محمود محمد عليتعد مناظرة أبو سعيد السيرافي لمتى بن يونس بشأن المنطق اليوناني  من النصوص الأكثر ثراء في تراثنا العربي-الإسلامي، ومما يزيد من ثرائها، قابليتها للتجدد، وانفتاحها على كثير من القراءات والتأويلات، ولا أدل على ذلك من تناول كثير من الباحثين لها في ثنايا كتبهم ومصنفاتهم .

فما هو الجو العام الذي جرت في هذه المناظرة؟ وإلى أي حد يمكن الاقتناع بما حققه السيرافي من الغلبة في هذه المناظرة؟

وفي الإجابة علي السؤال، يمكن القول بأن القرن الرابع الهجري قد شهد نهضة فكرية غير مسبوقة في تاريخ الثقافة العربية، ويمكن أن نرجع أسباب هذه النهضة إلى اتصال الحضارة العربية الإسلامية بثقافات الحضارات المجاورة، سواء بشكل مباشر كما حصل مع الثقافة  الفارسية، أو بشكل غير مباشر كما هو الشأن بالنسبة  للثقافة  اليونانية  التي نقلت إليها عن طريق الترجمة . وقد كان لعلماء السريان الدور الكبير في ترجمة الكتب اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية، فكانوا هم القنطرة التي عبرت عليها علوم اليونان إلى الثقافة العربية، وكان الخلفاء إبان هذا الانفتاح على الثقافات الأخرى، يقربون علماء السريان ويستفيدون من خبرتهم  في ترجمة الكتب اليونانية ونقلها إلى العربية . ولعل هذه المناظرة التي بين أيدينا تعكس بشكل واضح دور السريان في نقل الثقافة اليونانية إلى العرب، ويتمثل ذلك في شخص "متى بن يونس"، باعتباره  من الفلاسفة السريان .

بداية يمكن أن نقول إنّ  المناظرة التي جمعت بين "أبي سعيد السيرافي" النحوي و"متى بن يونس" الفيلسوف هي مناظرة حوارية حجاجية بامتياز، ذلك أن الجو الفكري الذي ساد المناظرة وطغى على حجج المتنافسين عكس خلافات حادة وجذرية طالت طبيعة كل علم وطرق استعماله .

ولقد ذكر لنا "أبو حيان التوحيدي" نصوص تلك المناظرة الشهيرة التي جرت في مجلس " "الفضل بن جعفر بن الفرات "، وزير الخليفة المقتدر سنة 320 هـ، ودارت بين "أبي سعيد السيرافي" النحوي وبين الفيلسوف المنطقي "أبي بشر متي بن يونس" في بغداد، وذلك في كتابين هما " الإمتاع  والمؤانسة "  و" المقابسات "؛ حيث وقعت المناظرة وسط جو من الصراع الفكري بين المناطقة الذين أعلو من شأن المنطق، وذهبوا إلي أنه لا حاجة بالمنطق إلي النحو، بينما يحتاج النحوي إلي المنطق . ليس هذا فحسب، بل إن أبا بشر" متي بن يونس"، هاجم النحاة وآثارهم بقوله: " إن النحو يبحث أساساً في اللفظ، بينما المنطق يبحث في المعني، وأن المعني أشرف من اللفظ.. وأنه لا سبيل إلي معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به.

أما النحويون وهم الفريق الذي واجه المناطقة، فقد ساءهم ما حمله عليهم المناطقة، واختاروا " أبا سعيد السيرافي" النحوي البارع المحيط بدقائق النحو والمنطق والجدل المناظرة لينتصر لهم، وقد استطاع أن يحرز نصراً، ونجح في رد " متي بن يونس" ودحض حججه وإظهاره بمظهر الجاهل باللغة والنحو .

وننتقل الآن إلي عرض حثيات المناظرة بشئ من التفصيل ؛ حيث قال "أبو حيان" ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير "أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات" بين "أبي سعيد السيرافي" و"أبي بشر متى" واختصرتها. فقال لي اكتب هده المناظرة على التمام فإن شيئاً يجري في ذلك المجلس النبيه وبين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه وتوعى فوائده ولا يتهاون بشئ منه .

ويستطرد "أبوحيان "فيقول: " فكتبت حدثني أبو سعيد بلمع من هذه القصة، فأما علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح فإنه رواها مشروحة قال: لما انعقد المجلس سنة عشرين وثلثمائة قال الوزير "ابن الفرات" للجماعة.. أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة "متى بن يونس" في حديث المنطق فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده واطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه، فأحجم القوم واطرقوا، فقال ابن الفرات:" والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه، وإني لأعدكم في العلم بحاراً وللدين وأهله انحصاراً وللحق وطلابه مناراً، فما هدا التغامز والتلامز اللذان تجلون عنهما؟ فرفع "أبو سعيد السيرافي" رأسه وقال: أعذر أيها الوزير فإن العلم المصون في الصدور غير العلم المعروض في هذا المجلس ، وعلى الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة، والعقول الجامدة، والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مكسرة، ويجتلب الحيا،  والحيا مغلبة، وليس البراز في معركة غاصة كالمصراع في بقعة خاصة ؛ فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد فاعتذارك عن غيرك، يوجب عليك الانتصار لنفسك، والانتصار لنفسك راجع على الجماعة بفضلك . فقال أبو سعيد: مخالفة الوزير فيما يأمره هجنه، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلة القدم وإياه نسأل حسن التوفيق والمعونة في الحرب والسلم".

من النص السابق يتضح لنا أن انطلاق المناظرة جاء بناء على طلب الوزير "ابن الفرات "، محدداً موضوعها وهو المنطق، وطالب أن ينتدب واحد من الجماعة ليناظر "متى بن يونس" ويجزم أن مناظرته تدخل في إطار الدفاع عن الدين ونصرة الحق ويشكل "ابن الفرات" هنا الصوت الثالث في المناظرة وحضوره غاية حجاجية في  حد ذاتها.

علاوة علي أنّ هذه المناظرة قد جرت زمن تغلغل منهجية علوم اليونان في صياغة العلوم اللسانية والإنسانية عند العرب، ويبدو من خلال تتبع مراحلها الحوارية والحجاجية أنّ أبو سعيد كان يبتغي الحد من انتشار المنطق بين أهل العلوم الأخرى، نظراً إلى مخاطره على الفكر والدين والجمهور بشكل عام، ويتضح ذلك من أسس المناظرة  ؛ حيث يبرز أبو سعيد من خلالها قصور المنطق في طرح أمور تفوق مجالاته نظراً إلى محدودية العقل وجهل المنطقي بأسرار اللغة، وهو بأمس الحاجة إليها عند التعبير والنقل. وتتلخص هذه الأسس تباعاً كما وردت على لسان المناظرين بمنهجية جدلية تسلسلت بين السائل النحوي والمجيب المنطقي مؤتلفة على النحو التالي:

بناء علي طلب الوزير ابن الفرات، نري أن أبو سعيد يتعهد بتفنيد آراء "متي بن يونس" الذي ادعي أن الطريقة الوحيدة لتمييز الحق من الباطل هي بوساطة علم المنطق: فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد.. ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سننٍ مرضيٍ وطريقة معروفة. قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح. فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية؛ وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنا نبحث بالعقل؛ وهبك عرفت الراجح من الناقص عن طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون أيما هو حديد أو ذهب أو شبه أو رصاص فأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها؛ فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك، وفي تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، فأنت كما قال الأول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

صالح الطائيقصة معاناة عشرين مليون مسلم على يد الحزب الشيوعي الصيني تحت شعار "القرابة التوأمية" الساعي إلى إحداث تغيير ديمغرافي لصالح أتباعها من "الهان" وغيرهم من الملحدين الذين تقوم بتوطينهم في اقليم "تركستان الشرقية" الإسلامي الذي أبدلت اسمه إلى "شينجيانغ" للقضاء على خصوصية الإسلام في هذه المنطقة، إلى درجة أنها نجحت في تغيير نسبة المسلمين في الإقليم من 97% في بداية حملة التهجير والتغيير عام 1949 إلى حوالي 45% قبل الهجمة الأخيرة! إنها قصة المسكوت عنه في زمن العهر العربي والإسلامي!.

يذكر أن الحكومة الصينية أنشأت مدنا حديثة في الإقليم لاحتواء المهاجرين مثل: "شيهنزة" و"كاراماي" و"كويتون" و"صانجو" و"أران" وغيرها، فضلا عن مصادرة آلاف المنازل التي تعود للمسلمين الفارين من الظلم وتوزيعها على أتباعها، كما وفرت فرص العمل لهم على حساب المسلمين إلى درجة أن نسبتهم الآن في الدوائر والمعامل والمؤسسات بلغت 95% قبالة أقل من 5% للمسلمين.

تعود قصة العلاقة بين دين الإسلام وبلاد الصين إلى زمن قديم جدا، وهناك ثلاث روايات تحدثت عن دخول مسلمين إلى الصين، ذكرت الرواية الأولى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، أرسل سعد بن أبى وقاص، ووهب بن أبي كبشة، إلى ملك الصين يدعوه للإسلام. وفي هذه الرواية الكثير من التناقض الذي يُضعفها ويوهنها. أما الرواية الثانية فذهبت إلى أن سعد بن أبى وقاص ذهب إلى الصين عام 637 ميلادية في خلافة عمر، برفقة ثلاثة من الصحابة، هم: حسان بن ثابت، وأويس بن أنيس القرني‎‎، وشخص يدعى سهيل أبو الرجاء.

فضلا عن ذلك هناك رواية ثالثة وردت في بعض المصادر التاريخية أرجعت دخول الإسلام إلى الصين سنة 651 ميلادية وتحديدا في خلافة عثمان عن  طريق البعثة التي أرسلها برئاسة سعد بن أبى وقاص، وأن إمبراطور الصين (تانغ قاو زو) استقبلهم في العاصمة الصينية آنذاك (تشانغ آن)، واستلم منهم هدايا الخليفة، وسمح لهم بالدعوة للإسلام وبناء مسجد.

وبعد هذا التاريخ توالت البعثات إلى الصين حتى بلغت أكثر من ثمانية وعشرين بعثة بين سنتي (31 ـ 184هـ /  651 ـ 800 م)، ومعها أخد الإسلام بالانتشار، لا عن طريق الغزوات والإكراه بل تأثرا بالخلق القويم الذي بدا عليه المسلمون الذين زاروا الصين وتعاملوا مع شعبها. وخلاف ذلك هناك روايات تؤكد أن الإسلام انتشر في الصين بواسطة أقوام غير عربية وأن أول وفد مسلم دخلها كان من مملكتي أنام وكمبوديا، ورواية ترى أن قبائل ويغور التركية هي التي أدخلت الإسلام للصين.

وحتى مع تعارض وتضارب هذه الروايات لا نجد قسرا أو إكراها تسبب في دخول بعض الصينيين إلى الإسلام، فدخولهم كان أمرا طبيعيا لا يثير الشبهات، وهذا يضعف موقف الحكومة الصينية التي ذكرت تقارير غربية ناقدة أنها تحتجز قسرا نحو مليوني شخص من أقلية الأويغور في معسكرات خاصة لغرض إعادة تأهيلهم وإجبارهم على التخلي عن ديانتهم.

يذكر أن أصول الأويغور تركية، وهم واحدة من ستة وخمسين عرقا وقومية يتكون منها شعب الصين. يتركز وجودهم في منطقة تركستان الشرقية ذات الحكم الذاتي على مساحة تعادل 1/6 مساحة الصين ويتواجد بعضهم بمناطق جنوب وسط الصين. وهم يدينون بالإسلام، منذ القدم؛ وهو الأمر الذي حاولت الصين نفيه  فيما عرف بالكتاب الأبيض الذي أصدره مكتب الإعلام لمجلس الدولة الصينية للدفاع عن الحزب الشيوعي الصيني، ونفي تهمة اضطهاد المسلمين، بقولهم: "الإسلام ليس نظاما أصليا ولا المعتقد الوحيد لشعب الأويغور".

وقد حاولت الصين إيهام المجتمع الدولي من خلال حديثها عن الحرية في إشارة وردت في الكتاب الأبيض الذي نشرت وكالة أنباء شينخوا الرسمية، ملخصا له بعنوان "مسائل تاريخية متعلقة بشينجيانغ"، بادعائها أن الإقليم يحترم حرية مواطنيه في إتباع أي دين يختارونه، أو عدم الإيمان بأي شيء، إن كان ذلك خيارهم أيضا.

وتعلل الصين ضغوطاتها ضد أقلية الأويغور بأنهم كانوا قد أسلموا عنوة دون إرادتهم، كما في قولها: "وأن الإسلام دخل إلى الصين بالقوة خلال الحروب الدينية التي دارت في القرن العاشر، والتي أنهت قرونا من الهيمنة البوذية ... ودخول الأويغور الإسلام لم يكن خيارا طوعيا من المواطنين العاديين، بل كان نتيجة حروب دينية وفرض من الطبقة الحاكمة"، وهي تعمل على تحريرهم من هذا القسر والإكراه!.

أما وزارة الخارجية الأميركية فقد أشارت إلى أن "بكين تواصل تصوير حملتها القمعية ضد الأويغور وغيرهم من المسلمين على أنها جهود مشروعة لمكافحة الإرهاب". بينما يرى الأويغور أنفسهم أن حملة الاضطهاد القسري ضدهم شكل من أشكال "الإبادة الثقافية"، ومحاولة لدمجهم في صفوف الحزب الشيوعي الصيني الذي ينتهج الإلحاد الشامل طريقا.

إن المعطيات الدلالية تكشف حقيقة ما يتعرض له المسلمون الصينيون الذين يكاد مصيرهم أن يكون مشابها لمصير أقلية الروهينغيا في ميانمار، مما يتوجب على البلاد الإسلامية أن تسعى إلى حماية المسلمين في العالم بدل أن يشغلوا أنفسهم في سجالات بينية فارغة أهلكت قواهم واستهلكت مصادر ثرواتهم.

إن الصين ترتكب جريمة تغيير المعتقد قسريا وتصادر حريات المسلمين وتمنعهم من لبس الثياب الشرعية، وقد نشرت صحيفة (تايوان نيوز) Taiwan News صورا تم التقاطها في منطقة سنجان الصينية التي تعيش فيها أقلية الأويغور المسلمة، ونشرتها على حسابات تويتر يظهر فيها رجال شرطة وأعضاء في الحزب الشيوعي يمسكون بالمقصات ويقومون بتقصير ملابس نساء الأويغور، حيث يبدو أن قيادات الحزب المحلية وجهاز الشرطة مصممون على تنفيذ التعليمات الحزبية حرفيا، بتقصير ملابس النساء، أو تقطيع الرداء بصورة يصبح معها غير صالح للاستخدام.

لقد جوز الحزب الشيوعي الصيني هذه الإجراءات اللاأخلاقية بحجة أن خطر التطرف الإسلامي يفرض مثل هذه الإجراءات الاستثنائية، ومن ضمن هذه الإجراءات منع نساء لأويغور من ارتداء الملابس الطويلة، بعد ان كانت قد منعت الزي التقليدي لرجال هذه الأقلية.

 

صالح الطائي

 

 

إن الهدف الأساسي من السياسة هو تحقيق مصالح الناس، وبناء منظومة إنسانية اجتماعية توازن بين الحقوق والواجبات. ووفق هذا المعنى، تكون السياسة وسيلة لا غاية .

والمشكلة الجذرية في المجتمعات المتخلفة أن السياسة فيها غاية بحد ذاتها،لذلك يتكرَّس معنى العنف والصدام والصراع على الكرسي، ومحاولة المحافظة عليه بأي ثمن .

وفي هذا المناخ الموبوء يظهر الطاغية (الحاكم)، ويتكرَّس وجوده باعتباره المركز الذي تدور حوله كل تفاصيل المجتمع، وتختفي الدولة شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى مرحلة " شِبه دولة "، وتنهار الطبيعة الإنسانية، فيتحوَّل المواطنون إلى أشباح مُدجَّنة لاهثة وراء رغيف الخبز، ورُبَّما لا تحصل عليه . ففي أشباه الدول لا شيء مضمونًا، بسبب غياب الحرية، وانهيار القيم الأخلاقية، وتحوُّل السياسة إلى لعبة للأغنياء المتحالفين مع رموز السُّلطة القمعية .

والطاغية _ في كل زمان ومكان _ في عداوة متبادلة مع الشعب . وسبب هذه العداوة أن الطاغية يعتبر الشعب متخلفًا وبدائيًّا وهمجيًّا وسفيهًا وجاهلًا، وبالتالي يجب الحَجْر عليه، لأن الشعب لا يستحق الحرية، ولا يفهم الديمقراطية . أي إن الشعب عاجز عن قيادة نفسه بنفسه، ولا يستطيع اختيار مَن يَحكمه، وهنا يبرز مفهوم الوصاية . فالطاغيةُ " العبقري " هو الوصيُّ على الشعب " الجاهل " والمسؤول عنه، كما أن الأب "العاقل" هو الوصي والمسؤول عن أطفاله الصغار "غير العاقلين" .

والشعبُ يعتبر الطاغية مجرمًا وسفَّاحًا ولصًّا، نهب ثروات البلاد، ودمَّر حياة الشعب، وفتح السجون للشرفاء والأحرار، وترك الفاسدين يعيثون في الأرض فسادًا، دون حساب ولا عقاب .

وهذه العلاقة الجدلية بين الطاغية والشعب شديدة الخطورة، لأنها تُحطِّم منظومة الولاء والانتماء، فيصبح الفرد باحثًا عن حاجاته اليومية ضمن دائرة الاستهلاك الخانقة، دون النظر إلى ماهية الوطن وأهمية الدفاع عنه، لأن الغريق يتعلق بحبال الهواء، ويبحث عن قشة لإنقاذه، وهذا يَمنعه من مُشاهدة بَر الأمان، أو التخطيط للحاضر والمستقبل . إذ إن البقاء على الحياة يصبح هو الهم الوحيد، والهدف الأسمى بحد ذاته . وانحصار التفكير في البقاء حيًّا هو حاجز يمنع من التفكير في صناعة الإنجازات في الحياة. وهكذا، يتم تدمير الفرد معنويًّا وماديًّا، فيتحوَّل إلى عنصر منبوذ بلا قيمة في المجتمع، وإذا شعر الفرد أن وجوده كعدمه، سيفقد إحساسه بالعناصر من حوله، ويخسر يقينه بالمستقبل المشرق . وعندئذٍ، يتكرَّس مبدأ " اللهم نفْسي " أو "أنا وليكن الطوفان مِن بَعْدي" . ومعَ اضمحلال الولاء في نفوس الأفراد، يتلاشى معنى الانتماء، وتحتفي حقيقته . وتظهر معاني النفاق والمديح الزائف . فالفردُ يُدرِك أنه لَن يحصل على أي شيء في وطنه إلا بمديح الحاكم، والتسبيح بحمده، والإشادة بإنجازات النظام السياسي الوهمية . ولا يخفى أن العنصر الفاعل في المجتمعات البدائية المتخلفة هو الولاء للحاكم، وليس الكفاءة . فلا يَهُم إذا كان الفرد عَالِمًا أو جاهلاً، المهم أن" يبصم بالعشرة " للحاكم وحاشيته، ويكيل لهم المديح ليلاً ونهارًا، على أمل الحصول على جزء يسير من الغنائم التي يجمعها الحاكم وعصابته .

إن الطاغية يعتبر السُّلطة مغنمًا، وينظر إلى " الدولة " باعتبارها شركة تجارية استثمارية، ومِلْكًا له ولعائلته وأتباعه. وهذه النظرة المنحرفة، تجعل الحاكم بالضرورة تاجرًا وسمسارًا، وعليه أن يجمع أكبر قَدْر من الأرباح، ويحصد أكبر كمية من الغنائم .

وهذا التفكير القاصر والقاتل، يُشكِّل خطرًا على الحاكم نفْسه، لأنه يلعب بالنار، ويُكثِّر عدد أعدائه والمتربِّصين بِه، ويُقلِّل عدد أصدقائه المخلصين. فالكثيرون يلتفون حوله لمنافع مادية، ومصالح شخصية، وليس حُبًّا له، أو عِشْقًا لسياسته الحكيمة وإنجازاته العظيمة . وهؤلاء هُم فئران السفينة، ومُستعدون للهرب منها في أيَّة لحظة، لأنهم يعتبرون السفينة مصدرًا لجني الأرباح والمكاسب، وليس وطنًا لهم . فهُم لا يشعرون بالولاء والانتماء إلى المكان الذي يعيشون فيه . تمامًا كالشخص الذي يستأجر شقة مفروشة، أو يحجز غرفة في فندق . إنه يعلم في قرارة نفْسه أن وجوده مُؤقَّت، لأنه لا ينتمي إلى المكان، ولا يشعر بالولاء له، بسبب غياب الروابط النفسية والأخلاقية والفكرية بينه وبين مكان وجوده .

والسياسة القمعية للسُّلطة الحاكمة هي بداية نهاية " الدولة "، إذ إن المواطنين الذين يُعانون من الفقر والجهل والحرمان والظلم، سيتحوَّلون إلى أعداء مُستترين للنظام الحاكم، ينتظرون لحظة الانقضاض، ويفكرون في كيفية الانتقام والثأر من هذا النظام الذي حرمهم من الحياة الكريمة . وهذا يعني أن النار مختفية تحت الرماد، ولا أحد يعرف متى تحين لحظة الانفجار، وكثرة الضغط تُولِّد الانفجار . وقد قِيل : لا تَدخل في مواجهة مع شخص ليس لديه ما يَخسره .

إن الخطيئة العُظمى التي سقط فيها الطاغية هي عدم تفريقه بين السيطرة والقيادة . فهو يعتقد _ بكل جهل وغرور واستكبار _ أن القبضة الحديدية وفتح السجون وتكميم الأفواه والاحتكام إلى الحديد والنار هو الحل الأمثل للسيطرة . وهذه نظرة قاصرة، لأن الاستبداد قد يضمن السيطرة لبعض الوقت،ولكنْ لا يَستطيع توفير الحماية على المدى الطويل بسبب كثرة الأعداء، وزيادة الأعباء الحياتية،وتفاقم المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن الاستبداد عائق أمام التقدم وصناعة الإنجازات . وأيُّ مليونير يستطيع أن يشتريَ طائرة بأمواله، ويحميَها بنفوذه وسُلطته، ولكنْ ليس أي شخص يقدر على قيادتها والطيران بها .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

(وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات)..الشورى25

جبل الانسان على الخطا والاستغفار، ومنذ بدء الخليقة ، عندما عصى ادم ربه واستغفر والى يومنا هذا والانسان يخطئ لانه بشر غير معصوم، ومادام يخطا ويتوب فان الله يتوب عليه ويعفو عنه ويبدل سيئاته حسنات، فيما يصر الانسان على العنف والعنت..

يروى ان جماعة من الناس شيوخ ورواة وكتبة وعامة قد احضروا امراة مخطئة الى المسيح وكانوا يعاملونها بكل قسوة، يضربونها  ويركلونها ليروا بماذا يحكم عليها، وكان في حكم شريعتهم ان المراة المخطئة ترجم حتى الموت، وقد ارادوا بذلك ان يختبروا المسيح ويحرجونه بان يشارك معهم في الرجم او ان يعترض على شريعتهم، جلس عيسى(ع) وبدا كانه يكتب شيئا باصبعه على الارض، ثم نهض وقال"من منكم بلا خطيئة فليرمها باول حجر" صعق المتجمهرون من هذه العبارةونظر كل واحد منهم الى الاخر ثم قال كل واحد منهم لنفسه "من منا بلاخطيئة"! سقطت الحجارة من ايديهم ثم بداوا بالانسحاب واحدا تلو الاخر ولم يبق الاهو والمراة فسالها "اما ادانك احد" فقالت "لا ياسيد" فقال لها "ولا انا ادينك، اذهبي بسلام ولاتخطئي ثانية".. لم يستطع احدا ان يرجمها لانهم لم يكونوا معصومين، بل كانوا اغلبهم -اذالم يكونوا جميعهم -مخطئين، وقد تصرف عيسى (ع) معها برافة لما راه من ظلم لانهم امسكوا بالمراة فقط وتركوا الرجل في حين ان الشريعة تقضي بمحاكمة الرجل والمراة دون تفريق ..

وقد اختلف الرواة عن شخصية هذه المراة وبعضهم خلط بينها وبين "مريم المجدلية" التي اخرج من جسدها سبعة شياطين واصبحت فيما بعد احدى تلامذته واتباعه وعرفت فيما بعد "القديسة"، وايا كانت شخصية المراة فقد كان حكم عيسى (ع) فيصلا وتعامل مع الموقف بكل حكمة، وصارت مقولته مثالاللرحمة والانسانية، لانه اصدر حكمه بعيدا عن التطرف والقسوة ولما عرف عنه انه كان متسامحا محبا للسلام، وهذا ماجاء به انبياء الله وكتبه وهو نشر العدل والسلام "قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا" وتلك رسالة النبي لارساء قواعد المحبة والرافة والتسامح والحث على التوبة النصوح قال الحبيب محمد (ص) "كل ابن ادم خطّاء وخير الخطائين التوابون"..

