم أي فكرة عن أن على البحار الحقيقي أن يدرس فصول السنة، السماء، النجوم، الرياح وجميع الموضوعات الأخرى ذات العلاقة بمهنته إذا كان سيصبح مناسبا للتحكم بأي سفينة، وهم معتقدون بأن من شبه المستحيل امتلاك المهارة المهنية اللازمة لمثل هذا التحكم (أرادوا ممارسته أم لا) وليس ثمة شيء اسمه فن الإبحار. ومع جريان ذلك كله على المتن ألا يكون بحارة مثل هذه السفينة مضطرين لرؤية البحار الحقيقي غزال كلام وراصد نجوم، لا نفع فيه بالنسبة إليهم[2].

لذا يعتبر أفلاطون أن الدعوة إلى الحرية والمساواة السياسية معناه الفوضى العارمة التي قد تدمر المدينة وتحول النظام إلى فوضى لأن الحصيلة هي إطلاق العنان للشهوات والرغبات العمياء.

يؤكد أفلاطون على أن عقول المواطنين شديدة الحساسية حيث يصبح الضبط مرفوضا بوصفه أمرا لا يطاق، ولا يمكن القبول به فهم يرفضون – أي الفقراء- الخضوع للقانون حيث يقع قلب للمفاهيم وتصبح الغطرسة تربية صالحة والفوضى حرية وعدم الخجل جرأة.

يرفض أفلاطون أن تكون الديمقراطية حكم الأكثرية وإنما يعتبرها حكم أفضل الرجال حيث وحدهم الفلاسفة والعقلاء الأقدر لإدارة شؤون المدينة، بذلك تصبح الديمقراطية هي سيادة الحكمة، وهو ما يفسر موقف أفلاطون حيث اعتبر أن الفضيلة معرفة، فالديمقراطية انتصار للعقل على حساب الجسد والديمقراطي الحقيقي هو ذلك الفرد الذي استطاع أن ينتصر لعقله وأن يعيش انشطارا بين عقله وجسده، لكن هناك انشطار يؤدي إلى توجيه العقل للجسد ما دام العقل نور والجسد أحمق بذلك تصبح الديمقراطية حكم العقلاء.

هانز كلسن Hans Kelsen في قراءة لأفلاطون يتحدث عن وجود عالمين متناقضين كلية أو إن شئنا القول وجود ثنائية حادة بين عالم المثل والعالم الحسي رمز للشر "الغريزة" للجسد وحماقاته، للعامة وشهواتها أما عالم المثل فهو عالم الحقيقة الثابتة، عالم الأنوار، بهذا يكون العقلاء وحدهم استطاعوا الخروج من تجربة الجسد والتخلص من حمقه بنور الحقيقة الوهاج بحسب ما يسميه أفلاطون بالجدل الصاعد، بعد هذا الصعود تم مهمة أخرى هي مهمة إنقاذ العنصر البشري داخل المدينة. فمعرفة الحقيقة وتجاوز عالم الظلال والنسخ[3] "لسيمولاكر" بتعبير فوك مشروط بالاعتماد على التأمل العقلي كممارسة نظرية تؤسس وتهندس قواعد توجيه العقل البشري نحو العالم الحقيقي النور، وهو ما يفيد حسب أفلاطون النزوع إلى تأسيس ممارسة عقلية منطقية تستمد مبادئها من العقل وترفض لغة الجسد، على اعتبار أن فعل التفلسف هو فعل ذهني تأملي، والإمساك بالحقيقة مشروط وفق التنظير الأفلاطوني بممارسة الانشطار داخل الذات انشطار يؤدي إلى أن يتخلى الباحث عن الحقيقة عن الجسد باعتباره مصدر عمى وغواية. فأفلاطون كان شديد الاهتمام بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، الفلسفة تنتعش على حافة الأزمات.

نقد أفلاطون للديمقراطية يدل على أن مدى اهتمامه بالاضطراب والعنف، فالديمقراطية تقترن بنظره بفوضى القيم والمعتقدات وتقترن كذلك بالتجزئة وانعدام الانسجام، وهي نظام يرتكز على سلطة الدهماء وخطاب الديماغوجية. ذلك أن السياسي الحقيقي لا يساير الشعب في آرائه، بل يسعى جاهدا إلى تهذيب الأخلاق وترسيخ القيم المثلى وإن كانت سياسته لا تروق جميع الناس ما دامت سياسته تعادي العامة.

إن غاية الدولة تكمن في إسعاد الناس لا في الدفع بهم إلى القتل والحرب / سقراط، فالديمقراطية لا تحظى بأية شرعية سياسية حيث أنها فضلا عن مساوئها الأخرى لم تتمكن من تحقيق الانسجام وإقرار السلم الاجتماعي.

لذا ذهب أفلاطون إلى أن كل تفكير يطمح إلى الوصول إلى ماهية السياسة يجب أن يتعالى على الواقع المتعين. ويمكن الكشف عن حقيقة السياسة عن طريق الجدل الصاعد لا عن طريق تجارب التاريخ والأمم. والجمهورية الفاضلة هي الدولة الفاضلة التي تتحقق فيها المثل العليا، والسياسة الحق هي التي تتميز بالمساواة والانسجام الفردي والجماعي والوحدة والتضامن وتغيب فيها جميع مظاهر العنف والصراع[4].

حسب نيتشه التأسيس الأفلاطوني للحقيقة تم على أساس نسيان الأصل الجسدي للفكر، حيث إلغاء الجسد ومنح سلطة للأفكار والروح وجعل العقل مل الجسد، والفكر محل الواقع إضافة إلى هذا النقد الجذري، عموما المقاربة الفلسفية الأفلاطونية والأرسطية للعلاقة بين الحقيقة والواقع تحمل بعدا انطولوجيا حيث اعتبار النظر إلى الحقيقة في بعدها الموضوعي تبقى مهمة الإنسان فقط، تأملها واستنباطها في أحسن الأحوال وفق ما يستنتج في محاورة غلوكون وسقراط كمحاورة أطر لمعرفة وتحديد مفهوم الديمقراطية، فإدراك الحقيقة موعود فقط للحكيم التائب عن خطيئته المتمثلة بالثقة في الحواس والجسد والاستمتاع بتجربة الكهف وفق المستفاد من محاورة غلوكون.

هذه المهمة الإنقاذية تحقق عبر الجدل النازل أي تطبيق ما رآه بعالم المثل داخل فضاء المدينة، بهذا يلعب الفيلسوف الدور الوسائطي بين عالم الحقيقة وبين عالم اللاحقيقة. وفق ما نستشفه من أسطورة الكهف في محاورة انتقاد أفلاطون للديمقراطية ذدير بالتوقف لأنه ما زال يتضمن إلى يومنا هذا خاصة حينما ينظر إلى الديمقراطية على أنها تصويت عددي. فرفض أفلاطون ديمقراطية أثينا لأسباب:

- أدت لهزيمة أثينا أمام أسبرطة

-  نشأته الأرستقراطية

-  لأن الديمقراطية أعدمت سقراط

 

د. الفرفار العياشي

...........

[1] - الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس، أميرة حلمي، دار المعارف، ص:59.

[2] - الجمهورية، أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، مصر1968، ص:376.

[3] - أسس الفكر المعاصر، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الطبعة الأولى 1991، ص:147.

[4] - مدخل إلى الفلسفة، جون لويس، بيروت، دار الحقيقة، ص:45.

 

"المعلوماتية مع الحكمة غاية في كمال الحكم.. وكي تنعم بالحكم شعوبنا.. فعلينا أولا بالزعامة الرقمية!!"

 الحروب المعلوماتية ما هي إلا بحار من المعلومات التي لا نهاية لها ومواجهات في الطاقات الرقمية بين عناصر نظامين متنافسين أو أكثر على مستوى واعي وغير واعي وقيادي وفوضوي للتواصل بكفاح لأجل الأولوية في المجالات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية والاقتصادية للمعلومات في الفضاء اللانهائي متعدد الأبعاد، وأن المواجهة المعلوماتية لها تأثير معقد على الدول والحكومات السياسية والعسكرية للجانبين الموافق والمعارض وعلى قيادتها العسكرية السياسية، وان الهدف الاستراتيجي منها هو خلق ميزة معلوماتية للحفاظ على التفوق في الاقتصاد العالمي والبناء العسكري والتقني، كما تنطوي على عقد أحداث خاصة تهدف إلى تدمير أو تسوية أنظمة التحكم واتخاذ القرارات عبر السيطرة على شبكات الكمبيوتر وموارد معلومات الخصم المحتمل، وان الحروب الإعلامية فيها أكثر الوسائل والأساليب الفعالة المحققة لأهداف الإستراتيجية والتكتيكية كالسلوك المعقد للمعلومات الخاصة والعمليات النفسية المنسقة في المكان والزمان وقنوات التأثير بالإضافة إلى تحكها بتطوير واستخدام أسلحة المعلومات النشطة لحل المشكلات الداخلية والداخلية فلذا ترتكز تلك الحروب على تشويه وتدمير وسرقة أنظمة الحماية لاختراق نظم المعلومات والاتصالات أو تعطيل الأداء الطبيعي لها ولذلك يمكن تحقيق التفوق الجيوسياسي والاقتصادي من خلال التوسع في المعلومات الخاصة بمساحة معلومات المنافسين والتشكيل والتوزيع الشامل عبر قنوات المعلومات الخاصة بالعدو أو الشبكات العالمية للمعلومات الخاطئة أو المعلومات المغرضة والأثر على تقديرات ونوايا وتوجه السكان وصانعي القرار، كما وان أهم عناصر التأثير فيها تكون عبر التحكم بألاداء الوظيفي والاداري لشبكات الاتصالات وشبكات المعلومات والحوسبة المستخدمة بمؤسسات الدولة، وبالبنية التحتية للمعلومات العسكرية وحل مشاكل السيطرة على القوات ومعلومات الهياكل المؤسسية والإدارية للمصارف ومؤسسات النقل والمؤسسات الصناعية ووسائل الإعلام الإلكترونية.

 وأن اختصار الأسس المفاهيمية لاستراتيجيات الصراع للفوز بحروب المعلوماتية لقوى إرهاب محتمل عدائي وإرهابي دولي ففي رأيي من الممكن التمييز بين اربعة أهداف إستراتيجية رئيسية لمواجهة المعلومات وتحييدها، فيكمن الهدف الاول الرئيس في المجال السياسي بإنشاء معلومات وشروط سياسية لاستقرار الوضع الاجتماعي والسياسي في البلاد وتحييد محاولات العملاء العميقة الجذور لاختراق وتوحيد الهياكل السياسية والأيديولوجية للمجتمع والدولة، وان الاستمارات والأساليب التشغيلية الإعلامية لعرقلة النفوذ الاقتصادي والسياسي ووكلاء "الأحداث العميقة" للتأثير على شخص الرئيس واستقرار المسار السياسي للدولة باستخدام الأساليب غير التقليدية، بينما الهدف الثاني الرئيس فيكمن في مجال المعلومات وهو اعتراض مبادرة قيام اية إستراتيجية فرضية مع القوى العدائية المحتملة وتحييد قنوات التأثير السلبي المعلوماتي والنفسي على العقل الباطن للمدنيين والجيش والقيادة العسكرية والسياسية للدول وخلق ظروف مواتية لخلفية المعلومات والدعاية لاتخاذ تدابير للمواجهة وتحييد المدمرة الدعاية الخاصة، واما الهدف الثالث الرئيس فيتعلق بالمجال المنظم عبر إنشاء وتحسين أشكال وأساليب المواجهات التشغيلية لتحييد القوى العدوانية للعدو المحتمل وتوطين الوضع السلبي للمعلومات ومنع انتشار الدعاية الأيديولوجية العدائية في الأوساط المجتمعية، والهدف الرئيس الرابع نجده واضحا عبر الاستيلاء على مساحة المعلومات والاحتفاظ بمبادرة معقولة وخلق خلفية دعاية مواتية وافتراضية للاختراق المجمعي الكامل للأهداف السياسية والعسكرية والاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية مع زعزعة استقرار الوضع السياسي والاقتصادي الداخلي بنشاط وإضعاف ومحو وعي الناس وأغراق شعور الواقع لديهم وصرفه عن مهمته في تحديد أفعالهم تجاه أي حالة.

تتواصل الحروب عبر حشد المعارضات وبناء الأحزاب الباهظة والتخريب وإنشاء مرجعيات إعلامية جديدة يتم التعبير عنها في افتتاح قنوات تلفزيونية جديدة والصحف والمجلات والإذاعة ومواقع وروابط وشبكات ووكالات الكترونية والتي يسيطر عليها اقتصاديًا وأيديولوجيًا عبر المنظمات العدائية أو الإرهابية المحتملة، إضافة إلى الشروع في زعزعة الاستقرار والفوضى في الدول نتيجة لتدفقات الهجرة غير الشرعية والأزمات المالية والطاقوية والنزاعات العسكرية الإثنية الداخلية وانهيار المعلومات والأعمال الإرهابية المستهدفة الموجهة ضد السكان والسيطرة على التدفقات المالية الداخلية والخارجية باستخدام المجالات المعلوماتية والنفسية، وان التغيرات في مستوى الوعي الجماعي عبر التأثيرات النفسية والمؤثرات العقلية والصوتية والجينية واللغوية العصبية والنفسية والتحليلية والاستيلاء على الموارد الوراثية والطبيعية وخلق وهم افتراضي بوجوب العمل لدفع الأحزاب السياسية والمنظمات العامة وتحت غطاء حفظ السلام والأغراض الإنسانية للسيطرة على القرار السياسي باستبدال الهياكل الحكومية وتشويه سمعة وصورة رجال الدين باعتبارها المصدر الرئيسي لدفق إيمان الأغلبية والأخلاق والروحانية والإيديولوجية الوطنية والوحدة، فهذا كله كان من الضروري إدراكه واستيعابه لتحقيق أهداف النصر بتلك الحروب بوضع حلول شاملة تتمثل في إنشاء وتحسين خدمة الحروب المعلوماتية والتي على المستوى المهني ستقوم بتنسيق جميع أنواع التهديدات المعلوماتية والنفسية والتنبؤ بها وتقييمها وتنفيذها وتخطيطها وتنفيذها كما يجب أن تتمتع بقدرات تقنية واستخباراتية كبيرة لتنظيم التنبؤ التشغيلي الاستراتيجي والتخطيطي للمعلومات القتالية الخاصة والعمليات النفسية وتدريب المتخصصين لمسائل الذكاء التحليلي والمالي وإنشاء واستخدام أسلحة المعلومات النشطة للتخطيط التشغيلي والبحث وجمع وتحليل المعلومات التشغيلية وتركيب وتحديد المعلومات وتجهيزها والعمل على التدمير النفسي لقوات العدو المحتمل، ولذا يجب أن يكون للخدمات الصحفية للوزارات والإدارات والهيئات والمنظمات سياسة إعلامية مشتركة وأن يتم تنسيقها من مركز رئاسي واحد بجمع وتحليل المعلومات التشغيلية وتركيب وتحديد الأشياء والمعلومات وتفعيل توجيه وتنشيط أساليب ووسائل الضرر النفسي بصبها في أتجاه العدو المحتمل.

من الضروري اليوم تحسين أشكال وأساليب نشاط البحث التشغيلي في مجالات الحروب المعلوماتية ويجب أن يحصل موظفو العمليات الشباب الذين يعملون على خط المواجهة الإعلامية على تعليم صحفي متفرغ وأن يتم توزيعهم للعمل في مراكز الإعلام والصحافة في الوزارات والإدارات والأحزاب السياسية والحركات العامة وهذا سوف يسمح للدول لحل ثلاث مهام استراتيجية للتمويل والوعي التشغيلي الكلي وتحقيق أقصى قدر من التقارب، كما يجب تحديد موقع القيادة وبأن يكون الناس في الميدان وايضاح ادوارهم لهم ولابد أيضا من أن يكون نمو المهارات التشغيلية على نحو العمل المباشر في البيئة المعلوماتية وإذا حصل  هناك تحسن تحليلي وأدبي للموظف فأنه سيلغي الحاجة الملحة لتوظيف وتشكيل عدد كبير من الأجهزة السرية وسيسمح بتنفيذ عمليات إعلامية ونفسية خاصة في مجالات تحييد المعارضة المدمرة داخل الدول ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتنفيذ قضايا المحاسبة التشغيلية عبر وزارات الداخلية والثقافة والمخابرات وهيئات الاستخبارات والمعلومات لتحقيق الدعم النفسي للمشاريع والبرامج الحكومية وإجراء التنسيق الضمني بين الدوائر الصحفية للوزارات والإدارات وجميع المؤسسات الوطنية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

 

مجدي ابراهيمما أعجب حلقات التاريخ ..! ففي حلقاته لقطات متشابهة، بادي الرأي عندي أن الأحداث فيها تتلاقى وتتقارب إلى درجة العبرة المستفادة والدرس البليغ؛ فمن كان محصلاً للعبرة واعياً لبلاغة الدرس المفيد، صار حكيماً يُرجع إليه المرجع الأصيل في خبرة الرأي بتقلبات الزمن وجسامة الأحداث في نبض الوعي بحركة التاريخ. وبهذه المثابة توكَّدت معنا مقولة القائلين بأن التاريخ أحياناً يعيد لا محالة نفسه .. ربما .. فقد تكون هناك روح سائدة لعصر مضى في قرن أو قرنين، كائنة ما كانت هذه الروح، ومع ذلك تتشابه مع العصر الذي نعيش فيه، كما أن تلك الروح نفسها تتشابه مع أحقاب قديمة جداً ممّا قد سبق وروده قطعاً على مسرح الزمن المديد ..!

لقد وصف الكاتب الأمريكي "ول ديورانت" العصر الذي عاش فيه الفيلسوف الألماني " آثر شوبنهور" (1788-1860) في النصف الأول من القرن التاسع عشر في أوروبا بأنه عصر ارتفعت فيه أصوات التشاؤم وعلت صرخات الشعراء المتشائمين في كل مكان : بيرون في إنجلترا، ودي موسيه في فرنسا، وهيني في ألمانيا، وليوباردي في إيطاليا، وبوشكين ولير مونتوف في روسيا. وظهرت طائفة من المُلحنين الموسيقيين المتشائمين من أمثال شوبرت وشومان، وشوين، وحتى "بتهوفن" نفسه كان موسيقياً متشائماً يحاول أن يقنع نفسه بأنه متفائل، ولكن آثر شوبنهور، الفيلسوف الألماني، طغى على هؤلاء جميعاً في روح التشاؤم التي طبَعَت حياته وفلسفته بطابع الغصة والمرارة.

