مجدي ابراهيملولا الأطماع الكاذبة لما استعبد الأحرار بكل شئ لا خطر له. هذه حقيقة لا شك فيها؛ إذ الطمع كما قيل رق مؤبد، فما بالك فيما لو كان كاذباً، فالحر الذي يستعبده الطمع الكاذب يغله بأغلاله ويقيده بقيوده، وهو من بعدُ لا خطر له، فكأنما يتركه مدحوراً في سراب خادع لأوهام مريضة، طاقته وقعت على لا شئ، وبددت في لا شئ، فالرق يطويها كما يطوي الوهم كل ضعيف مغلول.

لم يكن للمُدْرِكْ لمثل هذا الإدراك سبيلٌ يعَرَفَ به من فوره طريق الحرية؛ إذا لم يكن من قبل قد عَرَفَ ذَاَتَهُ، واستبصر ما فيها من نقاط القوة ونقاط الضعف، وغلّب الأولى على الثانية ضرورة. وطريق الحرية واحد بوحدة "الذات" لا يتغير ولا يتبدل لأنه طريق يحمل قيماً غير القيم المتعارف عليها ظاهرياً، لا بل هو فوق حدود المفاهيم جميعاً، وفوق قيودها وسدودها وحواجزها.

الحرية هنا فوق المفهوم؛ لأن المفهوم قيد وحَدّ، حاجز هو وَسَدُّ، فإذا كانت قيم الحرية تتعدد حسب النظرات الفلسفية إليها، سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو ميتافيزيقية، وتتعدد حسب مفاهيم القيم واختلافها وتضاربها أحياناً عند أصحابها، فهى من أجل ذلك قيم وضعيّة لا تعرف الانفتاح ولكنها تنحصر في المفهوم، وتنحسر في التصور، إذْ لو كانت قيم الحرية مأخوذة من طريقها المُفْرَد الواضح، إذْ الإنساني لا يكتمل إلا بالإلهي ولا يتحرّر إلّا به، لكانت تحرُّراً من هوى الإرادة في كل مرغوب فيه، ولصارت تحرُّراً من كل عوائق "الذات" في تفرُّدها، ولأتفق الجميع على تحديد معنى "القيمة" التي تحِدُّ الحرية ولا تدع لمعناها حَدَّاً إلا وربطته بقيم الوجود الروحي الباقي، والموصول بالإلهي، وأدخلت عليه طريقاً يمكن أن يكون مأخذه سهلاً بمقدار ما يكون سبيله أيسر وغايته في التوجُّه سَمْحَاء.

هنالك يعمل الاستبصار عمله الفاعل في ملاقاة الجوانب الوضيئة للحرية الإنسانية المجردة عن عوالق الأهواء، والمتصلة بسبُل المصير الإنساني إن في التوجه ووحدة القصد، وإن في التفرد في السلوك والثبات عليه.

مشكلة الحرية في بلادنا أنها تختلف باختلاف الأفراد الذين يزعمون لأنفسهم أو يظنون عندها قَدْرَاً من التحرُّر، وهى في الحق الذي لا مرْيَة فيه أنها مُكبَّلةٌ بقيود الهوى مقرونة بتحقيق المنفعة الخاصّة بالأشخاص بعيداً عن التَّجَرُّد والنزاهة.

من أجل ذلك؛ فلن تكون هنالك حرية ما لم يكن هاهنا في الأصل تحرُّر عن القيود الجُوَّانيَّة المُكَبَّلة برغائب في النفوس مستشرية على غير ما من شأنه أن يكون متوقعاً ممّا عساه ينحدر في أعماق وعينا بهاته النفوس.

وفقدان الاستبصار بداهة مدعاة إلى الرق والاسترقاق والخضوع المزري لأوهام لا حصر لها من الأشخاص والمجتمعات سواء بسواء. وليس من قيد يَرق المرء ويذله أمضى وأقوى فتكاً من الطمع.

وبما أن الطمع في الشيء دليل على الحبِّ له وفرط الاحتياج إلى نيله، الأمر الذي يدل على عبوديته وعلى الصغار الذي ينطوي عليه صاحبه، فكذلك يكون اليأس من الشيء دليلٌ على فراغ القلب منه وغناه عنه، وفي ذلك حرية منه، فالطامع عبدٌ، واليائس حرُّ، وقد قيل:

العبـدُ حُرٌّ ما قنع            والحـــرُّ عبـــدٌ مــا طمَـــع

فاقنع ولا تطمــع فما       شيء يشين سوى الطمع

فالطمع رقٌّ مؤبَّد كما يقول العارفون. وما بَسَقَتْ أغصان ذُلُّ إلا على بذْر طمع. وملاك الدين هو الورع، وفساده الطمع. وفي الحِكَم العطائية :"أنت حرُّ ممّا أنت عنه آيس، وعبدٌ لما أنت فيه طامع". وقد روىَ عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في معنى قوله :"فَلَنُحْيِينَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً" قال : هى القناعة.

وليس هناك من عيب أعظم لآفات النفوس ولا أقدح في عبوديتها من ذلك الطمع الذي هو أصل جميع الآفات؛ لأنه محض تَعَلُّق بالناس، والتجاء إليهم، واعتماد عليهم، ليس هذا فقط بل وعبودية لهم كذلك، يفقَد معه المرء حريته تماماً ويرتد  من فوره عبداً ذليلاً لا يعرف له عزة ولا كرامة ولا مهابة ولا إيماناً ينقذه من ذل الهوان.

وفي هذا من المذلة والمهانة ما لا مزيد عليه، ولا يحلُّ لمؤمن يعرف لعقيدته كرامتها ولدينه عزته ولنفسه عتادها ومهابتها أن يذل نفسه بالطمع الذي هو مضاد لحقيقة الإيمان؛ إذْ الإيمان يقتضي وجود العزة. والعزة التي اتصف بها المؤمنون إنمّا تكون برفع الهمّة إلى مولاهم بطمأنينة قلوبهم إليه وثقتهم به دون سواه :"ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين".

هذه العزة التي منحها الله عبده المؤمن، أساسها الورع، ملاك الدين. ووسيلتها الاستبصار الباطني والتفتيش في المقاصد. ولم تكن الحرية في لب لبابها إلّا فرعاً يتفرع عن عزة المؤمن بإيمانه واستبصاره بمرقاه صعداً مع هذا الإيمان، ومع الورع الذي هو ملاك الدين.

وكما تكون العزة والحرية والإيمان أموراً هى من صفات المؤمنين، كذلك تكون الذلّة والمهانة والنفاق أموراً هى من أخلاق الكافرين والمنافقين :"إنّ الذّين يُحَادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أولئك في الأذَلّيِن" (المجادلة : آية 20).

إنّ التقديس الذي نتوخَّاه ليس تقديس النفوس ولا الأشخاص ولا الأهواء ولا المنازع الخاصّة ولا العقائد ولا الآراء ولا آفات النفس الظلمانية بل هو تقديس "القيمة" في مَظَانَّها ومواطنها، إذا ما كانت القيمة علوية ذات مصدر إلهي، وكانت أهدَافُها مستمدةً ممّا هو مقدس لا يُمَسُّ بفعل الهوى أو بفعل النزوع الذاتي المعبَّأ بالآفات الشخصية والأوهام الذاتية الأنانية، وكل ثورة على "المقدس"، ذي المصدر الإلهي باسم الحرية إنْ هى إلا عبودية للنفس غارقة في الاستعباد فيما لا عساه تدرك، رقٌّ مؤبّدٌ وعبودية للنفس بكل ما في النفس من آفات وأمراض وكفران وأوهام تعيش فيها وتتمثلها حتى الرمق الأخير؛ إنْ هى إلا عَمَايَة، أو ضرب من ضروب الظلمة، ليس يسعى المرء إلى الخلاص منها، وهو مقيد وأسير.

كل ثورة على الوحي النزيه الحُر المقدس ما هى إلا خدمة للهوى الفتاك وضلال يقود إلى الضلال! إنّ فهم المقدس والاجتهاد في الترقي إليه، ومحاولة تأويله واستخراج مراميه ودلالاته، وإبراز أفقه الواسع الرحيب شيء، ثم التحرر منه وإقحام العقل المحدود لنقده -  ونقد المقدس لا يستثنى منه عمل العقل! - شيء آخر.

كل محاولات التّحَرُّر من قداسة المقدس ذي المصدر الإلهي والتي تتم بواسطة بعض العقول المعزولة عن ملابسة جوهر الإيمان وحقيقته الباطنة إنْ هى إلا محاولات باغية من نفوس ظلمانية وَقَرَ فيها الضلال حتى منتهاه. وَبَغْيُ الناس للناس بغير الحق مردودٌ على الناس أنفسهم، إنما هو بَغْيٌ بغير الحق على أنفسهم :" يَأيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلىَ أنفُسِكُم، مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنيَا، ثُمَّ إلينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (يونس: آية 23).

تلك المحاولات التي يتخذها البعض موجة عصرية يركبونها كيما يشتهرون بين ضعاف القلوب والعقول ليشار إليهم بالبنان، إنما هى محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس لا العبودية لله، وعبودية النفس عبث فكري فوق كونه اعوجاجاً باطنياً لا يَنمُّ إلا عن قصور في الرؤية وخواء في التفكير والتقدير، مَا إنْ تقرأها وتصبر على قرأتها حتى تشعر من فورك بالقذارة الفكرية.

إنها لأمراض نفسية باطنة لا تزول إلا بزوال أصحابها، إذْ ليس لها علاج؛ لأن صاحبها ليس بجاهل حتى يَعْلم، ولكنه ضال ومنحرف، وغارق إلى أبعد الحدود في الضلالة والانحراف.

لا ريب كانت محاولات تعيش في ظلال العبودية للنفس أو للعقل لا العبودية لله وهى، من ثمَّ، ظلال لها من الأبعاد الذاتية التي تخدم المآرب الشخصية الخاصّة الباغية ما من شأنه أن يمنع تحقيق الحرية.

وعليه؛ فالحرية الحقيقية لا تعني ممارسة الأهواء والخزعبلات الشخصية ولا القدرة على تنفيذ ما يستطيعه الفرد بغير رقابة داخلية من عصمة الضمير المبْطُون في أعماقه الجُوَّانيَّة، أو حتى رقابة خارجية، والرقابة الخارجية ليست شيئاً على الإطلاق بغير معونة وإمداد الرقابة الداخلية : رقابة الضمير الحي اليقظ ورقابة الفاعلية الروحية.

إنما الحرية الحقيقية تعني معرفة الذات، ودوام البحث عن الذات، والقدرة على امتلاك الذات، والتحرر من عبادة الأصنام والأوثان التي نعبد فيها صباح مساء، وكشف أسرار البذرة الإنسانية : السّرِّ الإلهي العجيب في الجوهر الإنساني ثم التّحَرُّر من كل شيء يعوقه ويقف حجر عثرة في طريقه.

وموالاة هذا السّر، والعمل على اكتشافه، وشهوده في الإنسان، هى مهمة الاستبصار الصوفي، ومهمة كل من يواليه في الإسلام ويقتدر عليه. والاستبصار تجربة بين الحرية والأخلاق. وهو الرابط الوطيد بين هاتين القيمتين في عالم الفكر وفي عالم التطبيق، فلا تكون حرية ما لم تمارس ولا تكون معرفة مالم تطبق ولا تكون فكرة ما لم يجريها التحقيق.

وبهذا تتم الحرية، إذْ يَتم معرفة الوجود الإنساني، ويمكن أن يجيء معه حكم الممارسة حكماً صادقاً وفعالاً ليس يشك فيه مجرب بوجه من الوجوه؛ لأن الحرية تجربة وممارسة قبل أن تكون إطاراً نظرياً وكفى.

الإطار النظري بعيدٌ عن التحقيق والمعايشة والحياة لا يشكل من الحرية شيئاً ذا بال، ولا يحقق في الضمير عصمة ولا شعوراً بالتبعة، قد يجيءُ الإطار النظري معرفة سطحية معزولة عن الوجود، ولكن هذا كله على صعيد النظر الذي يخلو من الفاعلية والتطبيق سهل المأخذ قريب المورد تتناوله الإرادة العالمة وكفى، ولكنه يظل بمعزل عن التجريب، ويبقى السؤال قائماً : أين هى الأمانة التي تتوافر في الفرد القادر على حفظ الأمانة بعد تحملها لممارسة فعل الحرية؟!

إنما الحرية تبعة مسئولة تحتاج لفعل الأمانة - كيما تصبح قيمة باقية نافعة ومؤثرة - لتنزيلها من أعلى إلى أسفل، أعني من التجريد النظري وعالم المفاهيم إلى دنيا الواقع الممارس بالتجربة التي تُشَكّله ناهيك عن تنظيرها وتقديرها في مجال الفكر أولاً ثم مجال العمل الواسع والحياة المعاشة ثانياً فهلا كانت هذه الأمانة، وأين هى؟

تكمن الأمانة في الإرادة التي تحقق تلك التبعة المسئولة، وممارستها على صعيد النشاط العام، وتتمثل في الأخلاق، وتنشَّط بالتربية على "الفعل"، وبالتدريب والتهذيب والتقويم، وبامتلاك عادات الإرادة (التَّعَوِّد، والمران، والدُّرْبَة، والتكرار).

من الممكن - لا من المستحيل - أن تجيء الأخلاق مشروطة بالحياة؛ فنحن نقول على الدوام الحياة الأخلاقية ولا نعني بها إلا أن تكون الأخلاق لب لباب الحياة عندنا. أمَا وَقَدْ فَارَقَتْ حياتنا في أخص خواص الإدراك فيها مثل هذه الصفة الأخلاقية، فقد نقع عند ذلك في محظور الوعي ومحظور الفكر والعمل؛ إذْ تَسْقُط كل القيم والدلالات المؤكدة للفعل الحيوي؛ لتصبح الحياة غير جديرة بمعناها، إذا نحن حذفنا منها الجانب الأخلاقي المسئول الكامن في جوهرها : جوهر الأحياء. ولولا وجود هذا الجانب في جوهر الأحياء من الآدميين، ولولا الطرْقُ الدائم على فعاليته التهذيبية في العمل والسلوك، وفي أنماط الإدراك الإنساني على وجه العموم لسقطت منَّا قيم الحياة مجتمعة، إذْ ما قيمة الحياة إذا هى خَلَتْ في الجوهر من الأخلاق؟

ما قيمتها إذا انفعلت فينا جوانبها جميعاً غير جانب واحد منها هو الجانب الأخلاقي؟ ما قيمة الحياة إذا فرضنا أن القوانين التي تحكمها ليست تخضع في الجملة فضلاً عن التفصيل لروابط خُلقية؟

الحياة بغير أخلاق لا قيمة لها؛ لأن الأخلاق في أبسط معانيها قرابة إلى سلوك الأحياء هى أنها لابد أن تمارس في بطن الحياة واقعاً معاشاً وفعلاً يقبل الممارسة والتسليك، وليست هى بالفكرة النظرية يُفَارقها السلوك ويغادرها العمل ثم تلوكها الألسنة، من بَعْدُ، توصيفاً وتنظيراً. وما كان الطابع التنظيري أبداً إلا بمثابة الإطار الخارجي للفكرة الخلقية : الغطاء البَرَّانيِّ والشكل الظاهري الذي يحمله التصور الإنساني المحيط بالأفكار والأقوال حول ما ظهر من العمل فكان مدعاة للتنظير أو ما نقص منه فكان مدعاة للتقويم، لكأنما التنظير أطار خارجي لنواقص العمل ولتوافر العملية النقدية في الناحية النظرية إذا هى لم تسدد في الناحية التطبيقية، إذْ التطبيق أحياناً لا يدع الفرصة سانحة دوماً إلى العلاج : علاج القصور الناشئ في الحركة التهذيبية؛ فينتقل قصور العمل إلى تفكير النظر ليحيطه بالسداد والاكتمال بعد أن كان أصل الحركة التهذيبية فكراً خالصاً وعلماً دائماً، لكن هذا الفكر النظري الخالص أو هذا العلم السطحي الدائم لا وجود له حقيقةً في الواقع الفعلي ما لم يخضع لاستمرارية التهذيب والتطبيق، حينذاك يكشف عن وجوه القوة فيه ووجوه النقص الذي يعتريه.

فشأن الأخلاق كشأن التجربة الصوفية : أولها فكرة نظريّة. وثانيها: تطبيق وممارسة. وثالثها : حركة فكرية لما كان طُبق بالفعل. فالتطبيق الذي هو بالاصطلاح الفني للقوم يُدْعَي "التسليك" وسط بين محورين. أولهما : الفكر الداعي للحركة الفعلية؛ وهذا محور النظر قبل العمل. وثانيهما : الفكر التنظيري الذي يتمخض عن التجربة العملية، وهذا محور النظر بعد العمل، وهو بالطبع يختلف عن المحور الأول؛ لأنه يشرح التجربة ولا يكادُ يكون ممدود العلاقة بمحور التنظير الذي يأتي قبل العمل.

هكذا تكون التجربة الفاعلة هى المحركة لعبارات القوم إنْ على مستوى التذوق وإنْ على مستوى المقول.

ومن فيض التجربة تجيء العبارة - ناهيك عن الإشارة - وَيُفْهَم من ثمّ مدلول الخطاب.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

يوسف محسن2003- 2017

هل أن البريطانيين قد وحدوا على نحو مصطنع مناطق وولايات متباينة و مجموعات دينية، وعرقية، وعشائرية في ظل دولة لم تتطور الى أمة؟ الى أي حد كان الصراع الطائفي، والحكم السلطوي، نتيجتين للانماط البنيوية السياسية حددت تاريخ العراق منذ التأسيس الأول؟ التساؤل الذي يطرح عن ماهية الإشكالات البنيوية التي أعاقت تطور أمة عراقية منذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة العام 1921 على يد البريطانيين ؟ ماهي العوامل التي أدت إلى بروز االطائفية بوصفها العامل البنيوي في السياسة العراقية؟ فضلاً عن ذلك أن المجتمعات العراقية شبه منفصلة عن بعضها, سواء كان ذلك على الصعيد الجغرافي، أو الاقتصادي، أو البنى المجتمعية والتكوينات، والتنظيم المؤسساتي، وعلى الرغم من السياسات الادماجية التي مورست منذ التكوين الأول للدولة الوطنية (التعليم الموحد، والإعلام، والاقتصاد ،والتجنيد) ولكن لم تتشكل هوية أو أمة, حيث أن المجتمع العراقي يتشكل على الأنموذج الانقسامي, فالتمايزات الدينية، والمذهبية، والطائفية متجذرة في البنى الاجتماعية، وسوسيولوجيا تاريخ الجماعات.

عقم الدولة وعصيان الولادة

يطرح حنا بطاطو فرضية في غاية الأهمية إذ يقول: إن التوجهات القومية للدولة في حقبة ما قبل البعث استطاعت أن تتعايش مع الولاءات القديمة (الولاءات الطائفية، والقومية، والدينية) آنذاك واخذت تعمل على تآكل وتفتيت تلك الولاءات، هذه الفرضية أثبتت عقمها في تاريخية الدولة العراقية الحديثة عبر اصطدامها مع مفهوم العصرنة وإعادة بناء الأمة - الدولة، سواء كان ذلك في حقبة الجمهوريات، أوالدولة الفاشية البدوية الصدامية، وقد تحولت مجموعة الهويات العراقية الى تركيبات سرمدية متجوهرة، وحقل صراعات دورية، وصدام بسبب انهيار المشروع الليبرالي العقلاني ونمو الأصوليّات الدينية، والنزاعات الطائفية ورافق هذا الفشل انبعاث الهويات الفرعية، لا سيما هويات  الجماعات الدينية  وهو يمثل هزيمة للدولة، حيث جرى الدمج القسري بين الدين/ السياسة وتحول السياسة إلى حقل مقدس والامتثال الى دين الطائفة عبر إنشاء بنية مؤسساتية ذات نزعة عسكرية محاربة داخل الطائفية السلفية (الشيعية والسنيّة) وبسبب غياب التصورات الهرمية داخل بنية المجتمع العراقي، برزت المجموعات السلفية الجهادية الطائفية، سواء كانت السلفية الجهادية الشيعية او السلفية الجهادية السنّية،  وأصبحت محور العلاقات والهيمنة وإعادة إنتاج التمايزات الثقافية وتشكيل نسخ الحقيقة عبر مجال القوى والممارسة الانتوغرافية والمعتقدات الدينية.

طوائف وقوميات مقدسة

البنية الاجتماعيّة العراقية  تكوّنتْ من طوائف (communities) متمركزة على ذاتها، وكل منها يمتلك معاييره وتقاليده الخاصةَ به، وكل مجموعة طائفية تمتلك ميثولوجيّتَها الخاصةَ بها ما جعل العراق معرضاً للنزاع الدائم، ولكونه بلداً مركباً حديثاً كان محتوماً أن تدمره الضغوطُ المحلّيّةُ، حتى اصبح النظام السياسي، نظاماً طائفياً يستند إلى الطائفية بوصفها مؤسسة سياسيّة، وتجري عملية  مأسسة وندماج بجهاز الدولة، من أجل إنتاج مخيّلةٍ تاريخيّةٍ.

مشاريع وهمية وبناءات مثيولوجية

وقد شكل المجال الثقافي العراقي مجالاً واسعاً لإنتاج وإعادة إنتاج تراكمات الرأسمال السلفي الطائفي داخل الطوائف (سنّي/ شيعي) عبر إحلال مشاريع وهمية ثقافوية وبناءات مثيولوجية يتأسس لاهوتها السياسي على نظام مستند لتأويل العالم كنموذج نهائي، نظام مغلق يتسلح دائماً بأدوات المناعة ضد قرارات الواقع الاجتماعي وتصورات مغلقة، ويعود هذا ظهور (الطائفية السنيّة والشيعية السلفيتين) إلى أسباب متعددة.

أولأ: وجود مخزون تاريخي ضخم قائم على تمثيلات تاريخية ودينية، او يتم اختراعها في حالة اختفائها وانغلاق هذه الجماعات على بنية معرفية إضافة الى وجود ايديولوجيات خلافية.

ثانياً: أزمة الهوية التي تعصف بالمجتمعات المتحولة تاريخياً، ووقوع المجتمع العراقي بين هويتين التباسيتين هوية سياسية لم تتبلور، وهوية دينية متكونة ومتبلورة قادرة على إعادة إنتاج نظام الفروقات والخلافات .

ثالثاً: توظيف الرأسمال الرمزي للجماعات الدينية (الأفكار والعقائد والتقاليد) التي تشكل محركاً للتوترات المستديمة واحتكار الحقيقة السياسية، والدينية والتحول الذي يصاحب بنية الطوائف الدينية من هويات فرعية إلى مؤسسات دينية متكاملة.

رابعاً: إن كل جماعة دينية (شيعية/ سنّية) أخذت تشكل سردياتها الانثروبولوجية المتكاملة وكتلة المفاهيم والمقولات.

ذاكرة طائفية تنازعية

المعضلة السياسية التي يواجهها العراق أكثر تعقيداً فالخلافات بين السنّة من جهة، والشيعة من جهة أخرى بشأن ماهيّة الدولة العراقية لا تقلّ أهمية عن الخلافات اللاهوتية مع أن الطائفية لا تعكس الفروقات الدينية بين الجماعات فقط، وانما كانت دائماً متصلة بالسلطة، والموارد والهيمنة، ويمكن اكتشاف جذور النزاع في المخيال الديني والسياسي، حيث يستند المخيال السنّي والمخيال الشيعي إلى التاريخ لكونهما تبلورا عبر نموذجين متباينين, المخيال السنّي يتشكل عبر أنموذج البطل الذي يركز على الانجازات الحضارية الكبرى، ويتغاضى عن السلطوية والوحشية التي اتسمت بها الدولة الإسلامية الكلاسيكية, أما المخيال الشيعي فهو ينتج نموذج الشهيد من أجل بقاء جذوة فكر الامامة حية، لكون الشيعة شكلوا دائماً الاقلية المقصية والمهمشة في تاريخ العالم الاسلامي.

وهنا من الصعب أن نتناول التاريخ العراقي وتبدل تشكيلاته بالقطيعة عن تاريخ الجماعات الطائفية وصراعها على الدولة السياسية والسرديات الإسلامية الكلاسيكية (الإمام/الأمير) التي تعد احدى الديناميكيات البنيوية الداخلية لتطور الحدث السياسي اليومي، عبر المتخيل الطائفي السلفي الجهادي، الذي هو أداة رئيسة في تعيين الهويات والتمثيلات الثقافية، وأخذت نسقاً بنيوياً وجماعياً يؤسس على الاجتماع الثقافي العصباني.

فالخطاب السلفي الطائفي (اقصد هنا السلفية الجهادية الشيعية، والسلفية الجهادية السنّية) في العراق أسس مشروعيته بواسطة إنتاج تصنيفات تاريخية، وثقافية، ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية، والسياسية،  والاقتصادية مبلوراً نموذجاً بنيوياً تركيبياً تبادلياً داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي إنتاج إفرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي، ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات الطائفية.

تفجير القبة العسكرية

لذا فإنّ صدام الهويات الطائفية العراقية بعد تفجيرات القبة العسكرية العام 2006، يؤشر إلى سيادة الرؤية اللاعقلانية الإقصائية التي تسعى إلى تقويض التنويعات الدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي يستند إلى الاستبعاد التيولوجي المتبادل في التصنيف ويحمي الجماعات السياسية من عمليات الاعتراض عليها بإضافة كاريزما مقدسة، تحتوي في داخلها عناصر الصراع السياسي، والديني بشأن الثروات/ السلطة الرمزية/السلطة المادية، ونتيجة للتركيبات الديموغرافية للمجتمع العراقي تبلورت مجموعة مكونات تتمركز حول هويات (اثنية، قومية، دينية) وهي صياغات لتمثيلات (الحيز السياسي) داخل هشاشة التكوينات العراقية إذ اعتمد (النسق المقدس) كحقل شائك ومعقد. فهوية الجماعات الشيعية، نتاج للقوى الثقافية والدينية والاضطهاد التاريخي والشعائري والإقصاء عن الأنظمة الفكرية الإسلاميّة، إضافة إلى تراكم منظومة الرأسمال الرمزي والتي تبلورت عبر حقل التاريخ، فهي تمثل هوية جوهرية، تفتقد للتشكيلات الاندماجية بسبب الصراعات بشأن (المواقع والهيمنة في السوق الرمزية) هذه الهوية تقوم على مخزونات ضخمة من الاستيهامات الذاتية والجماعية والوعي الاغترابي والتمزق وبالعودة إلى الظهور الدوري لشخصيات ورموز كارزمية في وعي الفاعلين الاجتماعيين السياسيين، تتشكل عبر بنية مؤسساتية يقودها طاقم ديني قادر على إنتاج وعي معين للإتباع في حين لم تتشكل هوية الجماعات السنّية إلا تحت وطأة الصراعات السياسية الحديثة، لذا سادت الرؤية اللاعقلانية وتخلفت سردياتها السياسية والأيديولوجية والدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي ذي بنية إقصائية، اضافة إلى افتقارها إلى بنية صلبة، حيث إن هذا الصدام بين الهويات داخل المكون العراقي (صدام الهويات السلفية) صياغات سياسية مخترعة لاحداث التفكك والاضمحلال في حقل التاريخ، بعد الحادث الأميركي، نجد أن هناك سياسات اقصاية وايديولوجيات تحريضية واضطهاد ممنهج المجتمعات السنّية/ المجتمعات الشيعية في العراق تبادلياّ، فضلاً عن الذاكرة النزاعية والاختلاف والتمايز بينهما في الاعتقاد والفقه والرؤية المتشكلة في العالم الإسلامي.

ايديولوجيات طائفية

إن الدين السياسي الطائفي يعد شكلا إيديولوجيا- سياسيا، يشتق زخمة الجوهري من الأجوبة التي يعطيها على الأسئلة الوجودية للجماعات بشأن الشروط الإنسانية ومعنى الحياة وتحليله للأصول التاريخية والنظام الطبيعي والحوادث والوجود الموضوعي للجماعات والأفراد داخل حقل التاريخ، وتتضح قضيتان عامتان تتصلان بتحديد بنية الدين السياسي الطائفي .

القضية الأولى: تاريخية أي شكل أيديولوجي (الطائفية احد الأشكال) من البروز والتمفصل مع ايديولوجيات أخرى.

القضية الثانية: مادية كل أيديولوجية / أيديولوجيات، تعمل في رحم مادي من التأكيدات والاجراءات وهذا الرحم يحدد علاقاتها في ما بينها حيث إن نشاطها محاصر بالمعنى ولكل أيديولوجية نوع من الوجود المادي، إذن أن وظيفة الدين الطائفي الايديولوجية, منح المجتمع (أفراداً أو جماعات) هوية, تقدم لهم سردية، تحدد مكانتهم في حقل التاريخ، فهي تعتمد على مواد خام, أسمنت, مواد بناء, من الاحداث  والمؤسسات المرجعية والشخصيات الكارزمية, تركز على اللحظة الدينامية للحدث الأول المؤسس للجماعة. ويمثّل الدين السياسي الطائفي احد المتغيرات الأساسية في المجتمع البشري، وخاصة في المجتمعات المتعددة الطوائف يبرز هذا المتغير كأحد معايير التباين بين الجماعات، إذ أن التنوع الطائفي في المجتمع لا يكتسب أهمية سياسية إلا إذا تداخل في عمليات تنافس أو تنازع أو صراع في مجالات القيم، أو الثروة أو السلطة وهنا يبرز الفرق بين مفهومين للطائفية السياسية:

المفهوم الأول: يشير إلى التنوع السوسيولوجي في المعتقدات والممارسات الدينية.

المفهوم الثاني: استخدام الطائفية لممارسات سياسية واقتصادية وثقافية لأغراض الهيمنة ويحتوي هذا المفهوم على سلسلة من التصنيفات المعرفية والمؤسساتية وأنظمة القيم.

تبادل المواقع السياسية

فالموقع الديني السياسي للجماعات الشيعية اخذ صفة معارضة مستديمة لجماعات سنّية مركزية تأقلمت مع تخطيطات هوية الدولة القومية ووظفت المكتشفات الأيديولوجية في التجربة التاريخية، هذه الوضعية التاريخية فرضت على الجماعات الشيعية البحث عن تعويضات خارج التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس مجال تاريخ الشيعي ( أفرداً أو جماعات) أو وجوده الموضوعي وإنما هو تاريخ جماعات افتراضية أخذت تحذف عناصر هذا التاريخ وتحيله إلى دلالات ومعنى وميثولوجيات وسلطة أسطورة وفي صيغ مستديمة بهذا النسق المزخرف حيث استطاعت الطائفة الشيعية إيجاد مخرج تعويضي معبر عن رفض الدولة والانسحاب الكلي من المشاركة السياسية خوفاً على قداسة الأسطورة من الدنس الأيديولوجي فضلاً عن ذلك كانت الطائفة  الشيعية تعاني من الطرد المستمر خارج التاريخ امتداداً من عصر الفقهاء حتى عصر الفتاوى المعاصرة والأحاديث السياسية التي تتخذ مفهوم الروافض والولاءات المزدوجة السياسية والدينية موضوعاً لها، وقد عبرت عن ضرب من النزعات الراديكالية لكونها مهمّشة خارج حقل الممارسات التاريخية.