من هذه القصة الرائعة نستشف الامور التالية:

1- ان الخطا سمة من سمات الانسان ولايوجد انسان معصوم عن الخطا، وقد تعامل سيدنا عيسى بالعفو عن المراة لكي يقودها الى الهداية ومن ثم التوبة والاستغفار كي لايخسر فردا من المجتمع حتى وان كان مسيئا "الامن تاب وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما"..الفرقان20

2- قد يكون للنصيحة تاثيرا اقوى بكثير من العقاب الجسدي وذلك عن طريق انعاش بذور الخير وتزكيتها بالنفس البشرية وتنشيط الوازع الاخلاقي ليكون رادعا وصمام الامان وحارسا امينا من اهواء النفس"ونفس ماسواها فالهمها فجورها وتقواهاقد افلح من زكاها وقد خاب من دساها"..الشمس 7-9

3- قبل ان نصدرالاحكام جزافا بحق الاخرين علينا ان ننظر الى عيوبناواخطاؤنا اولا ونحاسب انفسنا قبل محاسبة الاخرين "اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم"..البقرة44

4- ليكن شعارنا بالحياة مبني على الرحمة والتسامح لم لا والله هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شئ، وان ننتبه الى افعالنا واقوالنا ونختار الاحسن منها"واما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا"..الاسراء28

5- ان رسالة الرسل والانبياء والكتب المنزلة انما جاءت لنشر السلام والمحبة والرحمة بين العالمين وعلينا الاقتداء بالسلف الصالح وهم الصفوة الاخيار الذين انتجبهم الله اذا كانت غايتنااعمار المجتمع بالخير والسلام"وما ارسلناك الارحمة للعالمين"..الانبياء107

 6- ان الانسان اذاارتكب خطا عن جهل اوقصد، عليه ان يتوب ويندم عن الخطا الذي ارتكبه والايصر على ذلك الذنب ويستغفر مادام هناك طريقا للخلاص وبابا للامل وهو التوبة، فان الله يعفو عنه بل ويفرح به"ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين"..البقرة222..

 

مريم لطفي

 

علي اسعد وطفة"الحكومات لا تريد شعبا يملك روحا ناقده، انها تريد عمالا مطيعين، تريد اشخاصا اذكياء فقط بما يكفي لتحريك الآلات، واغبياء بما يكفي لقبول الوضع الذي يعيشونه."..  جورج كارلين

تشكل التربية الأيديولوجية محورا أساسيا من محاور البحث في مجال العلوم التربوية والاجتماعية المعاصرة. وقد أخضع الباحثون هذه الظاهرة للدراسة والتحليل، وذلك للكشف عن المضامين الأيديولوجية في العملية التربوية ولاسيما في المؤسسات المدرسية. ولم تكن هذه المسألة في جوهرها حكرا على علماء الاجتماع، بل كانت محط أنظار المفكرين والباحثين من مختلف الفضاءات العلمية والفكرية وفي مختلف المراحل التاريخية المتعاقبة حيث نجد عددا كبيرا من الكتاب والمفكرين الذين كرسوا جهودهم لدراسة دور التربية في عملية التطويع الأيديولوجي للطلاب والمعلمين على حد سواء في مختلف المؤسسات المدرسية. وقد عمل فريق من المربين على توظيف التربية توظيفا إنسانيا وتوجيهها نحو التنوير الإنساني وجعلها أداة ووسيلة لتحقيق حرية الفرد والشعوب وصون الكرامة الإنسانية ويبرز هذا الاتجاه لدى كتاب ومنوري عصري النهضة والتنوير ولاسيما لدى مونتين ورابليه وروسو وكانط وديكارت وفيكتور هيغو وغيرهم من الكتاب ولمفكرين الذين تناولوا المسألة التربوية في عصرهم ووجهوهها توجيها إنسانيا.

وعلى خلاف هذا التوجه الإنساني، لقد بينت الدراسات والأبحاث في كثير من بقاع الأرض أن الحكومات والأنظمة السياسية التي أنشأت أنظمتها التربوية كانت دائما توظف الأنظمة التربوية في عملية الضبط الاجتماعي لتتطبيع الناشئة على أنظمتها الأيديولوجية من أجل المحافظة على سيطرتها وهيمنتها السياسية. والتاريخ يضج بالشواهد التربوية على فعالية هذه التوظيفات الأيديولوجية للدولة في مجال التربية وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى التربية النازية ألمانيا، والتربية الفاشية في إيطاليا، والتربية الماركسية الستالينية في الاتحاد السوفييتي، والتربية الصهيونية (الكوبيتز)، والتربية الشيوعية، ومن ثم التربية البعثية في سوريا والعراق، والتريبة الناصرية في مصر والتريبة الليبرالية في أوروبا وأمريكا ....الخ.

ومن المعروف تاريخياً أن هذه الأنظمة التربوية جعلت من التطبيع الأيديولوجي الهدف الأساسي والمركزي للعملية التربوية برمتها، وقدمته على الوظيفة المعرفية والعلمية للمؤسسات المدرسية. ومن النادر في حقيقة الأمر أن نجد نظاما تربويا في العالم المعاصر لا يولي للتطبيع الأيديولوجي في المدرسة أهمية وخصوصية والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى وتعدّ.

ففي فرنسا على سبيل المثال تبنت المدرسة شعارا ثلاثيا قوامه: العلمانية والمجانية والإلزامية وقد وظف هذا الشعار التربوي في ترسيخ مقومات الجمهورية الثالثة العلمانية ضد سلطة الكنيسة والملكية في آن واحد. فالرأسمال الإنساني يشكل عنصرا أساسيا من عناصر الإنتاج الرأسمالي ولذلك فإن الرأسماليون يعملون على دعم وتعزيز الأنظمة المدرسية العامة بالدرجة نفسها التي يحافظون فيها على مصالحهم الاقتصادية والطبقية.

فالأنظمة التعليمية المعاصرة تحاول تحقيق التوازن بين الأفكار الأساسية للتحرير الاجتماعي والفردي وبين ما تفرضه الدولة والمؤسسات الرأسمالية من أيديولوجيات وأنظمة فكرية. وفي هذا التوجه فإن النزعة الاقتصادية الحديثة في التربية تؤكد دفعة واحدة على أهمية الخبرات المعرفية (تراكم الرأسمال الإنساني) وعلى أهمية الجوانب النفسية والسلوكية، وتأسيسا على هذا التراكم للرأسمال الإنساني السلوكي والمعرفي يمكن بناء فهم واضح لأثر التربية في المجتمع.

يرى أصحاب النزعة الاقتصادية وفقا لنظريتهم في الاقتصاد الإنساني بأن تدخل الدولة في التعليم والتربية لا يمتلك على تبريرات واضحة المعالم. لأنه لو كانت عائدات التربية عائدات خاصة كليا فإن سوق العمل سيتفاعل مع تربية أو نظام تربوي فعال وهنا فإن الدولة تعزف عن التدخل. وإنه لمن المؤكد بأن الصعوبات المالية التي يعانيها الفقراء تمنعهم من الاستثمار في مجال الرأسمال الإنساني، فالنفقات المالية العالية للمدرسة تبرر عملية تدخل الدولة في مجال التعليم لتغطية النفقات وتمويل عملية التعليم لعامة الناس وذلك لأن الاستثمار الخاص لن يكون كافيا أبدا لضمان الرأسمال البشري الضروري في المجتمع. ومع ذلك يمكن للدولة أن تقدم مساعدات مالية مباشرة لذوي الأطفال والتلاميذ وأن تترك لهم حرية اختيار المدارس التي تناسبهم ومستوى التحصيل الذي يرغبون فيه.

تاريخيا يمكن الإشارة إلى أن التربية والتعليم على المدى الطويل كانت عملية تحتكرها المؤسسات الخاصة الدينية أو الطائفية، مثل: المدارس الكاثوليكية والمدارس الإسلامية، وبالتالي فإن عملية استبدال المدارس العامة بمدارس خاصة أدى إلى معارك سياسية حادة في مختلف البلدان.

فالدولة يمكنها وببساطة يمكنها أن تضمن تحويل رأس المال البشري في أنظمة تربوية لا تقوم هي بمراقبته بصورة مباشرة، فالدولة تقوم بوضع المعايير والأنظمة والقيم وتحدد هوية المعلمين وطبيعة الإدارة ونسب الطلاب وأعمارهم والسلم التعليمي وتوجهات العملية التربوية وتترك للمدرسة أن تقوم بدورها الطبيعي في عملية بناء رأس المال الإنساني الذي سيتوافق بالضرورة مع إرادة الدولة وتوجهاتها السياسية والأيديولوجية.

وفي نسق الفعاليات التربوية التي تقوم بها المدرسة يمكن التمييز بين المهارات المعرفية والمهارات السلوكية النفسية. وهنا فإن الدولة غالبا لا تهتم بالنتائج الاقتصادية للمدرسة بل بالتأثيرات الاجتماعية والأيديولوجية. حيث يترك للتنظيم الإداري للمدرسة أن يفعل فعله وبعد ذلك فإن الدولة تترك للمدارس الحرية في تزويد المعلمين بالإرشادات الضرورية لأداء عملهم بصورة فعالة على نحو تحقق فيه لتصوراتها الأيديولوجية مجالا حيويا للتشكل في وعي الطلبة والمعلمين في آن واحد.

ومن الواضح أن الدولة يمكنها أن تتدخل مباشرة في ترسيخ أيديولوجيتها وتوجيه الفعاليات المدرسية في اتجاه بناء التصورات والقيم الأيديولوجية المطلوبة، ولكنه يصعب عليها ضبط عملية التحويل الأيديولوجي التي تتعلق بعناصر غير قابلة للتحديد والتي يمكنها أن تندرج في البرامج المدرسية وفي عملية التعليم التي تتصف بطابع التعقيد وهي عناصر ترتبط بمشاعر الطلاب وقيم المعلمين. ولأن الدولة لا تقوم بمراقبة عملية التحويل الأيديولوجي في المدارس الخاصة فإن الآباء يختارون لأبنائهم المدارس التي تتوافق أيديولوجيا مع تطلعاتهم وميولهم الفكرية والأيديولوجية. وهذا الخيار يؤدي مع عملية التراكم عبر الزمن إلى نوع من التعدد الأيديولوجي في المجتمع. وهذا التعدد هو الذي يبرر للدولة تدخلها في ضبط النظام التعليمي من أجل المحافظة على التجانس الأيديولوجي في المجتمع. ومع ذلك نلاحظ واقعيا أن بعض الجماعات الدينية والعرقية تحظى في كثير من البلدان بحقوق إنشاء مدارسها الخاصة.

وباختصار وظفت التربية تاريخيا توظيفا أيديولوجيا وما زال الطابع الأيديولوجي يسم حياة المدرسة والمؤسسات التربوية التي لا تتجاوز خارج حدود وظيفتها المعرفية عملية التطبيع والأدلجة والترويض العقائدي الذي يصل إلى درجة الدوغماتية من أجل تأكيد الهيمنة السلطوية للأنظمة السياسية والفكرية السائدة في المجتمع.

وهذا ما تؤكده النظريات الاجتماعية المتواترة وهذا ما نجده عند علماء الاجتماع النقدي مثل باولو فرايري في كتابه تعليم المقهورين، وإيفان إليتش في كتابه مجتمع من غير مدرسة، وبيير بودون Boudon R في كتابه «تفاوت الحظوظ L’inégalité des chances زكتاب بيير بورديو واستابليه "معاودة الإنتاج :، وفي كتاب كل من بودلو Baudelot واستابليه Estabelet «المدرسة الرأسمالية في فرنسا L'école capitaliste en France الذي أخذ صدى عالميا حيث يتناول فيه الباحثان وضعية المدرسة الفرنسية بوصفها أداة أيديولوجية توظف في خدمة الطبقات الاجتماعية البرجوازية وتعمل على تعزيز هيمنة وسلطة هذه الطبقة على حساب الطبقات الاجتماعية الشعبية. وفي إطلالة خاطفة على الأوضاع الأيديولوجية في بلداننا اليوم نجد أن الأنظمة الأيديولوجية لا تتبنى أي اتجاه من الاتجاهات الفكرية مثل الليبرالية أو العلمانية بل تتبنى اتجاها واحدا هو التطبيع والترويض عبر التجهيل والقضاء على كل أشكال الوعي النقدي ويمكن أن تعبيرا عن هذه الصيغة في قول علي شريعتي "المعلمون في بلادي بؤساء، أتعرف لماذا؟ لأن حكامنا طغاة، والطغاة كانوا عبر التاريخ ضد تعليم الشعب مهما ادعوا، فالتعليم يعني الوعي، والوعي يدفع المواطن للمطالبه بالحقوق ومحاسبه الحكام." وهذا هو الأمر الذي يخشاه الحكام الطغاة، وتلك هي الحقيقة التي تفصح عن نفسها في كثير من البلدان العربية والنامية عبر ممارسات التجهيل والتدمير المنظم للعقل والعقلانية في مختلف الحقول المعرفية.

 

أ.د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

 

موضوع الأخلاق موضوع فلسفي ينتمي الى حقل في الفلسفة يسمى (فلسفة الاخلاق) تطمح هذه الفلسفة الى تقييم السلوك الإنساني على ضوء القواعد الأخلاقية السامية وهدفها هو وضع معايير للسلوك الإنساني القويم من أجل سمو الإنسان وإعزاز كرامته. حتى يصل الإنسان الى قناعة بأنه إنسان لنفسه.

وهذه محاولة في فهم الفرق بين اخلاق الخوف واخلاق القناعة حيث أسس الدين الأخلاق على الخوف من الله في ثنائية (الترهيب والترغيب) أو(الجنة والنار) مما أورث النفاق في نفوس معتنقيه لأن الخوف يجعلك تظهر خلاف ما تبطن خاصة إذا كان الفعل محبب إليك ولكن الدين يحرمه.

في الدين الخوف يحكم مجمل خيارات الفرد العبادية إنما يؤطر بالقداسة في مسعى نفاقي يخفي حقيقة الطمع المؤجل الذي يبتغيه الإنسان المتدين من الجنة والنعيم بينما اخلاق القناعة تنبع من صفاء روحك وسمو فكرك و تجعلك منسجما مع نفسك لا تفعل إلا ما كنت مقتنعا به وبذلك تحترم ذاتك وفعلك وتكون مسؤولا عنه مسؤولية اخلاقية كاملة أمام نفسك وأمام الآخرين.

الأخلاق في اللغة: الأخلاقُ جَمع خُلُق، وهو الطبع والسَّجية والدِّين، وتعني الأخلاق أيضاً حالٌ للنَّفْس رَاسِخَةٌ تَصدُرُ عنها أفْعالُ الخَير أو الشرٍّ مِن غير حاجةٍ إلى تُفكّر أو تمهّل، بل تصدر بناءً على ما يتلازم مع الطبع والعادة، وهي مجموعةُ من الصِّفاتِ البشريَّةِ والسُّلوكياتِ التي يمكن وصفها بالحُسنِ أو القُبْح.(1).

هذا هو التعريف اللغوي للأخلاق ورغم أنه يخلط بين المفاهيم المتباينة إلا أن المهم فيه هو: أن الاخلاق تصدر عن تلازم مع الطبع والعادة التي يتشربها الإنسان منذ طفولته من بيئته الاجتماعية التي نشأ فيها.

الأخلاق اصطلاحًا: عرَّف الجرجاني الخلق بأنَّه: (عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويَّة، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقًا سيئًا).(2).

وعرفه ابن مسكويه بقوله: (الخلق: حال للنفس، داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويَّة، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكًا مفرطًا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتمُّ ويحزن من أيسر شيء يناله. ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر، ثم يستمر أولًا فأولًا، حتى يصير ملكة وخلقًا).(3).

نستخلص من هذه التعاريف أن الاخلاق هي: سلوك نفسي تلقائي عفوي يمتزج بتطبيع اجتماعي وتربية اسرية وعن طريق التراكم بمرور الزمان ونفس المكان يتحول إلى طبع راسخ يصعب تغييره وقد يستحيل تبديله.

مفهوم الأخلاق في الفلسفة:

الأخلاق في الفلسفة هي: فهم معيارية (الخير والشر) من أجل التحكم في الأخلاق والارتقاء بها الى مستوى المبادئ الثابتة وتخليصها من المتغيرات في الواقع الاجتماعي.

وهنا تبرز عدة إشكاليات منها: هل أن الأخلاق واحدة في جوهرها لا تتجزأ وفي الواقع الاجتماعي متعددة بحسب المصالح الإنسانية المتصارعة دوما؟ وهل هذا الإقرار كفيل بتحديد طبيعتها ؟ وباي معيار وعلى أي أساس نقيم القيم الخلقية ؟

جوهر الإشكال أذن هو: موضوع واحد وأحكام مختلفة هذا يعني أن هناك اختلاف في تحديد قيمة القضية.

لنحدد معنى القيمة أولا:

القيمة في الاصل مصطلح اقتصادي يعني (الثمن) أو عوض المنفعة بين البائع والمشتري. وهي عموما تعني المبدأ والمرجعية الأخلاقية التي تستند إليها أفعالنا وسلوكنا بشكل عام. وتدرس القيم في مبحث نظرية القيم (الاكسيولوجيا Axiology) وهي أحد المحاور الرئيسية الثلاث في الفلسفة: مبحث (الوجود الانطولوجيا) ومبحث (المعرفة الأبستمولوجيا) ومبحث (القيم الاكسيولوجيا) والمراد به البحث في طبيعة القيم وأصنافها ومعاييرها وهي ثلاثة: الحق ويدرسه علم المنطق والخير ويدرسه علم الأخلاق والجمال ويدرسه علم الأستاطيقا (Aesthetics) وهذا الفرع من الفلسفة لم يكن معروفا حتى قام الفيلسوف الألماني ألكسندر جوتليب بومجارتن (1714–1762) في آخر كتابه (تأملات فلسفية) عن بعض المعلومات المتعلقة بماهية الشعر عام ( 1735) إذ قام بالتفريق بين علم الجمال وبقية المعارف الإنسانية وأطلق عليه لفظة الأستاطيقا (Aesthetics).

القيمة في اللغة:

القيمة واحدة القيم واصله الواو لأنه يقوم مقام الشيء يقال قومت السلعة والاستقامة الاعتـدال وقومـت الشيء فهـو قـويم أي مستقيم والقوام العدل قال تعالى: (وكان بين ذلك قواما).(1).

مما سبق يتبين ان مادة(قَ َو َم)استعملت في اللغة لعدة معان منها:

1- قيمة الشيء وثمنه. 2- الاستقامة والاعتدال.

3- نظام الامر وعماده. 4- الثبات والدوام والاستمرار.

القيمة في الاصطلاح:

هي مجموع من المعايير والأسس والصفات الأخلاقية التي يتميز بها الإنسان حصرا وتقوم وتتقوم بها حياته الاجتماعية وتتجسد بأقواله وأفعاله.

خصائص القيم:

تتميز القيم بعدة خصائص هي:

1- القيم ذاتية: بمعنى أنها تحتوي على عنصر مشترك بين جميع التقديرات المختلفة للقيم وهو (عنصر التقديري الشخصي) ومن هذا العنصر يدخل متغير السلب والإيجاب فما يكون سلبي في مجتمع يكون إيجابي في مجتمع آخر وما يكون مقبول عند شخص يكون مرفوض عند شخص آخر.

2- القيم إنسانية بامتياز: وهذا يعني أن الإنسان هو الكائن الوحيد الحامل للقيم.

3- القيم محددة للسلوك: ومعناه على ضوء ما يؤمن به الإنسان من قيم يكون سلوكه وطريقة عيشه في المجتمع.

4- القيم نسبية: أي انها تخضع لمتطلبات الزمان والمكان والحاجة والرغبة والإرادة والقوة والضعف أمام المصاعب وصروف الدهر.

5- شموليتها: أي أن الجميع – عامة الناس - ترغب بأن تكون صاحبة قيم معينة ويندر أن تجد إنسان بلا قيم.

القيم مصادرها وانواعها.

أولا: مصادر القيم:

1- الاساطير والمعتقدات الخرافية: لازال بعض المجتمعات خاصة في قارة آسيا وافريقيا يستمدون قيمهم من أساطير وخرافات موروثة عبر الأجيال أصبحت جزء لا يتجزأ من الوعي الجمعي وثقافات تلك المجتمعات التي لاتزال في مرحلة السحر ولم تصل بعد الى مرحلة الدين.

2- منظومة الأعراف والتقاليد والعادات: وهي في الاصل مجموعة من حلول مقترحة هدفها فك الصراع والنزاع الذي ينشب بين المجموعة البشرية- البدائية- بسبب التنازع على الأرض أو مصادر العيش وعبر التراكم التاريخي تترسخ في وعي الجماعة وتصبح في قوة القانون.

3- الدين: الدين مجموعة من القيم المقدسة الثابتة والمفاهيم الهلامية التي تطرح تصورا متعاليا للحياة عبر ربطها بأصول مقدسة غائبة غير خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان في نص مقدس منزل لا يمكن دحضه او مواجهته او محاكمته. وكل مجتمع يستمد منظومته القيمية عبر طريقين الاول ذاكرته الدينية والاجتماعية والثاني طريق التلاقح الحضاري مع سواه مثل المثاقفة والتأثر والتأثير واعادة استجلاء التراث الذي تحمله تبعا لمقومات مستوردة.

4- القانون: يمثل القانون آخر مرحلة من مراحل تطور الإنسان العقلي حيث يمثل قمة نضوج الوعي الجمعي بالنظام على وحدة المجتمع وهو عبارة عن: مجموعة من القواعد العامة المجردة الملزمة والتي تحكم سلوك الافراد داخل المجتمع ويترتب على مخلفتها جزاء توقعه السلطة العامة بالمخالف.

5- سمو الذات الفردية: هناك فئة من البشر موصوفون بالقلة في كل زمان ومكان تسمو نفوسهم على مستوى الصغائر والغرائز والانتماءات الضيقة فيتخذون من الإنسانية المجردة عن كل قيد أفقا للروح والجسد.

ثانيا: أنواع القيم:

1- القيم العرفية: هي مجموعة من الاعراف والعادات والتقاليد التي نشأت من خلال تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية والاجتماعية عبر الاستجابة للمتطلبات التي تفرضها هذه البيئة على الإنسان من أجل البقاء والاستمرار في العيش. مثل النخوة وإكرام الضيف عند بدو الصحراء فلولا هذا العرف لما سار أحد في الصحراء ونجا عندما ينفذ طعامه وشرابه.

2- القيم الدينية: هي عبارة عن وصايا الوحي وهي في اساسها تعاليم ارشادية فيها العام وفيها الخاص والغاية من تنفيذها هو رضا الله والطمع في جنته وثوابه كالإحسان والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الرؤية الدينية لكل دين لأن الأديان في النهاية لا تنظر بعين واحدة للإنسان بما هو إنسان بل على اساس ما يعتنق من دين فالهندوسي يعد كافرا في الإسلام لا يستحق السلام والعدل والرقة والشفقة فهذه مخصوصة بالمسلم فقط وكذلك اليهودي مغضوب عليه والنصارى ضالين والعكس بالعكس مما أدى الى الى تخصيص القيم الدينية بالإتباع فقط دون الناس كافة. مما يجعلني لا أعتقد بجوهرية (القيم الدينية) وإنما هي تعاليم مخصوصة بالاعتقاد الديني وهي فعلا لا ترقى الى مستوى القيم لأنها تفتقر الى الشمول والكلية.

3- القيم القانونية: للقانون قيمة اعتبارية في كل مجتمع متقدم راقي ومتحضر حيث تسود القيم القانونية في كل مناحي المجتمع يحترمها الافراد ويعتبرونها اس الحياة والاستقرار الأمني في حياتهم مما يؤدي الى الاستقرار النفسي والأمان العام الذي يتمتع به الفرد داخل المجتمع حيث تسهم في تنمية النفوس والعقول لأن القيم تدور مع المتغيرات والتطورات التي تحدث في بنية المجتمع أي أنها تنطلق في مسار حركة الزمان الاجتماعي فتساهم في النمو الحضاري والرقي والثراء والتقدم في المجتمع بأبعاده وأنساقه المتباينة.

هذ هو ما يصطلح على تسميته بضوابط السلوك الاجتماعي:

وهي:-

1- (الحرام) ويمثله الدين.

2- (العيب) ويمثله العرف.

3- (الممنوع) ويمثله القانون.

للحديث بقية.

***

سليم جواد الفهد

....................

1- "معنى أخلاق في معجم المعاني الجامع"

2- التعريفات، الجرجاني،ص101.

3- تهذيب الاخلاق، ابن مسكويه،ص41.

4- الصحاح في اللغة،ج2،ص102.

 

مجدي ابراهيمالوطنية المادية: حدود جغرافية ومعالم تاريخية في بقعة مكانية واحدة، يشترك أفرادها وجماعاتها في انتماء حضاري واحد وتراث ثقافي واحد، وإنْ تعدَّدت وجوه التناول له وأساليب الانتماء إليه. وإنها لكذلك (أي الوطنية المادية) قيود ترابية وأوهام بشرية لا معنى لها ما لم تزكيها الوطنية الروحية التي هى آفاق بعيدة ومديدة تسبح فيها أرواح البشر - لا أوهامهم !- لتجد في هذا الوطن العلوي عزاءً لها - كل العزاء - عما كانت فقدت من المعالم والحدود في الأوطان المادية.