ويتشابه هذا العصـر الذي عاش فيه "شوبنهور" مع فترة شبيهة تماماً بالفترة التي أعقبت حكم الإسكندر في اليونان، وقيصر في روما .. وماذا بعدُ؟ أفلا يتشابه ذلك العصر البعيد مع هذا العصر الذي نعيش فيه، وتتقارب نزعته التشاؤمية مع النزعة السائدة في عصرنا هذا القريب؟

لا ريب عندي في ذلك، فمن المؤكد أن اليأس قد بلغ الذروة وأفاق الحصـر وأطال الرقاب حتى لوى أو كاد بسطوته الأعناق، فلم يكتف بليِّ العنق بل صفع الرقاب صفعات عنيفة حادة توشك أن تفصل الأعناق عن الأجساد!

لِمَ لمْ نتساءل : ما الدواء لداء الذل، وما هو ترياق المهانة والانكسار؟ وماذا عَسَاه يكون الطريق لشفاء الشعوب من وجع العار والشنار؟

كنتُ قد دخلت صباح اليوم محلاً للبقالة، فوجدتُ صاحبه شارداً سرحاناً منكسراً حزيناً، لكن تبدو عليه سيماء التأمل والحكمة وبوادر السكينة والوقار، كان ترك مكانه في المحل وسحب كرسيه وجلس في "شمس الصباح"، لكأنه يلتمس منها دفء الحرية وضياء الموافقة، فتبادر إلى ذهني على الفور غلاء الأسعار وتطفيش الزبائن ومرارة العيش في ظل هذا البلاء، غير أن ظني الذي قدَّرته طواه الرجل بقوله حين سألته : مالك هكذا تخيم عليك الأحزان، بالطبع هو الغلاء اللعين سبَّب كساد الحال؟ فأجاب : لو كان الأمر- يا أخي - أمر غلاء وكفى، لهان الخطب وخفَّ البلاء، غلاء الأسعار حاجة البدن، لن يموت إذا هو استبدل سلعة مكان سلعة، واستعاض بالتي هى غالية بأخرى ليس فيها غلاء، ولن يموت إذا هو رخَّصَ الغلاء بالاستغناء ..!

وليس في هذا ما يحزن القلب ويكسر الخاطر، ولكن الحزن الحقيقي هو في انكسار الروح وهزيمة الضمير. قُلْ لي بربك : ماذا يفيد الإنسان لو أنه كسب غباوات الدنيا من شر وجهل ومرض وفقر وتخلف وطغيان، ثم في الوقت نفسه خسر المنزع الخيِّر الذي يزكي ظلال الآدمية فيه؟

فالهزيمة الحقيقية - يا صاح - هى هزيمة روح لم تجد ملجأ تأوي إليه، والفقر الحقيقي هو فقر ضمائر أصابها التلف والخراب، والفقدان الذي تراه أمامك فاتكاً بفعل الإرادات، إنما هو فقدان نفوس تلاشى منها مبدأ العصمة بقيم الحق في رحاب الإيمان. هذا هو "الغلُّ" الذي لا فكاك لنا منه، فقد كبلتنا الهزائم الجوَّانيَّة وقيدتنا الانكسارات الروحيّة بقيود من حديد، فصارت أرواحنا في وحشة من جسومنا، وحاصل دنيانا أذى ووبالاً، كما كان الفخر الرازي عليه رحمة الله يقول.

وتسألني عن الأحزان، وأسألك : وماذا يا أخي في الدنيا يفرح له الإنسان؟ شباب يقتل، وأطفال تذبح، وشيوخ تركع من الخوف رهباً، ومؤسساتنا تحترق بأيد آثمة لا تعرف الرحمة، والإرهاب الملعون يدمر الأخضر واليابس، ولسوف تجيء الأحداث الشداد في مستقبل الأيام قادمة متفاقمة، ونحن لا نملك سوى مط الشفاه من مذلة العار .. أفلا يدعونا هذا كله إلى الحزن الدائم والهمِّ المقيم؟

قلتُ : مهلاً؛ فالنهاية قد أوشكت، وعمَّا قريب نجم هذه الأحزان يَغْرِبُ! وليس من شك في أنني حين قلت لهذا الرجل المحنَّك الخبير ما قلته، كنت كمن يهون الأمر الجلل والخطب العظيم، وهو يعلم، مع ذلك، فداحة الأمر برمته ووطئته على مشاعر النبلاء وقلوب المرهفين.

فمَنْ يَرْقُبُ الأحْدَاثَ يَشْعُر : أن كآبة جاثمة فوق صدور الناس تصيبهم بفقدان الثقة في أنفسهم، وفيمن حولهم من جراء الأزمات التي يعانونها صباح مساء؛ وإنها لأزمات لا تدع للمرء إحسان التفكير في العمل يقوم به أو السعي يتوخاه، مادام الواقع من حوله في غاية التردي والسقوط لا تلبث معه الأزمة الواحدة على مر الأيام إلا وهى في توالد وإفراخ، وفي تكاثر وتفاقم؛ لتسفر عن عدة أزمات ليس في مستطاع الفرد أن يتصدى لها، ولا أن يتدارك من طغيانها عليه شيئاً ذا بال.

وَمَنْ يَرْقُبُ الأحْدَاثَ يَشْعُر : إننا بإزاء كارثة في الوجدان العربي، تتمخض بالضرورة عن انقسامات وانكسارات وهزائم وتآمرات؛ وأن التاريخ بالفعل لينظر إلينا بعين الإشفاق والأسى والمرارة من قلة نزوعنا إلى "التضامن" بل من عدمه، ومن كثرة رغبتنا في التفرقة والشتات؛ فنحن نقف على حافة الهاوية وليس أمامنا : إمّا السقوط في المستنقع الآسن حيث لا مخرج ولا حيلة لنا ولا سبيل إلى الخروج. وإمّا أن نتدارك الأمر كله فنتصدى للقوة الغاشمة بقوة مثلها، وبسلاح من جنس السلاح الذي يستخدمه أعداء هذه الأمة لتدميرها والقضاء على البقية الباقية من رمقها الأخير.

ومَنْ يَرقُبُ الأحدَاثَ يَشْعُر : أن الضغوط الإمبريالية الجديدة على الشعوب العربية تحتاج إلى صبر طويل وَنَفَس أطول، ولكن مع شديد الأسف لا هذا النَفَس ولا ذاك الصبر هو مما يتوافر الآن في الشباب العربي لنزوعه الدائم إلى اتخاذ أبطال "الفيديو كليب" قدوة للخلاعة والعري، ولاعتياده الركون إلى ظواهر الدعة والإتكالية، ولافتقاره للقوة الفكرية والروحيّة، تلك القوة التي من شأنها - لو أنه حرص عليها - أن تهبه طريقة الحوار الهادئ المستنير، وأن تنقذه من عَسَف الأفكار المدمرة، وتبعده عن التعصب والتشدُّد والمغالاة والكراهية وكل مظاهر التطرف من النقيض إلى نقيضه؛ لأنها تغرس فيه قيم المحبة والأخوة الإنسانية وتنشر عليه أخلاق التسامح والتقارب والسلام.

وإلا فبماذا سيواجه الاستعمار الجديد الآن، وشبابنا لا يعرف إلا الميوعة والليونة وضيق الأفق وكل ما من شأنه أن يتعلق بالآمال الترابية، وهو - من بعدُ - لا يملك من مقومات الصمود إلا تاريخاً يجهله ولا يذكره كان عليه أجداده الأولون.

كان العلم سنداً، والاجتهاد دأباً، والجد في تناول شئون الحياة ديدناً مستمراً بغير انقطاع، فصار العلم قشرة سطحية من الخارج، والاجتهاد عاراً على المجتهدين " ونفخاً في قرب مخرومة"، والجد في الحياة مدعاة للتندُّر والاستخفاف.

ومَنْ يرقبُ الأحداثَ يَشْعُر : إننا محاصرون من هنا ومن هناك، من داخل النفس ومن خارجها، ومحكوم علينا بأغلال لا تنكسر وقيود ليست هى مما تنطلق لتحرر البواطن قبل المعاصم، أقربها من الداخل هو ما يواجه نفوسنا التي بين جنبينا من ضعف وخنوع وتردي، واستسلام ليس فيه تحدي لما تفرضه علينا من أهواء هى بلا شك سبب المصائب كلها في التصارع والتخاصم والأنانية وحب الذات وإثارة المكائد، واللَّدَد في الخصومة بين الزملاء في العمل الواحد، والغيرة والحقد والكراهية لكل نجْح وتفوق ومجهود طيب ونبيل .. ثم إنها - من بعدُ - لتعدُّ سبباً مباشر للتفرقة التي لا تعرف طريقاً نحو الوحدة، وللعداوة التي لا تنهض إلى التآخي الروحي، ولا تقترب مطلقاً من رياض السلام النفسي. وأما أقربها من الخارج؛ فتداعي الأمم علينا، واستخفافها لطاقتنا وطمعها في أقواتنا، وابتلاؤنا بأنظمتها المفروضة علينا، وتدخلها - لضعف أنظمتنا العربية - في شئوننا الداخلية؛ فإذا الأجنبي أصبح صاحب البلاد، وإذا بصاحب البلاد يصبح خادماً أجيراً للأجنبي يتلقي منه الأوامر لينفذها صاغراً ذليلاً راغماً أنفه في التراب، ناهيك عن العملاء والخونة الذين يعطون الفرصة للأجنبي لمزيد من الاستعباد، كما هو الحال في أكثر بلداننا العربية ثم ماذا؟

ترى الشعوب العربية بأنظمتها الحاكمة - يا حسرتاه - تحصد ثمار غرسها الدامي من التمزق والانقسام وسعيها المهين من التدهور والانحلال من جَرَّاء الاستبداد والاستعباد وفقدان قيم الحرية والديمقراطية .. إنها الحرية المفقودة مما لاشك عندي فيه، فسببُ تشاؤمنا يردُ في المقام الأول إلى "فقدان الحرية"، لا نستشعر لها وجوداً بداخلنا. كان "جوته" الشاعر الألماني يقول :"إنّ الحرية شيء نحمله في داخل نفوسنا". وعليه؛ فنحن لسنا أحرار لأننا مقيدون منكسرون مهزومون من الباطن، وإنْ تبدَّي لنا أننا أحرار نتحرك ونعيش ونحيا في عالم حُرّ لا قيود فيه ولا أغلال.

وإذا كان التشاؤم يسود العصر الذي نعيشه، فإن المسألة من بعد مسألة مزاج مفقود فيه "الحرية الروحيّة" التي هى مطلب إنساني يسعي إليه المرء ليناله بعيداً عن القيود المذلة والأوهام السادرة. والحرية الروحية تحرير للإنسان من سطوات الأغيار؛ لأنه لن ينال مأربه النبيل وهو مقيد من الأعماق .. من الباطن .. من الدخيلة الجُوَّانيَّة لا القشرة البَرَّانيَّة .. أما إذا تحرَّر من الداخل، فقلَّ أن يَغِلَّه قيد في هذا الوجود. ولو كانت هنالك حرية روحيّة لكان هاهنا تفاؤل يصلح للعمل في الحياة ويقود إلى النجاح فيها، ويبطل من ثمَّ التشاؤم الذي يقود إلى اليأس والقنوط.

ومن التشاؤم رسولٌ إلى الآسي الحزين؛ مرَدَّه إلى الإحساس الداخلي بفداحة الأحوال العامة برمتها ووطئتها على مشاعر النبلاء وقلوب المرهفين.

ولكن الحزن الحقيقي هو في انكسار الروح وهزيمة الضمير بحثاً عن الحرية المفقودة ففي فقدان الحرية الروحيّة كسر لخواطر التفويض.

خواطر التفويض! وما هى خواطر التفويض؟ التسليم لله في الحلِّ والترحال، وفي الحركة والسكون، وفي القيام والقعود، وضرب التشاؤم بمعول صارم مصنوع من تقدير المشيئة الإلهية حق قدرها. خواطر التفويض هى الحياة التي تملكها الإرادة وتزكيها الهمة فتتحرر العقيدة الإيمانية بمقتضاها من أوهام الخرافة والبلادة والتضليل. ومن هنا كانت الحرية الروحية تحرير الإنسان من ضروب الفوضى التي يرزح تحت وطئتها صباح مساء : فوضى في العقيدة، وفوضى في الأخلاق، وفوضى في الغفلة السائدة في تصوراته ومبادئه، وقيمه وثوابته، وأحواله وآماله، وحركاته وسكناته، وعلاقاته وروابطه وطموحاته، وتعاملاته وسلوكياته ومناشطه، واجتماعه مع الناس واتصاله بالآخرين.

وإذا عمَّتْ الفوضى الحياة فقد فَسَدَ فيها النظام ..!!

والنظام منطق هذا الوجود : سننه ونواميسه الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل؛ فإذا فَسَدَ، فَسَدَ معه كل ما في الوجود من منطق "القيمة" فيه، ومن منطق "القانون".

قلنا في موضوع كتبناه عن "ثقافة المقاومة .. التزييف المقصود للوعي في الثقافة العربية"؛ ما نصه :" يعلم الأمريكيون كما يعلم سائر الشعوب الأوروبية أن حرية الأمم لن تنال بغير أن تزهق في سبيلها الأرواح؛ ففي سبيل الحرية يهون الموت، وفي سبيل الحرية يظل الجهاد فضيلة ولو فتح الجهاد أبواب المنون على مصراعيها ليدخل منها البشر أفواجاً وراء أفواج. ومن عجيب المفارقات إننا نقرأ في تاريخ الكفاح الأمريكي من أجل الحرية مقولات تعبر عن انتصار الإرادة الحرة أمام طغيان الاستعمار والاستبداد، وبذل الجهود المضنية في سبيل ترسيخ قيم الحرية، وحتى ولو كان الموت هو المقابل لمثل هذه القيم التي يناط ترسيخها بالأفراد فضلاً عن الجماعات، ثم في الوقت نفسه نرى على الجانب الآخر أن المطالبة بالحريات، وتقرير الشعوب لحق مصيرها، ودفاعها عن حرمة أراضيها، يعدُّ في نظر الأمريكان اليوم إرهاباً أو ما يشبه الإرهاب يندرج تحت الشر الذي ينبغي أن يُطارد من الجميع، بغير تفرقة بين حق وباطل، أو بين فضيلة ورزيلة، أو بين قيمة ونقيصة في الضمائر الأمريكية الحاكمة أو المحكومة على السواء؛ فمسؤولية المحكوم في الغالب قد تكون أعظم في مثل هذه الظروف من مسئولية الحاكم؛ لأن التاريخ لا يرحم من المحكوم غفلته وسكوته ونكوصه، ولا يعذر بلادته، وتهاونه في حقه، وخنوعه، واستسلامه، ورضاه بسوء الحال وتعس المصير".

كان الوطني الأمريكي "باتريك هنري" ( Patrick Henry)  قد وصل إلى مركز هام خلال حرب الاستقلال الأمريكية، وهو يُذكَر على الدوام بسبب عبارته القائلة : " أعطني الحرية أو الموت "، وقد صارت هذه العبارة شعاراً أصبح في أفواه المناهضين للشيوعية يومذاك، يعني أن عالماً دون بشر أفضل من عالم شيوعي، ومع ذلك فإن لهذا الشعار كما عناه "باتريك هنري" مغزى مختلفاً، ذلك أنه كان يدعو لقضية عادلة. وبسبب العداوة البريطانية لا يمكن لهذه القضية أن تنتصر دون فقدان أرواح أمريكية. ذلك ما يذكره لنا الفيلسوف البريطاني"برتراند رسل" في كتابه :" هل للإنسان مستقبل؟!"؛ والذي كتب كلمة تصديره المؤرخ البريطاني "أرنولد توينبي". ومن هنا؛ فإن موته قد يدفع بالحرية إلى الأمام، لكأنه يموت، وبموته تحيا الحرية. ففي سبيل الحرية يهون الموت، وتحت شمسها يشرق ضوء الوجود بأنواره الساطعة.

على أننا إذا كنا نذكر للأمريكان شرف إدراكهم لأهمية هذا الشعار الذي رفعه "باتريك هنري" من أجل الحرية، إمّا أن تعطي كاملة غير منقوصة، فتقود إلى التحرر بشتى معانيه، وإما أن يكون الموت هو البديل لحياة لا حرية فيها.

أقول؛ فإذا نحن ذكرنا ولم ننس للأمريكان بإعجاب حفظهم لهذا الشعار وجريانه في دمائهم مجري العقيدة الراسخة، فيجب - من ثمَّ - أن يقوم فينا مثل هذا التساؤل تفسيراً للعنت الأمريكي والبطش الذي لا مبرِّر له سوى كراهية الشعوب وجنون الإمبراطورية الغشومة التي تنهض على دماء الأبرياء : لماذا أعطي الأمريكان لأنفسهم حق الحرية فمنحوه لشعوبهم خالصاً بغية الاستقلال والاستقرار، ومنعوه عن الشعوب الأخرى التي تدفع الأرواح ثمناً لتلك الحرية لا لشيء إلا لأجل خدمة قضية عادلة؟!

لماذا؟ وكيف جاز لأناس ذاقوا وبال الاستعباد أن يستعبدوا غيرهم، وأن يذلوهم ويمنعوهم كل حق من حقوقهم الإنسانية المشروعة، ولم يكتفوا بمثل هذا المنع، بل حاربوه وجعلوا الدفاع عنه إرهاباً ينبغي أن يُحارب، وتمارس من أجل محاربته على الشعوب العربية صنوف الطغيان؟!

إنها الأطماع، مصالح ومنافع .. ما أبشعها !

وما أظلمها وأدْكنها للإنسان تحت شمس الحرية !

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

قصي الصافيتناول الجزء الاول النقاط الرئيسية في كتاب (عصر رأسمالية الرقابة)، والذي يحذرنا من تغول الشركات التكنو رقمية مثل غوغل والفيس بوك وما تنتجه من برامج و لوغاريثمات فائقة الذكاء - مسترشدة بنظريات في علم النفس السلوكي والاقتصاد -، ودور تلك البرامج في اضعاف الاسس الديمقراطية والاطاحة بمؤسساتها، بل واستهداف جوهر الارادة الحرة للفرد عبر اعادة هندسة أفكاره ورغباته ومشاعره وميوله النفسية، وقد أشرت الى ان الكاتبة تميل الى التجريد والتحليل النظري في كتابها، مما دعاني الى إضافة بعض الامثلة لدعم رؤية الكاتبة ووضع القارئ أمام واقع حقيقي وملموس ينذر بما تراه الكاتبة تهديداً لمنجزات الانسان في مجال حقوق الانسان والديمقراطية .