نصل الى تأطيرات معرفية لمفهوم الشيعي/ السنّي فقد تشكلت هذه الجماعات عبر التاريخية الإسلاميّة كجماعات سياسية أولا: لها أنظمتها الفقهية ومعتقداتها الخاصة وتمايزاتها في شبكة الرموز والكاريزمات والتفرعات اللاهوتية، والصور الدينية، والمنظومات المقدسة الأساسية والمقولات الأيديولوجية المطلقة، وكذلك تقوم المؤسسة الطائفية السلفية الجهادية سواء كانت الشيعية أو السنّية على نسق من التعارضات الثنائية التي ترسخ الفصل والافتراق الجذري بين الطوائف وهي تعتمد على إعادة إنتاج التشققات باستمرار وتقيم منظومة أيديولوجية مغلقة ونظاماً صارماً من قواعد وآليات التكفير والمقدس والمدنس ومقولات وبناءات فقهية، وفكرية، وإشكاليات في تاريخ الطوائف، ما جعل الطائفية السلفية الجهادية الشيعية والسنّية، تشكل إحدى الأدوات الاستيهامية في بناء الهوية داخل التكوينات المجتمعية للطائفية لتأسيس سلطة سياسية وتحديدات الذات واحتكار المجال التيولوجي والأنظمة الدلالية ما بعد الحدث الامريكي.

بنيات ثقافية متغيرة

البنية الثقافية الدينية الشيعية ساعدت هي الأخرى على تهشيم العلائق مع المجتمع السنّي عبر اتخاذها موقف العداء المستمر والتقليدي للسلطة السنّية الذي يتأسس على مقولة دينية تاريخية تستند إلى رفض الطاعة للحاكم الغاصب، حيث يعد الأئمة المعصومين في الفكر الشيعي هم الاشخاص القابلون للطاعة، ولم يتمكن الشيعة إلا في وقت قريب من الوصول إلى تصور سياسي ينهي التناقض الموجود بين غياب الإمام المعصوم وضرورة وجود تصور عن الدولة تفرضه الحاجة التاريخية.

خطابات سلفية متضادة

الخطاب السلفي  الطائفي (السنّي او الشيعي) في العراق أسس مشروعيته على إنتاج تصنيفات تاريخية وثقافية ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مبلوراً نموذجاً بنيوياً تركيبياً تبادلياً داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي إنتاج إفرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات البيطرياركية. بواسطة التحليل المادي للانتاجات الدينية الطائفية والتي تمثل (الانساق الثقافية)

اخفاء الخطاب الطائفي

يبين رونين زيدل منذ تأسيس الدولة العراقية، حتى في ظل حكم العثمانيين. تمتع السنّة بمكانة مهيمنة واغلبية عددية في جميع مؤسسات الدولة. ومن ناحية أخرى كانوا أقلية وهم يعرفون ذلك، ولذا، إنطوى الانخراط في خطاب طائفي على خطورة، وشكل خطراً على هيمنتهم السياسية. وتعين عليهم تبني وفرض خطاب غير طائفي بديل تغلغل، من خلال سيطرتهم على وزارة المعارف، تغلغلاً عميقاً في صميم الوطنية العراقية. ويتضمن الإطار السنّوي (نسبة إلى السنّة) تديناً معيناً. ولذا كان السنّة العلمانيون أو التراثيون، في الحكومة وخارجها أقل نزوعا إلى إعطاء تعبير رسمي عن طائفيتهم عما عليه الأمر مع حزب سنّي ديني، على شاكلة الأخوان المسلمين، بل حتى أنهم اعتادوا طى صياغة رسالتهم الطائفية بعبارات تمويهية.

 

يوسف محسن

 

 

محمود محمد عليفي الوقت الذى نبغت فيه شعوب الشرق القديم في العلوم والفنون، كانت الشعوب اليونانية، مجرد قبائل رحل يرزحون في نير الجهل والهمجية، ويعتمدون على الغزو والإغارة، وفى هذا يقول بعض المؤرخين" ... والملاحم الإغريقية تصور لنا الأول على غير علم بالحديد، صفراً نم كل معرفة بالكتاب، كما تصورهم قبل أن يؤسسوا أي مدن إغريقية في تلك البلاد التي تدل كل الدلائل على حداثة عهدهم بفتحها، فأخذوا ينتشرون جنوباً من مواطن الآريين الأصلية، وكانوا فيما يلوح قوماً من الشقر نازحين، حديثي عهد ببلاد الإغريق؛ أي حديثي العهد بأرض كان يتملكها الى ذلك الحين شعوب البحر المتوسط أو الشعوب الأيونية" .

وكان اليونانيون يطلقون على أنفسهم اسم الهلينيين Hellenes ، بينما أسماهم الرومان Graeci  وهو اسم قبيلة هيللنية نزحت من إقليم بيوتيا Boeotia  شمال شبه الجزيرة اليونانية إلى جنوب إيطاليا، وعرفوا بهذا الاسم منذ ذلك الوقت، وقد اشتق العرب منه اسم الإغريق، بينما اشتق اسم اليونان من اللغات السامية القديمة من لفظ " ياوانين" ومن اسم " ايونى" نظراً لأن المستوطنات الأيونية انتشرت في آسيا الصغرى، حيث تاخمت حدودها دول الشرق الأوسط .

وكانت جزر بحر إيجه تعد بمثابة جسر بحرى يربط آسيا بأوربا، كما أن جزيرتي قبرص وكريت كانتا أقرب الجزر الى مصر وليبيا، وتعد المعبر الجنوبي للاتصال الحضاري والتجاري بينهما .

وقد قسمت طبيعة بلاد اليونان الجبلية هذه الإقليم إلى مجموعة من الوديان والسهول المنعزلة عن بعضها مما ساعد على انتشار المدن المستقلة وقيام الحروب بينها، كما ساهمت بلاد اليونان بسبب قربها من الشرق الأوسط منبع الحضارات سواء من مصر أو الشام في أن تكون البوابة الشرقية لأوربا؛ بحيث تدفقت الحضارة إليها، وكانت جزيرة كوركيرا Korkyra  تعد البوابة الغربية لبلاد اليونان، حيث حمل التجار والمهاجرون الإغريق الحضارة إلى شبة الجزيرة الإيطالية، وهكذا استوردت بلاد اليونان حضارات الشرق وصدرتها لأوربا كلها . ونشأ في الوديان الصغيرة المنعزلة في شبه الجزيرة اليونانية نظام دويلات المدن Polis  (وجمعها Polies) وهو نظام عرفه السومريون عام 3000 ق.م، وكانوا كذلك أول من أوجد نظام مجلس الشيوخ ومجلس المحاربين؛ أي المجلس الشعبى وهو ما طبقه اليونانيون في حكمهم المسمى ديموكراسيا (أى الديمقراطية) واعتمدت كل مدينة على نفسها اقتصاديا وجاهدت لتثبيت استقلالها السياسي وحريتها .

واتجه الإغريق لفقر بلادهم إلى ركوب البحار للتجارة كوسيلة للعيش بدلاً من زراعة أرضهم الجبلية وقويت مدينة أثينا، وأصبح أسطولها عاملاً مهماً من معالم الحضارة والتجارة وارتبط اسمها بالديمقراطية الأثينية ؛ ولذلك سافر الإغريق إلى كل بلاد المنطقة حوله وعاد ببذور وأفكار حضارتها مما ساعده على تطوير حضارته .

وعن مظاهر الاتصال الثقافي بين الشرقيين واليونانيين ؛ فقد شهد كثير من المؤرخين والفلاسفة اليونانيين بفضل حضارة الشرق القديم ؛ وخاصة الحضارة المصرية، فقد أشاد الفيلسوف اليوناني " أفلاطون " بفضل الحضارة المصرية على العلم والفكر اليونانيين، وأكد أن اليونانيين إنما هم " أطفال " بالقياس إلى تلك الحضارة القديمة، وهو يصرح بهذا في محاورة " طيماوس Timios " فى حديث دار بين " سولون Solon "، وكاهن مصرى أدركته السن العالية، قال هذا الكاهن : يا سولون أنتم معشر اليونان لا تزالون أبد الدهر أطفالاً، لا وجود لشيخ يوناني، فلما سمع سولون هذا قال، ماذا تعنى بقولك هذا، فأجاب الكاهن : إن روح كل منكم شابه، إذ ليس في قلوبكم معتقد واحد قديم أو مستمد من تقليد قديم، بل ليس لديكم علم واحد عريق في القدم .

ومن ناحية أخرى فقد ذكر " أفلاطون " أن المصريين هم أول من اخترع الرياضيات فهو يقول في  محاورة فايدروس " سمعت بضواحي نواقراطس (إحدى مدن مصر وهى تقع جنوب شرق الموقع الذى أقيمت عليه مدرسة الاسكندرية فيما بعد)، أنه كان بها أحد قدماء الآلهة، يقال له " توت " وأنه هو الذى ابتدع الأعداد والهندسة والهيئة والشطرنج والنرد والكتابة .

كما أن هناك روايات تاريخية تحكى عن اتصال كبار فلاسفة اليونان وسفرهم إلى مصر وبلاد الشرق الأخرى، وإقامتهم فيها طويلاً لتلقى العلم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أ- قال المؤرخ اليوناني القديم (هيرودوت) فى كتابه (التاريخ العام) (فقرة 5): (جميع الشخصيات المقدسة فى اليونان تكاد تكون مأخوذة من مصر، نعم إن بحوثي الخاصة دلتني على أن هناك شخصيات مقدسة أخذتها اليونان من بلاد المتبربرة، ولكن أرى أكثر الشخصيات مأخوذة من مصر خاصة، فإنه فيما عدا " أبوزيدون، ديوسكور" اللذان أشرنا اليهما فيما مضى، وفيما عدا " هيرا وهسبتا وتميس وتبربيدا " فإن جميع الشخصيات المقدسة اليونانية موجودة في مصر" .

ثم عاد هيرودوت فأكد هذا المعنى مرة أخرى في الفقرة العاشرة قائلاً :" لقد تلقى اليونانيون من المصريين العادات التي أشرنا إليها، كما تلقوا عنهم عادات اخرى سنتكلم عنها فيما بعد .

ب- كما يقول ديودور الصقلى في الجزء الأول من كتابه " تاريخ العالم " : " جميع اليونانيين الذين اشتهروا بعلمهم وحكمتهم زاروا مصر في العصور القديمة، حتى يتعرفوا على عاداتها وينهلوا من علومها .. وأن كل الأشياء التي جلبت لهؤلاء كانت منقولة عن مصر".

ويدلل ديودور الصقلى على صدق قولة في نص آخر ؛ حيث يقول : " يؤكد الكهنة المصريون استنادا إلى كتبهم المقدسة، أنهم شاهدوا في بلادهم " أورفى"، و"مورى "، و" ميلامبيوس "، و" ديدال "،  ثم الشاعر " هرميروس"، و" ليكورج " الأسبارطى "، و"سولون الأثنى "، و"أفلاطون الفيلسوف "، ويذكر الكهنة المصريون أيضاً " فيثاغورث " من جزيرة ساموس، و" ايدوكسوس " الرياضى، و" ديمقرايطس" ابن مدينة أبادير، و" أينوبيد" ابن جزيرة صاقز.

جـ يذكر بلوتارخ في كتابه " إيزيس واوزريس " – الفقرة العاشرة :.. وهذا ما يؤكده أعظم اليونانيين المتنورين وهم سولون، وطاليس، وأفلاطون، وأيدوركس، وفيثاغورث، ويؤكد أيضاً على قول بعضهم، ليكورج نفسه . وذلك أن هؤلاء اليونانيين المتنورين كانوا قد زاروا مصر وعاشوا فيها على أوثق اتصال بكهنتها، فمن ذلك أنه يقال إن إيدوكس تلقى العلم على يد شونوفيس المفيسى Chonophis de Menphis  فى سايبس ( صا الحجر )، وأن فيثاغورث خاصة عظيم الإعجاب بالأساتذة المصريين الذين كانوا هم أيضاً يعجبون به، فحاول أن يقلد طريقتهم في كتاباتهم الرمزية وتعاليمهم السرية، فأحاط نظرياته بالألغاز، وفى الواقع أنه لا يوجد أي فارق بين النصوص الهيروغليفية المصرية والكثيرة من التعاليم الفيثاغورية.

د- يحكى لنا المؤرخ كليمان الإسكندري أن ديموقراط قال عن نفسة : لقد طفت بمعظم أرض كل ملك من الملوك في زمان باحثاً أقصى الأنحاء، ورأيت معظم الجواء والبلاد وسمعت من العلماء الكثيرين ولم يفقني أحد فيما كتبت، ولم يفقني فى بيان البراهين أحد حتى المصريون الذين يسمون" مادى الحبال" Harpedananptia  وهم الذين عشت معهم باحثاً غريبا حتى بلغت الثمانين.

هـ- يروى أريستوكسينوس التارنتى ( 2-71 ق.م ) أن الفيلسوف اليونانى "سقراط " التقى ذات يوم بحكيم هندى، وقال سأل هذا الحكيم سقراط قائلاً له :" إنك تدعو نفسك فيلسوفاً، فبماذا تشتغل فأجاب سقراط أنه يدرس الشئون البشرية ما لم يدرك الشون الإلهية أولاً ".

ويعلق العالم الأمريكي " جورج سارتون " على هذه الرواية . فيقول هذا أحد الشواهد القاطعة على بعض الاتصال الحقيقي بين فلاسفة اليونان وفلاسفة الهنود.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهى أن الشاعر اليوناني " صوميروس " قد أورد في كتابه " الإلياذة والأوديسة" فقرات كثيرة تؤكد أن اليونانيين كانوا على اتصال بشعوب الشرق القديم، فمثلا يقول هوميروس فى كتاب " الإلياذة " هذه العبارة " .. انطلق أو ليسيز إلى " سيروس النائية "، والتي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وقد حمل على ظهره العريض، وكاهنة القوى حقيبة كبيرة جمع فيها من كتان مصر وأصباغها، وعطورها، وحبر الشام وحريره وسموره، وتصاوير فارس وقاقمها وسنجابها (ألوان من الفرو الثمين)، ومشرقيات الهند وتحف السند، وطرف الصقلب .. ومن كل ما علا وارتفع ثمنه من أدق صناعات العالم جميعاً .. فلما كان فى حاضرة الملكة، يمم شطر قصر الملك .. وكان الوقت الصحى ضحى، ثم يصبح باللهجة السيروسية معددا أسماء السلع التى استحضرناها حديثا من مصر الجميلة المتفننة، والشام الصناع العبقري، وفارس الفتية الكروية والهند العظيمة والسند ونحن لا نبيع إلا للملوك وأبناء الملك، لأن الشعب فقير لا يقدر بضائعها، ونحن معروفون فى مصر، لا يشترى فرعون إلا منا، وفى الشام وفى فارس وفى الهند، حيث الأفيال العظام .. وأرسلت بنات الملك فأحضرت هذا التاجر المفاخر بما معه واجتمعن حوله يتفرجن ويتلهين، هذه تختار منديلاً من حرير الهند أو منطقة من خرز الشام، تلك تشترى من أصباغ مصر وعطورها وخرزها، وثالثة بتصاوير فارس فتشترى كل ما مع الرجل منها".

وهنا يتضح لنا أن اليونانيين القدماء كانوا مدينين بالكثير للسابقين من الشرقين في مجال العلم، وأنهم كانوا على أتصال فعلى وحقيقي بالشرقيين، وهذا الاتصال لم يتوقف عند تلك الرحلة، فقد طور المجتمع اليوناني ما أخذه عن مجتمعات الشرق الأدنى القديم، وزاد عليه وصاغ كل ذلك صياغة جديدة، وبخاصة خلال القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد لتكمل الدورة الحضارة بعد فتوح الإسكندر الأكبر في الشرق، حيث عاد اليونانيون من جديد يرجعون للشرق ويجوبون فارس والهند وبلاد ما بين النهرين ومصر بحثاً عن العلم عند الشرقيين .

وأكتفى في هذا الصدد بذكر مدرسة الإسكندرية التي كانت البوتقة التي انصهرت فيها كل الأجناس التي وفدت إليها ؛ بحيث انقطعت صلتها تقريبا بالمناطق التي جاءت منها، وكان سكانها يتألفون من الكهنة والعلماء المصريين الذين تمتعوا بمكانة رفيعة في نفوس الناس، وتعاونوا مع الحكام ذوى الشأن، وعدد عظيم من المواطنين المصريين وجالية كبيرة من اليهود بحكم أن فلسطين كانت جزءً من المملكة البطلمية، حتى حوالى عام 200 ق.م، وذلك فضلاً عن عدد من السوريين والعرب والهنود، وبذلك جسدت الاسكندرية بمفردها نظرية الإسكندر الأكبر في وحدة العالم التي تجمع بين الاختلافات الفكرية والعلمية والدينية في حضارة مدينة واحدة، بدلاً من النظرية اليونانية التقليدية عن المدينة الدولة، أي أن الاسكندرية لم تكن عاصمة فحسب، بل مدينة عالمية، وبذلك كانت الأولى من نوعها .

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علاء اللاميبدءا، أود الإشارة إلى أن هذه المقالة ليست ردا على ما طرحه الباحث فاضل الربيعي في طلته التلفزية الأخيرة على قناة الميادين "برنامج لعبة الأمم"، بل هي جزء مكثف ومختصر من دراسة مطولة كتبتها قبل أكثر من عام ضمن مجموعة دراسات ستصدر مستقبلا في كتاب بعنوان "نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية" وفيها أحاول مناقشة وتفنيد العديد مما ورد من آراء وافتراضات بحثية في مؤلفات الربيعي وباحثين عرب آخرين، وكرر الربيعي بعضها في لقائه التلفزي الأخير.

في العديد من نصوصه وإطلالاته التلفزية الكثيرة، يكرر الباحث فاضل الربيعي بعض الفرضيات والاستنتاجات التي توصل إليها ولكنه يطرح بعضها كنظريات مبرهَن عليها، وبعضها الآخر كبديهيات لا سبيل الى مناقشتها، ربما لأنه كررها أكثر من غيرها حتى صدقها هو قبل غيره.هناك أيضا بعض الآراء التي تبدو صحيحة من الناحية الشكلية ولكنها ليست في السياق الجوهري الصحيح، فالربيعي مثلا يقول (القدس ليست أورشليم) ومن الناحية اللفظية - اللغوية فالقدس ليست أورشليم فعلا، ولكنها هي نفسها المدينة الفلسطينية التي بناها اليبوسيون الكنعانيون غير أن اسم القدس لم يظهر إلى الوجود إلا بعد الإسلام، ويخطئ الربيعي كما أخطأ قبله يوسف زيدان حين قال الأول أن اسم القدس ظهر مع بناء قبة الصخرة في السنة 72 للهجرة الموافق لسنة 691 م، وهي سنة اكتمال بنائها. أما زيدان فيشتط بعيدا وينكر أن يكون لاسم القدس وجود مكتوب في التراث العربي الإسلامي في القرنين الأول والثاني الميلادي، وقد تحدى -زيدان- أيا كان ان يأتيه بنص تراثي قديم أبكر من ذلك، وقد أثبتنا في دراسة سابقة / الأخبار عدد 25 كانون الأول 2018، أن أقدم ذكر لاسم القدس وبيت المقدس ورد في حديث نبوي شهير عن نذر إحدى زوجات النبيالعربي الكريم وهي ميمونةبنت الحارثزيارة بيت المقدس حين كانت أورشليم القدس تحت الاحتلال الروماني، وهذا يعني أن الاسم كان متداولا وموضع تقديس لدى المسلمين الأول حين كان النبي حيا وتحديدا قبل فتح مكة في العشرين من رمضان في العام الثامن من الهجرة (الموافق 10 يناير 630م)، أي في أوائل القرن الهجري الأول. وقد ورد هذا الحديث في كتاب الواقدي نفسه الذي احتج به يوسف زيدان لتسفيه علاقة أورشليم القدس بالإسلام والمسلمين ومحاولة نسفها. كما ذكرنا مصادر أخرى ورد فيها اسم القدس وبيت المقدس تعود للقرن الهجري الأول. وعموما وللإنصاف يجب التفريق مع الهدف السلبي المعلن الذي يسعى وراء تحقيقه يوسف زيدان، وبين ما يطرحه الربيعي من قناعات بحثية قابلة للنقاش من باحث وطني عرف بمناهضته للدولة الصهيونية، ولكن توظيف ما يقوله الربيعي يبقى ضارا ومشوِّشا لأنه قد يؤدي الى الاستنتاجات الملغومة ذاتها التي يطرحها زيدان وتخدم الاستراتيجية الصهيونية التوراتية.

سنحاول الآن، وبهدف تفنيد بعض الفرضيات التي يقدمها الربيعي، أن نقدم جردا تاريخيا بالأدلة الآثارية "الأركيولوجية" المحكمة والموثقة بالكاربون المشع لأهم المدن والمواقع الآثارية التي تم اكتشافها وتوثيقها في فلسطين من قبل بعثات آثارية علمية أجنبية في القرنين الماضيين، كما وردت في كتاب "الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم" للباحث فراس السواح، و كتاب "التوراة مكشوفة على حقيقتها" للباحثين فنكلشتاين وسيلبرمان، لنؤكد وبالدليل الآثاري الملموس هذه المرة، خطأ الغالبية العظمى من الاستنتاجات والفرضيات والأحكام التي وردت في كتابات الربيعي وزملائه القائلين بجغرافية توراتية عسيرية أو يمنية التي حاولوا إثباتها عبر المقارنات اللفظية الفيلولوجية والإيتيمولوجية. وبما ينفي الخلاصة التي يكررها الربيعي والقائلة " لم يتم اكتشاف أي أثر إركيولوجي في فلسطين يؤكد أن فلسطين هي الجغرافية التوراتية وأن القدس هي أورشليم بل أن جغرافية التوراة وبني إسرائيل هي في اليمن القديم حصرا، ومن الناحية السلالية فالربيعي يعتبر بني إسرائيل عربا لا عبريين!

لنبدأ أولابمجموعة أدلة آثارية وتاريخية موثقة بشكل ممتاز وردت في كتاب "الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم" للباحث فراس السواح والتي تؤكد أن الجغرافية التوراتية مكانها الحقيقي هو فلسطين وهي جزء صغير من تاريخ فلسطين الذي حاول الاستشراق الغربي المتصهين وشبه المتصهين تهميشه لمصلحة جعل التاريخ التوراتي هو المتن الرئيسي والسائد وهذا ما وقعنا فيه نحن العرب - لشديد الأسف - فصدقنا الرواية والرؤية التوراتية وحذفنا أو أخذنا بحذف تاريخ فلسطين الكنعانية واليبوسية وما قبل فلسطين الكنعانية والهدف من هذا الجهد هو إيقاف هذا الوضع الانثروبولجي المقلوب وإيقافه على قدميه ليكون تاريخ فلسطين هو ذلك الذي يبدأ منذ فجر التاريخ والممتد لعدة آلاف من السنين قبل أن يظهر العبرانيون أو بنو إسرائيل إلى الوجود واستمرارا الى عصرنا الحاضر لتكون الرواية التوراتية كما هي في الواقع جزء هامشيا من هذا التاريخ الطويل والسردية العريقة النابضة بالحياة والدلة الحية الملموسة :

يكرر الربيعي وآخرون أن علماء الآثار " الإسرائيليين والأوروبيين لم يعثروا على دليل واحد يؤد أن جغرافية التوراة هي في فلسطين أو أن اورشليم القدس هي نفسها المدينة القائمة اليوم بهذا الاسم" فهل هذا القول صحيح؟ لا، طبعا، والحقيقة هي أنَّ الأدلة الآثارية الملموسة على صحة ما نقول لا تكاد تحصى، وسأستعرض بعضا من أشهرها:

لقد ورد ذكر مدينة أورشليم حاضرة كنعان، في "نصوص اللعن" الفرعونية الخاصة بالدعاء لإلحاق الأذى بالمدعو عليهم، والذين ذكرت أسماؤهم في الوثيقة الفرعونية التي تعود إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وتضم أربعة عشر اسما لحكام مدن في ما يعرف اليوم ببلاد الشام، ومنها فلسطين. والاسم الرابع منها ورد نصا كالآتي (يقرب -آمو، حاكم أورشليم، وجميع بطانته)، والمصدر كما ثبته فراس السواح هو كتاب جون أي ولسن وعنوانه (Egypianretuals : P228) ويضيف السواح (وإلى جانب أورشليم، نتعرف في هذا النص على عدد من المدن الكنعانية القديمة في فلسطين مما ورد في سجلات الشرق القديم، وفي التوراة لاحقا، مثل شكيم وأكشف وحاصور وعكا وبيت شميش وصور وعرقتا وجبيل وأوبي).

أما بخصوص أورشليم القدس اليبوسية القديمة، والتي لا علاقة لها أبدا باليهود أو بني إسرائيل أو العبرانيين، نجد الأدلة الآثارية التالية: عندما بدأت التنقيبات الأثرية في العصر الحديث، اتجهت الى مدينة القدس بموقعها الحالي، فلم يجدوا فيها شيئا ذا علاقة باليهود أو العبرانيين أو بني إسرائيل، ثم اكتشفوا أن أورشليم اليبوسية تقع بكاملها الى جنوب المدينة الحالية على سلسلة تلال القدس الشرقية. وقد تطابقت جغرافية وطوبوغرافية المدينة المكتشفة مع أوصافها كما وردت لاحقا في التوراة التي كتبت بعد سيطرة العبرانيين على المدينة بطريقة التسلل السلمي، كما ذكرنا في الفصل الرابع من كتابي " موجز تاريخ فلسطين / فقرة " تناقضات لا حل لها في التوراة".

وأثبتت التنقيبات أن المدينة ترجع الى العصر البرونزي المبكر منذ مطلع الألف الثالث ق.م، أي في فترة نشوء دويلات المدن في فلسطين. وقد استطاعت بعثة المنقِّبة الشهيرة وذات الصدقية العلمية القوية كاثلين كينيون رسم حدود ومخطط مدينة أورشليم اليبوسية بشكل واضح ودقيق.

أما عن قناة وبركة حزقيال لجر المياه تحت الأرض وإيصالها إلى أورشليم-القدس، فنعلم أن هذه البركة المذكورة في التوراة باسم بركة "سلوام" وما تزال آثارها قائمة، ويسميها الفلسطينيون بركة سلوان، وقد اكتشفها المنقب الآثاري وارن سنة 1867 ثم عاد إلى دراستها الآثاري باركر ونظفها سنة 1911، وأخيرا عادت كينيون سنة1961 الى تنظيفها وتنظيمها وتوثيق أنها تعود إلى ألف وسبعمائة سنة قبل الميلاد. أما القناة "التحت أرضية" لجر المياه من نبع نهر جيحون، فالنبع ما يزال قائما، واسمه المعاصر عند الفلسطينيين هو "نبع مريم". وقد عثر في داخل القناة النفقية على نقش حجري يصف لحظة الانتهاء من حفر القناة، وكيف التقى العمال القادمون من جهتي القناة في موضع محدد. ونص النقش موجود كاملا، وقد اقتبسه السواح عن كتاب ولفنسون " تاريخ اللغات السامية - دار القلم -بيروت - 1980 - ص83". ويناقش السواح تفسيرات الصليبي لهذا الاكتشاف، ويصفها بانها تفسيرات غير دقيقة، تقدم نصف المعلومة للقارئ غير المتخصص، للحكم على قضية بالغة التخصص. بل ويقدم الصليبي بعض المعلومات بشكل غير صحيح، كقوله إن النقش الحجري عثر عليه "في سلوان قرب القدس"، مع أن الحقيقة تقول إنه عثر عليه في داخل قناة سلوان في داخل حدود القدس...الخ.

تم العثور على سور مدينة أورشليم-القدس الذي أعاد بناءه نحميا بعد العودة من الأسر البابلي، ويعود تاريخه الى القرن الخامس ق.م، وعلى جزء لا بأس به من سور الهيكل الذي بناه زربابل، وكذلك على أسوار وتحصينات الميكابيين. كما عثر على آثار من سور هيرود، الحاكم الذي عينه الرومان لإقليم "اليهودية"، وعلى أبنية، وبيوت، وجزء من قصر هيرود نفسه. ويوثق السواح معلوماته هذه من كتاب الآثارية المنقبة كينيون (The bible and the recent archaeology).

مدينة السامرة: وهي المدينة الوحيدة في فلسطين التي بناها بنو إسرائيل وفق رواية التوراة نفسها، وهذا اعتراف توراتي صريح بأن جميع المدن الفلسطينية الأخرى وفي مقدمتها أورشليم القدس بناها أهل البلاد الكنعانيين أو الفلسطة المهاجرون إلى جنوبها من جزر البحر المتوسط.وكانت السامرة وحيدة فعلا في بحر كثيف من المدن والقرى الكنعانية. وما يؤكد هذه الحقيقة، هو الكشف الآثاري الذي أثبت أنها المدينة الوحيدة التي بنيت على أرض عذراء في فلسطين، أي أنها دون طبقات آثارية سابقة عليها. وحدد تاريخ بنائها في النصف الأول من القرن التاسع قبل الميلاد.

وتقع السامرة على تل قرب الممر الذي يربط شمال فلسطين بجنوبها. وبدأت عمليات التنقيب فيها من قبل الآثاري ريسنر لحساب جامعة هارفرد سنة 1908، وتابع كروفوت التنقيبات بين سنتي 1931 و1935، وأخيرا د. هينسي سنة 1967. وقد كشفت هذه التنقيبات عن القطاع الملكي وبناياته والقصور الملكية، وكان البناء وطريقة تخطيطه وحتى طرق قطع الحجارة المنحوتة كنعانية خالصة!

مدينة مجدو: تقع على مسافة 20 كم جنوب حيفا في تل المتسلم، ونقب فيها الآثاري المشهور جيمس بريستد بين سنتي 1925 و1935. إن طبقاتها الآثارية السفلى تعود الى العصر البرونزي الأول قبل الميلاد، حوالي 3000 عاما، ثم توسعت لتكون إحدى أكبر مدن فلسطين القديمة، وورد ذكرها في مراسلات مع مدينة ودولة ماري الرافدينية على نهر الفرات، التي كانت سومرية وأكدية مختلطة من حيث سكانها وتراثها المكتوب والضخم الذي خلفته كسائر مدن بلاد الرافدين، وقد عرفت بكونها أول دولة مدينة من عهد دول المدن.