أَلَاَ .. فلتكسر القيود صاعدة إلى أجواء الروح لتتغذى هنالك بــ "الطاقة الفاعلة"، حتى إذا ما عادت إلى أوطانها المادية، عادت ومعها الذخيرة الباقية من قوة لا مثيل لها ولا وجود في جوف التراب، ولا من صنع التراب، ولا من همم التراب -  فيما لو صّحَ أن تكون للتراب همم مجازاً لا حقيقة فيه - لتنطلق بعد العودة إلى تمزيق القيود وفك الأغلال واستقرار الأمان بعد طول الحيرة المنكوبة البالية وطول التشتت والانقسام.

لا معنى للوطن المادي إذا قيس بالوطن الروحي الذي تقطنه تلك النفوس الشاردة بغير هدف يحكمها ولا مأرب يصون كرامتها بين الأحياء؛ فإن هذا الوطن المادي وطن تسكنه الأجساد ويعترف بحق الجسد وحدوده ومتطلباته وبكل ما له من حقوق في هذه الحياة؛ فأنت تسكن وطنك الذي له انتمائك وعليه تحفظ هويتك، ولكنك قد تسكن هذا الوطن وتنْعَم بكل ما ينعم به أصحاب الأوطان، ومع ذلك فأنت أول الشاعرين بالغربة فيه، ولأنك لا تجد تفسيراً لذلك مهما جهدت نفسك في التأمل والبحث، فلا مناص -  من أجل هذا - من التسليم بأنها بالضرورة "غربة روح"، لا غربة جسد، غربة فكر، وضمير، وثقافة، وقيم، وتزكية اتجاه، وليست هى غربة أماكن وجدران ووجوه ومتاع وألفة أليفة بين الأشخاص والأنداد والقرناء.

ففي الوطن المادي قد تكون الغربة مألوفة فيما لو وَجَدَتْ الروح موطنها، واستقرت على النحو الذي تتآلف فيه الأرواح على الود والتواصل والمحبة والإخاء الروحي الذي تتآزر معه الروح في غير تنكر مع الآخرين. لكن الوطن الروحي هذا مفقود بالقياس إلى الوطن المادي؛ فليس أقْسى ولا أشق على نفس المواطن من أن تغترب روحه في وطنه الذي تربى على أرضه وانتمى إليه ورضع حتى الثمالة من ذلك الضرع النابت من طين بلاده، حتى إذا ما عزَّت عليه وطنية المادة، هجر الوطن المادي إلى حيث ملاذ الروح الأخير.

هنالك تجد الروح في هجرتها مأوى بعيداً عن الأوطان، بكل ما لهذه الأوطان من مفهوم مادي، وبكل ما لهذه الأوطان من تضييق على ألطف لطائف الإنسان: روُحه التي تكاد من لوعتها تختنق؛ فحين يجد الفرد في وطنه كل ضروب الفقر والفاقة وكل صنوف البؤس والشقاء ومقاساة الحرمان من أبسط حقوقه الوطنية: كرامته، يفرُّ هارباً من وطنه المادي إلى وطنه الروحي؛ فلا غربة مع الروح إذا هو وجدها، ولا نكوص أو تسليم يتغشى هذه الروح إذا هى عَرَفَتْ موطنها الأمين.

لكن الخطورة .. كل الخطورة: أن تشعر الروح هى كذلك بغربتها؛ فلا تجد لها مأوى ولا تعرف لها موطناً ولا مستقراً تستقر فيه كما يستقر الطالب لوطن يأوي إليه.

أظنُّه أبو حيان التوحيدي هو أول من قدَّم في تراثنا الفكري العربي الإسلامي في القرن الرابع الهجري من خلال كتاباته وأهمها كتابه:"الإشارات الإلهية" فكرة الغربة الروحية، حالة شعورية تضطرب في نفس صاحبها، حين عانى من ألوان الفقر والفاقة والبؤس والشقاء والحرمان ما عاناه في حياته، وحين رأى ارتياد الجهلة والتيوس لأعلى المناصب، لدرجة أنهم تقلدوا مناصب الوزارة في زمانه، وبقى هو رغم ذكاؤه الخارق في محيط النكران! فهو يقول في عبارات أخاذة بفيض العاطفة ودفقة الشعور الباطني:" قد قيل: الغريب من جفاه الحبيب. وأنا أقول: الغريب من واصله الحبيب، بل الغريب من تغافل عنه الرقيب، بل الغريب من حاباه الشرِّيب (أي النديم)، بل الغريب من نُودىَ من قريب، بل الغريب مَنْ هو في غربته غريب"..

ويتابع التوحيدي عباراته الصارخة بجذبة الروح نحو عالمها العلوي قائلاً:" بل الغريب من ليس له نسيب، بل الغريب من ليس له في الحق نصيب .. يا هذا! الغريبُ الذي لا اسم له فيُذكَر، ولا رسم له فيُشهر، ولا طيَّ له فينشر، ولا عذر له فيعذر، ولا ذنب له فيُغفر، ولا عيب له فيُستَر .. وأغربُ الغرباء من صار غريباً في وطنه، وأبعد البُعَدَاء من كان بعيداً في محل قُرْبه..." (أ.هـ).

صرخاتُ عميقة شاحبة تعزف على وتر القلق والتوتر ألحاناً سرمديَّة، فلا يستقر أنينها إلا حين تلتمس موطناً كُليَّاً عاماً روحياً، وإنْ كان صاحبها غريباً:" لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يتزعزع عن مهبِّ أنفاسه": غربة روحية في أوطان ماديِّة تُقلق الروح فلا تستقر في أجساها أبداً، بل تتململ، فلا تلوذ بغير ملاذها الأمين في قرارها الأخير.

" بل الغريب مَن هو في غُربته غريب"..!!

هذه غربة روح لا غربة جسد ..! هذه الغربة هى أولاً: شعور يستشعره الغريب الذي صارت الغربة نفسها في حقه غريبة عنه؛ ذلك لأنه أرتفع فوق معنى الغربة عن الوطن إلى معنى الغربة عن الغربة نفسها بعد أن صارت الغربة نفسها في حقه وطناً له. وهذا يؤذن بأنه في حركة متطورة ديناميكية مستمرة أو في حالة "عروج روحي" دائم؛ لأنه إنْ عاش "حالة" واستشعر كل معناها، أرتفع فوقها إلى مقام آخر؛ لأن الاقتصار هنا والتوقف يؤدي إلى الركود، والركود يؤدي إلى السكون، والركود السُّكوني هو والوطن المادي سواء.

ومن المتَوقَّع أن يصير الوطن المادي إلى سكون أو يصير الجسم الذي يسكن هذا الوطن المادي إلى ركود سكوني، لأنهما (الوطن المادي والجسم) في سكون بالفعل: سكون لا حركة فيه ولأن الوطن المادي لا يخضع لعوامل الحركة والفاعلية بمعناها الروحي المتطور؛ إذْ الروح هى التي تتحرك بداية ثم يجيء الجسم تابعاً لها في الحركة؛ وإذا ما تحركت الروح إلى حيث موطنها المقصود لم يعد الشعور بالغربة شيئاً ذا بال؛ لأنه في هذه الحالة سينتقل من الشعور المادي بالغربة إلى الشعور الروحي بها، فشعور الروح الذي لم يَعُدْ مقصوراً على الوطن المادي هو الذي يصبح أمراً ليس بذي شأن.

وهذه الغربة هى ثانياً: قد تستحيل بالفعل إلى استيطان، والاستيطان نوعُ من الوطن الثاني الذي يفوق الوطن الأول، لهذا كان على "التوحيدي" تعبيراً عن هذا الاغتراب، أن يعلو على الوطن الثاني وهو الغربة، فيصبح غريباً فيه، فيكون غريباً في الغربة نفسها.

فالغريب في الغربة نفسها غريب عن روحه، عن وطنه الكلي، عن حقيقته الأصليّة وهويته الحقيقية.

إنما التعبيرُ عن هذا المعنى، لمفهوم الغريب يكمن - كما يرى عبد الرحمن بدوي في مقدمة "الإشارات"، وفي تعليقاته على كلام التوحيدي هذا - في العلاء والتطور الديناميكي والحيوي، فالغريب هو الذي قد صار غريباً في وطنه، فاستحالت (أي تحوَّلت) معه الغربة إلى استيطان، وذلك هو أغرب الغرباء؛ لأنه بعيد في محلِّ قربه، فالغربة إنما تأتيه من باطنه، إذْ عليه أن يسلو عن الموجود، والموجود هنا يشمل كل شيء: الموجود بالمعنى المادي. والموجود بالمعنى الروحي. والموجود بالمعنى الميتافيزيقي.

يسلو عن الأول: بالزهد عن الحياة والعزوف عن الدنيا. ويسلو عن الثاني: بالعلاء المستمر في معراج التطور الروحي. وفي هذا المعنى الثاني يتجلى الطابع الحركي الديناميكي الذي يميز تحليل التوحيدي لهذه الأحوال الوجودية الممتازة الخاصَّة بالغريب.

ويسلو عن الثالث: أي المعنى "الميتافيزيقي"؛ عن طريق تأمل فكرة الفناء: الفناء الفردي على هيئة الموت للأحياء، والفناء العام على هيئة الانطواء للوجود الكلي في حضْن الوجود الواحد، الشامل، الوجود الكوني الذي يصل إليه بمعراج الروح.

والغريب بهذه المعاني عند التوحيدي كائن يعلوه الشحوب ويغلبه الحَزَن، فهو كما يقول عبد الرحمن بدوي، وذلك حين يخرج فكرة الغريب تخريجاً وجودياً بحتاً، أي النموذج الأعلى للوجوديِّ الحق. فهو "مَنْ إنْ حَضَرَ كان غائباً، وإنْ غاب كان حاضراً".

على أننا لا نجرى مجرى الدكتور بدوي في تخريجه لفكرة الغريب عند التوحيدي تخريجاً وجودياً محضاً وكفى، بل نجرى الفكرة هنا لتكون هُويِّة حقيقية بانتماء الكائن إلى أصله، إلى وجوده الروحي الكلىِّ العام، وهو وجود أصلى، باحثاً عن وطن شامل يضمُّه غير هذا الوطن المادي.

فلم يكن التوحيدي في تلك الصرخات المتوالية وجوديّاً فقط بمقدار ما كان يرمي إلى التخلص من الوطن المادي بكل علائقه وأغياره، وإلى التخلص من كل وطن مادي لا تجد الروح فيه مثواها الأخير: روحيتها، وحقيقتها الأصلية؛ لأن الروح الموصوفة بالتطور في الحركة، والتدرج في العروج إلى حيث بغيتها، وبغيتها معرفة حقيقتها الأصلية وموطنها الكلي، فلا تشعر مطلقاً بغربتها، لهى هى روح لا تبتغي الاستقرار الآمن في وطنها المادي، ولا حتى وطنها الروحي على السواء، وذلك لأنها تحيا حالة من"العروج" الدائب الواصب المستمر بغية اكتشاف حقيقتها الأصلية.

ومن شأن العروج وحده أن يجعلها في "توتر" دائم وفي ربكة جوَّانيَّة لكنها ربكة جُوَّانيِّة علوية أو بالتعبير النبوي يجعلها في حالة "غَيْن باطني". بيد أنه " غين أنوار" لا "غين أغيار"، ويلزم عن غين الأنوار "توتر"، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول:" إِنَّهُ ليغَانُ عَلَى قَلْبِي فَاسْتَغفر الله فِي اليَوم سَبْعِيَن مَرَّة"؛ أتراه يستغفره من "غين الأغيار"؟ لا والله، بل من "غين الأنوار". غين الأغيار: علائق مادية وكزازات نفسانية تستشعرها الروح على الدوام حين تغترب عن وطنها المادي. وغين الأنوار: علوي هو؛ فيه تتوتَّر الروح لأنها في حالة عروج دائم، لكنها وإنْ كانت تشعر على الدوام بغربتها، فلن يزول عنها شعور الغربة هذا ما بَقَيَتْ تحت وطأة الأجساد. وبفراق الجسد للروح تتحرر من حَبْسها فيه، فتتحرر تباعاً من الغربة؛ فإن الشعور هنا بالفناء يعطي الروح نوراً لترى ما لم تكن تراه وهى حبيسة في أخلاط الكثافة الظلمانية (= غين الأغيار بالتعبير النبوي): كثافة الأجساد التي كانت تعيق رؤيتها وتحيطها بالغشاوة والحجاب. هذا الذي أوجب رسول الله؛ صلوات ربي وسلامه عليه، منه الاستغفار لأمته. أما استغفاره هو؛ فمن "غين الأنوار" لا من "غين الأغيار"؛ لأن هيئته ليست كهيئة أحد غيره.

وإذا شئت فانظر في الحديث الشريف من أنه كان، صلوات الله وسلامه عليه، يواصل الصوم؛ فأراد أصحابه عليهم السلام أن يواصلوا مثلما كان يواصل، فشق عليهم مواصلة الصوم، فننهاهم عليه السلام أن يواصلوا، وقال قولته الشريفة:" إنِّي أبيتُ عند رَبِّي يطعمني ويسقيني". وفي معناه أيضاً:"إنَّ لي هيئةٌ ليْسَتْ كهيئتكم"؛ فمن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة لها استعداداتها التي لا تتساوى معها استعدادات أحد غيره، ولو كان هذا الغير من صحابته عليهم كرائم الرضوان، فهو يستغفر من غين الأنوار، وهو يواصل الصوم؛ لأنه يبيتُ عند ربه يطعمه ويسقيه، وليس من حق أحد في خصوصياته مع ربه - صلوات ربي وسلامه عليه - أن يستوي معه.

بالطبع؛ لم يكن مقصد التوحيدي هو هذا الذي عرضناه، وإنما الذي عرضناه هو تخريج فكرة التوحيدي في الغربة خلافاً للتخريج الذي أعتمده الدكتور بدوي: تخريجه كان وجودياً فلسفياً بحتاً، وتخريجنا صوفياً روحياً في الأساس. على أن المرء لم يفقد شعوره بالغربة إلا بالموت؛ فلئن كان الشعور بالغربة هنا "حالة من العروج الروحي"، فهو في الحقيقة شعور - مجرَّد شعور-  لم يتحقق إلا بالموت. هذا الذي من شأنه أن يقهر شعور الغربة كما يقهر كل شعور سواه، لكن الشاعر بغربته مادام على قيد الحياة يحيا "الحالات الروحيَّة" ويعيش شعورها النابض وحساسيتها المفرطة، ويتذوق ما فيها من صنوف القبض والبسط، والشدة والرخاء، والخوف والرجاء، والطمأنينة والاضطراب؛ فهو إلى الشعور بالغربة، وإلى العروج صعداً في منازلها، أقرب منه إلى الاستيطان في موطن يؤويه، حتى ولو كان هذا الموطن روحياً فضلاً عن كونه مادياً.

هذه هى الفكرة التي أردتُ أن أعرضها حين جعلت عنوانها:" نحو وطنية روحية"؛ قياساً على واقع الوطن العربي وتطبيقاً للرؤية الشاهدة عليه الآن: لنتخيل أنفسنا جميعاً ذلك الرجل الشاعر بالغربة، أبو حيان التوحيدي؛ فلا الوطن المادي يؤويه، ولا الوطن الروحي يجد لنفسه مكاناً فيه، ولننظر إلى واقعنا الراهن المسلوب أمام الأبصار التي ترى والآذان التي تسمع، ونحن في موقف الذلة والمهانة والنكوص والتردي والانبطاح، لا نقدر عن الدفاع عن أوطاننا المادية ولا نستجيب لنداء الوطن ولا لشعور الوطنية فينا، ثم إننا لسنا من هؤلاء الفارين من وطن إلى وطن، ولا من هؤلاء الذابِّين عن أوطاننا طمعاً في ملاذ سواها: هنالك في دنيا غير الدنيا وفي عالم غير العالم.

شعورنا الدائم بالغربة عن الوطنية المادية هو أحوج ما نكون إليه تعزيزاً للفرار منه إلى الوطنية الروحيّة، حتى إذا ما أكتمل لدينا شعور "الاستيطان الروحي" عدنا إليه ثانيةً أقوياء قُدَراء. ففي هذه الآونة ترانا نتخلى عن"الوطنية المادية" رغماً عنا، وعن إرادتنا؛ لأن هذه الإرادة مسلوبة منا شئنا أم أبينا. وما يحدث اليوم في فلسطين والعراق من الكتلة العربية، وما سيحدث غداً من زيادة التفكك العربي، يشهد على ذلك أكبر الشهادة؛ فالشعور الدائم بالغربة إزاء ما يحدث لا يعالجه فقط العتاد المادي ولا الوسيلة الكلامية، ولكن أيضاً يعالجه "العمل" الذي تذكو فيه رائحة"الاستيطان الروحي"؛ كيما نبحث عن أرواحنا داخل أجسادنا علنا نجدها يوماً مع شدة الفقدان.

صحيح أننا ندافع بقدر المستطاع عمَّا هو مسلوب منهوب مستباح للآخرين من أوطاننا ومواردها، وبلادنا وخيراتها، وقيمنا وحضورها فينا، ومبادئنا وكرامتها، ولكننا مع هذا ندافع غير أنه دفاع المنكسر الذليل، ذلك الذي لا يجد مفراً من الدفاع يُسَاق إليه مُكرَهاً على غير إرادة منه وعلى غير اختيار. لكنه يدافع .. وشتان بين دفاع القوى المريد ودفاع المهين الذليل .. شتان!

دفاع الذلة والمهانة إنما هو دفاع العجز والغربة وشعور الذات في باطنها بالاغتراب. ودفاع القوة والإرادة إنما هو دفاع القوة الباطنة تمليها حيوية الروح وشعورها الدائم بأنها وجدت موطناً تأوي إليه إلى حيث يستقر الروح فيها قرارها الأخير ولو على سبيل الشهادة. إنما الغربة للروح في عجزها وضيمها وقلة حيلتها؛ فلم تعد تجد "الوطن الروحي" بعد أن سلبها الناس ذلك الوطن المادي، ففقدت الاثنين معاً أو كادت. فإذا هى تعزَّت؛ وفي العزاء سلوان، قالت: إذا كنتم سلبتم عنا أوطاننا المادية فنحن فيها غرباء أو نكاد، فلن تستطيعوا قيد أنملة أن تسلبوا عنا أوطاننا الروحية التي هى ملاذنا الأخير، ليس لنا غيرها نعتدُّ بها ونأوي إليها وننقاد!

لكنما هذا العزاء إذْ كان عزاء العاجز الضعيف، لا يشفي غُلّة الشوق نحو "الوجد" بعد "الفقد"، ولا هو يكون عزاءً على الحقيقة ما لم يصحبه بناء للإرادة: أعني الإرادة الفردية الخاصة، ثم إرادة المجموع على التعميم، ومن الإرادة تجيء القوة، ومن القوة النصر المؤزر الذي يُشفي الغُلّة ويطفئ سعر الاغتراب شعوراً لدى مَنْ فَقَدَ الوطن وهانت عليه ألوان المتاع - كل المتاع - لكنه لم يفقد مطلقاً ذلك "الوطن" الذي تأوي إليه روحه فتستريح، ويسكن إليه قلبه فيجود ويطيب؛ إذْ تغمره الإيمان ثقة بالله في أنه منصورٌ لو أراد، ثم يخلد إليه ضميره فيعلوا على قطيع الجماعات ويعرج بروحه صعداً في طراز فريد يعلو على أوهام الناس من هنا ومن هناك، ليقدِّم البقية الباقية قرباناً إلى خالقه، حين يؤمن بأن الدفاع عن "الوطن" من أخص خصائص الإيمان بالله.

وتبقى الوطنية الروحية بعد ذلك من أجَلِّ الأفكار وأرشدها إلى تقدير الأمم الأخرى: ثقافتها وحضارتها واتجاهات التفكير فيها وإشاعة السلام فيما بينها وانتشار التسامح بين أبنائها؛ وذلك لأن هذه "الروحيّة" ليست ملكاً لأحد - كائناً ما كان - ولا هى مقصورة على شعب دون شعب، ولا أمة دون أمة، ولا عقيدة دون عقيدة، ولكنها ملك الإنسان في كل زمان ومكان؛ لأنها "ذوْق" رفيع مشترك بين جميع الأمم والحضارات والثقافات. غير أن هنالك "مضمون" يحكمها تستقر عليه، وإني لأعني "بالمضمون" هو ذلك التراث الثقافي والحضاري الخاص بالمصدر الداخلي الذي تستقي منه جماعات بشرية معينة مواردها الثقافية والروحيّة بعيداً عن الأفكار المنقولة والآراء المستوردة من ثقافات الآخرين؛ فما يُقال عن مضمون الثقافات اليونانية والأوربية مثلاً ليس هو ما يُقَال عن "مضمون" الثقافات الإسلامية، ولكن يبقى الذَوْق المشترك في توجهات الروح الإنساني، لو أننا قطعنا النظر بعيداً عن "المضمون"، ونظرنا فقط إلى "الروح الإنساني العام"، إذْ ليس من مصلحة الإنسان بصفة عامة أن يصرف النظر عن تلك "الروح العامة"، فينقطع بتلك النظرة القاصرة مثل هذا التحاور البناء الذي يخدم الإنسانية ثم يتفشى للأسف مع الانقطاع كل عامل هادم للإنسانية. ويكفى أن نتذكر دعائم "الإرهاب" من أين جاءت؟!

ويكفي أن نرى الآن صراعاً دائماً تعزِّزه المصالح لا ينقطع بين الإمبراطورية الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبعض دول العالم في الشرق والغرب من جهة أخرى، أو إنْ شئت قلت: صراعاً تفرزه علاقات الغرب بمنطقة الشرق الأوسط على وجه العموم؛ فلم يكن هذا الصراع المنشوب دوماً إلا لسقوط القيم وغيابها عن واقعنا الفعلي سياسياً كان أو ثقافياً أو ما شئت أن تضيف من واقعات الحياة الفعلية، وإلا لإهمال تلك "الوطنية الرُّوحيّة" التي لا قرار لها إلا "الروح الإنساني العام" . يكفي أننا نطلب التسامح والسلام والتواد والوئام والمحبة وعدم تحقير الآخرين والتعاون معهم ومحبتهم ... نطلب ذلك كله من هذه الفكرة العالمية التي تخدم روح الفردية في هذا الوجود فضلاً عن خدمتها لروح الجماعة البشرية، وتنعكس بالإيجاب عموماً على مصلحة الإنسان.

وعليه؛ فالذين يطالبون بتحقيق السلام على أرض الواقع وإشاعة التسامح بين أبناء العالمين، هم أكثر الناس إنسانية، وأشدَّهم محبة للآخرين، وأقواهم في الحقيقة على التفاهم، وأقدرهم على إقامة حوار هادف بناء.

 

د. مجدي إبراهيم

 

عبد الحسين شعبانأثار كتاب حنة أرندت «آيخمان في القدس.. تقرير حول تفاهة الشر» ردود فعل حادة وغير عقلانية وعنيفة ضد الكاتبة والكتاب، وذلك منذ صدوره قبل نحو ستة عقود من الزمان، لكن الجدل بأبعاده القانونية والسياسية والأخلاقية ما يزال قائماً ومستمراً.

الكتاب يتعلق بمحاكمة النازي آيخمان الذي اختطفته «إسرائيل» في العام 1960 من الأرجنتين بمخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة، لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة وجرائم حرب خلال الحرب العالمية الثانية، ولاسيما مساهمته في المذابح ضد اليهود، وهو ما عُرف ب«المحرقة اليهودية».

وكان آيخمان قد اختفى عن الأنظار وعاش في عزلة كاملة بعد أن فرّ إلى الأرجنتين عقب انتحار هتلر، ولكن الموساد «الإسرائيلي» توصّل إليه بعد 15 عاماً، وقام باختطافه بإشراف مدير الموساد آنذاك إيسار هرئيل.

وقد حاول الصهاينة أن «يبثّوا» هذا الخبر «المفرح» عبر محطة الإذاعة «الإسرائيلية»، بعد أن اقتربت الطائرة لتحط في مطار بن جوريون، وجاء فيه أن جلاد الشعب «الإسرائيلي» آيخمان سيكون في قبضة العدالة وتتم محاكمته في «إسرائيل» لينال جزاءه العادل.

ولعل السبب الحقيقي لمهاجمة أرندت، هو قولها إن الصهيونية تجاوزت الظروف التي انبثقت منها، وهي تغامر بالتحوّل إلى «شبح حي وسط أنقاض زمننا المعاصر»، بالمقارنة مع قوميات القرن التاسع عشر، علماً بأن أرندت هي نفسها كانت من أتباع الزعيم الصهيوني الألماني كيرت منفيلد «منظر الصهيونية الما بعد اندماجية»، الذي دعا إلى مساومة تاريخية مع الفلسطينيين من خلال رسم الحدود، بتأسيس دولة مشتركة علمانية مزدوجة القومية.