أولاً : صنعت مئات البرامج الذكية  والتي لا تكلف اكثر من سعر هيلوكوبتر، تقوم فيها كومبيوترات ذكية بالتواصل مع الموبايلات و تجعلها تسجل بالصوت والصورة ما يدور حولها (في تجمع أو اجتماع أو مؤتمر أو مظاهرة مثلاً)، بل تتواصل الموبايلات مع بعضها وتتشارك بالمعلومات دون علم أصحابها، وتستلم كومبيوترات مراكز الرقابة تلك المعلومات لتصنيفها وادراجها في ملفات المعنيين. بلاشك قد تكون مثل هذه البرامج أدوات فعالة في ملاحقة المجرمين والارهابيين، إلا ان ذلك يتطلب العمل بها بشفافية تامة وفق تشريعات بدون ثغرات قانونية وفي حالات الضرورة القصوى، فهل هذا ما يجري حقاً؟ . صفقات بيع تلك البرامج تتم بسرية تامة ولا يتوفر لدينا الا ما أفصحت عنه الصحافة الاستقصائية والتي كشفت أن معظم الدول النامية قد حازت عليها لرخص ثمنها (نذكر منها الاردن، السعودية، البحرين، الامارات، المكسيك، نيجريا، السودان) والقائمة تطول، وان معظم تلك الدول تستخدمها للتجسس على المعارضين والناشطين في الدفاع عن الحقوق المدنية. لك ان تضيف هنا بأن معرفة الشعوب بانها مراقبة باستمرار ستكون رادعاً للكثيرين من الاشتراك في اي نشاط احتجاجي، وقد يقترح البعض ان نترك موبايلاتنا في البيوت عند التجمع في نشاط ما، و لكن بعد قراءة الفقرة التالية و التي ستوضح برنامج تمييز الوجه (face recognition) بقدرته على التعامل مع ملامح الوجه كدالة أو كود يقود الى ملف المعلومات الخاصة بالفرد، عندئد سيكون السؤال هل يمكن ان نترك وجوهنا في بيوتنا أيضاً؟ أو اين سنولي بوجوهنا ؟ وهل سيضطر المحتجون للبس الاقنعة مثلاً؟ .

ثانياً: يجري الآن العمل على تطوير برامج جمع المعلومات بواسطة ملايين الكاميرات المنصوبة في الاماكن العامة و على بدلات الشرطة، و النقل الآلي لتلك المعلومات الى مراكز رقابة مجهزة بمكائن الذكاء الاصطناعي القادرة على تصنيف وترتيب الملفات المعلوماتية اعتماداً على ملامح الوجه كدالة أو كود يدل على هوية الفرد، وبسرعة تفوق قدرة الانسان على انجازها يدوياً بملايين المرات (حضر مراسل ال BBC تجربة لمراقبة سكان مدينة صينية مؤلفة من 4.7 مليون نسمة تمكنت فيها الاجهزة من تسجيل وتصنيف نشاطات السكان خلال 7 دقائق فقط).

استيحاء من نظرية التحفيز صممت الصين برنامجاً مستقبلياً على هذه الشاكلة و على درجة عالية من التطور لفتح سجلات الكترونية لكل مواطن، تتابع فيه نشاطاته اليومية في كل مجالات الحياة،  تعطى لكل مواطن درجة سلوك (Score) تحدد مدى تجاوبه مع توجيهات وتعليمات النظام، كما تمنح وفق درجات السلوك مكافآت وجوائز مادية ومعنوية (توظيف، علاوات،سياحة، مقاعد دراسية... الخ)، وهذا ما يحفز على تسابق المواطنين على خدمة النظام للحصول على درجة سلوك أعلى، وربما يصبح الامتثال والخضوع اسلوب حياة طبيعي، ورديفاً للمواطنة الصالحة في نظر الأجيال القادمة. نجاح البرنامج قد يصبح نموذجاً لتعزيز الانظمة السلطوية وخاصة الغنية القادرة على تمويله كالسعودية مثلاً .

من الجدير بالذكر ان أجهزة الامن حتى في الانظمة الديقراطية وبحكم طبيعتها البوليسية تهيمن على ثقافتها النزعة السلطوية والفكر المحافظ، ولا يستبعد انتهاكها لحقوق الانسان اذا لم تردعها القوانين، فعلى سبيل المثال وجهت ولاية ألاباما عام 2000  أمراً الى منظمة حماية حقوق الملونين بتسليم قائمة بمعلومات كاملة عن اعضاءها والمتعاطفين معها، ولم يحسم الامر لصالح المنظمة إلا بعد سلسلة من المحاكم ورفع القضية الى المحكمة العليا، وقد كشف عن زرع جواسيس بين المتظاهرين السلميين في ساندروك احتجاجاً على مد أنابيب النفط وتلويث مياه المنطقة، كما نشرت لوس انجلس تايمز مؤخراً أن بوليس المدينة قد زرع مندسين في منظمة سلمية مهمتها التثقيف ضد الفكر الفاشي تدعى ( Refuse Fascism)، في كل هذه الحالات يمكن للبرنامج المذكور تزويد السلطات بوافر المعلومات دون الحاجة الى أوامر ادارية أو زرع جواسيس و دون علم احد .

ثالثاً : أثارت فضيحة كامبرج أناليتيكا مخاوف الحريصين على شفافية الانتخابات في النظم  الديمقراطية بالعالم، فقد كشفت بريتني كايزر وكريس وايلي في شهادتيهما في المحاكم البريطانية ان مخزون المعلومات الخاصة لعشرات الملاين من المواطنين التي اشترتها الشركة من الفيس بوك قد تم استغلالها لتضليل الناخبين ليس في اميركا و بريطانيا فقط بل في عدد من الدول الاوربية والدول النامية لضمان فوز المرشح أو القضايا المطروحة للاستفتاء . كيف نجحت في ذلك ؟، استأجرت عالم النفس هوغان الذي صمم تطبيق (تعرف على شخصيتك) على الفيس بوك و عبر لوغاربثمات بالغة الذكاء تم تحديد الناخبين القابلين للاقناع (The presuadable)،  اعتماداً على طبيعة شخصياتهم القلقة والمتحمسة ومستوى ثقافتهم، ثم أمطرتهم بالاخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة واثارة المخاوف من اللاجئين و الارهابيين والهويات والاديان الاخرى لدفعهم الى التصويت لمرشحي اليمين، و قد كشفت التحقيقات عن عقود بين الشركة ودعاة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الاوربى (بركست)، وعقد آخر مع حملة ترامب، علماً ان نائب رئيس الشركة هو ستيف بانون مدير حملة ترامب ومستشاره فيما بعد، وان ممول الشركة ميرسر كان أيضاً الممول الأكبر لحملة ترامب 2016 . أغلقت الشركة من قبل السلطات البريطانية، ولكن السؤال يبقى ملحاً، كيف يمكن حماية الديمقراطية دون تشريع قوانين صارمة لتضع ضوابط و محددات على الشركات الرقمية بحيث تضمن عدم ظهور كامبرج اناليتيكا جديدة.

آمل ان تكون تلك الامثلة كافية للكشف عن مخاطر تغول الشركات الرقمية وامتلاكها هيمنة شبه مطلقة في انتهاك فردانيتنا واجتياح الفضاء الخاص في حياتنا، وآثار ذلك على مآلات الديقراطية و منجزات الحضارة الانسانية.

 

قصي الصافي

 

 

برزان ـ الشنكاليلله سمع ولكن ليس كسمع خلقه، الله لا يحتاج إلى وسائل، الله سميع بذاته كما هو بصير بذاته، الله متصف بالسمع كوصف ذات، قوله تعالى (ليس كمثله شيء) (شورى،11) . وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك . وقال بعض العلماء هو سميع بلا تكييف وبلا تشبيه وبلا تحديد.

أما بالنسبة للانسان وبعض المخلوقات نرى مدى السماع للأصوات محدودة .

الصوت الذي يسمعه الإنسان هو ما بين(2٠٠٠0-20 ) هيرتز أقل من عشرين لا يسمع الإنسان، وفوق عشرين ألف يؤدي إلى تلف الأذن بمعنى يؤدي إلى أجله فيموت على الفور، كما ذكر الله تعالى عن هلك بعض الأقوام بصوت، والصوت هنا أحد عجائب الله تعالى ، والصوت الذي يستطيع ان يسمعه الإنسان والذي يبدا بسماعه هو ٢٠ذبذبه في الثانية وحتى ٢٠٠٠٠ عشرين الف ذبذبه في الثانية. هذا يعني ان هناك بعض المخلوقات يتكلمون من حولنا ولكن لا نستطيع أن تسمعهم لأن مستوى صوتهم فوق قدراتنا فنحن مبرمج على هذه الذبذبات فقط .أنت أيها الانسان لا تسمع لأنه لا يخصك فلهذا منع عنا سماع صوتهم وإن طاقاتنا محدودة ومعلومة لسماع الصوات هو ما بين( ٢٠-٢٠٠٠٠) هيرتز في الثانية أعلى منا يؤدي تلف الاذن وأقل منها لا نسمع .. أننا مبرمجون على هذه القدرة والطاقة فهذا من رحمته تعالى على خلقه، ربما لو كنا نملك القدرة والطاقة اكثر مما كنا عليه لكانت التكاليف أكثر وأصعب والله وحده اعلم واي صوت أقل من ٢٠ لا نسمع واي صوت من ٢٠ وما فوق نسمع إلى أن يصل ٢٠٠٠٠ الف هيرتز بمعنى أنه في حدودك ويخصك على تسمع وله تأثير مباشر على نفسك . وعلى سبيل المثال هناك أصوات تسمعها ضمن الحدود ما ذكرناه ولكن شخص ما ينادي فلان انت تسمع ولكن لست المطلوب تتجاهل هذا الصوت لأنه لا يخصك  ولا يعنيك أذن الله تعالى أعلم منا بخلقه فجعل مدى سمعك  وطاقتك وقدرتك محدود وهذا من عظمته وحكمته .وأنه لم يخلق الإنسان هكذا عبثاً بدون علم مسبق قال تعالى(أفحسبتم انما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون)( المؤمنون،١١٥) قال تعالى (إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر)(القمر،٤٩).

 

الصوت يؤدي ما لا يؤديه الحروب والقنابل النووية الكيميائية لقتل الإنسان العاصي الله تعالى تكلم عن هلك بعض الأقوام بصوت عاد وثمود ومدين ولوط بصيحة أي الصوت وكان عذابهم بصيحة وهذا آية من آيات الله، لكي يعلم الإنسان العاصي انه ممكن تأتي أجلهم خروجهم من الدنيا إلى دار الحق دون قتال وإرسال الجيوش والأسلحة ومعدات وعتاد متطورة إنما بصيحة واحدة وبصيحة احد مخلوقاته بصيحة جبريل عليه السلام . قوله تعالى ( وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) ( هود،٦٧ ) .

قال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين) (الحجر،٧٣) .

قال تعالى (فأخذتهم الصيحة مصبحين) (الحجر،٨٣) .

إن  أمر الله إذا جاء  لا يرده كثرة الجيوش والأسلحة المتطورة وغيرها إنما أمره فوق كل من يأمر وينهي .فكان صوت جبريل عليه السلام موجه ومخصص لهلكهم وموتهم جميعا إلا ما شاء الله،  ولم تكن موجه للمباني وهدمها وكان موجه إلى هؤلاء العاصين وهلكهم  وبدليل لازالت المباني قائمة وموجودة إلى يومنا هذا آية من آيات الله .

قوله تعالى ( فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاًء فبعداً للقوم الظالمين )( المؤمنون،٤١) ان الله تعالى اماتهم جميعاً بصيحة واحدة ولم ترا منهم باقيه إلا ما شاء الله .

قوله تعالى (إن كانت إلا صيحة واحدةً فإذا هم خامدون) ( يس،٢٨) ،قوله تعالى (إن كانت إلا صيحة واحدةً فإذا هم جميع لدينا محضرون) ( يس،٥٣) ،قوله تعالى (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواقٍ) (ص،١٥) ، قوله تعالى ( إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدةً فكانوا كهشيم المحتظر)( القمر،٣١) .

الآيات كلها تتحدث عن صيحة قاتلة وعنيفة وشديدة وهو صيحة  أحد مخلوقاته وجبريل عليه السلام  .لأن الخالق أعطى للمخلوق قوة خارقة له وجعل صوته قاتل ويقضي به على العاصين وبدون معارك وحروب أيها الإنسان أعلم أن الله تعالى عالم وقادر بذاته وبكل شيء ووصفه بالقوة الله تعالى جبريل في القران الكريم ( ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين (التكوير،٢٠) في تنفيذ ما يؤمره وجعل صوته يفك ويهدم الجسم الإنساني .ولبس يفك ويهدم المباني  وكل من يسمع الصيحة  يموت الا ما شاء الله .

 

قوله تعالى (نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) (الزمر،٦٨) جاء وبهذه الصيحة أجل لكل الخلق والكائنات والمخلوقات وجميعهم إلا من شاء ربك .بصرخة أو نفخة وبصوت إسرافيل عليه السلام والصرخة شاملة وكاملة ويشمل الجميع من يسمكن في السماء قبل من يسكن في الأرض .وكانت صيحة جبريل عليه السلام  ليست شاملة عندما هلك الأمر من الله قوم لوط مثلاً كان هناك قوم نبي الله ابراهيم عليه السلام لم يسمعوا ولم يحسوا بهذه الصيحة أي الصوت .الكل يموت بنفخة الأولى سبحان الذي أعطى له هذه القوة الهائلة والعظيمة وصوته العنيف والتسديد كل من يسمعه يموت إلا من شاء الله وهو اعلم منا  بخلقه ولم يبق على ظهر الأرض والكون كله مخلوق أو كائن حي إلا ما شاء الله .

في النفخة الثانية نفخة الأحياء والخروج من القبور.

وفي هذه النفخة الثانية الكل يرجع ويخرج من قبورهم إلى يوم الحساب من اولهم وإلى أخرهم ومن صغيرهم وكبيرهم يخرجون من قبورهم أينما كانوا ومن أي ارض دفنوا .قوله تعالى )ثم نفخ فيه اخرى فإذا هم قيام ينظرون) (الزمر،٦٨) وفي هذه النفخة الثانية يؤذن بأحياء جميع الخلائق واحيائهم الله تعالى جميعاً بهذه الصيحة أي الصوت وهم قيام من قبورهم ينظرون ماذا يفعل ربهم بهم بهذا اليوم العصيب يوم القيامة .

قوله تعالى (يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج  إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير) (القمر،٤٢-٤٣) يوم يسمعون الصيحة البعث بالحق وهي الصيحة التي لاشك فيها وهو يوم الخروج من القبور إلى يوم الحساب .

 

برزان الشنكالي

 

كلمة "الثقافة" تأتي من كلمة cultura اللاتينية، والتي تمثل مشتقاً من "colere اللاتينية" والكلمة اللاتينية colere مستمدة من الجذر الهندي ـ جرمانيindogermanischen  ، ويمكن أن تكون ذي صلة أو مستمدة من الفعل زراعة، رعاية الخ. وتمثل الإنجازات الثقافية جميعها، مثل التكنولوجيا، الفنون التشكيلية، أيضاً الثقافة العقلية أو كما عند "شيشرو" Cicero "الثقافات الفرعية" مثل الموسيقى واللغات والأخلاق والدين والقانون والاقتصاد والعلوم، تحولات في مادة معينة.. وفي اللغة الألمانية، ظهرت كلمة الثقافة لأول مرة في القرن السابع عشر منذ بداية إدارة التربة "ثقافة الزراعة"، كاسم لرعاية السلع الفكرية وفي مجال الزراعة من حيث استصلاح الأراضي. وفي القرن التاسع عشر، استخدمت جمعية نورمبرغ الصناعية والثقافية، التي تأسست عام 1827، كلمة الثقافة بمعنى "ثقافة التربة" المرجع الشائع كمصطلح من حيث الارض المزروعة، ولا زال استخدام، كلا، كلمتي "الثقافة" شائعًا حتى اليوم في البلدان الناطقة بالألمانية.  

وتؤكد الابحاث بان جميع الأشياء التي ينتجها الإنسان تنتمي إلى الثقافة المادية. وتحسب المعرفة والتقاليد على انها ثقافة غير مادية. لكنهما اي الثقافة المادية وغير المادية يرتباطان ببعضهما ارتباطاً وثيقًا، لأن المعرفة غير المادية بمعنى الأشياء المادية أمر لا غنى عنه لفهم الثقافة. إلا أن لفترة طويلة تم فقط استخدام كلمة الحضارة باللغة الإنجليزية، ووجدت كلمة "ثقافة" طريقها إلى اللغة الإنجليزية في وقت متأخر، ولكن على النقيض من اللغة الألمانية، فإنها تُستخدم بشكل مترادف مع الحضارة.

على عكس اللغات الأخرى، تميز اللغة الألمانية ايضا وبشكل كبير بين المصطلحين "الثقافة والحضارة". ووفقًا لـ "إيمانويل كانت" Immanuel Kant، فإن "مفهوم الثقافة"، بخلاف مفهوم الحضارة، الذي له جانب أخلاقي مرتبط بالبيئة المجتمعية الحاضنة للثقافة ذاتها. مفكرون آخرون، اتبعوا هذا النهج ورأوا الثقافة كنوع من التقدم للحضارة، وقبل كل شيء، أنها التطور العقلي والشخصي للإنسان، في حين ان الحضارة تتميز بقدر الإنجازات الفنية والتعايش المنظم للبشر فقط.

في اللغة الوصفية، لا تصف الثقافة ما هو، ولكن تملي ما يجب أن يكون، على اعتبار ان الثقافة في اللغة هي مصدر الفعل "ثقف". إلا أن مفهوم الثقافة وعلى مر التاريخ، قد تعرض لتعريفات مختلفة. واصبح مفهوم "الثقافة" في اي عصر يعبر عن الفهم الذاتي، بعيداً عن الجانب الوجداني الذي يمثله الابداع الحقيقي. بالمقابل تراوح استخدامه ما بين الوصف "الوصفي" البحت، وبين استخدام الوصف "المعياري"، وتم الجمع بين الإدعاءات التي يقوم استيفائها لمفهوم الثقافة بشكل خاطئ. 