وقد هدمت مدينة مجدو وهجرت في القرن الثاني عشر ق.م، ثم عادت الى الحياة بعد قرنين. وعثر على سورها وتحصيناتها وبعض القصور والأبراج الدفاعية فيها، وتم التوصل إلى أن طريقة البناء والتخطيط والمواد هي ذاتها التي عثر عليها في مدن فلسطينية أخرى، مثل حاصور وجازر. واكتشف سور جديد، أحدث من السابق، يعود الى القرن الثامن ق.م، مع بدء الاجتياحات الآشورية لبلاد الشام. وتؤكد السجلات الآشورية المكتشفة عن تدمير مجدو في هذا القرن، وبالتحديد سنة 732 ق.م. وتشير البقايا الفخارية والخرائب الى نمط البناء الآشوري، ما يدل على أنها ألحقت بآشوريا لفترة من الزمن. أما كمال الصليبي فقال إن مدينة مجدو الفلسطينية هي مدينة "مقدي" في منطقة القنفذة في عسير السعودية، ولم يذكر أي أدلة أركيولوجية كعادته، أو يعلق على ما اكتشفته حملة التنقيب الآثاري جيمس برستيد!

مدينة جازر: وتقع على مسافة 18 كم شمال غرب القدس وتم التعرف على آثارها في تل "أبو شوشة"، من قبل الآثاري ماكليستر، في حملتين للتنقيب؛ الأولى سنة 1902، والثانية 1907، ثم حملة ثالثة قام بها آلان روي سنة 1934، ورابعة سنة 1964، قادها العالم ديفر. وجازر موقع كنعاني عريق جدا، عثر فيه على آثار مساكن تعود الى العصر البرونزي، وتحول الى مدينة كبيرة في حدود القرن السابع عشر قبل الميلاد. ثم دمرت مدينة جازر وهجرت وعادت الى الظهور بعد ذلك. ويتوافق تاريخ تدميرها مع حملة تحوتسمس الثالث على فلسطين سنة 1481 ق.م. ثم بنيت مجددا في القرن الرابع عشر ق.م، وظلت مزدهرة حتى تم تدميرها خلال حروب واجتياحات القرن العاشر ق.م.

الأدلة الآثارية من هذا القبيل كثيرة، وسنكتفي منها بهذا المقدار لضيق المجال، على أمل أن نواصل هذا العرض للمزيد من الأدلة والكشوفات الآثارية من مدن فلسطينية كنعانية أخرى ونختم وقفتنا عند قراءتين مختلفتين لما يعرف بنقش شلمناصر الثالث إحداهما لفاضل الربيعي، وعند نماذج أخرى وردت في كتاب فنكلشتاينوسيلبرمان"التوراة مكشوفة على حقيقتها"، وهو كتاب فائق الأهمية، وكان بمثابة زلزال علمي وثقافي وحتى ديني في دولة الكيان الصهيوني هزَّ الكثير من القناعات التوراتية والصهيونية الموروثة والراسخة، وهدَّت بعضا منها هدّاً تاما. ولكن المؤسف هو أن بعض الباحثين العرب ومنهم الربيعي كانوا قد قرأوا هذا الكتاب بشكل دقيق بحثيا، وحاولوا وضعه في سياقا آخر غير سياقة الصحيح، بل وحاولوا توظيفه لخدمة أوهام الجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية مع أنه ينقضها نقضا جذريا ويقدم قراءة جديدة وآثارية للتوراة كلها، قراءة تشكك في الكثير - وليس في جميع - أحداث وشخصيات ومواضع النصوص التوراتية القديمة، وخصوصا أسفار موسى الخمسة. ولكنها لم تشكك أو تلغِ الجغرافية التوراتية الفلسطينية كجزء صغير من الجغرافية العامة لفلسطين التاريخية الألفية لا تشكل مملكتي يهوذا وإسرائيل قصيرتي العمر سوى قطرات من بحر التاريخ الفلسطيني.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

......................

* هذه المقالة، واحدة من عدة مقالات تحتوي على خلاصات مكثفة ومختصرة لجزء من دراسة مطولة بعنوان " نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية" ستصدر في كتاب بالعنوان ذاته مستقبلا. وقد حذفت أسماء المصادر والمصطلحات الواردة باللغات الأجنبية من هذه النسخة المعدة للنشر في الصحافة.

 

يوسف محسن2003- 2017

 في البداية اطرح ملاحظة هامة، إن هذا الدراسة لا تدخل في إطار التحيزات المذهبية أو الدينية، وإنما يجري التعامل مع قاموس المصطلحات الطائفية مثل (سنّي) و(شيعي) و(ميليشيات) و(جماعات مسلحة) و(متمردون قوميون سنّة ) و(سلفيون جهاديون) بوصفها مصطلحات أداتية مجردة من اي نزعة نابية كما ان هذه الدراسة ليست معنية بتصحيح أو تخطئة ما يندرج تحت تلك المصطلحات من تصـورات دينية، أو أيديولوجيه، فضلاً عن ذلك نحاول في هذا العمل القيام بمراجعة جذرية للكثير من المفاهيم والتصورات السياسية والسياقات التاريخية التي فقدت نجاعتها الرمزية والوصفية، حيث يعد المخبر العراقي ما بعد العام 2003 نقطة تحول قصوى في تطوير المفاهيم السياسية، وسوف يدفع الباحثين إلى إعادة النظر في الأجهزة المفاهيمية، والقواميس، والمقولات الجاهزة لا سيما في ما يتعلق بالهوية (الهويات) والطوائف، والأقليات، والنزاع الأهلي.

 نحاول هنا ان ندرس مسالة الحرب الأهلية الطائفية التي تكثفت للاعوام 2006 - 2014 والاعوام 2014 – 2017 في أساسياتها الاجتماعية والسياسية، حيث اننا نجد الصورة الانقسامية في القاع السوسيولوجي للمجتمع العراقي، وإن الدولة العراقية منذ التكوين الأول تقوم على بنى عصبوية طائفية، وهنا تبدو فرضية الحرب الأهلية في العراق. على جدول أعمال المجتمع / المجتمعات العراقية وممثليها السياسيين الفاعلين منذ التكوين التأسيسي، فهي فكرة أو مشروع متوطن في الذاكرة التاريخية والأيديولوجية وتاريخ المعتقدات الدينية، وتاريخ الجماعات سواءً كانت المجتمعات الشيعية أو المجتمعات السنّية، إذن الحرب الأهلية الطائفية ومنذ انهيار نظام صدام في العام 2003 أخذت مسارات متعددة، لتكسب أطرافاَ محلية وإقليمية، ودولية تقوم هذه الحرب على التطهير الاثني، والطائفي والديني المتبادل، والقتل اليومي، والتهجير من أجل إعادة رسم الخرائط الديموغرافية، وتفجير السيارات المفخخة، والانتحاريين والاغتيالات، وتفكك جغرافية الدولة، وتوطن تلك المجتمعات في مناطق محدودة ومنفصلة، فالميليشيات الشيعية المسلحة حققت انتشاراَ واسعاَ في جنوب ووسط العراق (البصرة، والعمارة، والكوت، والسماوة، والناصرية، والديوانية) أما الميليشيات السنّية المسلحة فقد توطنت في غرب وشمال العراق في (الموصل، والانبار، وتكريت، وديالى، وكركوك)، هذا الانتشار فرض الحدود للانقسامات الطائفية والقومية والاثنية، ومن ثم بروز دويلات وإمارات، وتم كسر احتكار الدولة التي لم يكتمل تكوينها بعد الانهيار الشامل العام 2003 لمجال القوة والعنف، مما أدى إلى تداخل التمركز الطائفي للسيطرة على الثروات والموارد، والأفراد الفاعلين وتكيفهم على وفق التصورات المذهبية.

قطائع مع خطابات

 

إن الفعل الإجرائي الأول الذي يجب تحديده، يكمن في إحداث قطعية معرفية مع المصطلحات المتداولة إعلاميا ونقصد بذلك المصطلحات والتسميات التي تحمل نعتاً وحكماً أيديولوجياَ وتفتقد للعلمية والرهان على إنتاج معرفة موضوعية عن البنية السوسيولوجية، والمجال التاريخي للمجتمع العراقي وإعادة إنتاج مفاهيم ومقولات محايدة لتسمية الدوائر والهويات العراقية. عبر الإجابة على سلسلة من الأسئلة، لماذا تم تفجير أكبر خزان للأساطير الما قبل تاريخية، وإعادة إنتاج الظاهرة السلفية داخل السيرورات الطائفية العراقية، وتحولها إلى أديان مغلقة واستنفار الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية، والسرديات الفقهية، والإرث الديني، والطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الأصوليّة؟ ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية، والانبعاثات السلفية والنصوص السياسية والدينية، والأيديولوجية للجماعات العراقية ونشوب صدام الهويات الطائفية الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية واقتصادية، وسياسية؟ ما الأسباب التي جعلت الدولة منذ التأسيس في العام 1921 تفتقد للخصائص السوسيولوجية والأيديولوجية، وتشكل بنيتها على المجال الطائفي الذي يخترق الجسم السياسي للدولة العراقية؟

أنساق في كشف لعبة الخفاء الايديولوجي

لكون المجتمع عبارة عن أنساق سيوسولوجية لذلك فهو منتج لخطابات دينية - سياسية ومرجعيات أيديولوجية مختلفة داخل نظام الفكر ما يتطلب كشف لعبة الخفاء الأيديولوجي للحركات السياسية أو النخب الدينية العراقية في إعادة إنتاج الهوية الطائفية الأصوليّة التي تعبر عن البنية الأجتماعية العراقية في هندسة الدولة؟ هل أدت البنية الطائفية لدستور العام 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الأهلية الطائفية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي ولتبدد وضوح هوية الدولة الدينية أو المدنية؟ لذا تتطلب مراجعة التاريخية العراقية الحديثة والكشف عن السلسلة المروعة من الحروب، والعنف السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي والانغلاقات الثقافية، والتهميش والإقصاء للجماعات، والمكونات العراقية والإبادات المتبادلة والعنف الإيديولوجي وعمليات إعادة إنتاج الإخضاع والهيمنة داخل نسق السلطة السياسية، المجتمع العراقي خضع الى سلسلة من التحولات (مجموعة كبيرة من الثورات والانتفاضات والانقلابات) منذ تأسيس الكيان السياسي، ولكن (الدولة) بالمعنى الاستعاري لم تخضع الى متغيرات او اعادة بناء للنسق الوظيفي، وانما دائماً يتم اعادة بنائها على اساس نظام من التوترات المعقدة حيث نجدها دائماً وعبر التاريخ مجالا للفوضى والفوضى المضادة تتمحور حول الاستبداد والمدنية المنقسمة والنخب الدائرية والتي تتم اعادة انتاجها باستمرار، والقائمة على استنفار المخزونات التاريخية للطبقات السفلى من المجتمع لبلورة مجموعات ايديولوجية وتوسيع دائرة الصراع على الرهانات السياسية، وإلى الان لم تتم كتابة سرديات الاقصاء المتبادل بين الجماعات العراقية والعلاقات الدموية والابادات التي تمت من قبل الدولة القومية العراقية 1921- 2003 وانعكاس هذا كله على تشكل المجتمع وتحديد الوجود الموضوعي البشري وتخطيطات انماط الثقافة والهيمنة بوصفها اداة ضبط فائض القيمة الرمزية.

 فرضية النزاع الديني

منذ بدايات النزاع وصفت تلك الحرب الاهلية الطائفية بكونها امتداداَ للانقسام الشيعي/السنّي في القرن السابع الميلادي بشأن الخلافة السياسية للإسلام الكلاسيكي، وهيمنة السنّة على مؤسسة الخلافة وأقصاء الشيعة أو الخط العلوي من توزيعات السلطة والثروة، فضلاً عن ذلك أن الأيديولوجية السنّية الارثوذوكسية ترى في الشيعة عناصر غريبة عن الإسلام ومنحرفين ومهرطقين حتى ظهور الدولة الوطنية في العراق وامتداداتها، جعل من الشيعة يشكلون الطبقات الدنيا في المجتمع، وهي قراءة أحادية، إذ إن اصل النزاع الشيعي/ السنّي في العصر الكلاسيكي الإسلامي، لم يكن يتعلق بالمسائل الاعتقادية، أو المسائل المتعلقة بالعبادات فقط، بل يتعلق أصلاً بالسياسية (الأمير، الإمام) فالسرديات، والأدبيات الشيعية، ترى أن الإمامة والسلطة تنحصر في خط عصبوي وجرى اقصاؤه من توريث الخلافة من قبل الجماعات المؤسسة في حين تؤكد السردية السنيّة على شرعية الخلافة، عبر هذا العمل نرى أن الخلاف كان صراع سياسياً وجرى التعبير عنه في اطار لغة دينية ومذهبية، وجاء إعادة ظهور تلك المشكلات مع التغيرات الجيوسياسية التي حدثت في إيران العام 1979، وصعود تيار (النسخة الخمينية) من الإسلام السياسي الشيعي وكانت الحرب العراقية – الإيرانية أحد تجلياتها أو الجزء الحيوي في تحجيم المد الإيراني وامتدادته في العوالم الشيعية المنتشرة في العراق، والبحرين، والسعودية، والكويت، ثم الانبعاث الشيعي الكبير والصعود الى السلطة في العراق بعد الحادث الأميركي العام 2003، وبفعل ديناميكيات الديمقراطية، إذ لعبت الديموغرافيا وصراع الهويات ادواراً معيارية في انبعاث الصراع السياسي بين الشيعة والسنّة وعلى الرغم من مشاركة سنًة العراق في العملية السياسية، فقد كان لديهم أحساس بالفقدان والخسارة الكبيرة، فهم بناة الدولة الوطنية وعسكرها، وأبناء السلطة العميقة منذ العصور الوسطى، حيث كانوا يملكون المفاصل الدقيقة فيها، أما الهوامش فكانت حصة الشيعة والكرد ويعاملون كمواطنين قيد الدرس، محكومين بسلسلة قانونية واجرائية تحد من صعودهم في هرم السلطة.

فقدان الرشد السياسي

مع انهيار سلطة البعث العراقي العام 2003، أظهر السنّة فقدان الرشد السياسي فقد شهد العراق منذ تلك اللحظة موجات من العنف، والعمليات الانتحارية وتفجير السيارات والقتل ذي الخلفيات الطائفية وخاصة ضد التجمعات الشيعية ومن ثم ظهر تنظيم القاعدة، ودولة العراق الاسلامية، ودولة العراق والشام الأسلامية (داعش) حتى إعلان دولة الخلافة الإسلامية التي مارست الإبادة ضد المختلف دينياً على وفق المدونات التراثية، إذن يعد النزاع الديني أحد التأسيسات الأيديولوجية للحرب الأهلية الطائفية بين الميليشيات الشيعية والميليشيات السنّية بتنوعاتها في العراق، ولكن يبقى هذا النزاع محكوماً بنظام القوة وتوزيع ممتلكات السلطة السياسية، والثروات والهيمنة على الرأسمال الرمزي للدولة وانتاج المعنى، فالحادث الأميركي العام 2003 حطم النظام القديم للعقد الاجتماعية بين المجتمعات العراقية، فضلاً عن ذلك أوجد نظاماً عقدياً جديداً.

جماعات وميليشيات متخيلة

سياسات الحرب الأهلية الطائفية في العراق وموجاتها وامتداداتها الراهنة، أدت إلى خلق واقع سياسي جديد عبر ظهور (جماعات متخيلة) تستقطب الأفراد عبر آليات التمثيل لكون المجتمع العراقي لا يتوفر على نظام ثقافي مستقر يستطيع بواسطته تنظيم العلاقات بين الجماعات الدينية والسياسية، ويعطل العنف التبادلي بين المكونات والتركيبات الاجتماعية، تحولت الحرب الطائفية في المجتمع إلى (عنف بنيوي) قائم على المقدس الديني الطائفي المنغلق وعلى رؤية عصبوية صلبة.

 في (الثامن عشر من برومير لويس بونابرت) يبين ماركس أن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يرغبون تماماً، لأنهم لا يقومون بذلك في ظروف يختارونها بانفسهم، بل تحت ظروف معينة يجدونها وقد انتقلت اليهم من الماضي، أن تراث الاجيال البائدة كلها، يجثم بثقله مثل كابوس على أدمغة الأحياء، إذ حالما يبدو على الناس أنهم قد انخرطوا في تغيير انفسهم، وتغيير الأشياء من حولهم تغييراً جذرياً، وفي خلق ما هو جديد تماماً خصوصاً في زمن الاضطرابات العميقة، فإنهم يستحضرون بتلهف أرواح الماضي لخدمتهم ويستعيرون منها أسماءها، وعاداتها وشعارات المعارك التي خاضوها في الماضي من أجل تقديم مشهد جديد لتاريخ العالم، لكنه يتقنع هذه المرة بقداسة الماضي، وبهذه اللغة المستعارة) حيث يتم التلاعب بالتاريخ والصراعات الأيديولوجية وفي الانساق الثقافية وفي ذاكرة النزاعات الطائفية، وتشويه واقصاء سرديات الجماعات الاخرى واحتكار سردية كلية شاملة، وتوظف الهويات الاثني- طائفية، (كادوات أيديولوجية) في اضفاء شرعية على هذه الحرب الأهلية الطائفية التي هي إنتاج التفكك المزمن للدولة القومية في العراق.

انفجار الهويات الطائفية

 إذ نرى كيف يتم تشكيل وتفكك الهويات في أتون هذا الصراع الأهلي الطائفي، لكون هذه الحقبة التاريخية التي يمر بها المجتمع والدولة والافراد في العراق، تعد مرحلة الازمات الكبرى، فجميع التكوينات الطائفية والجماعات التخيلية تبحث عن هويات بديلة عن الهويات القديمة، فضلاً عن ذلك انه صراع متعدد الأبعاد ومعقد وهناك العديد من اللاعبين والمصادر السياسية (السلطة والدين والأيديولوجيا والعوامل الاقتصادية)، فمنذ تسعينيات القرن الماضي جرى تثبيت النزاع الطائفي والعشائري في طبيعة تكوين السلطة البعثية، واعادة استثماره الرمزي وألسياسي وتحويله الى أدوات للصراع الاجتماعي، فقد انشأت الدولة القومية السنّية عصبياتها في تلك الحقبة من التاريخ، ما جعل المجتمع الشيعي يبني عصبياته المضادة والدخول في دورة من الانقسامات كل هذا ادى الى ولأدة شبه دولة في العراق ما بعد العام 2003 تجمع خصائص الاستبداد، والمحاصصة، وأنماط من الشموليات الطائفية الحديثة تحرسها المليشيات وهنا نصل إلى ان الطبيعة المتشظية للمجتمع والطبقة السياسية، هي التي اشعلت الحرب الاهلية الطائفية وتحولت بعد العام 2014 الى نزاع شامل، فقد أجرت الميليشيات الشيعية، والميليشيات السنّية تعديلات جوهرية في ستراتيجياتها وتعديل الديناميات السياسية، كان الغرض من ذلك اطلاق حرب شاملة، على وفق أيديولوجية طائفية. في هذا العمل الوقائعي سوف نحاول الكشف عن أشكال الهيمنة السياسية والايديولوجية، فضلاً عن الحفر في البنى الاجتماعية والأطر السلطوية للوصول إلى أن العراق ككيان سياسي أصبح منذ العام 2003 يقع في منطقة (تنازع طائفي) ويمكننا أن نفسر هذا التصدع بين الشيعة والسنّة في المجال المجتمعي العراقي، بوصفه تنازعاً على امتلاك الرأسمال الرمزي، وإنتاج المعنى الصحيح للدين، وإن الطرف الآخر منحرف عقائدياً ويتطلب إعادة (الأسلمة) والتنازع على ممتلكات الدولة السياسية، والثروات المادية ومصادر القوة ونزاع سياسي – مجتمعي، جرى التعبير عنه في (انفجار الهويات) والتحشيد والتعبئة له على وفق المشروعية الدينية – السياسية الطائفية وذلك أن النظام السياسي الذي تأسس بعد الحادث الأميركي لم يستطع انتاج هوية جماعية تدمج داخلها المجموعات الدينية والقومية والاثنية، وهذا يمنحنا القدرة على السعي الى أن نفهم الصدع الطائفي في ضوء العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية فضلاً عن العوامل الثقافية – الدينية فالمجتمع العراقي لم يخرج حتى الان عن كونه (جماعات مخيالية) وليس مجتمعاً منظماً، فضلاً عن العوامل المتعددة لاطلاق التوترات الطائفية، حيث يشكل الخطاب الطائفي الميراث الثقافي – الديني للجماعات العراقية، فقد اتخذت الحرب الاهلية العراقية اطاراً مذهبياً لكون هذا الخطاب بالفعل يمثل التوليفة المخيالية ويقدم المبررات للنزاعات في المجتمعات التقليدية.

 

يوسف محسن

 

مصطفى غلمانفي الرد على أحمد عصيد عن "تدريس العلوم ليس موضوعا هوياتيا أو أيديولوجيا"

العريضة التي ابتكرها الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، دقت ناقوس الخطر القادم من دعاة تخريب التعليم وقراءة الفاتحة على روحه؛ بعد سلسلة إجراءات نضالية، ثقافية سوسيولوجية وميدانية، نجح الائتلاف بشكل ذكي في تمرير العديد من الرسائل، من خلال إذكاء روح الجذوة في الحياة الثقافية الراكدة، وتحقيق جزء غامر من الوعي بالهوية والثقافة اللغوية وبناء الإنسان عبر إصلاح منظومة التربية والتعليم.

العريضة التي وقعها العشرات من رجال الثقافة والتربية والفكر والسياسة، هي تعبير ديمقراطي جديد يؤكد انخراط الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية في سن تقاليد ثقافية جديدة في نشدان الحقيقة التي تغيب بفعل التجاذبات الايديولوجية والصراعات السياسية بين التيارات والاتجاهات الحزبية والفكرية المغربية.

وهي طريقة تمارس سلطتها الرمزية من أبعاد يقظة حارسي الهوية الثقافية واللغوية، في جعل التعبيرات الشعبية العمومية رافعة للشرعية وصيانة وحدة الدستور وعدم الانقلاب عليه .

عندما سارع الائتلاف إلى إبداء وجهات نظره طيلة السنوات الأخيرة من الحوار المفتوح خلال نقاش مشروع قانون الإطار رقم 17.51 للتربية والتكوين والبحث العلمي، مدافعا بكل ما أوتي من قوة عن مبدئية اعتماد اللغة العربية لغة أساسية في التدريس بالمدرسة الوطنية، في جميع الأسلاك والحقول المعرفية بدءا بالعلوم الحقة، مع تسريع ورش تأهيل الأمازيغية لإدماجها وتعميمها في المنظومة التربوية.

ولم تكن آخر مبادراته الأخيرة خلال المؤتمر الوطني السادس للغة العربية بخافية، حيث جاءت توصياته حاسمة ترفع إيقاع مطالبه بضرورة التراجع عن قرار تدريس المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية، داعيا إلى إعادة النظر في مفهوم التناوب اللغوي كما ورد في مشروع القانون الإطار، مع وضع سياسة لغوية واضحة ومنسجمة تشمل مختلف مجالات السيادة الوطنية كالتعليم والإعلام والإدارة.

وفي ظل عدم التزام فرق برلمانية بمواقفها المبدئية المعلن عنها سابقا، والمتعلقة أساسا بلغة التدريس أثناء البحث عن توافق يساهم في إخراج مشروع القانون الإطار بالإجماع.

لم يعد للائتلاف من طريق سوى إبداع آلية ثقافية قوية ومتينة أقرب من عريضة التوقيع على الرفض القاطع القانون الإطار والضغط على نواب الامة من أجل ثنيهم عن عدم الوقوع في منزلق التصويت عليه.

إن تحوير النقاش القائم الآن بخصوص تأويلات سطحية في مدى قدرة اللغة الوطنية على إنتاج المعرفة، من منطلق ايمانها بنظرية خارج سياق المنهجية العقلية ومنطق التفكير "أنه من لا ينتج معارف علمية وطنيا لا يمكن له أن يجعل من لغته الوطنية لغة تدريس العلوم"، هو ضرب من ضروب التعصب واحتقار التاريخ.

إن إنتاج المعرفة مرهون بتحصين الذات من الداخل. تمكين منتجيها من تطوير إمكانياتهم السوسيوثقافية والمعرفية، بما فيها الذات اللغوية التي وصفها الأنثروبولوجي عبد الله حمودي بالذات المنتجة، لأنها نظام قائم الذات.

لا أعرف لماذا يصف بعض المتفرنسين أذيال المستعمر السابق، بأسلوب يرقى لمستوى التسفيه الجهلاني، يصف الشعب المغربي بعدم الفهم والانتقاص، حيث يوجه عتابه المعجب التائه "لماذا لا يفهم بعض المغاربة الأسباب التي تؤدي إلى ضعف مردودية التكوين باللغة العربية في العلوم، كما يفسر سبب العجز عن تدريس العلوم بهذه اللغة في التعليم العالي؟"، كأن الأسباب الكامنة وراء فرضية عدم كفاءة اللغة العربية، حسب زعمه، تكمن في ضعف ميزانيات البحث العلمي وتطوير مجالات المعلوميات والرقمنة والانفتاح على التكنولوجبات السيبرانية المعصرنة! ؟، وليس الإرادة السياسية والثقافية والحفاظ على الخصوصية الحضارية !.

الأصوات النشاز التي تعاكس إرادة الشعب في موضوع مصيري استراتيجي، يخص الهوية اللغوية، بما هي لغة تدريس وعلم وعمل، لا تستطيع أن تلغي البتة قوة الإرادة وحتمية المشترك، لأنها تعلم جيدا أن الفرق بين المؤلف والحصان،أن الحصان لا يفهم لغة تاجر الخيل، كما قال ماكس فريش .

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

 

علي رسول الربيعي إن العلاقة بين النظرية السياسية المعيارية متمثلة في النظريات الكبرى والأيديولوجية الحديثة علاقة  معقدة. يحاول كلاهما تحقيق الإقناع - بالمعنى الدقيق للكلمة - فإذا كنا نعتقد أننا متساوون عموما، فإننا نحاول جميعًا أقناع بعضنا البعض كلا بوجهة نظره، وتحويل بعضنا البعض إلى وجهة نظرنا. ولكن هناك اختلافات هامة بين النظرية والأيديولوجية. تحاول النظرية السياسية إعطاء سبب ضروري أو كافي أو حتى محاولة تقديم سبب نهائي ممكن لضرورة تبني وجهة نظر معينة، وكذلك تسويغ لماذا يجب القيام بعمل ما بناءً على مجموعة من المبادئ بدلاً من مجموعة أخرى، بينما تفتقر الإيديولوجية إلى التزام بتوضيح جميع الأسباب. وغالبا ما يتم اختزال المبادئ إلى صيغ صورية أو وصفات بخطاطة عامة. ينطبق هذا التوصيف والتحليل ليس فقط على الأيديولوجيات مثل للقومية والفاشية ولكن أيضًا على الماركسية والليبرالية عندما تشتغل كأيديولوجيات.

توضح حالة الأيديولوجيات الليبرالية والماركسية أنه لا يلزم فصل الإيديولوجية تمامًا عن العقل. قد يكون لها اتصال بالعقل ولكنه أتصال استراتيجي. إن من طبيعة هذا  الاتصال الاستراتيجي يتم قطعه إذا لم يعد يخدم نهاية محددة أو هدف بعينه. كما أوضحنا في مقالات سابقة عن طبيعة النظرية السياسية، إن أخص سمات النظرية هي، لها التزام جوهري بالعقل، والحقيقة، والموضوعية التي لا تقوم بها الأيديولوجية. عندما تشتغل الليبرالية والماركسية كأيديولوجيات، فلديهما مجرد علاقة استراتيجية بالعقل. ولكن ليس هذا هو الحال عندما تعمل كنظريات سياسية. من الممكن إذن أن تتعارض النظرية السياسية الماركسية أو الليبرالية مع الأيديولوجية الماركسية أو الليبرالية.

 إذا كان كل ما قلته للتو صحيحاً، فإن الفلسفة السياسية تختلف بشكل أكبر عن طرق الإقناع الأخرى، كالدعاية propaganda مثلا، ليس لأن في الدعاية يتم محاولة تحويل الأقناع بطرق أخرى من خلال استعمال سيئ للعقل، ولكنها مثال جيد عن الأكاذيب مسموح بها، وكذلك عرض نصف الحقائق.ولاتُذكر النقاط السيئة للُمنتج ويتم المبالغة في تقدير النقاط الجيدة.

 لا اريد أنهي هذه المقالة دون الأشارة الى أن النظريات الكبرى تشترك مع الإيديولوجيات جميعها في تأدية وظيفة واحدة، وهي تحاول كلها صياغة فهم مشترك للعالم بالإضافة إلى توفير توجه معياري مشترك. عندما يقومومن بهذا فإنهم يقدمون تعريفًا مشتركًا للهوية. تتنافس النظريات الكبرى مع بعضها البعض في أداء وظيفة الهوية، وتكون بديلاً لبعضهما البعض، وقد تكون من ناحية أخرى كل منهما مكملة لبعضها البعض.

وبالتالي، أنا لا أقترح استبدال الإيديولوجيات بالنظرية السياسية. هذا لا يمكن أن يحدث أبدا. الأيديولوجيات لها وظيفة حاسمة في المجتمعات الحديثة. على عكس النظريات، أنها – أيً الأيديولوجيات تًعلم الممارسة مباشرة. أنها توفر لنا فهم عملي للذات  وخريطة لتوجيه العمل السياسي. على الرغم من أنها قد تسيئ فهم العوامل والفاعلين والممارسات، إلا أنها  تجسد أيضًا قدرًا كبيرًا من المعرفة العملية. وبالتالي ، يجب ألا ينظر إليها على أنها وعي غير علمي زائف. إن التمييز الصارم بين العلم والأيديولوجية هو السمة المميزة للتفكير العلمي الوضعي الذي يطبق بشكل خاطئ أو تبسيطي النماذج المناسبة لعلماء الطبيعية على الظواهر البشرية .

في الواقع، ترتبط النظرية والأيديولوجية بدوافع مختلفة. بالنسبة للنظرية المهم أن تصل الى  الأمور الصحيحة من الناحية النظرية، من المهم تصحيح الأمور. أما بالنسبة للإيديولوجية ، فإن القيمة الأكثر أهمية هي تمكين الممارسة. النظريات، في أغلب الأحيان، هي إنجازات بأثر رجعي.  بالنسبة للجيد والسيئ الإيديولوجيات جزء من العمل. وهي تُنسج أو تحبك في الممارسات.عندما تغيب شروط تكوين النظرية، فإن الأيديولوجيات تحل محلها أو تكون هي كل ما لدينا.