وقد استشرفت أرندت صعود تيار شعبوي ديني متشدّد بين «الإسرائيليين»، الأمر الذي لا بدّ من مشاركة الفلسطينيين.

أما «تفاهة الشر» في نظر أرندت، فتعود لعدم إيمانها بالنظريات الشمولية والممارسات الاستبدادية، والشر وفقاً لها لا يحتاج إلى «وحوش شيطانية؛ بل إلى ما هو أخطر وأدهى.. الحمقى والأغبياء».

لقد شعرت أرندت بواجبها كصحفية وأكاديمية وناقدة اجتماعية ولاجئة وشاهدة وناجية من المحرقة، أن تدوّن شهادتها في محاكمة آيخمان «الجزار النازي»، وهكذا أقنعت مؤسسة روكفلر بتغطية المحاكمة، وقد صوّرت آيخمان كمجرم بيروقراطي «مجتهد» وتافه في آن، بقدر ما هو إنسان عادي وشخصية لا طعم لها، وهو أشبه «بشبح داخل سائل روحاني» أكثر منه شرير، بقدر ما هو مخيف ومروّع، واستندت إلى عجزه عن التفكير والكلام المتماسك داخل المحكمة، وهو لم يجسّد الكره أو الجنون أو التعطش المتوثب للدم؛ بل شيئاً أسوأ بكثير، حيث جسّد الطبقية المتخفية للشر النازي داخل نظام مغلق تديره مجموعة من المجرمين المرضى، ويهدف إلى نزع الشخصية الإنسانية عن ضحاياه.

وتعتقد أرندت أن الشر فقد طبيعته المميّزة التي عرفها الناس، وذلك حين أعاد النازيون تعريفه «كقيمة مدنية جديدة»، وضمن هذا العالم المقلوب بدا أن آيخمان لم يكن واعياً لارتكابه أي شر، مثله مثل أي شرير يعتقد أن ما يقوم به هو عين الصواب، خصوصاً بتخريب أسس القوانين الأخلاقية، وهكذا كان آيخمان طموحاً ومتشوقاً إلى الترقي في السلم الوظيفي.. فلم يبد أي تفكير متميّز يختص به؛ بل كانت «تفاهته» هي المعبر الذي أهلّه ليصبح واحداً من أعظم المجرمين في العالم، ومثل هذا الاستنتاج الذي توصلت إليه ينطبق على جميع الأنظمة الشمولية «التوتاليتارية».

لقد اعتبرت أرندت المحكمة سياسية نظمها بن جوريون للبرهنة على أن المحرقة أكبر مجزرة لا سامية في التاريخ، فالذين يرتكبون الجرائم ليسوا بالضرورة وحوشاً أو شياطين، مع ملاحظة انتقادية للمجالس اليهودية التي لم تُبدِ التنبّه الكافي لمواجهة المخطط النازي، وقد ظنوا أنهم يخدمون مصالح اليهود، وانتهى بهم الأمر إلى تسهيل مهمة النازيين في إبادة أكبر عدد من اليهود بأقل جهد إداري وأقل كلفة ممكنة، في حين كان عليهم نُصح الضحايا بالهروب والاختفاء، وليس تسليم أنفسهم لآلة الذبح.

ولعل مثل هذا الاستنتاج المهم تناوله أيغون ردليخ في يومياته التي قمنا بإعدادها وترجمتها من الأصل التشيكي بعنوان: «مذكرات صهيوني» (1985)، والذي يكشف بشكل مباشر وغير مباشر أن هناك تواطؤاً بين القيادات الصهيونية، بما فيها منظمة «مكاباي هاكير» وبين النازية، وهو ما عكسته المذكرات في معسكر أوشفيتز البولوني (1940-1944)، والتي عثر عليها في سقف أحد البيوت الحجرية في مدينة غودوالدوف التشيكية بعد 23 عاماً من إعدام ردليخ نفسه، ومثل هذه الاتهامات راجت حول تواطؤ زعماء المجالس اليهودية مع المخططات النازية في «إسرائيل» ذاتها وفي خارجها، حتى قبل صدور كتاب أرندت.

لقد كانت تلك الأسئلة صادمة ومحرجة للقيادات الصهيونية التي ساومت على حساب الضحايا الأبرياء الذين أرسلوا إلى أفران الموت مقابل إرسال بضع عشرات أو مئات من المتموّلين والقيادات الصهيونية إلى فلسطين، وهو الأمر الذي يكشف الأساليب غير الأخلاقية التي مارستها الصهيونية خلال الاحتلال النازي، ودورها المتواطئ في المحرقة اليهودية.

 

عبد الحسين شعبان

 

معراج احمد الندويإن المجتمع هو عبارة عن مجموعة من الناس يعيشون في رقعة جغرافية محددة بصفة دائمة أو شبه دائمة مع قيام العلاقات الإنسانية بينهم، وتبادل المنافع مع وجود قنوات الاتصال من حوار ونقاش واقتراب ومعايشة ومشاركة مع احترام البعض للبعض الآخر واحترام العادات والتقاليد والأعراف الإنسانية، والتأثير والتأثر بين أفراد المجتمع وما ينشأ بينهم من الظواهر الاجتماعية الإيجابية والسلبية على الأفراد والسلام الاجتماعي.

لقد اهتمّ القرآن الكريم إهتماماً بالغاً وملموساً بدراسة طبيعة السلوك البشري وبناء الجماعة الإنسانية وحركة المجتمع وتقدمه أو انهياره، وقدم من التحليلات والمواقف والرؤى ما يكفي لبناء قاعدة خاصة متينة لرؤية اجتماعية متميزة. تحدث القرآن الكريم عن قيام المجتمع البشري ونشوئه في الآية 30 من سورة البقرة والتي تقول: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً)، والآية إخبار عن قضيتين هما: عناصر المجتمع البشري من جهة، وموقع الإنسان باعتباره أحد هذه العناصر في الأرض من جهة ثانية.

العناصر الهامة للمجتمع البشري:

العنصر الأوّل في تكوين المجتمع البشري، حسب الآية القرآنية الكريمة، هو الإنسان نفسه. فلا نستطيع التحدث عن مجتمع بشري دون البشر.

العنصر الثاني هو الأرض، التي تعيش عليها المجموعة البشرية المعينة لتكوين المجتمع البشري. أما العنصر الثالث فهو "العلاقة المعنوية: وهذا المصطلح من ابتكارات السيد محمّد باقر الصدر التي تربط بين الإنسان والأرض أو الطبيعة من جهة وبين الإنسان وأخيه الإنسان من جهة ثانية. وهذه العلاقة المزدوجة هي العنصر الحاسم في قيام المجتمع البشري، لأن وجود بشر متفرقين لا تربطهم علاقة مستقرة في ما بينهم، من جهة وفي ما بينهم وبين الأرض من جهة ثانية، لا يؤدي إلى قيام مجتمع. وقد نضطر إلى استخدام مفردات أخرى لوصف مثل هذا الوجود البشري، مثل: الجمهرة أو التجمع أو غيرها. أما كلمة مجتمع فيدخل في بنائها بشكل أساسي "العلاقة المعنوية" باعتبارها العنصر الثالث من عناصر تكوّن المجتمع البشري.

من أجل بناء المجتمع بناءً صالحاً كان لابدّ من بناء الإنسان وتربيته ليلعب دوره الإيجابي في المجتمع، ولابدّ من توفير الأرض الطيبة التي تمد هذا الإنسان بعناصر البقاء والديمومة، ولابدّ من تحقيق الصيغة المثلى للعلاقة المعنوية المزدوجة بين العنصرين الأوليين.

قد وجدنا أنّ القرآن الكريم أكثر من الحديث عن الإنسان، خلقاً وإيجاداً ومصيراً وطبيعة. تحدث القرآن عن القواعد والقوانين التي تؤثر على سلوك الإنسان، وسنن تغيير هذا السلوك، على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي.  قد تكون العلاقة المعنوية على مستوين.

المستوى الطبيعي: أي العلاقات بين الناس من جهة، والطبيعة من جهة ثانية. وفي إطار هذه العلاقة تلعب الطبيعة دورها باعتبارها أحد عناصر تكون المجتمع. والحضارة الإنسانية هي، في نهاية المطاف محصلة التفاعل بين الإنسان والطبيعة، كما قلنا قبل قليل.

2- المستوى الإنساني: وهذه هي "العلاقات الاجتماعية" التي يحتل الإنسان طرفيها.إن الإنسانية هي القاسم الأعظم المشترك بين البشر وتوفير أسباب الأمن النفسي والسلام الاجتماعي مسئولية الجميع لأن بذلك يستطيع كل فرد أو جماعة من الجماعات البشرية أن تحقق غايتها وأهدافها الدنوية.

إن الإسلام هو الدين الوحيد في تاسيس الأمن والسلام في العالم. يقوم الإسلام على نظرية اجتماعية واسعة ويبين أن أفراد البشرية كلهم على وجه الأرض من سلالة واحدة. فالأية القرآنية تدل على هذه الحقيقة" يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم".[1] ويستهدف نشر التعاون والتضامن بين الناس جميعا ولا يتميز بين جنس وجنس. ولايفرق القرآن الكريم بين إنسان وإنسان بل إنما يرشد الإنسان إلى الاحترام فيما بينهم وأن يحب له ما يحب لنفسه من ود ووئام واحترام، فيقول سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".[2] ففي ضوء القرآن التقوى معيار للفضل والكرامة، والتقوى يتمثل في حياة مثالية نافعة تجود بالخير الكثير ولاتُخلق لأحد ضرا ولامشكلة، والقرآن يقضي على التفاخر القبلي واللوني واللغوي ويمنع من كل شيئ لاينبني على الخير والتقوى والإنسانية، ويعد القرآن الكريم اختلاف الألسن والألوان من رحمة الله وآياته، فيقول: "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين".[3] فإن هذه الآيات وأمثالها بظاهرها تدل على أن الإسلام يفرض نفسه على الآخرين وأنه لايسمح بأي اختلاف في الفكر والدين فلا سبيل إلا التعايش والسلم والأخوة العالمية.

وهناك جهود كثيرة متواصلة لهذه الأخوة العالمية وذلك عن طريق تقريب مختلف الديانات إلى الأخرى وذلك بالتنازل عن بعض التعاليم والتركيز على بعض منها وهذا هدف لايمكن تحقيقه بالمنهج الذي يتراءى في بادئ الأمر منهجا نافعا. لأن الإنسان مهما تحرر من قيود دينه إنه يحب دينه بجزئه أوكله وبهذا الطلب للتنازل والتركيز سندفع الرجل إلى أن يذهب إلى ما لايميل إليه قلبه وذهنه وحينئذ سيحدث فيه نزعات من النفاق فيظهر ما لايبطن ويبطن ما لايظهر، وهذا الطراز النفاقي لايتمخض إلا عن نتائج لايرضاها أحد منا.

فتتجلى أهمية منهج القرآن الكريم لتكوين الأخوة العالمية وترسيخها في أذهان الناس وقلوبهم ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما جبل عليه الإنسان من تشاجر وتفاخر وتباغض في قوله عز وجل: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا".[4] ولذا يدعو القرآن الكريم النوع البشري إلى الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والأخوة العالمية التي لاتكاد تتحقق بدون هذا الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، والقرآن الكريم يؤكد هذه الوجهة القائمة على الوسطية والاعتدال والحكمة العميقة التي تهدي إلى الخير والسعادة بقوله عز وجل: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون".[5] يذكر الإسلام أن الناس خلقوا من نفس واحدة، وليس فيهم فضل لعربي على عجمي ولا على أبيض  من أسود، ولا على أرفع على أسفل إلا بتقوى الله تعالى.

لقد رفع القرآن الكريم من مكانة الإنسا بغض النظرعن الجنس أو اللون الالعرق الدين. فوردت كلمة الإنسان في القرآنم الكريم 63 مرة، وكلمة الناس تكررت 240 مرة، ولا خلاف في أن بني آدم أفضل من كل المخلوقات، والأصل فيه نصوص شرعية ولعل من أوضحج الآيات في هذه المجال قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضالناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".[6]

ن الإسلام دعا إلى وحدة  البشر وأعلن الإخوة الإسلامية بينهم. وأن الناس جميعا ولدوا من أب واحد وأم واحدة، انهم  سواسية لا فرق بينهم لا في اللون ولا في العرق ولا في البلد. وكذلك دعا الإسلام إلا نبذ العصب العرقي أو الديني أو الطائفي ولذلك كان دينا عالميا ليس مغلقا على شعب من الشعوب أو على زمن  من الأزمان .

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي - الهند

........................

[1] القرأن- سورة  الحجرات رقم الآية 13

[2] القرأن- سورة  الحجرات رقم الآية 13

[3] القرآن، الروم: 22

[4] القرآن، الحج: 40

[5] القرآن، البقرة: 62

[6] سورة الإسراء، رقم الآية 70

 

الحاجات والضرورات والغايات والاهداف

مهدي الصافيالتاريخ والاسطورة

الانبياء والرسل والشرائع السماوية

الخلق والتكوين

الاديان السماوية تطبيقاتها ارضية، اي نزلت مقدسة، وترك امرها للناس، اي لو لم يكن هناك اديان وانبياء ورسل، هل سيعرف الناس الحق من الباطل بمرور الزمن، بالطبع يمكن ان يتم ذلك، لكن الاديان اختصرت الطريق امام البشر، عبر دعوتها للايمان بالله عزوجل وانبياء ورسله...

تغير الشرائع السماوية من دين او نبي الى دين اخر، دليل على ان الله عزوجل اراد تعليم البشر علاقة التشريع (الدستور او القانون) بالظروف والبيئة وطبيعة المجتمعات، ومستوى ثقافتها او معارفها، فهي لم تأتي لتنظيم علاقة مباشرة بين الخالق والبشر، انما لتنظيم الحياة البشرية الاجتماعية، فالجانب العقائدي فيها او الايماني هو عبادة الله عزوجل عبر ادوات العقل والعلم والمنطق اي بالتفكر، ولهذا فأن الحضارة التي فهمت الدين ابدعت في مجال المعرفة والاكتشافات العلمية، اما من فهم الدين قداسة ورهبنة وانقطاع تام لله عزوجل (الله من وجهة نظرهم الذي توضع قبله مقدمات عديدة)، وفقا لما يقدم للناس من دين اخر عبر افكارهم واجتهاداتهم واراءهم، تركت تلك المجتمعات القابعة تحت هذه الموروثات.في حالة من التيه والانفصام والاضطراب، وكأن بلدانهم ومدنهم قرى بائسة غارقة في الجهل والتخلق، لاترقى لمستوى دولة، تخضع دائما لسيطرة الامم المتحضرة العظيمة، لانها اي شعوب هذه القرى جاثمة على ثروات باطن الارض الهائلة، لكنها منشغلة بالفتن والصراعات الطائفية والعرقية او الاثنية، وهي غاية الامم او الامبراطوريات-القوى الامبريالية...

فلسفة الاديان لاتأتي عبر البحث والدراسة الاكاديمية او التراثية فحسب، لانها لابد ان تكون نتاج الفهم والادراك والتفكر والتنظير الحديث لها، باستيعاب مجموعة متكاملة من المفاهيم والقيم والنتاجات او المعارف البشرية (تاريخ-حضارة-الاسطورة-الحضارة التكنولوجية والعلمية-الاديان-الطوائف والفرق والجماعات، الخ).

تاريخ الاديان وثقافات الامم والشعوب تؤكد من ان المجتمعات الدينية لايمكنها التخلي عن الطقوس والشعائر والعبادات المجسدة بالطرق او الممارسات او الافعال والتصرفات والشخوص العقائدية او التعبدية (حتى مع تعارضها مع جوهر الاديان او الكتب السماوية)، وهذا يعني ان الاسطورة والخرافة اصبحت جزءا من الاديان، او لعلها تعد احد اسس او اركان الاديان (الارضية)، التي لايمكن فصلها او اعتبارها ارث بشري غير مرتبط بالخالق عزوجل وارادته والاديان السماوية، لحالة التداخل والتشابك التاريخي بينها...

ليس هناك اديان للشجر والحجر والنهر والبحر والكائنات الحية الاخرى.. ولكن هي حتما تعمل بأنظمة وقوانين واسباب الهية، يطلق عليها غالبا فطرة الخلق والتكوين، بينما كان هاجس البشرية منذ القدم وبداية تشكل القرى والاقوام والامم والمدن والحضارات هو تشريع القوانين والانظمة او العادات والتقاليد..تصور ان هذه الارض قبل الاف السنين كانت شبه ارض قاحلة فارغة ومخيفة جدا...اذ لم يكن للعلم والمعرفة اي دور في تكوين هذه الامم، المنشغلة بتشييد الابنية الملكية العبادية العالية، كما اشارت اليها الحفريات والاثار المكتشفة

 (التي يبدوا انه كانت عبارة عن تحد لظروف الطبيعة المتغيرة من فيضانات وبراكين ورياح وعواصف مدمرة، اضافة الى حب الارتفاع عن الارض لمواجهة الكوارث والحروب والعبادة والهيمنة، الخ.)، اي مراحل بداية تعلم اللغات والكتابة والتدوين اللوحي او الطيني والحرف والمهن الخ...

ثم ظهرت مع هذه الاقوام والامم فلسفة الالهة (حيث كانوا يعتقدون ان كل شيء او كل حدث كبير او جانب متعلق بحياتهم اليومية لابد ان يكون له اله خاص به، بما فيها الشمس والقمر وفصول السنة او الارض، الظواهر الطبيعية وغيرها، الخ.)..

التاريخ يتحدث وفقا للاساطير ان الخلق بدء قبل ارسال الله عزوجل الانبياء والرسل للبشر، وان البشرية بدات ونشأت وتطورت بحالات واشكال ومراحل مختلفة.....

والبعض يجعلها بدأت مجددا مابعد الطوفان عهد نبي الله نوح ع...

ليس هذا مورد البحث المختصر...

انما القول هنا يبحث في اربع جوانب مهمة في فلسفة الاديان (الحاجة.. الضرورة.. الغاية والهدف)، بغية ايصال فكرة او مفهوم (علمي منطقي) من ان التشريعات الدينية جاءت لوضع خطوط عامة للتمييز بين الخير والشر (قصة هابيل وقابيل)، مما يعني ان المحرمات لايمكن جعلها حلالا، ولكن يسمح لنا كبشر وفي مراحل حضارية معينة ان يتم تغيير اساليب او طبيعة او طريقة تطبيقها او حدودها، بعيدا عن فكرة التقديس الارضي الشاملة (لاتقديس فوق الارض، الا الانسان والارض والبيئة او عموم الطبيعة، الخ.)والمتوارثة، حيث اصبح في كل عصر وزمن هناك عقيدة او ظاهرة مقدسة جديدة، يخرج من التفاعل الثلاثي المنتج لها، المؤسسات الدينية والمجتمع والظروف (بعضه متوارث واخر مستحدث)، ولعل الناس او اهل الفكر والمعرفة يعلمون جيدا ما تعنيه كلمة او عبارة او مفهوم المقدس، واثاره الكارثية على حياة الناس ومستقبلها، من هنا نود ان نشرح باختصار بعض تلك الامور المتعلقة بفلسفة الاديان (الجانب الفكري او الجدلي):

اولا: الحاجة: هي ولدت مع نشاة البشر والحضارات القديمة..

يعتقد الغرب في الحضارة الحديثة ان الاديان لم تلعب دورا مهما في النهضة العلمية او المعرفية، التي احدثت نقلة نوعية في المجتمعات الاوربية..

وان الانطلاقة المعرفية العلمية الكبيرة بدأت بعد ابعاد الدين عن الدولة (سلطة الكنيسة)، هذا الامر فيه جوانب عديدة حقيقية، لان الاديان لابد لها ان لاتتدخل بالسياسة، فهي حاجة روحية ضرورية للانسان، بينما نجد في مراحل معينة كان في الحضارة الاسلامية علماء في الفلك والطب والرياضيات والفلسفة، الخ.

تراجع هذا الفهم مؤخرا، وذلك راجع الى ان المعارف البشرية الكونية لازالت محدودة، ومحصور تقريبا في علوم الارض، وهم بحاجة الى عقود او قرون لفهم ومعرفة اسرار العالم الفضائي الخارجي (وهذا مانطلق عليه الحضارة الفضائية القادمة)،

ولهذا نرى ان تلك الامم المتحضرة عاجزة عن مغادرة الاديان كليا، بل عادت اوربا وامريكا الى المسيحية، وبدأت الاحزاب اليمينية تتصدر المشهد الاجتماعي وتتقدم الواجهة السياسية مؤخرا..وهذا دليل بقاء واستمرار حاجة الانسان الى الاديان حتى مع وجود الامن والاستقرار الاجتماعي والمعاشي، وكذلك ارقى الحضارات الانسانية والعلمية...

ثانيا: الضرورات : الاديان عبر التاريخ وحتى الاساطير في الحضارات القديمة كانت دينية او عقائدية مرتبطة بالقوانين والانظمة الاجتماعية او مايسمى بالعادات والتقاليد، اي بسط التفوذ على الارض داخل المجتمعات، وهي اساس قيام واستمرار الحضارات، هي قابلة للتغيير والتطور تبعا لتغير ثقافة ومعارف الامم والشعوب، وزيادة مستويات الوعي الاجتماعي، والتقدم العلمي والفكري او الفلسفي، بعض تلك الامم جعلت الاكتشفات العلمية اساس لرفض الدين، واعتباره جزء دخيل او عبء ثقيل ورث من الاساطير المعدلة على يد مايسمى عندهم بالانبياء والرسل (المفكرين اوالفلاسفة او اصحاب الالهام والعبقريات الخارقة، الخ.)، ولكن كما ذكرنا لايجوز الحكم مسبقا قبل ان يتم استكمال المعرفة الكونية بالفضاء الخارجي ....

ثالثا: الغايات هنا نتحدث عن الجوانب الدينية العقائدية، اي نعتقد ان فلسفة الاديان ليست من مهامها انزال العقائد والشرائع السماوية الثابتة (التي غالبا مايتم التأويل فيها وتغييرها او الاضافة والتوسعة فيها)الملزمة للجميع، او الجامدة المتحجرة، انما هي وسيلة وغاية لايصال فكرة تكوين المجتمعات والامم داخل المدن، ومن ثم الانتقال الى مرحلة بناء الدول الحديثة (التي هي حقا نتاج جهود الفلاسفة والمفكرين والعلماء والعباقرة والمبدعين، الدول الحديثة لم تبنى بالاديان او الشرائع)، اذ لايمكن ان تنهض الامم دون معرفة اهم وسائل اقامة المدن او الدول المنظمة الحديثة، وهي الدساتير والقوانين والانظمة، اضافة الى منظومات القيم الانسانية والاخلاقية والاجتماعية المتجددة، الخ.

لقد كانت غاية الاديان انها جاءت لمساعدة البشرية بالسير نحو الحضارة الانسانية الحديثة، وصولا الى مفهوم المدينة الفاضلة نسبيا...

رابعا: الاهداف الدينية لم تأتي لتعليم الناس ان الله عزوجل خلقهم من اجل العبادات والعقائد والايمان والتشريعات فقط، انما حكمة الخلق تكمن في ان تكون وسائل واساليب عبادة الله عزوجل هي طريق الفكر والعقل والمنطق والعلم والمعرفة والابداع، جاءت من اجل بناء وتطوير الحياة الاجتماعية، وكسب معركة الصراع المستمر (الازلي) بين الخير والشر، لا ان يصبح الدين مقصلة العقول، وسور وحاجز طويل يحبس انفاس الناس من التمتع بحياتهم ورغباتهم السوية..

هذا الامر لايتم الا بعد الايمان الفطري (وليس الاجباري) بوجود الله عزوجل، لانه يمثل من خلال الاديان، وما اكتشفته البشرية عبر قرون انه الخير المطلق، اما الذي حصل بعد قرون من انتهاء فكرة الاساطير والانبياء والرسل والكتب السماوية (التي ختمت بالرسالة المحمدية) امرخطير، اذ تغيرت الاديان بشكل كامل، واصبح النفاق الديني اوالطائفي سلاح الفتنة والاقصاء والتكفير، حيث دخلت الارادات والمصالح الفئوية والمنافع الشخصية فيه، عبر رجال الدين الاشرار او المغفلين او حتى الجهلة، صار من السهل عندهم تغيير الشرائع والعقائد وطرق الايمان، والطقوس والعبادات، وكثرة الاجتهادات الشخصية فيما يسمى بالمستجدات، فاتسعت دائرة التحريم والتكفير والمستحبات الخ..

هذا الامر يأخذ بنا الى مهمة ايجاد فلسفية عميقة تكشف وتشرح وتبحث اسباب انحراف الحاجات والضرورات والغايات والاهداف الدينية الحقيقية عن مسارها الطبيعي، ومن أنها ليست من اجل ان يتوقف الانسان عن الحياة ويسخرعمره لتطبيق ماجاءت به الاديان، انما عليه ان يعتبرها بداية الانطلاق نحو مرحلة العلم والمعرفة والاكتشاف، والفكر والتنظيم، وبناء منظومات اخلاقية وانسانية ومعرفية شاملة كما ذكرنا سابقا..