في العصر الحديث، تعامل العديد من الفلاسفة والمفكرين المعروفين مع مفهوم الثقافة وتعريفها بين العامة بإهتمام. على سبيل المثال، عرف عالم الأنثروبولوجيا "إدوارد تايلر" Edward Tylor الثقافة في عام 1871 بـ "الثقافة البدائية" مع تضمينه النظرية الداروينية للتطور، واعتبر "الثقافة أو الحضارة" بالمعنى الإثنوغرافي الأوسع هي مثال المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون وجميع القدرات والعادات الأخرى التي اكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع. ووضع الشَّاعر "ماثيو آرنولد" Matthew Arnold الذي فتح طريقا اساسيا جديدا للنقد، مفهوماً آخر للثقافة يُشير إلى الارتقاء الابداعي ودماثة الخُلُق. 

وبالتالي، يمكن أيضا أن تسمى الثقافة الذاكرة الجماعية للإنسانية.

أما في الحداثة، فالثقافة بالنسبة لنظام المنظر الاجتماعي "نيكلاس لومان" Niklas Luhmann الخاص في علم التحكم الآلي بالمعنى الدقيق، فهو على مستويين: الملاحًظة ومراجعة الملاحٍظة ـ اي القيام بوضع الملاحظات ومن ثم استكمالها "der Beobachtung und der Beobachtung der Beobachtung" "الترجمة عن الالمانية". بمعنى أن أي قراءة للنصوص أو مشاهدة الصور هي "ملاحظة من الدرجة الثانية" او حينما يلاحظ المرء ملاحظات المؤلف أو الرسام أو المصور الذي قام بالتالي بتثبيت ملاحظاته الخاصة. اذن من الناحية النظرية، الثقافة معترف بها على هذا النحو فقط في المرحلة الثانية من الملاحظة. لذا فكلا المرحلتين لا غنى عنهما لظهور الثقافة وتصورها بمعنى المنطق العلمي.   

 وربما يكون تعريف الثقافة أمراً مناقضا للطبيعة. على اساس، ان الثقافة هي كل شيء تم إنشاؤه بواسطة الإنسان على النقيض من الطبيعة، التي لا علاقة للانسان بتكوينها. وتفترض مفاهيم أخرى: أن كل شيء هو ثقافة وليس هناك طبيعة ولكن مجرد وصف لها من خلال الأدوات الثقافية. والتعريف الاكثر دقة وتضييقًا لمفهوم الثقافة ارتباطها بالعصر والمجتمع الذي يتم فيه تحديد القدر والتمييز بين الإنسان والطبيعة، على أن العقل اساس المعرفة وبواسطته نشأ استخدام كلمة cultura بالمعنى الحرفي للكلمة، ثم تدرج الى مصطلح "الثقافة". وحده مفهوم الثقافة المعمول به الآن في المجتمعات الأخرى مقابل العقيدة الغربية، في الغالب، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على العصر والمجتمع المعين الذي صنع فيه وأفرز ظواهر ثقافية في كيانات انحدرت من عمق التاريخ. 

تفرض الثقافة العديد من الوظائف داخل المجتمع. وأثبتت الإنجازات الثقافية بشكل متكرر أنها اختراعات ضرورية أصبحت لا غنى عنها مع تطور المجتمع في اتجاه معين. هذا ينطبق بشكل خاص على الإنجازات الفنية. بيد ان التطورات الاجتماعية تتطلب بعض الإنجازات الثقافية، التي هي ضرورية لتكون قادرة على البقاء على قيد الحياة في المجتمع المذكور. وهكذا، وفقًا لعالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية "برونيسلاف مالينوفسكي" Bronislaw Malinowski، فإن الإنجازات الثقافية لا تنشأ فقط من الطبيعة ومن الاحتياجات الطبيعية ، ولكن أيضًا من الاحتياجات التي طورها النظام الثقافي الخاص نفسه.

علاوة على ذلك ، فإن الإنجازات الثقافية لا تخدم بقاء نظام معين فحسب، بل تخدم أيضًا هيكلة البيئة، بحيث تصبح قابلة للتخصيص ويمكن للبشر استخدامها. وبالتالي يمكن أن تسمى الثقافة نظام مرجعي يعمل على بناء هوية يتم نقلها شفهًا وخطًا داخل المجتمع، كما تقوم على إنشاء هوية جماعية تحرص على ترسيم مضمون الجماعية للعالم الخارجي. ومثلما يشكل الإبداع الثقافي مصدراً للازدهار وترسيخ الوعي الجمعي، فانه يهتم أيضاً في التعامل مع التجربة الإنسانية ومعالجتها.

وتبقى الاختلافات الاجتماعية والتاريخية طبقاً لمفهوم الثقافة موضوعًا انثروبولوجيا. تتجلى على نحو خاص في الفكر والادراك، من حيث مدى تأثرها بالمفاهيم والتقاليد والقيم الإنسانية المختلفة ثقافياً بمرور الوقت. وبشكل خاص المعايير المتأثرة ثقافيًا والمتعلقة بـ : الأدوار التقليدية للجنسين التي يتم إعادة بنائها وإعادة بنائها في سياق الدراسات الجنسانية، التي تميز اهمية العلاقة الجدلية بين التطور المجتمعي والثقافة والوعي.

 تعمل الثقافة أيضًا كعنصر ذي معنى في المجتمع، حيث يرتبط البشر ببيئتهم ويعتبرون أنفسهم جزءًا من كيان أكبر.. من هذا المعنى الواسع، فانني عرجت على تناول مفهوم او تعريف الثقافة من وجهة نظر فكرية ـ تاريخية لمجتمعات غير عربية، أوروبية بحته، تتعامل وتفسر "الثقافة" بطريقة غير التي نفهمها. فهي تحدد الثقافة بكل ما ينتجه الإنسان بطريقة إبداعية - على عكس الطبيعة، التي لم يخلقها ولا علاقة له بتكوينها.

عَرف عالم الأنثروبولوجيا الطبية في جنوب إفريقيا "سيسيل هيلمان" Cecil Helman الثقافة في عام 1984 عن كثب: نظام من القواعد والعادات التي توجه تعايش الناس وسلوكهم.

من هنا نستطيع ان ندرك كيف يمكن ان تشكل التنمية الطبيعية لـ "الثقافة" الانتقائية عاملا هاما في تطور البشر، وكيف يمكن للفرد ان يتصور أن بيئته تعتمد أيضًا إلى حد كبير على الثقافة التي ينتمي إليها هو أو هي إليه. ولا ينطبق هذا فقط على ما يعتبره الإنسان ثقافة، ولكن أيضًا على تدريب حواسه وقيمه وتفضيلاته وتيسير التواصل والتفاعل معها. كما تظهره بعض الدراسات من أن الأشخاص من ثقافات مختلفة لديهم حواس واضحة، ترتبط بمعنى ما هو الأكثر حاجة في كل ثقافة.

ووفقًا لـ "ألبرت شفايتزر" Albert Schweitzer، تسعى الثقافة في النهاية إلى "الكمال الروحي والأخلاقي للفرد" والصراع من أجل الوجود ذو شقين: على الإنسان أن يؤكد نفسه في الطبيعة وضد الطبيعة. وتضاؤل المخاطر من أجل الوجود يتحقق من خلال تفوق العقل بأوسع طريقة ممكنة وأكثرها سرعة، سواء في الطبيعة أو في الطبيعة البشرية. او بمعنى ان الثقافة في جوهرها ذات شقين: وجودها يتم في حكم العقل على الطبيعة وفي تحكم العقل على المشاعر الإنسانية. بدون هذه القواعد التوجيهية الأخلاقية العميقة، لا يمكن للإنسان باعتباره خالق الثقافة أن يتطور باتجاه يؤدي إلى الحضارة.

 

عصام الياسري

 

محمد الدعميلقد تجايل إحياء الروح الإقليمية وما تبعها من إنتشاء للقبيلية والأسرية مع تزايد الشعور المحبط المؤلم بعدم إمكانية اللحاق بركب التقدم التقني والتجديد الذي أنجزه الغرب. وقد أدى هذا الشعور الموجع بالفجوة الثقافية والحضارية التي يصعب تجسيرها من قبل العرب

ليس من الممكن لمؤرخ الأفكار، عندما يحاول تتبع تطور الثقافة العربية ورصد تاريخها الحديث عبر القرن العشرين، أن يفلت من ملاحظة عدد من العوامل التشكيلية التي أسهمت إلى حد بعيد في صيرورتها على النحو الذي نتلمسه اليوم ونحن في الأعوام الأولى من الألفية الثالثة. وإذا ما تعمد المرء إجراء مسح وسرد للعوامل المتنوعة التي وقعت الثقافة العربية تحت وطأتها عبر القرن الماضي، فإنه، لا ريب، سيتمكن من تشخيص عدد لا بأس به من هذه العوامل التي يمكن، لأغراض الرصد والتحليل، أن يحصرها تحت مظلتين أساسيتين: أولاهما عوامل طموح وتقدم؛ وثانيهما، عوامل إحباط ونكوص.

إن توصيف وتحديد النوع الإيجابي الأول لابد أن يؤول بالمتتبع إلى ملاحظة آثار حركة النهضة العربية (التي تمتد جذورها الأولى إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر)، حيث تجلت إرهاصات المشروع الثقافي النهضوي في بدايات القرن العشرين برغبة قومية عفوية عارمة بإتجاه ما يسمى بـ”اللحاق بركب” الأمم المتقدمة و “مواكبة العصر”.

أفرز الاحتكاك الثقافي بأوربا (الذي تجايل مع، ثم تلا حملة نابليون بونابرت على مصر ومع الإحتلالات والوصايات التالية لها) نوعاً من التمرد الثقافي العربي ضد الأنماط والصيغ الثقافية المتحجرة التي توارثتها مما يسمى بالعصر المظلم ابتداءً من أواخر النقاط المضيئة السابقة لحقبة التراجع والنكوص (يذهب البعض إلى تحديد هذه النقطة التاريخية المحبطة بسنة 1258م: سقوط بغداد على أيدي هولاكو خان) إذ لم تنجلِ هذه المرحلة المظلمة حتى بدايات تواهن الإمبراطورية العثمانية وبدايات تصاعد التطلعات والتنافسات الإمبراطورية الأوربية صوب الأقاليم العربية المهمة جغرافياً والواعدة اقتصادياً. إذا ما كانت الثقافة العربية طوال قرون الحقبة المظلمة أعلاه منهمكة باجترار وتكرار علوم القدماء التقليدية دون القدرة على التجديد والإبداع والاجتهاد، فإنها في القرن العشرين، وبعيد اطلاع أساطين النهضة على الثقافة الأوربية، راحت تهشم قوقعتها المتكلسة عبر القرون لكي تكسرها حتى تولد من جديد، فاتحة آفاقاً جديدة وسالكة سلوك محاكاة الثقافة الأوربية، أي تلك التي إنعكست، على سبيل المثال لا الحصر، في محاكاة الأنواع الثقافية والأجناس الأدبية الشائعة في أوربا، من موضوعات الفلسفة والسياسة حتى الأشكال الأدبية الحديثة كالرواية والمسرحية والشعر الحر والقصة القصيرة والمقالة وغيرها.

لذا لا ينبغي أن تفوتنا ملاحظة تبلور “الوعي بالثقافة القومية” لأول مرة في تاريخنا الحديث، تحت طائلة عوامل عديدة منها تطور الوعي القومي في المانيا وإيطاليا وإنتهاج العثمانيين سياسة التتريك الشوفينية على حساب العربية وثقافتها. والمقصود هنا، بدقة أكثر، هو ذلك الفصل ما بين الثقافة القومية والثقافة الدينية: فعبر القرن التاسع عشر، خاصة تحت ظل الدعوة الحميدية القوية لما يسمى بـ”الجامعة الإسلامية”، لم يكن هناك ثمة فصل واضح المعالم ما بين العواطف القومية والعواطف الروحية الدينية. كان لسياسة “التتريك” آنفة الذكر، التي اتبعتها جماعة “تركيا الفتاة” والتي أصر عليها “حزب الاتحاد والترقي”، أثراً معاكساً على الوجدان العربي نظراً لرغبة النخب التركية في إحياء النزعة الطورانية الشوفينية.

لهذا السبب شهدت بدايات القرن العشرين تزايد مشاعر الاعتزاز باللغة العربية وتعاظم العناية والاهتمام بموروثها الثقافي المسجل والمتداول شفاهياً، ليس فقط على أيدي الباحثين العرب، بل كذلك على أيدي كبار المستشرقين الذين لعبوا دوراً لا يستهان به في التنقيب عن كنوز التراث العربي وإماطة اللثام عن قيمتها بواسطة تحقيقها ونشرها.

إن عوامل الإحباط والنكوص عديدة ومتنوعة. وقد لعبت هذه العوامل أدواراً لاجمة في إعاقة عوامل التقدم والتجديد، وفي الحد من آثارها التنموية والإيجابية. ويمكن مراجعة بعض هذه العوامل السلبية من خلال ملاحظة مقاومة وتراجع الروح القومية المتفتحة والواسعة إزاء بروز ولاءات طارئة، إقليمية مجهرية أحياناً. لقد تجايل إحياء الروح الإقليمية وما تبعها من انتشاء للقبيلية والأسرية مع تزايد الشعور المحبط المؤلم بعدم إمكانية اللحاق بركب التقدم التقني والتجديد الذي أنجزه الغرب. وقد أدى هذا الشعور الموجع بالفجوة الثقافية والحضارية التي يصعب تجسيرها من قبل العرب، على نحو شمولي متسق ومتجانس، إلى طغيان تيار ثقافي “محاكاتي” رمى بنفسه في أحضان اليأس من “الأصالة” منتقياً طريقاً ذيلية وإقليمية تحاكي الثقافة الغربية بتعامٍ على سبيل تتبع خطاها دون أن يأبه هذا التيار بالمحلية وبقوة الجذب الداخلية. وهذا ما يفسر تعاظم ظاهرتي الماركسية والوجودية غير المرتكنتين إلى فهم وإدراك كافيين خلال عقدي الخمسينيات والستينيات (القرن العشرين) في الثقافة العربية.

كما أن هذه الحال تلقي شيئاً من الضوء على ظاهرة بروز نخبة خريجي الجامعات الغربية من حملة الشهادات العليا الذين تسلحوا بطرائق البحث العلمي الموضوعي وبأساليب وآليات التفكير الغربي الفوقي في معالجة قضايا محلية.

لقد عاد هؤلاء الأكاديميون إلى مجتمعهم العربي محملين بمشاعل علمية مفيدة، ولكنهم غالباً ما وقعوا في شرك يتمثل في إنهم شعروا بشيء من الفوقية في تعاملهم الدوني مع الواقع العربي المعقد. لهذا السبب سقط هؤلاء في دائرة مسحورة تجعل منهم “رسلاً” للمعرفة والاستنارة في مهاد واقعي محلي يكتنفه الغموض. بيد أن هذا الأمر لا ينفي الفوائد الجمة التي حصدتها ثقافتنا من هذه التيارات الوافدة، بوصفها أدوات استفزاز فكري وجدلي مساعد على التفاعل الذهني.

ولكن تبقى الملاحظة الأساس والمثيرة للهواجس متمثلة في “مسلسل الفقر التنموي”، كما يسميه أحد الكتّاب الأوربيين، الذي نال كثيراً من أنشطة الثقافة العربية خلال القرن العشرين: وهو “الفقر” المتجسد في تلك الفجوة الثقافية المتعاظمة بين الثقافتين الغربية والعربية التي حاول الكثير من أصحاب الأقلام تجسيرها، برغم تعاظم وتسارع اتساعها ما بين بدايات القرن العشرين ونهاياته.

لقد شهدنا اضطراد استثمار الثقافة الغربية لما أوتيت به من قدرات تقنية وتراكم معرفي على سبيل تفجير ثورة المعلومات والاتصال وتوظيف التقدم التقني في خدمة البحث العلمي والتطوير والتنمية الثقافية.

إن أقوى قوتين فاعلتين تمكنتا من التأثير على الثقافة العربية وتشكيلها على النحو الراهن خلال الحقبة الماضية هما: عبء الماضي، والاستجابة لتأثير الثقافة الغربية.

 

ا. د. محمد الدعمي - كاتب وباحث أكاديمي عراقي

 

محمود محمد علياستشعر الكثير من المناطقة والفلاسفة السريان والذين كانوا يعيشون في كنف الحضارة العربية آنذاك بحرج شديد إزاء الهزيمة المنكرة التي لقيها " متي" في مناظرته، لذلك جاء الفيلسوف المنطقي " يحي بن عدي" (ت: 974م)، ليلطف الأجواء الساخنة التي حدثت في المناظرة، فكتب رسالة قصيرة لخص فيها مسألة الفرق بين المنطق والنحو، وكان "يحيي" تلميذاً لمتي بن يونس وقد ترجم عدداً من كتابات أرسطو، وتعرض الرسالة التي عنوانها " تبيين الفصل بين صناعتي المنطق الفلسفي والنحو العربي " – هذه المسألة بهدوء بعيداً عن الأجواء الساخنة للجدل بين "أبو سعيد السيرافي" و"متي بن يونس".

وأول شئ يؤكد عليه "ابن عدي" هو:"أن موضوع صناعة النحو وغرضها هو الألفاظ ضمها إياها وفتحها وكسرها. وبالجملة تحريكها وتسكينها بحسب تحريك وتسكين العرب إياها، فإن ذلك هو الذي تقصده، وهو الذي تحدثه فيها، وهو الذي إذا انتهت إليه سكنت عن حركتها .والدليل علي ذلك أن الفرق بين الألفاظ المعربة والألفاظ غير المعربة هو أن تلك محركة أو مسكنة بحسب ما تحركها وتسكنها العرب، وهذه ليس تحريكها وتسكينها موافقاً لتحريك وتسكين العرب إياها " .

ولعلنا نستطيع القول إن عبارة "ابن عدي" تلك تعد أول محاولة لقصر النحو العربي على الجانب الشكلي من اللغة، وهو ما ساد بعد ذلك في تعريف النحو في كتب النحاة المتأخرين على أنه "علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناء" .