أخيرًا، أنا لا أقول إنه يجب أن نكون دائمًا عقلانيين وأنه يجب ألا يكون هناك مكان في المجال العام للعاطفة أو الخطابة. أعترف تمامًا أن هناك مكونًا خطابيًا وعاطفيًا في كل النظريات السياسية. إن هذا من بين الأمور التي يجب الاعتراف بها، وكذلك الشيء الآخر الذي  لابد من الأ عتراف به هو، استعمال الخطاب بلا مبرر باعتباره الوسيلة الوحيدة لتأكيد مصالح الشخص ومزاعمه والتواصل معها. باختصار، لاأؤيد الراي الذي  يقول لا ينبغي أن يكون لأي من العاطفة والخطابة مكان في المجتمع، فهما شيئًا مختلفاعن النظرية السياسية، وأنهن شئ مهم تضيع من دونه  قيمة اجتماعية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

محمود محمد علييري معظم المؤرخين والعلماء والفلاسفة الغربيين يحاولون تعتيم هذه القضية، من خلال الغرس فى الأذهان، أن اليونانى هو مبدع الفكر والعلم والأخلاق والاجتماع  والسياسة والفن والرياضيات والفلك والطب والمنطق والفلسفة… وغيرها. وكأن الحضارة اليونانية خلق عبقرى أصيل جاء على غير منوال، لم تسبقها حضارات أخرى، ولم تتصل بها مصر القديمة ولا كنعان ولا بابل ولا أشور ولا فارس ولا الهند ولا الصين.. بل هى فى زعمهم ـ أوربية النشأة والتطور.

أصحاب هذا الرأى هم دعاة " المعجزة العلمية اليونانية " الذين يسعون بكل ما أوتوا من قوة إلى أن يمجدوا الحضارة اليونانية - حضارة أجدادهم، فتحدثوا طويلاً عن ذلك الإنجاز الهائل الذى حققه اليونانيون فجأة دون أى مقدمات تذكر، ودون أن يكونوا مدينين لأى شعب أو حضارة سابقة عليهم.

وهؤلاء هم أكثر الناس إيماناً بأن أقدم الحضارات كانت مزدهرة وناضجة كل النضج بالقياس إلى عصرها، ومن ثم فقد كان من الضرورى أن ترتكز فى نهضتها على أساس من العلم.

إلا أن هذا العلم فى نظر دعاة المعجزة العلمية اليونانية كان يعتمد على الخبرة والتجربة المتوارثة؛ وأن تلك الحضارات كانت تكتفى بالبحث عن الفائدة العملية أو التصرف الناجح دون سعى إلى حب الأستطلاع الهادف إلى معرفة أسباب الظواهر، كما أن تلك الحضارات لم تملك نفس القدر من البراعة فى التحليل العقلى " النظرى" لهذه المعارف (1).

أما الحضارة التى توصلت إلى هذه المعرفة النظرية، والتى توافرت للإنسان فيها القدرة التحليلية التى تتيح له كشف المبدأ العام من وراء كل تطبيق عملى فهى الحضارة اليونانية.

فمثلاً قالوا أن المصريين القدماء قد إستخدموا الرياضيات فى مسح الأرض وشق الترع وغيرها من أغراض عملية، استعانوا بها وبالميكانيكا على إقامة الأهرمات التى مازالت تتحدى الزمن، أقاموها لحفظ الجثث المحنطة، إعتقاداً منهم فى خلود النفس وحساب اليوم الآخر، وتوسلوا بعلم الكيمياء فى تحنيط الجثث واستخراج العطور والألوان، وغير هذا من أغراض دينية. ولكن اليونان هم الذين أنشأوا هذه العلوم فى صورتها النظرية الخالصة، وتجاوزوا فى الرياضيات مرحلة الأمثلة الفردية المحسوسة إلى مرحلة التعاريف والبراهين، فتوصلوا إلى القوانين والنظريات التى تستند إلى البرهان العقلى.

وكذلك كان الحال فى علم الميكانيكا، كان اليونان فيما يقول دعاة المعجزة العلمية اليونانية – أول من عالج دراساته بروح علمية؛ إذ كان لأرسطو الفضل فى إنشاء هذا العلم النظرى، وإن جانبه التوفيق فى صيغة عبارته؛ وأكمل الاسكندريون من أمثال "أرشميدس" (ت212ق.م) ممن قننوا المعلومات الميكانيكية لأول مرة فى تاريخ العلم .

وكان البابليون والكلدانيون قد سبقوا إلى مشاهدة الكواكب ورصدها، فأنشأوا بهذا علم الفلك العملى، ولكنهم كانوا مسوقين بأغراض تنجيمية أو عملية (كمعرفة فصول الزراعة ومواسم التجارة ونحوها).

أما اليونانيون فهم الذين أقاموا علم الفلك النظرى فى رصد الكواكب لمعرفة " القوانين " ووضع " النظريات " التى تفسر سيرها وتعلل ظهورها واختفائها. ويرجع الفضل الأكبر فى هذا إلى " بطليموس" الاسكندرى (فى القرن الثانى) بكتابه" المجسطى" الذى ظل المرجع الرئيسى حتى مطلع العصر الحديث .

ومثل هذا يقال فى العلوم التى أدت إليها فى الشرق بواعث دينية أو أغراض عملية؛ عالجها اليونان بروح علمية، حتى نشأت علوماً نظرية تستند إلى البرهان العقلى وتقوم على" تقنين " المعلومات بغير باعث دينى أو عملى .

ولم يكتف دعاة " المعجزة العلمية اليونانية" بذلك؛ بل خرج منهم فريق يرى أن التنقيب فى أطلال الماضى للتوصل إلى حضارات مزدهرة قبل اليونان ليس سوى مضيعة للوقت إزاء الطابع الملح للمشاكل القائمة، وهو موقف عفا عليه الزمن، وعلينا أن نقطع صلتنا بكل هذا الماضى المشوش والهمجى واللحاق بالعالم الحديث الذى تندفع تقنياته بسرعة الالكترونات، والعالم فى طريقه إلى التوحد. وعلينا أن نكون فى طليعة التقدم، وسيحل العلم فى القريب العاجل كافة المشاكل الكبرى، بحيث تصبح تلك المشاكل المحلية والثانوية غير ذات موضوع. ولا مجال لأن تكون هناك لغات تعبر عن ثقافة ما سوى غير ثقافة أوربا التى أثبتت أصلاً قدرتها على ذلك، مما يعنى أنها قادرة على نقل الفكر العلمى الحديث، وأنها عالمية فعلاً.

وفي الوقت الذي كان فيه دعاة المعجزة العلمية اليونانية يصولون ويجولون لإثبات أن نشأة العلم يونانية خالصة، وأن اليونانيين قد توصلوا إلى إكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، كانت هناك طائفة من المؤرخين والفلاسفة أمناء مع أنفسهم ومع الحقيقة ومع التاريخ، فقالوا بما أملته عليهم ضمائرهم الحية وروحهم العلمية الموضوعية؛ ومن ثم قرروا أن الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم في شئ؛ فالقول بأن اليونانيين قد أبدعوا فجأة ودون سوابق أو مؤثرات خارجية حضارة عبقرية في مختلف الميادين ومنها العلم هو قول يتنافى مع المبادئ العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات وتأثيرها بعضها ببعض، بحيث تؤثر الحضارة السابقة في الحضارة اللاحقة وتتأثر هذه بتلك تأثراً تتعدد أبعاده تارة وتختلف مجالاته وتتفاوت درجاته تارة أخرى.

فمن المستحيل مثلاً تجاهل شهادات اليونانيين القدماء أنفسهم، فقد شهد أفلاطون بفضل الحضارة المصرية القديمة، وأكد أن اليونانيين إنما هم أطفال بالقياس إلى تلك الحضارة القديمة العظيمة، وذلك فى الحوار الذى أورده فى محاورة " طيماوس" بين سولون وأحد الكهنة المصريين الذى قال للمشرع الأثينى "إن اليونانيين لا زالوا أطفال فى مضمار الحضارة " . وهناك روايات تاريخية تحكي عن اتصال فلاسفة اليونانيين وعلمائهم ومنهم "أفلاطون" ذاته بالمصريين القدماء وسفرهم إلى مصر وإقامتهم فيها طويلاً لتلقي العلم .

فلم تكن نشأة العلم يونانية خالصة ولم يبدأ اليونانيون باكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، بل إن الأرض كانت ممهدة لهم من بلاد الشرق التي كانت تجمعهم بها صلات تجارية وحربية وثقافية، والتي كانت أقرب البلاد جغرافيا إليهم .

على أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا ممن ينكر فضل اليونانيين في ظهور العلم. والحق أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد من للمعرفة، ربما كان عادة أوربية سيئة ينبغي التخلص منها، فإصرارنا على تأكيد الدور أسهمت به حضارات الشرق القديم لا يعني أننا ممن ينكرون على اليونانيين أصالتهم العلمية، ولا نشك لحظة في أنهم يمثلون مرحلة علمية ناضجة.

ولكننا لا نوافق على ادعاء أن تلك الأصالة وهذا التمايز، قد أتيا من فراغ؛ فقد كانت عظمة اليونانيين أنهم استطاعوا أن ينقلوا بشغف كل ما وقعت عليه أعينهم وعقولهم من التراث السابق عليهم، وأن يهضموه هضماً يتلاءم مع بيئتهم الخاصة، وأن يحولوا هذه المؤثرات الوافدة إلى شئ شبيه بتراثهم هم، وأن ينتقدوا هذا وذاك شيئاً فشيئاً، حتى استطاعوا فى النهاية أن يتجاوزوا المرحلة الشرقية فى العلم، وأن يبدأوا مرحلة جديدة متميزة .

إلا أن هذه الجدة وهذا التمايز قد بهرهم لدرجة أن بعضهم؛ بل معظمهم قد تنكروا لأجدادهم الذين علموهم ألف باء الحضارة بدءا بالزراعة وإنتهاءً بحروف الكتابة التي كانت سبباً في تمكنهم من صياغة أفكارهم وتسجيلها. وتضخمت إنجازاتهم أمام أنفسهم فظنوا خطأ أنهم أصل البشرية كلها، وأنهم مبتدعوا العلم والفلسفة والعلم، ولو أنهم (دعاة المعجزة العلمية اليونانية) قد تخلوا عن عنصريتهم التى ورثوهاعن أجدادهم – الذين إعتبروا كل من عداهم برابرة لا يصلحون للرق والعبودية – ونظروا بموضوعية فى فكر "طاليس "، و"فيثاغورس" و"ديموقريطس"، و"أفلاطون" لوجدوا أنهم قد استلهموا معظم أفكارهم من الشرق وليس من اليونان .

وللحديث بقية

 

بفلم د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

طالعتنا اصدارية المثقف واتحفتنا مشكورة بمقال من سلسلة مقالاتكم والتي تنشرونها على صفحات هذه النشرة المحترمة للاستاذ علاء اللامي والمتعلقة  بموضوع القدس او اورشليم او بيت شالم او بيت قدشايا  او بيت الهيكل المقدس والتي تحورت مع توالي الازمان لتصبح البيت المقدس ومن ثم تم تخفيف الكلمة لتصبح بيت المقدس واخيرا تصبح كلمة تداولتها السنة العرب الفاتحين فتلفض المقدس بالقدس ، مع الكثير من المسميات التي كانت لمدينة قديمة قدم التاريخ وتحولت اليوم لتصبح مركز استقطاب ونقطة مركزية لحوارات لن تنتهي وليتها تدوم طارحة الافكارالمبدعة والخلاقة وفاتحة الابواب الموصدة عن البحث والتقصى لاستشراف الحقائق والوقائع من خلال طروحات وشروحات وافكار لابد انها تستند على معطيات تاريخية رصينة وموكدة تحدث بها مجموعة من الباحثين ولتصبح حديثا علميا وموضوعا لنقاشات مركزة ورصينة وخاصة اذا كانت بين اساتذة كبار امثال الاخ الكريم علاء اللامي وفراس السواح ويوسف زيدان وخزعل الماجدي وغيرهم كثيرون ، وجميع هولاء اساتذة محترمين يدلون بدلوهم في مسالة محددة تقضع مضاجع العالمين العربي والاسلامي اليوم وتحضى بتواصل وامتدادت عالمية ، ومادمنا نعيش صراعا عربيا –عبريا لم نتوصل الى ايجاد قاعدة مشتركة لحله على كثرة القواعد والشواهد التاريخية المتوفرة فلا بد لنا من امثال هولاء الباحثين الكرام ليدفعوا اجيالنا القادمة الى الرغبة في البحث والتقصى عن الحقيقة والتي لابد انها تشبه قطعة نقدية لها وجهان وكلاهما يحفل بمميزات تجعله صالحا ليكون مكانه احد اوجه قطعة النقد . سادتي الكرام  كلنا نقراء ونتفاعل مع البارعين من كتابنا الكرام فنحن لانجد حرجا في الاستماع المنطقي والموزون لافكار واطروحات باحثينا الافاضل فهولاء سادتي يعملون على بث روح التواصل البحثي ويفتحون مدارك اجيال منا غلف عقلها الجهل بالوقائع وحبس فكرها في قمم الاشتطاط الفكري والرغبة لدى البعض من مفكرينا المحترمين للاسف بتسفيه افكارالاخريين ومنع وربما مكافحة كل فكر يخالف ما يعتقدون انه الصحيح والذي يراه البعض الاخرانه يجانب الحقيقة ، ولابد ان نكون مدركين بان منهج التفكيرالعلمي والبحث عن الحقيقة يجب ان يسود فالعالم لم يتغير نحو الاحسن الا عندما ساد منهاج البحث عن الحقيقة وسادت قيم البحث العلمي الرصين واحترام الراي والراي الاخر على امل التوصل للحقائق المطلوبة.                                                                  

 سيدي الفاضل علاء اللامي المحترم  في الوقت الذي اكن لك الاعجاب بطريقة تفكيركم واسلوب حواركم الذي تحاولون ان تعززونه بالعلمية والذي يغلب عليه طابع الباحث عن التاريخ الحقيقي والخبر الصحيح الا اني اعتب على حضرتكم تطرفكم الغيرالمبرر في تسفيه افكار مجموعة من الباحثين والذين قد يمتلكون روئ غير تلك التي تمتلكها سيادتكم وهو شي اعتقد انه نابع من الخلط  غير المقبول بين شدة الوطنية والبحث العلمي الرصين .ولابد انكم تعرفون مقدار وكثرة ما وجهناه من انتقادات والى حديث عمالة للاستعمار والامبريالية وغيرها من المسمياة التي اكل الدهر عليها وشرب وخاصة الى جمهرة الباحثين من المستشرقين وعلماء الاثار مثلا واتهمناهم بشتى الاتهامات ومن دون ان نذكر حسناتهم الكبرى في انهم كانوا السبب في الكشف عن تراثنا وحضارتنا التي هال الزمن عليها تراب النسيان  فنحن ياسيدي يجب ان نقر ونعترف بافضال كل من مد يده وازاح كومة رمال عن تاريخنا ومستمسكات حضارتنا فلهم نوجه شكرتا وهو ما يجب ان نفعله ولكل من يساهم في احداث نقلات حضارية وفكرية واقتصادية ويدفع بشعوبنا المشرقية للسير على خطى التمدن والانفتاح والعقل واالبحث الرصين  عن الحقيقة الناصعة والحقيقة فقط.                                          

سادتنا الافاضل . اتمنى ان يؤخذ حديثنا هذا على محمل الرغبة الصادقة في يكون المجال مفتوحا لكل من يريد ان يدلي بحديث صادق رصين يفتح به مغاليق عقولنا  ويقودنا الى مسارات  قد توصلنا يوما الى مصاف الامم التي تبني اليوم صروح المعرفية والفكر النير الخلاق على كل الاصعدة وتنقلنا الى ما نستحقه من رقي ومكانة في مسيرة العطاء والخير والتحضر واحترام الذات التي كدنا ان نخسرها                                         .

سيدي الفاضل  اود ان تسامحوني وانا الباحث البسيط لكي ادلى بدلوي  فاتحدث بفكر منفتح ومتواضع عن ما اعتقد بانه سيكون حديثا قد يستهجنه البعض وقد يرمينا بتهم العمالة ، وقد يحترمه ويوافق عليه اخريين ونحن هنا يهمنا فقط  ان نتحدث عن اشكالية اسمها القدس طال السكوت عنها في ادبياتنا الفكرية والبحثية وملائنا الدنيا عويلا على مصيرها وكيف انها ضاعت منا وكاننا نحن العرب كنا بناتها ومؤسسيها . واقدم اسفي الشديد ان اطلت عليكم وعذري لكم  باني  لا امتلك المقدرة التي تمتلكونها والعقل النير المعطاء وقدراتكم الخلاقة في التواصل المباشر.سادتي الباحثين الكرام  اعبر عن اسفي ان حاولت ان ابدي رائينا الصريح بمجمل الخطاب المطروح من الباحثين الكرام بشان مدينة القدس فارجوا منكم المسامحة راجيا منكم ان تصححوا لنا افكارنا وتدلونا الى الصحيح لكي نتدارك الخطاء ونجانبه وبهذا تتم الفائدة .                                                     

القدس.. كانت القرية التي سكنها اليبوسيون وهم فرع من القبائل العبرية التي انتشرت في اليهودية والسامرة والجليل وارض كنعان وكبرت هذه القرية وصارت لها شهرة على يد زعيم قبيلة اليبوسيين وفي عهد قائدها ملك صادوق وكلمة  ملكي او ملك تعني بالارامية والتي هي ام اللغات السامية واصل الحروف السبعة في لغة القران الادبية حيث تعني كلمة ملكي او ملك ، زعيم العشيرة وهذا مانعرفه عند اخوتنا الاشوريين او من ابناء قبائل الاثوريين في العراق حيث يسمى زعيم العشيرة باسم ملك مثالنا ملك خوشابا ، وسكنت القرية والتي كان اسمها اوساليم اي بلد السلام والتي جاء ذكرها في مراسلات تل العمارنة بين فرعون مصر وملكي صادوق ربما قبل 3000 سنة او يزيد. كما قلنا فقد سكنت قبيلة اليبوسيين العبرانين والبعض من اهل (عم الق)  عماليق وبعض من الكنعانيين ومن البدو الرحل العرب فيها الى ان احتلها داود وطرد اليبوسين منها وجعلها قاعدة لحكمه وعاصمة له ومن ثم اعاد بنائها ابنه سليمان الذي اقام وشيد فيها الهيكل المقدس وخيمة الاحتماع وقدس الاقداس واستمر حكم اليهود وتواجد العبرانيين فيها الى ان تم تدمير الهيكل وتخريبه على يد تيطس سنة 70 للميلاد. فلم تكن مدينة داود او اورشليم مدينة كنعانية ابدا فهذاالقول خطاء فاحش فالكنعانيون هم ابناء كنعان الابن الرابع من ابناء حام بن نوح وهم في هذا ابناءعمومية الساميين .وفي الوقت الذي كان العرب والعبرانيون ابناء اب واحد هو سام بن نوح فصلة القربى بين العرب والعبرانيين هى صلة اخوة في الاب سام بن نوح . وعندما يعتقد البعض من مفكرينا ويصرح قائلا ان انتماء العبرانيون الى العرب فهو لايخطي البتة  ودليلنا  العقلي ان العبرانيون هم ابناء عابري الصحراء البدو والذي ميزهم عن العرب الاخرين هو ان هولاء الابناء لسام من عابري الصحراء (العبيرو) اندفع قسم منهم الى داخل الجزيرة العربية واستوطنوها وتحدثوا بحرف اخر من الحروف التي يحدثنا القران بانه انزل بسبعة حروف، واعتنقوا فكرا عباديا يختلف عن ما اعتنقنه باقي الاعراب وتحدثوا بحرف مغاير للحرف العربي الذي تحدث به اخوتهم العرب الاخريين والمتواجدين في الجزيرة واطرافها . ولعل الدليل الاهم على ان هذه القبائل كانت من اصل واحد هو التواجد اليهودي الكثيف في عمق الجزيرة واليمن وحتى بلقيس ملكة سبا كانت على الديانة اليهودية والسوال الذي يطرح نفسه من اين جائت اليهودية وقبائلها في عمق الجزيرة  العربية وخاصة اليمن؟ اذا لم تكن هذه هي الحقيقة المطلقة؟ نتمنى ان يكون لدى البعض من اساتذتنا الكرام تفسير منطقي وحقيقي عاقل لهذا الموضوع فينورونا مشكورين.

يتبع .

 

صباح الوزير مهندس استشاري وباحث في التاريخ مبتدي.

.....................              

تاريخ القدس منذ زمن داود حتى دخول عمر ابن الخطاب / الخطاب الثاني 

للاطلاع 

فراس السواح يلتحق بخرافات يوسف زيدان حول القدس والمسجد الأقصى / علاء اللامي

 

 

 

هل ازمةُ العالَمِ -اليومَ- هي ازمةُ نفطٍ، ام ازمةُ طاقةٍ، ام ازمةُ سياسةٍ تختنقُ بها انظمةُ الحكمِ، ام أَنَّها أزمةٌ عسكريةٌ تثيرُها الدولُ الكبرى، باحتلالها لاراضي الاخرين، وقمع شعوبِهم ؟؟

الازمةُ ليست مشكلةً عارضةً، كسائر المشكلات التي تنشأ لظروفٍ مُحَدَدَةٍ، وتنتهي بانتهائها ... الازمةُ اعمقُ من ذلك . جاء في قواميس اللغة أَنَّ من معاني الازمةِ، الشدة والضيق .. اذن : الازمةُ تعبيرٌ عن اشكاليَّةٍ بنيويةٍ حادةٍ، وتهديدٍ وجوديٍّ لبنيةِ المجتمع الذي يعيشُ الازمة.

مشكلةُ التضخم التي تواجه اغلب المجتمعاتِ الرأسماليَّةِ، هي مشكلةٌ ظرفيَّةٌ، هناك اليات في النظام الراسمالي تساهم في تجاوز المشكلة . مشكلة الانتخابات، وتشويه سمعةِ المتنافسين من قبل بعضهم البعض، وتزوير الانتخابات. والحروب التي تبيد الملايين من البشر، لتحقيق شهوات القابضين على السلطة، وتجار الحروب . ومايسمونه بالقتل الرحيم، والاجهاض، وقتل الاطفال الرضع في المهد، وفوضى العلاقات الجنسيِّة، كلها مشكلات تعبِّر عن مظاهر واعراض لازمةٍ حادةٍ هي: (الازمة الاخلاقية) .

المكيافيليَّةُ تحكمُ اغلبَ انظمة الحكمِ في عالَمِ اليوم، تقوم على اساس قاعدة (الغايةُ تبررُ الواسطة) . هذه ليست ازمة في انطمةِ الحكمِ اليوم، وانما هي في العمق: ازمة اخلاقية، واساليب الحكم المذكورة، هي اعراض، ومظاهر للازمةِ الاخلاقيَّةِ الحادة.

واطنانُ المَوادِّ الغذائيةُ التي ترميها الدول التي يسمونها متقدمة في البحر في الوقت الذي يموت فقراءُ العالم وجياعُهُ، من اجل الحفاظ على الاسعار.. هذا ليست قضيةً اقتصاديّةٌ وان بدت لنا كذلك . انها في عمقها ازمةٌ اخلاقيةٌ حادةٌ، يعيشُها القابِضونَ على السلطةِ والثروةِ في عالَمِ اليوم.

الحروب المُدَمِّرَةُ التي لاتُبقي ولاتّذر، والتي تبيد الاطفال والنساء، وتحصد المدنيين الابرياء ... ماذا يعني ذلك ؟ هل هذه ازمة عسكرية يعيشها العالَم، ام انها مظهر لازمة عميقةٍ، هي الازمة الاخلاقية.

الاجهاض، ومايسمى بالقتل الرحيم، وقتل الاطفال الرضع، وتفكك الاسر، وفوضى العلاقات الجنسيّة، ومحاصرة الشعوب، والوقوف مع الظالمين والمستكبرين ضد الشعوب المقهورة ... كل ذلك مظاهر واعراض لازمة حقيقية، هي الازمة الاخلاقية.

ويأتي في هذا السياقِ، اعتراف الرئيس الامريكي ترامب بان الجولان ارض اسرائيلية، وليست ارضاً سوريةً محتلةً، خلافاً لكل القوانين الدوليَّة، هل هذه مسألةٌ سياسية تحكُمها السياسة، وقواعد اللعبة السياسيّة، ام انها ازمة اخلاقيّة؟

بعضُ المفكرين والفلاسفة الذينّ نَظَّرُوا للاخلاقِ، كانت تنظيراتُهم وكتاباتهم انعكاساً لهذه الازمة الاخلاقيّةِ . فبعضهم اختزل الاخلاقَ كُلَّها في اللّذة، حتى عَبَّرَ ابيقور عن اللَّذةِ بانها : (الخيرُ الاعظم)، وجاء بنثام وجون ستيوارت مل بمذهب المنفعة، ونظّرَ البراغماتيون للمنفعة . هل هذه فلسفات تعكس رؤيةً فلسفيَّةً ؛ ام انها انعكاسٌ لازمةٍ اخلاقيَّةٍ؟ فلسفات اللّذة والمنفعة حكمت على الفعلِ الاخلاقيِّ من خلالِ نتائجه واثاره، ولاتحكم على الفعل الاخلاقي في ذاته . هذه الفلسفات لم تعجب الفيلسوف الالماني (كانط) الذي اسس الاخلاق على اسس اخرى . اسس الاخلاق على اساس العقل، وجاء بنظرية الواجب، فالفعل الاخلاقيُّ عند كانط محكومٌ وفق قواعد العقل العملي، ومحكوم بالارادة المنسجمة مع العقل.

القران الكريم تحَدَثَ عن الاخلاق، وعن اساسها الفطري، فالقران يرى ان الاخلاقَ مركوزةٌ في اعماقِ النفسِ الانسانيّةِ، والارادة الانسانية تخرجها من مكامنها، الارادة الانسانية تقوم بفعل التزكية او التدسية . يقول الله تعالى :

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)) (الشمس : الايات : (7،8،9،10).

فالانسان في اعماقه بوصلة اخلاقية، وضمير اخلاقي سماه القران بالنفس اللوامة، حتى لولو تكن هناك مؤثرات اجتماعيَّة، فقابيل ارتكب جريمة قتل اخيه هابيل، وهابيل رفض فكرة القتل، رغم عدم وجود مؤثرات مجتمعية، اذ لامجتمع موجود ؛ اذ لم يتشكل بعد مجتمعٌ، وكلاهما عاشَ في اسرة واحدة، ابوهما ادم النبي عليه السلام، الذي مارس دوره في تربيتهما ؛ وعلى هذا الاساس نقول ان اساس الاخلاق فطري، وليس ناشئا من الاعراف والعوائد . العقل العملي يمكن ان يكون مصدرا للاداب لامصدرا للاخلاق . الاداب هي المتغيرة، وهي النسبية، امّا الاخلاق فهي ثابتة . يقول الله تعالى في نبأ ابني ادم :(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ) المائدة : الايات: (27،28) .

هذه مقولة لخصتُ فيها ازمةَ العالمِ والتي هي ازمة اخلاق، ومانراه من مشكلات سياسية واقتصادية، وحروب، واضطرابات اجتماعيّة، هي اعراض لازمة حادةٍ عميقةٍ هي الازمة الاخلاقية.

 

زعيم الخيرالله

 

رائد عبيسكثيرا ما تعاني المجتمعات العربية والإسلامية من جراء هذين التوصيفين من مشاكل مزمنة، اذا لم تعد هذه الصفة هي مجرد تعبير عن اعتماد منهج أو فلسفة أو نظرية أو ثقافة، بل تعداه الى بعد وأعمق من ذلك، وهو تحول هذه الأوصاف الى إيديولوجيا وممارسة. تحتم على كل من يملك أي من هذه الجهات أن يعكسها بشكل استفزازي ومضاد للآخر، وكأنما هناك صراع مفاضلة وكل طرف يحاول أن ينال غايته على الطرف الثاني. ممكن أن نرجع اسباب ذلك إلى عدة مسائل :

١ - النُعَرَةٌ الذاتية القائمة على الأنانية.

٢- سيطرة القبلية المستبطنة على المتبنيات اي كان مصدرها وانماطها.

٣- ثقافة المزاحمية والمنافسة اللا موضوعية بناء على منطق الغلبة والتضاد.

٤-  البيئة التاريخية تطرد الدخيل الثقافي بعامل الوراثة وحكم التاريخ.

٥- هيمنة الدين على المزاج الفكري العام الذي يجعل من التبدل الثقافي أمر متذبذب.

٦- قوة الدين الشعبوي الذي يمزج بين العشائرية والمتوارث الاجتماعي والفلكلور والحكايات والأساطير، تطرد ما هو معرفي وان كانت هذه المعرفة تحمل صبغة ايديولوجية.

٧-  غياب المعرفة والثقافة والعلم، يعد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى الخلط بين مفهومي العلمانية والإسلامية.

8 - المقارنة غير الواقعية بين العلمانية بكونها نتاج نظري بشري وبين الاسلام بكونه دين مقدس. يجعل من عوامل الترجيح تميل إلى المهيمن منهما أو هيمنة الدين على الفضاء العام.

هذه أبرز الأسباب التي تعد مصدر لإشكالية التضاد بين العلمانية أو الاسلامية والتي يذهب بها المجتمع إلى حد المغالات والمبالغة وصنع المخاوف بينهما بطريقة غير عادلة.

فالمجتمع المتظالم يحرك هذا التضاد بطريقة إيديولوجيا متخاصمة، يحدث على أثره صراع اجتماعي، وربما ينتهي إلى حروب، كحال العراق في بداية دخول الشيوعية وانتشارها بين الأوساط الجماهيرية، أو كبداية ظهور حزب البعث الذي اختفت معه أحزاب أخرى مشابهة، وصراعه الأيديولوجي مع حزب الدعوة الإسلامي، هذه عناوين أما متخاصمة مع الشبيه أو متخاصمة مع الضد أو تحولها إلى ما يشبه ضدها حتى يخفف النقد عليها دون الإيمان بها، حجة منه للعمل على مخاطبة مزاج الجماهير المتطلعة إلى أنماط أخرى من الحياة بعد أن ملت حياتها بلون واحد، كتحول حزب البعث من حزب علماني يميني الى حزب مؤمن بالحملة الإيمانية التي قادها ليعضد سلطته بإيمان أتباعه المضمر خلف ولاء علماني مزيف.