الحاجة الى فهم او اعادة التفكير جديا بطرح فلسفة اسلامية معاصرة يمكن لها ان تواجه التراجع الحضاري الخطير بقوة، الذي جعلها تسير عكس حركة الحضارة والمعرفة الحديثة،

تعني ان ننظر للدين الاسلامي او القران الكريم نظرة فلسفية علمية عقلية منطقية تاريخية...اي ان يتجدد الفهم، ويعاد قراءة حكمة التطور الحضاري الانساني مع غياب الانبياء والرسل، فقد صار لزاما علينا ان نجد مناهج وبرامج وافكار ومقترحات واليات عمل جديدة... مثال على ذلك عندما نأتي الى القران الكريم في مسألة الحدود والعقوبات اي القصاص لانرى هناك خلاف تاريخي حول مفهوم العقوبات وتعريف او تشخيص الجريمة، الا انها بالطبع مختلفة من بلد او بيئة ومجتمع لاخر..اي في مسألة الحدود والقصاص التي وردت في القران الكريم عندما نضعها امامنا ونقارن بين حد السرقة، وحد القتل والعفو والدية، نرى اننا امام مفهوم قراني ثابت ومتغير..ثابت هو القصاص والعقوبة لكل جريمة.. ومتغير بتنفيذ الاحكام تبعا للظروف..اي ان الله عزوجل سمح للناس ان تعفوا عن القاتل (بغض النظر لتعريف قتل الخطأ او العمد) ووضع دية لاخطر واعظم جريمة على وجه الارض (وهي قتل الانسان اي النفس المحرمة).. ومع هذا يمكننا فهم من خلال ذلك ان كل حد اقل درجة من جريمة القتل قابل للتغيير والاجتهاد والبدل، بما يتوافق مع انسانية وحضارة وتقدم وتطور ثقافة الشعوب والامم القانونية والقضائية والتنظيمية..

اي يمكننا القول بدلا من قطع يد السارق (والتي يعرفها الدكتور الشحرور على انها تعني منع وكف يده عن السرقة، وليس القطع الفعلي ) تشرع قوانين انسانية عصرية حديثة كأن تجعله الدولة او المؤسسات القضائية يعمل لتسديد ماتم سرقته مع الغرامة، او اذا تعذر ذلك فأنه سيبقى في السجن لمدة معينة، تبعا لحجم السرقة مالم يكن محتاجا، عندها يكون واجب الدولة والمجتمع ان تساعده ماديا لاسقاط حجة السرقة...الخ.

هذا الامر سوف يجعله يفكر مليا في السرقة مرة اخرى. عندها سوف تتعلم الشعوب ان العقوبات والقصاص في الاديان ليست دعوة للتوحش والاستبداد والظلم، انما هي للردع ولمنع الشر والفساد وانتشار الفوضى والانحراف الخ.

هكذا يجب ان تفهم الاديان هي لصالح البشر ورفاهية المجتمعات، وليس لاشاعة ثقافة التشدد والتطرف والانغلاق والكابة والظلم والابتزاز...

بمعنى اخر ان الانسان في كل عصر او زمن عليه ان يعتبر ان الاديان ليست تشريعات الخطوط الحمراء المحرمة، انما هي قواعد تشريعية عامة تعطي البشر مساحة واسعة للتفكير فيها، لبناء تشريعات وانظمة جديدية على اساس الفطرة الانسانية السليمة...

..المشكلة او الكارثة التي حصلت في الاديان السماوية، انها فهمت اوانحرفت عن الغايات والاهداف السليمة، فتحولت الى مجرد عقائد وشرائع مقدسة لايجوز المساس اوالاقتراب منها، حتى مع وجود الاخفاقات والتفسيرات الخاطئة، مما تسبب هذا الفهم السطحي بظهور المذاهب والفرق والجماعات الدينية الصغيرة، ومن ثم تفاقم الامر سوء، فحصلت الانقسامات والصراعات والفتن والحروب والمذابح الدينية والطائفية، وازداد سقف او منظومة الاحكام او الشرائع الدينية، فصار في كل زمن دين يخرج من اصل الدين، قريب منه ظاهرا وبعيدا عنه باطنا...

اذن خلاصة القول ان فلسفة الاديان لابد ان تأخذ مجالا وحيزا فكريا واسعا في الاوساط الفلسفية او الفكرية والدينية المتحضرة، لايصال فكرة انها ليست من غاياتها واهدافها الرئيسية تعليم الناس الحلال او الحرام فقط، (اي المحصور داخل اطار الشرائع الدينية)، انما تعليمه اسس ومبادئ شرائع الخير (المتمثلة بالفكر الانساني العميق، بالعلم والمعرفة والثقافة والابداع، بالاخلاق والحب والعمل الصالح، بالمحافظة على ديمومة الحياة ونظافة البيئة، الخ.)،

والشر (المتمثل بالحروب والظلم والجرائم، والعنصرية والكراهية والاحقاد والفساد، النفاق والفسق والفجور، بجرائم الاغتصاب والتحرش، ومخالفة الطبيعة والفطرة، بالارهاب والتطرف والتخريب، الخ.)،

هذه هي حكمة الخالق عزوجل كما نعتقد في انزال الشرائع السماوية، اما مهمة اغلب رجال الدين كانت غالبا تقريب المسافة بين عظمة وقدرة الخالق عزوجل، وايمان الانبياء والرسل، كي يعطوا لانفسهم مجالا للاختراق والتدخل لفرض اراداتهم ومصالحهم وافكارهم

 واجتهاداتهم الخاصة تحت ابواب التأويل المقدس،

لهذا عزف الناس عن الدين، واتجهوا الى تشريع الدساتير والانظمة والقوانين الانسانية الارضية، القريبة جدا من الاديان السماوية... فما بين الماضي والحاضر مراحل بشرية واجتماعية متعددة، وبون شاسع بين تاريخ الكتابة على الالواح الطينية، وبين الحضارة الالكترونية، فكيف يراد للانسان ان يبقى ثابتا في عقائده وشرائعه وافكاره المتوارثة، والعالم كله يدور ويتغير من حوله بطريقة علمية متواصلة،

عندها سيبقى هو في القاع والحضارة تصعد بالامم المتحضرة الى القمة..الاديان مقدسة عندما تكون عجلة تقدم الانسانية وليست عقبة دائمة امامهم..

عرف الله عزوجل في الانسان والمخلوقات والموجوادت بالفطرة وليس عبر الفرض والاجبار والقهر والقسر، فالتشريع (الارضي والسماوي) يعد من اهم وسائل التفكر عند الانسان، للانطلاق نحو فضاء العيش في الحياة بحرية واسعة ..

 

مهدي الصافي

 

عبد الجبار الرفاعيلا يصل البحثُ في الميتافيزيقا إلى نتائج أخيرة، لذلك تظل الأسئلةُ العميقة فيها تتوالد باستمرار، بالتزامن مع تطورِ وعي الإنسان وتراكمِ معارفه وخبراته المتنوعة، وتنامي اكتشافاته لقوانين الطبيعة والتوغلِ في آفاق الكون والكشف عن أسراره.

طالما سألني الشبابُ، وأكثرُهم من المختصين في العلوم الطبيعية، عن أجوبةٍ نهائيةٍ لأسئلتهم الوجودية والميتافيزيقة، لأنهم يدّعون أنّ كلَّ الأجوبة التي سمعوها وطالعوها لهذه الأسئلة ليست مقنعة، فأجيبُهم على الدوام: لا جوابَ أبديًا للأسئلة الوجودية والميتافيزيقة الكبرى، لأنها أسئلةٌ بدأت تتوالد منذ فجر الوعي البشري، وتجذّرت وتفرعت بمرور الزمان، وباتساعِ معارف الإنسان، وتطوّرِ علومه، وتراكمِ خبراته، وتنوّعِ ثقافاته. لا يعرف أكثر المختصين في العلوم الطبيعية والتطبيقية أن الأسئلة الوجودية والميتافيزيقة الكبرى لا تشبه أسئلة العلوم المختصين فيها، لذلك لا يمكنهم الظفر بأجوبة نهائية لها، وإلا لو كانت هناك أجوبةٌ نهائيةٌ للأسئلة الوجودية والميتافيزيقة الكبرى، لاتفقت آراءُ الفلاسفة ورؤاهم للعالَم، ولتوحّدَ أكثرُ الناس في مُعتقَد واحد، ولما تعدّدت وتنوّعت المعتقداتُ والأديانُ والفرقُ والمذاهب بتنوّعِ البشر، وثقافاتِهم، وبيئاتِهم، وأنماطِ عيشهم المختلفة. الأجوبةُ الأبديةُ تنتجها مؤسّساتُ الاعتقاد الرسمية، بعد أن يتمثّلَ الدينُ في الحياة البشرية، ويتجسّدَ مجتمعيًا، فيأخذَ شكلًا تتجلّى فيه صورةُ المؤسّسات المتنوعة ومصالحُها وغاياتُها ومطامحُها وأحلامُها.

"لا جوابَ أبديًا للأسئلة الميتافيزيقة الكبرى"، بناءً على هذا الموقف المعرفي يبتني "علم الكلام الجديد"، بمعنى أن ما قاله مؤسّسو الفرق ومؤلّفو المقولات الكلامية بخصوصِ رؤيتِهم لله وصفاته وأفعاله والوحي والنبوة، وما فهموه من النصوص الدينية، ليس إلا إجاباتٍ مرحلية تعبّر عن زمانهم وبيئاتهم وثقافتهم، وما اكتنف حياتَهم الشخصية، وما عاشوه من ظروف مختلفة، عبّرت عنها الصراعاتُ على السلطةِ والثروةِ في عصرهم. وتعكس مقولاتُهم الكلاميةُ عقلانيةَ عصرهم، ودرجةَ تطوّرِ العلومِ والمعارفِ، ومناهجِ التفكير، وأدواتِ المعرفة، ومستوى الوعي البشري، ونمطِ التمدّن. في ضوءِ ذلك لا يصحّ النظرُ إلى آراء: النظّام، أو الأشعري، أو الماتريدي، أو المفيد، أو الطوسي، أو القاضي عبدالجبار، أو الغزالي، أو الفخر الرازي، أو ابن تيمية، أو غيرِهم من المتكلمين، بوصفها آراءَ أبدية، والتمسك بأسئلتهم وأجوبتِهم بوصفها أسئلةً وأجوبةً نهائية.

لكلِّ عصرٍ عقلانيتُه وأسئلتُه واجاباتُه، وحتى الأسئلةُ الوجوديةُ والميتافيزيقية الكبرى يعادُ طرحُها في آفاقُ هذه العقلانية ونظامها المعرفي ومنطقها ولغتها. آراءُ المتكلمين الأوائل تعبّر عن عقلانيةِ زمانهم، والنظامِ المعرفي لمرحلتهم التاريخية، والأسسِ والمعاييرِ المعتمدة لديهم في اكتشاف الحقيقة، وتمييز ما هو خطأ وما هو صواب، والمسلماتِ واللاوعي المعرفي الذي كان يتحكم في تفكيرهم آنذاك. النظامُ المعرفي الذي يتسلط على التفكير في مرحلة معينة من حياة البشر لا يلبث كما هو في مختلف مراحل التاريخ، بل يواكب العقلانيةَ وتطورَ الوعي، وتقدّمَ العلوم والمعارف البشرية في مختلف المراحل1 .

لكن علومَ الدين في الإسلام دخلت حلقةً دائريةً تكراريةً منذ عدة قرون، بعد أن توقف إنتاجُ العلم الدنيوي في عالم الإسلام. واستبدّت الرؤيةُ الكلامية الموروثة للعالَم في حياة المسلمين، فحجبتهم عن رؤية العالم خارجَ الأسوار المغلقة لعلم الكلام. وأضحت مجتمعاتُنا اليوم ضحيةَ رؤيةٍ ميتافيزيقةٍ للعالم تتحدّث لغةَ الأموات، ينتجها علمُ كلامٍ قديمٍ لم يعدْ يتبصّر قلقَها الوجودي، ولا يدرك منابعَ ضغائنها.

إن فهمَ الدين يتطورُ تبعًا لتطور فهمِ الإنسان لنفسِه، وتفسيرِه للطبيعة واكتشافِه لقوانينها وتسخيرِه لها، فكلّما تقدّم العلمُ بحقيقة الإنسان، وتمَّ اكتشافُ المزيد من قوانين الطبيعة، وتراكمت المعارفُ كيفًا وكمًا، لابد أن يتطورَ بموازاتها فهمُ الدين، وتحيينُ المعنى الديني، بالمستوى الذي يستجيب للواقع الجديد الذي تنتجه العلومُ والمعارفُ والتقنياتُ الجديدة، ويتبصّرَ القلقَ الوجودي، وفقدانَ الطمأنينة الفردية، وهشاشةَ الأمن المجتمعي الذي يعيشه المسلمُ.

لا يصحُّ أن ننظرَ للنصِّ الديني من زاويةِ نظرِ علماءِ الكلام وأصولِ الفقه وعلومِ القرآن والتفسيرِ وغيرِها من علوم الدين الموروثة، لأنها عاجزةٌ عن إنتاجِ تأويلٍ جديدٍ للنصوص الدينية، وإيقاظِ المعنى الديني بنحو ينخرط معه في الحاجات الروحية والأخلاقية، ويتموضع فيه الدينُ في حقله الخاص، ويكفّ عن التمدّد خارجَ مجاله ووظيفته، مثلما يريدُ دعاةُ الدولةِ الدينية الذين يُقحمون الدينَ في الدولة والإدارة والاقتصاد، ويترقبون منه اعادة بناء العلوم والمعارف البشرية، وهي وظائفُ خارجَ مهمة الدين المتمثلة في: انتاجِ معنى للحياة، وارواءِ الحياة الروحية، وترسيخِ القيم الأخلاقية.

إن استئنافَ رسالة القرآن وتموضعَها في سياق متطلبات المسلم الروحية والأخلاقية لن تنجزه أدواتُ النظر ومناهجُ الفهم القديمة، لأنها تمثّل عبئًا ينهك دلالةَ النصوص، عبر تكرارِ المعنى الذي أنتجته في الماضي، ومصادرةِ تعدّد الدلالة. ذلك هو مأزقُ الإصلاح في الإسلام الحديث منذ الأفغاني حتى اليوم.

كذلك لا يمكن للمعنى الديني الذي ينتجه علمُ الكلام القديم إرساءُ أسسٍ للعيش المُشترَك بين مختلف الأديان والثقافات، وبناءُ علاقات دولية سلمية تحقّق المصالحَ المُشترَكةَ بين الشعوب. إذ لا تصلح المقولاتُ الكلامية الموروثة2 مُنطلَقًا للحوار الصادق المُنتِج بين الأديان، الذي لا يمكن أن يؤتي ثمارَه إلا بالإيمانِ بالحقِّ في الاختلاف، وتبنّيه أصلا في أيّ حوارٍ وتفاهم ونقاش مع المُختلِف في الدين، والعملِ على اكتشافِ ما هو جوهري في كلِّ دين.

عندما يعتمدُ المتكلّمُ مناهجَ علم الكلام القديم، فإنه لا ينشد الكشفَ عن القيم الكونية الخالدة في الأديان، ولا يبحث عن جوهرها الروحي والأخلاقي المشترك، لأن المتكلّمَ لن يتمكّن من التحرّر من التعصب لمعتقداته عند دراسةِ الأديان الأخرى ومحاولةِ فهم معتقداتها ومقولاتها، إذ إن مهمةَ المتكلم هي الدفاعُ عن معتقداته والردُّ على الخصوم، وكشفُ ما يراه من تهافتات معتقدات الدين الآخر، والتحري عن تحريفات كتبه المقدّسة.

إن أدواتِ النظر ومناهجَ الفهم القديمة للدينِ ونصوصِه تفضي إلى ربطِ كلِّ واقعةٍ في حياة الناس بالدين، واحتكارِ الدين لمختلف علوم الدنيا، ويؤول ذلك إلى فهمِ وتفسيرِ وتبرير ِكلِّ شيء بالدين. وينتهي هذا الفهمُ إلى تعطيل الأسباب الطبيعية والبشرية المتنوعة. فمثلًا يخضع تفسيرُ تخلّف المجتمعات الإسلامية، لدى أكثر كتّاب الجماعات الدينية والخطباء والوعاظ، إلى عدمِ تمسكها بما قاله السلفُ، وانصرافِها عن اجتهادات أئمة الفرق والمذاهب، مع أن تقدّمَ وتخلّفَ المجتمعات بالمعنى الاقتصادي والثقافي والسياسي يعود لأسباب دنيوية مختلفة. المجتمعاتُ المتقدّمة اليوم ليست متدينةً بالضرورة، والمجتمعاتُ المتخلّفة اليوم ليست غيرَ متدينة بالضرورة. التديّنُ والطاعةُ والمعصية ليست سببًا لتقدّم أو تخلّف المجتمعات. سوءُ فهم معنى التديّن، ومعنى الطاعة والمعصية، ومعنى الثواب والعقاب الأخروي، ومعنى العمل الخيري، هو الذي يدعو هؤلاء للتشديد على أن تخلّفَ المسلمين ناتجٌ عن عدم تديّنهم ومعاصيهم. سوءُ أحوال الناس المعيشية في الدنيا، أفرادًا ومجتمعات، لا يعود لكثرة الذنوب بالمعنى الديني، ولا يعود لأسباب غيبية، بل ينشأ من: الجهل، والفقر، والمرض، والاستبداد، والظلم. وكلّها تنتجها عواملُ: اقتصادية، وسياسية، وثقافية، وتربوية، ودينية، وغيرها من الأسباب الدنيوية.

في "علم الكلام الجديد" يُعاد بناءُ مفاهيمِ الذاتِ والصفات، والإيمانِ والكفر، والقضاءِ والقدر، والجبرِ والاختيار، والوحي والنبوة، والطاعةِ والمعصية، والحسنةِ والذنب، والثوابِ والعقاب، والحياةِ والموت، والدنيا والآخرة، وعمل الخير، والمعروف والمنكر... وغيرِها.

كذلك يُعاد إنقاذُ صورة الله التي تشكلّت في فضاءِ النزاعاتِ والحروبِ، والاستبدادِ وتفشّي العبوديات، ورسمُ صورةٍ تليق بعدالته، ورحمته، وجماله. صورةٌ لا تُهدَر فيها باسم الله حقوقُ الإنسان وحرياتُه، صورةٌ تجدّد صلةَ الإنسان بالله، فتتحول إلى صلةٍ تتكلمُ لغةَ المحبة وتبتهجُ بالوصال مع معشوق جميل، ويتذوّق فيها الإنسانُ رحمتَه قبل عذابه، وعفوَه قبل عقابه.

صورةُ الله التي يرسمها المتكلمُ هي التي يُشتقُّ منها نمطُ التديّن، إن تشكّلت شديدةً صارمةً مستبدةً يتشكّلُ تبعًا لها تديّنٌ متشدّدٌ صارمٌ مستبدٌ، وإن تشكّلت رحيمةً محبوبةً جميلةً يتشكّلُ تبعًا لها تديّنٌ رحيمٌ مولعٌ بالحب والجمال. عبادةُ الله بوصفه الأخلاقي تنتج تديّنًا أخلاقيًا، عبادةُ الله بوصفه الرحمن الرحيم تنتج تديّنًا رحمانيًا.

 

عبد الجبار الرفاعي

...................

1- تحدث ميشال فوكو عن النظام المعرفي "الأبستمي الذي يختلف تبعًا للعصور التاريخية، كما عالج ذلك توماس كون في النموذج المعرفي الكلي "البرادايم" الذي يتسلط على التفكير العلمي في مرحلة معينة من التاريخ في كتابه: "بنية الثورات العلمية".

2- مثل مقولة الفرقة الناجية، وأحكام أهل الذمة، والردة، ونجاسة غير المسلم، وغيرها من مقولات كلامية وأحكام فقهية مازالت تُدرّس في معاهد التعليم الديني، وتكرّر في كثير من الكتابات، وتتردّد على المنابر

 

عبد الكريم العراجيلم يكن إدوارد سعيد مجرد مثقف عربي يسعى إلى بعث مجد أمته الثقافي والحضاري بل استبسل في الدفاع عن أحقية الشرق والعالم العربي في بناء المشروع الحضاري الكوني وهدا ما حفزه على تفكيك الإستشراق كمؤسسة فكرية من حيث المناهج والغايات التي تحقق فكرة الهيمنة على الشرق والذي كان يختزله سعيد في مصر وفلسطين .

فمشروع الإستشراق عند سعيد لم يكن في صورة تنظير معرفي لهذا الحقل الجديد الذي تبلور على أنقاذ المنهج التاريخي والفيلولوجيا بل كان عبارة عن توصيف دقيق للرؤية الغربية التي كانت من وجهة نظره الفكرية تبالغ في تخيل الشرق باعتباره كيان عاجز عن الإقلاع الحضاري وألصقت به كل الصفات الرجعية والمتزمتة بل كانت الرؤية الغربية من وجهة نظره ترى بأن الشرق هو مجرد حيز أو كيان جغرافي يخلو من قيم المعرفة والفن والجماليات .

نحن في هذا السياق لا ندافع عن سعيد كونه يقاسمنا الانتماء والمصير ولا ننتقد الغرب كونه ساهم في تخلفنا وعجزنا الحضاري بل سوف نعمل على تحديد معالم النقد الثقافي الذي وجهه إدوارد سعيد للغرب وهذا ما فرض علينا التعمق والتفكر في هذا الموضوع وما يمكننا قوله هو أن النقد الثقافي اللامنطوق الذي وجهه سعيد للغرب كان مختبئ وراء كساء إيديولوجي ذلك لأنه كان يرى بأن الإمبريالية والحركة الاستعمارية كانتا نتاج جهود المستشرقين الذين عبدوا  الطريق للغرب  من أجل دخول الشرق والسيطرة على ثرواته .

والمتصفح لكتاب الإستشراق المفاهيم الغربية للشرق يتجلى له بأن نقد سعيد كان نقد موجه ومركز على المناهج الكلاسيكية التي إعتمدها المستشرقين في دراسة الشرق مثل المنهج التاريخي الذي يركز على دراسة تاريخ الشرق ودراسة البنى الثقافية والسياسية والدينية والمنهج الفيلولوجي الذي يدرس اللغات الشرقية من أجل تسهيل الفهم الصحيح للثقافة الشرقية فنقده للغرب حسب فهمنا البسيط كان نقد ايديولوجي حيث قام بنوع من الاسقاط الفكري على الغرب حيث إعتمد في نقده على فكر غرامشي وفوكو اللذان عارضا مركزية العقل والهيمنة الثقافية وتوحش الرأسمالية وكلاهما ينتمي للتيار المابعد حداثي الذي ينادي بتفكيك كليانية العقل وتحرير الجماهير من الهيمنة الثقافية التي تضمن بقاء السلطة الرأسمالية فعندما ندرك تهميش الفكر الغربي للفكر الشرقي في مؤلفات سعيد نستحضر فكرة الهامش في فكر ميشيل فوكو وعندما نتمعن في فكرتي الثقافة والإمبريالية في الفكر الغربي نستحضر فكرة الهيمنة الثقافية عند غرامشي وهذا لا يعني أن سعيد لم يكن ناقدا ثقافيا بل اعتمد على المواقف الغربية الايديولوجية المابعد حداثية  التي كانت تعارض الغرب الحداثي  الرأسمالي وهذا ما جعلنا نتجرأ على هذا المفكر المستنير ونقول بأنه وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه المستشرقين وهو فخ التنميط والتصنيف وهذا ما جعله يركز على الاستشراق كمؤسسة استعمارية دون التركيز على المنجزات الفكرية والثقافية للإستشراق الذي خلق لنا مصالحة بيننا وبين تراثنا المدفون في المكتبات والجامعات الغربية ما نود قوله هو أنه يجب علينا أن نبدأ من حيث توقف إدوارد سعيد ونعمل جاهدين على بلورة مشروع نقد ثقافي للغرب ونعمل على تطوير الحقول المعرفية في جامعتنا مثل العلوم الاجتماعية والإنسانية لكي نتمكن من  فهم الإستشراق فهم عميق وندرك ونعي جيدا غاية الإستشراق في دراسة الشرق لذلك يجب أن نعيد قرائتنا للإستشراق ونعاود عملية التنقيب على معالم الفكر والحضارة في تراثنا لكي نصبح كتلة تاريخية تكون لها القدرة الفكرية في ممارسة النقد الثقافي للفكر الغربي .

 

الدكتور عبد الكريم العراجي

 

نبيل دبابشالدولة الوطنية، من خلال نموذجين هما مصر والجزائر، وليدة فترة الاستقلال الوطني تمثل من حيث الشكل قفزة تاريخية مهمة في تاريخ المجتمعات العربية. انها كيان سياسي جاء للعالم بعد صراع مرير وتخلص من سلطة الوصاية العثمانية ثم الاحتلال الاوروبي بعد نضال دام لعشريات كاملة. ان ما يجمع التجربة المصرية بالتجربة الجزائرية عوامل متعددة وقد تكون متشابهة في الكثير من المراحل. لا يهمنا المسار التنموي والاختيارات الاستراتيجية المنتهجة من قبل السلطة في هاتين التجربتين...بقدر ما سنحاول، على عجالة، تسليط الضوء وكشف ما لم تقله الصورة البروتوكولية او بعض وسائل الاعلام الرسمية التي كرست الكثير من الصفحات والبرامج لتغطية هاته المرحلة من تاريخ الدولتين.