وينفي "ابن عدي" أن يكون "غرض صناعة النحو هو المعاني"، فيقول:" فلا يغلطنك قصد النحويين بالألفاظ الدالة علي المعاني، وايجابهم فتحاً أو ضماً أو كسراً أو غير ذلك من حركاتها أو سكونها من قبل المعاني التي تدل عليها، وذلك أنهم يضمون الألفاظ الدالة علي الفاعلين وينصبون الألفاظ الدالة علي المفعول بهم وهذا هو فهم مشبه موهم أن قصد صناعتهم الدلالة علي المعاني، فيحملك ذلك علي أن تعتقد أن غرض صناعة النحو هو المعاني " .

ويستطرد "ابن عدي" فيقول:" ولو كان نظرها في المعاني علي أنها أغراضها وأفعالها وغاياتها، لوجب أن تكون المعاني هي التي يحدثها النحوي إذا كمل فعله الذي من شأنه أن يفعل من جهة ما هو نحوي،  حتي تكون ذات زيد وذات عمرو، وذات الضرب إنما تحدث عن فعل النحوي واستحالة هذا من الظهور بحيث لا يشك فيها من صح عقله البتة . وإذا تبين أنه لا يجوز أن تكون المعاني موضوعات لصناعة علم النحو ولا غرضاً لها فمن البين أنها ليست من صناعة النحو، وإن كان النحوي قد يقصد بالقول الدلالة علي المعاني، فإن ذلك منه ليس من جهة ما هو نحوي، بل من جهة ما هو معبر عما في نفسه بالقول، وما هو معبر عما في نفسه، إنما هو العبارة عن المعاني" .

وينتهي "ابن عدي" إلى القول "إن هاتين الصناعتين مختلفتا الموضوعين والغرضين. وذلك أن موضوع صناعة المنطق هو الألفاظ الدالة لا الألفاظ على الإطلاق... وموضوع صناعة النحو هو الألفاظ على الإطلاق: الدالة منها وغير الدالة". وابن عدي يقصد بذلك أن المنطق يختص بـ "الألفاظ الدالة على الأمور الكلية التي هي إما أجناس وإما فصول وإما أنواع وإما خواص وإما أعراض كلية". أما النحو فيختص بجميع الألفاظ الدالة على هذه الأمور الكلية وجميع الألفاظ غير الدالة على هذه الأمور الكلية .

ومن الملاحظ  أن استنتاج " ابن عدي" يتطابق مع ما خلص إليه "متي" ولو أنه مصوغ بطريقة ذكاء ؛ حيث إن المعاني هي حكر علي عالم المنطق وعندما يشغل النحويون أنفسهم بمعني عبارة معينة، فهم لا يفعلون ذلك كونهم نحويين، بل لأنهم ناطقون أصليون باللغة ويرغبون في التعبير عن آرائهم، ويتعامل مع المنطق، ومن ناحية أخري مع موضوع العبارات الدالة، وليس مع العبارات لذاتها، كما يتعامل مع تلك العبارات التي تدل علي المسائل الكونية، وليس مع المسائل المحددة . ويهدف إلي ربط هذه العبارات بطريقة تتوافق فيها مع الحقيقة (أو الواقع) . وهدف النحو إذن توفير هذه العبارة الصحيحة مع نهايات الحروف (الأصوات الصائتة) الصحيحة علي وفق قواعد اللغة العربية، وكما يتضح لنا من هذا الاستنتاج، علي الرغم من صياغته المعتدلة فإن يحيي بن عدي يرسم الخطوط ذاتها بين الحقلين ذاتها كما فعل متي من قبل .

ونظراً لعجز مثل هذا الاتجاه الذي حاول الفصل بين المنطق والنحو، فإن الربط بين العلمين أصبح هو الاتجاه العام، ومن ثم فقد بدأت – منذ أواخر القرن الرابع الهجري المصالحة بين العلمين علي يد " أبو سليمان السجستاني" المنطقي  (ت 391 هـ) تلميذ "ابن عدي" والذي ينقل عنه " أبو حيان التوحيدي قوله: " إذا اجتمع المنطق العقلي والمنطق الحسي فهو الغاية والكمال "، بل يقول أقواله المشهورة " النحو منطق عربي، والمنطق نحو عقلي، وجُل نظر المنطق في المعاني، وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي كالحلل والمعارض، وجُل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يصوغ له الإخلال بالمعاني التي هي الحقائق والجواهر .

ولم يكتف "أبو سليمان" بذلك بل يؤكد  بأن ".. النحو يرتب اللفظ ترتيباً يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيباً يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة. والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو مأخوذة من العرف، ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق عقلي. والنحو مقصور، والمنطق مبسوط. والنحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس، وهو مستمر على الائتلاف. والحاجة إلى النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق، كما أن الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر من الحاجة إلى البلاغة، لأن ذلك أول، وهذا ثان ؛ " والنحو أول مباحث الإنسان، والمنطق آخر مطالبه. وكل إنسان منطقي بالطبع الأول، ولكن يذهب عن استنباط ما عنده بالإهمال، وليس كل إنسان نحوياً في الأصل. والخطأ في النحو يسمى لحناً، والخطأ في المنطق يسمى إحالة. والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل. وقد يزول اللفظ والمعنى بحاله لا يزول ولا يحول؛ فأما المعنى فإنه متى زال إلى معنى آخر تغير المعقول ورجع إلى غير ما عهد في الأول"  ؛ " والنحو يدخل المنطق، ولكن مرتباً له. والمنطق يدخل النحو، ولكن محققاً له. وقد يفهم بعض الأغراض وإن عرى لفظه من النحو، ولا يفهم شئ منها إذا عرى من العقل. فالعقل أشد انتظاماً للمنطق، والنحو أشد التحاماً بالطبع. والنحو شكل سمعي، والمنطق شكل عقلي. وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية. وما يستعار للنحو من المنطق حتى يتقوم، أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ويستحكم "  .

ويخلص أبو سليمان من شرح العلاقة الخاصة بين النحو والمنطق، فيقول " .. وبهذا يتبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمى بك إلي جانب النحو، والبحث عن النحو قد يرمى بك إلي جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحوياً، والنحوي منطقياً ؛ خاصة واللغة عربية والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها.

ولقد حرصت علي سوق عبارات " أبي سليمان " و التي نقلها لنا "أبو حيان التوحيدي"، لأنها تشير إلي هذا التحول المهم في الفكر العربي – الإسلامي، وبداية الإعلان الواضح عن فتح أبواب البحث النحوي لدخول الأسس المنطقية في مسائل هذا البحث منهجاَ وتطبيقاً.

فبعد البداية القلقة للعلاقة بين المنطق والنحو كما لاحظنا في المناظرة بين "أبي سعيد السيرافي " و "متي بن يونس "، تم التوصل إلي نوع من الهدنة ؛ حيث أُدخلت القواعد المنطقية في علم اللغة، حتي إن النحويين الذين قاوموا هذه الادعاءات – كما فعل " أبو سعيد " – لم تكن لديهم اعتراضات علي إدخال المفاهيم والتعاريف الجديدة إلي ميدان تخصصهم، وقد انتفع  " أبو سعيد"   في شرحه لكتاب سيبويه بالمصطلحات المنطقية وأجاد استخدامها، ليس باستعارتها جملة وتفصيلاً، ولكن بالاختيار المتأني للمفاهيم التي احتاج إليها في تحليله اللغوي .

ولم ينتقد "أبو سعيد"  كتاب سيبويه لنقص التعاريف الاصطلاحية فيه، ولكنه ألمح فقط إلي أن سيبويه لم يشعر بالحاجة إلي تعريف الاسم - مثلاً - كما عرضا آنفاً  في الفصل السابق، ثم يضيف تعريفاً من عنده، فيقول:" وأما الاسم فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره وينماز من الفعل والحرف،  وذكر منه مثالاً اكتفي به عن غيره، فقال: الاسم: رجل وفرس .وإنما اختار هذا، لأنه أخف الأسماء الثلاثية، وأخفها ما كان نكرة للجنس، وهذا نحو: رجل وفرس . إن سأل سائل عن حد الاسم، فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شئ دل لفظه علي معني غير مقترن بزمان محصل، من مضي أو غيره فهو اسم .

أما من ناحية علماء المنطق، فبعد أن هدأت الأمور استمر العلماء بهدوء في مزج العناصر المنطقية والنحوية ببعضها . وهذا هو النهج الذي نجده عند " أبو نصر الفارابي"،  الذي يتمتع برؤية واضحة لمجال النحو ويقوم بجهود حثيثة للتأكيد علي أهمية كونه علماً من العلوم، وهو بذلك يختلف عن رؤية "متي بن يونس" و "يحي بن عدي" السابقة إزاء النحو ؛ ونجده  كذلك عند "أبو حامد الغزالي " -المتوفى سنة  505هـ من بعده، والذي أعطي شرعية دخول المنطق لعلوم المسلمين بعد الفتوي التي وضعها في أوائل كتابه " المستصفي من علم الأصول " ؛ حيث قال بأن " من لا يحيط بالمنطق فلا ثقة بعلومه أصلاً" . وعلي هذا الأساس اعتبر أن استخدام منطق أرسطو يعد شرطاً من شروط الاجتهاد وفرض كفاية علي المسلمين، الأمر الذي شجع النحاة المتأخرون بعد ذلك إلي مزج النحو بالمنطق بدون خجل أو مواربة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد الزاهديثمة علاقة قوية بين (المؤلف، والنص، والقارئ) إذ لا يمكن أن نجد نصا من دون مؤلف، كما لا يمكن أن نجد قارئا من دون نص. وهنا نستطيع القول بكل ثقة إنه لا وجود لشيء اسمه "موت المؤلف" أو "موت النص" و"ميلاد القارئ".

لقد أعلن (رولان بارت) في مقالته المعنونة "بموت المؤلف" عن ضرورة عدم الالتفات  إلى وجود المؤلف، لأنه عندما ينتهي من كتابة العمل فإن دوره ينتهي، ومع هذا الانتهاء يبدأ القارئ عمله بقراءة النص. بمعنى أن بارت أعلن عن فكرة موت المؤلف باعتبارها ضريبة لولادة القارئ، حيث قال "ولقد نعلم أنه لكي تسترد الكتابة مستقبلها، يجب قلب الأسطورة، فموت الكاتب هو الثمن الذي تتطلبه ولادة القارئ". (1)

رغم أن هذا القول يعد قولا مباشرا وصريحا، إلا أنه يحمل معنى أخر خفي، وهو أن المقصود الحقيقي ليس المؤلف، وإنما القارئ الإيديولوجي الذي يقرأ النص وفق إيديولوجية محددة، بالإضافة إلى هذا فإن موت المؤلف يحدد بشكل عام طريقة مقاربة النص الأدبي نفسه ولغته نفسها لقراءة الأثر الأدبي بموضوعيه، بكلمات أخرى: أن نبعد المؤلف هو أن نقدم نظرة واسعة لأعماق النص من دون الالتفات إلى خارج النص، مثلما يقول رولان بارت مسوغا وجهة نظره بقوله: "ولذا فإن صورة الأدب الموجودة التي نستطيع أن نقف عليها في الثقافة المألوفة، قد ركزت بشكل جائر على المؤلف، وشخصيته وتاريخه، وأذواقه، وأهوائه، ولا بزال قوام النقد، في معظم الأحيان، ينصب على القول مثلا: إن العمل بودلير، يمثل إخفاق الإنسان بودلير، وإن عمل تشايكوفسكي، يمثل رذيلته، وهكذا فإن البحث عن تفسير العمل، يتجه دائما إلى جانب الشخص الذي أنتجه". (2)

وبعد هذا الطرح الذي يدعوا إلى التخلي عن المؤلف، وعدم ربطه بالأثر الأدبي لأنه لا يفيد القارئ في إنتاج معنى النص، فهذا تصور خاطئ فمن يتبنى هذا الفكر، وهذا التصور لا بد له من أن يعيد النظر فيه ويتمعن في حقائقه، فأي عملية كيفما كانت طبيعتها تحتفظ بعناصرها الأساسية، وإذا ما تطورت تغير من طبيعة تلك العناصر، ولا تحذف عنصر من ضمن تلك العناصر.

ونقدم مثالا على هذا فعملية صناعة الطاولات "تتطلب ثلاثة عناصر أساسية (الصانع، والخشب، المشتري)، إذا تم حذف العنصر الأول ألا وهو الصانع هل يمكن للطاولة أن تصنع والمشتري يشتري؟

الجواب: لا يمكن، ولكن يمكن تفاوت قيمة هذه العناصر من نص لآخر، تارة يكون الدور المهم على الصانع إذا أبدع في صناعة تلك الطاولة، وتارة على المادة إذا كانت مادة جيدة، وتارة على المشتري الذي يطلب من الصانع أن يصنع له طاولة ذات موصفات معينة وبتكلفة محددة..

إذن الأدوار تختلف من عمل لآخر، وهذا ما ينطبق تماما على العملية الأدبية فالنص هو الذي يحدد العنصر المهم في هذه العملية تارة نجد المؤلف له أثر قوي في ذلك العمل، وتارة نجد النص ذاته هو أساس ذلك العمل بلغته وأسلوبه وما يكتنزه من معاني خفية، وتارة نجد أن القارئ هو من يملك مفاتيح ذلك النص وفهمه وسبر أغواره.

وهذا ينطبق تماما على من يقول هذا عصر القارئ، وموت النص، عن أي موت تتحدث، هل الموت الرمزي؟

هنا سأطرح سؤالا واحدا، لماذا سمي القارئ بقارئ؟.

الإجابة لأنه يقرأ ويفسر ويحـلل.

ماذا يقرأ؟...... يقرأ النص، إذن:

{النص + القراءة = + القارئ}.

{النص  - القراءة =  - القارئ}.

كيف يمكننا تصديق هذا التصور الذي يتجاوز النص بكل مكوناته وأفكاره ولغته لننتقل إلى القارئ ونسلط الضوء عليه، وندخل في متاهات لا معنى لها سوى تصورات مجردة، تظل عبارة عن تأويلات تمنح للقارئ.

وبالتالي فهدفنا الأساسي والرئيسي هو عدم إقصاء عنصر من عناصر العملية الإبداعية وتهميشه مهما كانت قيمة ذلك العنصر، لأنهم يلتقون في العملية الإبداعية بفضل خصوصياتهم ومكانتهم وأدوارهم.

ولهذا إذا أردنا تحليلا وفهما فعالا وناجعا، لابد من تضام هذه الأجزاء قصد تشكيل وتوليد فهما صحيحا ومنطقيا ومتماسكا، دونما تغييب  لحضور طرف من أطراف العملية القرائية (المؤلف، النص، القارئ). وهو ما يجعل مناهج مقاربة النصوص الأدبية وقراءتها تتنوع على اتجاهات ثلاثة وهي:

الاتجاه غير النصي

يربط هذا الاتجاه النص بمنابعه وبما يؤثر في نشأته من عوامل وظروف وأسباب، باحثا عن علاقة النص بالسياق الخارجي الذي نشأ فيه، مؤكدا على مفهوم الانعكاس الرامي إلى أن النصوص الأدبية هي مرآة للعوامل والظروف الخارجية، وينطلق هذا الاتجاه من مبدأين اثنين هما:

الأدب والأديب: ليس مستقلين بذاتهما بل يعيشان في بيئة ووسط اجتماعي و ظرف تاريخي ووضع سيكولوجي يتفاعلان معهم.

الإنتاج الأدبي: ليس منفصلا عن سياقه الخارجي.

فلقد "ركّز أصحاب هذا الاتجاه في قراءتهم للعمل الأدبي على مبدعه، وذلك بتتبع سيرته وسيرة عصره فأخدوا يجرون تحليلاتهم على نفسيته وعقده حتى جعلوا من النص وثيقة تاريخية تدل على زمنها أو نفسية تشرح مغاليق نفس مبدعها"(3) ، حملت النص أحادية المعنى، وقتلت فيه قابليته للتداول بأن جعلت مهمة القارئ محصورة في تحصيل ما أحيط بالنص من ظروف اجتماعية وتاريخية ونفسية، دفعت المؤلف لإنتاج هذا العمل الأدبي.

لكن في حقيقة الأمر نجد بعض النصوص فعلا يحضر فيها هذا الاتجاه بشكل قوي، مقارنة مع باقي الاتجاهات.

الاتجاه النصي

في هذا الاتجاه يتم التركيز على الأثر الأدبي لذاته، دون النظر في أبعاده الخارجية، ولقد ظهر هذا الاتجاه في الموجة النقدية الحديثة التي تميزت بمرحلية حتى وصولها إلى الدراسات اللغوية (اللسانية) التي سلبت النص الأدبي من ماهيته، وجعلت منه بنية مغلقة، وأنساق لغوية مترابطة ومتكاملة معلنة أن النص "هو تصرف في اللغة لا تمثيل للواقع"(4) ، وأنه "ليس أدبيا بمعناه أو فحواه، وأنه ليس كذلك من حيث نشأته وما عمل فيها من مؤثرات، وإنما هو أدبي بحكم صياغته، وأسلوبه، وطريقته، ووظيفة اللغة الفنية فيه"(5) ، ليخلص هذا الاتجاه إلى اعتماد آليات لغوية في دراسته للنصوص الأدبية باعتباره بنية تشكل نسقا من العناصر الداخلية المتعالقة فيما بينها بعلاقات تشكل نظاما داخليا يحكم النص الأدبي، لذا تقوم الممارسة النقدية في هذا الاتجاه على دراسة النسق الداخلي في النص الأدبي من خلال دراسة المستويات النصية. من الناحية الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والمعجمية، والأسلوبية، حيث يهتم هذا الاتجاه بدراسة هذه المستويات والعناصر من خلال الوقوف على العلاقات الرابطة فيما بينها، وبهذا فالاتجاه النصي يدرس النص الأدبي من داخله، ولا يُولي اهتماما لمجتمعه ولا نفسية صاحبه.

وهذا الاتجاه هو الآخر يحضر بقوة في بعض لنصوص على غرار باقي الاتجاهات.