في أيام القسوة، أو الكبت السياسي، وصراعه، وسطوته اتضحت قضايا ذات بعد سايكولوجي تجد فيه الناس اكثر تمسكا بمبادئها اتجاه قضاياها لان هناك مصدر تهديد واحد يحاولون على الدوام أن يتصلبوا أمامه ويعضدوه.

أما بعد التغيير بعد ٢٠٠٣ تلاشت قيم الحرس على المبادئ وذلك لسبب سايكولوجي ايضا ولكن تحت تأثير عوامل مختلفة،منها الانفتاح، وكثرة الأطراف المعادية، وشعور من كانوا مُتصديين لقضية التصلب لتلك المبادئ ضعفت بسبب تحقيق أهدافها، وهي سقوط الديكتاتورية وحصولهم على مكاسب سياسية، ومادية وغيرها اشغلتهم عن عصامية النضال ورسالته.

فضلا عن تبني نظريات سياسية خارج سياق التفكير التقليدي لزمن المعارضة مثل مفاهيم الديمقراطية وتطبيقاتها، وسياسة المحاصصة، وسياسية الاعتراف بالمكونات وتنوعها،  وقضية هوية الدولة بعد أن كان طموحهم إدارتها بصيغة حكم إسلامي كما يدعون. فضلا عن تحول بعضهم من اليمينية إلى اليسارية أو العكس،فضلا عن الانشقاقات بين الأحزاب وظهور قوى اجتماعية غير متوقعة وتنامي سطوتها داخليا ككيان سياسية واجتماعية موازي لمشاريعهم السياسية الطموح تطبيقها وتبنيها.

هذه كلها خيبات ترادفت على العملية السياسية ومتبنيها فأضعفت توصيفاتها في الوسط الاجتماعي، بل وأصبحت منبوذة ومستنجنة، وعلى الرغم من ذلك لا يتردد جمهور العلمانية أو جمهور الإسلامية من التراشق بالنبذ وكيل التهم ونسب الفشل لبعضهم البعض. وكان العلمانية هي المسؤولة عن إخفاق متينيها أو الإسلام مسؤول في إخفاق أتباعه.

هل ممكن أن يتجاوز المجتمع هذه التوصيفات ليدرك أن المشكلة فيه وحده؟

هذا سؤال بحاجة إلى جواب جماعي متأني وصبور وغيور حتى يكسب صفة الموضوعية والمنطقية والواقعية، لندرك به أن المجتمع الذي يناقش مفاهيم وهو متجاوز لكل اشكالياته، إنما هو مجتمع واع بكل متطلباته التي تحتاج إلى تجاوز مفاهيم وإشكاليات عاجز عن تحديد أبعادها على المدى القريب، أو البعيد وبهذا يكون قد فقد مستقبله.

 

الدكتور رائد عبيس

 

منى زيتونذكرنا أن الكفاءة الاجتماعية لا تشمل مهارتي التعبير اللفظي والانفعالي فقط، فهناك مهارات الضبط اللفظي والانفعالي، والحساسية اللفظية والانفعالية، ونحن بحاجة لجميع مهارات التواصل لنتمكن من رؤية المواقف بيننا وبين الطرف الآخر من منظور الآخر، لندرك كيف يراها، ونفهم لماذا تأتي أفعاله وردود أفعاله على النحو الذي هي عليه، ومن ثم لننجح في تفاعلنا الاجتماعي معه.

بوجه عام، فإن التأخر في حسم العلاقات قبل الزواج تحديدًا، يعد من أشد السلوكيات قسوة؛ لأنه يُشعر الطرف الآخر أن لديك خيارات أخرى، وأنك تقارنه بغيره، مما يعني أنك غير مقتنع به تمامًا، وهذا يتنافى مع معنى الحب الحقيقي. وهذه السمة –تأخر الحسم- تتعدى فترة ما قبل الزواج لتظهر أيضًا في العلاقات بعد الزواج.

قد يكون عدم الحسم سمة في الشخص لأنه من مفرطي التفكير؛ فيحتاج وقتًا طويلًا ليُقرر، وقد يكون عارضًا لأنه تواجهه صعوبات مالية أو عائلية أو أيًا كان نوعها، وقد يتمثل تأخر الحسم في وجود مماطلة في تنفيذ القرار رغم اتخاذه؛ لافتقاد هذا الشخص الجرأة الكافية بسبب وجود صعوبات تعيقه من أي نوع. لكن في بعض الأحيان قد يكون عدم حسم أحد الطرفين مرآة وانعكاسًا لسلوك الطرف الآخر!

في كثير من الحالات تأتيني الشكاية من أحد طرفي العلاقات الزوجية أو العاطفية بأن الطرف الثاني يتعامل معه وفقًا لنمط مزدوج الوجهين كالحركة الموجية، قمة يليها قاع يليها قمة جديدة، وهكذا! أو ما يُعرف بنمط السخونة/البرودة Hot/Cold. وهناك فهم خاطئ منتشر حول من هذا نمطهم بأنهم بالضرورة متلاعبون. من خلال خبرتي رأيت بينهم متلاعبين بالفعل، لكن هناك نسبة ليست بالقليلة من بينهم يكون سلوكها الظاهري على هذا النحو رغم كونهم غير متلاعبين، ومنهم من اشتكت لي من خطيبها، وقالتها بالإنجليزية: I don’t want a person who is emotionally unavailable، وترجمتها "لا أريد شخصًا مشاعره غير متاحة!". إذًا فهي تراه شخصًا لا يفتح لها قلبه، وهذا ما يجعلها تتراجع في إظهار مشاعرها لتبدو باردة!

فكثير ممن يأخدون نمط السخونة/البرودة؛ ويُتهمون بالدخول ثم الخروج من حياة شركاء حياتهم بشكل مستمر، ما يدفعهم لهذا السلوك حقيقة هو درجة كبريائهم المرتفعة التي تجعل خطواتهم نحو الشريك محسوبة، فهم يقتربون من الشريك خطوة واحدة في انتظار أن يبادلهم التحرك ويخطو نحوهم، ولكنه إن كان عنيدًا أو ربما يفتقد الوعي الكافي برد الفعل المناسب أو لا يعطي الانتباه الكافي للعلاقات الاجتماعية، يبقى هذا الشريك ملتصقًا مكانه، منتظرًا لمزيد من الخطوات منهم، والتي لن يسمح كبرياؤهم بها، فيقررون التراجع. والكبرياء هنا للحق أراها كبرياء صحية وليست مرضية.

أما عن الطرف الآخر العنيد، فهناك حقيقةً أشخاص يجيدون فقد الفرص التي تُتاح لهم، ولا يعي الواحد منهم قيمة ما بين يديه حتى يضيع منه، وربما لو عاد إليه لكرر السلوك عينه وفقده مرة أخرى! وأغلب هؤلاء يخطئ الواحد منهم بالتركيز على نجاحه المهني فقط، أو على علاقاته مع أهله أو أصدقائه، ولا يعطي الانتباه الكافي لشريك حياته، وهذا ما يجعل الشريك يظن أن قلبه مغلقًا نحوه. وقد يكون لدى هؤلاء مشكلة أيضًا في التوازن العاطفي؛ فالأخذ والعطاء لديهم ليس متكافئًا، كما أن بعض الناس يعطون كثيرًا، ولكن ليس بالطريقة الصحيحة التي يتمناها الشريك، وسبق أن تكلمنا عن هذا الأمر في مقال "لغات الحب".

والسبب في تكرار دورات السخونة/البرودة، أنه وبعد فترة يأتي من الشريك الثاني العنيد رد فعل متأخر متجاوب مع الطرف الأول، وتأخر ردود الأفعال سمة تقترن دومًا بالعناد كما هو معلوم، فيأمل الطرف الأول ذو الكبرياء المتهم بالتلاعب في انفراج الأحوال، ويرد على خطوة الشريك العنيد بخطوة إلى الأمام من جانبه، ليُفاجأ بأن الآخر قد عاد للالتصاق مكانه ثانية، فيضيع الفرصة من بين يديه لمرة جديدة، ليتراجع الأول مرة أخرى!

وتستمر هذه الدورات إلى أن يقرر الطرف عالي الكبرياء الخروج نهائيًا من هذه العلاقة، فغالبًا يكون هو من يأخذ القرار وليس العنيد البطئ في اتخاذ قراراته؛ فمهما كانت درجة الحب فإن سوء المعاملة ستجعل الطرف الذي تُساء معاملته يصل في لحظة ما إلى الاكتفاء من كل هذا العبث الذي يسمح به في حياته، ويبتعد نهائيًا. وسوء المعاملة تجاه الآخر لا يلزم أن يكون عنفًا بل يأخذ أشكالًا عديدة، منها عدم الرغبة في ترقية النضج الانفعالي، والإصرار على سلوكيات غير ناضجة!

لذلك أقول إن وجود طرف لديه كبرياء مرتفعة، وطرف آخر شديد العناد والالتصاق في مكانه، في علاقة معًا، هو الجحيم بعينه لكليهما، وربما تنجح العلاقة فقط في حال تدخل وسيط خير بينهما، لتتحرك تلك العلاقة للأمام. وهذا احتمال ضعيف لأن ذا الكبرياء يرى أنه يفعل ما عليه، ومن ثم لن يُقدم على أن يوسط أحدًا لأنه ينتظر الخطوة من الطرف الآخر، فإن لم يكن الطرف الآخر قادرًا على أن يخطو بنفسه، فعليه هو أن يطلب المساعدة والتوسط!

إن التصاق شخص في علاقة فاشلة معلقة لا فائدة مرجوة منها يفسد حياته ويهدر عمره، سواء كان التصاقه بسبب أنه الطرف المسئول عن المبادرة، ولكنه لا يبادر! أو لأن عليه أن ينزع نفسه من تلك العلاقة ولا يفعل! أو لأن الطرف الآخر تركه بينما هو لا زال يأمل وينتظر!

كما أنه أحيانًا قد ينفصل طرفا العلاقة لأسباب قد يصلح معها الالتئام، ويبقى أحدهما أو كلاهما يتمنى اتصال ما انقطع، ولكن على أساس أن يقوم الطرف الآخر بالمبادرة، فإن كان الطرف الذي عليه المبادرة عاجزًا عن اتخاذ تلك الخطوة، فالوضع أيضًا معلق!

والتعلق في حقيقته هو رفض للحاضر وثبات في الماضي، وكثير منا يعيش بخياله في الماضي أو المستقبل، ويعجز عن التعامل مع الواقع، بينما دراسة الماضي وتفحص حوادثه ورؤيته بشكل صحيح وتجنب خداع النفس حوله ضرورة لنفكر في أخطائنا، وهو طريقنا للتعلم. نحتاج الماضي للتعلم والمستقبل للتخطيط، وليس لخلق عالمًا من الأوهام.

وهذا التعلق هو أسوأ فعل، لأنه في حقيقته "لا فعل"! وأخذ أي قرار يتعلق بالتقدم إلى الأمام، مهما كان وتنفيذه أفضل من التعلق؛ فإما أن يحرر الإنسان نفسه من قيد العلاقة الفاشلة، ويعود للانخراط في المجتمع، أو يبادر إن لم تكن العلاقة فاشلة، وكان هو الطرف الذي تلزمه المبادرة. Take action.

ولنتذكر أننا بحاجة للثقة لأجل نجاح علاقاتنا الاجتماعية، لأن مجرد شك أحد الطرفين في وجود خداع من الطرف الآخر يدمر العلاقة؛ وعدم التواصل أو التواصل بطرق مُلغزة غير واضحة يُضعضع الثقة. تواصل بوضوح. Communicate clearly.

وحل أي مشكلة يبدأ بالتخطيط الجيد لأجل تجاوزها، ثم التنفيذ بدقة وحسم وسرعة. كما أن علينا أن نبدأ بإصلاح دواخلنا، فمن المؤكد لأننا نملكها أن إصلاحها علينا هيّن، لكن الظروف الخارجية على العكس منها لا يمكننا التحكم فيها تمامًا.

والعقلاء يتناقشون لأجل تحديد أسباب خلافاتهم، لحلها من جذورها، وليس للجدال العقيم والتنازع والبحث عن الطرف المخطئ. كما أن الإنسان العاقل يكون لديه تواصل جيد بين الوعي واللاوعي؛ فهو يعي حقيقة مشاعره وليس فقط ظاهرها. يعرف ماذا يريد تحديدًا، ويفهم متى يكون عليه أن ينخلع من العلاقات الاجتماعية الفاشلة، ويعرف كيف ينتصر لنفسه بشكل إيجابي، بتوظيف طاقته في ارتقاء ذاته وحياته العملية، وليس في توجيهها نحو الغضب والإحباط.

 

د. منى زيتون

 

احمد شحيمطعندما قال جون جاك روسو بصريح العبارة "إن القوة لا تخلق الحق" كان صائبا في تصويب السهام نحو السياسة والحق الطبيعي المطلق في الهيمنة لإعادة النظر في معايير البناء للمجتمع والدولة. وضد سياسة الاستحواذ والسيطرة على أملاك الغير والاندفاع البدني ونقد من يقول أن القوة تنشئ الحق وتحميه في حق الأقوياء على الضعفاء وفي إرغام الكيانات الصغرى في الامتثال للإمبراطوريات الكبرى في المراحل السابقة قبل التفكير في الصيغ الجديدة للمجتمع التعاقدي والدولة الحديثة كما تبلورت في الغرب خلال القرن السابع عشر الميلادي .ما يؤسس الحق المشروعية القانونية والفكرية والأخلاقية والعواطف الإنسانية النبيلة للعبور نحو حالة التمدن والسلم الاجتماعي.   

مكاسب الحياة المدنية لا تحصى في الانتقال الكيفي ومنها إحلال السلم بدل الحرب والعدل محل الجور والحكمة محل الاندفاع وقوة الحق بدل حق القوة.في عالم الاندفاع وهيمنة الأقوى بالقوة الجسمانية والتحايل لا سبيل في العيش المشترك إلا بطرح القوة المادية والنزوع نحو القوة القانونية في بناء صرح مجتمع مدني ودولة حديثة باليات ديمقراطية ومؤسسات بوظائف مختلفة في سد النقص وضمان الحق . وتحرير الإنسان من الاستبداد والظلم . وتلبية الحاجات وتأهيل الناس وتكريس النزعة الحقوقية والحرية الفردية والجماعية والالتزام بالقوانين الوضعية . فالحق الطبيعي مجموع القواعد التي تفرضها الطبيعة على الإنسان في الفعل والسلوك .الحرية الطبيعية الممنوحة لكل إنسان في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل في حفظ البقاء وصد الأخطار . والحق الطبيعي محدد بصيغتين الشهوة والرغبة. فليس الناس على درجة واحدة من الأخلاق والسلوك المستقيم .بوادر الصراعات وفق روسو نابعة من الملكية الخاصة والأصل في التفاوت يعود إلى غياب المساواة في الحقوق والواجبات واندفاع الناس نحو القوة . وظهور القلاقل والنزاعات في لهفة الإنسان ونوازعه نحو الشر والسيطرة . فالإنسان بتعبير توماس هوبس بطبعه ميالا للشر وارتكاب أفعال منافية للعقل والأخلاق . ولا يردع الإنسان إلا بالقوانين وسلطة الحاكم المستمدة من اتفاق الناس وتواضعهم من خلال صياغة بنود العقد الاجتماعي .                                                                 

الإنسان ذئب لأخيه الإنسان لا يؤمن جانبه. من الكبرياء والغدر والسيطرة بمبررات واهية. حيث يتولد في الجماعة نوع من الحذر والنفور والتنافس ويبقى صوت القتل والانتقام من خصائص ما تحمله حالة الطبيعة في اندفاع الناس نحو الحرب وتصفية الحسابات وفق ما يمليه الحق الطبيعي المطلق بدون قوانين زجرية في المعاقبة والمحاسبة . الحرب الشاملة التي جاءت نتيجة غياب الأمن وسيادة القوة وعدم تحكيم العقل وبالتالي فالمجتمع في حاجة لبدائل في القوانين والحكم .هنا يكتشف الفلاسفة في العقد الاجتماعي صيغة توافقية عندما يمتثل الكل بطواعية للبنود والمواد التي يتضمنها العقد في كامل الحقوق والحريات .في العقد التزام وإلزام بما يحمله من معالم في السلطة وتحكيم القوانين وتحقيق العدالة الاجتماعية في الشعور بالانتماء والمواطنة . قوانين العقد وبنوده منصفة لأنها صادرة من الإرادة الكلية. ولا يفقد الإنسان من حقوقه إلا التنازل عن منطق القوة والعنف والدخول في السلم والسلام .                                 فالبديل يوجد في الدولة القوية حسب توماس هوبس. "اللوفيتان" التنين القوي والوحش المهيمن على الحياة .

في قوة الحاكم الذي يستند على سلطة أقوى مستمدة من الحكم المطلق . ومن الاتفاق المبرم بين الناس في منحه الصلاحيات المطلقة وتفويضه الأمر لاستتباب الأمن ووضع حد للحرب الشاملة ومنطق القوة . وفي ملامح فلسفته هناك صيغة توفيقية للجمع بين الحق الطبيعي والحق المدني والثبات على قيمة الحرية التي لا تتعارض والقوانين الوضعية . في نوازع الناس وميلهم نحو الشر والصراع فكرة صريحة للتعبير عن الطبيعة الإنسانية وتفنيد فكرة أن الإنسان مدني بطبعه وان العلاقة بين السياسة والأخلاق يعاد النظر فيها من خلال رؤية هوبس الجديدة عن حاجة الناس إلى حاكم قوي للعيش في السلم والأمن وحاجة الناس للعقد الاجتماعي في وضع الاجراءات الأمنية وتدبير شؤونهم السياسية والاجتماعية .ففي الصلاحيات المطلقة والواسعة حقيقة لا تتناسب ومضامين العقد الاجتماعي في رؤى الفيلسوف جون لوك .

من حق الشعب أن ينتخب حاكما مدنيا بصلاحيات معينة مقيد بأدبيات السلطة التشريعية وهي أعلى سلطة . من البديهي أن تكون حالة التمدن في غاية الوضوح من ممارسة السياسة والسلطة بقيود القوانين المدنية المبنية على الإرادة الكلية وسلطة الأغلبية . فالعقد المصاغ بين الحاكم والشعب ينص على ضرورة تحديد مهام الحاكم المنتخب من ممارسة سلطة مدنية مقيدة بصلاحيات لا يمكن تجاوزها وهي تلك الأشياء التي كرست القواعد الجديدة للديمقراطية الحديثة وفي ميلاد المجتمع المدني .لا سلطة تعلو فوق سلطة الشعب . ومشروعية الحكم المدني . 

الحق الطبيعي فطري وغريزي في الإنسان . لذلك بدأ روسو في مقدمة كتاب " في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي " من فكرة جوهرية لازالت تسري في بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مفادها أن الإنسان خلق حرا فلماذا يستعبد ؟ كان الإنسان قبل القوانين المدنية يعيش على طبيعته وفطرته . حالة الطبيعة تلك اللحظة السعيدة التي يتمنى روسو العودة إليها في ظل فساد القوانين المدنية وجموح الإنسان نحو العنف والقوة . في الأمر ما يجعل الإنسان ينفر من المدنية التي كان روسو يعتقد أننا في واقعها يمكن أن ينعم الإنسان بالسعادة إلا أن الصراعات التي تولدت من نزوع الناس وجشع بعضهم في القوة والسيطرة على أملاك الغير وبالتالي هيمنة الأقوى وتكريس اللامساواة هي العوامل التي سرعت في الانتقال إلى حالة التمدن والحضارة . مكاسب يجنيها الإنسان من عملية الانتقال النوعي عندما تختفي الهمجية والتوحش ويسود العدل بدل الجور والحق المدني بدل حق القوة والاندفاع. وبذلك يتجلى السمو الفكري والروحي والوجداني ويختفي التحايل والمكر وتسود الدولة بقوانين مدنية.

 فالعقد الاجتماعي حسب روسو مجرد اعتراف مطلق وليس تنازلا نهائيا عن الحقوق الطبيعية .ولا يخول للحاكم أن يمتلك كل السلطة التامة والمطلقة من منطلق أن بنود الدولة المدنية الحديثة يتناقض والحكم المطلق . فمن قوة العنف وحالة الطبيعة والحرب الأهلية يخشى الناس العودة للصراعات وحرب الكل ضد الكل في غياب الضوابط القانونية والأخلاقية .في استحسان المجتمع البديل القائم على المشروعية السياسية والقانونية أفضل بكثير من الانجرار وراء القوة المادية وانعدام القوانين .في الحكم المدني هناك نزوع نحو تقسيم السلط ومنح الحاكم المدني اختصاصات معينة مقيدة في الالتزام بالسلطة التشريعية وتنفيذ مقتضيات القوانين . فالعقد الاجتماعي يكون بين الأفراد أنفسهم في إقامة السلطة وتخويلها إلى حاكم يعمل في الحفاظ على الأمن وتطبيق القوانين . والعقد اتفاق بين الأفراد والحاكم حسب هوبس .وفي منطق روسو العقد يكون بين الأفراد أنفسهم في تنازلهم عن الحق الطبيعي المطلق والنزعة الأنانية . ومن وجهة ثانية العقد يعتبر الفرد جزء من جماعة ينبغي أن تكون موحدة في هيئات مدنية وسياسية مبنية على الإرادة العامة في تدبير أمورهم وطرح القوة .وهي السلطة العليا في القرار وإرغام الناس طواعية في الالتزام ببنود العقد ...

كانت لحظة التفكير في بناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني من أقوى اللحظات التي عرفها الفكر السياسي والاجتماعي في الغرب الحديث .من تنافر الأهواء وتباين المصالح تشكلت الرؤى في واقع شهد صراعات سياسية وحروب أهلية . وظلت النتائج قاسية في العيش المشترك .أما نوازع الإنسان نحو الشر في غياب قوة مادية وهيئة فاعلة ترغم الناس بإرادتهم وقوة القوانين والردع نحو الامتثال للمؤسسات وضمان كامل الحقوق الطبيعية والمدنية فلا تؤسس للمجتمع المدني السليم . الإنسان في حالة الطبيعة لم يكن وحشا وطاغية بل كان مسالما وطيبا يعيش على الفطرة وعلى قوانين الطبيعة ويقتات من الأشجار ويعيش على الصيد والتنقل ويأكل من خيرات الطبيعة دون صراعات .وبازدياد المتاعب والصعوبات بزيادة عدد السكان وهيمنة البعض على الخيرات عن طريق القوة والتحايل أصبحت الحاجة ملحة لإقامة مجتمع بديل والانتقال إلى حالة التمدن رغم ما في حالة الطبيعة من مزايا .

 من العقد الاجتماعي والحق الطبيعي إلى القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية تشكلت الرؤى في صيانة الإنسان ووضع النهاية للقوة وإلزام الدول في تطبيقها . ومن هنا يمكن القول أن المواثيق قابلة للتبديل والتعديل من خلال السياقات الاجتماعية وخصوصية البلدان . وتعديل العقود والمواثيق في إطار البحث عن حلول عملية للتوافق وكل ما يرضي الأطراف ويصون الحقوق ويعزز الواجبات .

حاول رواد الفكر التعاقدي تقديم صيغة توفيقية للجمع بين الحق الطبيعي والمدني . وصيغة للتعايش في إطار وحدة اجتماعية ونظام سياسي يعتمد على سلطة الأغلبية والإرادة العامة وصلاحية الحاكم المنتخب . وفي وضع ميثاق أو عاقد اجتماعي يثمن مكتسبات الإنسان ومزايا حالة الطبيعة في الحق الطبيعي بدون النزوع نحو القوة المادية . ومن المكتسبات حق التملك الذي يعتبر أصل الصراع ومقياس التملك العمل . ثروة الأمم . لذلك ظل العمل القيمة الحقيقية للبشر في مقايضة إنتاج ما بأشياء .وفي تجسيد سلطة العقل والقوانين والاحتكام للمؤسسات يتجنب الإنسان الصراعات والانقلابات ويدخل في السلم وتربية النفوس على ثقافة حقوق الإنسان .

 

بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب

 

محمود محمد عليذكرنا في المقالة السابقة كيف أسهمت حضارة الهند في قضايا كثير تخص النهضة العلمية، وهنا في هذه المقالة نقف عند حضارة الصين، حيث تعد الحضارة الصينية من أقدم الحضارات التي ازدهرت فى أقصى الشرق من العالم القديم، حيث قدمت هذه الحضارة اختراعين عظيمين : أحدهما صيني خالص هو فن الطباعة والآخر لفن قديم وهو صناعة الورق الذى بدأه المصريين القدماء قبلهم بسبعة وعشرين قرناً من الزمان، حيث يرجع اختراع الورق فى الصين إلى القرن الثاني بعد الميلاد .

وتمتاز الحضارة الصينية دوناً عن سائر حضارات الشرق القديم فيما يذكر مؤرخ العلم العظيم " جوزيف يندهام " بوفرة ما لديها من المعلومات الخاصة بماهيتها المستفادة من مصادرها الأصلية، فهي ليست كالحضارة الهندية مثلاً حيث الجدولة الزمنية للأحداث التاريخية مازالت مشكوكاً فيها بدرجة كبيرة . ففي الصين يمكن فى أغلب الأحوال تحديد ليس العام فقط، بل الشهر وجميعها مكتوبة بقدر من الحيدة وشدة الانتباه ؛ إلا أنه ولسوء الحظ لم يترجم منها إلى اللغات الأوربية سوى النذر اليسير للغاية .

ولو ألقينا نظرة موجزة لتاريخ الصين، نجد أن أوائل السكان الذين عاشوا فى أرض الصين هم ذلك الجنس الذى ينتمى إلى " إنسان بكين " الذى عاش فى بداية أواسط عصر " البلستومين " "حوالى 400000 ق.م " أى فى زمن أسبق من زمن إنسان "نياندرثال "Neanderthal man الذى عاش فى أوربا وحوض البحر المتوسط، وهناك شواهد معينة على وجود سكان عاشوا فى الصين فى العصر الحجرى المتأخر Neolithic  حوالى 12000 ق. م . أما بعد ذلك فهناك فجوة واسعة التواصل؛ حيث لا توجد سائر المراحل التالية من عصور ما قبل التاريخ إلا فى منشوريا .

وفجأة وبعد حوالى 2500 ق.م، تبدأ الأرض الشاغرة فى استطافة عدد كبير من السكان النشطين وتظهر مئات، بل آلاف القرى يسكنها أناس يرعون قطعان الحيوان في إطار إقتصادي زراعى، وعلى دراية بالمنسوجات والنجارة وصناعة الخزف، وتبدو الحاجة واضحة إلى العمل الأثرى المكثف من أجل إلقاء الضوء على هذه الفجوة الغريبة بين سكان العصر الحجري ومن أعقبوهم فى العصر الحجرى المتأخر .

وأول حضارة صينية هامة تكشف عنها الحفائر هى حضارة " يانجشاو " Yangshao التى كانت تتواجد فى حزام من الارض الممتدة من الغرب للشرق يشمل المحافظات الحالية التالية: كانسو، سنسى، شانسى، هوانان، شانتونج، وكان محصول الحبوب الرئيسى غالباً هو الدخن ثم صار الأرز فى حقبة تالية، وحيث أن أي من هذين النباتين ليس صيني المنشأ فمن المحتمل أنهما جلبا من جنوب شرق أسيا، وقد عثر على عظام الكلاب والخنازير وعظام للغنم وعظام للماشية تنتمى لحقبة زمنية تالية، كما تأكد وجود عظام الخيل أيضاً، لكنها قد تكون عظام فيل برية من النوع الذى ظل يعيش في منغوليا إلى عهد قريب، ولعل أبرز سمات حضارة " يانجشاو " هى خزفها المطلي الذى كان يصنع حوالي 2500 ق.م بطريقة اللف الحلزونى لاسطونات رفيعة من الطين لا باستخدام " عجلة الفخراني ".

ولقد أعقبت حضارة " يانجشاو " فى هونان وشانس حضارة أخرى تنتمى للعصر الحجرى المتأخر أطلق عليها " جهينج – نسو ياى Chheng-Tsu-Yai " أو " لونج – شان –Long -shan " وهما اسمان لموقعي حفائر أثريين، ومع أن أصحاب هذه الحضارة لم يعرفوا المعادن، فقد استخدموا أواني خزفية سوداء ناعمة الملمس ومتقنة التراكيب وجيدة اللمسات النهائية، كما أن آناس لونج – شان استانسوا كل الحيوانات التي عرفتها حضارة بانجشاو، والتي من المحتمل أن من بينها الحصان، ومن أن أناس لونج – شان، قد عرفوا المركبات ذات العجلات، وإن كان الدليل على ذلك غير مؤكد، وكان هذا أيضاً هو الوقت التي ظهرت فيه ابتكارات شتى مثل س" عجلة الفخراني " واستخدام التراب المدكوك فى أعمال البناء، وهما ابتكارات كانا معروفين منذ أمد طويل فى الشرق الأوسط، ولكنهما كانا قاصرين على الصين .

تصل بناء حضارة لونج – شان إلى عام 1600 ق.م، وبعد ذلك وخلال قرن واحد إذا بنا نقع فجأة على حضارة ناضجة تنتمى لعصر البرونز Bronze age هى حضارة أسرة "شانج"، وقد استمرت هذه الأسرة فى الصين إلى أن غزا الاسكندر الأكبر الحضارة الصينية حوالى 327 ق.م .

وبالنسبة لملامح النهضة التكنولوجية فى الحضارة الصينية، ففي ظل عهد أسرة شانج تميزت حضارة الصين بكل سمات الحضارات القديمة مثل حياة المدن واختراع الكتابة، واستخدام المعادن والفن الزخرفى فى العمارة، وانقسام المجتمع إلى طبقات وظهور التخصص المهني، وتقسيم العمل وازدهار التجارة وظهور النزعة العسكرية، ونمو الصناعات المتعلقة بها وتطور العلوم الفلكية والرياضيات والطب والدواء والتقويم، إلى أخره، ومن المرجح أن عناصر حضارة الصين قد نمت وتطورت بانتشار عناصر حضارية من الغرب وتفاعلها مع عناصر حضارة العصر الحجري الحديث فى المنطقة، ويختلف نظام وأسلوب الكتابة فى الصين عن مثيلاتها فى مصر ووادي الرافدين، على الرغم من أنها اتبعت مبادئ متشابهة، وربما كان ذلك من خلال انتشار فكرة الكتابة من الحضارات المجاورة الأقدم.

ومن ناحية أخرى فقد تميزت حضارة الصين بنمط فنى معين فى صنع القوارير والمزهريات البرونزية والأدوات المعدنية الأخرى، واستخدم الصينيون القدماء الرصاص لتزييف العملات المصنوعة من الفضة منذ الألف الثاني قبل الميلاد، مما يعد دليلاً على معرفتهم الفائقة بخواص المعادن فى ذلك الوقت .