تتشكل السلطة وهي كيان غير متجانس، في كلتا التجربتين، من قادة عسكريين وزعماء بعض التكتلات السياسية والنقابية وشخصيات ممثلة للمجالس المنتخبة، وبعض زعماء العشائر والطوائف او الفرق المذهبية الى جانب كبار الاثرياء.. لا يوجد ما يمكن وصفه بالمعارضة السياسية او النقابية الفعلية، بل يتم تطويع كل الفعاليات الاجتماعية والسياسية  لتصبح من دون تأثير ملموس ولا تشكل اي تهديد للنظام، او استبعادها اذا تعذر ذلك بالطرق البوليسية والقضائية.

يتسم الجو العام بالانغلاق عن العالم وخنق الحريات الفكرية والدينية باعتماد الوسيلة الاعلامية، وبتشريعات يمكن وصفها بالتعسفية ( قانون تجريم الالحاد والمثلية في مصر/ اجراءات بوليسية ضد الفرقة الاحمدية والكركرية بالجزائر ومضايقة الاقلية المسيحية). ومراقبة شديدة على الصحف، الاعلام عموما، والانتقال من ادانة الآراء الى سجن اصحابها.

النظام في كلتا الحالتين مصاب بهستيريا كره الآخر له، وغالبا ما يوظف هاته العقدة في سبيل بسط نفوذه اجتماعيا بين الفئات الاقل نضجا (الخطر الايراني التركي القطري الامبريالي بالنسبة لمصر/ الخطر المغربي الامريكي والارهاب القادم من ليبيا بالنسبة للجزائر).

لا يمكن ابدا تصور وجود سلطة قضائية مستقلة، في كلا التجربتين القضاء هو وسيلة السلطة السياسية للاستمرار وغالبا ما يتم انتقاء ممثليه لا على اساس الكفاءة بل وفق معيار الولاء.

تتخذ القرارات السيادية وغير السيادية من قبل الرئيس، فقط فهو المقرر الاول في البلاد في غياب مؤسسات قوية تسمح باستمرارية الدولة في غيابه، بل في الغالب تسقط جل المؤسسات بمجرد رحيله. فالقرارات الرئاسية مقدسة وفوق الجميع... لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة وغير محدودة. وهو ما يسمى في الاصطلاح السياسي ''بعبودية الشخصية ''، فالرئيس شخص فوق المواطنة وسوبرمان لا تصلح الامة ولا تنجو الا به  وبفضل مواقفه السديدة. وهو ما يكشف الضعف في تصور ممارسة الحكم خارج اطار الرؤية الشمولية، فباسم الدولة الجمهورية تأسست انظمة اوليجارشية  وبسبب احادية التسيير عرفت هاته الانظمة جهاز بيروقراطي يتحكم في كل المؤسسات.

الديموقراطية والتعددية السياسية وحرية الاعلام والحرية الفكرية مفاهيم جميلة ولكنها في هاتين التجربتين نجدها مجوفة من محتواها وهيكل من دون دعامة.. او ديكور لتقديم صورة جميلة للسلطة امام العالم، وهو يخفي من وراءه ذهنيات وكائنات متخلفة جدا.

لا تختلف الاختيارات الاجتماعية للسلطة السياسية – في هاته التجارب - عن اختيارات تيار الاسلام السياسي، فكلاهما يؤمن بنفس الاحكام والبديهيات وعدوهما واحد، هو ذلك ''الاخر الوهمي'' (المرأة / المفكر الحر/الحرية الدينية/ الغرب/ العلمانية لأنها مفهوم ينظر اليه وكانه غول آكل).

في مجال توزيع الثروة، غالبا ما يتم اللجوء الى اسكات الغضب الشعبي ببعض المشاريع او الاجراءات الظرفية (كمسح ديون الفلاحين/ مشاريع مصغرة لدعم الشباب العاطل عن العمل...) ليكون التوزيع الفوقي للثروة بين الكتل المشكلة لكيان السلطة هو السائد، وتعمل اجهزة السلطة على اخفاءه. غالبا ما يتم ذلك وفق مجموعة من التشريعات او القرارات الارتجالية، ولا يسمح ابدا بمناقشة السياسة الاقتصادية للبلاد بشكل علني وبأرقام صادقة.

 

 

في العصور الوسطى الاسلامية (الاموي/ العباسي/ الفاطمي/ المملوكي/ العثماني ...) كانت السلطة – تاريخيا- منقسمة الى قسمين : الخاصة Les particuliers من الناس  في مقابل العامة من الناس  دون الرقيق  la plèbe. فالسلطان والثروة بين ايدي اقلية من الاسر او المقربين من الحاكم، ثم يأتي  قادة الجيش وكبار التجار وبعض زعماء العشائر او الطوائف الدينية، فهي ايضا كيان غير متجانس. ليس من حق العامة من تجار صغار وحرفيين واصحاب مهن او حتى مزارعين، ان تؤمن بغير دين السلطان او الحاكم وليس مسموح لها الخروج عن طاعته ورفض الامتثال لأوامره، ولا ان تفكر في حصتها من الثروة التي ساهمت في اقتناءها او خلقها. بل عليها ان تؤمن وبعمق، بان الامة مراتب ودرجات ولا يحق لها ان تقفز الى مرتبة غيرها.

لامتصاص الغضب الشعبي واخماد نار الفتن التي قد تحدث بين الفينة والاخرى، يلجأ الحاكم او السلطان الى توزيع بعض الدنانير على جمهور الفقراء في المناسبات الدينية او بعد صلاة الجمعة عند باب المسجد، ليدعوا له الناس بطول العمر ودوام السلطان.

الدولة في العصور الوسطى الاسلامية، كان لها ايضا، عدو وهمي يجب تجنيد كل الرعية لأجل التصدي لمخاطره. فهو احيانا الطالبيين/ الخوارج/ الروم/ المغول/ الصليبيين.. ويوظف هذا الوهم اكثر عند تزايد حالات الغضب الشعبي او لاستبعاد خطر بعض المعارضين .

عملت انظمة الحكم - خلال القرون الوسطى الاسلامية- على بناء انساق فكرية مغلقة والتسويق لجهاز مفاهيمي ثابت لا يجوز الخروج عنه في مجال الايمان او الانتاج الفكري، هي الميزة التي اتصفت بها كل مراحل التاريخ الطويل.. العباسي/الاموي. ثم الاموي الاندلسي/العباسي.. الموحدين/ المرابطين.. الصنهاجي/ الرستمي.. السني/ الشيعي. لا نريد ان نتسرع لنلقي بأحكام غير مؤسسة، عندما نقول ان لحظات الابداع الفكري الحر كانت طفرات متفرقة، وغالبا ما لا يذكر المؤرخ خلفياتها الايديولوجية ليقدمها لنا كأجوبة جاهزة لأسئلتنا المعاصرة. وينقل انشغالاتنا الراهنة الى الماضي البعيد لينتقي منه اشباه اجوبة. انها مأساة منهجية غالبا ما يقع فيها المؤرخ الكلاسيكي.

ترتكز السلطة السياسية على المذهبية في تقلد منصب الخلافة والاستمرار فيه ومن ثم توريثه.. هو ما حدث مع العباسيين من خلال توظيف مدرسة المعتزلة ضد اصحاب الجبر ثم القبول – على مضض – بأقوال الأشاعرة كحليف ضد المعتزلة والطالبيين لتأسيس المذهب السني. او ما حدث ايضا مع الفاطميين في مرحلة التأسيس في الجزائر، ثم بعد الانتقال الى مصر...

ان الدولة الوطنية لم تستطع، الى يومنا هذا، صناعة تجربة سياسية حديثة او عملت على تحديث البنى الاجتماعية المتخلفة. بل عملت كثيرا على ابقاء الحال على ما هي عليه...فعلا قامت ببناء مدارس ومؤسسات اجتماعية واقتصادية على الطراز الاوروبي ولكن لم تبني عقلا حديثا لتأطير هاته المنشآت الضخمة. الدولة الوطنية قيادات حكمت مجتمعات وليست مؤسسات ترتكز الى جمهور المنتخبين وتسهر على ضمان قيم المواطنة. الدولة الوطنية هي حاكم مثل دولة الخلافة هي امير للمؤمنين. ان الدولة الوطنية قد تبدو اعلاميا متماشية مع تقلبات العصر، ولكنها تشريعيا وعمليا هي ارادات فردية  قامت بالسطو على مؤسسة السلطة وليس لها ادنى نية في التخلي عن تلك الامتيازات.

لا نرى حلا اكثر جذرية على المدى القريب، لتخطي هذا الواقع المؤلم غير طريق اعتماد انظمة برلمانية بصلاحيات رئاسية محدودة وبمؤسسات مستقلة (القضاء/ غرفة النواب/ المجالس الاقتصادية والاجتماعية...)... يجب ان يخصى الفحل لأنه طغى وتجبر وصار خطرا على القطيع. ان انظمة الدولة الوطنية ليست سوى استمرارية تاريخية للحاكم الشرقي المستبد، ولم تقدم الى المجتمعات ادنى الحلول في مجال التنمية المطلوبة.

لقد صنعت الدولة الوطنية مجتمعات عاجزة على ان تقدم بمفردها ابسط الحلول لمشكلاتها اليومية. بل اسهمت في صنع مجتمعات '' الاكثر تخلفا '' في العالم. لقد استفادت من سنوات طويلة ومدة زمنية كافية دون ان يكون همها الرئيسي هو تغيير الواقع المؤلم لمجتمعاتها.

لا نريد ان نجزم، بان الكثير من المجتمعات العربية كانت تتوفر على مجموعة معتبرة من المثقفين من ذوي التكوين العالي والنوعي في مراحل السيطرة الاستعمارية، للأسف لم يبق منهم من يمكن الاعتماد عليه اليوم، وليس في مستطاع الدولة الوطنية تعويضهم بفئات مثقفة قادرة على تحريك عجلة التنمية.

المجتمعات الذكية هي التي تحسن استغلال فرص التقدم وتستفيد بذكاء من تجارب اعداءها في صنع واقع جديد يحقق لها السيادة الفعلية. مشكلة المؤسسات العربية انها لا تثق حتى في اصدقاءها وتجرّم الكل لتنتهي الى المزيد من الانغلاق، وتعلم الناس ان الدعاء هو افضل الطرق لمجابهة تحديات العصر.

الى من توكل المهمة القادمة، ذلك هو السؤال العقدة ؟ هل تتوفر النخبة المثقفة على الوسائل والدعم الشعبي لتقديم حلول عملياتية، وهل هي تمتلك الحلول ام منغمسة في قضايا هامشية. هل يوجد طبقة سياسية او اجتماعية لديها من المؤهلات ما يسمح بالتنبؤ بغد افضل قد تصنعه ؟. هل يمكن ان نثق في الايديولوجي الديني وهو الذي يتحمل الجزء المهم من تخلفنا وتشويه صورتنا في العالم، وبسببه صار العربي مرادفا للقاتل والسفاح والخطير اجتماعيا.

التشاؤم ليس مخرجا للازمة، والصمت امام الازمة او تبسيطها ليس حلا...النقاش مفتوح، للعقول النيرة ان تقدم اضافات او تصحح ما تراه اخطاء في التصور ...نحن  مؤمنون بان الحل يصنع تدريجيا، بالرغم من كون التاريخ البشري صار لا ينتظر من تخلف عن الركب...نخشى ان نختفي من على الخارطة ولن يذكرنا احد.

من المؤسف اننا لم نرث عن ماضينا غير عقدة الانغلاق والخوف من التجربة والمغامرة، وتجاهلنا عن قصد، كل جهود الانفتاح على ثقافة الاغريق والهنود والفرس....و روح التعلم منهم من دون ادنى شعور بالنقص.

قوة المجتمعات هي، عندما يقرن الحديث عنها بالحديث عن منجزاتها، من المؤسف اننا في هاته الحالة لا نحسن غير الفرار من السؤال او طلب النجدة من ماض بعيد لتكميم افواه ساخرة من غباءنا.

 

نبيــل دبابــش.  كاتب من الجزائر

 

عدنان عويدالتاريخ (البشري) لا يسير بشكل عشوائي أو ميكانيكي، ولا تتحكم في آلية حركته وعمله المصادفة، أو أهواء وعواطف الناس ورغباتهم بشكل منفرد، التاريخ تحركه الكتل الاجتماعية ودرجة تطورها ومصالحها، مع التأكيد على دور الفرد في التاريخ، وحركة و تطور وتبدل علاقات الوجود الاجتماعي في كل مرحلة من مراحل تطور هذا الوجود، وعلى تلك العلاقة الجدلية ما بين الظروف الموضوعية والذاتية التي تشكل بنية هذا الوجود وتاريخه معا.

إن الناس حقيقة (يصنعون تاريخهم بأيديهم، إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم.). فغالباً ما تتضارب مصالح الناس ورغباتهم أثناء صناعة التاريخ، وغالبا ما تكون الظروف الموضوعية أقوى من رغبات الناس وما يريدون، وهذا ما يؤدي إلى تناقضات وصراعات على المصالح لا تظهر اسبابها بشكل واضح للكثير من الناس داخل المكونات الاجتماعية أثناء سيرورة التاريخ وصيرورته. وبالتالي فإن ما يقوم به بعضهم من طرح لشعارات أو آراء أو أفكار أو مواقف ذهنية، بل وحتى نظريات أو أيديولوجيات مغلقة، تحت مظلة إعادة صياغة التاريخ وفق هذا الشعارات والرؤى والأفكار والمواقف الذهني والأيديولوجيات، غالباً ما تكون نهايتها الفشل، إما لجهلها بالظروف الموضوعية أو الذاتية التي تتحكم بسيرورة التاريخ وصيرورته من جهة، أو بسبب غلبة المصالح الأنانية الضيقة لحملة هذه المشاريع الفكرية أو المواقف الذهنية كطبقة أو طائفة او مذهب أو حزب على مصالح المجتمع من جهة ثانية.

إذاً من هذا الضياع والجهل وغلبة المصالح الأنانية الضيقة في معرفة آلية عمل التاريخ، تأتي الأحقاد والضغائن والتناقضات والصراعات وحتى سفك الدماء على المصالح بين مكونات المجتمع. أي تصل هذه الأحقاد والصراعات في آلية عملها وانتشارها إلى حد التهديد والوعيد من قبل من يمتلك السلطة والجاه ضد من يقف أمام تحقيق هذه المصالح من بقية مكونات المجتمع. وذلك كله يجري من أجل إيقاف عجلة التاريخ عند الحدود التي تخدم مصالح هذه القوى ذات المصلحة أو تلك.

نقول: إن كل تلك المهاترات والتهويش والمتاجرة بالدم، لن تجدي شيئا في عرقلة أو إيقاف عجلة التاريخ نحو الأمام، فالتاريخ البشري كما أشرنا أعلاه تتحكم في حركته قوانين موضوعية وذاتية معاً، وللإنسان دون شك  دور فاعل في عرقلة الكثير من حركة هذه القوانين أو التحكم بها إذا أراد ولكن لفترات زمنية محدودة، وبخاصة على مستوى الحياة الاجتماعية، غير أنه غير قادر على إيقاف هذه القوانين أو تعطيل آلية عملها نهائيا، فهي في المحصلة قوانين موضوعية لها سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، وإن عملية سيرورتها وصيرورتها تجري وفق عملية معقدة من الترابط والتناقض في جملة الشروط الموضوعية والذاتية المشكلة للوجود الاجتماعي، وما يتضمنه هذا الوجود من مستويات اقتصادية، وسياسية، وثقافية، واجتماعية. ومع كل انجاز لهذه التحولات التاريخية نحو الأمام، سيتعطل بالضرورة  جزء  من دور المهاترات والشعارات والآراء والأفكار والنظريات في (اللعب) على  حركة التاريخ وقوانينه. أو بتعبير آخر، لم يعد بإمكان حملة تلك الشعارات ومهاتراتهم الحفاظ على مكتسباتهم ومصالحهم، كونهم قوى استنفدت دورها التاريخي في قيادة الدولة والمجتمع. وهذا شأن ملاك العبيد و وملاك الأقنان من النبلاء و رجالات الكنسية وغيرهم.

بكلمة أخرى: لم يعد بالإمكان العودة إلى الماضي، أو إعادة إنتاجه وتسويقه من جديد، كونه استهلك، أو استهلك قسم كبير منه وفقد صلاحيته في التعبير عن القوى الاجتماعية الجديدة الطامحة إلى التغير بهدف مصالحها بعد أن وعت ذاتها وما تعانيه من قهر وظلم واستلاب وتشيئ واغتراب، أي لم يعد الزمن الماضي صالحاً للعيش كبيئة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية للقوى الاجتماعية التقليدية، في الزمن الحاضر الذي أخذت تظهر فيه قوى اجتماعية جديدة لها أهدافها وطموحاتها وقدرتها على التحكم في قوانين زمنها وآلية حركته، وهي قوى أكثر تطورا وفهما لحركة التاريخ، ولها مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الجديدة المتناقضة مع مصالح القوى التقليدية التي تجاوزها الزمن وأصبحت من معطيات أهل الكهف .‏

ملاك القول:

التاريخ تغيره في نهاية المطاف المصالح، بل هو تاريخ المصالح.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

"مواطنة اليوم.. هل هي بقايات يوتوبيا؟ أم هي مشروع هامشي وافتراضي وغير واقعي؟ أم أنها ضرورة تامة؟ وهل حقا يمكنك اليوم أن تكون وطنيًا من غير إن تكون مواطناً.. ويمكنك أن تكون مواطناً لكنك لست وطنيًا!!؟

  مفهوم المواطنة أصبح موضوعًا للدراسة وموضوعًا للمناقشة وشعارًا في خطب السياسيين وعلى الرغم من *أن الكثير منهم لا يبدو أنهم يفهمون معناه ولا حتى طبيعة آثاره، وفي عصر التحولات الاجتماعية ينجذب الاهتمام لأشكال وخصائص العمليات السياسية باختيار العوامل التي تحدد اتجاه التنمية الاجتماعية وآفاقها فتم إيلاء اهتمام كبير لفهم مفهوم "المواطنة" الذي هو غني بالمحتوى في أهمية عملية تشكيله للثقافة وللوعي لكنه يكتسب تقليديا أهمية خاصة في الفترات الصعبة لتطور الدول حينما تكون وحدة المواطنين ووحدة البلد والمسؤولية المشتركة عن مصير وطنا ما حاجة ضرورية، واليوم أصبح لهذا الموضوع مرة أخرى صلة في عملية تحول العولمة المرتبطة بتغير القيم الثقافية التقليدية مع "تآكل" الروابط الاجتماعية وتوحيد أشكال الحكم كي تصبح المواطنة عاملا وشرطا لاستنساخ العلاقات الاجتماعية وذلك في نطاق من الالتزام المعتاد بالقانون انسياقا إلى النشاط المدني والمسؤولية الواعية بماهية مصير الدولة، قد انعكست المواطنة كأيديولوجية مدنية في شكل الوطنية والواجب المدني غير إننا إن تمعنا فيهما فأننا سنجد إن الوطنية ليست هي المواطنة إلى درجة انه يمكن أن يكون الجمع بين صفات المواطن والوطني منتجا لشخص مختلفًا ويمكنك أن تكون وطنيًا ولكنك لست مواطناً ويمكنك أن تكون مواطناً وليس وطنيًا، وحاليا هناك عمليات التحول المعقد في الاقتصاد والسياسة الهوية الوطنية إذ يؤدي تكوين المواطنة دورا هاما فيفهم الشعب أن تطور الدولة وإدماجها في نظام المجتمع المتحضر يعتمد على مدى استعداد المواطنين للمشاركة في هذه العمليات، وهي واحدة من المفاهيم الأساسية لمفهوم المجتمع المدني وتدعي أنها تغطي جميع الصفات والقدرات الكامنة في الأفراد كالقدرة على التفاعل مع الآخرين من أجل الأهداف المشتركة والقدرة على إخضاع المصالح الشخصية للطموحات الوطنية المشتركة، فتتمتع بنموذج تكاملي معقد يمكن تحقيقه عبر فهم المواطنين لقيمة حقوقهم وحرياتهم وواجباتهم التي تعكس مصالح المجتمع من خلال وجود علاقات مدنية متكونة بالفعل للمواطن.

 تم تفسير المواطنة على أنها مؤشر على نضج المجتمع ويكون جوهرها إشراك كل مواطن في إنجازات وطنه كإحساس بالفوائد الاجتماعية والوطنية وكمجموعة من الصفات المعنوية عالية التطور والتي تؤكد على نضج المعرفة المشتركة السياسية والقانونية، وهذا الفهم المتعدد للمواطنة يعطيها وضع فئة متعددة التخصصات لتعتبر في الجوانب الاجتماعية والقانونية والفلسفية والسياسية والنفسية والفكرية مستوى لتطور الوعي الديمقراطي ولتبني القيم الديمقراطية من قبل المواطنين وتجربة العلاقات الديمقراطية التي تحدد معايير ومبادئ التفاعل الاجتماعي والقانوني للدولة والحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني مع المواطنين الأفراد ومع المنعكس والمكرس في القوانين القانونية فأن الواجب الأخلاقي يقيس مدى تقارب المجتمع لمثل تلك الواجبات والمسؤولية والكرامة والضمير والوطنية والشعور بالوحدة مع البلد والمجتمع والتفاؤل الاجتماعي وحب الوطن والتصميم والمرونة في التغلب على صعوبات الحياة والإمكانات الإرادية في الأنشطة التي تهدف إلى تحقيق الرفاه والخبرة في التغلب على الصراعات ومنعها والشعور الاجتماعي والوطني في الفائدة والتسامح. والمواطنة هي عملية ووسيلة فعالة لتشجيع وتفعيل الأنشطة السياسية للسكان وتفعيل القدرة السياسية والاستعداد لتكوين مواطن يتمتع بكافة الحقوق الممنوحة بموجب قوانين الدولة والوفاء بجميع الالتزامات القانونية لتنفيذ وأداء الواجبات، كما أنها نظام تاريخي يتكون من القواعد والتقاليد المقبولة بسياق التجربة التاريخية والاجتماعية والعملية لتنظيم العلاقة بين المواطنين والدولة والمجتمع المدني، وعبر ذلك تتجلى الصفات الشخصية من خلال مجمع من سمات الشخصية الذاتية في العلاقات والأعمال البشرية التي يؤديها وظائف الدور الاجتماعي الرئيسة واحترام القانون والمواجهة والصراع لتقرير المصير للدور كإعداد اجتماعي أساسي جوهره رغبة الفرد في قبوله بوعي وتنفيذ قوانين ومتطلبات دولته أو إدارتها طواعية. وهناك طرق مختلفة لفهم مفهوم المواطنة لأنها مجموعة من القواعد والموارد التي تساعد على إنتاج وعلى إعادة إنتاج المؤسسات الاجتماعية فهي تتمثل في توجيه منطق التنمية الاجتماعية للبلاد إلى خدمة المصالح العامة والوحدة الروحية لجميع الناس والتغلب تدريجيا على الأزمة العالمية والعقبات ذات الطابع الاقتصادي والسياسي والفكري، وفي عملية تعزيز الدولة الحديثة إذ هناك حاجة متزايدة للمواطنين النشطين اجتماعيا والذين يشكلون ويحافظون على انظمة التربية المدنية لأن سلبية البعض سياسيا واجتماعيا تعيق تطور البلد وتنشط التوترات المجتمعية، وفي ظروف تكاملية مكثفة يمكنها أن توفر الوحدة في التنوع الحضاري كعنصر تكاملي لتفاعل المجتمع مع مكونات المواطنة الأخرى للمجتمع المدني. وتحدد المواطنة معايير ومبادئ التفاعل الاجتماعي والقانوني للدولة مع مؤسسات المجتمع المدني ومع المواطنين وهي أيضًا وسيلة فعالة لتفعيل نشاط الدولة من جانب السكان وتوحيد الدولة والمجتمع والمواطن، وأن الصفات التكاملية للشعور الواعي والمتطور بالعدالة والمسؤولية أمام القانون والاستعداد للوفاء بواجب المرء الأخلاقي وممارسة قدرته الذاتية، وهنا لا يجب إن ننسى الوظائف الرئيسة للمواطنة والتي تتضمن موقفاً نشطاً لما يحدث من حيث تكوين المجتمع المدني وتنميته لأنها مرتبطة بوضع الأهداف وتعطي الاستقرار لأفعال الاتحادات الفردية والأهلية تبعا لخصائص التنشئة الاجتماعية البشرية وخصائص البيئة الاجتماعية والوطنية والروحية، فلذا ينبغي التأكيد على الفهم المتناقض للوعي المدني من وجهة نظر سلطة الدولة والمجتمع المدني لأنها تظهر في كثير من الأحيان في أشكال احتجاج تعتمد على طبيعة النظام السياسي وتعتمد توحيد أشكال الاحتجاج على التغلب على هذا التناقض بمهمة عاجلة للدولة وللمجتمع المدني وتحدد الأساس النظري لتفاعلها مع متطلب المحتوى الموضوعي المناسب. وليتم تقديم الامتلاء الكامل للمواطنة من خلال أفكار صالحة بشكل عام عن ضمانات الأمن الشخصي والعدالة الاجتماعية يمكن تمييز مفهومها بالمغزى كعنصر موضوعي في شكل متطلبات المواطن الذي يطرح المجتمع والدولة والذاتية وعندما تساهم مصالح ونشاط المواطن أو تتعارض مع متطلبات الدولة ستتجسد المواطنة اجتماعيا بالتجسد في مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها مجالًا للنشاط المدني، ولذا فمن المنطقي الافتراض أن المواطنة يمكن أن يكون لها هيكل متعدد المستويات ويستند إلى معايير تكوين والتجلي في الاستعداد الجزئي لممارسة حقوق وواجبات المواطن ومن الممكن لها عبر تحديد درجة عالية من النضج وتكوين الصفات المدنية ليتم تنشيط الكشف عن استعداد عالي لممارسة حقوق وواجبات المواطن.

 تؤثر المواطنة على النظام العام ونوعية مساعدة المواطنين للسلطات العامة المحلية والنظام المدني الذي يضمن الحريات والحقوق والآليات الاجتماعية لتنفيذها والتعبير عن طاقة الناس والاستقلال الاجتماعي والسياسي للمجتمع المحلي، وإن تشكيل وتطوير المواطنة شرط أساسي لتشكيل المجتمع المدني لذا يجب على المجتمع والدولة تعزيز تنمية المواطنة وتشجيع المبادرات المدنية وأخذها في الاعتبار عند اتخاذ القرارات السياسية لأن مشاركة المواطنين في الحياة العامة تعتمد إلى حد كبير على فعالية تفاعل مؤسسات المجتمع المدني مع الدولة لتعزيز التماسك الاجتماعي والحوار بين الثقافات فضلاً عن زيادة دور التنوع وصولا لتحقيق المساواة الناضجة، والمساعدة في تحقيق أقصى قدر من الانفتاح والشفافية والمساءلة لمجتمع السلطات التنفيذية والحكومات المحلية ونمو رأس المال الاجتماعي لزيادة مستوى الثقة المتبادلة والتفاعل في المجتمع لتهيئة ظروف مواتية لتشكيل وتشغيل مؤسسات المجتمع المدني وضمان مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في تشكيل وتنفيذ السياسات الحكومية والإقليمية لاسيما عن طريق تهيئة الظروف لضمان أوسع نطاقا للتمثيل الفعال لمصالح المواطنين في الهيئات الحكومية التنفيذية والمحلية وعقد مشاورات منتظمة مع الشعب حول القضايا الرئيسية في حياة المجتمع والدولة وان تطوير المجتمع المدني يحتاج إلى دعم الدولة وتشجيع المبادرات المدنية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة فلذلك تجدر الإشارة إلى أن الدولة نفسها تحتاج أيضاً إلى مجتمع مدني متطور مما يسمح لها بتحديد أولويات سياساتها بوضوح ومشاركة المسؤولية التنفيذية ولذا فمن الضروري الآن إنشاء نموذج فعال للتفاعل بين الدولة والمجتمع وهادف إلى تكوين وابراز المواطنة المدنية وتفعيلها.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

علاء اللاميالفضيحة الأولى: الحمض النووي من رفات أميرين فينيقيين في صيدا يحملان جينات عراقية ويمنية وشامية.. فقد أكد الزميل تيسير خلف في منشور موثق له نشره على صفحته قبل فترة أن تحليلا للحمض النووي أجري على حمض نووي مستخرج من عظام رفات لأميرين فينيقيين عثر عليهما في المقبرة الملكية الفينيقية قرب صيدا، يعودان إلى 2700 عاما، وقد أثبت التحليل أن الأمير الأول يحمل الجينوم السلالي (ج1 تحت التحور أف جي سي 11) وهو الجينوم الذي يحمله عرب الجزيرة العربية والعراق والشام.

أما الأمير الثاني فكان رفاته يحمل الجينوم المتفرع عنه (ج2 تحت التحور بي 1) وهو الجينوم الموجود بنسبة لا بأس بها لدى سكان بلاد الشام واليمن وسلطنة عمان. معلوم أن العرب والكنعانيين وفرعهم الفينيقي هم من سلالة وراثية واحدة متحورة أو متفرعة، ومن الغباء اصطناع أية فوارق أو تمايزات عنصرية بينهم لدى بعض الجهلة المتأوربين المنكرين لعروبتهم وجزيريتهم "ساميتهم" والذين يضطهدون أشقاءهم وجيرانهم اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في لبنان اليوم!

الفضيحة الثانية: خمسة إعلاميين لبنانين من دعاة النزعة الفينيقية تطوعوا للتحليل الجيني فظهر أنْ لا علاقة لهم بالجينوم الفينيقي ج2، بل أن أحدهم "مرسيل غانم" بالجينوم الأثيوبي واثنان منهم بالجينوم العربي ج 2والرابع بجينوم "الهنود الحمر" والخامس بالجينوم الآري الأوروبي!

وقبل سنوات قليلة بثت إحدى القنوات التلفزيونية اللبنانية حلقة من برنامج تحدث فيه المتخصص اللبناني بالمورثات بيير زلوعة عن نتائج مجموعة من التحليلات للحامض النووي لخمسة أشخاص لبنانين أعدوا تقريرا تلفزيونيا معه. كانت النتائج صادمة ومفاجئة لهؤلاء ولغيرهم حيث تأكد أن:

* أحدهم وهو مقدم البرنامج "مرسيل غانم" جيناته أثيوبية وهو كان يخشى أن تكون جيناته "مخزية" أي غير فينيقية.

* والثاني "جستان إسحاق" يحمل جينات السكان الأصليين الأميركيين " الهنود الحمر".

* والثالث "عمران عيد" يحمل جينوم ج1 أي أنه من أصول عربية من شبه الجزيرة العربية.

أما الرابع رودي حشاد" يجمل جينوم آر 1 بي وبكمية هائلة 85% والذي يحمله الآريون في أوروبا وقد أرجعوا سبب وجودها الى الاختلاط الجنسي مع الصليبيين. * والخامس هو مارون فرح يحمل الجينوم العربي ج1.

وقد أكد زلوعة عدم وجود شخص واحد يحمل الجينوم الفينيقي والذي هو ج2 والمتفرع من الجينوم العربي ج1. وهذا الجينوم "ج1"هو الذي اختلسه الصهاينة الإسرائيلون ونسبوا أنفسهم إليه وأطلقوا عليه الجينوم الكوهيني والذي يؤكد العالم الروسي أنه موجود عند العرب قبل العبرانيين "بني إسرائيل" شبه المنقرضين اليوم بحوالي أربعين ألف سنة.

* زلوعة أدلى بمعلومة مهمة جدا مفادها أن نسبة 17% من سكان لبنان والمشرق العربي "خارج الجزيرة العربية" يحملون الجينوم ج1 العربي منذ ثمانية عشر ألف سنة أي منذ آلاف السنوات قبل الفتح العربي الإسلامي. وإذا كان زلوعة الباحث عن النقاء العنصري الفينيقي يعترف بهذه النسبة فهي ربما تكون أكبر من ذلك بكثير. هذه الحقيقة تدحض وبشكل نهائي خرافة أن العرب غزاة فاتحون لم يكن لهم وجود في لبنان وسوريا وفلسطين قبل الإسلام أي قبل ألف وأربعمائة سنة، بل هم كانوا موجودين في زمن أقدم من ذلك بكثير بأكثر من ستة عشر ألف سنة! أما في العراق فإن الجينوم ج1 موجود في أعلى نسبة له تصل إلى 81% في جنوب العراق وهي ضعف النسبة الموجودة في جميع البلدان العربية باستثناء اليمن الذي تصل فيه إلى 72%، وهذا يعني علميا أن جنوب العراق هو مهد ومنبع الجينوم العربي ج1 ومنه تفرع وانتشر وهو يعني أن نظرية "جاموسات محمد بن القاسم الثقفي" التي تشكك في عروبة وعراقية الجنوبيين العراقيين وتزعم أنهم من أصول هندية نظرية عنصرية وطائفية تافهة بل وأكثر تفاهة ممن تبنوها وأشاعوها في عهد النظام السابق!

* أكرر هنا أنني لست مهتما بمواضيع العرق والسلالة والجينات إلا لجهة فضح العنصريين المنادين بها أيا كانوا، فالإنسان عندي هو الكائن العاقل الواحد، وهو بالدرجة الأولى الثقافة وليس الدم والعرق. هذا المعنى ذكرته في مقالة لي نشرت في الأخبار بتاريخ 16 تموز 2018 وفيها كتبت (فنحن حين نتصدى لهذا الميدان العلمي الخاص بأصول مجموعة بشرية معينة، لسنا من المغرمين بالموضوع العنصري وحججه، ولا من المحبذين له أو الراغبين في التعويل عليه، بمقدار ما نحن مضطرون إلى كشف الخطاب الصهيوني التلفيقي "وأمثاله"...).

 

علاء اللامي

.......................

روابط:

* رابط يحيل الى منشور الصديق تيسير خلف وله الشكر على ما زودني به من معلومات:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1794377347296052&id=100001714139022

* رابط آخر للتوثيق باللغة الإنكليزية ورد في منشور الزميل تيسير خلف:

https://www.cell.com/ajhg/fulltext/S0002-9297(17)30276-8?fbclid=IwAR2LNRq1nUnHJt83a7eLBZURTuQofWoPFM33uaL2Y4ef2pFUY-1i6EQHuT8

* رابط لبرنامج مرسيل غانم ولقائه ببيير زلوعة:

https://www.youtube.com/watch?v=ZDJAIbyGkIs&feature=share&fbclid=IwAR3X87KEnTri59FmvJokhbRjdJtQsa9WryLfAkO33CJKhbh97_RceG5JrcA

* رابط حول موضوع نسب الجينوم "المسرد الوراثي" ج1 في الدول العربية والمشرقية عموما، ومنه نعلم الآتي (في البلدان العربية، J1 تصل ذروتها بين عرب الأهوار في جنوب العراق (81.1%)، عرب العراق (64.1%)، بدو النقب (62%)، الأردن (48.7%)، فلسطين (38%)، سوريا (33.6%)، لبنان (25%).

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%88%D8%BA%D8%B1%D9%88%D8%A8_%D8%AC%D9%8A1_-_J1_(%D9%88%D8%A7%D9%8A-%D8%AF%D9%8A_%D8%A5%D9%86_%D8%A5%D9%8A%D9%87)

* خاتمة لجبر خواطر هؤلاء اللبنانيين العنصريين أورد هذا الخبر عن زميلهم أدولف هتلر الذي ظهر أنه لا يحمل الجينات الآرية آر 1 أي :  شاهدت يوم أمس لقاء جديدا مع العالم الروسي كليوسوف قال فيه أن تحليل الحمض النووي للزعيم النازي هتلر أثبت أنه لا يحمل الجينوم الآري "آر1أي " وإن هذا الجينوم موجود بنسبة قليلة تصل الى 9% لدى سكان ألمانيا الغربية وهي النسبة نفسها لدى شعوب آسيوية بعيدة كسلطنة عمان!

رابط اللقاء مع كليوسوف:

https://www.youtube.com/watch?time_continue=110&v=5KZmbe8DUSo

 

جواد بشارةبعض العلماء بات يعتقد أن  الكون يمتلك وعياً، وبهذا قد يتكرس علمياً مفهوم الكون الواعي، الحي، المطلق، الكامل، أو المتمتع بالكمال  والكلية، والمتحرك والمتطور دوماً، بلا بداية ولا نهاية، لم يخلقه أحد ولم يخلق  أحداً، إذ هو الوجود برمته، وكل شيء موجود، مادي أو غير مادي، هو جزء من مكوناته، من أصغر جسيم في اللامتناهي في الصغر في كوننا المرئي إلى أكبر شيء، في اللامتناهي في الكبر، بما فيه نحن البشر والكائنات الأخرى في المجرات في كوننا المرئي، الذي هو جسيم صغير لا متناهي في الصغر من بين عدد لامتناهي من الأكوان المكونة للكون المطلق، إن هذا الأخير، أي الكون المطلق، هو الذي يمتلك الوعي . لقد بتنا نعتقد الآن أن الكون لابد أن  يكون واعيا، فلا مناص من ذلك، ولا ينبغي أن نبحث بعيدًا عن نظريات غريبة عن طبيعة الكون والوعي الإنساني، في هذه الأيام، حيث تجد المفاهيم، التي تم تداولها في مجال الخيال العلمي، طريقها إلى المجلات الأكاديمية الرصينة منها والباطنية أو الماورائية، ومن هناك إلى الخطاب السائد تجاه العامة. ومن الأمثلة على ذلك منظومة المحاكاة، التي دافع عنها مؤخراً الملياردير  الواسع الخيال إيلون ماسك ؛ وهناك مثال آخر يتعلق بــ "بلورات الزمن"، وهي مرحلة غير خطية محيرة من المادة. وأخيرا وليس آخراً، أحدث سمفونية عن الروح، والتي يتم بثها عبر الإنترنت وتطرح أفكارًا جديدة حول النظرية المربكة المتمثلة في   النزعة الروحية والنفسية الشاملة والجامعة، أو الروحية الشاملة المعروفة علمياً بــ "panpsychism" حيث الاعتقاد بأن العقل والوعي هو خاصية أساسية للكون المادي ومشبع من جميع حالات المادة، المعروفة منها  والمجهولة من قبلنا.

أعادت ورقة بحثية علمية جديدة، نشرها الفيزيائي غريغوري ماتلوف Gregory Matloff، الفكرة مرة أخرى إلى المناقشات العلمية، واعدة بإجراء الاختبارات التجريبية التي يمكن بفضلها "التحقق من صحة أو خطأ أو تزوير" مفهوم "الوعي الكوني في كل مكان." champ de proto-conscience أو حقل إنموذج الوعي المتواجد دوماً في كل مكان.  حسب تعبير  غريغوري ماتلوف الذي دافع عن فكرة مثيرة للجدل نوه عنها في ورقته العلمية والتي تتحدث عن" النجوم التطوعية أو النجوم ذاتية التوجه "، مما يدل على أن هناك بالفعل دليل على أن النجوم تتحكم في مساراتها المجرية.

وبقدر ما تبدو النظرية سخيفة، لدى البعض، فإن لديها العديد من الأتباع البارزين، من بينهم العالم الفيزيائي النظري البريطاني الشهير السير روجر بنروز Sir Roger Penrose، الذي قدم التعقيد لمفهوم النزعة الروحية والنفسية الشاملة والجامعة أو الروحية الشاملة  "panpsychisme"  قبل ثلاثة عقود. يعتقد بنروز أن الوعي ينشأ من خصائص التشابك الكمومي découlait des propriétés de l'enchevêtrement quantique. كما قام هو وعالم التخدير ستيوارت هامروف Stuart Hameroff بتأليف فرضية الحد من الأهداف المدبرة أو المنظمة(Orch-OR) l’hypothèse de la réduction de l’objectif orchestré، والتي تؤكد، من بين أمور أخرى، أن الوعي ينتج عن الاختلاجات والتقلبات أو الاهتزازات الكمومية  vibrations quantiques  داخل الأنابيب الدقيقة des microtubules.

في عام 2006، دفع العالم  الفيزيائي الألماني برنارد هايش Bernard Haisch  بهذه الفكرة إلى أبعد من ذلك واقترح أن ينشأ الوعي داخل "الفراغ الكمومي vide quantique " في أي وقت وفي كل مرة  يوجد فيها نظام متقدم ومتطور بشكل كبير يتم تدفق الطاقة  من خلاله.

وتناول كريستوف كوش Christof Koch، عالم الأعصاب neuroscientifique،، هذه الخاصية الغريبة، ولكن من زاوية مختلفة، وهو مؤيد آخر لنظرية الهيئة النفسية أو التجلي النفسي والروحية الشمولية panpsychisme التي تقول أن لكل مادة طبيعة نفسية، مستخدمًا نظرية المعلومات المتكاملة la théorie de l'information intégrée  ليجادل بأن الوعي ليس فريدًا أو مقتصراً على الكائنات البيولوجية.

يؤكد كوخ: أن "النظرية السائدة الوحيدة التي لدينا عن الوعي تقول إنها مرتبطة بالتعقيد la complexité - وبقدرة النظام على التصرف بناءً على حالته الخاصة وتحديد مصيره". كما تنص النظرية على أنه يمكن للتعقيد أن يتحول إلى أنظمة بسيطة للغاية. من حيث المبدأ، وقد تكون بعض النظم الفيزيائية البحتة غير البيولوجية أوغير العضوية مدركة وواعية أيضًا.

ينقل ماتلوف وغيره من العلماء الحجة والفرضية إلى مرحلة جديدة: ألا وهي مرحلة التجريب. يعتزم ماتلوف التركيز على دراسة سلوك النجوم، وعلى وجه التحديد والدقة، تحليل لحالة شاذة في الحركة النجمية تُعرف باسم لا استمرارية أو توقف البارانيغو  Paranego. يريد ماتلوف أن يعرف السبب في أن بعض النجوم الباردة تنبعث منها نفاثات من الطاقة المدببة والموجهة في اتجاه واحد مقصود، وهي خاصية تبدو في كل مكان غريبة وغير معروفة في المجرة. وفي عام 2018، خطط ماتلوف لاستخدام نتائج من تلسكوب الفضاء غايا Gaia لرسم خرائط النجوم لإظهار أن هذا الشذوذ قد يكون عملاً نجميًا متعمدًا وواعياً ومقصوداً.

في هذه الأثناء، بينما يدرس ماتلوف النشاط الكوني على أوسع نطاق، يقترب كوخ من المرحلة التجريبية للنظرية باستخدام مرضى ضعاف الدماغ. إنه يريد أن يعرف ما إذا كانت استجابات المعلومات تتطابق مع الأسس الكيميائية للوعي. وهو يخطط لاختبار ذلك عن طريق توصيل أدمغة الفئران معًا لمعرفة ما إذا كانت عقولهم تندمج في نظام معلومات أكبر.

من المؤكد أن للنفسيين  من أنصار الــ Le panpsychisme نقاد أيضًا. ففي مقال نشر في مجلة أتلانتيك The Atlantic بعنوان "لماذا التعصب غير صحيح،" كتب كيث فرانكش Keith Frankish: "العمق الروحي والنفسي للــ Le panpsychisme يعطي الوعي حالة غريبة. إنه يضعها في صميم كل كيان مادي يهدد حتى الآن بجعله خاملاً بشكل توضيحي. لسلوك الجسيمات دون الذرية والأنظمة التي تشكلها، وبالتالي يجب أن يتم شرحها بالكامل من قبل الفيزياء والعلوم الفيزيائية الأخرى. لا تقدم نظرية الــ  Panpsychism أي تنبؤات أو تفسيرات مميزة سوى إنها تخصص مكانًا للوعي في العالم المادي، لكن هذا المكان هو نوع من الأطراف ليس إلا ".

يعبر الاقتباس أعلاه عن إحساس عام بأن المبالغة في التبسيط تبسط مشكلة الوعي الصعبة في الكون، وهو رأي يشاركه فيه ىكثير من العلماء. ومع ذلك، يواصل ماتلوف، وبينروز، وغيرهم من المؤيدين، القيام بمهمة المغامرة خارج هوامش العلوم المقبولة في محاولة للتوفيق بين التناقضات الشاذة والعصبية التي تكشفها نظرية الكموم أو الكوانتوم، وهي بداية عسيرة بالطبع لكنها واعدة.

 

د. جواد بشارة

 

منى زيتونمنذ بدأت الحياة على الأرض اعتاد الإنسان أن يؤرخ لها، وكانت له وسائل مختلفة لحساب الزمن اعتمادًا على الأجرام السماوية وتعاقب الفصول على سطح الأرض، وهكذا تتابعت علينا الأيام والليالي. وعلى وضوح مفهوميّ اليوم والليلة فهناك أشياء كثيرة متعلقة بهما تخفى على كثير من شباب هذا الجيل.

أيام الأسبوع: أيام الله

يقول تعالى في كتابه: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5]، وقطعًا فإن المقصود هنا التذكير بأيادي الله ونعمته الوفيرة على عباده عندما تعود ذكراها، وكذا تذكر لطفه بعباده عندما نزلت بهم النوازل والخطوب العظيمة. لكن كيف نتذكر تلك المناسبات لنصبر ونشكر كما هو الأمر في الآية الكريمة؟

أجدادنا علّمونا أن أيام الله هي أيام الأسبوع، والتي لم يختلف الخلق عليها قط، فالعالم بأسره شرقًا وغربًا لا خلاف بينهم في أي يوم من أيام الأسبوع يكون اليوم، فإن كان اليوم جمعة في مصر، فهو جمعة في فرنسا، وهو كذلك في الصين، والأمر لا يعدو سوى اختلاف لغات. بينما اختلفت الشعوب في حساب سنواتها، من حيث اليوم الذي يبدأ فيه العام، ومن حيث اعتماد الشمس أو القمر كأساس للتقويم.

اعتاد الناس في عصرنا أن يكون احتفاءاتهم بالمناسبات سنويًا، والحقيقة أن الأعياد والمناسبات الدينية فقط هي التي كان الاحتفاء بها وتذكرها يجري سنويًا في القديم، أما أيام الله تلك الخاصة بكل عبد فكان يحتفي بها ويذكرها أسبوعيًا. علّمنا الأجداد أنه لا ينبغي أن تمر علينا أيام الله (أيام الأسبوع) دون أن نعتبر ونشكر الله. وهذا كان حال الناس جميعًا قديمًا قبل أن يتصلوا بالثقافة الغربية. دل على ذلك ما ورد في الحديث الشريف من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان يصوم يوم الاثنين، ويقول إن هذا يوم وُلِدت فيه، كما كان يزور مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيًا ويصلي فيه.

السبت بداية الأسبوع أم نهايته؟!

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق:38]

بينما جاء في سفر التكوين عن الله ﴿فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل﴾ (تك 2: 2)

﴿وبارك الله اليوم السابع وقدَّسه. لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا﴾ (تك 2: 3)

وفي سفر الخروج

﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ﴾ [خر 20: 11]

﴿لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع استراح وتنفس﴾ (خر 31: 17)

بينما في سفر أشعياء  ﴿إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكلُّ ولا يعيا﴾ (أش 40: 28)

لست معنية هنا بمناقشة بعض الفروق العقدية بين المسلمين وأهل الكتاب، بل يعنيني توضيح بعض الاختلافات التي قد لا يُلتفت إليها بين الشرق والغرب، والتي لها صلة بتلك الفروق العقدية. فأنا هنا لا أناقش معنى تلك الراحة التي نسبتها التوراة لله عز وجل، والتي قالوا إنها تعني الكف عن العمل وليست تعبيرًا عن التعب، حاشاه تعالى. فوفقًا لليهودية والمسيحية؛ الله تعالى بعد الستة أيام لم يباشر خلق أي شيء بيده، بل القوانين التي أوجدها هي التي تعمل، لكن وفقًا للمنظور الإسلامي، فالله هو الخلّاق، وعملية الخلق مستمرة وفقًا لما تم سطره في أم الكتاب. سبق أن ناقشنا ذلك المعنى في مقال "المسيح.. كلمة الله القديمة" ومقال "الله الخلّاق".

نعرف جميعًا وجود اختلاف في بداية الأسبوع بين الشرق والغرب، فبينما يكون السبت عندنا هو بداية الأسبوع، ثم تتلوه الستة أيام التي تمثل أيام الخلق، والتي تبدأ بالأحد وتنتهي بالجمعة، تكون تلك الستة أيام المبتدئة بالأحد في بداية الأسبوع، ليكون السبت بعد ذلك هو اليوم السابع عندهم الذي استراح الله فيه بعد الخلق وفقًا لما ورد في سفري التكوين والخروج. واستراح بالعبرية تعني "شابات"، ومنها جاء لفظ "السبت" بالعربية.

ومن ثم يكون تحديد بداية الأسبوع هو تبني لأي الرؤيتين القرآنية أو التوراتية، التي اختلفت في السبت هل كان قبل الخلق أم بعده.

البداية الليل أم النهار؟!

كانت العرب تقول قديمًا: حساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك.

ومعروف أن الأعاجم يأخذون بالتقويم الشمسي، وتعويلهم دائمًا على الشمس، ومن هنا كان النهار هو البداية لديهم، بينما العرب يحسبون بالتقويم القمري، ومن هنا فالليل هو البداية لأنهم يعولون على القمر، والتاريخ عندهم يبدأ بالليالي، فهي أوائل الشهور.

في القرآن الكريم يقول تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142]، وقد استدل بالآية كثير من المفسرين على أن التأريخ يبدأ بالليل لا بالنهار.