اتجاه القارئ

هذا الاتجاه تجاوز ما هو غير نصي، وما هو نصي ليصل إلى الطرف الثالث في العملية القرائية، وهو القارئ أو المتلقي، الذي اعتقد أنه هو الوحيد الذي سيحافظ على امتداد النص، وتحديد قيمته على مر الأزمنة، "لأنه في الوقت الذي يتفاعل فيه هذا القارئ مع النص فيمنحه رؤاه في كل وقت وفي كل عصر من العصور"(6) ، ليتغير مفهوم القراءة، إلى نطاق أوسع من التلقي السلبي والمتعة المؤقتة التي تنتهي بالفراغ من السطر الأخير النص، بل تجاوز هذا، وأصبح حضوره ضروريا حرا طليقا لا سلطة مؤلف تقيده، ولا سلطة نص تكبله. فلقد صار يصنع ثنائية حوارية بين المعاني، والأبنية اللغوية مع الحافزية والاستعداد النفسي للتحليل، وإنتاج المعاني، وإعادة بناء النص دون أن تفقده جوهريته.

وبالتالي ومن خلال هذه الاتجاهات الثلاثة نرصد أنه لا يمكننا الفصل بين هذه الاتجاهات، والاعتماد على واحد منهما في مقاربتنا للنصوص دون إشراك باقي الاتجاهات، لأن طبيعة الأثر الأدبي هي التي تفرض الاتجاه الأنسب والأقوى في مقاربة النص، لكن هذا لا يعني التخلي عن الاتجاهات الأخرى وإنما نرصد نسبة الحضور فقط. لأننا إذا أنعمنا النظر في هذه الاتجاهات الثلاثة، نرى هناك تماسكا وتكاملا فيما بينهما، ويظهر ذلك في العلاقة القائمة بينهما، حيث لا يمكن فصلهما. لكل عنصر له علاقة سببية بالعنصر الآخر، وهذا ما أبرزناه في الفقرة الأولى، حيث نجد زكي نجيب محمود هو الآخر يذهب في نفس الطرح، حيث يقول "عناصر الموقف ثلاثة، (كاتب، كتاب، قارئ) فلولا الكاتب وكتابه لما كان القارئ، وبالتالي لما كان ثمة ناقد، وكذلك لو كتب كاتب كتابا لغير قارئ- في حاضر الأيام أو مستقبلها- كأن يستخدم رموزا لا يفهمها سواه، لفقد الكاتب أخص خصائصه، وبطل بهذا أن يكون كتابا بالفعل والأداء، فعملية التوصيل من الكاتب إلى القارئ- عين طريق الكاتب- شرط ضروري لتكتمل للموقف عناصره"(7)

لأن العملية القرائية تحتاج إلى ثلاثة  عناصر ضرورية وهي:

* المؤلف الذي يمثل  السياق الأول وهو السياق غير النصي، الذي نعتمد عليه في مقاربة الأثر الأدبي وفق مجموعة من المؤشرات مثل: الحالة النفسية، والسيرة الذاتية، وغاية المؤلف ومرآة عصره.

* النص يمثل لنا هذا العنصر السياق الثاني وهو السياق النصي، الذي يعمل على تحليل النص الأدبي من خلال التركيز على: أدبية الأثر والصناعة اللغوية والجمالية، ومناسبة المقام.

* القارئ هو من يمثل السياق الثالث وهو سياق المتلقي، والذي نركز فيه على عدة مؤشرات، وهي التلقي ثم القراءة، ومستواه، وحالته النفسية، وقدرته على إعادة تشكيل الأثر الأدبي.

وبالتالي فإن هذه السياقات الثلاثة تجتمع في النظرية السياقية التي تهتم بدراسة كل أطراف الأثر الأدبي من الناحية الخارجية، والداخلية، والتأويلية.

لكن لنصل إلى هذا التحليل في الممارسة التعليمية، وخاصة عند مقاربة النصوص الأدبية، لابد وأن  نمد القارئ (المتعلم) بمجموعة من الآليات المستقاة من الاتجاهات الثلاثة.

الاتجاه الأول (اتجاه غير نصي): ينبغي للقارئ (المتعلم) أن يكون ملما بالأحداث التاريخية، والاجتماعية التي واكبة مختلف العصور، بالإضافة إلى تمكنه من الجاب السيكولوجي أيضا، وأن يكون ذو ثقافة واسعة في المجالات الأدبية والفكرية وحتى العلمية، فهو يكتسب هذه الكفايات من المواد المدرسة مثل: مادة الاجتماعيات، والفلسفة، التربية الإسلامية...، وغيرها من المواد التعليمية.

أما بالنسبة للاتجاه الثاني (الاتجاه النصي): هنا من الضروري أن تكون للقارئ (المتعلم) آلية لسانية متمكنا منها حق التمكن في مختلف المستويات اللغوية: صوتيا، وصرفيا، وتركيبيا، ومعجميا، وأسلوبيا، لكي تكون له القدرة على تحليل مختلف الكلمات، والعبارات، والنصوص، وتكون له أيضا سلامة لغوية، وأسلوبا راقيا وفصيحا خال من الأخطاء.

الاتجاه الثالث والأخير (اتجاه القارئ): في هذا الاتجاه يكمن الفرق وتظهر الخصوصيات، حيث لكل قارئ خصوصياته، ولكل قارئ ذكاءه، ولكل قارئ محيطه وثقافته، فهنا تظهر المواهب، وتختلف الآراء، وتتقاطع الرؤى، في هذا الاتجاه تحضر الذات ويحضر معها الوجدان، وإذا حضر الوجدان لازمه الإبداع، وإذا غاب غاب معه. ليظل هذا الاتجاه هو اتجاه ذاتي متعلق بالعنصر الثالث وهو القارئ.

وهذا ما نجده في القراءة المنهجية لتحليل النصوص، باعتبارها "قراءة تأملية تمكن التلميذ من إثبات أو تصحيح ردود أفعالهم وانطباعاتهم الأولية، وهم إزاء نص من النصوص"(8) ، بالإضافة إلى هذا فهي تعد "قراءة واعية بخطواتها، وباختياراتها المنهجية، تنظر إلى النص، باعتباره نسيجا علائقيا، لمكونات خارجية وداخلية متفاعلة، الأمر الذي يتيح لها إمكانية التجلي، في تمظهرات وصيغ متنوعة، تبعا لنظام النص، أو النظام الخطاب الذي تتخد منه موضوعا لاشتغالها، إذ أنها تضمن لكل نوع من أنواع الخطابات أو النصوص، الأدوات الملائمة في التحليل، بعيدا عن اقتراح وصفة ناجزة وحيدة، للمقاربة، قد تخون لخصوصيات البنائية والنوعية لتلك الخطابات أو النصوص"(9) .

فهذه القراءة تنهل من الاتجاهات الثلاثة حتى تصير مثل فسيفساء منهجية قائمة على التنوع والتعدد، هذا ما يثبت لنا أن الوعي النقدي الذي يسند منظورها النصي، وعي منفتح على التطورات التي عرفتها نظرية النص، فنجد خطواتها التحليلية، تتماشى مع الاتجاهات أو اللحظات التطورية كما سماها محمد حمود:

لحظة الكاتب أو القراءة الخارجية للنص:

وتمثل هذه اللحظة السياق الأول وهو السياق غير نصي، الذي يهتم بدراسة وتحليل ما هو خارج النص، وبالتالي و"تطبيقا لمبدأ التدرج، ثم اعتماد القراءة الأفقية / الخطية لمعطيات العصر وأحداث الحياة ووقائعها، وتفاعل الشخصية الأدبية معها ذاتيا وموضوعيا، وتوظيف كل ذلك في استخلاص القوانين المفسرة لمكونات الخطاب الشعري النثري"(10) ، وذلك لجعل المتعلم قادرا على القراءة العمودية للمرجعيات التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية والفكرية المحيطة بالإنتاج الأدبي، وتمكينه من إدراك وظائف معطياتها في قراءة النصوص.

لحظة النص أو القراءة الداخلية للنص:

وهذه اللحظة تمثل السياق الثاني وهو السياق النصي الذي يهتم بتحليل النص من الداخل، فهذه اللحظة "استفادت من الدراسات الأدبية والنقدية التي تشتغل على النصوص وبنياتها الكبرى والصغرى.. ويهتم هذا المستوى بتحديد المقاطع، وتميز الأصول والفروع منها، والانتقال إلى دراسة المتتاليات النصية قصد فهم مكوناتها"(11)  الصوتية والصرفية  والمعجمية والتركيبية والأسلوبية والدلالية، ودراستها وفق القوانين الموضوعية للوصول إلى البنيات الكبرى.

لحظة القارئ أو تلقيات النص:

إن اللحظة الأخيرة وهي لحظة القارئ تمثل السياق الثالث والاخير ألا وهو سياق المتلقي / القارئ، فهذه اللحظة تعطي الفرصة للقارئ للبحث في مضامين النصوص والخطابات، والبحث عن الأفكار والقيم الخفية في النص، والتعبير عن آراءه وأفكاره والإفصاح عن تأويلاته. كما أنها تجعل القارئ (المتعلم) قادرا على التفاعل الذاتي مع النص مكتشفا في كل مستوى مظهرا من مظاهر النص.

لنخلص إلى أن القراءة السياقية للنص الأدبي تتم وفق دراسة مختلفة السياقات التي يحملها ذلك النص، فمعرفة مناسبة النص ومقامه، وصاحبه ومتلقيه أو الموجه إليه مع تحصيل بنائه المعنوي لما تقاطع فيه من إرث لغوي مشترك وألفاظ حملت لغير ما وضعت لها في نصها، كلها معارف سياقية يحتاجها القارئ (المتعلم) اليوم لقراءة النص الأدبي بغية استكشاف مغاليقه لتحصيل مضامينه، وجماع كل هذا في قول العرب {لكل مقام مقال}، وأنا أقول لكل نص سياق.

 

محمد الزاهدي

.....................

لائحة المصادر والمراجع

1- رولان بارت، هسهسة اللغة، تر: منذر عيانشي، دار يننوى، دمشق، ط 1، 2010م، ص 83.

2- المرجع نفسه، ص 76.

3- عبد الناصر حسن محمد، نظرية التوصيل وقراءة النص الأدبي، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، د ط، 1999م، ص 7.

4- صلاح فضل، النظرية البنائية في النقد الأدبي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط3، 1980م، ص 50.

5- تزيفطان تودوروف، الشعرية، تر: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط 2، 1990م، ص 30.

6- عبد الناصر حسن محمد، نظرية التوصيل وقراءة النص الأدبي، مرجع سابق، ص 64.

7- زكي نجيب محمود، في فلسفة النقد، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 1979م، ص 109.

8- محمد حمود، مكونات القراءة المنهجية للنصوص "المرجعيات، المقاطع، الآليات، تقنيات التنشيط"، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط 1، 1998م، ص 14.

9- محمد حمود، مكونات القراءة المنهجية لنصوص، مرجع سابق،  ص 15.

10- المرجع نفسه، ص 79.

11- المرجع نفسه ص 80.

12- محمد حمود، مكونات القراءة المنهجية للنصوص، مرجع سابق، ص 86.

 

 

جوتيار تمريعد التاريخ من الاولويات التي يهتم  به الانسان ويعمل على تدوينه لانه في وعيه العياني "الحاضر" يبحث عن منافذ يتسلل من خلالها الى مستقبله وهو يدرك بان ذلك الامر لن يتحقق دون العودة الى ماضيه ووعي تلك المراحل التي مر بها، وفلسفة التاريخ ليس الا مخاض هذا الوعي وهذه الرغبة للانسان في استنطاق ماضيه من خلال تلك الاثار التي خلفها على جميع الاصعدة، الحياتية اليومية، الفكرية، العمرانية، وحتى الظواهر الطبيعية والى غير ذلك من تلك المخلفات الانسانية التي تعتبر في معطياتها مخلفات تاريخية. وهذا ما يمنطق بالتالي الرؤية الحداثية لمفهوم التاريخ او لنكون اكثر دقة فلسفة التاريخ وبعبارة اخرى مفهوم التاريخ في الفلسفة، باعتبار ان التاريخ فلسفياً ليس مجرد نقل ورواية وسرد الاحداث والوقائع، انما هو دراسة  كُلية وتحليل تلك الاحداث وفق رؤية اكثر  عمقاً من الرؤية الظاهراتية، ومن ثم تحليلها لادارك ماهية تلك الاحداث والاسباب التي كانت ورائها، ومدى التاثير الذي خلفه سابقاً وحديثاً على الانسان، ومن خلال ذلك يمكن النظر الى المستقبل وفق تداعيات نسبية، وهنا يكمن مكمن القول " نسبية " لان تلك التأثيرات في الحاضر يتحكم بها جملة متغيرات وتحولات غير قابلة للثبات، والقول بعدم قابليتها للثبات يأتي من خلال التحولات الاقليمية والدولية وفق الصراعات على جميع الاصعدة " القومية – الدينية المذهبية – الايديولوجية – الاقتصادية... " وبالتالي الرضوخ ل" بان مراحل التاريخ السابقة تحتم الحالية بكلية مطلقة امر غير مقبول، وغير منطقي"، لأن القديم يمكنه فتح اعيننا على ما مررنا به لنصل الى هذه المرحلة الحالية، لكنها ليست شرطاً مطلقاً لان نبقى كما يفرض علينا تبعيات تلك المراحل، وهنا يأتي دور حركية المجتمعات التي تُقر دور الانسان في صناعة التاريخ، وبالتالي فان الجدلية التي تفرضها احيانا الوقائع والاحداث وفق ما هو سائد " التاريخ يعيد نفسه " لايمكن اطلاقها وتعميمها اكاديمياً، فالشعوب التي تعمل على زيادة وعيها يمكنها اعادة تدوير المفهوم وفق قاعدة اخرى، وهي ان التاريخ لايتوقف عند نقطة التحول الوحيدة في حياة الشعوب، اي ان النقطة الاكثر تألقاً وعظمة عند الشعوب يمكنها ان البقاء كنقطة اكثر تألقاً وعظمة ولكن ليس الشرط ان تظهر النتائج بصورة فورية فالوقتية هنا خارجة عن زمنية تتعدى حدود الزمن الذي يحدد ملامحه الانسان بكامل وعيه، لذلك ادوات التطوير والنمو والسير نحو الحرية كما يراها هيجل تحتاج الى التأني في تأمل مفاهيم التاريخ وعدم الخضوع للمنطق السائد على انه قطعي ومطلق، التكرار يمكن ان يكون نقطة تحول مغايرة للشعوب حين يتعاملون مع المكررات بوعي اخر غير الذي تم التعامل معها سابقاً" التغيير "  وبذلك تحقق الشعوب نقلة موضوعية ومهمة في تاريخ وعيها البطيء للتاريخ نفسه، وللعملية التاريخية وصيرورتها ايضاً،وهذا هو ما يؤكده سارتر الذي يرى بأن التاريخ ليس قدراً او قوى تتحكم في الانسان، انما الانسان هو من يصنعه ويحوله عملياً ونظرياً، بمعنى اخر ان التاريخ يعتمد على وعي وارادة الانسان، وهذا الوعي وتلك الارادة ليس شرطاً ان تظهر فجأة وبصورة واضحة المعالم لدى الشعوب، لكونها تحتاج الى الوقت الكافي للنمو والتطور وفق معطيات لاتنتمي للزمنية نفسها، فالانسان لايمكن ان يزرع بذرة ويتأمل ان تنبت في لحظتها، انما تحتاج الى نطاق زمني تتحكم به الظرفية من جهة، والبيئة من جهة اخرى، ومن خلال الامرين هذين يمكننا ان نحدد ملامح التاريخ بشكل اكثر وضوحاً، فالظرفية التي نسعى لتخطيها، يتحكم بها جملة متغيرات اقليمية ودولية وداخلية، وتلك المتغيرات هي وليدة الحركية، فالسائد ان الركود لايخلق متغيرات لاسيما على  مستوى الوعي، اما البيئة فلانها تمس المجتمعات وفق المتداول عنها والصادر منها، نجدها تحتم على الواعي والساعي لادراك او حتى تدوين تاريخيه ان يتأني في الحكم عليها، المجتمعات قد تكون في حالة سبات بنظر الكثيرين، وذلك حين ينظر اليها بمنظور شخصي ويسقط ما يمر به حياتياً شخصياً فكرياً عاطفياً على العام، وهنا تكمن الاشكالية التي تزداد سوءً يوما بعد  يوم  من خلال الانسلاخ التام من القيم الاجتماعية والبدء باتهام المجتمع بانه متخلف وغير واعي، ولعل النظر بعين اكثر عمقاً، والعمل بجدية لتحليل الوقائع والاحداث، ومن ثم الاخذ بنظر الاعتبار جملة المتغيرات على جميع الاصعدة، سيتبين للناظر بأن المجتمعات ليست راكدة، انما هي في نمو وتطور بطيء لاسيما مجتمعاتنا الشرقية لكونها تعيش وفق منطق مغاير للمجتمعات المتحررة من القيود الدينية والمذهبية والقبلية، وهذا التطور يجعلنا ان ننظر الى مسالة التكرار  وفق منطق اخر، ليس الذي يذهب على انه لايوجد شيء مختلف ومغاير في الحدث الاني الحاضر، بل هناك الكثير مما يجب ان نراه وراء الحدث نفسه، فعامل الخيانة مثلاً قد يكون متكرراً في تاريخ بعض الشعوب، لكنه في كل مرحلة يختلف عن سابقها، على الرغم من الهدف والنتائجية المتكررة وهي مثلاً زوال حركات تحررية لشعوب مضطهدة، والعامل المغاير يكمن في الوعي الذي يلتقط في كل مرحلة ذلك العمل الخياني ويسقطه على متغيرات ومتحولات مستقبلية، وهنا حتى ان لم يتغير الوضع انياً ولم تستطع تلك المجتمعات على التخلص من عقد الخيانة تلك، الا ان الوعي باسباب الخيانة ومن ثم الوعي بالنتائج المترتبة من الخيانة، ومن ثم تدويرها كمفهوم تاريخي يرافق ذلك الشعب بحد ذاته يعد تحولاَ مهماً، ويمكن عده ايضاً تغييراً ووعياً يمر بمرحلة تطور ونمو بطيء، وهذا ما يدفعنا الى القول بأن لكل حدث وواقعة تاريخية ملامح ظاهرية تتمثل بسرد اخبار تلك الحادثة والواقعة، وفي الوقت نفسه لها ملامح باطنية كما يؤكد ذلك ابن خلدون، وهذه الملامح الباطنية تهدف الى التحقق ودراسة تلك الاحداث وتحليلها وفق معطيات آنية " الحاضر" وذلك ما يفتح لنا باب الكيفيات والاسباب، ومن ثم ملاحظة المتغيرات التي طرأت على جوهر الحدث او المتغيرات التي ترافق ماهية وكيفية التعامل مع الحدث، ومما لاشك فيه ان الشق الثاني " كيفية التعامل " يعد بحد ذاته نقلة موضوعية في الوعي وفي التطور والنمو لدى الشعوب بعيداً عن التفسير اللاهوتي الذي يقضي بأن التاريخ يسير وفقاً للارادة الالهية، او التفسير الدوري الذي يعتبر ان التاريخ يسير بمقتضى قانون العود الابدي،  فالتاريخ يخضع للعقل البشري المطلق الذي يتحكم في سيره ومجرياته فضلاً عن القيمة الاقتصادية التي تقود الصراعات وتؤثر على مجريات التاريخ، وهنا لايمكن الوقوف عند حتمية العود التاريخي والتكرار الا من خلال المتغيرات الترافقية التي تعطي لكل مرحلة قيمتها التاريخية من حيث التطور والنمو " الذي سبق وان قلنا عنه البطيء " ولكن ذلك لايمنع ابداً اننا نعيش وفق تداعيات متجددة، فبعض الشعوب مثلاً كانت تستخدم القبلية لحماية حدودها، لكنها تجاوزت ذلك الى توسيع حدودها، وتعاملت مع الخيانات وفق منطق خاص بها، ومن ثم تجاوزت العوائق لتبحث عن تأسيس الامارة ومنها الى الدولة ومنها الى الامبراطورية، هذا التطور لم يحدث بعيداً عن وقائع واحداث التاريخ المتكررة من خيانة وعوائق وحروب وفقر ومجاعات، لكنها لم تقف عند ملامح قانون العود الابدي ورضخت له، واستسلمت للواقع، بالعكس تماما، عوامل التكرار تلك نفسها تمر بمراحل تاريخية مغايرة ومختلفة وتتأثر هي الاخرى بالمتحولات الدولية والاقليمية لذلك لانجدها تصمد امام الرأي العام للشعوب، وبعيداً عن الصراعات الداخلية التي غالباً ما تكون بنظر الكثيرين هي السبب الاكثر تأثيراً لزوال المجتمعات، فاننا هنا بصدد معطيات ومقتضيات اخرى تضاف اليها لتكون بذلك مع الانحلال الداخلي قوة مضاعفة لهز الكيانات والمجتمعات، لكون المجتمعات التي تعاني داخلياً تهتز كثيراً بعدم وعي ابنائها بالضروريات التي تحتم عليهم لمساندتها، وعدم الانصياع للافكار الجانبية التي يتصورها هولاء بانها تمثل حرياتهم الشخصية وفي الحقيقة انها لاتتعدى كونها  الاخلال بالنظام والسخرية منه، بل حتى انها تجعل من النظام  هدفاً لهجماتهم، وبذلك تتسم المرحلة بالركود الظاهري وتبقى العجلة وكأنها تدور داخل دائرة، فتظهر المقولات التي تمنطق ماهية العود الابدي للتاريخ، مع العلم بان التاريخ لم يتوقف بل ظل سائراً وانما عجلة التفكير لهولاء توقفت عند تلك النقطة التي يرونها سلبية " بنظرهم " الشخصي.