تلك هى أهم ملامح النهضة التكنولوجية فى حضارات الشرق القديم، وهى إن دلت على شئ فإنما تدل على أن تلك الحضارات سبقت اليونان بأجيال عديديه من الزمن، وأن اليونانيين مدينون لتلك الحضارات، وإن كانت الأقدار لم تشأ أن يكمل أبناء حضارات الشرق القديم مشوار العلم الذى بدأوه فى شتى مجالات العلم والمعرفة، حيث خبأت ثم انطفأت الروح العلمية لدى أبناء تلك الحضارات ثم اليونانيون، فأكملوا المسيرة وساروا بالعالم خطوات هائلة، وذلك بعد أن تعلموا هذا الدرس من الحضارات السابقة عليهم .

 

بقلم د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

أو قصة امرأة من المشرق

انه صراع بين حب البقاء والحرية وبين الاسترقاق والسادية والألم...بهاته الكلمات نلخص المأساة التي عاشتها المواطنة العراقية '' نادية مراد '' في ربيعها التاسع عشر وهي في قبضة مجموعة تنظيم الدولة الإسلامية، بعد أن احتلوا قريتها وقتلوا الرجال. حدث ذلك في 2014 م والعراق على حافة الانهيار، تحاصره جحافل التنظيم الإرهابي من كل جهة بحيث لم يتبق غير العاصمة بغداد وبعض الأقاليم تحت سيطرة الحكومة...عجزت السلطة على حماية مواطنيها القاطنين في المناطق الجبلية النائية وكان الهولوكوست.

لم يكن ما حدث لنادية مراد مجرد اختطاف، بل هو استرقاق ل 6500 امرأة وفتاة ايزيدية ومسيحية وإجبارهن على تغيير دينهن أو الرضا بحياة الذل والعبودية التي اختارها لهم أمراء تنظيم الدولة الإسلامية. هو نفسه المصير الذي ينتظرهن حتى لو قبلن بتغيير العقيدة، لقد أدركن ذلك من خلال المشاهدة اليومية لتلك الوحوش البشرية المبرمجة على صناعة الموت.

كان ذلك في صيف 2014م في إقليم سنجار المعروف بطبيعته الخلابة وبأهله المسالمين...و بعد مضي بضعة أشهر من الاعتقال والضرب والحرق بالسجائر والاغتصاب المتكرر والتنقل كجارية من سنجار إلى الموصل، تمكنت نادية مراد بصعوبة من الفرار إلى ألمانيا للاستشفاء، والاتصال بالعالم المتمدن الذي تمول سلطاته التنظيمات الإرهابية. أبلغتهم حقيقة ما يعيشه الأبرياء بسبب دعم حكوماتهم '' المتمدنة '' لذلك المشروع وتزكية جرائم المرتزقة .صوت نادية مراد كان رسالة إلى كل المنظمات الحقوقية والمثقفين عبر العالم ليبصروا بوضوح طبيعة من اختارتهم العديد من الحكومات الأوروبية، صاحبة الخطابات الناعمة، حلفاء لها ضد مؤسسات شرعية تصارع من اجل البقاء وضمان الكرامة لمواطنيها.

منحت لها جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الطبيب الكنغولي دنيس موكويغي في 2018 م، هذا كل ما استطاع المجتمع الدولي تقديمه...يعطي زهرة للسجين ..و يستمر في عقد صفقات تجارية وسياسية وتقديم التغطية الإعلامية للسجّان. ليست الفتاة الأولى في المنطقة الإسلامية التي تتحصل على نوبل للسلام، بل سبقتها الباكستانية ملالا يوسف زي في 2014 م التي وقفت بصمود في وجه طالبان مطالبة بحق الفتاة في التعليم والعيش الكريم بدل حياة الرق والإقصاء التي اختارها لها مناضلو الإسلام السياسي باسم تطبيق الشريعة والخلاص.

الجميع استقبل نادية مراد، مجلس الأمن، الكنيست الإسرائيلي، مشايخ الأزهر..والكثير من الهيئات الأوروبية الرسمية. ولكن لا احد يسأل عن السبب الذي جعل العديد من الأقليات الاثنية والدينية في العراق وسوريا ...تعيش مثل هاته المعاناة ولا احد يسأل عن مصادر قوة هذا الوحش وسرعة انتشاره.

إذا كانت نادية مراد أو ملالا يوسف زي قد استطاعت أن تسمع صوت المظلوم إلى المجتمع الدولي والتعريف بقضية المرأة في مجتمعات الذكورية، فماذا تخبئ لنا حناجر الألوف من الفتيات الأخريات ممن أجبرن على الزواج وهن قاصرات، أو ممن كن ضحية الختان بالشفرة، أو الحرمان من الميراث، وممن منعن من مواصلة الدراسة وبالخصوص في المناطق الجبلية أو الصحراوية النائية؟ إنها اكبر من أن تكون قضية امرأة أو أثنية عراقية، ولكنها تفكير وأسلوب في المعاملة مشترك بين كل بلدان الجغرافية الإسلامية، إنها واقع مجتمعات تجرّم المرأة فقط لأنها أنثى.

نعم، لقد استطاع كل من العراق وسوريا القضاء على فلول الإرهاب وتدمير قواعده بمساعدة قوى صديقة، ولكن الوحش الجاثم في عقول الملايين من المسلمين لا يزال حيا وموجودا ومؤثرا بشكل فعال في السلوك والاختيارات. الوحش الذي ترعرع بواسطة المؤسسات التربوية والإعلامية والتركيبة السوسيولوجية، يتم تقديمه- يوميا- من خلال الخطاب الرسمي مدسوسا في الطعام ليأكله الجميع ويشفى من مرض اسمه الحداثة والتنوير وترك التخلف والجهل.

إذا كانت نادية مراد قد استطاعت أن توصل صوت معاناة الايزيديات إلى العالم وتكشف حجم الجرائم التي يتعرض لها بعض العراقيين بسبب انتماءاتهم الاثنية أو الدينية، فان المئات من الناشطات الحقوقيات لا تزال خلف القضبان في سجون بعض الأنظمة العربية وعندما يسأل عن شانهن يكون الجواب دائما واحدا '' إنهن جاسوسات وأعداء الوطن ''. في الماضي القريب لم نكن نسمع عن مناضلات حقوقيات، بل كان الحديث عن مقاومات ضد الاحتلال في الجزائر وفلسطين ...اخترن الشهادة إلى جنب الرجال من اجل قضايا مقدسة....لقد وصلت البيئة العربية إلى حد لا يطاق من التعفن واللامعقولة الاجتماعية والتخلف.

إن محنة نادية مراد مع الوحش هي محنة إنسان، ظل يعاني ولمدة طويلة، من رؤية تعسفية ومعاملة قاسية واحتقار مؤسس، بسبب تمسكه بقناعاته ورؤيته المختلفة للكون والحياة...إنها محنة من صار ضحية مجتمعات لا تفقه حقيقة الاختلاف والتميّز وصناعة واقع جديد يضمن العيش للجميع.إنها محنة من يطالب بحقه في الحياة الحرة بعيدا عن كل أشكال الإقصاء والتجريم والتشويه. جريمتها أنها ليست مسلمة ولا تؤمن بمشروع الإسلام السياسي، جريمتها أنها أحبت أن تعيش عراقية قبل أي انتماء إيديولوجي . يردد أنصار المذهب الحنبلي قصة الإمام احمد ابن حنبل وسجنه وتعذيبه من قبل السلطة العباسية بسبب رفضه لنظرية خلق القرآن...ولكنهم يمارسون يوميا سياسة تلك السلطة ضد كل من لا يشاطر مشاريعهم.

 

نادية مراد هي صوت جماهير واسعة تريد أن يتغيّر واقعها، كل أملها في غد جديد يضمن لها العيش في كنف الحرية والحق، الحب والحوار، الاحترام وعشق الاختلاف...تريد مؤسسات حديثة بتشريعات تعبر فعليا عن واقع عربي تعددي، وسلطات تمتلك الشرعية، تكفل لها الحماية والعيش الكريم، دون أن تسألها عن قناعاتها الدينية .

يكلمنا التاريخ، أن الايزيديين شعب يقدس الجمال والطبيعة والألوان ويعتبر الطاووس ملاكا، فهم شعب لا يؤمن بالشيطان بل إن الشر في عقيدتهم نابع من ذات الإنسان، وبسبب تعرضّهم للعشرات من حملات الإبادة عبر التاريخ صار مجتمعا منغلقا على نفسه يخاف من العالم الخارجي وديانته غير تبشيرية، بحيث لا يقبل دخول الغريب بينهم. هذا لا يعني رفض العيش في وئام مع الأجنبي...فعلا لم يخطئوا التقدير، إن الشر نابع من إنسان مريض هو صناعة مؤسسات مهترئة قديمة وغير مسئولة. لم يخطئوا لان أناس جاءوا إليهم ليقتلوهم طلبا للخلاص والفوز بالجنة..جاءهم الشيطان مسرعا في زى ملاك والمؤسف انه شقيقهم في الوطن .

قصة هاته الفتاة هي قصة العشرات ممن كن ضحية التصورات الفاسدة، إنها قصة العرب والمسلمين في هذا الزمن الأسود ...لقد أظهرت محنة هاته الفتاة أن العرب والمسلمين- اليوم - ليسوا أفضل من غيرهم، بل هم اخطر امة على الإنسان والإنسانية ...مجتمعات لا يفوتها فرصة الاستهزاء بمحاكم التفتيش في أوروبا القرون الوسطى وتقتيل الهنود الحمر باسم الخلاص، ولكنها تتعاطف يوميا وبالتكبير أحيانا والصمت أحيانا أخرى مع قتلة الأبرياء باسم امتلاك الشرعية الدينية. إنها مجتمعات لم تتخلص بعد من قناعة المتاجرة بالبشر ولكن تعطيها مسميات عديدة، مجتمعات لا ترى في المرأة مواطنا وشريكا بل سلعة يمكن الاستفادة منها عند الضرورة.

كان نداءها إلى المجتمع الدولي يهدف إلى كشف حقيقة ما يخفيه العالم القديم الذي تعيش فيه ودعوة الأحرار من أبناء وطنها إلى المشاركة في صنع غد جديد...لأجل الإنسان مهما كان اسمه ودينه، لأجل الإنسان فقط. سافرت إلى العديد من بلدان العالم تحمل رسالة العراق التاريخي، عراق هارون الرشيد وشهرزاد، عراق ألف ليلة وليلة، عراق إبراهيم الموصلي وحمو رابي..عراق بابل والكتابة الأولى ...و ليس عراق الزرقاوي والبغدادي..

هنيئا لك نوبل للسلام وهنيئا للعراق بعد أن استرد سيادته على كامل ترابه. سيقولون أن الغرب منحك نوبل لأنه ضد الإسلام والمسلمين ويعمل على تمزيق الأمة الإسلامية بتأييده للأقليات ...قولي لهم أن '' بعض الغرب المتنور'' لم يقتل أخواني الستة ووالدتي بالتوحيد وبالتكبير، لأنهم رفضوا اعتناق ديانة جديدة . قولي لهم أن '' بعض الغرب المتنور'' يرى في شخصي مواطنة حرة من حقها أن تختار أسلوب العيش الذي تحب . قولي لهم أن '' بعض الغرب المتنور'' منحني الحماية والعزّة بعدما اختار أبناء جلدتي بيعي في سوق النخاسة عشرات المرات.

الغرب الذي تشتمون كل يوم، هو من صنعكم لخدمة مصالحه وجعلكم أدواته الطيّعة لتنفيذ ما أراد على الأرض التي تسمونها مباركة، وهو سيتخلى عنكم وعن من يمولون جنونكم فور انتهاء فترة الفائدة المرجوة. أخطأتم التقدير عندما ظننتم أنكم تحملون رسالة خلاص للمسلمين، بل انتم لا تختلفون عن أسراب الجراد وسيلتكم هي الدمار أينما حللتم. إن مشروعكم كان اكبر نقمة على المسلمين والعرب وبكم انتهت كل أمنية للخروج من عصر الظلام. كذبتم والكذب وسيلتكم لاستعطاف القلوب، عندما اخترتم أبناء جلدتكم وسيلة لتحرير غرائزكم الحيوانية وانتهاك حرمات الأبرياء والضعفاء باسم التوبة وفض المعاصي.تظنون أنكم صانعوا المستقبل، تبا لكم انتم من قضى على كل أمل كانت تنتظره الجماهير من اجل الخروج من مستنقع القرون الوسطى.

لن يذكركم التاريخ إلا كنقمة أحلت بالعرب والمسلمين، لقد جعلتم من العرب والمسلمين شعوبا منبوذة يحتقرها العالم ويسخر منها...بعدما كان المشرق والمغرب أرض أحلام واستلهام لمئات الكتاب والفنانين...الدين محبة قبل أن يكون طقوسا وشرائع، وانتم جعلتموه حقدا وفتن وشتات...عميت أبصاركم لأنكم لا تحبون رؤية جرائمكم وهي حال المعتوه عقليا في كل زمان.

إن ألم نادية مراد هو ألم المرأة التي ولدتكم وسميتموها ناقصة عقل وخجلتم من وجودها بينكم، لان في وجودها مرضكم المزمن.

 

نبيل دبابش - كاتب من الجزائر

 

رحيم زاير الغانمالانفتاح وإشكالية المفهوم على المستوى الثقافي، لما أفرز لنا انساقا وتصورات، أسهمت في انحطاط القيم قبالة من سلك أو لوح بهذا التوجه، الذي عده البعض تكريسا للتبعية والهيمنة الثقافية، وبذا بحسبهم ان مفهوم الانفتاح أخذ بعدا آخر، حتى أننا شهدنا عزل دول عربية سياسيا، وعدها من دول التطبيع والمهادنة،  فلا غرابة ان يُفهم الانفتاح تبعية سياسية بحسب هذا التصور، ومن خلال هذا الفهم والتسليم به، حُددت معسكرات للانفتاح وأخرى للممانعة، فأقصيَ البعض.

السؤال هنا هل عمل الطرف الممانع في ضوء فهم حقيقي للانفتاح؟ أم ان الجدير بنا التنبه إلى طرح سؤال: هل ان الطرف المنفتح/ المعني بالأمر، قرأ الانفتاح قراءة واعية؟ ومن ثمَّ ،هل شقَّ طريقه إليه؟ بمفهوم جديد خارج عن عباءة المحافظة على القيم والعادات والتقاليد التي جُبل عليها ثقافيا/ النسق المغلق، قد نذهب إلى ان الاثنين لم يعيا خطورة النسق الجديد الذي سيتلقف أنساقهم الثقافية الثابتة، ما لم يعيا سوءة الانفتاح على ثقافة الآخر من دون مرتكز حقيقي يُبيِّن موجباته وحدوده وجدواه، لذا يجب ألا يكون الانفتاح على حساب ثقافة وطروحات أحد الطرفين، أي أن يكون متوازيا، متوازنا، متكافئ، من كلا الطرفين.

ان الانفتاح  مرهون بفهمنا خاص به، لا يتعالى او يستعي على متلقيه، بوصف مشروع محدد الرؤى والأفكار والتصورات، في ضوء وعي مسبق للمواجهة الثقافية القادمة/في ظل الانفتاح طبعا؟ أي هل سنواجه (دين، فكر، موروث ثقافي) مسوق الينا من الآخر، مع تمتين عرى مجتمعنا داخليا، والاستعداد لمواجهة الارتدادات الداخلية، مثل موجات التقليد المحفزة للحراك المع أو الضد، والتيارات السياسية التي ستنشأ وبمختلف التوجهات، راديكالية أو ليبرالية، والمواجهة هنا لا تعني الإقصاء، بقدر الاستيعاب، لأن من يشقُّ ساقيةً من جدول صغير، ليس كمن يضع الديناميت، في جسم السد، الساقيةُ تهب الحقل الإرواء ومسحة من جمال فريد، أما السد عند الانفجار، يجرف الأرض ويلقي  هديره الرعب في النفوس ، فمن يوقظ في الشعوب مارد الانفتاح، عليه تقبل  التبادل السلمي للسلطة أو الفوضى، بتوصيفات أرقاها الإصلاح، حقوق الأقليات .....الخ، وهي حقوق شرعية، ولشرعيتها قد لا يستجيب ضيق أفق الانظمة الشمولية اليها.

الانفتاح لا يعني أنك تنفتح على دول الإقليم بقدر انفتاحك على العالم، ومعرفة ما يعنيه العالم، وما تعنيه الفجوة بينك وبين العالم، بل ما تعنيه للعالم جبهتك  الداخلية المترنحة، التي قد تتهاوى مؤسساتها الناشئة الواحدة  تلو الأخرى تباعا.

ان أردت ردم الفجوة بينك وبين الآخر صار لزام عليك ردم فجواتك الداخلية وتحصين بناك المجتمعية وفهمك لتاريخك وتراثك وخصوصيتك، كشعب لان الآخر سيواجهك بهذه التي لا تعتبرها ذات تأثير على ارض الواقع، لكن الآخر/ الغرب، يعدها  ذات فاعلية كبرى، بل هي من مكامن القوة والمنعة، لما تحمله من سمة الأصالة والانتماء لأنها تمنحه الحق في تحقيق المصير، لذا عمل على تمتينها للدفاع عن وجوده ثقافيا مع أي مواجهة تفرض عليه حاضرا أو مستقبلا، فماذا اعددنا للغد، يوم المواجهة مع الآخر المختلف ثقافيا، هل يمكننا كأمة/ عالم عربي، تحديد من نواجه أولا؟ هل نمتلك رؤى مسبقة وفحص لثقافة الآخر تصب في تقبله لثقافتنا؟ أي هل يمكننا المبادرة في تسويق ثقافتنا كأمة الى الامم الاخرى، على اساس وسطيتنا وتقبل الآخر لثقافتنا، هل لنا القدرة على اعادة ترتيب اوراق الأمم الاخرى، لا اساس تقويض مركزياتهم وتأصيل ثقافتنا، بل على اساس أننا من الامم المتقدمة فكريا ولنا قدرة بناء الاخر، بتقديم مثال صالح ومؤثر حضاريا في تجنيب الامم الاخرى الانتكاسات التي قد تتعرض لشرورها أمة من الامم، لنحقق مثالا حضاريا فاعلا نافعا، بالضد من المثال الغربي المستغل، أم هي ردود أفعال، تنتهي بمغامرة فاشلة، على الاعتبار أننا أمة مأزومة  داخليا، تمتلك القدرة على توجيه الاتهام للآخر المختلف ثقافيا/ الغرب، أي أنها وحسب المعطى الحالي، أمة متلقية/ مدافعة ،مع أن الغرب لم يدخل من الشباك على الأقل بعد استقلال الدول العربية، وعلى الأرض تحقق تبادل دبلوماسي على أعلى المستويات، فمن عددته خطرا، وليس بمقدورك مواجهته، تبسط له ذراعيك، بل انك وفي أحلك الظروف قتامة، والتي نحتاج منك موقفا تبسط جسدك باجمعه، غير موارب!؟ -ولكي يفهم ممَّا تقدم بحثه، دعوة لقطع العلاقات بقدر وصفه دعوة إلى حفظ التوازن-، هنا بالتحديد تتحقق التبعية الثقافية بمفهومها الحقيقي، عندما أسأنا فهم ماهية الانفتاح.

ما نشهده هذه الأيام من دعوات للتطبيع مع كيان غاصب، ما هو إلا تكريس لهذا الفهم الخاطئ للانفتاح، الذي تناسل انساقا ثقافية غير ناضجة، كرست للتبعية الثقافية في ضوء قصور الرؤية، مع علمنا المسبق ان هذه الدعوات جاءت كردة فعل لسلوك جمعي عربي مضطرب، في استعداء يفهم من تصرف حكومة ما أو شعب ما، قد يخلق نوعا من فقدان الثقة، وخلخلة في بنيات التوازن الهشة هي الأخرى، فلا غرابة ان تُواجه بردَّات فعل غير مدروسة لكنها في الحقيقة، جاءت في ضوء تنامي دعوات انفصال داخلي، والدول العربية أنموذجا لذلك، لهشاشة بناها الثقافية، قد نجد من يتبنى هذا الأصوات، وينميها، بل أن لديه بمقدوره توصيفها بالحركة الفكرية، وما تداعيات القرار الامريكي المنفرد حول الاعتراف بإمكانية ضم هضبة الجولان الى إسرائيل، من تداعيات الفهم الخاطئ للمفهوم الانف ولا يمكننا عده خارج توصيف الانزلاق بجبِّ الانفتاح غير واضح المعالم، بوصفه جاء بعد تخلل البنى العربية من الداخل، وانهيار كامل لسيطرة مؤسسات الدولة أمنيا واداريا، لتماهي الانظمة الحاكمة مع أجواء سياسة الفضاء المغلق ايدلوجيا، والمنسجم مع ثقافة الغرب سلوكيا فحدث ما لا يحمد عقباه.

في ضوء ما تقدم هل باتت الأزمات الداخلية، تودي بالمشروع، أم ان المشروع لم يكن واضح المعالم، مما أطاح بالآمال الكبرى، فلا غرابة من تنامي دعوات التطبيع، بوصفها ترسيخ لمفهوم التبعية الجديدة، التي تبدو التبعية الشعبية من متبنياتها الفعلية، وهذا الاخير من أشد التبعيات خطورة، كونه ينذر بنسف قواعد الأمة شعبيا.

 

رحيم زاير الغانم

 

رائد عبيسلم تعد الفارزة أحد علامات الترقيم، ولم تعد كتابتها لفصل الكلام عن بعضه واجزاءه، أو بين الشيء واقسامه، أو بين لفظ منادي بآخر، أو بين الكلمات المفردة، أو بين جمل قصار معطوفة، أو بين كلمات مفردة،  أو بين الفاظ معطوفة،  أو بين حرف جواب و آخر، او بين شرط وجزاء أو بين بدل وبديله. و لم تعد تلك العلامة التي تكتب بهذه الطريقة السهلة، ولم تعد فاصلة فقط، بل باتت فعل و ممارسة، على الرغم من أن جميع الكتاب لم يستغني عنها في كتابتهم، ولا فرد أو لمجتمع أن يستغني عنها في بأفعاله! ومع هذه الأهمية إلا أنهم يستغنون عنها بطريقة في كلامهم!

وهنا تكمن أهمية الكتابة، والفعل على الكلام، مهما بلغت فصاحته وحكمته، وهذا يؤكد لنا مبدأ، وهو أن أي فرد اذا لم يكتب ما يجول بخاطره من أفكار وآراء ومشاريع وكل ما هو مفيد وصريح ومنطقي، فأنه يتوارى خلف النسيان ويضيع، وهذا يذكرنا بالوصايا الحكيمة التي تؤكد على الكتابة لا الكلام. والكلام لا بد أن يحتوي على ما يتوجب فصله وافرازه بعلامة فاصلة وفارزة حتى يتحقق نفعه.

هناك كثير من الأشخاص أو أفراد المجتمع العراقي يسعى إلى تحويل هذه العلامة المكتوبة لا المنطوقة الى علامة مكتوبة ومنطقة ومفعولة. سبق وان قلنا إنها تكتب وتفعل ولا تنطق! ولكن الغريب الذي نشخصه هنا هو امكانية ممارسة الفارزة بوصفها فعل، وممارسة لها انماطها الفعلية في الوسط الاجتماعي، تتجسد في ممارسات فردية، وجماعية، وفئوية و شرائحية، وطبقية وغيرها.

لماذا اخترنا الفارزة كمدلول عن هذا الفعل الاجتماعي؟

لأن نمطية الفعل الاجتماعي الفاصل بين فئاته باتت تشكل تهديد على وحدة المجتمع العراقي، وكيف ندرك هذا التهديد؟ لا يمكن أن ندركه ما لم نحسه أو نعيه أو نشعره أو نتضرر به، والمجتمع العراقي الذي بات مقسم داخليا من حيث العشائرية المفرطة، أو من حيث التحزب المقيت،أو الادلجة، أو الاصطفافات الفئوية التي تنافس فئات أخرى من المجتمع، أو القومية، أو الطائفية،  أو الولائية، أو الانتمائية، أو حتى المهنية أو الشرائحية، هذه تقسيمات مجتمعية، في الغالب موجودة عند جميع الشعوب، ولكن ما نخشاه على مجتمعنا العراقي، أو ما نريد وندعو إلى التخلي عنه،  هو تعميق هذه الفوارق التي قد نمارسها بدون شعور وكل عفوية في وسطنا الاجتماعي، خوفا من تجذبها الى حد يترتب على ذلك اختلاف تام بالتوجهات العامة اتجاه مصلحة البلد وقضاياه، وهذا في الواقع موجود ولكن قلنا نخشى من ازدياد أعماقه في أوساطنا الاجتماعي، وهو ما دفعنا ايضا الى كتابة هذا المقال، والإشارة الى إشكاليات كبيرة تترتب على هذه الفاصلة، منها:

أولاً: عنصرية الفارزة التي تعزز الانتماء بين الذوات المنصهرة في بوتقة إحدى التشكيلات الاجتماعية واي كان صيغتها العقائدية أو السياسية أو اقتصادية.

ثانيا: غياب الحس الجمعي العام اتجاه قضايا المجتمع بشكل شمولي،كحس وطني جامع، وهذا ما شخصناه في مسيرات الاحتجاج والتظاهرات والحراك الجماهيري الذي كان يفتقر إلى وجود من هيمنت عليهم الفارزة الفئوية، فنرى قطاعات تتظاهر على مصالحها فقط، ما أن تتم و تُلبى ترجع الى حيث جاءت وخرجت، ولا يعنيها شرائح اجتماعية أخرى أو قطاعات اخرى، وقد رأينا ذلك مؤخرا في حراك نقابة المعلمين والمهن الصحية اتجاه علاوة واستحقاق مادي، بينما الهموم الكبرى غائبة عن طموح أكثرهم.

ثالثاً: الانكفاء الاجتماعي بحيث نجد شرائح من هذه الفئات تقتصر على شريحتها في كل أنشطتها الاجتماعية، مثل المجاملات السفرات أو الشؤون الاجتماعية الأخرى. وهذا ما يعمق نزعة الفرز لدى كل منتم الى هذه الشريحة أو تلك.

رابعاً: تعميق فكرة الانتماء المؤسسي على حساب الانتماء الاجتماعي وهذا ما ينتهي بأفراد اي شريحة أن تشعر بالتعالي أو بالتميز أو بالاختلاف ببعده الطبقي او الاناني. وهناك كثير من الإشكاليات التي ممكن أن نميزها ونشخصها. وكل تلك الإشكاليات وغيرها تترك أثر سلبي على مصاديق أخرى من فعل الفارزة، وما يترتب عليها من اخطاء كبيرة تلم بأفراد المجتمع العراقي المتعززة بهم هذه المسألة، فكيف بمن يأتي ويشتغل عليها وينظر لها ويؤسس لها أبعاد جديدة تسهم بشكل وبآخر الى وجود حالات التنابذ والتراشق والاستخفاف بين أفراد المجتمع على عدة قضايا منها على سبيل المثال، فكرة ابن الأطراف الذي يسمى بالمعيدي في قبال ابن الولاية، وهذا يدخل تحت نظرية المركز والأطراف. أو هذا منتمي لحزب ما أو تيار ما يحكم عليه بالعميل في مقابل ما يسمي نفسه الحزب الوطني. أو هذا تابع لدول الجوار وذيل لها وهذا ابن البلد الحر، أو هذا مرجع ذو أصول غير عربية وهذا مرجع عربي. والمفاضلات على هذه المناكفات قائمة وتزيد من حدتها كلما تثار قضية ما أو تحدث مشكلة في أمر ما، وهذا الكلام واضح جدا و مصاديقه كثيرة في الوسط السياسي الذي يتم الفرز عل أساسه، تبعا لطبيعة الأحقاد والضغائن أو الصراع حول المصالح، فلا وطنية لم يؤمن بمنطق الفارزة ويشتغل عليه. ولا ولاء وطني لمن يدعي نبذ الطائفية وهو يفرز المناصب والاستحقاقات عل أساس من الفرز العنصري. ففي كل مجال من مجالات الحياة ونشاطاتها في العراق توجد هذه الإشكالية، وذلك يرجع إلى سبب رئيس وهو غياب روح الوطنية والمواطنة التي هي بالضد من كل ما يترتب على الإيمان بفلسفة الفارزة ومنطقها وتطبيقاتها المختلفة. ولتعزيز روح المواطنة المتساوية في نفوس أبناء المجتمع العراقي فأنه يأتي من احساس الكل بأن بلدهم يدار من قبلهم، وان خيراته توزع لهم بالتساوي، وان كل الخدمات والمنافع تشمل الكل، وان لا فرق بين مواطن وآخر، بمسافة واحدة من المساواة لا يفارق الفرز الفئوي الضيق والاعمى الذي يفسد قيم المواطنة ومعانيها، فتلك أخطاء بارزة يجب ملاحظتها ومعالجتها مجتمعياً ومؤسساتياً.

 

الدكتور رائد عبيس

 

علاء اللاميبدأ الباحث فاضل الربيعي كتاباته في ميدان الجغرافية التاريخية التوراتية متأخرا عن عدد الباحثين العرب ككمال الصليبي و د. أحمد عيد وفرج الله ديب، ولكنَّه حاز شهرة قد تكون أوسع من بعضهم، ربما بسبب غزارة النصوص التي كتبها خلال سنوات قليلة وكثرة الطلات الإعلامية التي يقوم بها.

وخلال مساعيه تلك، حافظ الربيعي على تقليد مؤسف في الكتابة البحثية العربية، في هذا المجال مع بعض الاستثناءات، وهو عدم القيام بمراجعة نقدية لما أُلَّفَ وكُتب من دراسات وبحوث وكتب في المجال المدروس من قبل، ربما باستثناء الإشارة العابرة، والإطرائية، لكتابات كمال سليمان الصليبي. وقد ارتكب الباحث عدة أخطاء علمية ومعلوماتية فادحة في نصوصه المنشورة.

بهدف توثيق ما أقوله هنا، سأورد بعض الأمثلة على ما سمَّيته "الأخطاء الفادحة": فالكاتب، مثلا، لا يفرق بين النبي والقاضي صاموئيل بن ألقانة (ولد في القرن العاشر قبل الميلاد، تحديدا في سنة 931 ق.م، بحسب التوراة)، وبين الشاعر الجاهلي السموأل بن عاديا اليهودي، والمعروف بكونه رمز الوفاء عند العرب قبل الإسلام، والمتوفى سنة 560م، بحسب ما ورد في المدونات العربية القديمة، ومنها مثلا كتاب "طبقات فحول الشعراء" للجمحي. فالربيعي يعتبرهما شخصا واحدا، ويكتب بكل اطمئنان (بحسب سفر صاموئيل النبي وهو المعروف عند الإخباريين العرب بالسموأل اليهودي)[1]، في حين أنهما في الحقيقة شخصيتان مختلفتان، يفصل بين الأول، النبي صاموئيل (من أهل القرن 10 ق.م)، والثاني، الشاعر السموأل (من أهل القرن السادس بعد الميلاد)، ألف وخمسمائة عام تقريبا.