ونحن نحدد صيام رمضان بظهور الهلال في أول ليلة منه، وكذا نحدد دخول ذي الحجة بظهور هلاله، والذي تترتب عليه مناسك الحج. لكن هذا لا يمنع أن الشمس هي الأساس في تحديدنا لأوقات الصلاة اليومية، وأننا نصلي فروضنا بالنهار وليس الليل، فأما الليل فقد جُعِل للتنفُل.

كانت جدتي رحمة الله عليها بعد صلاة المغرب من كل ليلة تقطع ورقة التقويم الخاصة باليوم لأنه انتهى، ودخلت ليلة اليوم الجديد، وكنا -ونحن صغار- كثيرًا ما نجد تقويمات تضع مواقيت الصلاة اليومية فيها بدءًا من المغرب والعشاء لليلة السابقة على اليوم، ثم الفجر والظهر والعصر لليوم، وهكذا دواليك. لم يعد هذا معتادًا في بلادنا العربية منذ عقود، ولكن لا زلنا نعتبر أن الليلة تسبق اليوم، وهذا يسبب كثيرًا سوء فهم وإشكالية في تحديد المواعيد بين الشرقيين والغربيين.

إن كنت تزور بلدًا أوروبيًا لأول مرة، وأخبرك أحد معارفك هناك أنه سينتظرك على العشاء ليلة السبت، فعليك أن تفهم أن ليلة السبت تلك التي يعنيها هي الليلة التي تلي يوم السبت، وتفصله عن يوم الأحد، والتي تعني بالنسبة لك ليلة الأحد لأنها تسبق الأحد! اللهم إلا إن كنت من المتأثرين بالثقافة الغربية ممن أصبحوا يتعاملون بمفاهيم الغرب، وحتى هؤلاء غالبًا يستخدمون تعبير مساء السبت وليس ليلة السبت عند التحدث بالعربية، في محاولة للتوسط بين المفاهيم الشرقية والغربية.

ليلة العيد

لأن النهار هو البداية لدى الغربيين، فالغربيون يحتفلون بدخول أعيادهم ومناسباتهم مع بدء اليوم، بينما العرب يحتفلون بعد غروب الشمس، لأنه يعني أن ليلة العيد قد بدأت.

لكننا نعرف أنهم في الغرب أيضًا يحتفلون بليلة الكريسماس وليلة عيد الميلاد، فيبدأون الاحتفال عشية اليوم السابق، ثم ينتظرون تمام الثانية عشرة والتي تعد بدء اليوم الجديد.

المسيحيون يرجعون بدء الاحتفال ليلًا لأن المسيح عليه السلام وُلِد ليلًا، ولكن إن دققنا فهذا يخالف ما اعتاد عليه الغربيون من اعتبار الليل تابعًا للنهار الذي يسبقه وليس النهار الذي يليه، فالمفترض وفقًا لهذا أن يكون يوم الميلاد هو اليوم السابق لليلة احتفالهم، ولكنهم هنا يقلدون الشرقيين، ولا يخفف من تقليدهم سوى اعتبارهم انتصاف الليل في الثانية عشرة هو بدء اليوم الجديد.

ولعل هذا التحول الغربي باعتبار بدء اليوم عند انتصاف الليل هو شكل من أشكال التأثر الثقافي بالشرق، والتقليد لعاداته، والشرق مهد الديانات كما نعرف؛ فالمسيحي الغربي الذي كان يأتي الشرق حاجًا ليجدهم يحتفلون في الليلة السابقة ليوم الميلاد لم يكن ليدع هذا عندما يعود إلى وطنه؛ فليلة عيد الميلاد عند الغرب هي تأثر بالمفاهيم الشرقية في أن الليل يسبق النهار.

الربيع هو بداية العام

على اختلاف البشر في احتساب بدء التقويم السنوي إلا أن أغلب الشعوب التي استخدمت التقويم الشمسي اعتبرت الربيع بداية العام. بل ومن يقرأ الأبراج يجد أولها برج الحمل، والذي يوافق الاعتدال الربيعي في 21 مارس. يشذ عن ذلك بعض الأمم كالمصريين القدماء واليهود الذين تابعوهم في اعتبار الخريف هو بداية العام؛ فبدأوا العام بتشريه (تشرين)، لارتباط حياتهم بفيضان النيل.

بوجه عام، فإن الربيع هو رمز لعودة الحياة كي تدب في الأرض بعد موات الشتاء. وزهرة نيسان (أبريل) هي رمز البكور والإثمار.

كان الربيع عند القدماء هو البداية الحقيقية للسنة، وليس الشتاء، وبقي كذلك آلاف السنين، لكن في في عهد الملك تشارلز التاسع ملك فرنسا في القرن السادس عشر الميلادي، وتحديدًا عام 1564م، تقرر أن يكون أول يناير هو ابتداء السنة الميلادية لقربه من تاريخ مولد المسيح عليه السلام، ومن هنا جاءت كذبة أبريل حيث كان الناس يمزحون مع أصدقائهم ويدعونهم لحفل رأس السنة في أول أبريل مثلما كان معتادًا قبل إحداث ذلك التغيير.

مع ذلك لا زالت أمم كالفرس والأكراد يحتفلون ببدء العام الجديد في الربيع.

إصلاح التقويم الشمسي: التقويم الجريجوري

لم يكن تعديل موعد بداية العام هو التعديل الهام الوحيد الذي حدث في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، ففي عام 1582م لاحظ البابا جريجورس الثالث عشر أن الاعتدال الربيعي قد حدث يوم 11 مارس بدلًا من يوم 21 مارس، بسبب تراكم الدقائق والثواني المحتسبة خطأ وفقًا للتقويم اليولياني الذي وضعه يوليوس قيصر عام 46 ق.م، وكان ذلك التقويم أطول من السنة الشمسية بفارق مقداره 11 دقيقة و 14 ثانية.

قرر البابا انتظار موعد الاعتدال الخريفي في 23 سبتمبر من العام نفسه ليقوم العلماء بقياس ظل الشمس مرة أخرى وحساب الفروق، وعندها تأكدوا أن هناك فرقًا مقداره عشرة أيام كاملة بين السنة التقويمية والسنة الشمسية، وتقرر إصلاح الخطأ فصدر الأمر بأن يكون اليوم التالي ليوم الخميس 4 أكتوبر من ذلك العام هو الجمعة 15 أكتوبر وليس 5 أكتوبر!

ونظرًا لأن السنة الجريجورية أطول من السنة الشمسية بمقدار 26.3 ثانية، ولأجل عدم تراكم الكسور مرة أخرى أصدر البابا قرارًا بأن يكون هناك تصحيح كل أربع سنوات بإضافة يوم إلى شهر فبراير من تلك السنين لتكون تلك السنوات كبيسة، وبحذف ثلاثة أيام كل أربعمائة سنة، وأن يكون ذلك في السنوات القرنية، فتأتي كل سنة منها بسيطة رغم أنها تقبل القسمة على أربع، على أن تكون السنة المتممة للأربعمائة هي وحدها الكبيسة. فكانت سنة 1600 سنة كبيسة، بينما سنوات 1700 و 1800 و 1900 تم حذف اليوم الإضافي من شهر فبراير منها لتكون سنوات بسيطة، ثم عادت سنة 2000 فكانت سنة كبيسة.

ورغم تلك التصحيحات المتوالية فإن هناك فروقًا بسيطة من الثواني تتراكم علينا، ومن المنتظر أن تكمل يومًا كاملًا يكون قد أضيف للتقويم خطأ عام 4316م، وعليه فالأمر وقتها سيتطلب حذف اليوم الإضافي من شهر فبراير مرة أخرى لإزالة تلك الفروق المتراكمة، ولتكون تلك السنة أيضًا بسيطة وليست كبيسة رغم أنها تقبل القسمة على أربع. لكن من يعلم هل ستبقى حياة على الأرض إلى حينها؟!

وبسبب رفض الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والروسية التعديل الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية استمروا في استخدام التقويم اليولياني، والذي لم يتم فيه تصحيح الكسور، حتى بلغ الفرق بين التقويمين حاليًا 13 يومًا، وهذا سر احتفال المسيحيين الشرقيين بعيد الميلاد يوم 7 يناير وليس 25 ديسمبر.

ولمن يسأل لماذا فبراير تحديدًا الذي ينتهكونه فيقصرون أيامه؟ فليعلم أن يوليوس قيصر عندما وضع التقويم اليولياني كان أول من اقتنص يومًا من فبراير ليضيفه إلى الشهر السابع الذي أعطاه اسمه "شهر يوليو"، ليصير عدد أيامه 31 يومًا، ثم جاء من بعده ابنه بالتبني أغسطس فاقتطع يومًا آخر من فبراير كي يصير عدد أيام الشهر الثامن المسمى باسمه هو أيضًا 31 يومًا. ومن وقتها صار كل من احتاج تصحيحًا بالخصم من السنة الشمسية اقتطعه من فبراير، ولكن صار يحدث مثل هذا التصحيح فقط في سنوات كبيسة ليتراجع فبراير فيها من 29 يومًا –كما يُفترض أن يكون- إلى 28 يومًا، رغم أن السنة تقبل القسمة على أربع!

معرفة تواريخ الحوادث في الماضي بالرجوع بالزمن للوراء!

دائمًا ما يتوارد على مسامعنا تحديدات للزمن الذي ولد وعاش فيه فلان أو مات فيه آخر أو وقع فيه حادث ما، ويدّعي المؤرخون وعلماء الدين أنها أقرب للدقة.

يحدث هذا استعانة بالآثار والكتب الدينية والتاريخية وغيرها، لكن محاولاتنا للرجوع بالزمن إلى الوراء لحساب زمن حدث هام لا تكون دقيقة تمامًا كون ما نعتمد عليه من أدلة نستدل بها عليه غير مقطوع بدقتها، ولكوننا نعود إلى الوراء وفقًا لنظام سنواتنا الذي لا تتغير عدد أيامه، بينما كان للقدماء إضافاتهم وخصوماتهم للحفاظ على زمن الاعتدال الربيعي بلا تغير، كما كانت لهم تقويماتهم التي تختلف عن تقويماتنا.

يقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)﴾ [الأنعام 75: 78]

ومن أطرف ما قرأت يومًا لشندي الفلكي المصري أنه وبمساعدة هذا الحدث الفلكي الذي أوردته الآيات الكريمة، والذي ظهر فيه كوكب المشتري وأفل قبل بزوغ القمر، واستعانة بمعلومات أخرى دينية وتاريخية استطاع تحديد ليس فقط السنة التي وقعت فيها هذه الحادثة الفلكية الشهيرة، بل استطاع تحديد الليلة التي وقعت فيها!

أخيرًا، فإنه كما كانت تراعى الكسور في التقويمات الشمسية فيبدو أن ذلك كان يحدث قديمًا في التقويمات القمرية بإضافة النسئ، ولأجل ذلك كان موعد رمضان يكاد يكون ثابتًا، ولكن رمضان عندنا الآن صار يلف على فصول وشهور العام كلها!

 

د. منى زيتون

 

عمار حميدتركت لنا اثار حضارات وادي الرافدين المتعددة خزينا ثقافيا يتميز بتنوعه بما حوى من قصص وشخصيات أسطورية تعددت مابين الآلهة والمخلوقات الناتجة عن الخيال الخصب لهذه الحضارات وفي هذه المجال يتناول البروفيسور (أيرفنغ فينكل) القيِّم في المتحف البريطاني المختص في علم المسماريات والمسؤول على قسم حضارات الشرق الأوسط الحديث عن الشياطين والاشباح والأرواح وغيرها من الكائنات الاسطورية وما تسببه من مشاكل وتأثيرات على الحياة اليومية للأنسان في حضارة وادي الرافدين وكيف يُعتقد انه كان يتم التعامل معها، فقد كان هناك نظام مثير للأهتمام فعلا يتضمن طرق التعامل مع هذه الارواح في الثقافة والأعراف الرافدينية في حضارات سومر وبابل وآشور.

فعندما يولد الطفل يوضع تحت حماية آلهة معينة وهذه الآلهة ستكون مسؤولة عن حماية الطفل اثناء نموه وخلال حياته، قد يبدو هذا نظاما جيدا لحماية الشخص من الأرواح الشريرة ولكن في اعتقاد سكان بلاد الرافدين تبدو طبيعة الآلهة الحامية مرتبطة مع طبيعة الشخص ونتيجة لذلك فأن الاشخاص الغير موثوق بهم او الذين يكذبون والزناة والمخمورين والذين يعانون من الكآبة او الحالة النفسية السيئة سيحملون هذا التأثير السلبي الى الآلهة المكلفين بحماية اشخاص كهؤلاء وهذا يعني انهم سوف لن يتمتعوا بحماية دائمة ما يؤدي الى نتائج سيئة حيث توجد العديد من الأرواح والشياطين والعفاريت والتي لايمكن رؤيتها هائمة تنتظر الفرصة لتنقض على هؤلاء الاشخاص الفاقدين لحماية الآلهة، فأذا هجرتك الآلهة المكلفة بحمايتك او صدر منك تصرف غير لائق مع شخص آخر فأن هذه الشياطين تهاجمك.

بعض هذه الشياطين والارواح الشريرة معروفة جدا في اساطير بلاد الرافدين ومن بينها (لاماشتو) وهي امرأة برأس أسد وتظهر في التمائم الحجرية المستخدمة للحماية من الارواح الشريرة وتقوم بأرضاع ذئب وكلب او خنزير وحشي ممسكة بالأفاعي في يدها وحول خصرها وتقف على ظهر حمار فوق زورق وفي بعض الاحيان تبدو النقوش التي تُظهر (لاماشتو) بتفاصيل كثيرة تدل على معرفة الناس بما تبدو عليه بشكل واضح ويعلمون بشكل أدق ان يتجنبوها بحذر لأن اهتمام هذه الروح الشريرة ينحصر في الأطفال والرضّع والنساء الحوامل ومن هم على شاكلة هؤلاء وهذه الشخصية تشبه كثيرا شخصية (التابعة) من حيث الفكرة التي ترافق الحوامل والنساء بشكل عام في المجتمع الريفي العراقي.

وهناك نصوص شعرية مسمارية تتحدث عن (لاماشتو) تصورها وهي تتجول في الطرقات تتشمم أبواب المنازل بحثا عن الأطفال حديثي الولادة وتتسلل لألتهامهم، لذلك فأن (لاماشتو) تمثل تجسيدا للخطر اثناء عملية الولادة في ذلك الوقت وتجسيدا لكل ما تخشاه النساء فقد كانت توصف بالرشاقة والخطورة، والشيء المميز الاخر الذي تبرزه التمائم بخصوص (لاماشتو) انه كان لديها عدو لدود اسمه (بازوزو) وهو شيطان بوجه قبيح جدا ذو ملامح مشوهة ويبدو للوهلة الاولى انه من الارواح الشريرة التي يجب ان يتجنبها الشخص الا انه كان على العكس من ذلك لأن قباحة وجه (بازوزو) كانت كفيلة بأبعاد وطرد (لاماشتو) تماما! وتوجد تمائم تبين ذلك فمثلا اذا لمحت (لاماشتو) الشيطان (بازوزو) من احدى النوافذ فأنها ستولي هاربة.

نحن لانعرف بالضبط لماذا يمتلك (بازوزو) هذا التأثير المخيف على (لاماشتو) لكن بروفيسور (ايرفنغ) يكشف عن تفسير شخصي توصل اليه رغم انه لايوجد دليل لنظريته لكنها تنص على ان (بازوزو) و(لاماشتو) كانا متزوجين ثم تحولا الى عدوين بعد ان تطلقا وكان طلاقهما مأساويا جدا كالذي نواجهه في الروايات الادبية او الحياة الواقعية حيث لايحتمل احدهما رؤية الاخر تحت اي ظرف من الظروف وهذا مايمكن ان يفسر قوة وتأثير طبيعة هذا الردع والنفور فيما بينهما

وبالرغم من ذلك واجه (بازوزو) انتقادا وافتراءا لاذعا من قبل صنّاع السينما في هوليوود وهجوما على شخصيته حين تم انتاج فيلم يتناول حكاية فتاة كان يبدو انها طبيعية بشكل ممتاز ثم تبدأ وبشكل مفاجئ بالتصرف بشكل مرعب وكأن روحا شرية قد تملكتها كما ان بداية الفيلم قادت الى هذه المشاكل والهجوم على هذه الفتاة غير المحظوظة حين يظهر تمثال (بازوزو) امام المشاهدين لتقدمه هوليوود على انه شخصية شريرة لكنه في الواقع عكس ذلك تماما

لذلك تبدو بعض الشياطين في مفهوم حضارات بلاد الرافدين انها تتصرف بشكل شرير جدا ولديهم بعض القدرات مثل التملك والسيطرة او (المَس) والنفوذ من خلال الاجساد وجعل من يخترقوه يعاني المرض ولابد من طارد الاوراح ان يعالج هؤلاء الاشخاص واخراج الشياطين من الجسد وارجاع الشخص لحالته الطبيعية ولديهم وسائل مختلفة لفعل ذلك مثل حرق بعض الاشياء وجعل الشخص الممسوس يستنشقها او اعطائه قليلا من الصوف وتمائم حول العنق وامورا اخرى اعطتهم الخبرة للتصرف والمعالجة في حال وجود روح شريرة مست شخصا ما.

وفي النهاية يقول (فينكل): توجد طريقة واحدة للتخلص من هذه الاشكال العدائية وان نجعلها تتراجع من خلال وضع اشكال لها في قارب صغير على شكل لعبة وفيما يتعلق بـ(لاماشتو) العاشقة لأكل الاطفال توضع دمية لها في قارب مع اشياء مثل متاع للطعام ومشبك للشعر ومشط وهي امور نسائية تجعل فكرها يبتعد عن الاطفال ثم يضع طارد الارواح الشريرة هذه الاشياء في قارب في نهر دجلة السريع الجريان وسرعان مايختفي عن الانظار.

 

عمار حميد مهدي

 

عبد الخالق الفلاحعند متابعة الوزارء المنتخبون لوزارة التربية يتم الاصرار على مرشحين ليسوا اهلا لها و رغم كون انهم قد ثبت تورطهم في اما داعشيين او غير كفوئين لهذا المنصب الخطيرالذي يمس الحاضر والمستقبل  وخاصة في هذه المرحلة بعد ان فقدت التربية نسبة المشاركين في منظومة التعليم والتي  تحتاج الى نظرة واقعية للاختيار الاكفأ والانسب بعيداً عن المفاهيم السائدة التي يتم اختيار الوزراء بها، كذلك قلة نسبة الدعم الحكومي لهذا القطاع المهم بسبب الفساد وتبخر الاموال التي وضعت في الموازنات السابقة . ونظراً لتلك الأسباب توجه العديد من الأطفال العراقيين إلى مجال العمل وتراجع المستوى العلمي والتربوي في العراق كثيرا خلال السنوات الماضية التي سبقت سقوط النظام البائد ولمختلف المراحل الدراسية واسباب ذلك لا تعود الى عوامل دون اخرى وانما جملة عوامل مترابطة ادت الى تدني العملية التربوية فاحد هذه العوامل كانت سيطرة ذلك النظام على جميع مرافق التعليم وتسخيرها لمصلحته الشخصية وسيطرته على جميع مناهج التعليم التي اخذت تمجد له فضلا عن العامل الاقتصادي الذي يعد المحور الاساسي للبناء ومن ثم عدم استقرار الدولة يؤدي الى الانهيار الشامل الذي انعكس على الواقع التربوي والعلمي حيث تعرض البلد لحصار دام اكثر من ثلاثة عشر عاما اضعف الكيان التعليمي والتربوي بشكل كبير.

بعد الإطاحة بالنظام العراقي السابق كان على الحكومات ان تضع في أولويات برامجها برامج ومشاريع لتطوير مناهج التربية والتعليم وأعتماد معايير وتجارب تربوية وتعليمية متطورة بعيداً عن التقليدية مع إيلاء فئة الشباب الاهتمام الكافي ومكافحة الأمية التربوية والتعليمية بينهم وتوظيف طاقاتهم لخدمة مشاريع البناء والاعمار في العراق .

والمتابع لسنوات خلت يرى ان بعد تراكمات الحروب والهجرة والنزاعات الداخلية والنزوح والعوز المادي وتدني المستوى المعاشي للأسر العراقية على مجملها  كانت من العوامل التي ساهمت في ارتفاع مستوى الامية في العراق بعد ان كان من اوائل الدول العربية التي قضت على الامية حسب تقارير منظمة اليونسكو في السنوات الماضية .

الآن لا يمكن لأحد أن ينكر أن التربية والتعليم في العراق تعاني من أزمة مستفحلة من تجارب وتراكمات الماضي البعيد والقريب والنتائج السنوية لمستويات الرسوب العالية خير دليل على تدني الدراسة  ، والمدرس ضحية والمتعلم يدرك بالتمام أن الصورة الحالية ليست وردية، والتربية التي تعني تلقين السلوكات والأفعال بالطبع والتطبيع أصبحت بالفعل لا تساير إيقاع المتعلم الذي انفتح على وسائط أخرى تلبي الفضول المعرفي والنهم النفسي من خلال الاحتكاك بالصورة وما تقدمه وسائل الاتصال  من صور عابرة ومتدفقة من عوالم مختلفة و إنه يشاهد الأشياء من الأعلى وليس من الداخل، وما تحمله القنوات الإلكترونية من أخبار سريعة وتحليلات بلغة بسيطة بعيدا عن الدروس والمدرسة، وهي قد تكون في كثيرة من الحالات اقل أشكال المعرفة التي تخترق القلوب والعقول لتشويه العقلية البسيطة وتجذبها بصورة سريعة .

أزمة القيم نعيشها في واقعنا ونعترف بوجودها، قيم تتوارى وتختفي وتنذر بغياب الوازع الديني والتربوي الذي تربت عليه الأجيال السابقة، أزمة قيم وتدني الوعي الاجتماعي وغياب إنصات الكل للكل في تدافع نحو الهاوية وتعميق الأزمة. رهانات المدرسة العراقية  في خلق مواطن حداثي ومجتمع ديمقراطي إيمانا بالعلاقة المتوازنة بين المشروع الفردي والمشروع المجتمعي باتت على المحك الصعب، والتربية التي يمكنها تحصين المجتمع من الغلو والعنف أصبحت تعاني في ظل سلوكات وأفعال لا تربوية ولا أخلاقية.

الحكومة اليوم امام مسؤولية كبيرة تتمثل في إعادة بناء وتكوين المجتمع العراقي الجديد هذا المجتمع الذي ظل فترة طويلة يرزح تحت مفاهيم وفلسفات مختلفة حولته مع مرور الزمن إلى مجتمع غير متماسك وإذا كان البعض يظن أن مشكلة العراق الآن هي إعادة بناء ما دمرته الحرب أو مجموعة الحروب المتتالية فأنه مخطئ فهذا الوطن لا يحتاج إلا لإعادة بناء المجتمع السليم والصحيح وفق فلسفة تربوية .واضحة المعالم ومحكمة البناء وأهداف تربوية صحيحة وسليمة.

من الضرورة وضع ضوابط تربوية في اختيارالمناهج الصحيحة وفق العقول والمراحل المتناسبة وإعادة النظر في بعض المناهج والمقررات الدراسية المكثفة نوعا و التي يعجز أحيانا معلم المادة من أكمال المنهج بسبب تقليص الدوام والعطل الرسمية وانتخاب  المدراء و وبناء المدارس بطرق حضارية  وإعادة النظر بالعناوين الموجودة ألان لان تطوير المدير وثقافته تساعد على تطوير العملية التربوية برمتها وعلى طرائق وأساليب التدريس الحديثة ونقل  ما توصل إليه العالم في مجالات التربية والتعليم وأهمية ذلك في بناء المجتمع العراقي الجديد بعد حقبة السنوات الماضية  و توفر الرغبة الصادقة والحقيقية لمهنة التعليم ومن المسلم به أن كل إنسان لا يمكنه أن يحقق نجاحاً تاماً في عمله ما لم تكن له الرغبة الكافية فيه .

العشق بالمهنة من العناصر الهامة  والحاسمة في دفع المعلم إلى التتبع والدراسة و الإيمان برسالته  والقدرة على حملها وبالمثل الإنسانية العليا وثقافته وإطلاعه الخارجي من العوامل المهمة لنجاحه وابتعاده عن التواصل مع مهنته بالشكل الذي يجعل الكثير من أعضاء الهيئة التعليمية لا يحملون أية ثقافة خارجية تسبب لهم فقدان الممارسة الصحيحة والضعف في المواجهة في كثير من الاوقات ولايخفى على أحد الدور الكبير "للمدير" سلبا أو ايجابيا خاصة على واقع حال التربية والتعليم التي تفتقر إلى التخطيط السليم في الوقت  الحالي و إن أهم عوامل نجاح العملية التربوية والتعليمية هو رسم وتحديد الأهداف المراد الوصول إليها وتحقيقها، وهذا يتأتي من خلال وضع خطة عمل شاملة يندرج في سياقها طريقة وسير وتنظيم الوسيلة لتحقيق الأهداف المنشودة و وجود خطة عمل متكاملة لكي تكون عملا منظمة ولها تأثيرا فاعلا يرتقي بالمدرسة والتعليم  والمجتمع نحو الأفضل .

 

عبد الخالق الفلاح- باحث واعلامي