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

عبد الخالق الفلاحالشعبوية السياسية هذا المصطلح نشأته في روسيا القيصرية والولايات المتحدة وتجذرت ثم انتشرت في أوروبا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والذي يدعو إلى إيلاء الشعب الدور الأساسي والريادي في العملية السياسية وبدأ الاهتمام بهذه الظاهرة بعد صعود نجم التيارات والأحزاب في اوروبا التي تصنف بأنها قومية ويمينية، ومنها انتقلت الى البلاد العربية في القرن العشرين حيث احتلت مواقع مهمة في العديد من الدول، ، واستغلته الانظمة العربية السلطوية واعتمدت على خلق عدو وهمي للتذرع به، في قمع الشعوب وكبت حرياتها وسلب حقوقها، في التاريخ الحديث، مثلت الدكتاتوريات تلك هذا العدو بجهات عدة، وفي الحقيقة هذا الأمر غير موجود بل هو نوع من الوهم والخيال فقط، ويشبه الكاتب بيتر بايكر، في تحليله الذي نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، الشعبوية بأفلام الرعب في كثيرٍ من الأحيان؛ وكأنَّها بكتيريا تسلَّلت بطريقةٍ ما عبر دفاعات الديمقراطية، بمساعدة السياسي الإعلامي ستيف بانون على الأرجح أو غيره ممن يتلاعبون بالجموع، لتُسمِّم الحياة السياسية وتخلق فئاتٍ جديدةٍ من الناخبين الشعبويين. بينما نشرعالمٌ سياسي هولندي شابٌ يُدعى كاس مود رسالةً في عام 2004 قال فيها ان الشعبوية مفهومٌ مُفيدٌ وله معنًى أكثر تحديدًا من الديمقراطية، لكنَّه يُمارس بطريقةٍ كريهةٍ من وجهة نظر الكاتب. وكأن مُهتمًا وفقاً لبايكر بتحدِّي فكرتين بديهتين شائعتين عن الشعبوية: إحداهما أنَّها تتميَّز بخطابٍ «يعتمد بالأساس على العاطفة والبساطة»، والأخرى هي أنَّها تتألَّف بشكلٍ أساسيٍ من «سياساتٍ انتهازيةٍ» تهدف إلى «شراء» دعم الناخبين

.ويرى الكاتب رضوان زيادة شكل وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، ونجاح النصف البريطاني المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ذروة نجاح السياسة الشعبوية في كسب ثقة الناخبين والوصول إلى سدة الحكم.ويضيف في جهة اخرى "بأن جزءاً من نجاح ترامب على الأقل جاء نتيجة اتباعه سياسة استثارة هوية الانتماء للعرق الأبيض التي كانت ما تزال كامنةً على شكلٍ خفيٍ حينها".

ومن هنا قد استبسلت البعض من الأنظمة العربية السلطوية في صنع بطولاتها المزعومة وفق هذا المفهوم، من خلال دغدغة المشاعر والعواطف واللعب على المخاوف، من أجل الوصول إلى الناس وكسب تأييدهم، وبذلك كرست فلسفة الديماغوجية لترويض الجماهير العربية والتحكم فيها واستعبادها، علمًا أن الشعبوية لا تقتصر على اليمين فحسب بل تتعداه إلى اليسار، والأمثلة كثيرة جدًا. ووصف الشعبوية يحيل على النزعة في التفكير السياسي تجنح لتقديس الشعب وهي الفكرة التي يراها المفكر عبد الإله بلقزيز أنها مناط الخلاص النهائي لشرور العالم، كون أصحاب هذه النظرة يقدسون الشعب وأن كل مايقوله الشعب في أصحاب هذه النظرة هو قول الحق الذي ما بعده قول موثوق. وهي النزعة التي يراها عبد الإله بلقزيز( كاتب ومفكرمغربي معاصر حاصل على شهادة دكتوراة الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط ومتخصص في الفكر السياسي والعربي) تضع نفسها مقابل النخبوية التي تحتقر الشعب والجماهير، لأن الشعبويون يحتقرون الفكر ويقدسون الممارسة.

والمعلوم ان اكثر التحليلات اقتصرت على خطابين لا ينتميان إلى نفس الايديولوجيا، والتي تمثلت في ظاهرة اليمين المتطرف، و في ظاهرة اليسار الراديكالي، الأول بنى خطابه على المسألة الهوياتية، التي تتسجد في حماية أبناء الوطن من “الأخر” الذي يعتبره خطرا على مصلحة الدولة القومية. بينما خطاب اليسار الراديكالي يجد صداه عند الشعب كون النخبة المحتكرة للقرار السياسي سبب في خلق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحيث يعمل هذا الخطاب على إبراز مثالب وعيوب الطبقة الحاكمة .

ان الخطاب الشعبوي المعروف عنه هو خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد أو يختاره صُنّاع الخطاب ليبدو على أنه سائد، من دون أن يفيد، من ناحيةٍ أخرى، في التعامل الجدّي والمسؤول مع المشاكل الواقعية. ويُكْثِرُ الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكلٍ مسرحيٍّ كرنفاليٍّ، مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلةٍ إيديولوجيةٍ ذات عمقٍ انفعالي.ويرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه. ويقول الباحث بأن للشعبوية عددا من الخصائص الأولية. أولها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وهي تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار. ويرى تاغييف أن معظم جمهور الخطاب الشعبوي من الأميين والفقراء خصوصا في المناطق الحضرية، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بنبرته النخبوية المترفعة بـ «البروليتاريا الرثة» أو بقاع المجتمع.

اما المقصود بالشعوبية اصطلاحاً او(populism) تعني تيار سياسي يقوم على “تقديس” الطبقات الشعبية في بلد ما، ويتبنى خطابًا سياسيًا قائمًا على معاداة مؤسسات نظامه السياسي ونخبه المجتمعية. تكاثرت أحزابه وحركاته في البلدان الغربية خاصة؛ ما أجج المخاوف على استقرار النظم الحاكمة فيها. وفي نفس الوقت يستخدم السياسيون والأحزاب مفهوم الشعبوية لجذب الجماهير وكسب تأييدها، وخلق شعبية لها تمكنها من الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها. وبالنتيجة فهم يتلاعبون بالشعارات لغايات سياسية، ويثيرون مواضيع تتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية ليركزوا انتباه المواطنين والرأي العالمي حولها كقضايا جوهرية وأساسية، بالرغم من أنهم لا يقدمون الأدلة الدامغة والوقائع التي تثبت صحة أفكارهم، كما أنهم يطرحون شعارات وينسونها ولا يطبقونها، لأن أملهم بالنسبة إليهم كسب معركة انتخابية مثلًا أو تجاوز أزمة سياسية واجتماعية تمر بها البلاد، ولذلك تقترن الشعبوية بالفوضى في الطرح والغوغائية، وتبرز بشكل خاص أثناء الأزمات والاضطرابات السياسية والكوارث التي تعصف بالمجتمعات ويركز الشعبويون عادة على عواطف الناس وغرائزهم في كسب الشعبية،  وكانت بدايات الشعبوية مرتبطة بالتوجه السياسي الاشتراكي والمطالبة بحقوق الفلاحين، ثم تطورت إلى حركات اجتماعية سياسية ذات توجهات قومية ويمينية، وهي الأخطر على مؤسسات الدولة وقوانينها وسياساتها الداخلية والخارجية المعتدلة وغير العنصرية أو المعادية للآخر على أساس الدين أو العرق أو الانتماء الجغرافي.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن المناظرة التي دارت بين السيرافي ومتي بن يونس، حيث يقول أبو سعيد : وبعد، فقد ذهب عليك شئ هاهنا، هل كل ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال، وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح وفيها ما يحرز، وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئية، فإنه على ذلك أيضاً في المعقولات المقررة، والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة. ودع هذا، إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضياً وحكماً لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات سواء ألا ترى أن أربعةً وأربعة ثمانية سواءٌ عند جميع الأمم، وكذلك ما أشبهه" .

وهنا يعترض أبو سعيد علي استخدام مثل هذه الأمثلة التمويهية في المناظرة، ويؤكد أن الطريقة الوحيدة في الأصول إلي المعاني المدركة هي اللغة :" قال: أنت إذاً لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها ? وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها، وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها، على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغةٍ أخرى سريانية، ثم من هذه إلى أخرى عربية؟

ويذكر "متي" انجازات أهل اليونان في الفلسفة والحكمة، بينما يرفض "أبو سعيد" هذا الادعاء قائلاً بأن العلم والحكمة مبثوثة بالتساوي بين جميع الأمم . كما يرجو "أبو سعيد"  لو أن "متي"  يصرف عنايته إلي معرفة اللغة العربية لأنه يحاور بها ويدارس أصحابه بمفهوم أهلها ويشرح كتب اليونانيين بعادة أصحابها، لعلم أنه غني عن معاني اللغة اليونانية . ثم يختبر "أبو سعيد"  "متي بن يونس" اختباراً أخيراً، فيسأله عن معاني حرف " الواو" :" ودع هذا، أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه، وهو الواو ما أحكامه؟ وكيف مواقعه? وهل هو على وجه أو وجوه؟ فبهت "متى" وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى .

وهذه العبارة هي محور الجدل برمته، حيث يستعد "أبو سعيد" لهذا التحدي فيقلب المناظرة رأساً علي عقب:" والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى، أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي، ولهذا كان اللفظ بائداً على الزمان، لأن الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة، ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان، لأن مستملى المعنى عقل، والعقل إلهي، ومادة اللفظ طينية، وكل طيني متهافت، وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى بها، إلا أن تستعير من العربية لها اسماً فتعار، ويسلم لك ذلك بمقدار، وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك أيضاً من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة والتوقي من الخلة اللاحقة. فقال متى: يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان.

غضب أبو سعيد من جواب "متي" فأجابه قائلاً :" بل أنت إلى تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية، على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية وتركية، ومع هذا فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر، فلم يبق إلا أحكام اللغة، فلم تزري على العربية وأنت تشرح كتب أرسطوطاليس بها، مع جهلك بحقيقتها? وحدثني عن قائل قال لك: حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها، حال قومٍ كانوا قبل واضع المنطق، أنظر كما نظروا، وتدبر كما تدبروا، لأن اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نفرت عنها بالنظر والرأي والاعتقاد والاجتهاد. ما تقول له? أتقول: إنه لا يصح له هذا الحكم ولا يستتب هذا الأمر، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت؟  ولعلك تفرح بتقليده لك - وإن كان على باطل - أكثر مما تفرح باستبداده وإن كان على حق، وهذا هو الجهل المبين، والحكم المشين".

ويستطرد أبو سعيد فيقول:" ومع هذا، فحدثني عن الواو ما حكمه? فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئاً، وأنت تجهل حرفاً واحداً في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان، ومن جهل حرفاً أمكن أن يجهل حروفاً جاز أن يجهل اللغة بكمالها، فإن كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها، فلعله يجهل ما يحتاج إليه، ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه. وهذه رتبة العامة أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير، فلم يتأبى على هذا ويتكبر، ويتوهم أنه من الخاصة وخاصة الخاصة، وأنه يعرف سر الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح البرهان? وإنما سألتك عن معاني حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها، وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوز، سمعتكم تقولون: إن في لا يعرف النحويون مواقعها، وإنما يقولون: هي للوعاء كما يقولون: إن الباء للإلصاق، وإن في تقال على وجوه : يقال الشئ في الإناء والإناء في المكان والسائس في السياسة والسياسة في السائس" .

ونكتفي بهذا القدر من السرد لهذه المناظرة، ولننظر ما قاله الدكتور "علي أبو المكارم"، وهو يعلق علي هذه المناظرة قائلاً:" أنها لا تعكس موقف أبو سعيد الذي خضع في شرحه لسيبويه "للمنهج المنطقي تقعيداً وتعليلاً"، "وإنما هي تعكس مذهبه الفقهي والاعتزالي في الهجوم على المنطق" .

ومع احترامنا لهذا الرأي، إلا أننا نعتقد أن هذا ليس هو السبب الحقيقي، وإنما هناك سبب آخر وهو كما قال المستشرق فرستيج :" هو ادعاء متي أن وظيفة المنطق أن يكون أداة للتمييز بين الحق والباطل . وأن معني هذا الادعاء هو أن عالم المنطق أكثر تأهيلاً من النحوي في الحكم علي صحة المعاني، حيث ينبغي للنحوي أن يشغل نفسه فقط بالتعبير عن تلك المعاني في لغة معينة . وإذا قُبل هذا الادعاء لدي المجتمع الإسلامي – وهذا ما كان يخشاه الكثير من العلماء – فهذا يعني الاستسلام الكامل لممثلي الحضارة الوثنية الأجنبية . لذلك كان لزاماً علي "أبي سعيد" أن يبين بطلان ادعاءات "متي" وادعاءات رفاقه" .

وكان منهج "متي" في أبسط صوره – كما هو وارد في الجدل –  يعني أن تلك الألفاظ تنتمي إلي المستوي اللغوي، وهي عرضية، بينما تنتمي المعاني إلي مستوي أعلي . وهذه المعاني كونية موجودة لدي جميع الأمم .. وهنا يرفض أبو سعيد مبرراً أن كلمة "معني" عند النحويين ذات كينونة لغوية متأصلة وهي الناحية الدلالية للتعبير الصوتي، فلكل لغة معانيها الخاصة بها . وعندما يُنظر إلي الأمر من هذا المنظور يتضح أن " أبا سعيد " لم يكن يقبل آراء "متي" مطلقاً، ولم يتحده لمجرد المناظرة وحسب . ولو رغب أي واحد في شرح أفكار أرسطو فعليه أولاً أن يكتسب معرفة واسعة في اللغة، وإلا فإن المرء قد يغفل عن الخصائص المعينة التي تميز كل لغة والفروقات بين اللغات، وبذلك يزيد ما يريد تبيانه غموضاً . ولعل مثال حرف العطف "و" وحرف الجر " في " الذي ورد ذكره في مرحلة متأخرة من المناظرة يبين الحاجة إلي ملكة لغوية – تضاهي تلك التي لدي الناطقين باللغة – قبل أن يتجرأ المرء علي قول أي شئ باللغة العربية.  وعلاوة علي ذلك إذا أخذنا تركيبة جمهور الحاضرين في أثناء هذه المناظرة فلا غرابة أن لا يجد عالم المنطق فرصة وأن يُهزم هزيمة نكراء، وكان جميع الحاضرين من المفكرين والمثقفين العرب الذين فرحوا لإذلال واحد من مناصري العلوم الأجنبية علي يد عالم من علماء النحو، مثل "أبو سعيد السيرافي "، يعرض أمام الحاضرين كل براعته ويصحح أخطاء "متي بن يونس" ضد النحو العربي كلما سنحت له فرصة .