وكما في قوله، في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه (القدس ليست أورشليم -مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين)، وخلال مناقشته لموضوعته المركزية حول أورشليم- القدس (لقد عرف جنوب الشام  باسم إيلياء، وهو اسم مؤنث للإله العربي الذكور (أيل - ءيل) الذي ينصرف إلى اسم الله، وقد عرفه العرب والمسلمون، واستعملوه في مدوناتهم ورواياتهم  دون حرج)[2]. والربيعي يدلي بهذه المعلومة بكل راحة بال، مع أن من المعروف حتى بين غير المتخصصين، غير هذا تماما. وكنا قد ذكرنا في الفصل الثالث عشر من كتابنا "موجز تاريخ فلسطين"، المعلومات الموثقة والشائعة التالية، بخصوص اسم "إيلياء"، فقلنا (وحين وصل الإمبراطور هادريان إلى العرش الروماني سنة 117 م...قرر تحويل القدس إلى مستعمرة للجنود الرومان، ومنع اليهود من السكن فيها، وأطلق عليها اسم عائلته المختصر "إيلياء"، فقد كان اسم جد عائلة الإمبراطور يحمل اسم (إيلياء كابيتولينا). وبهذا الاسم عرفت أورشليم - القدس في العصر الجاهلي وعصر صدر الاسلام. وظل هذا الاسم شائعاً عند العرب المسلمين الى جانب اسم بيت المقدس حتى العصر الاموي، حيث نقرأ للشاعر الفرزدق المتوفى بالبصرة سنة 732 م، نقرأ قوله شعرا:

وبَيتانِ بَيتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ......... وبَيتٌ بِأَعْلَى إيلياءَ مُشَرَّفُ)[3]. ولو كان لدى الربيعي اكتشاف جديد وتصحيح لهذا المعطى، لكان حريا به التوقف عنده وعرضه بدقة والتدليل على صحته.

أما الخطأ الفادح الآخر، فهو قوله، خلال حشده للأدلة على يمنية الجغرافية التوراتية، (فاليمنيون القدماء كانوا ينطقون الحاء المهملة خاء كما عند اليهود اليوم...)[4]. والشائع هو أن اليهود الأشكناز الأوروبيين فقط، هم الذين ينطقون الحاءَ خاء معجمةً، وليس اليهود العبرانيين المزراحيم "الشرقيين"، فالحاء حرف أصيل في اللغة العبرية، ولكن الأشكناز الخزر، وعموم اليهود الأوروبيين من السفارديم، لا يستطيعون لفظ هذا الحرف لأنهم أوروبيون، وغير جزيريين "ساميين".

لو حاولنا معرفة بدايات اهتمام الربيعي بهذا الميدان، فنحن لن نبتعد كثيرا عما سميناه "سقوط تفاحة نيوتن"، في معرض قراءتنا النقدية لأعمال الباحث الراحل كمال الصليبي، حين اكتشف هو الآخر، وفجأة، فيما هو يتصفح معجما جغرافيا لمدن ومناطق المملكة العربية السعودية، أن الجغرافيا التوراتية، تتكشف كلها أمامه، فالربيعي أيضا سقطت عليه تفاحة نيوتنية من هذا النوع، فلنستمع اليه يقصُّ علينا الحكاية:

(بدأت حكاية الاكتشاف المثير هذا، عندما كنت أعيد قراءة الهمداني بعيد وصولي إلى هولندا بقليل كتاب (الإكليل وصفة جزيرة العرب)، وأشد ما أثار دهشتي، أنني وجدت الهمداني يسرد أمامي أسماء الجبال الوديان والهضاب وعيون الماء في اليمن، كما لو أنه يسرد الأسماء نفسها الواردة في التوراة، والتي أكاد احفظها عن ظهر قلب)[5].

وبعد أن ننتهي من مقدمة الناشر، نقرأ في الأسطر الأولى من مقدمة المؤلف حزمة من الأخبار والمعلومات الغريبة، والأشبه بالقرارات الباتة والقاطعة، حول أمور لا تمكن مناقشتها ومقاربتها بهذه الطريقة أبداً، فهو يبدأ ومنذ السطر الأول بقوله (لم يحدث السبي البابلي لليهود في فلسطين، كما أنَّ الآشوريين والمصريين لم يشتبكوا على أرضها قط، وسفن سليمان لم تمخر المتوسط ولم ترس في أي وقت من الأوقات في موانئ صور اللبنانية. وإلى هذا كله، فالملك داوود لم يحارب الفلسطينيين "...." وإن القبائل اليمنية هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية، وليس في فلسطين. ومن ثم، فإن الهيكل لم يبنَ في القدس قط. بل إن أسوار أورشليم التي أشرف نحميا على إعادة ترميمها لا وجود لها هنا أصلا...)[6] ويستمر الربيعي يعرض علينا نصوصه واكتشافاته بلغة "قط، وأصلا" حتى النهاية، متهما مَن لا يرون رأيه بأنهم مزوِّرون وملفِقون، وأن آراءه هي الصحيحة فقط. ولو كان الأمر متعلقا بآراء الساسة "الإسرائيليين"، لكان هذا الأسلوب مبررا في الرد عليهم بلغتهم وأسلوبهم السجالي، أما مع العلماء والباحثين "الإسرائيليين" ممن يحترمون تخصصهم العلمي، ويكتبون بتوازن وموضوعية نسبية، كإسرائيل فنكلشتاين وغيره، فإن من الأفضل للخطاب البحثي العلمي العربي، أن يعتمد لغة البحث العلمي المجرد فيرد عليهم بالحجة والدليل العلميين، وهذا هو منطق النقاشات العلمية النقدية المراد، بعيدا عن السجالات الخطابية ذات النكهة والتقنيات السياسية.

ورغم كل شيء، لنقل: لا بأس في ذلك، فالرجل أراد أن يحدث في بداية كتابه صدمة أو تنبيها جاذبا لقرائه، عبر هذه المقدمة الصاخبة، والتي أنهاها بقوله "هذه هي الخلاصات التي يخرج بها الكتاب"؛ ولكننا حين ندخل في متن الكتاب لن نجد تلك اللغة والأساليب البحثية الرصينة والمتأنية التي نبحث عنها، فلنعد الى جوهر محاولة الكاتب، ولنرَ ما أسفرت عنه:

بعد أن يفرغ الربيعي من تقديم اكتشافاته السابقة الجازمة، يقدم لها التعضيد والإسناد الأهم عنده، والمتمثل بكتاب الهمداني "صفة جزيرة العرب". وقبل أن يقدم هذا الكتاب نقديا لقارئه، يقوم الباحث بمحاولة غريبة لتوثيق مضمونه الجوهري، فأين يجد هذا التوثيق أو الدليل على صحة مضمون مرجعه الهمداني، والقائم على موضوعة يمنية الجغرافية التوراتية؟ إنه يستله من مذكرات الطبيب والسياسي السوري عبد الرحمن الشاهبندر، الذي كتب في خاطرة صغيرة، وردت في مقالة أدبية للشاهبندر، في جريدة مصرية سنة 1936، وتناول فيها كتاب الرحالة السوري نزيه المؤيد العظم، وفيه يروي أنه التقى بحاخام اليهود في صنعاء، يحيى إسحاق، الذي أكد له المعلومة الآتية (كان لليهود مملكة عظيمة في اليمن إلى الشرق من صنعاء أسسها سليمان بن داوود، وربما كانت هذه المملكة في نجران)[7]. فأين نضع هذا الدليل؟ وهل هو دليل فعلا، وذو علاقة إناسية "أنثروبولوجية"، أو تاريخية، بموضوع جغرافية التوراة اليمنية المزعومة؟ أليس ثمة "أدلة " وطرائف "سياحية" من هذا النوع، وهي بالمئات، إن لم تكن بالآلاف، في فولوكلور وتراث كل طائفة وإثنية وأمة في العالم القديم، ظلت متداولة في المرويات الشفاهية؟ أليس من العسف أن يشطب باحث ما على آثار الحضارات العراقية والمصرية الفرعونية والفلسطينية، لأنها لا تتسق مع وجهة نظره، أو نظريته، ويحتج بقصاصة صغيرة من جريدة يومية، فيها خاطرة، كتبها رحالة، أو طبيب، أو سياسي لا دخل له في هذا الميدان؟ بل، والأغرب من كل هذا، أن الحاخام اليهودي الصنعاني، الذي روى قصة "المملكة اليهودية الفخيمة في اليمن"، لا يعرف إن كانت هذه المملكة قد قامت فعلا في نجران أم لا، كما يقول المقتبَس نفسه!

يكتب الربيعي بلغته القطعية المعهودة (وفي الواقع، فإن التوراة لم تذكر فلسطين بالاسم، كما لم تُشر من قريب أو بعيد إلى الفلسطينيين)[8].

إنَّ الواقع يقول عكس ما يقوله الربيعي هنا، وقد راجعت أسفار التوراة، وتحديدا مفردة "فلسطين" في موسوعة الكتاب المقدس، فوجدت أنها وردت في التوراة بصيغ "فلسطين"، والفلسطينيين"، و"أرض الفلسطينيين"، في الأسفار التالية، مع ذكر عدد المرات:

في سفر التكوين (سبع مرات)، ومرة في سفر يشوع، ومرتين في سفر أشعيا، واحدة منهما بصيغة "جَمِيعُكِ يَا فِلِسْطِينُ"، سفر أرميا ثلاث مرات، سفر عاموس مرة، وفي سفر الميكابيين، وهو من أحدث أسفار التوراة، وقد وقعت ثورة الميكابيين في القرن الثاني قبل الميلاد، وهي عبارة عن تمرد يهودي مسلح، موثق في المدونات السلوقية الإغريقية والرومانية واليهودية معا، ولا يمكن التشكيك بصحة وقوعها في أورشليم-القدس الفلسطينية، وقد وردت الكلمة في عبارة "أرض فلسطين"، كما ورد اسم فلسطين في سفر عبوديا باسم "سهل فلسطين"، ومرة في سفر صفنيا. فكيف يجزم الربيعي بأن فلسطين لم ترد في التوراة؟ أم أنه يقصد أنها وردت فعلا، ولكن محرفة في أحد الحروف، من وجهة نظره، فلم ترد بالطاء، بل بالتاء كما يقول، ولهذا فهو يردها إلى اليمن بدليل أنها تحمل اسم الإله اليمني القديم "الفلس"؟ وحتى هنا، يظل الاعتراض قويا على وجهة نظر الربيعي القائلة (إن الإله فلس، إله الفلستيين حيث لا يوجد كلمة فلسطين مطلقا بالتوراة بل فلستيين والفلست، رغم وجود حرف الطاء بالعبرية، وهم من بني كنانة (كنعن) أحد بطون مضر وليست مصر كما تذكر التوراة)[9].

مع ذلك، لنستمر في مناقشة هذه النقطة بخصوص اسم فلسطين، ولنتساءل: كيف وردت لفظة "فلسطين" بحرف الطاء في النسخة المترجمة إلى العربية من التوراة، وبحرف التاء في اللغة العبرية، وسأناقشها من وجهة نظري، كقارئ لا يتقن اللغة العبرية، بل يعرف أشياء عنها ومنها.

إن حرف الطاء، موجود في اللغة العبرية فعلا، ولكنه لم يستعمل في إملاء كلمة فلسطين في الكتاب المقدس، أي أنها موجودة، ولكن بلفظة "فلشتيم"، وليس بلفظة "فلسطين"، والأسئلة كثيرة ومنها:

  لماذا استمرت فلسطين بهذا الإملاء العبري، أي بالتاء، حتى الآن؟ وهل حرف الطاء العبري (ט) كان يلفظ ويكتب في التوراة بالعبرية القديمة، وما الدليل على ذلك، أم أن هذا الحرف كان قليل الاستعمال قديما، ثم انقرض في العصر الحديث، ولم يعد موجودا الآن، كما هو معروف، في الألفباء العبرية المعاصرة؟

إذا كان اسم الفلسطينيين "الفلستينيين" هو نسبة إلى الإله اليمني القديم " الفلس" كما يقول الربيعي، فلماذا لم تأتِ النسبة إليه "الفلسيون" واسم منطقتهم الفلسة أو الفلسية ؟ وما معنى التاء في "الفلستيون"؟ الربيعي يقول، إن هذه التاء هي "التاء اللاصقة" ويضرب لها مثالا في (قريش التي تكون بها قرشت)، فأي معنى لهذا التفسير؟

ولماذا يسكت الربيعي عن أن كلمة " فلسطين"، في العبرية لم تأتي بالسين (ש) مع نقطة على أعلى يسار الحرف، لو كانت النسبة فعلا الى إله "الفلس" اليمني مع أن السين موجودة وفعالة، ولها حرفان عبريان هما السين العادية والسين التي تدعى سامخ "ס"، بل جاءت بالشين (שׁ) مع نقطة على أعلى يسار الحرف، كما يلاحظ القارئ. فلماذا سكت الربيعي على ملفوظ الشين، وعلى إضافة التاء الى فلستين اليمنية نسبة الى الفلس، وكيف يفسر كل ذلك؟

وإذا كانت الميم في العبرية تفيد الجمع، فيكون "الفلسطينيون" في العربية، "فلشتيم" في العبرية، وفي غيرها من اللغات الجزيرية كالأكدية التي يلفظ فيها اسم فلسطين "پالاستو"، والبابلية الأمورية والآشورية والآرامية القديمة والآرامية المتطورة "السريانية"، فماذا عن النون في المقابل العربي للاسم مفردا "فلسطين"؟ وهل هذه هي الكلمة الوحيدة التي تكتب بالعبرية بقلب السين شين، والطاء تاء، أم أن الأمثلة كثير على ذلك؟ لنقدم هذا المثال: لعل أشهر عمليات القلب الحروفي العبرية هو ما نجده في اسم مملكة "سبأ" في عبارة "ملكة سبأ بلقيس"، والتي تكتب بالعبرية "ملكت شفا מלכת שבא). ففي هذا الاسم انقلبت السين شيناً والباء فاء. كل هذه الأسئلة والتساؤلات، تجعل من وجهة نظر السيد الربيعي، التي ترد اسم فلسطين إلى إله الفلس اليمني القديم ، وبين هؤلاء الفلستينيين، وبين من يراهم امتدادا للفلستينيين أي يهود الفلاشا في أثيوبيا، تجعلها فكرة ضعيفة وهشة جدا، ولا يمكن الدفاع عنها بحثيا قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، خصوصا وأن  وجهة نظر الربيعي قد تم نقضها بالأدلة الآثارية القاطعة، بهذا الخصوص كما سنبين في صفحات قادمة، حين سنعرض بالتفصيل الأدلة الأركيولوجية التي جمعت من مدن فلسطين القديمة، ومن آثار الحروب والمطاردات التي شنتها جيوش مصر الفرعونية ضد شعوب البحر حتى بلغت تلك الجيوش شمال فلسطين والتي تنقض نظرية الربيعي نقضا تاما.

أما خارج التوراة، فقد ورد اسم فلسطين بوضوح في كتابات المؤرخ والرحالة الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، وقد ناقشت ذلك مفصلا في موضع آخر من كتابي الصادر حديثا عن دار الرعاة الفلسطينية، "موجز تاريخ فلسطين" الفصل الأول، وخلاصة ما كتبت هي أن اسم فلسطين ظهر موثقاً في مؤلفات المؤرخ والرحالة الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ أشار إلى بلاد الشام باسم "سوريا"، وإلى جنوبها بـ"فلسطين" (Παλαιστινη پَلَيْسْتِينِيه)، وأحيانا بـ "فلسطين السورية". وعلى ما يبدو، فقد استعار هيرودوت هذا الاسم من اسم "پَلَشْت" نسبة إلى شعب البلستة / الفلسطة، في القرن الثاني عشر ق م، واستقرارهم في ساحل فلسطين الجنوبي، وإقامتهم خمس ممالك- مدن هي: غزة، عسقلان، أسدود، جت، وعقرون، في الساحل الجنوبي، ما بين يافا ووادي العريش. غير أن اسم فلسطين كان شائعا قبل هيرودوت بعدة قرون. ففي سنة 750 قبل الميلاد ورد اسم "بلست" باللغة العبرية، ثم ورد اسم بلادهم "فلستيا Philistia" بعد ذلك، كذلك ورد اسم "بالستين" أو سوريا الفلسطينية Palestine Syria، الذي كان يطلق على الجزء الساحلي والداخلي من فلسطين الحالية حتى الصحراء العربية، في وثائق أخرى.

 أما قبل زحف شعوب جزر شرق البحر الأبيض المتوسط، فكانت هذه البلاد تعرف باسم أرض كنعان، وفي العديد من المسلات الفرعونية المصرية، أطلق عليها اسم "بلاد خوري/ حوري"، نسبة إلى الحوريين.

 وكلمة فلسطين، باللغة العبرية هي  פלשתים پلشتيم، وبالأكدية الأكثر نضجا والأقدم زمنا هي "پالاستو". ومن الأدلة الآثارية على وجود وهجرة الفلسطيين "الفلسطة" والتي تقول موسوعة الكتاب المقدس، إنها تعني "المهاجرين"، وهم مهاجرون فعلا من جزر البحر المتوسط، ورود ذكرهم على إحدى الجداريات الفرعونية بوادى الملكات (الأقصر)، والتي تعود لزمن الملكة حتشبسوت (1479–1458 ق.م)، ويرفض الربيعي قصة هجرة شعوب البحر المتوسط، ولكنه لا يفسر أو يرد على الأدلة المادية التي تؤكدها، ومنها الجدارية الفرعونية بوادي الملكات. تذكر تلك الجدارية أن هؤلاء المهاجرين من شعوب البحر (حطوا برحالهم عند ساحل مريوط، قرب الإسكندرية حاليا، فقام الفراعنة بإجلائهم عن مصر، فانقسموا لجماعتين، الجزء الأكبر حط رحالة بجنوب فلسطين التاريخية، أما الجزء الأصغر فتوجه غرباً واستقر بمدينة درنة الليبية وحولها)[10].

يرفض الربيعي في كتابه هذا، أن يكون القضاء على مملكتي إسرائيل ويهوذا من قبل الجيوش الآشورية، والكلدانية بعدها، وتدمير أورشليم وهيكلها، وسبي قسم كبير من سكانها قد حدث في فلسطين؛ بل هو ينكر أي وجود لليهود العبرانيين فيها قبل القرن الثاني قبل الميلاد، وفي بعض الاقتباسات عنه، يجعل من غير الممكن الإقرار بوجود اليهود العبرانيين في فلسطين قبل 130 سنة ق.م، كما يقتبس عنه بكر أبو بكر[11] ومحمد علي إبراهيم[12]. أو كما يقول هو نفسه (في حدود 130 ق.م، لأن المعارك كانت لا تزال مستمرة وبقوة زخم مدهشة حتى هذا الوقت، بين القبائل العربية اليهودية بقيادة يهوذا المكابي، القائد اليهودي الذي جمع بين الملك والكهنوت كما يروي ابن العبري في تاريخه، والقوات الرومانية الغازية، وفي حدود هذا التاريخ كانت أورشليم عاصمة بلاد اليهودية في سرو حمير ولم يكن اسمها القدس قط)[13].

ولكننا سنأخذ بما وثقناه في كتابه، رغم أن بين القولين فرقا زمنيا كبيرا يصل الى سبعين عاما، لا يبدو أن الربيعي يقيم له أي اعتبار، ففيه يكتب أن (بداية تدفق القبائل العربية العاربة، بما فيها بقايا قبيلة بني إسرائيل، من يهود اليمن وسواحل البحر الأحمر وتهامة ونجد اليمن واليمامة نحو جنوب بلاد الشام (فلسطين) لن يتجاوز حدود العام 200 ق.م، إذ بدءاً من هذا التاريخ تدفقت على شكل موجات متعاقبة وتحت ضغط الحروب والحملات العسكرية المدمرة، جماعات وقبائل وشعوب منهكة تقلصت، وإلى حد كبير إمكاناتها القتالية والحربية، وأضحت قدرتها على مواصلة التمرد محدودة وتكاد تكون معدومة)[14]. والواقع، فإن أحدا من الباحثين القائلين بجغرافية عسيرية أو يمنية للتوراة واليهودية، لم يبلغ به الحماس هذه الدرجة من المبالغة في الاستنتاج البحثي. فكمال الصليبي نفسه، وفي معرض رفضه لاعتماد مخطوطات البحر الميت، قال إنَّ تلك المخطوطات قد تفيد لدراسة وتوثيق مرحلة اليهود في العصر الروماني، أي أنه كان يعترف بوجود اليهود  في ذلك العصر رغم أنه لم يتطرق بالتفصيل لهذا الوجود.

إن كلام فاضل الربيعي هذا، يعني في ما يعني، الشطب على تاريخ الشرق، طوال القرون السابقة للهجرة اليهودية من اليمن إلى فلسطين شمالا، والتي يعتقد بحدوثها في القرن الثاني قبل الميلاد، وبكل ما فيه. وهو يعني أن الحروب والثورات والهجرات وعمليات التهجير والسبي، ومنها السبي الآشوري الأول لسكان أورشليم-القدس في القرن السابع قبل الميلاد، والسبي الكلداني الثاني لهم في القرن السادس قبل الميلاد، وكلها موثقة أركيولوجيا في المسلات والوثائق الرافدينية بالتفصيل، ومعها الحروب المصرية الرافدينية والمصرية الحيثية في فلسطين وعموم بلاد الشام، وبعضها بلغ شمال الشام وجنوب الأناضول، ومعاهدات السلام، ومنها معاهدة قادش "تل النبي مندو" بين مصر الفرعونية والحيثيين سنة 1258ق.م، أي قبل أكثر من ألف سنة، من هذه الهجرة اليهودية المزعومة، وهي موثقة كما ذكرنا، ليس بكلام التوراة فقط، بل بمسلات وبرديات وجداريات ما تزال قائمة حتى اليوم على نهر العاصي. وعن قادش هذه كتب هيرودوت، وهو من أهل القرن الخامس قبل الميلاد، في كتابه "التواريخ"، ما ينسف تماما أطروحة الربيعي عن الإله اليمني "الفلس"، وأصل الفلسطيين، كتب هيرودوت (هنالك مدخل واحد معروف إلى مصر من فينيقيا إلى حدود مدينة كاديتس التي تعود إلى السوريين، ويُدعَون الفلسطينيين، ومن كاديتس، وهي مدينة أعتقد أنها ليست أقل حجما من سارديس، من هذه المدينة تمتد محطات التجارة على ساحل البحر إلى حدود مدينة لينيسوس)[15]، وكان رعمسيس الثاني، أول مَن خلّد انتصاراته الحربية عند مصب نهر الكلب في لبنان الحالي، على نصب صخري ما يزال باقيا حتى يومنا هذا، ضمن مجموعة من النُّصب والمنقوشات، تشمل ثلاث مسلات مكتوبة بالهيروغليفية المصرية الفرعونية، وست لوحات مسمارية رافدينية من العصرين الآشوري والبابلي الأخير "الكلداني"، وأشهر ملوكه نبوخذ نصر الثاني. وكما تساءلنا في معرض سردنا لأحداث تلك القرون، نتساءل هنا عن السبب الذي جعل المنفيين اليهود في بابل، يعودون إلى مدنهم المدمرة بسبب الحروب في فلسطين، ولا يعودون الى مملكتهم اليهودية في اليمن أو عسير؟ لماذا لم يعثر حتى الآن، وإنْ عن طريق الصدفة البحتة، على رقيم فرد، أو أثر أركيولوجي واحد وحاسم، باللغة العبرية أو غيرها، يدعم رواية القائلين بجغرافية عسيرية أو يمنية للتوراة واليهودية، مقابل مئات الآثار والأدلة المادية المبثوثة في طول وعرض فلسطين، وبلاد الشام عموما، والرافدين ومصر؟

ويحاجج الربيعي بالقول (أن المؤرخ هيرودوت[16]، الذي جال في المنطقة في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب ملاحظاته لم يسمع، ومن ثم لم يسجل، كلمات تشير إلى أي من "أورشليم" ،"يهوذا" ، "إسرائيل"، "السامرة"، أو هدم "الهيكل"، ولا "السبي"، وذلك على الرغم من أنه تحدث عن مواقع وأقوام تبعد عن خط رحلته  آلاف الأميال)[17]. ونذكر القارئ بأننا ناقشنا، في الفصل السابع من كتابي موجز تاريخ فلسطين، في معرض كلامنا عن الحجم الضئيل والأهمية التاريخية شبه المنعدمة للمحمية الفارسية التي أطلق عليها "اليهودية" بعد عودة نحميا ومعه آلاف العائدين من الأسر البابلي. وقد استشهدنا بموقف المؤرخ والرحالة هيرودوت منها وإهماله لها، وهذه خلاصة للتذكير بما كتبناه هناك مع بعض الإضافات:

إنَّ دويلة يهوذا الثانية، والتي كانت محمية فارسية بالمعنى الحصري للكلمة، ليست إلا بقعة ضيقة جدا من الأرض، في أورشليم-القدس وحولها، قد لا يتجاوز عرضها 24 ميلا. ومساحتها كما يذكر باحث آخر هو رولي خاريش[18] حوالي 17 هكتارا مربعا فيما كانت مساحة مدينة نينوى 720 هكتارا مربعا، أما عدد سكانها فلا يزيد على عشرة آلاف نسمة كما يقول فنكلشتاين. لنقرأ ما كتبه المؤرخ هربرت جورج ولز، في معرض كلامه عن هذه الدويلة وسكانها (كانت حياة العبرانيين تشبه حياة رجل يصرُّ على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار. ومن الأول إلى الآخر، لم تكن "مملكتهم" سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسورية وآشور وفينيقية، ذلك التاريخ الذي هو أكبر منهم ومن مملكتهم)[19]. ويضيف ظفر الإسلام خان الذي اقتبس كلام ولز، ما يفيد، أن هيرودوت زار القدس، وذكرها وتجاهل ما عداها، فيكتب (وقد تجاهل رحالة القرن الخامس قبل الميلاد، والمؤرخ المعروف هيرودوت، ذكر اليهود ودولتهم ما عدا القدس، وبعض الأماكن التي لم تكن تبعد عن القدس أكثر من عشرة أميال. ويعلق على موقف هيرودوت هذا د. فوكس جاكسون، الأستاذ في جامعة كامبردج، في كتابة "يوسف واليهود"، قائلا "إن تفسيره بسيط غاية البساطة. لقد كانت "يهوذا = اليهودية"، غاية في الصغر، وكان سكانها من التفاهة من حيث العدد، لدرجة أن أذكى وأبصر السواح في القرن الخامس قبل الميلاد هيرودوت، كان يزور ما كانت تسمى فلسطين السورية، أو سورية الفلسطينية، وقد لا يسمع عن اليهود شيئا أبدا. ولا بد ان القدس كانت في أيام حاكمها نحميا المعاصر لهيرودوت، مدينة خاملة الذكر جدا، بحيث لا تغري سكان المناطق المجاورة لها بسكنها إلا بشق الأنفس. والأجدر بالملاحظة من تفاهة عدد اليهود في فلسطين في زمن نحميا (445 – 432 ق.م)، هو أن رقعتهم ظلت ضيقة، كما لا يبدو انهم تكاثروا في البلاد لما يقرب من ثلاثة قرون ... ولكن اليهود لم يصبحوا قوة في البلاد إلا حوالي منتصف القرن الثاني ق.م خلال فترة حكم الميكابيين. وما من شك، في أنهم كانوا عديدين في بابل ومصر أما في فلسطين فكانوا قلة تافهة)[20].

ثم إنَّ ذكر الرحالة هيرودوت لاسم مدينة زارها فعلا وبشكل خبري، أو عدم ذكره له، أمر لا يعول عليه دائما في كتبه، ولا يعتبر دليلا على عدم وجود تلك المدينة، فمن المعروف، أنه زار بابل العاصمة الإمبراطورية السابقة والمحتلة من الفرس الأخمينيين آنذاك، ولكنه لم يذكر أنه زارها، وهذا ما يذكره عبد الله أبو أيمن نقلا عن أحد الموسوعات التاريخية الرقمية، كما يبدو، حيث وردت العبارة في مقالة له كتب فيها(رغم استخدامه -هيرودوت- لعبارات يستدل منها أنه زار بابل إلا أنه لم يزعم انه كان قد زارها)[21]، وهناك من يقول إنه قد ذكر أنه زارها، ربما اعتمادا على وفرة المعلومات والمشاهدات عن الحياة اليومية فيها آنذاك، وهذا ما نجده  في العرض الممتع، والغني بالمعلومات، الذي يقدمه د. صباح الناصري[22]، لما ورد في كتاب "التاريخ" لهيرودوت، عن زيارته لبلاد الرافدين، وخصوصا مدينة بابل، حين كانت تحت الاحتلال الفارسي الأخميني.

*هذه المقالة هي خلاصات مكثفة ومختصرة من الجزء الأول من دراسة مطولة بعنوان (نقد الجغرافية التوراتية اليمنية عند فاضل الربيعي" والتي ستنشر كاملة في كتابي الجديد (نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية) الذي سيصدر في المستقبل القريب.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي - جنيف

 ..........................

 

[1] - القدس ليست أورشليم مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين – فاضل الربيعي – ص12 = دار الفكر – دمشق - 2009

[2] - المصدر السابق ص 3.

[3] - مخطوطة كتاب "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي"- الفصل 13.

[4] - هامش 8 على ص 36  - القدس ليست أورشليم – فاضل الربيعي –م.س.

[5] - فلسطين المتخيلة  "أرض التوراة في اليمن القديم"- فاضل الربيعي – ص 14 – دار الفكر – دمشق – ط1 – 2008.

[6] -المصدر السابق  – مج 1- ص 14

[7] -المصدر السابق – ج1 – ص16.

[8] - فلسطين المتخيلة –  ص 19 – ج1 – م.س.

[9] - هذا النص اقتبسه بهذه الصيغة بكر أبو بكر في مقالة له بعنوان "فلسطين بين المفكر العربي فاضل الربيعي والباحث الآثاري الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتاين" وهي مقالة تقريضية خالية القيمة العلمية. ولكني حين عدتُ إلى الصفحة 286 من نسختي من كتاب الربيعي لم أجد هذا المقتبس بل وجدت ما يشبهه تقريبا في هامش على الصفحة ذاتها يربط فيه اسم فلستين بإله "الفلس" الذي كانت تعبده قبيلة طي في طورها اليمني كما يقول ويربط بينهم وبين يهود الفلاشا في أثيوبيا قبل نقلهم الى دولة الكيان الصهيوني ويعتبرهم من بقايا الفلستينيين. وربما يتعلق السبب بتعديلات لاحقة على طبعة متأخرة للكتاب.