فضلاً عن ذلك فإن الرواية التي بين أيدينا كتبها واحد من المعجبين بأبي سعيد وأحد تلامذته، وهو "أبو حيان التوحيدي"، الذي يؤمن مثل أستاذه بأن المنطق ليس ميزاناً مستقلاً يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، لأن أغراض العقول والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، فلا يستطيع أحد أن يعرف منطق اليونان إذا لم يعرف لغتهم . لأن النحو والمنطق واللفظ والإفصاح وأنواع الطلب كلها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة . فالمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة، والنحو العربي منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والعلاقة بين المعاني المنطقية والألفاظ اللغوية، أن المعاني ثابتة علي الزمان فهي من استملاء العقل الإلهي، والألفاظ طبيعية بائدة علي الزمان تبدل طبيعة بعد أخري . ويكفي النحوي أن يفهم من نفسه ما يقول، وأن يفهم عنه غيره، وأن يقدر اللفظ علي المعني، مع أنه ليس في قوة أي لغة أن تحيط بمبسوط العقل، أو تنصب عليه سوراً لا يدع شيئاً من داخله أن يخرج ولا من خارجه أن يدخل . ومن يرد إدراك منطق اللغة، فإنه يحتاج إلي معرفة حركات الألفاظ وسكناتها ووضعها وبنائها علي الترتيب الواقع في غرائز أهلها كما يحتاج إلي توخي الصواب في تأليف الكلام بالتقديم والتأخير . ولقد عرف أبو حيان هذا النسق العام من خلال ما كتبه عن المناظرة واستوعبه جيداً .

.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عامر صالحأثار حفل افتتاح بطولة غرب أسيا بكرة القدم الذي أقيم في مدينة كربلاء العراقية، الثلاثاء الماضي، جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق وخارجه، وداخل أوساط دينية وسياسية دينية وأخرى تنتمي لعموم التيار المدني. وشهد الحفل الذي اقيم على ملعب كربلاء الأولمبي، فعاليات فنية ومسرحية شاركت فيها مجموعة من الفتيات عبر تقديم عرض راقص وعزف للنشيد الوطني العراقي على آلة الكمان. وقد دعى مسؤولون محليون وقيادات دينية وسياسية الى محاسبة القائمين على الحفل باعتباره يتعارض مع قانون "قدسية كربلاء" الذي "يجرم" أية أجواء احتفالية أو سماع الأغاني في الأماكن العامة كما يحضر دخول النساء غير المحجبات الى المدينة. 

وعلق ديوان الوقف الشيعي، الخميس، على الحفل واعتبره " فعلا شنيعا يتجاوز الحدود الشرعية ويتعدى الضوابط الأخلاقية" وقبل ذلك قال محافظ كربلاء في بيان إن " الحكومة المحلية لم يكن لها أي دور في برنامج افتتاح بطولة غرب آسيا في ملعب كربلاء". فيما طالب رئيس الوزراء الأسبق الأمين العام لحزب الدعوة الاسلامية، نوري المالكي، الحكومة بفتح " تحقيق عاجل ومحاسبة المقصرين، ومن يقف خلف هذا التجتاوز الفاضح على حرمة المدينة المقدسة"، ثم توالت قيادات دينية سياسية اخرى بأدانة ما جرى في حفل الأفتتاح ومحاسبة المقيمين على الاحتفال. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي جرت أدانة واسعة من سياسيين وناشطين مدنيين الهجمة التي طالت المنظمين لحفل افتتاح بطولة غرب أسيا، وأدانوا قوى الاسلام السياسي التي سببت الخراب والدمار والفساد للعراق وبددت ثرواته الطبيعية والبشرية، وتدخلها الفاضح والفج في شؤون الحياة العامة والخاصة للناس وزج الدين في السياسة.

وهنا لا اتناول ما حصل في ملعب كربلاء الأولمبي وافتعال الأسلام السياسي لأزمة عامة بهذا الخصوص، فهو جزء من سلوك يترجم فيه الأسلامويين الموقف الديني من مختلف الفنون، ولكني أشير هنا الى ما يثيره زحف التيارات الدينية المتطرفة والتي لا ترغب بفصل شؤون الحياة العامة وحرياتها عن الدين، في الكثير من البلدان ويشكل مصدر قلق لمصادرة المزيد من الحريات الشخصية والعامة، وفتح باب الارتجال والاجتهاد واتخاذ القرارات المنفعلة للهجوم على تراث شعوبها في الموسيقى والغناء والترويح وغيرها من المجالات لتحول حياة الناس الشخصية إلى حياة صماء وجحيم لا تطاق، متجاهلين نتائج العلوم والإرث الفلسفي والفكري لشعوبها  في قيمة الفنون و لمغزى ومعاني الفنون في الحياة اليومية وفي تهذيب وإعادة صقل السلوك الشخصي والاجتماعي، السوي منه والمرضي. فهل هناك من محاولة للتسوية أو لقاء بين الموسيقى والغناء وبين الدين، أم هناك زحف و إقصاء متواصل من قبل التطرف الديني للموسيقى والغناء والفن بصورة عامة، وتحويل الموسيقى والصوت الجميل وبالإكراه في خدمة الشعائر الدينية ذات الطابع الحزين في معظمه، وإلغاء فسحة الترويح الضرورية واللازمة لإعادة بناء النفس.

أن تجربة العراق من التجارب المؤلمة والحزينة في الهجوم والتضييق على الفن ومنها الموسيقى والغناء، والتي تعبر عنها منع إقامة مهرجانات الأغنية العالمية كما حصل لمدينة بابل والبصرة سابقا، وزحفا مستمر لمنع المسرح والسينما، و محاولات غلق الأندية ذات الصلة بالفنون الرفيعة كاتحاد الأدباء العراقيين، وغيرها من الظواهر الشؤم في كليات ومعاهد الفنون الجميلة،  والقادم أسوء في التضييق على الحريات والفنون بمظاهرها المختلفة في ظل ضعف دولة القانون وتكبيل حرية المواطن والتهديد بعودة المليشيات، مما اجبر ويجبر الكثير من الفنانين إلى مغادرة العراق أو العزوف عن الموسيقى والغناء، أو التحول إلى " الغناء " الديني في المناسبات المختلفة، حيث يحتاج هو الآخر إلى مواهب وأصوات جميلة مؤثرة وذات أهداف حشدية ـ  تعبوية وسياسية مختلفة في ظروف عراق اليوم بعيدا عن الذكرى العطرة للرموز الدينية.

أن الموسيقى والغناء هي ألوان من التعبير الإنساني، فقد يتم التعبير فيها عن خلجات القلب المتألم الحزين، وكذلك عن النفس المرتاحة والمسرورة، وفي الموسيقى قد يأتي المرء بشحنة انفعالية فيها ما يكفي من الرموز التعبيرية المتناسقة في مقاطع معزوفة يحس بها مرهف الحس أو من متذوقيه، وينفعل ويتفاعل سماعيا ووجدانيا وفكريا،يحس بها إحساسا عميقا وينفعل به انفعالا متجاوبا، مثله مثل أي من الكائنات الحية. ويقول أفلاطون بهذا الصدد: " أن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم. أما من ليس له دراية بذلك فيعتقد انه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بما فيها ".

لقد استخدمت الشعوب القديمة، العربية منها وغير العربية، الموسيقى سواء كانت في نغمات أو مقامات أو أغنيات، كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج، ففي زمن يونان القديمة امن شعوبها بأهمية الموسيقى في الشفاء من الأمراض، وكان " أبي أقراط " أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي. أما الأطباء العرب فقد استخدموا الموسيقى في العلاج ومنهم " أبو بكر الرازي " و " الفارابي " و " أبن سينا " و " أخوان الصفا " و " الكندي ". فقد بين أبو بكر الرازي إن للموسيقى آثار سحرية تقي من تأجج أزماتهم النفسية. أما الكندي فكان يعتقد إن للإلحان الموسيقية آثارها الحسنة على صحة الجسم، إذ أنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات وكمساعدة على التخلص من عسر الهضم. ويقول الكندي كذلك إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها، ولذلك ادخل الآلات الموسيقية كالدفوف والأعواد لمعالجة مرضاه، وهو من أضاف الوتر الخامس للعود ونفذه عمليا زرياب. أما ابن سينا فله في هذا قوله المأثور: " الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء ". والفارابي الذي بلغ منزلة كبيرة في تضلعه للموسيقى علما ومزاولة، وكان يفخر بنفسه بأنه يضرب على العود، وهو الذي أكد على الأثر الايجابي للموسيقى في الحياة المدنية وخاصة عندما تتلبس بقول الشعر. ويذكر أخوان الصفا في رسائلهم عن استعمال الموسيقى في مشافي " المجانين " التي وجدت في ذلك العصر، حيث كان يلجأ الأطباء العرب لشفاء " المجانين" إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عن مرضاهم أثناء النوبات، ويؤكد أخوان الصفا كذلك إن الموسيقى تؤدي إلى السكينة الكاملة والطبيعية لدى المرضى بعد الاستماع للنغمات الموسيقية.

وفي عالمنا المعاصر إذ تنهال علينا نتائج الأبحاث العلمية في ميادين التربية وعلم النفس والطب وغيرها من العلوم، وجميعها تؤكد على أهمية الموسيقى والغناء في حياة الإنسان وصحته الانفعالية والفكرية والعقلية والجسدية، وتشكل بدورها دليلا ميدانيا محكما في صحته لتلك الأهمية التي تحدث عنها التراث العربي والعالمي. ونستطيع أن نجمل بعض من فوائد الموسيقى والغناء في ضوء نتائج البحث العلمي بما يأتي: أن الموسيقى والغناء الهادئ يفيد الأفراد الذين يعانون من الأرق وتؤدي فعل المهدئات الطبية، كما تساعد على تنظيم النبض والتنفس والدورة الدموية والحد من التوتر العصبي، وتسهم في تخفيف حالات الاكتئاب والقلق، وتساعد على تخفيف آلام الظهر، والنخاع ألشوكي، والأمراض العصبية، وارتفاع الضغط وآلام الرأس، كما تساعد الموسيقى والغناء الذي يحبذه الشخص على زيادة إنتاجه في العمل أو الوظيفة التي يمارسها عند سماعه لذلك أثناء العمل و في ظروف لا تزعج الآخرين، كحمل السماعات في الآذان، كما أكدت الأبحاث أن سماع الموسيقى والغناء من قبل ممارسي رياضة الركض يفيد كثيرا في عدم إحساسهم بالتعب أثناء ممارسة هذا النوع من الرياضة، حيث تساعد الموسيقى على إفراز مادة " الاندروفين " في الدماغ والتي تساعد على عدم الإحساس بالتعب مقارنة بمن لا يستمع إليها أثناء أداءه للتمرينات، كما أبدى المصابين بالسكتة الدماغية والذين تدهورت لديهم القدرة على المشي، مزيدا من التحسن عند تدريبهم وسماعهم لنوع من الإيقاع الموسيقي، وقد أظهرت الأبحاث العلمية أن المرأة الحامل يكون نصيبها في حمل هادئ أكثر من نظيرتها المرأة التي لم تستمع إلى الموسيقى وكذلك أثناء الولادة حيث يكون الألم اقل في فترة المخاض لدى مستمعات الموسيقى، وتساعد الموسيقى والغناء المسنين والعجزة على تحسين الذاكرة واسترجاع المعلومات وحتى بالنسبة للشباب والأطفال. كما أصبح معروفا اثر الموسيقى على النباتات وانتعاشها وزيادة رونقها، وكذلك أثرها الواضح على " نفسية الحيوان "، مثل اثر النغمات الناعمة والهادئة على البقر في إدرارها اللبن، كما ونوعا، وهكذا فأن الموسيقى والغناء يشكلان بيئة مواتية للشفاء والعطاء لكل من الإنسان والحيوان.

أما بالنسبة للدور التربوي الذي تؤديه الموسيقى والغناء فقد عكفت النظم التربوية والتعليمية العالمية والمتطورة على تضمين مناهجها الدراسية بمادة الموسيقى والغناء وإعطاء حقها من المنهج الدراسي، وعدم استلابها لمصلحة المواد الدراسية الأخرى واعتبارها مادة ثانوية عديمة الجدوى كما يجري في نظمنا التربوية. وقد أكدت النظم التربوية المعاصرة أن هذه المادة الدراسية لها دور أساسي في النمو الجسمي، والعقلي، والانفعالي والاجتماعي، ووفقا لذلك فأن التربية الموسيقية تؤدي إلى تنمية التوافق الحركي والعضلي في النشاط الجسمي، والى مجموعة من المهارات الحركية، إضافة إلى تدريب الأذن  على التميز بين الأصوات المختلفة، ويتم ذلك من خلال أنشطة موسيقية متعددة كالتذوق الموسيقي والغناء والإيقاع الحركي والعزف على مختلف الآلات، وكذلك في تنمية الادراك الحسي والقدرة على الملاحظة وعلى التنظيم المنطقي وتنمية الذاكرة السمعية والقدرة على الابتكار، إضافة إلى مساهمة الموسيقى في تسهيل تعلم وتلقي المواد الدراسية الأخرى وارتفاع مستوى التحصيل فيها، إلى جانب تأثير الموسيقى في شخصية الطفل وقدرتها على خفض حالة التوتر والقلق فيصبح أكثر توازنا، إضافة إلى أن الموسيقى تستثير في الطفل انفعالات عديدة كالفرح والحزن والشجاعة والقوة والتعاطف وغيرها، وهو ما يساهم في أغناء عالم الطفل بالمشاعر التي تزيد من إحساسه بإنسانيته، كما تساهم الموسيقى في تنمية الجوانب الاجتماعية لدى الطفل، حيث تشتد أثناء الغناء والألعاب الموسيقية ثقة الطفل بنفسه ويعبر عن أحاسيسه بلا خجل وتسهل توطيد علاقاته بأقرانه، إضافة إلى الجانب الترفيهي في حياته، كما أن الموسيقى والغناء يعيدان إنتاج التراث الثقافي والفني في ذهنية الأطفال.

وأمام كل هذا الكم الهائل من الدراسات العلمية والتربوية والنفسية والتي تؤكد على استجابة الفطرة الإنسانية للموسيقى والغناء،  في صحتها ومرضها، نواجه الموقف الديني الذي يفسر نصوصه فقهاء الدين وتجسده ممارسات الإسلام السياسي على الأرض وبكل وضوح في التضييق على حريات الناس في الاستمتاع بالموسيقى والغناء وغيرها من الفنون، ويجري هذا التضييق ومصادرة حرية الأفراد في الاستمتاع بالفنون على خلفية الفهم المشوه للنصوص الدينية التي ترد في القرآن وكذلك في الأحاديث النبوية، كما لا يوجد خلاف على تحريم الموسيقى والغناء لدى كل المذاهب الإسلامية، إلا في بعض الاختلافات الشكلية والتي تصب جميعها في خدمة المحرم. ويستند هذا التحريم إلى ما ورد، على سبيل المثال لا الحصر ، في سورة لقمان/الآية ( 6 ): ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم )، وحسب جموع المفسرين فأن " لهو الحديث " يقصد به الغناء وما يلهي عن الخير والأكاذيب، وكذلك ما ورد في سورة الحج/الآية ( 30 ): ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور )، ويقصد هنا " بقول الزور " لدى أهل السنة والشيعة هو مجالس الغناء وأيضا شهادة الزور أي شهادة الكاذبة ولا مانع " حسب المفسرين " من أن يكونا مقصودين في الآية المذكورة فتحمل على كلا المعنيين، وقد ورد أيضا في سورة الإسراء/الآية ( 64 ): (واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)، ويلتقي في هذه الآية  كل من أهل السنة وأهل الشيعة على تفسير معنى " بصوتك " والمقصود بها هنا هو الغناء والمزامير واللهو والملاهي، وآيات قرآنية كثيرة تشير إلى تحريم الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية لا مجال لذكرها بكثافتها هنا.

أما في السنة النبوية فقد جاء التحريم مطابقا لوروده في القران، والأحاديث النبوية هي الأخرى لا حصر لها، واذكر القارئ هنا ببعض من هذه الأحاديث لكي تسند الحديث عن تحريم الغناء والموسيقى، يقول النبي محمد: (إياكم  واستماع المعازف والغناء، فإنهما ينبتان النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل)، ويقول أيضا في حديث آخر: (إن الله بعثني رحمة للعالمين، ولأمحق المعازف والمزامير، وأمور الجاهلية ). كما يدخل الأئمة هنا على خط التحريم ليؤكدوا ذلك، كما في قول الإمام الصادق: (بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله الملك)، ويدخل على خط التحريم أيضا علي خامئني، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوله: (الغناء محرم شرعا مطلقا، حتى في الدعاء والقرآن والأذان والمراثي وغيرها).  أما في المملكة العربية السعودية وبعد سلسلة مثيرة من الفتاوى الغريبة لمفتيها العام بتحريم الفنون من غناء وموسيقى وسينما ومسرح بوصفها تلهي القلوب أضاف المفتي الأرجيلة - الشيشة ولعبة الشطرنج الى قائمة المحرمات التي تطول يوما بعد أخر لتكشف عن خطورة هذا النهج المتشدد. وهكذا نجد إجماعا على تحريم الموسيقى والغناء والفنون الاخرى لدى جميع المذاهب الإسلامية، لما يسببه حسب رأيهم من انهيار للقيم والأخلاق وفساد الشباب وضياع الوقت وانهيار المجتمعات، والانحراف عن الدين، والتسبب في الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية والروحية.

وهكذا نجد تعارضا بين معطيات البحث العلمي وتفسير الخطاب الديني، ويثير لدينا تساؤلا: " إذا كان الخطاب الديني لا يقف بالضد من نتائج البحث العلمي كما يدعي كل فقهاء الدين، فعلام هذه الفرقة بين العلم والدين في إحدى قضايا الحياة الروحية والنفسية والجسدية، إلا وهو الفن والموسيقى والغناء، أم هي دعوة مستديمة ومتجددة لفصل الدين عن الدولة وعدم التدخل في الحريات الشخصية، ولكي تأخذ مكونات الحياة الفكرية والثقافية والعقلية نصيبها من الثراء والرقي والتقدم بعيدا عن عبث المتأسلمين.  وتأتي هنا واقعة الهجوم على مهرجان الأفتتاح لبطولة غرب آسيا الذي اقيم في كربلاء ترجمة سلوكية واضحة من قوى الاسلام السياسي وموقفها العدائي من الفنون، وما افتعال قدسية المكان إلا لصب الزيت على نار التدخل في الحياة العامة وإشعال المزيد من الفتن وعدم الاستقرار.

 

د. عامر صالح