[10] - موسوعة المعرفة والموسوعة الحرة – نسخة رقمية على الانترنيت .

[11] - بكر أبو بكر – مجلة آمد للإعلام الرقمية – عدد 27.04.2014 .

[12] - محمد علي إبراهيم / مقالة على جريدة الجسر الإلكترونية / 25 مارس 2017

[13] - مدونة آفاق المعرفة متجددة – عدد  8.10.2010 – نسخة رقمية.

[14] -فلسطين المتخيلة – فاضل الربيعي – مج 2 – جز 5 – ص 561 .

[15] -ترجمة شخصية، لفقرات من النسخة الإنكليزية - صفحة 258: كتاب هيرودوت/ هيرودوتوس "التواريخ" Histories (Herodotus).

[16] - درجنا على كتابة أسماء العلم بالإملاء الذي ترد فيه داخل المقتبسات حتى لو كنا نكتبها بشيء من الاختلاف الإملائي ومثل ذلك هنا اسم المؤرخ والرحالة اليوناني هيرودوتس الذي نكتبه في نص الكتاب " هيرودوتس " وفي بعض المقتبسات يكتب " هيرودوت" أو ما شابه ذلك.

[17] - مقالة في صفحة حزب الشعب الفلسطيني- عدد  2.5.2011.

[18] - تاريخ فلسطين القديم من خلال علم الآثار – د.عفيفي البهنسي – ص67 –منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب- دمشق –ط1 – 2009.

[19] - موجز التاريخ - هربرت جورج ولز - اقتبسه ظفر الإسلام خان في كتابه " تاريخ فلسطين القديم -  ص 99.

[20] -المصدر السابق - ص 99.

[21] - هيرودوتس أبو التاريخ – عبد الله أبو أيمن – مقالة على عدة مواقع على الانترنيت.

[22] - بـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن في تـاريـخ هيرودوتس – د.صباح الناصري – مقالة على المدونة الشخصية للكتاب- نسخة رقمية.

 

المهدي بسطيلي(بين الفاعل المحلي وسياسات التدبير بالمدينة المغربية)

"حدد الدستور الجديد 2011 معالم نظام الحكم بالمغرب بتوصيفه بالملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية التي تتأسس على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، ومبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع التأكيد على أن التنظيم الترابي للملكة تنظيم المركزي قوم على الجهوية المتقدمة"[1]

لاشك أن الحديث عن التنمية هو حديث عن مخططات علمية عملية محكمة، تتقصى التنقيب عن استراتيجيات وفرص تقويم المجتمع بعيدا عن الخطابات الشفوية الرنانة، وذلك استجابة لمبدأ الحكامة الرشيدة التي تتطلب تدخل مختلف الفاعلين في العملية التنموية، من مؤسسات رسمية، قطاع خاص، والفاعل المحلي الذي يعتبر شريكا أساسيا في هذا البناء.

ومما لاشك فيه يعتبر المجتمع المدني سبيلا مفتوح ومرحب به أمام الفاعلين المحليين في تقديم مقترحاتهم وآراءهم بقوة القانون، وذلك أن المخططات التنموية لابد أن تعتبر في الفاعل المحلي شريكا رئيسي لاحتكاكه أكثر بالمجال الترابي[2] .ولعل المسألة تطرح العديد من التساؤلات، حول فاعلية المجتمع المدني اليوم وماذا حضوره في نسج مخططات التنمية بالمجتمع المغربي وهو ما نحاول الحديث عنه في هذه الورقة، عبر رصد صيرورة العلاقة بين التنمية والمجتمع المدني والحكامة الترابية بالمجتمع المغربي.

ذلك أن تدبير الشأن العام بالمغرب شهد العديد من التطورات سواء على مستوى النهج أو المفاهيم على الأقل، فأضحى يعتمد بالأساس على البعد المحلي وعنصر القرب من المواطن،و إشراك المواطن في التدبير، وهكذا ظهرت جملة من المفاهيم تساير هذا التطور التدبيري، مثل الحكم التشاركي، الفاعل المحلي، ووحدة المدينة، وسياسة المدينة والحكم المحلي أو الجهوي،... مفاهيم تحيلنا طريقة خاصة في تدبير وتسيير الشأن العام، تتمحور بالأساس حول الفعل التشاركي لمختلف الفاعلين في المجتمع لوضع مخططات التنمية وتحقيق نجاعتها، وسعيا لوضع تشريح بسيط لهذه المستجدات التدبيريية لابد من وضع تشريح بسيط لأهم المفاهيم الممكنة للحديث عن الموضوع، من خلال طرح التساؤلات التالية:

ماهي الحكامة؟

هي مصطلح قديم من أصل إنجليزي، ومصدرها من الفعل الالتيني« gouvernance" «. أما المقاربة المؤسساتية للمفهوم فتستقي في الغالب التعريف المقدم في أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي :“ممارسة السلطة السياسية والاقتصادية والإدارية في إدارة شؤون البلد على جميع المستويات"

ويتضمن الحكم الآليات والعمليات والمؤسسات المتطورة التي يعبر المواطنون والجماعات من خلالها عن مصالحهم وحاجاتهم، وتطلعاتهم، ويمارسون حقوقهم وواجباتهم القانونية، يعتمد المفهوم على المشاركة والشفافية والمساءلة وضمان العدالة في مجالات مختلفة من الحياة الاجتماعية والإنسانية[3] . ورغم غياب الاتفاق القطعي، حول تعريف موحد للحكامة حتى اليوم، إلا أنه من الممكن تحديد سمات الحقل الدلالي الواسع، الذي يغطيه وصف العمليات والروابط والتمفصلات التي تميز العلاقة بين مختلف الجهات الفاعلة المشاركة في صنع القرار، وبقدر ما أضحت المشاكل متعلقة بسوء التدبير أكثر من ارتباطها بنقص الموارد، تصبح الحكامة الرشيدة الشغل الشاغل في الخطابات العملية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، لمواجهة تحديات الندرة .

إن الحكامة اذن المدخل الوحيد لتبسيط التوجهات الإستراتيجية الكبرى للإدارة والتدبير، كما أنها في خضم عملية الشراكة، تهتم بعدم إقصاء أي عنصر، بمعنى استلهام كل الآراء والخبرات،الطاقات والإمكانيات البشرية المتاحةسعيا قي تحقيق غايات وأهداف، كعناصر تدخل ضمن فهم الحكامة الرشيدة، وهذه الأهداف والغايات يمكن تسطيرها وإجمالها في: التنظيم الجيد، وتوزيع المسؤوليات، وكذا الكفاءة في إسناد المسؤوليات،وأخيرا دعم المؤسسات وتأهيلها وتوفير التكوين العلمي المناسب لأن ذلك يكون في صلب الحكامة أساسا.

يأتي الحديث عن الحكامة في المغرب من خلال دستور 2011 بعد الاحتجاجات التي عرفها الشارع المغربي في ما سمي بأحداث 20 فبراير، واعتبر هذا الحدث بغض النظر عن الجهات أو الفئة التي أخدت الريادة فيه، كاشفا عن سوء تدبير لقطاعات الدولة، في سياق مركزية مجحفة كرست الحيف والتهميش على مناطق معينة بالمغرب وخاصة تلك البعيدة عن المركز، وبالتالي جاء دستور المملكة لتدارك الأمر ومقاربة المسألة التدبيرية بنصوص قانونية أساسية يعترف بها الدستور أولا قبل كل شيء، ووجهت الدعوة لاستدعاء الحكامة كصيغة للتدبير الفعال في مؤسسات الدولة، والاعتراف بها كمدخل لبوادر الإصلاح ووضع مخططات التنمية بالمغرب[4]، وتجذر الإشارة أن التقسيم الجهوي أعطى للجهات صلاحيات موسعة في تدبير مصالحها الخاصة عبر وصاية الدولة طبعا، ونص على تدبير تتشارك فيه تلات جهات على الأقل من قطاع خاص ومؤسسات الدولة الرسمية، والفاعل المحلي، الذي يعبر بشكل مباشر عن حاجيات الاندماج المجالي الذي يعايشه وذلك في سياق توازنات مع البنية الثقافية، لكن الأمر في الحقيقة لازال يواجه العديد من التحديات خاصة على مستوى التنزيل الموضوعي لنص القانوني الذي يتضمن هذه المقتضيات التي تحدثنا عنها، وعدم وضوح الدور والرأي أمام الشركاء في العملية التدبيرية التي تترجم بشكل مباشر الحاجة لطرح سؤال الفاعل المحلي. أي فاعل محلي نملك؟

أي فاعل محلي نملك؟

إنه السؤال الذي نطرحه باستمرار بالمجتمع المغربي، هل نملك فاعل محلي؟ بل أي فاعل نحتاج أصلا، وهو ما أسميته قبلا بغياب وضوح الدور، فهل نحقق الاستجابة لفهمنا البسيط ونحدد أهم مواصفات هذا الفاعل، في الفرد المكون علميا نظريا وميدانيا، حامل للمعارف الأساسية المنوطة بسؤال التدبير، والمتمرس ميدانيا عبر التكوين الرصين، ولعل هذا الجواب البسيط قد ينفي وجود فاعل حقيقي داخل نسق التدبير المحلي بالخصوص، ونطرح سؤال. ماهي المؤهلات العلمية للمنتخبين المحليين بالجماعات المحلية على مختلف بقاع المملكة؟ بل ماهي المستويات الأكاديمية التي يحظى بها البرلمايين اليوم؟ وهي حقائق مخجلة إذ نسب كبيرة لا تتوفر على شهادة الباكالوريا حتى، إن الأمر ضمني وجائز اذ يحيل على شروط ولوج حقل النخب السياسية الذي لا يعترف إلا بالرأسمال الرمزي والمادي في كثير من الأحيان ولا يعترف بغير ذلك[5]

في حقيقة الأمر حتى سياقات الحديث عن المجمع المدني بالمغرب تحتاج لغربلة موضوعية، تستحضر النص الدستوري في المجال، وخاصة منها الجمعيات النشيطة على الأقل، والعمل على هيكلة هذا الحقل عبر تكوينات رصينة تضعهم في الصورة المرجوة اليوم في مغرب الغد، وتمكنهم من منطقيات اشتغال رصينة تبعدهم عن كل الحسابات السياسوية الضيقة، التي تشكل دائما العائق في التنمية.[6]

أي حكامة في ساياسات التدبير بالمدن المغربية؟

تعني سياسة المدينة

"انخراط الدولة بثقلها في تخطيط وتدبير المدينة وتحديد ماهيتها وحدودها بغية توفير إطار عيش ملائم للساكنة الحضرية يكفل لها حقها في المدينة، بالإضافة إلى اعتماد مقاربة أفقية، في إطار رؤية شمولية مندمجة وتعاقدية تعتمد على مبادئ الحكامة الجيدة والتشاور، يتدخل في صنعها مختلف الفرقاء السياسيين والتقنيين المتواجدين في نسيج حضري معين، من دولة وجماعات ترابية ومجتمع مدني وقطاع خاص، من أجل التوافق حول مشروع حضري، يجعل من المدينة فضاء لإنتاج الثروة وتحقيق النمو، وللتضامن الاجتماعي والتوازن بين مختلف الفئات الاجتماعية من خلال العدالة الاجتماعية وبين الأحياء المكونة لهذه المدن عبر الاهتمام بالمرافق والخدمات العمومية والتنقلات الحضرية. "[7]

أعطى التطورالسريع لنسب التمدين التي اخترقت المدن المغربية منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم، والمتمثل في النمو الاقتصادي والسكاني وارتفاع كثافة المدن، إلى بروز العديد من التحديات والمشكلات،لامست الأصعدة المجالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.وعلى مستوى الاندماج الترابي، ارتفع النمو السكاني الداخلي للمدن، عبرالتدفق الهائل لسكان البوادي نحو هذه المدن منذ الاستعمار الفرنسي، وذلك إن صح القول كان مخططا لها من طرف المعمر الفرنسي، من خلال تقسيمات مجالية يسهل ضبطها، إلى بروز أنواع جديدة من السكن، كالسكن العشوائي أو الغير اللائق، ومدن الصفيح.[8]

. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أدى ضعف البنيات التحتية من طرق ومناطق صناعية وغيرها إلى تراجع الاقتصاد المهيكل لفائدة الاقتصاد غير المهيكل، بالإضافة إلى الاتجاه إلى الاستثمار في الفلاحة  المعاشية التي اتخذتها الدولة خيارا استراتجي، مما أصبح يحتم على القائمين على المدن تطوير رؤى جديدة للتنمية تسمح بانبثاق مشاريع للاقتصاد المحلي، تمكن من استقطاب الاستثمار وإنتاج الثروة.

وذلك في سياق مفاده أن الاهتمام بالمجالات القروية وهيكلتها، سيكون سبيل للحد من الهجرة الداخلية وضبط نسب التمدين التي باتت في ارتفاع مستمر،فيما بالإضافة إلى تحديات الجانب الاجتماعي، المتمثلة في ظهور أحزمة الفقر والبطالة والجريمة والأمية والاقتصاد غير المهيكل. وبالتالي أصبحت هذه الأحزمة تعاني الهشاشة والفقر والاقصاء الاجتماعي، مما يهدد بانفجارات اجتماعية، وتحديات حقيقية أما المدينة المغربية.

لمواجهة هذه التحديات والمشكلات، بادرت السلطات العمومية إلى تبني سياسات عمومية لفائدة الطبقات الهشة والفقيرة، تهدف إلى محاربة الهشاشة وتطوير الاقتصاد الاجتماعي، وتوفير السكن، وتقديم خدمات الصحة والتعليم والكهربة والماء الشروب وغيرها من الخدمات الاجتماعية. وقد تميزت هذه السياسات في مرحلة أولى باعتماد مقاربات قطاعية إضافة إلى برامج ذات صبغة وطنية كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، كما تم على صعيد الجماعات الترابية خلق المجموعات الحضرية لتتولى تجميع وتنسيق الجهود المبذولة في تدبير وتنمية المدن، ثم تم تعويضها فيما بعد بنظام وحدة المدينة الذي ساهم في إضفاء صبغة وحدوية على المدن الكبرى المغربية وتمكين أجهزتها التقريرية من تتبع ومراقبة تراب المدن وتتبع المشاريع.

غير أن هذه المقاربات، وإن أدت إلى تحقيق بعض النتائج الايجابية، فقد افتقرت إلى التنسيق والتكامل، وبالتالي افتقدت إلى الفعالية والنجاعة الكفيلة بالقضاء على الفقر والتهميش والهشاشة والبطالة وغيرها من الآفات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية والبيئية التي تعاني منها جل المدن المغربية خاصة وأنها ظلت باستمرار تسائل وجود الفاعل الملي والتدبير الحكماتي في نسج هذه المخططات، والقطع مع البنيات التقليدية السابقة والتي تظل راسخة بقوة حتى في المجال[9].

إن التاريخ المجحف الذي عانت منه المدينة المغربية جعل منها مشوهة الصورة، بين هوية التقليد والتحديث، نتيجة مباشرة لغياب الهيكلة الحقيقة لبناء المدينة المغربية، ولعل الدراسة التي سبق أن أحلنا عليها والتي قام بها' السوسيولوجي المغربي عبد الرحمان رشيق' تبين ذلك إذ تجد مدينتين داخل مدينة (المدينة القديمة، المدينة الجديدة) ويعود هذا البناء إلى مخططات الاستعمار، في عزل الفرنسيين عن المغاربة في تلك الفترة، في سياق حماية التقليد الذي يسهل في ضبط المغاربة. لكن الخطير في الأمر أن هذا البناء العشوائي استمر لعقود من الزمن ووجدت الدولة نفسها عاجزة عن الإصلاح، أمام ضعف الإمكانيات، كما أن البناء المجالي للمدن المغربية، في كثير من اللحظات كان بناءا اعتباطيا اذ تجد مجالات فلاحية بامتياز أصبحت تسمى مدينة فقط مع استقدام معالم الصناعة، لكن بغياب نوع من المراقبة والهيكلة لهذا الاستحداث، وهو في نظري ما عجل بظهور العديد من المشاكل الاجتماعية للأفراد أمام صعوبة الاندماج مع المجال والبحث عن الهوية .

إن التدبير الحكماتي الذي نتحدث عنه اليوم يسائل مخططات البناء بالدينة المغربية، ويحيل على حقائق خطيرة المتمثلة في العزوف عن النص القانوني والاتجاه نحو تدبير عشوائي للمجال، وتغييب مخططات البحث العلمي التي لا سبيل للبناء في غيابها.

إن إعداد التراب والتنمية والتهيئة... هي مفاهيم تعني ضرورة التنظيم والتدبير، وذلك حسب الإمكانات المتاحة في المجتمع بالتنسيق مع المعطيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، تهدف إلى إزالة الفروقات الاجتماعية وإلى تحقيق العدالة في عملية توزيع الموارد والخيرات واستثمارها في تحقيق التنمية، وهذا هو عمق وجوهر التدبير الحكماتي، لذلك لا يمكن أن نتوقع نجاح إصلاح وتغيير إيجابي لا ينطلق من عمق هذه المحددات فالتاريخ يحكم أن لا نجاح لإصلاح لا يستنبت في المجتمع.

  

المهدي بسطيلي- طالب باحث بسلك الماستر( ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية، جامعة ابن طفيل القنيطرة)

...................

[1] الفصل الأول من الدستور المغربي

[2] سعيد عبد الشفيق، الحكامة المحلية ورهانات التنمية بالمغرب،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، سنة 2007، جامعة محمد الخامس السويسي،الرباط.

[3] براهيم فريد عاكوم، إدارة الحكم والعولمة، وجهة نظر اقتصادية، أبو ظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 0222،ص 55.

[4]

[5] عبد اإلله بلقزيز، وآخرين، ضمن ندوة المرصد الوطني لحقوق الناخب،) بتعاون مع كلية العلوم القانونية واالقتصادية واالجتماعية أكدال – الرباط، ( بعنوان: الديمقراطية التمثيلية تكامل أم تنافس؟ الخميس 23 يناير 2014

[6] لعيرج عودة،دور الفاعل المحلي في تجسيد حكامة المدن .

[7] أنور بوهلال، سياسة المدينة كاستراتيجية للتدبير التعاقدي بين الجماعة والدولة، كلية الحقوق مكناس

[8] عبد الرحمان رشيق، دراسة ميداينة،السياسيات العمرانية والعلاقات الاجتماعية بالمغرب

[9] المهدي بنمير " المدينة المغربية أي تدبير للتنمية الحضرية؟" سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية (1) مطبعة دار وليلي للطباعة والنشر مراكش، الطبعة الأولى، 2005

 

مجدي ابراهيمكثيرةٌ هى مزايا التصوف غير أنها تتفرَّق بين الأولياء والعزفين والصوفية، ويتفرَّق النزوع إليها والإعجاب بها، مشاربَ وأذواقاً، بين الدارسين والباحثين. وقد يحرم الصوفي إحداها أو أكثرها وهو من بعدُ صوفيُّ لا شك في صوفيته؛ لأنه يحسن ضرباً من الصوفية تصحُّ بها صوفيته ولا يشك فيها أحد.

فقد يعجبنا من كل متصوف خصوصية فيه ومزيّة ينزع إليها، ويصنف بين الصوفية وفق تملكه إياها واتصافه بها؛ فالذي يتميز به أبو طالب المكي غير الذي يتميز به الغزالي، والذي يتميز به هذين غير الذي يتفرد به الجنيد والحكيم الترمذي أو البسطامي أو الحلاج أو ابن عربي أو السهروردي أو ابن سبعين. والذي يستحق به كل واحد منهم صفة الروحانية غير الذي يستحقها به البقية، فيما لو أخذنا بتصنيفات "الباحثين" - لا تجارب العارفين - بين تصوف سنيّ أو سلفي أو إشراقي أو فلسفي أو شبه فلسفي على اختلاف الضروب واختلاف التقسيمات.

غير أن المزيّة التي لا غنى عنها والتي لا يكون الصوفي صوفياً إلا بنصيب منها هى مزيّة واحدة لا خلاف في الرأي عليها : "التجربة الصوفية"، وطلب المعرفة الإلهية من طريق الذوق والتبتل، وهو مطلبٌ عادل للذات المؤمنة لا شك فيه ولا غبار عليه.

فكما تكون "الطبيعة الفنية" مزيّة الشاعر المطبوع لا غنى عنها ولا يكون الشاعرُ شاعراً إلا بنصيب منها، كما يقول الأستاذ "العقاد" في مقدّمة كتابه عن "ابن الرومي حياته من شعره"؛ كذلك تكون "التجربة الصوفية" التي هى حياة الأولياء والعارفين، مزية الصوفي الأصيل، ولا يكون الصوفيُّ صوفياً على الحقيقة إلا بنصيب منها.

تعمدتُ حقيقةً أن أستخدم نفس الألفاظ والكلمات التي استخدمها الأستاذ العقاد عند الحديث عن ابن الرومي في مقدمة كتابه وهو بالمناسبة من الكتب التي يعتز بها مؤلفها، وتعمدت أن أسلخها من هناك لألبسها ثوب اللغة الصوفية هنا؛ للمقاربة البادهة بين الطبيعة الفنية لدى الشعراء والتجربة الصوفية لدى كبار صوفية الإسلام، وبما أنها مقاربة عجيبة فعلاً فيها امتياز واختصاص، فتكاد تنطبق الأوصاف التي تطلق على الشعراء من أصحاب التجارب الفنية على الأوصاف التي تنطبق على الصوفية من أصحاب التجارب الروحية.

فقد أراد العقاد أن يستخرج من أقوال ابن الرومي حياته التي تدل عليها من الوهلة الأولى أشعاره، لكأنه يريد أن يقول إنه ما من بيت من قصيد الشاعر إلا وعليه من قيم الحياة الحيّة ما يوافقه ويدل عليه ويسمح باستخلاصه في مصدر الشعور ومنبت الضمير من حياة الشاعر نفسها، إذ الطبيعة الفنية هى الحاكمة الفاصلة فيما يصدر عن شاعرية الفنان، وليس يقدح شئ في شاعريته - من بعدُ - إلا أن يكون خلواً منها.

وبنفس المقاييس، تجئ التجارب الصوفية هى الفواصل الفارقة العاملة في معطيات الإشارة الصوفية التي تستقى من عين التجربة، فالمقول يتحد مع الحالة بلا ريب في بطن التجربة الصوفية، فلا تسمح التجربة الصوفية عند الصوفي بمعطياتها إلا بما تسمح به الطبيعة الفنية لدى الشاعر بمقوماتها، كلتاهما حياة تظهر أسرارها مع الشاعر المطبوع والصوفي الكبير تحت ظلال التجارب والطبائع. فإذا كانت الطبيعة الفنية من الضرورة بمكان بالنسبة للشاعر، فالتجربة الصوفية من الأهمية بمكان بالنسبة كذلك للصوفي الكبير، كلتاهما اتحاد في المبدأ يقوم على منبت الشعور ويتغذى من قرارة الوجدان ويصدر عن الصدق فيما يقال عنهما من شعر الشاعر أو عبارات الصوفي واشاراته.

وليس هناك من عجب أن يتلاقى الشاعر المطبوع مع الصوفي الأصيل؛ فما أقرب الصلة الوثيقة بين الشعر والتصوف، أو بين التجربة الصوفية والطبيعة الفنية، وما أبعد الخلاف بينهما في غور التجربة ويقظة الإحساس بجوانب الحياة المختلفة، مع الوضع في الاعتبار فارق "التوجه" وفارق "التعلق"، ومع الاحتفاظ بالمصدر الشعوري واليقظة الروحية في كلتا التجربتين. فإذا كان الصوفي يتوجه مباشرة بوحدة قصده إلى الله ويتعلق بالوسائل التي توصّله إليه، فالشاعر يتوجه إلى فكرة أو معنى يعيشه ويحسه كما تعاش الحياة الحية وتحس، ويتعلق في الغالب بمحبوبة في عالم الحسن ينزع بها وجدانه من المحسوس إلى المعقول، ويروم قصداً من وراء ذلك غير الذي يرومه صاحب القصد الأول ويتوخاه.

وربما توصّل الشاعر بقصده المحسوس إلى ما يعلو على الحس ويرتفع في المثال؛ لينشد الحقيقة التي ينشدها الصوفي من أقرب طريق، فقد يتوصّل إليها إذ ذاك بشعوره الخالص المُجرد؛ ليجئ مصدر الشعور ها هنا توحيداً بين تجربة الصوفي وتجربة الشاعر رغم فوارق التوجه والتعلق، فالذي يتعلق بالله ويتوجه إليه ليس كالذي يتعلق بمحبوبة عشقها وتبتل إليها في عالم الحس، ويتوجه إليها من بعدُ ويكنى عنها بالشعر أو بالنثر أو بما شاءت له قريحته أن يكنى.

ويبقى بعد ذلك ما لا خلاف عليه من تجارب المحبين وصبابة العشاق، وهو أن الطبيعة الفنية لدى الشاعر المطبوع تكاد تقترب من التجربة الصوفية عند الصوفي الكبير، تأخذ عنها وتتوحد بها حتى لا تكاد تفرق بينهما، يظهر هذا في العلاقة بين الحب والموت.

إنما الأمرُ هنا لا يتوقّف عند حدّ العلاقة بين الحب والموت وكفى، بل يتعدّاه إلى ما بعده، وهو بقاء القصائد الشامخة في الوجدان الراقي، الصافي النقي، لتشرح العلاقة بين الحبّ والموت، وتجلو الصلة القويّة بين الحبّ الحسّي والحبّ الروحي، إذ كان الأول مقدّمة للثاني. ولا يفهم من الثاني (الحب الإلهي) إلا ما يستقر عليه الفهم حقيقةً من الحب الأولى، (الحب الحسيّ)، فلم تبدع رابعة العدوية في ميدان الحبّ الإلهى إلا بعد تجربة ممضة مع الحبّ الحسيّ، ولم تكن الصبابة التي يعانيها المحبون في الأودية الحسية إلا مذقاً إنسانياً صادقاً من ظلال التجربة الروحية.

واهمٌ من يتصوّر أن هذه القصائد أو تلك تخاطب محبوبة وكفى، لتكون مجرّد علاقة حبّ بين طرفين ليس أكثر .. كلا بل في القصيدة التي يقولها الشاعر الممتاز ظلال صوفية خالصة، ليس أيسر من نقلها على الفور من الأودية الحسيّة إلى الأودية الروحيّة في لحظة تجرّد صادقة، الأمر الذي يتأكّد معه أنّ المحبين في المحسوس هم أنفسهم المحبُّون في المعقول، في عالم الروح. وأنّ معاناة التجربة في المحبّة الحسيّة هى نفسها معاناة التجربة في المحبة الروحيّة، وأنّ القادرين على تذوق الحبّ الحسّي هم أنفسهم القادرون على تذوق الحبّ الإلهي من وراء الأشباح والظلال.

فارقُ التجربة الشعورية هو التوجُّه، ولكن نهايات التجربة في الحبّ الحسّي تكون في الغالب بدايات التجربة في الحبّ الروحي الخالص، وربما يختلط الأول بالثاني وليس من ريب، وتكون التجربة واحدة، وتزول الفوارق الشعوريّة بين التوجُّهات وتذوب، فلا يعرف المُحب في أي واد من الأودية يتوجّه فيُسلم قياده؛ لأنه لا يلمس فارقاً باطناً في أصل المحبّة ولا يكاد يقف عليه.

وشعراء بني عُذرة كجميل بثينة، وقيس لبنى، وغيرهم من شعراء التبتُّل والعفّة كانوا أكثر الناس دلالة على هذا النوع بالحبّ إلى الموت؛ لوجود علاقة روحيّة صافية بين الحبّ في الأودية الحسيّة والحبّ في الأودية الروحيّة. وصبابة العشّاق لوعة مُخامرة هى نفسها تكاد تكون الصبابة التي يعيشها أصحاب الأذواق والمواجيد.

الحُبّ الإلهي أصلُه في الانسان محبّة جزئية محدودة بوقوف الهوى على المُحبّ، تفاصيلها نزوع الوجدان إلى الأصل، وكلما اقتربنا من الأصل زالت الفوارق وذابت الحواجز والمحاجيب، وحلّت من ثمّ الوحدة محلّ التعدُّد والكثرة، فليس يبقى إلّا الواحد على الدوام.

(إنّ الغرام هو الحياة، فمُت به صبّاً، فحقّك أن تموت وتعذرا)

هكذا كان ابن الفارض يقول، هذا ظل ثابت في وجدان العشاق من ظلال التجربة الصوفية لا يمكن تغافله أو صرف النظر عنه بحال.

وعليه، فلا يوجد صوفي واحد له رأي أو مذهب أو أثر من آثار الكتابة والتدوين ولا تكون له تجربة روحية ينطلق منها ويعتمد عليها ويتذوق آثارها فيما يرى أو يقول؛ فلئن فاتته التجربة فلم يستطع خوضها وركوب متاعبها؛ فلا يخلو من شرط التعاطف معها على أقل تقدير.

ولأجل هذا تجئ التجربة الصوفية دائماً أسبق لدى الأولياء والعارفين من الفكرة الفلسفية. وما الفكرة الفلسفية في ظلال التجربة الحيّة المعاشة إلا بمثابة شرح العقل النظري لتجارب العمل والإنشاء في إطارها. ولولا وجود التجربة الصوفية معتمد الأولياء والعارفين ما صَحَّتْ على الإطلاق أذواقهم ولا مشاربهم ولا أحوالهم، وما صَحَّ لهم حال ولا سرُّ ولا معرفة ولا علم ولا نظر، بل ولا مذهب ولا نظرية ولا رؤية ولا استقام لهم طريق؛ إذْ التجربة الصوفية مناط الثورة الروحية في الإسلام ومستندها الفاعل بغير شك، وأساس الثمرة المرتقبة من وراء المذاهب والآراء.

وعلى هذا الأساس، لا على أساس غيره، ينبغي أن تُفَسَّرَ كل الآراء الصادرة عن المتصوفة في إطارها ولا تُفَسَّرُ في إطار سواها. وعلى هذا الأساس، لا على أساس غيره كذلك، تجيء "مطالب الذات المؤمنة" خاضعة خضوعاً تاماً لمعطيات تلك التجربة الصوفية تُفَسَّرُ من خلالها، تأخذ منها وتعطي من عساه يشعر بها ويحس معها شعور التعاطف وشعور الترقي في مدارج المعرفة ومعارج الاتصال بالحقيقة الإلهية.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم