ابراهيم مشارةلا جرم أن المقاهي الأدبية كانت وجها من وجوه البلد الثقافية بل صورتها تعكس حالة النشاط الذي يميزه والخصب الذي يطبعه بطابعه كما يعكس اندثارها أو قلتها حالة الجدب الذي ينتابه هذا ما كان يميز عواصم العالم الثقافية بمقاهيها  كالقاهرة وبيروت ودمشق وبغداد وباريس ولندن وروما.

والذي لا شك فيه أن القهوة شراب عربي يمني الأصل فقد كان منقوعه زاد المتصوفة يعينهم على السهر للتأمل والعبادة كما كان زاد الشعراء والملهمين .

والأكيد أن القهوة أطلقت أول الأمر على الخمرة فقد قال الأعشى:

نازعتهم قضب الريحان متكئا**وقهوة مزة راووقها خضل

وانتقلت معنى القهوة من دلالته على الخمرة إلى هذا المشروب الأسود الساخن والمنعش والمنبه واتخذت له أماكن لشربه في عواصم الشرق منذ أن سمح بذاك السلطان سليمان الأول باتخاذه مشروبا للشعب بعد الإفتاء بحليته وغدا الشعار" القهوة شراب والقهوة مجلس."

ومن المشرق ومقاهيه نقل المستشرقون والرحالة الأروبيون صورا رائعة عن الحميمية والتثاقف والمتعة الموجودة في هذه المقاهي فانتقلت إلى أروبا.

ازداد المقهى أهمية وتكرس فضاء للتثاقف والتسلية والحميمية في القرن العشرين نتيجة الحربين العالميتين من جهة ومن جهة أخرى إحساس الفرد بالعزلة والحاجة الماسة إلى التواصل فقد نقل عن سيمون دي بوفوار مؤلفة كتاب "الجنس الآخر" والذي استهلته بالعبارة الشهيرة :"المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة " قولها عن المقهى أشعر أنني في عائلتي"، و قال جورج مور الكاتب الإيرلندي :"إنني لم ألتحق بجامعة أوكسفورد ولا بجامعة كمبردج ولكنني التحقت بمقهى أثينا الجديدة فمن يريد أن يعرف شيئا عن حياتي ينبغي أن يعرف شيئا عن أكاديمية الفنون الرفيعة هذه لا تلك الأكاديمية الرسمية الغبية التي تقرأ عنها في الصحف " ويقول هنري جيمس: "هنا يتمكن المرء من أن يجلس بسلام لساعات دون أن يزعجه النادل وهنا يتمكن أن يقرأ ويكتب في الصباح ويقوم بأعماله في الظهيرة ويضحك ويناقش الأصدقاء في الليل."

المقاهي الأدبية الباريسية لعل أشهرها "فلور" مقهى سارتر المفضل والوجوديين ومقهى "لي دو ماجو" المقهى المفضل لدى الصديقين المتمردين العدوين رامبو وفرلين و"ليب" مقهى زولا المفضل ثم إرنست همنغواي فيما بعد ولعل "البروكوب" هو أشهر واعرق المقاهي الأدبية في فرنسا .

في هذه المقاهي بدأت المسيرة التنويرية والثورية والاحتجاج فقد أثر عن مونتيسكيو قوله: "لو كنت حاكما لهذا البلد لأغلقت المقاهي التي يرتادها أناس يقومون بإشعال الأدمغة" !

ومن مقاهي باريس اشتعلت الثورات الفكرية والفنية والأدبية

669 ابراهيم مشارةوبين جدرانها نشأت التيارات السياسية والأدبية والفنية ومن أرحامها ولدت البيانات وتليت القصائد فأندريه بريتون يصدر البيانات الشعرية في مقهى من مقاهي الحي اللاتيني ومن مقهى فلور يعترض سارتر على حرب الجزائر وينظم المسيرات المؤيدة للثورة الجزائرية وفي هذا المقهى بالذات يتعرض لاعتداء يكاد يودي بحياته .ونظرا لأهمية هذه المقاهي صارت مواضيع دراسات أكاديمية وثقافية وفنية

وحتى أن كاتبة عربية هي هدى الزين كتبت كتابا عنها "المقاهي الأدبية في باريس حكايات وتاريخ"

لكن مقهى البروكوب هو أعرق مقهى في باريس- ولعله أعرق مقهى في العالم- فتاريخه يعود إلى القرن السابع عشر وبالتحديد إلى العام 1686 حين فكر السيد الإيطالي الأصل فرانشيسكو بروكوبيو في إنشاء مقهى صغير في المبنى رقم 13 المجاور للكوميدي فرانسيز سابقا في شارع لنسيان كوميدي بالدائرة السادسة سرعان ما نجح المقهى وصار يتردد عليه الأدباء والشعراء والفلاسفة فهو في مكان ممتاز في قلب باريس وفي مكان شاعري جميل تجتمع فيه بالنسبة للرواد من الشعراء والفلاسفة وقتئذ رائحة الطعام برائحة القهوة والنبيذ المعتق ورائحة التبغ برائحة النساء .

مدخله شاعري يتسم بالأناقة والهدوء وديكوره جميل يحتفي بالألوان الشاعرية خاصة لون الخشب البني الداكن ولون الستائر تردد على المقهى فلاسفة الأنوار في فرنسا ويقال إن فكرة الموسوعة العلمية التي دشنها الموسوعيون فولتير الذي كان يشرب أربعين قهوة ممزوجة بالشكولاتة - ويعرض المقهى مكتبه الخشبي في الطابق الأول- وديدرو بدأت في هذا المقهى  واستمر المقهى يكرس السلوكيات العلمية والحوارات الفلسفية والثورات الفكرية في القرن الثامن عشر وكتب فيه مونتيسكيو جزء من الرسائل الفارسية وشهد تردد شعراء الرومانسية عليه خاصة فكتور هوجو، موسيه ثم.شعراء آخرين فيما بعد كأناتول فرانس وفرلين.

يقدم المقهى المكون من طابقين الوجبات الفرنسية وفق تقليد خاص إضافة إلى القهوة الجيدة المذاق مع قطعة بسكويت والنبيذ المعتق والأيس كريم ولازالت الجدران مزينة ببنود حقوق الإنسان والمواطنة كهذه الصيحة من لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت وهما يساقان إلى الإعدام:" نتمنى محاسبة من تسبب في تعاسة الشعب".

من هذا المقهى انطلقت شرارة الثورة الفرنسية عام1789 ففي مجالسه عقدت المناقشات السياسية وأصدرت البيانات وكان من المترددين عليه اثنان من شرارتها دانتون وروبسبيار.

لكن أبرز المترددين عليه كان وبلا شك الملازم وقتها نابليون بونابرت الذي كان يرهن قبعته لقاء شرب القهوة عند تعذر الدفع  ومازال المقهى يحتفظ بقبعته معلقة على الجدار ومعروضة للزوار مع توقيعاته وحتى أن تردد الزوار على المقهى وأخذهم صورة أمام القبعة قد يؤدي أحيانا إلى الزحام في السلم.

ومن أبرز المترددين عليه العالم والدبلوماسي الأمريكي بنامين فرانكلين الذي صاغ فيه جزء من الدستور الأمريكي ولعب دورا في تحسين علاقات بلاده مع فرنسا ثم الرئيس الأمريكي كذلك توماس جيفرسون..

أنشأ المقهى جائزة فكرية سنوية عام 2011 ويرأسها "جاك أتالي" تعرف" بجائزة البروكوب" تمنح للبحوث والدراسات الفكرية المتسمة بالجدة والابتكار والاحترافية وتشرف عليها لجنة متخصصة وقد كان الكاتب والمفكر الجزائري مالك شبل عضوا فيها.

فضلت ارتشاف فنجان قهوة مع قطعة بسكويت في مقهى البروكوب ذات زوال باريسي بارد من أيام يناير فقد انعطفت إلى شارع لنسيان كوميدي حيث المقهى بعد أن حوصرت بمسيرة لأصحاب السترات الصفراء في احتجاجهم السبتي في بولفار سان جرمان ضد قرارات الحكومة الفرنسية التي لم ترق للطبقة الوسطى، جلست على كرسي عبق بتاريخ الأمس ومجده الغابر واستحضرت في ذهني صورة الحراك الفلسفي والأدبي والسياسي في هذا المقهى الذي يحتفظ بصور وتوقيعات الكبار الذين ترددوا عليه أو مروا به

لا جرم أن يجتمع الشعر والقهوة – بمعناها الحديث - في خاطر كل من يتردد على المقاهي الأدبية والباريسية خاصة فهي مقاهي خاصة جدا لكنها فقدت كثيرا من ألقها الفني والفكري والفلسفي وأصبحت تكاد تكون مقاه عادية –اللهم إلا كثرة الفضوليين من السياح- الذين يقصدون هذه المقاهي للفرجة وأخذ الصور التذكارية فهي مذكورة في كل دليل سياحي واستحضرت في ذهني قول الكاتب المصري الراحل ألبير قصيري في حوار له قبل موته:

قال لي بحزن: «أترى كيف تحول مقهى فلور إلى مكان ضاج بالسياح السذج الذين يأتون لزيارة معارض الألبسة الجاهزة في بورت دي فيرساي» هذه المقاهي التي كانت تعج ذات مرة بالنقاشات والمناظرات وصعود التيارات الفكرية، مثل الوجودية والسريالية والدادائية وغيرها.

وقول الكاتب الاسباني فيرناندو آرابال:

«"لم نعد نرتاد المقاهي الأدبية ونتداول ما كتبناه مع زملائنا لأن الحياة المعاصرة لم تعد تسمح لنا بذلك، فإننا نرسل مخطوطات كتبنا إلى الناشر، وهو يبعث إلينا بحقوقنا عن طريق التحويل المصرفي أو البريدي وانتهى الأمر "

كل المقاهي التي زرتها في رحلاتي لاحظت تغير حالها فبعضها غير النشاط وبعضها الآخر اندثر والبقية الباقية منها تحتفظ فقط بين جنباتها بمجد الأمس وربما بؤس الحاضر المعولم الذي لا يمكن لمقاهيه الفاخرة والسيبرانية –المعتدية على حرمة اللفظ ومعناه- أن تحل محل مقاهي زمان.

 

ابراهيم مشارة

 

علجية عيشيعتبر طه حسين من الجيل الذي يعتقد أن المصدر الأول للحضارة العالمية  يعود إلى اليونان الذين ابتكروا العلم والسياسة وعرفوا نظما سياسية متنوعة  في حين أن الشرق لم يعرف سوى نظام واحد وهو الاستبداد، و يرى النقاد أن طه حسين كان مبهورا بالحضارة الغربية، وكان غالبا ما يتحدث عن قادة الفكر من الساسة والفلاسفة اليونانيين،  وترجمة الأدب والمسرح اليوناني والتعريف بهما

لما أنهى الأديب طه حسين دراسته بباريس التي دامت أربع سنوات خرج بمشروع ثقافي حضاري  يهدف إلى تحرير  البلاد العربية  من القرون الوسطى ونقلها للعصر الحديث أو من الانحطاط إلى الرقي على حد تعبيره هو، وقد تحدث طه حسين في مذكراته نشرها في منتصف الخمسينات عن المرحلة التي عاشتها مصر وما خلفته أحداث 1919، كان طه حسين متأثرا إلى حد كبير بالفيلسوف إميل دوركايم، وهو يحضر دروس سان سيمون الذي لم  يتوقف في محاضراته عن الحديث عن دوركايم وبناء المجتمع الصناعي، وتيقن طه حسين أن  قيادة المجتمع العصري ينبغي أن تؤول إلى العلماء الذين يمارسون العلم بمعناه الحديث، لأن الحكم الصالح وحده يحقق العدل ويكفل رقيّ الشعوب ويتيح للإنسانية أن تتقدم إلى الأمام، حسب النقاد أراد طه حسين أن يؤسس لذهنية حديثة حتى يتخلص المثقفون العرب من رواسب الماضي.

  استمد طه حسين قناعته من ضرورة تنوير العقل العربي من إعجابه بفكر القرن الثامن عشر ، فكر الأنوار الغربي والفرنسي خاصة، من أجل خلق نخبة متفتحة لها قابلية للحداثة، فكان يردد بعض العبارات مثل "المستنيرين" وهي كلمة "أنوارية" ومن هذا المنطلق كان طه حسين يركز على عامل التربية والتعليم،  وكغيره من المفكرين يرى أن مسألة تأخر الشرق عن الغرب يرجع إلى طبيعة النظام السياسي، ولذا كانت مسألة التربية والتعليم مسألة جوهرية، وطالما التخلف أو التأخر مشكل سياسي، فهو يحل عن طريق التربية والتعليم، ومن ثمّ الانتقال من مستوى الرعية إلى مستوى المواطنة وتحقيق هذه الأخيرة لابد من تربية وطنية أو مواطنية إن صح التعبير، ولهذا نادى طه حسين بمجانية التعليم  من باب الديمقراطية التي تعتبر  التعليم حق كل مواطن، ويعتبر طه حسين من الجيل الذي يعتقد أن المصدر الأول للحضارة العالمية  يعود إلى اليونان الذين ابتكروا العلم والسياسة وعرفوا نظما سياسية متنوعة  في حين أن الشرق لم يعرف سوى نظام واحد وهو الاستبداد، والمراد بالشرق والغرب هو اليونان الذي يمثل الغرب وفارس التي تمثل الشرق، وكانت قد وقعت بينهما حربا سميت بالحروب الميدية انتصر فيها الغرب على الشرق في معركة حاسمة هي معركة الماراتون.

يرى النقاد أن طه حسين كان مبهورا بالحضارة الغربية، وكان غالبا ما يتحدث عن قادة الفكر من الساسة والفلاسفة،  وترجمة الأدب والمسرح اليوناني والتعريف بهما وضع في عام 1919 كتابا عن آلهة اليونان، وعكف على ترجمة كتب أرسطو " نظام الأثينيين عام 1921، هذا الكتاب عثر عليه طه حسين  في صعيد مصر وكان مكتويا على ورق البردي، الذي كان يكتب عليه المصريون القدامى،  وهذا ما يؤكد أن مصر كانت لها علاقة بالفكر اليونان ولها صلة بالثقافة اليونانية، ومن هذا المنطلق كان طه حسين يريد أن يعيد لمصر ماضيها وانتمائها الحقيقي للغرب، يقول الدكتور علي أومليل أن  انفتاح لنخبة في مصر وتفاؤلها بالمستقبل يعود الفضل فيها إلى طه حسين الذي مكن المصريين من التعرف على الديمقراطية لأن اليونان هم من ابتدعوا الديمقراطية لأول مرة في تاريخ البشرية.

ويتسم طه حسين بنزعة شكية، لدرجة أنه في كل دراساته يتبنى المنهج الديكارتي وهو يتناول الأدب وتاريخه،  وفي حديث عن الخطاب القرآني وما تحمله الذاكرة من موروث،  وحديثه  كذلك عن المستنيرين، لينطلق مما يسلم به العقل وحده، اي القيام بمسح  شامل لكل ما تحمله الذاكرة من مأثور ديني أو غيره، من أجل تأسيس مشروع النهضة  التي تقوم على إحياء الإسلام، وقد دفعه ذلك إلى دراسة تاريخ الإسلام في كتابه مرآة الإسلام.

 

 علجية عيش

 

علاء اللاميفي العامين الماضيين، شهدت ظاهرة اغتيال واختطاف وتعذيب وتهديد المثقفين والمدوّنين والناشطين المعارضين تصاعداً مأساوياً في العراق. سلسلة الاغتيالات هذه ستتواصل طالما استمرّ نظام حكم دولة المكونات الطائفية الذي جاء به الاحتلال الأميركي

وخلال الأشهر القليلة الماضية، تفاقمت ظاهرة الاغتيال السياسي في العراق. بعد الانكفاء الجزئي لانتفاضة الجنوب العراقي المطلبية السلمية، وخصوصاً في محافظة البصرة، سقط اغتيالاً أكثر من خمسة وعشرين من قادة وكوادر الانتفاضة. كما اغتيل عدد من المحامين الذين تبرعوا بتولّي الدفاع عن المعتقلين مجاناً. وكان آخر مَن تم اغتيالهم في البصرة برصاص «مجهولين» الشيخ وسام الغراوي؛ وهو رجل دين شاب، عُرف بآرائه الوطنية والاستقلالية وتحريضه القويّ ضد نظام حكم المحاصصة الطائفية والتبعية والفساد. كما اغتيلت الناشطة سعاد العلي في مدينة البصرة أيضاً، على يد مسلحين بواسطة مسدس كاتم للصوت، ولم يُكشف عن الجناة وهوياتهم ولم يُعتقل أحد من المشبوهين أو المتّهمين بارتكاب هذه الجرائم.

ومن بين المحامين الذين اغتيلوا المحامي المعروف بتبنّيه لقضايا المعتقلين من المتظاهرين جبار الكرم وسط البصرة، وفي بغداد اغتيل المحامي حمزة هتلر الجابري، وفي كركوك اغتيل المحامي خلف الجبوري رئيس اتحاد الحقوقيين العراقيين.

من جرائم الاغتيال السياسي التي طالت المثقفين في العراق بعد الاحتلال الأميركي والقديمة نسبياً، تُسجل جريمة اغتيال الباحث وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، ومستشار وزير الثقافة، كامل شياع، بتاريخ 23 آب (أغسطس) 2008، وقد حُفظ ملف هذه الجريمة، مثلما حُفظت ملفات مماثلة كثيرة في تلك السنوات الملتهبة، والتي عاثت فيها قوات الاحتلال الأميركي والإجرام التكفيري والاقتتال الميليشياوي فساداً وقتلاً وتدميراً.

أما في العامين الماضيين، فقد شهدت ظاهرة اغتيال واختطاف وتعذيب وتهديد المثقفين والمدوّنين والناشطين المعارضين تصاعداً مأساوياً. ففي أيلول (سبتمبر) 2017 اغتيل الفنان والممثّل المسرحي الشاب كرار نوشي، في شارع فلسطين في بغداد، بعد اختطافه من قبل جهة «مجهولة» لمدة يومين، وقد عُثر على جثة الشاب المغدور ممزّقة وملقاة في مكبّ للنفايات وعليها علامات التعذيب. والفنان المغدور واحد من ستة فنانين عراقيين على الأقل تمّت تصفيتهم اغتيالاً بعد الاحتلال الأميركي وهم: داود القيسي وهو من أنصار النظام السابق، وقُتل بعد بضعة أشهر على احتلال بغداد، وفي 18 كانون الأول (ديسمبر) عام 2006 اختُطف وقُتل المخرج والممثل المسرحي مطشر السوداني، وفي العام ذاته قُتل الممثل الكوميدي والمخرج المسرحي والتلفزيوني العراقي المعروف وليد حسن الجعار. وكان الجعار قد دأب - في برنامجه التلفزيوني «كاريكتير» - على السخرية من جميع الأطراف الفاعلة في العراق، سواء كانت قوات الاحتلال الأميركية، أو الجهات المسلحة وتنظيم «القاعدة»، ولم يوفر من نقده وسخريته مسؤولي النظام الجديد الذي جاء به الاحتلال. وقد اتُهمت رسمياً بقتله جماعة مسلحة على علاقة بنائب الرئيس العراقي آنذاك والمحكوم غيابياً بالإعدام على خلفية «جرائم إرهابية» طارق الهاشمي. وفي 26 أيار (مايو) من عام 2007 قُتل اغتيالاً الخطاط العراقي المعروف الحاج خليل الزهاوي، صاحب المدرسة المعروفة في الخط العربي الحديث. وبتاريخ 8 أيلول (سبتمبر) عام 2011 قُتل الفنان المسرحي والإعلامي اليساري المعروف هادي المهدي في منزله من قبل أشخاص اقتحموا منزله. وقالت الجهات الأمنية إن الجريمة ارتُكبت لأسباب جنائية لا علاقة لها بالسياسة ولكن هذا الزعم لم يصدّقه كثيرون. ومن نافلة القول إن غالبية جرائم الاغتيال التي ذكرناها هنا قد سُجّلت ضد مجهولين ولم يتم الكشف عن المجرمين الذين ارتكبوها ويقدموا إلى القضاء، أو أنها اعتُبرت أحداثاً جنائية أو ذات خلفيات عشائرية.

في الأشهر القليلة الماضية، تفاقمت هذه الظاهرة، وطالت الوفيات المشبوهة التي احتُسبت ضمن ملف الاغتيال، شخصياتٍ بعيدةً عن السياسة، كما حدث في وفاة مقدِّمة البرامج وطبيبة التجميل رفيف فاضل الياسري، في ظروف غامضة أثارت الكثير من الجدل. وقيل حينها إنَّ المتوفاة ذهبت ضحية عملية تسميم إجرامية. ومثلهما توفيت رشا الحسن الطبيبة المتخصّصة في جراحة التجميل. أما ملكة جمال العراق السابقة، وعارضة الأزياء، تارة فارس، فقد قُتلت بثلاث طلقات نارية في الفترة ذاتها. وقد تضاربت الأقوال والاجتهادات في أسباب ودوافع وهوية منفّذي هذه الجرائم، وذهب بعضها إلى اتّهام أطراف ومنظمات تحريمية أو تكفيرية إسلامية محمية من جهات نافذة في الحكم. لكن الجهات الأمنية لم تكشف عن معلومات مهمّة ومفيدة في هذا الشأن، ولم يُقدّم الشخص الذي قيل إنه اعتقل على خلفية اتّهامه بجريمة قتل تارة فارس إلى القضاء ليحاكم بشكل علني وشفاف.

لفهم هذه المجزرة بحق المثقفين العراقيين، ولتفكيك هذا المسلسل المأساوي من جرائم الاغتيالات، سيكون ضرورياً ومفيداً وضعها في السياق السياسي والاجتماعي والأمني الذي أعقب الاحتلال الأميركي للعراق. فمع الاحتلال، بدأت عملية تدمير منهجي للدولة العراقية ومؤسساتها. عملية بدأت بقرارات حل الجيش والمؤسسات الأمنية، ما أدخل الوضع الأمني في البلاد في حالة خطرة من الفوضى والتشظّي وانعدام الأمن الشامل، بلغت ذروتها في ما اصطلح عليه لاحقاً بسنوات الجثث بعد سنة 2005. في هذه السنة وما تلاها، ساد القتل على الهوية الطائفية، واستبيحت كافة مؤسسات الدولة وميادين الحياة، وتلاشت الحريات الفردية والعامة أو كادت، وسط عجز تام من المؤسسات والأجهزة الأمنية التي شكلها الاحتلال وحلفاؤه المحلّيون سريعاً وكيفما اتفق. كان من نتائج ذلك انتشار الشبكات التجسسية والخلايا التخريبية الأجنبية في طول البلاد وعرضها. وشاركت بعض هذه الخلايا والشبكات في تأجيج الاستقطاب الطائفي، فكانت عناصرها، وخصوصاً في فترة السفير الأميركي والمعروف بكونه مؤسس فرق الموت في أميركا اللاتينية جون نيغروبونتي، تقتل عراقيين من هذه الطائفة يوماً، لتقتل في اليوم التالي أو في اليوم نفسه عراقيين من الطائفة الأخرى، ليدوم ويستعر الاقتتال ويترسّخ الاستقطاب الطائفي. إنَّ ما نقوله هنا مهمّ لفهم ما حدث في سنوات الاحتلال الأولى، وما زال يحدث حتى الآن، وهو سيكون مفيداً لمن يريد أن يؤشّر على أحد الأطراف المتّهمة بالمشاركة في ارتكاب المقتلة التي يتعرّض لها المثقفون العراقيون، وهي ليست مجرد شائعات وأقاويل، بل أحداث موثّقة ومعروفة للعراقيين ولغيرهم ومنها هذه الحادثة التي كان أبطالها عسكريين بريطانيين من مخابرات القوات الجوية:

في 19 أيلول (سبتمبر) 2005، وفي مركز محافظة البصرة، تنكّر جنديان من مخابرات القوة الجوية البريطانية بملابس مدنية عربية، على طريقة «المستعربين الإسرائيليين» المتخصصين في قتل الفلسطينيين. وقام العميلان البريطانيان بإطلاق النار على رجال الشرطة العراقية، فقتلا ضابطاً وأصابا الآخر بجراح خطرة، بهدف تحويل الاتهام بالعملية لسكان من طائفة العرب السنة في البصرة. وقد فاجأت قوة من رجال الشرطة العراقيين مدعومين بمواطنين مدنيين عراقيين العسكريين البريطانيين وألقت القبض عليهما، واقتيدا إلى سجن صغير في مخفر شرطة «جاميت» في البصرة. وبعد هجومين بريطانيين بالدبابات والمشاة، تم تحرير الجاسوسين المعتقلين، ومعهما أطلق سراح 127 معتقلاً آخر وقتل في الهجومين عدد من رجال الشرطة والمدنيين العراقيين ممن شاركوا في المعركتين وختمت القوات البريطانية عمليتها بهدم السجن العراقي وتسويته بالأرض.

من جهة أخرى، كان لانتشار السلاح الخفيف والمتوسّط وحتى الثقيل بين السكان والجماعات والفصائل المسلحة التي تكاثرت تأثيره المباشر في تردّي الوضع الأمني، وقد زاد من ترديه الدور الفوضوي والتخريبي الذي قامت به الشركات الأمنية الأجنبية المكونة من مرتزقة وذوي سوابق إجرامية. فقد تورّطت هذه الشركات في ارتكاب مجازر كبرى معروفة كمجزرة «ساحة النسور» في بغداد في 16 أيلول (سبتمبر) سنة 2007، والتي ارتكبها مرتزقة شركة «بلاك ووتر» الأميركية وراح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى من العراقيين.

وبالعودة إلى جريمة قتل الأديب علاء مشذوب في مدينة كربلاء الجنوبية، نسجل أنها جاءت في السياق العام ذاته، وحملت العديد من العلامات التنفيذية ذاتها التي ظهرت مع العديد من الجرائم السابقة. ولكنها أشارت أيضاً إلى استعداد جهات وأوساط سياسية داخل وخارج العراق لتثمير واستخدام هذه الجريمة ومثيلاتها لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية خاصة بها حتى قبل أن تجفّ دماء الكاتب المغدور. لقد سارعت أقلام وجهات وصفحات على مواقع التواصل لتتهم جهة واحدة بعينها وهي الفصائل المسلحة الإسلامية الشيعية الموالية لإيران، وبعضها سمّى فصيلاً بعينه هو «عصائب أهل الحق». ولكن هذه الجهات التي وجهت الاتهام لم تقدم دليلاً أو قرينة معقولة وملموسة على اتهامها غير الهجاء «العلمانوي» والليبرالي التقليدي بل حتى القومي العنصري لمن يصفونهم بـ «الظلاميين الإسلاميين» أو «عملاء الفرس المجوس» في محاولة لاستخدام دماء الكاتب المغدور رافعة لخدمة أغراض أيديولوجية وسياسية. وفي هذا الإطار، حاول بعض المدونين أن يروجوا منشوراً نشره الكاتب المغدور قبل أيام من اغتياله على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، وأورد فيه اسم الزعيم الإيراني روح الله الخميني، وقالوا إنه نال منه في المنشور. ولأن المنشور ـــ وهو مقطع من إحدى روايات الكاتب كما قيل ـــ يخلو من أي إساءة إلى الخميني كما سنعرض بعد قليل، فقد لفّقت أطراف مجهولة مقالة أخرى مكتوبة بلغة سوقية ومبتذلة لم تُعهد أبداً في كتابات الراحل علاء مشذوب، من دون أن يثبت هذه الأطراف أنه هو من كتبها فعلاً. أما المنشور الذي كتبه، وما يزال منشوراً على صفحته، فنصّه هو الآتي «علاء مشذوب‏ ١٧ يناير‏، الساعة ‏٦:٠٦ ص‏: كانت عندي فكرة ضبابية عن هذا الزقاق الذي سكنه الخميني؛ وهو فرع من الزقاق الرئيس والطويل والذي يطلق عليه «عگد السادة»، هذا الرجل سكن العراق ما بين النجف وكربلاء لما يقارب ثلاثة عشر عاماً، ثم رحّل إلى الكويت التي لم تستقبله، فقرر المغادرة إلى باريس ليستقر فيها. ومن بعد ذلك صدّر ثورته إلى إيران عبر كاسيت المسجلات التي حملت اسم «ثورة الكاسيت»... ليتسنم الحكم فيها، ولتشتعل بعد ذلك الحرب بين بلده، والبلد المضيف له سابقاً».. في هذا المنشور القصير، لا توجد أي إساءة، لا لإيران ولا للخميني ولا لأنصاره الذين استولوا على الحكم وانفردوا بالثورة الإيرانية ضد حكم الشاه العميل للغرب والصهيونية. ليس في كلام مشذوب أي إساءة بل تساؤلات ووصف بلغة روائية لمكان معين، حتى أنه لم يتّهم الخميني بإشعال الحرب العراقية الإيرانية وإنما استخدم عبارة "ولتشتعل بعد ذلك الحرب".

إن ما نقوله هنا ليس تبرئة لمجموعة مسلحة بعينها، أو لغيرها من الفصائل المسلحة، ولكنه أيضاً ليس تأكيداً أو تبنياً للاتهام، فهذا شأن السلطات الأمنية والقضائية، غير أنَّ المجموعات المسلحة تبقى طرفاً متّهماً ومشكوكاً فيه بقوة، إلى جانب خلايا وشبكات حزبية سرية تابعة للمجموعات التكفيرية أو التابعة لفلول «حزب البعث». ويبقى الطرف المتهم أكثر من غيره هو الطرف المخابراتي الأميركي والأجنبي عموماً. وفي وضع معقّد كهذا، ستكون أي محاولة لإدانة طرف واحد معين، أو تركيز نيران الإعلام عليه تبرئةً غير مباشرة للأطراف الأخرى. إن ما يحسم الأمر في حالة كهذه هو أن تقوم المؤسسة الأمنية بدورها فتعتقل القتلة، وتكشف عن هويتهم أياً كانت وعن كافة التفاصيل الأخرى للرأي العام، وحينها، سيكون من حق الجميع أن يقولوا كلمتهم. أما وأن هذا لم يحدث بعد، وقد لا يحدث قريباً، فلا بد من التوازن والحياد ووضع جميع الجهات المشكوك بها تحت الضوء الإعلامي!

إن توجيه الاتهامات، والقيام بالتحقيق في جرائم اغتيال المثقفين وغير المثقفين ليس مهمة الكاتب والراصد والمؤرخ كما قلنا، فهذا الأخير إنما يطرح أفكاراً ويحلّل معلومات وتخمينات مستندة إلى أدلة ودلالات واضحة. وفي هذه الحدود، وفي سياق الحالة العراقية الذي تقدم وصفه، وكتخمين أولي، يمكن أن نرجّح أنَّ من ارتكب الجريمة الأخيرة قد يكون واحداً من اثنين على أقل تقدير: عنصراً أو أكثر من الميليشيات والفصائل المسلحة ممن غُسلت أدمغتهم وشحنوا شحناً بالفكر التكفيري والحماسة الدينية، أو - هذا هو الاحتمال الثاني- قد يكون القاتل عميلاً مأجوراً لمخابرات دولة أجنبية ضمن هذه الفصائل أو خارجها. إنَّ مسلسل الجرائم التي استعرضنا عدداً منها يدخل ضمن مخطط يستكمل به أعداء العراق تدميره وتفريغه من طاقاته الإبداعية والثقافية وحتى الأمنية كما حدث في مسلسل اغتيال عشرات الطيارين العراقيين والأطباء والخبراء ذوي التخصصات العالية والنادرة. ولا يمكن تبرئة أميركا ودولة العدو الصهيوني وبعض الدول الإقليمية المجاورة للعراق من المشاركة في تنفيذ هذا المخطط. وفي خلفية مشهد الخراب العميم، ينوس الطرف الأخطبوطي المسؤول عن اغتيال المثقفين العراقيين ضمن عملية طويلة ومعقدة ودموية هي اغتيال العراق ودوره وتاريخه وثرواته: إنه الاحتلال الأميركي الذي بدأ سنة 2003، وسيتواصل هذا الاغتيال طالما استمر نظام حكم دولة المكونات الطائفية الذي جاء به هذا الاحتلال، ذلك لأنه نظام يتنافى وطبيعة المجتمع العراقي التعددي المتنوع والذي لا خلاص له من المجازر والنكبات والتلاشي الحضاري إلا بقيام دولة مواطنة ديموقراطية على أنقاض دولة المكونات ودستورها الاحتلالي!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

منى زيتونيتفاوت الاهتمام بين الرجال والنساء بشأن نجاح العلاقات الإنسانية؛ فالرجال لا يعطون الأمر القدر من الأهمية نفسه الذي تعطيه النساء، خاصة على الصعيد الشخصي والعلاقات العاطفية، ولكن من المؤكد أن المهارات الاجتماعية الجيدة تسهم في نجاح الجميع.

بوجه عام يوجد أسلوبان للتواصل الاجتماعي لدى البشر. أسلوب يشيع بين الذكور بوجه عام ويُعرف بالأسلوب الذكري، وأسلوب تستخدمه أغلب النساء ويمكن تسميته بالأسلوب الأنثوي في التواصل. وحقيقة أن هناك رجالًا يستخدمون الأسلوب الأنثوي، وأن ثمة نساءً أقرب إلى الأسلوب الذكري، لا تمنع من استخدام التعميم.

وهذان الأسلوبان المختلفان في التواصل بين البشر أثناء التفاعلات الاجتماعية قد ينتج عنهما إساءة فهم مقصد أحد طرفي العلاقة أو كليهما، سواء كانت مهنية أو شخصية. يقول جبران خليل جبران: إساءة الفهم هي أسوأ مسافة بين شخصين!

تزيد حدة هذه الخلافات عادة بين النساء والرجال، ولعلنا نكون قد فهمنا من خلال عرض الفروق في مهارات التواصل الاجتماعي بين الجنسين جانبًا كبيرًا من أسباب تلك الخلافات، لكن يبدو الأمر أعقد من هذا، وينبغي علينا لندركه أن نغوص في العمق ونحدد الفروق العامة في أساليب التواصل التي يستخدمها كلا الجنسين بشكل أكثر دقة.

وهنا ينبغي الحذر من بعض الأفكار النمطية الخاطئة التي تتكون لدى العامة عند ذكر تصنيف أساليب التواصل إلى أسلوب تواصل ذكري وآخر أنثوي، وأهمها:

- تستخدم جميع النساء أسلوب التواصل الأنثوي، بينما يستخدم جميع الرجال أسلوب التواصل الذكري (×)

- يستخدم كل فرد منا أسلوبًا تواصليًا واحدًا بكل مفرداته (×)

- مفردات أسلوب التواصل لكل فرد ثابتة، لا تتغير بتغير مواقف الحياة (×)

- مفردات أسلوب التواصل للفرد ثابتة غير قابلة للتغير باختلاف درجة قرب من يتواصل معهم (×)

والصحيح أنه توجد الكثير من الآراء والأحكام النمطية العامة الحقيقية عن الجنسين، تنشأ عن تعميمات سلوكية لسلوك الذكور كمجموعة والنساء كمجموعة مقابلة، لكن توجد أيضًا الكثير من الفروق الفردية بين البشر، وليس كل النساء يستخدمن الأسلوب الأنثوي، فمن النساء من هن أقرب للأسلوب الذكري، كما أن هناك رجالًا يستخدمون أسلوبًا أنثويًا، وليس لهذا أدنى علاقة بالشذوذ الجنسي، فالنساء اللاتي يستخدمن أسلوبًا ذكريًا في التواصل والتعامل مع الناس لسن مسترجلات، كما أن الرجال الذين يستخدمون أسلوبًا أنثويًا مفرطًا ليسوا بالضرورة من الجنس الثالث كما قد يُظن بهم.

كما أنه ليس صحيحًا أن كل فرد منا يستخدم أسلوبًا واحدًا ذكريًا كان أو أنثويًا بكل ما ينطوي تحته، فقد تستخدم بعض مفردات الأسلوب الذكري رغم أنك أميل بوجه عام إلى أن يكون أسلوبك أنثويًا، والعكس، كما أن أسلوب تواصل الفرد يتغير تبعًا لمواقف الحياة ما بين مواقف شخصية ومواقف العمل، بل ويتغير تبعًا لنوعية العمل، وكما قد يختلف باختلاف من يتواصل معه ومدى قربه من نفسه.

ونظرًا لتعارض مفردات الأسلوبين الذكري والأنثوي لدى طرفي التواصل تحدث الكثير من المشكلات الاجتماعية؛ إذ يمكن القول إننا لا ندرك لماذا يتصرف الآخرون معنا على النحو الذي تصرفوا به، ولا نعي أيضًا كيف يروننا ويفسرون سلوكنا!

فما هي الملامح المميزة لكلا الأسلوبين الذكري والأنثوي في التواصل الاجتماعي؟ وما هي أشهر حالات سوء الفهم الاجتماعي الناجمة عن الاختلاف فيهما؟

الأسلوب الذكري في التواصل الاجتماعي

لعل الملمح الأول المميز للأسلوب الذكري أن الذكريين لا ينشغلون بالعلاقات الاجتماعية، ولا يلحظون المشكلات التي تنجم عن اختلاف مهارات التواصل بين البشر، أو ربما لا يهتمون لها، ولا يرغبون في مناقشتها. وهو ما ينطبق جليًا على أغلب الرجال.

والذكريون –حيث أغلبهم من الذكور- يفضلون معالجة مشكلاتهم داخليًا؛ فهم بدرجة ملحوظة أقل رغبة في المشاركة، وليسوا فقط غير منشغلين بالعلاقات والمشكلات الاجتماعية، بل وغير منتبهين إلى ضرورة إعطاء تفاصيل يراها أصحاب الأسلوب الأنثوي ضرورية عند التفاعل الاجتماعي، ويظنون بهم الظنون لأجل إخفائها.

والانطباع العام عن الأسلوب الذكري في التواصل هو المباشرة والحسم، وهو ما يشيع لدى الرجال، ولكن توجد نساء كثيرات يستخدمنه في نطاق العمل لتحقيق النجاح المنشود.

وقلما يستخدم الذكريون قنوات التعبير الانفعالي غير اللفظية، وهم مُقلون أيضًا في استخدام التعبير اللفظي لكن فقط في علاقاتهم الشخصية للتعبير عن مشاعرهم، بينما قد يوجد بينهم من يعبرون بطلاقة إذا ما كان الهدف إظهار المكانة والسيطرة في مجال العمل.

الأسلوب الأنثوي في التواصل الاجتماعي

يشيع هذا الأسلوب لدى الإناث ويقل تمامًا لدى الرجال. وأول ما يلفت النظر في أصحاب الأسلوب الأنثوي هو تميز أصحابه بالانشغال ربما بشكل مفرط بالعلاقات الاجتماعية، ويلاحظ أصحابه أي مشكلات تنشأ عن اختلاف مهارات وأساليب التواصل، ولديهم الرغبة الدائمة في مناقشتها؛ كونها تقلقهم، خاصة عندما يكون طرف التواصل هو شريك الحياة، الذي في المقابل قد لا يعبأ كثيرًا بهذا الذي يشغلهم! ولا يفهم لماذا يشغلهم؟!

لا شك أن النساء بوجه عام عاطفيات أكثر من الرجال، يشعرن أكثر، يعبرن عن مشاعرهن أكثر، وحساسيتهن وتعاطفهن تجاه شركائهن أكثر. هذا يرجع في جانب كبير منه إلى اختلاف حجم التراكيب المخية تحت قشرة المخ بين النساء والرجال، فهي أكبر حجمًا لدى النساء، كما أن تحدث النساء عن مشاعرهن يجعلهن يفهمنها بشكل أفضل.

أشهر أمثلة سوء الفهم بين أصحاب الأسلوبين الذكري والأنثوي

التفاصيل

عندما لا يهتم الذكري بإعطاء تفاصيل حول موضوع ما لأن هذا أسلوبه ليس أكثر، يعتقد أصحاب الأسلوب الأنثوي أن هذا الإخفاء متعمد للمعلومات، وأنه إما محاولة لفرض الهيمنة وإشعار الشريك بأنه ليس ملزمًا بتعريفه بما يفعل، أو أن الرجل قاسٍ وبارد المشاعر، أو أن هناك أمورًا مسيئة يتم إخفاؤها، ويعتبر هذا الإيجاز من أكثر ما يثير ريبة النساء في الرجال في العلاقات الشخصية.

ربما على الرجال تفهم أنه يلزمهم إعطاء تفاصيل أكثر في كثير من الأحيان، وعلى النساء في المقابل أن يتعلمن أن يوجزن ما لم تكن هناك ضرورة لتقديم تفاصيل.

اتخاذ القرارات

على العكس من الرجال فإن النساء عندما يُعطين تفصيلات كثيرة ويرغبن في المناقشة قبل اتخاذ القرارات لا يفعلن ذلك كونهن يفتقدن الثقة والكفاءة كما يعتقد الرجال، إنما يفعلن هذا لأنه أسلوبهن في التواصل. بينما الرجال لا يتناقشون كثيرًا ويتخذون قراراتهم بمفردهم لأن أسلوبهم في التواصل الاجتماعي أكثر استقلالية.

ينبغي أن تقلل النساء حساسيتهن تجاه هذا الأمر طالما أن القرار الذي يتخذه الرجل هو قرار شخصي، وعلى الرجال في المقابل إدراك معنى شراكة الحياة وأنه لا يمكن أن يبقي زوجته آخر من يعلم بخصوص قرارات تخص عائلتها، لا يفكر ولا يعبأ بإشراكها في اتخاذها.

ذاكرة المرأة وذاكرة الرجل

سبق أن تعرضنا للفروق في معالجة المعلومات في أدمغة الرجال والنساء في مقال سابق، وكيف أن مخ المرأة تترابط مناطقه بشكل دائم، بينما مخ الرجل يعمل بشكل أكثر انعزالية وتركيزًا. وبسبب هذا الفارق فإن قدرة المرأة على ربط الحوادث المختلفة، وربط تلك الحوادث بمشاعرها هائلة، ومن البدهي أن يؤثر هذا في تقوية ذاكرتها تجاه الحوادث التي لها ارتباط بالمشاعر، ولا يوجد وجه للمقارنة بين ذاكرتها في هذا الباب وذاكرة الرجال.

المرأة تتذكر الحوادث في العلاقة الشخصية ولا تنسى أي تفصيل على عكس الرجال، وهذا يسبب العديد من المشاكل عندما ينسى الزوج تاريخ أول لقاء أو تاريخ الخطبة أو تاريخ الزواج. تستمر تلك المشاكل إلى أن تعتاد المرأة نسيان الرجل أو حتى يجد وسيلة ما لتذكيره!

التعبير والتعاطف

النساء لا تتعمد الإفراط في إظهار عواطفهن، بل هن يفعلن هذا بشكل طبيعي. والرجال أقل مهارة في الحساسية اللفظية والانفعالية؛ لذا فمن الطبيعي أنهم لا يستشعرون حاجة الشريك إلى التعاطف والدعم بالقدر نفسه الذي تلحظه النساء، كما أن قدراتهم التعبيرية اللفظية والانفعالية أقل مما للنساء، فلا يعبرون بالدرجة نفسها من المهارة، ولكن هذا لا يعني أنهم غير مهتمين وغير مراعين لمشاعر الشركاء، وهذا ما يجب أن تفهمه النساء.

هذا لا يمنع أن الرجل الذي يطور مهاراته التعبيرية يحقق نجاحًا وسعادة في الحياة الشخصية له ولشريكة حياته.

التفاعل أحادي الاتجاه مقابل ثنائي الاتجاه

ما لا يفهمه كثير من الرجال أن المرأة في الغالب لا يرضيها أن تتكلم فقط، بل ترغب في التواصل وخلق حوار مشترك مع الآخر، يُحدِّثها –ولو قليلًا- ويصغي فيه إليها.

على العكس من ذلك نجد الرجال لا يتحدثون كثيرًا، وإن تحدثوا يتحدثون دون توقف لاعتيادهم أخذ دورهم في الحوار عن طريق المقاطعة، وهو ما تراه النساء طريقًا لإظهار السيطرة الذكرية وإلقاء الأوامر، ولا يفهم الرجال لماذا تراه النساء كذلك! لأن النساء على العكس ورغم طلاقتهن اللفظية التي تفوق ما للذكور يتوقفن أثناء الحديث لإعطاء الفرصة لاستمرار الحوار من جانب الطرف الآخر.

على الرجال أن يشاركوا النساء في الحوار أكثر مما يفعلون في العادة، وأن يتجنبوا المقاطعة، وعلى النساء في المقابل أن يتعلمن كيف يمنعن الرجال من مقاطعتهن وكيف يدرن دفة الحديث مرة أخرى إليهن إذا ما حدثت المقاطعة.

التقوقع مقابل الفضفضة

أغلب النساء عندما يتعرضن لمشاكل ضاغطة يتحدثن عنها إلى المقربين والمقربات منهن، بل ويفرطن في الحديث، بينما أغلب الرجال يتقوقعون ولا يتحدثون عن مشاكلهم؛ لأن تحدثهم عن مشاكلهم ومشاعرهم يجعلهم يشعرون بالضعف.

والمرأة عندما تُحدِّث الرجل عن مشاكلها وما يقلقها لا تعتبر أن الرجل هو سبب المشكلة، كما لا يلزم أنها تحدثه عن المشكلة لأجل طلب المساعدة منه. الحديث عن المشاكل والمشاعر بالنسبة للنساء يريحهن ويجعلهن يفهمنها بشكل أفضل، ويدركن ما عليهن فعله.

على كلا الطرفين أن يفهم الطرف الآخر. الرجل عليه أن يدرك أنها لن تصاب بانهيار عصبي عندما تحكي عن مشاكلها! دعها تفضفض عما يقلقها، فهي ترغب في الفضفضة لا أكثر. وعليكِ أن تنزعي من رأسك أنه لا يرغب في تعريفك مشكلاته لأنكِ لست قريبة من قلبه!

لكن بالرغم من ذلك ينبغي أن يفهم الطرفان أنه في العلاقات الناجحة تصبح المشاكل التي يمر بها أحد الزوجين سببًا في تدعيم العلاقة بينهما عندما يترك الفرصة لشريك حياته أن يمد يد العون إليه ويشعره بحبه له، أما في العلاقات الفاشلة فغالبًا يتقوقع الرجل داخل مشكلته، وقد يسيء لزوجته بحجة تعكر المزاج، أو لا ينصت لها عندما تفضفض له عما يؤزمها ويؤرقها، فتصبح المشاكل الخارجية سببًا لإفساد العلاقة لا تقويتها.

الاستماع

تكثر النساء من استخدام تعبيرات الوجه المرحبة والإيماءات بالرأس كعلامة على الانتباه والإصغاء أثناء الحوار. وكثيرًا ما يسيء الرجال فهم هذا ويتصورون أن النساء يوافقونهم في آرائهم تمامًا ليفاجأوا بعد ذلك بالعكس!

النساء لا يجدن الصعوبة نفسها، ولا يحدث معهن إساءة فهم كالتي تحدث للرجال لأن أغلب الرجال لا يفرطون في إظهار علامات الإصغاء أثناء الحوار.

المزاح

الرجال يكثرون من استخدام الحركات الخشنة والدعابات الساخرة في حديثهم، سواء مع الأقران من الذكور أو مع زوجاتهم. وهذا جزء من أسلوبهم التواصلي الذكري الذي تراه أغلب النساء يفتقر إلى الحساسية واللياقة، ويرى الذكور في المقابل من لا تتقبله نكدية لا تتمتع بروح الدعابة وخالقة للمشاكل! ومن النكات الشائعة أن رجلًا سأل صديقه: هل زوجتك من النوع النكدي؟ فأجابه: وهل هناك نوع آخر؟!

وينتشر على الشبكة العنكبوتية مقطع يدّعي أن دراسة عبر ثقافية قد أُجريت على عينة كبيرة من النساء من ثقافات مختلفة، لقياس متغير "النكدية"، وأن المرأة المصرية حصلت على المركز الأول فيه عالميًا! وبصفتي من أهل الاختصاص فلم أسمع من قبل بمتغير اسمه "النكدية"، ولو كان المتغير المقيس في تلك التجربة المدّعاة هو "الانبساط مقابل الانطواء"، فالانبساط كمصطلح نفسي يختلف عن مفهومه العامي ولا يساويه تمامًا. ولا أعتقد أن دراسة عبر ثقافية كهذه تمت بالفعل. هذا كلام فارغ من كل معنى للتنكيت عبر الشبكة لا أكثر. ولو تفهم كلا الطرفين الأسلوب التواصلي لبعضهما لاستطاعا مواجهة ضغوطات الحياة معًا، ولما كان للنكد مكانٌ بينهما.

التواصل البصري

تستخدم المرأة التواصل البصري كثيرًا أثناء الحوارات، سواء مع الرجال أو مع النساء، وفي العلاقات الشخصية والمهنية. وهذا أحد أشهر مفردات الأسلوب الأنثوي في التواصل، بينما يتجنب الرجل التواصل البصري أثناء الحوار مع شريكة الحياة، ويصغي إليها في صمت دون مواجهة خط النظر، وهذا يختلف عن دخوله غرفة اللا شيء في مخه لتخفيف الضغوط عن نفسه، ولا يعني أن الرجال لا يستمعون إلى شريكاتهن دائمًا كما تتصور أغلب النساء وتغضبن له.

صحيح أن الرجال لا ينتبهون انتباهًا كاملًا لحديث النساء؛ إذ إنه من الصعب على الرجل أن يركز في كثير من التفاصيل التي تحكيها المرأة والتي يراها غير ذات قيمة ويمكن اختصارها، لكنه لا يتواصل بصريًا باستدامة أثناء الحوار ليس لعدم اهتمامه بل لأن هذا أسلوب الذكور؛ فالرجال يستخدمون التواصل البصري غالبًا لإظهار القوة والتحدي، وهو ما يحدث في علاقات العمل، ونادرًا ما يحدث في العلاقات الشخصية مع زوجته.

ربما كان من أكثر ما يسبب سوء الفهم لدى الإناث أن الرجال في بداية العلاقات الشخصية يطيلون النظر إلى شريكاتهن، كتعبير عن المغازلة، والذي تفسره النساء خطأ على أنه تواصل بصري، وشتان بين إمعان النظر وبين التواصل البصري أثناء الحوار، لذلك فإن إحجام الرجل عن النظر إلى شريكته في مراحل لاحقة من العلاقة –خاصة في السنوات الأولى من الزواج- يكون من أشد ما يقلقها ويشعرها بفتور اهتمامه بها.

من جهة أخرى قد يلجأ الرجال إلى إظهار التحدي والعدائية في نطاق العمل ليس فقط عن طريق إدامة التواصل البصري بل أيضًا عن طريق تجاهل النظر! عندما يريدون إشعار من أمامهم بالدونية.

العجيب أن الرجال الذين لا يعبرون عن اهتمامهم بالزوجة من خلال التواصل البصري أثناء الحوار، يعتبرون التواصل البصري نحوهم من النساء اهتمامًا!

المباشرة والحسم

في العمل كثيرًا ما تكون النساء منزعجات، لكن دون التعبير عن هذا الانزعاج، خوفًا من الاتهام بالتسلط، وهو ما لا يستطيع زملاء العمل من الرجال إدراكه. وعلى العكس فإن أسلوب التواصل الذكري المباشر يكون أفضل في التعبير عن مواطن الخلاف في العمل.

الفرق في الأسلوبين ليس مشكلة الرجال على أي حال، فقدراتهم الحدسية لا تؤهلهم لإدراك ما يدور في عقول النساء، وعلى النساء أن يتعلمن أن يحدثن توازنًا ليكنّ أكثر مباشرة وحزمًا في نطاق العمل مع المحافظة على العلاقات وإظهار التعاطف نحو المحيط، والذي لا تستغني عنه المرأة.

ولأن أسلوب الذكور يتميز بالمباشرة والحسم، لذلك نراهم يكثرون من استخدام صيغة فعل الأمر، وإن كان الغرض هو الطلب وليس التسلط كما تفهم النساء اللاتي يفتقر أغلبهن إلى هذا الحسم في الحوار، ولا يكثرن في المقابل من استخدام صيغة الأمر المباشر، بل يعرضن ما يرغبن أن يفعله الآخر عليه في صورة مقترح وربما تساؤل! ربما كان هذا مقبولًا من النساء في العلاقات الشخصية، ويسهم في إضفاء نعومة على التفاعل مع شريك الحياة، لكنه يكون سببًا مباشرًا في شعور المرءوسين الرجال بضعف مديراتهن النساء.

ينبغي أن يفهم الرجل أن المديرة المرأة عندما تخاطبه بهذه الصيغة فهذا نابع من اختلاف أسلوب التواصل وليس بسبب ضعفها أو افتقادها الثقة في نفسها كما يظن، كما ينبغي أن يقلل الرجال من صيغة الأمر خاصة في العلاقات الشخصية مع شريكات حياتهم.

وجدير بالذكر أن أغلب الرجال والنساء يرون الحسم والمباشرة لا يليق بالنساء، بل يرون أن المرأة ينبغي أن تركز على بناء العلاقات والحفاظ عليها أكثر من تركيزها على الصدق والمباشرة في الحوار الذي قد يبدو في حق المرأة وقاحة! بينما المرأة الحاسمة الصارمة ليست مسترجلة ولا تفتقد الأنوثة كما ينظر إليها أغلب الرجال والنساء! هي فقط تجيد التمييز بين المواقف التي تستلزم إظهار نعومتها ورقتها وبين المواقف التي تتطلب الجدية، كما أن الحسم والصرامة والجدية لا يعني افتقاد التعاطف تجاه الآخرين.

الاعتذار

الرجل ليس مهيأ نفسيًا للاعتذار اللفظي عند الخطأ مثلما تفعل المرأة. يميل كثير من الرجال لإصدار أقوال أو أفعال استرضائية عوضًا عن الاعتذار المباشر. والمرأة التي تنتظر الاعتراف بالخطأ والاعتذار اللفظي عنه وتصر عليه من شريكها ربما تصعب الأمور وتضع العلاقة في موضع حرج.

على العكس تمامًا فالنساء يكثرن من استخدام عبارات الأسف فهي كلمات دارجة لديهن يطلقنها بإفراط كما يطلقن عبارات الشكر! وهذا أحيانًا يُطمع الرجل –دون وعي منه- في أن ينال اعتذارًا من شريكته على مواقف خالفته فيها في الرأي -وليس عليها أبدًا أن تأسف على هذا- لأنه اعتاد منها أن تأسف بسهولة! وعندما ترفض الاعتذار وترى في هذا إهانة لها قد تثور المشاكل.

الاتجاهات والأماكن والألوان

من لا يفهم شرح الاتجاهات لموقع ما بغير استخدام الخرائط والعلامات ليس غبيًا كما يرى الرجال، ولكنه الأسلوب الأنثوي الذي تغطي أغلب النساء ضعف قدراتهن البصرية المكانية ثلاثية الأبعاد عن طريقه.

في المقابل فإن كان الرجل أسرع في تحديد الاتجاهات الصحيحة والوصول للأماكن، فقدرة المرأة على إيجاد الأشياء المفقودة في أي مكان أضعاف ما للرجل.

نقطة إضافية وهي أن المرأة أكثر دقة في تحديد درجات الألوان، فعين المرأة ترى الحياة ملونة بأكثر مما يراها الرجل.

إنها فقط الفروق بين الجنسين في القدرات البصرية المكانية التي لا نحترمها، وربما نسخر من بعضنا لأجلها!

المساعدة مقابل إلقاء اللوم

عندما تكون المرأة في موقع المسئولية وتحدث بعض المعوقات يسارع الرجال بإلقاء اللوم عليها، وهذا ليس راجعًا فقط لأن المسئول امرأة، بل هم غالبًا سيفعلون الشيء نفسه ويلقون اللوم لو كان المسئول رجلًا، لأن هذه طريقة الرجال في النظر إلى الشخص المسئول، وهي نظرة تختلف عن نظرة النساء إلى المسئولية؛ حيث المسئولية بالنسبة إليهن أعباء يُكلف بها المسئول، وعندما تسوء الأحوال يكن أكثر ميلًا من الرجال للمساعدة لأجل تحسينها بدلًا من إلقاء اللوم.

الحب مقابل الاحترام

الرجال يهمهم أن يكونوا محل احترام من زوجاتهم أو من زملاء العمل قبل اهتمامهم بأن يتلقوا منهم الحب.

الاستقلالية والتنافسية التي يتربى عليها أغلب الرجال لا تجعلهم يرون الحب أعلى أفضلية من مرتبة الاحترام، هذا على عكس أغلب النساء اللاتي يأسين كثيرًا إذا ما شعرن أنهن غير محبوبات بشكل كافٍ في مجال عملهن أو من أزواجهن.

هذا الفرق يجعل الرجال يقدمون على تصرفات كثيرة سعيًا نحو الاحترام والمنزلة العالية والمكانة على حساب الحب، ويتقبل المجتمع منهم ذلك. لكن على النقيض، ولأن الفتاة المتفاخرة على قريناتها دومًا ما تكون منبوذة، والنساء يتربين على المساواة فيما بينهن، فإنه في العمل غالبًا تحدث المشاكل بين النساء المديرات والمرءوسات إذا ما أصرت المديرات على إشعار مرءوساتهن بعدم التكافؤ، لأن هناك رغبة مضادة لدى المرءوسات في الإحساس بالمساواة ورفض لتميز إحداهن من بينهن.

غالبًا تكون المديرة الناجحة هي من تُشعر مرءوسيها ذكورًا وإناثًا بما يمكن أن أسميه (حسم الأم)، وهو شكل من الحسم يجعل لها سلطة متقبلة غير منفور منها كونها مصحوبة بالرعاية أكثر من التسلط الذي لا يُقبل من النساء خاصة. وقد يساعد المديرة الأنثى أن تتعلم توزيع المهام بحيث لا تحتفظ بكل الخيوط في يدها، وهو الخطأ الإداري الشائع لدى النساء.

وفي الحياة العائلية لتحذر المرأة من أي تصرف قد يرى فيه الرجل تقليلًا من احترامه ومنزلته لأن كرامته ستكون في المرتبة الأعلى من حبه لها، وليتذكر الرجل أيضًا أن هناك نساءً ربما يكن أكثر منه تفضيلًا للاحترام عن الحب، فإذا ما كانت زوجتك من هذا النوع الذي يستخدم هذه المفردة الذكرية في التواصل، عليك الانتباه جيدًا وعدم خدش كرامتها حفاظًا على استمرار العلاقة.

وكما ذكرت في البداية فإن تصنيف أسلوب الفرد التواصلي إلى ذكري أو أنثوي لا يعني أن هناك أسلوبًا صحيحًا وآخر خاطئًا، كما لا يعني أن الفرد يتفق على طول الخط مع ملامح ذلك الأسلوب أو الآخر، ولكنه تعميم نسبي.

أعرف كثيرًا من النساء الناجحات مهنيًا أسلوبهن التواصلي في العلاقات المهنية مزيج بين كلا الأسلوبين، وفي كثير من الأحيان تعمل عقولهن بطريقة تقترب من عقول الرجال، خاصة إذا ما تعلق الأمر بمعالجة المشكلات؛ حيث يعالجنها داخليًا ولا يتشكين ويفضفضن حتى لأقرب الناس كمعظم النساء.

كما أن المرونة تجعل أسلوب الفرد يتغير وفقًا لطبيعة الموقف، لكن من المهم للجميع ذكورًا وإناثًا تفهم تلك الفروق بين الأسلوبين ليرى كل منا نفسه جيدًا ويتفهم كيف يراه الآخر.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيإن مآسي الأمم هو قدرها الذي يعتمل في أعماقها. بمعنى أن ما تعانيه بهذا الصدد هو الاستمرار الملازم لما فيها من نقائص. فالنتائج دوما محكومة بأسبابها. وهو تلازم يرتقي إلى مصاف الحتمية. وفيه تظهر ليس فقط حقيقة القدر بل وإمكانية البدائل للخروج من ربقته. فالقدر هو الوجه الآخر للقدرة. وعلى قدرها تتراكم حقيقة القدر في عقل وضمير النخب الاجتماعية والفكرية والسياسية. كما انه يتراكم في مواقف المجتمعات والأمم بأشكال ومستويات شتى تترامى من الخنوع لكل ما يجري إلى المواجهة والتحدي والاستعداد لتضحية بكل شيء من اجل ما تعتقده مقدسا في عقلها وضميرها، أي كل ما يرتقي في وعيها وضميرها إلى مستوى المجرد عن الابتذال. وفيما بين هاتين الحالتين، أي الخنوع إلى حد العبودية السافرة والتوكل الزائف على قيم أكثر زيفا، والاستعداد الدائم للمواجهة والتحدي مهما كانت الظروف والقوى الخارجية، تكمن أيضا قيمة النخب والأمم على السواء. وقد سبق للفكر الإسلامي وأن سجل هذه الحقيقة في عبارة مأثورة تقول "الناس على دين ملوكها"! ويمكن تأويل هذه الفكرة ها في ظروفنا المعاصرة على أن الأمم على دين نخبها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وذلك للدور الذي تلعبه النخب السياسية الآن في حياة المجتمع. فالتطور التاريخي للأمم يسير في أشواط الانتقال صوب أولوية وجوهرية القيم والمبادئ والقوة الاقتصادية والثقافية. وهو تحول جوهري يجعل من السياسة، كما كان شأنها على الدوام، القوة العلنية في تحديد ماهية ومضمون القدر نفسه. بمعنى نقل حقيقة القدر من عوالم الغيب والسر اللاهوتي إلى ميدان الإرادة الفعلية للأمم ونخبها الفكري والسياسية.

وعندما نضع هذه المقدمة الفلسفية في الموقف من قدر العراق الحالي ومآسيه، فإننا نقف أمام حالة مزرية لقدرة نخبه السياسية وعجزها التاريخي عن تفعيل السياسة بالشكل الذي يجعلها قوة اقتصادية وثقافية قادرة على تذليل حالة البؤس الشامل فيه. بل يمكننا القول، بان ظروف العراق الحالية بعد سقوط الصدامية تكشف عن إمكانية السير في نفس طريق الابتذال الذي ميز زمنه في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين. ويكشف هذا الزمن عن استمرار حالة الابتذال لفكرة المقدس (الوطنية والحق والعدالة والنزاهة الاجتماعية وأولية المصالح العامة وما شابه ذلك). بل إننا نرى استفحال متوسع لهذا الانتهاك على خلفية الشعارات والإعلانات والدعاوى التي رافقت تاريخ الأحزاب السياسية التي صعدت إلى سدة الحكم بقوة الغزو الأجنبي والاحتلال. وتمثل هذه النتيجة الوجه الآخر لحالة الانحطاط الشامل في العراق، التي جعلت من الاحتلال أسلوبا لبلوغ وتحقيق الديمقراطية!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة من الانحطاط جعلت وما تزال تجعل من المغامرة أسلوب التفكير والممارسة السياسية. ذلك يعني أن النتيجة سوف تكون محكومة هنا بأسبابها أيضا. بمعنى أن النتيجة سوف لن تكون شيئا غير الاستمرار في زمن الخراب الانحطاط. فمن الناحية المجردة، يمكننا القول، بان إدراك حقيقة التاريخ الكلي للعراق الحديث والنتائج التي أدت إليها التوتاليتارية الدكتاتورية الصدامية، كان ينبغي لها أن تصنع في وعي النخب السياسية القدر الضروري، أو الحد الأدنى من تأمل ما يمكن أن تؤدي إليه مغامرة الخروج عن فكرة الدولة الشرعية والوطنية والنظام الديمقراطي والثقافة الحرة. إلا أننا نقف أمام جهل أو تجاهل لتاريخه الحديث. فالتجربة الصدامية قد صدمت كل ما في العراق بشكل جعلته عرضة للتهشم والاندثار السريع كما لو انه كيانا هشا. مع أن العراق اعرق حتى من كل ما فيه! وتعكس هذه المفارقة مستوى الخراب والانحطاط الملازم لتقاليد الراديكالية الضيقة كما مثلتها الصدامية بصورة نموذجية! وهي نموذجية قادرة في الواقع على تعليم الحمير، بأن الخروج عن "الصراط المستقيم" في بناء الدولة لا مخرج له إلا الانزلاق في هاوية الانحطاط والخراب. ويرتقي هذا الحكم إلى ما يمكن دعوته بالبديهية السياسية. غير أن أحداث العراق الحالية ما بعد سقوط الصدامية يبرهن على أن البديهية السياسية ليست مفهومة أو معقولة أو سهله بالطريقة التي تبدو في ميدان الرؤية المنطقية والرياضية. والسر غاية في الجلاء، وهو أن "تاريخ" الانحطاط لا يشبه زمن السلطة! فزمن السلطة عرضة للتغير والتبدل الاندثار السريع، بينما "مآثر" الانحطاط أكثر رسوخا وتغلغلا في بنية الوعي والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وهي الحالة التي تشكل مفارقة المأساة العراقية الحالية. إذ أننا نقف أمام نخب سياسية هي الوريث غير الشرعي أيضا لزمن الانحطاط! مما يجعل منها قوى ضعيفة وهشة في قدرتها على تمثل مصالح العراق الجوهرية.

فمن بديهيات الأمور في الفكر السياسي أن تكون قدرة النخبة السياسية أو الحزب السياسي على قدر ما فيهما من استعداد فعلي لتمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة والأمة. وفي الحالة المعنية على ما فيهما من قدرة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة في العراق. فالأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية الشيعية العربية – قلبها في الحوزة، وعيونها إلى النجف وكربلاء، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب لتحويلهم إلى طائفة(شيعية). والأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية السنّية العربية – قلبها ينبض فقط بالاقتراب من السلطة، وعيونها إلى عروبة مزيفة، وأطرافها تعمل من اجل الاستيلاء على أجساد العرب من اجل تحويلهم إلى طائفة (سنية). والأحزاب الدنيوية (العلمانية) العراقية (العربية) مشتتة القلب والأطراف، مهمومة بالتحالف الكاذب مع الآخرين، أما روحها فهو التأقلم مع تقاليد السرقة والابتزاز. والشيوعيون وأمثالهم لا قبلة لهم ولا دين بعد سقوط موسكو والشيوعية غير التأقلم مع "نحن" لا قيمة لها ولا معنى. والحركة الطالبانية الكردية – لا قلب لها ولا فؤاد غير السليمانية، ولا تتقن من الفكرة السياسية سوى لعبة المغامرة السياسية في بغداد وكركوك، أما أطرافها فسائبة مع الجميع وقوتها المصطنعة في رخويتها الفعلية. أما الحركة البارازانية الكردية فقلبها في اربيل، وعيونها متنقلة من ارث جبلي تقليدي إلى واشنطن وخدمها، وأطرافها متعاونة وخاذلة لأبناء جلدتها والآخرين.

إن هذه الأحكام القاسية في مظهرها لا تنفي وجود بعض فضائل هذه القوى، عند الجميع، بقدر ما أنها تشير إلى طبيعة النقص الجوهري عند النخب والأحزاب السياسية في العراق، بوصفها النتيجة الملازمة لزمن الانحطاط الشامل في الدولة والمجتمع والثقافة. إلا أن ذلك لا يقلل من مسئولية هذه الأحزاب والنخب، كما انه لا يزيل إشكالية القضية نفسها والقائلة، بان قوى من هذا النوع ليست قادرة على تقديم وتحقيق بديل واقعي وعقلاني لتاريخ الخراب والانحطاط في العراق. ويمكن وضع هذه النتيجة في فكرة تقول، بان إذا كانت مآسي الأمم على قدر انحطاطها، فإن نجاحها على قدر ما فيها من نخب رفيعة المستوى ومجتمع حي هو مصدر وجودها ومعين إبداعها الأصيل. وبدون ذلك تصبح المأساة فعلا لا علاقة له بالعقل والضمير والإبداع. فالمآسي تصبح فضيلة فقط عندما تتحول إلى بلاء عظيم لقلوب أعظم، أي عندما تكون لقلوب الأمم كاللهب للذهب. الأمر الذي يجعل منها طاقة لتنقية القلوب والعقول.

ودروس التجربة التاريخية للعراق الحديث تكشف عن أن مصدر مأساته تكمن في عدم تكامله الذاتي. ويستحيل تحقيق هذا التكامل دون تكامل الأحزاب والنخب السياسية في رؤية وطنية واجتماعية واقعية وعقلانية. وعدم التكامل المشار إليه أعلاه هو الضعف الذي جعلت منه العقود الخمسة الأخيرة زمنا للتجزئة المغلفة بالوطنية الكاذبة والقومية الأكثر كذبا والتدين الأشد غشا. بحيث تحول العراق إلى كتلة متراكمة من التجزئة القومية الضيقة والعرقية والطائفية الآخذة في الصعود حاليا. ويمثل هذا الصعود عين السقوط. وفي أفضل الأحوال لا ينتج غير انحطاط آخر لا جديد فيه ولا معاصرة! كما انه لا يفعل إلا على استثارة النفسية الدموية ونزوعها التخريبي.

إذ لا يمكن للنزعات القومية الضيقة والعرقية والطائفية أن تحصل على إجماع وطني. كما أنها غير قادرة على الخروج من مآزقها الذاتي بوصفها أيديولوجيا المأزق التاريخي. من هنا ليس صعودها سوى الوجه الآخر لسقوطها التاريخي. وهي حالة عادة ما تميز الأبعاد الموضوعية في مرحلة الانتقال الكبرى من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. مما يجعل من صعود القوى الممثلة لهذه النزعات شيئا أقرب ما يكون إلى كبش فداء. أنها كبش بالمعنى السياسي، وفداء بالمعنى التاريخي. وتنعكس في هذه المفارقة حالة العراق المعاصرة. بمعنى خروجه من نفق التجزئة التوتاليتارية المغلفة بالوحدة والدخول إليه من جديد باسم "الديمقراطية". بينما تفترض حقيقة الديمقراطية الفعل والعمل بمعايير المصلحة الاجتماعية وقوة الشرعية والقانون، وليس بمعايير ومقاييس الدعاوى الأيديولوجية.

فالقومية الضيقة والعرقية والطائفية هي قوى مجزئة. مما يجعلها بالضرورة ضعيفة من حيث إمكانياتها الوطنية، ومنهكة في ثباتها الاجتماعي، وناقصة في عقلها العراقي. وديمومتها الوحيدة هي المؤقت والتأقلم. ولا تصنع هذه الديمومة ثباتا واستقرارا ديناميكيا للعراق. مما يحرفها بالضرورة عن فكرة الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. مع ما يترتب عليه من استعداد دائم لاقتراف الرذيلة "السياسية" والتقلب فيها بمعايير ومقاييس العابر والمؤقت.

ومن حصيلة هذين الاثنين، أي الاستعداد الدائم للتأقلم والخيانة الاجتماعية يظهر "فداءها" التاريخي. بمعنى أنها منفذة المهمة التاريخية التي جعلت الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، ومن اللاشرعية إلى الشرعية مهمة مقرونة بالقوى الأجنبية الغازية للعراق، بينما هي مجرد أداتها السياسية الظاهرية. الأمر الذي جعل منها بالحقيقة والمجاز كبش الفداء التاريخي. وتستجيب هذه المهمة إلى ما فيها من استعداد للمرور بكل أوحال مرحلة الانتقال الوسخة في العراق، ولكن بوصفها قوة انتقالية من حيث مقدماتها وتاريخها وفكرها وذهنيتها ورؤيتها للمستقبل. وفي هذا يكمن سر المأساة التاريخية الحالية للعراق. بمعنى أن صعود قوى سياسية لا علاقة عضوية لها بتاريخ العراق ومضمون كينونته الثقافية إلى "قيادة" و"توجيه" حركة الانتقال التاريخي الكبير إلى الديمقراطية هو الثمن الذي ينبغي أن يدفعه العراقيون من اجل التطهير العقلي والأخلاقي للرذيلة التي جعلت من الممكن صعود مثل هذه القوى إلى هرم السلطة.

فالقوى المؤقتة والعابرة هي النتاج غير المباشر لزمن التوتاليتارية والدكتاتورية. بمعنى إنها نتاج مرحلة الانحطاط التام في بنية الدولة والنظام السياسي والثقافة والعلاقات الاجتماعية. من هنا واقع استمرار بنية الدولة التوتاليتارية في "مؤسسات" العراق ما بعد الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية.

فعوضا عن التوتاليتارية نرى براعم ومظاهر الاستفحال الشامل للنعرات العرقية والقومية الضيقة والطائفية الدينية والسياسية. وعوضا عن حكم الحزب والعائلة في النظام السياسي البائد نرى توسع المحاصصة نفسها على أسس القومية والطائفية والجهوية وليس على أساس الكفاءة والنزاهة كما نراه جليا في توزيع مناصب الوزارة والمؤسسات والفساد الإداري والمالي والأخلاقي. وكما كانت حال الثقافة والمثقفين زمن الاستبداد الشامل نرى معاداة الثقافة والمثقفين على أسس أيديولوجية قومية ودينية مزيفة. وكما كان الحال بالنسبة لإبعاد المجتمع عن إدارة شئون الدولة والرقابة نرى نفس التوجه العام عن الاستمرار الفعلي في تفتيت القوى المدنية وإحلال النزعات الجهوية والعرقية والطائفية.

أما النتيجة الحتمية لهذا السلوك فيقوم أيضا في استعداد هذه الأحزاب والنخب السياسية للخيانة الاجتماعية والسياسية. مما يشير بدوره إلى أنها لم تتعظ من تاريخ المأساة العراقية، وأنها مازالت تعيش في زمن الانحطاط، دون أن تعي بان الانحطاط دوامة مخرجها الوحيد: الزوال من مسرح التاريخ والاندثار من ذاكرة الأمم!

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

حمزة بلحاج صالح"محمد أركون" و"مديونية المعنى...الفكر الإغريقي وماذا عن غوشييه..

نصوص القران والتراث تتدفق بفيوضات من المعنى حول النزعة الإنسانية التي يعتبرها "محمد أركون" غائبة حتى القرن الرابع الهجري

بل ظهرت بفضل إنتصار الفلسفة والفكر الإغريقي في المجال العربي الإسلامي وهو كلام مبالغ فيه وفيه بعض الإجحاف..

الظاهر أن أركون الذي يستعير حتى عبارة " مديونية المعنى" من " مارسيل غوشييه " الفيلسوف الفرنسي.. " سيجعلنا نتساءل هل نقول إن أركون في حالة "مديونية معنى" مستعيرا " غوشييه " تماما كما فعل لما قام ينفي ما في التراث والقران من نزعة إنسانية ثاوية ويؤجلها إلى حين منح الإغريق لنا المعنى الناقص المتعلق بتأكيد النزعة الإنسانية و" الأنسنة "..

لا أنسنة بالنبسة لأركون بدون علمنة وأي علمنة هذه لعلها "جاكوبية" صلبة فرنسية تستبعد الدين وتعاديه أو لعلها أنجلوسكسونية أقل تشددا من الطبعة الفرنسية نسبيان

أما الذين يعدون محمد أركون صاحب فضل في تعريفنا وإطلاعنا على موضوع ومبحث الأنسنة وبدرجة أقل ربما عبد الرحمن بدوي

هم أيضا يتمترسون حول مفكر أو اثنان أو ثلاثة يجعلونهم محورقضية تراكماتها موجودة سلفا ولو غطاها غبار الأرثدوكسية وتيار الفقه وتغييب العقل والتنوير.

الذين ينفون أن نكون قد عرفنا التنوير والأنسنة إلا في إطار الفصل بين الديني والحياتي تماما كمن ينادون بدمجه دمجا كهنوتيا ولو لم يصرحوا ..

جميعهم لا يقرأون أركون قراءة موسع في المجلس ويقابلهم من يحثون كما يفعل أركون على قراءة التراث قراءة مفاضلاتية وتبجيلية ..التوحيدي ..مسكويه ..الجاحظ ..ابن رشد..العرفان ...مقابل شيطنة ابن تيمية..الغزالي ...الخ

فواحد يقدس واخر يشيطن وواحد يصنم والاخر يقرأ بنسبية

أركون نادى الى التفكير بأدوات محددة ولم يقدم مشروعا متكاملا فعنده ما يجدي ويفيد وهو كثير فلا هو شيطان مارد ولا ملاك مقدس..

في مقولة " التشكيل البشري للإسلام عند محمد أركون

أنا لا أعتبر أركون صاحب مشروع أنجز كما فعل الجزائري فارح مسرحي الذي منح جائزة محمد أركون واعتبر منجز أركون مشروعا وتناول أسسه ومرتكزاته فلو إعتبره خطابا لكان أسلم..

محمد أركون في دعوته الى إخضاع الأديان والإسلام إلى قراءة أنثربولوجية وإستشراقية حديثة " إسلاميات " تطبيقية ولا بأس أيضا بالفللولوجية اللغوية النقدية التقليدية  " الإستشراق القديم "  لا يتقاطع وفهمي ومقاربتي هذه.

انا أنطلق من ان الوحي مطلق سماوي من عند الله وأركون ينطلق من أن النص الديني بشري وليس إلهي من عند الله

أساس منجز محمد أركون ودعواته تنطلق من معطى هام هو إعتبار النص الديني نصا بشريا ورغم مراوغاته فقد أبان على ذلك جيدا في كتابه ( حوار أجراه معه رشيد بن الزين) والذي نشر في كتاب موسوم " التكوين البشري للإسلام

La construction humaine de l'Islam...

أنا شخصيا لا أمانع أن يخضع الدين للدراسة من حيث سياقات ظهوره وميلاده كوحي بين الناس وظهور الرسل والأنبياء

وأن تدرس كل السياقات التاريخية وتخضع للنقد والدراسة الفللولوجية والفقه لغوية والإستشراق الحديث كما سماه أو غير ذلك من الدراسات الإنسانية وحت الإناسية

ولا أمانع ان ينطلق من شاء في عملية حفر بشري معرفي وأنثربولوجي حول نشأة الدين والتساؤل عن بشريته وكونه وحيا فهذا من الحريات المكفولة للباحث لكن أركون الذي يدعو الناس للبحث الحيادي الموضوعي العلمي ينطلق من قبلي محسوم فيه ليبحث ربما عن تبريره..

لقد قرر مسبقا قبل نتائج البحث صفة التكوين البشري للإسلام..

ألا يمانع أركون أن ينطلق المسلم المؤمن من قبلي هو أن الدين وحيا وليس فعلا بشريا ويمارس بالموازاة نقده الأنثربولوجي والفللولوجي  غره

أم إننا سنطلب من أركون التحرر من سياجه الدوغمائي المغلق المنافي للعلم والبحث العلمي..

أي السؤالين أجدى للأمة الإسلامية وشعوبها حتى تقوم من كبوتها وتنهض

الأول / هل الدين بشري يمكننا التخلص منه أو هو وحي من السماء..

الثاني / كيف نحرر فهم الدين مما يستمر في إنتاج كبواتنا وكيف نحرر التراث الذي يلهمنا من مساحاته المظلمة..

النخبة المتمسكة بالسؤال الأول ترى في الدين نفسه عائقا والنخبة الثانية ترى في فهمه الفاسد عائقا..

السؤال الثاني الذي يهتم بأصل كبوتنا في الفهم الفاسد هو الأهم بالنسبة لي ولفائدة الأمة الإسلامية..

ولا بأس بالأول أن تشتغل به النخب الإسلامية الأكاديمية لإثبات وتعزيز مسألة الإيمان ومحاورة اللادينيين والملحدين وهو عمل  لا يسبق الثاني ...

 

حمزة بلحاج صالح – باحث جزائري

 

سلام جمعة المالكيخلاصة الجزء الاول من هذه الدراسة، ان المفترض من استحداث جامعات، في اي مجتمع اكاديمي هو تغطية الحاجة الجغرافية او النوعية وان ركائز الاستحداث الاساس هي الملاك التدريسي المؤهل نوعا وكما، والبنى التحتية من منشآت وتجهيزات، بما يتوافق مع مسوّغات الاستحداث تحت ادارة خبيرة متمكنة ذات تجارب حقيقية في مختلف مجالات العمل الاكاديمي والاداري ناهيكم عن المؤهلات العلمية والاكاديمية على اعلى المستويات... وهذه وحدها مبحث كبير وحسّاس.. مؤجل حاليا!!!!

حيث ان الملف مليء بالمفارقات، المالية والعلمية والاكاديمية...و حيث ان ملف المفارقات المالية هو الاخطر وهو الذي يدخل المتصديين له بالحق عشّ الدبابير وجحور الحيّات ...فلتكن البداية مع الصفحة الاهم حسب رأيي كأكاديمي والاخف ضررا وتعريضا للمخاطر كانسان " مع ارجاء الصفحات الاخطر لاحقا... حسب!!!"....تلك هي صفحة الملاكات التدريسية التي يُفترض ان يتم التعامل معها بدقة عالية جدا لما لهذه الملاكات من آثار خطرة جدا، ايجابا او سلبا، على اداء ومخرجات الجامعات.

تقتضي اساسيات العمل الاكاديمي وبناء المؤسسات الاكاديمية تنظيم ملف تأليف الملاكات التدريسية لمثل هذه المشاريع حسب التخصص والحاجة الحقيقية لكافة المراحل الدراسية، مع امكانية الاستعانة المقننة، بالخبرات العلمية في الدوائر والمؤسسات ذات العلاقة، على ان يكون ذلك على أساس الارادة او الترغيب حيثما أمكن، وذلك خلاف التجميع العشوائي لأفراد من هنا وهناك من مختلف الجامعات والكليات لتشكيل الاعداد الكافية "رسميا وبالحد الادنى" للشروع بعناوين كليات دون ان يكون التخصص او ارادة التدريسيين من المعايير الحاكمة لذلك التجميع. أضافة لذلك، وحيث ان استحداث الجامعات موضوع لا يستوجب التسرّع، خاصة مع امتلاك البلد بنية أكاديمية منذ عشرات السنين تخرّج منها مئات الالاف ، وما زالوا!!!. زائدا قوافل خرّيجي الجامعات الاجنبية من المبتعثين او طلبة النفقة الخاصة، والكفاءات المغتربة العائدة، وما برحت نسبة لابأس بها من المذكورين أسرى كابوس البطالة او العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم العلمية. هنا "كانت!!!!!" تكمن واحدة من أكبر مسوّغات استحداث جامعات او مؤسسات اكاديمية أو بحثية، الا وهي استيعاب تلك الكفاءات والافادة منها في مجالات جديدة لم تستوعبها الجامعات والمؤسسات الموجودة، وبالتالي محاربة المعدلات المتضخمة لبطالة حملة الشهادات العليا والاولية...!!!

فأين واقع الجامعات المستحدثة من الصفحة أعلاه؟؟؟

ايضا...و كما تم التنويه عنه في الجزء السابق من هذه المقالة... فان مبدأ الانصاف الذي يتم تطبيقه "بل واعتباره امتيازا" للإدارات العليا للجامعات المستحدثة من حيث التغاضي عن كثير من متطلبات المؤسسات الاكاديمية بعذر "المستحدثة"، يستوجب التطبيق، من باب اولى، بالنسبة للملاكات التدريسية العاملة في جامعات تكاد تفتقر للمختبرات والامكانات البحثية المتقدمة "مكتبات ومجلات وانترنيت وسواها"، هذا ان كانت تمتلك أيا منها.... واقعا، والدراسات العليا والنشاطات والعلاقات العلمية والاكاديمية مع الجهات ذات العلاقة داخليا وخارجيا...كل ذلك يستوجب تخفيفا من نواح عديدة كالاشتراطات المطلوبة للترقيات العلمية والالتزامات الادارية وفقرات التقييم السنوي.... لا ان يتم التعامل مع الملاكات التدريسية بأسلوب "اللطم مع الكبار والاكل مع الصغار!!!" سواء بالمحاسبة على تأخير في توقيع الحضور والانصراف الصباحي او المسائي بما يجعل التدريسي شبه مكبّل الحركة، او بالتشدد في المطالبة ببحوث ضمن مستوعبات ثومبسون او سكوبس او... أو المحاسبة ضمن استمارات التقييم السنوي كما يحاسب نظراؤهم في الجامعات الحائزة كامل تفاصيل العمل الاكاديمي المذكورة اعلاه.....!!! ناهيكم عن المعاناة المذلّة في مطالبتهم بالدوام اليومي شهورا عديدة دون استلام رواتبهم بسبب الروتين المقيت بين وزارات الدولة ودوائرها!!!

منطق بسيط... التساهل مع المنتسبين بذات اسلوب التساهل مع الادارات...

بخلاف ذلك ماذا ستنتج تلك ال"مستحدثة"؟؟ بعد مرور سنوات من عزلة الملاكات التدريسية عن مضان التقدم الاكاديمي والعلمي في مجالات تخصصاتها...ستضاف تلك الملاكات، خسارة اخرى غالية الى رصيد الخسارات الوطنية المتعاقبة، اضافة الى الانحدار المتوقع لدوافع العمل الاكاديمي وما ستعكسه على المخرجات الدراسية والاكاديمية للجامعات المستحدثة....!!!!

فما هو تقييم اداء الجامعات المستحدثة في هذه الصفحة؟؟ والاهم هو من الذي "قد" يقيّم" ذلك الاداء؟؟ هل هم مسؤولو تلك الجامعات، ام الجهات التي كانت وراء استحداثها...أم ؟؟؟؟

 

يتبع.....

أ. د. سلام جمعه المالكي

 

الحسين اخدوشتخدم الأيديولوجيا شبكة المصالح للفئات المهيمنة في المجتمع مبرّرة النظام السائد. إنّها تشرعن لنسق السلطة المسيطر عبر تدعيم الاتجاهات والميولات المعَبٍّرة عن هيمنة منفعة صاحب السلطة.1  يعمل هذا النزوع التبريري للأيدلولوجيا بفاعلية كلّما تعلّق الأمر بالبحث عن قيّم وأفكار تُدعّم مشروعية الهيمنة، وتكرّس سلطة صاحب المنفعة.

الواقع أنّ التبرير الأيديولوجي يشتغل بشكل ضمني غير مباشر، وذلك عن طريق التعتيم والتمويه والتضليل، وذلك لتجنّب صدام المصالح وإرادات الفئات المتصارعة.

يكرّس هذا النزاع الأيديولوجي سيادة نفوذ صاحب السيطرة والهيمنة، ممّا ينجم عنه سيادة خطابات السلطة. تتحوّل الايديولوجيا في هذا المستوى إلى خطاب شمولي يتضمّن التشكيلات الفكرية التي تعمل على تسويغ هيمنة السلطة. يشتغل التبرير الايديولوجي على صهر وتذويب الاختلافات داخل نسق هذا الخطاب، عبر أفكار ومعتقدات تبريرية.

تتشابك المنفعة والايديولوجيا في هذا المستوى بشكل معقّد لينتهي بهما الأمر إلى خدمة السيطرة والهيمنة وتعزيز النفوذ. ينجم عن تحالف المنفعة والسيطرة قيام خطاب أيديولوجي ذي أبعاد شمولية وكليانية، فتأخذ السلطة أبعادا ممتدة ومتشعّبة في مختلف التعبيرات السياسية والفنية والإعلامية والاقتصادية.

تتخذ السلطة أقنعة لغوية وفكرية وقيمية وفنية ورمزية ودينية. فضلا عن ذلك، تصبح الأيديولوجيا تجسيدا للسلطة المهيمنة لأجل حفظ الوضع القائم، وإعادة إنتاجه اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وفنيا وثقافيا. غير أنّ الغريب في هذا كلّه، هو أنّ الناس ينخرطون في هذا الوهم الأيديولوجي بوعي أو بدون وعي.

حاول الموقف التشكيكي للنظرية النقدية المعاصرة فضح الطابع الاستلابي للأيديولوجيا وجعل الناس يدركون خداع الوهم لهم. والبيّن أنّ الانتباه إلى هذا الأمر يعتبر ضروريا لتجنّب الاغتراب عن الواقع. غير أنّ المجتمعات المعاصرة تبدوا كما لو أنّها منفصلة ومقطوعة عن الأيديولوجيا، حيث لم تعد تأخذها على محمل الجدّ.

بالمقابل، لا يزال الواقع يشي بأنّ الأيديولوجيا تخدع الناس وتتسلّل إلى وعيهم عن طريق اللغة لتسلبه وتشوّهه. إنّها تجعل النفوس المروضّة اجتماعيا مغتربة عن ذاتها ووعيها، من حيث كونها تقبل تلك الدلالات التي تخدم السلطة. ولقد أظهرت النظرية النقدية المعاصرة مدى تقاطع الأيديولوجيا المهيمنة مع الأشكال التعبيرية اللغوية والرمزية المتداولة في الفضاء العام المشترك.

مكّن هذا المستجد النقدي من فضح تلك الخطابات الرمزية المتلبّسة بالسلطة، كاشفا عن كونها لم تعد مجرّد أنظمة مستقلّة للمعتقدات والأفكار، كما كان يعتقد الموقف الكلاسيكي للفلسفة، وإنّما تحوّلت إلى ما يمثّل خطابات تخدم الهيمنة والسيطرة. اعتبرت الأيديولوجيا في هذا السياق بنية رمزية مقنّعة تبحث لنفسها عن طرق مباشرة وغير مباشرة لخدمة علاقات السيطرة الموجودة لتدعيمها وتبريرها.

تحوّل معنى الأيديولوجيا انطلاقا من هذا المنظور ليتَّخذ صورة جديدة، هي الدلالة في خدمة السلطة. وقد سمحت نظرية السلطة الجديدة للتعامل مع اللغة انطلاقا من نزوع السيطرة، حيث الدلالات في خدمة علاقات السيطرة في واقع اجتماعي معيّن. من هذا المنطلق لم تعد تستعمل اللغة ببراءة في خطابات الناس، وإنّما تقع وراءها صراعات ومصالح فردية وجماعية.

تحاول الأيديولوجيات أن تؤمّن تجانس الواقع المتصدّع ووحدة الاجتماعي المتصارع فيه، كما السياسي والاقتصادي المتنازع حولهما، وذلك بأشكال وصيغ تعبيرية خطابية ضمنية غير مرئية بإضفاء اعتقادات تبريرية قد نختلف حولها كثيرا. لهذا أصبح فهم طريقة توظيف اللغة لخدمة السلطة هدفا للكشف عن كيفية اشتغال الأيديولوجيات بغرض فضح أشكال حضورها وجعلها مهمّة نقدية للتحليل النقدي للخطاب.

تحوّلت الأيديولوجيات بفضل هذا التحليل النقدي المعاصر إلى بؤرة لتتبع تقنّع السلطة وتلبّسها بالخطابات الإعلامية والسياسية والاجتماعية. لذا، أصبح الخطاب في الواقع يحتوي في بنيته الكثير من التشكيلات الفكرية ذات الأبعاد النفعية التي تعمل على تمكين الفئات المسيطرة من الهيمنة على المنفعة وتكريس سلطتها. 

إنّ الفكر المطلق، مثلما الفكر التبريري، كلّ منهما ينزع نحو جعل الدلالة في خدمة السلطة؛ ولعلّ هذا ما تعمل الأيديولوجيا على تكريسه في الواقع بشكل عام، وخاصة في سياقاتنا الاجتماعية والسياسية المغاربية والعربية من دون أيّ حسّ نقدي حتّى.

 

الحسين أخدوش

.................

  -1John (B) Thompson: Studies in the theory of Ideology; University of California Press, Berkley, Los Angeles, 1984, p.73.

 

موضوعة القيم من الموضوعات المركزيّة التي اولتها الاديان والفلسفات عناية خاصّة . القيمة في اشتقاقها في اللغة العربية جاءت من (قوّمَ الشيءَ)، اذا اظهر قيمته، وقوّمَهُ اذا كان معوجا فاقامه . فهي تستبطن معنىً اخلاقياً . اما اشتقاقها في اللغة الانكليزية، فهي ماخوذة من كلمة (value) المأخوذة من الجذر اللاتيني (valor)، والتي تعني القوة والصحة والغنى والشجاعة والذكاء، وهذه المعاني تكشف عن نزعة القوة والغنى والسيطرة المتاصلة في الحضارة الغربيّة.

والقيّم تشكّل محّددات وموجهات للسلوك، كما انها تشكل غايات عليا للسلوك الانساني، ومعايير على ضوئها نظبط السلوك، ونميّز بين الخطا والصواب .

والقيّم خاصيّة انسانيّة، ومايقوله البعض عن اخلاقيّات الحيوانات، في التعاون فيما بينها وانقاذ بعض الحيوانات لحيوانات اخرى، وقعت في ورطة او اسر الخصوم .

هذه الافعال لايمكننا نعتها بانها افعال اخلاقيّة، او ممارسات قيميّة، وانما هي افعال غرائزيّة؛ فاغلب الحيوانات محكومة بالغريزة في افعالها . هناك تصرفات في عالم الحيوان فيها حالة اسميها (الوعي)، والوعي ليس عقلا؛ فالعقل خاصيّة انسانيّة، وانما الوعي حالة تقع بين الغريزة والعقل.

القيم الاصيلة والقيم المضافة

اعني بالقيم الاصيلة، القيم الذاتية التي تنطوي عليها الشخصيّة الانسانيّة، فالعلم والتواضع والصدق، كلها قيم اصيلة؛ لانها تنطوي عليها الذات الانسانيّة، اما النسب والمال، والجاه، والمنصب، فهي قيم خارجية، اي خارج الذات الانسانيّة، ومنشؤها الاعتبار، فهي ليست قيم حقيقيّة، وانما الاعتبار جعلها قيم . هي قيّم مضافة الى الذات الانسانيّة . ولتوضيح الفكرة، اضرب هذا المثال:

العملة الورقيّة المتداولة بين الدول في التعامل، هي ورق والورق كورق لاقيمة له، والذي جعل له القيمة هو الاعتبار، اعتبار الدولة له، واعتبار البنك المركزي، ولو صدر قرار من الدولة او البنك بالغاء هذا الاعتبار فعندها تتحول هذه العملات الى ورق لاقيمة له . هذه القيمة الاعتباريّة، هي قيمة خارجية من خارج الورق، وليست قيمة ذاتيّة اصيلة للورق . هي قيمة مضافة للورق .اما الذهب والفضة اللّذان كانا العملة السائدة في ازمنة سابقة؛ فينطويان على قيمة ذاتية اصيلة هي قيمتهما كذهب وفضة. والقيمّة الاعتبارية جعلتهما نقدا رائجا، فلو اسقطتهما الدولة عن الاعتبار كنقد رائج في التعامل، تكون قد اسقطت قيمتهما الاعتبارية الخارجيّة المضافة، ولم تسقط، وليس بامكانها ان تسقط قيمتهما الذاتية الاصيلة كذهب وفضة .

هناك مفاهيم اقتصادية عن القيمة المضافة، منها: (ضريبة القيمة المضافة) وهي: ضريبة غير مباشرة، تفرض على جميع السلع والخدمات التي يتم شراؤها وبيعها من قبل المنشات . وتطبق هذه الضريبة في دول كثيرة في العالم . وهناك مفهوم استخدمه كارل ماركس في نقده للاقتصاد السياسي، ويشير الى القيمة الجديدة التي تنشا بواسطة العمل؛ لان العمل - حسب النظرية الماركسية - يخلق قيمة السلعة، وكذلك عمل العامل يخلق قيمة لعمله، ويجب ان يدفع له اجرا مقابلها . فلو فرضنا ان العامل اشتغل ثمان ساعات، واعطي اجرا لست ساعات، فالساعتان المسروقتان من جهد العامل تذهب الى جيب صاحب العمل، القيمة المسروقة للساعتين من جهد العامل، اطلق عليها كارل ماركس (القيمة الفائضة)، وهي عندي قيمة مضافة، الا انها لم تضف الى صاحبها، بل اضيفت الى صاحب العمل .

وانا في هذا المقال، لايهمني ضريبة القيمة المضافة، ولافائض القيمة، وانما الذي يهمني هو القيمة الاصيلة، والتي اعني بها القيمة الذاتية، التي تنطوي عليها الذات الانسانيّة من صفات وملكات . العلم قيمة اصيلة، والتواضع قيمة اصيلة، واما القيم التي يكون مصدرها ومنشؤها خارج الذات، فهي قيم مضافة وخارجية انشاها الاعتبار .

ماهي معاييرنا تجاه القيم

معايير مجتمعاتنا تقوم على اساس القيم الخارجية الاعتبارية المضافة، فهي تقيم وزنا للنسب والجاه، والمنصب، واصحاب الشركات والرساميل الضخمة . ولاتقيم وزنا باصحاب العلم والمعرفة، واهل التقوى والشمائل الكريمة .وتجذّر القيم المضافة في حياتنا مؤشر على تخلف مجتمعاتنا .والدول المتقدمة اسست معاييرها على القيم الاصيلة لاالقيم المضافة .

نحن نقيم وزنا لاصحاب الانساب، واصحاب الاموال، والجاه والمقامات، وهذه كلها قيّم مضافة. هناك دول قامت على اساس القيّم المضافة، مثل دولة جنوب افريقية ابّان الحكم العنصري، الذي قسم الناس الى بيض وملونين وسود، وجعل السيادة للبيض . وفكرة الدولة اليهوديّة تقوم على اساس القيم المضافة؛ فهناك تمييز حتى بين اليهود انفسهم، فهناك يهود من اصل شرقي (سفارديم)، وهناك يهود من اصل غربي (اشكيناز) .

كانت القيم المضافة سائدة في اوربا، وكانت سببا في اشعال الحروب، وجرت بسببها انهارا من الدماء، وحينما تخلت اوربا عن القيم المضافة، وطرحت فكرة مدنيّة الدولة، الدولة التي تقوم على اساس المواطنّة، والمواطن هو الانسان بلا اضافات، اي بلا شرط حسب تعبير الفلاسفة . اي الانسان كانسان غير ماخوذ فيه السواد والبياض، ولاالمال ولاالجاه ولا الموقع. فكرة المواطنة قائمة على اساس القيم الاصيلة، انسان بلا اضافات، اي : بلا قيم مضافة .

والانسان ياتي ربه يوم القيامة مجردا عن الاضافات، يقول الله تعالى :

(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) مريم : الاية : 95، والقران لايعتبر القيمة المضافة للمال سبب خلود صاحبها، فينعى على تفكير اصحابها البائس، يقول الله تعالى :

( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ) الهمزة : الاية : 3 .

وفي الختام اقول : ان القيم الاصيلة هي التي يجب ان تكون معايير في ضبط سلوكنا، كما ينبغي التخلي عن القيم المضافة؛ لانها تكرّس تخلف مجتمعاتنا .

 

زعيم الخيرالله

 

جواد بشارةعندما نتحدث عن الكون هنا فنحن نقصد حصراً الكون المرئي أو المنظور والمرصود الذي نعيش فيه ونعرفه وليس الكون العظيم المطلق اللامتناهي الذي يضم عدد لامتناهي من الأكوان، سواء المتوازية أو المتداخلة أو المتعايشة جنباً إلى جنب كالتوائم. ولكل كون منها زمنه الخاص، وقوانينه الخاصة، وثوابته الخاصة، المختلفة كلياً عن بعضها أو المتشابهة في البعض الآخر منها. أما الزمن فهو بالتأكيد الزمن  المندمج مع المكان في نسيج واحد هو الزمكان في كوننا المرئي على وجه التحديد، وهو ليس زمن واحد بل عدة أزمان وليس متجانس وثابت بل مضطرب ومتغير ومرتبط بالحركة والسرعة والاتجاه والهندسة المكانية. ولكن هل هناك حقاً " مرور للزمن؟" وهل هناك حقاً " إتجاه محدد للزمن؟ " لا يوجد في علم الفيزياء مفهوم إسمه مرور أو تدفق الزمن، فالعلماء يقولون إنه "على إفتراض وجود الزمن حقاً " فهو لن يمر أو لا يتدفق. فبعض الفلاسفة يعتقد أن مجرد التفكير بأمر يتعلق بمرور الزمن شيء عبثي ومبني على فكرة زائفة وخاطئة، فكيف أمكن  لجانب أولي بسيط وبديهي لمفهومنا عن العالم الفيزيائي أن يكون خاطئاً على هذا النحو؟ هل للزمن خصائص مميزة له وميزة مفتاحية لم يشخصها العلم بعد؟

من البديهي القول أننا في حياتنا اليومية نقسم الزمن إلى ثلاث فترات: الماضي والحاضر والمستقبل. وإن البنية اللغوية تتمحور حول  هذا التمييز الوقتي الجوهري، وإن الحاضر مرتبط بالواقع الحياتي والماضي هو  ما كان موجوداً وتوقف وجوده أي قابل للوقوع في طي النسيان، أما المستقبل فهو في أطراف  ما لم يحدث  بعد، أي لم يصبح بعد كينونة موجودة، أي هو موجود وغير موجود في آن واحد فكل لحظة من الحاضر  تتحول إلى ماضي  وكل لحظة من الحاضر تصبو لأن تغدو مستقبلاً حاضراً في الواقع.، أي أن  مفهوم " الآن " الذي نعيه، ينزلق باستمرار وعلى الدوام نحو المستقبل ويحول أحداث المستقبل غير المؤكدة إلى واقع حاضر، ملموس لكنه عابر قبل أن ينزله أو ينقله إلى منزلة الماضي المحفور في صخرة الوجود.

يبدو هذا الإدراك المشترك والحس الجمعي كأنه بديهي إلا أنه يتعارض مع الفيزياء المعاصرة . ففي رسالة بعثها آينشتين لصديق له عبر عن هذا الوضع بصورة صريحة لا لبس فيها وقال:" إن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ما هو إلا مجرد وهم متشبث ودائم  بعناد في التفكير البشري"" إن هذا الاستنتاج المدهش والغريب  لآينشتين مستمد على نحو مباشر من نظريته  النسبية التي تنكر أي معنى  مطلق  وشمولي أو كوني  لفكرة اللحظة الحاضرة فهي تقول إن التزامن أمر نسبي . فحدثين يقعان في نفس اللحظة عندما تتم مشاهدتهما أو رصدهما في إطار مرجعية ما، يمكن، إذا ما نظر إليهما من إطار آخر، أن يقعا في وقتين مختلفين. فلو طرحنا سؤال عما يحدث الآن أو في الوقت الحاضر أو في هذه اللحظة، على سطح المريخ، لن يكون له جواب قطعي. فهناك مسافة كبيرة تفصل بين الأرض والمريخ تصل إلى 20 دقيقة ضوئية، أي ما يقارب 360 مليون كلم والحال أنه ليس بمستطاع المعلومة أن تنتقل بين الكوكبين بأسرع من هذه المدة الزمنية فلا شيء يمكنه أن ينتقل بأسرع من سرعة الضوء فالمراقب الموجود على سطح الأرض لا يمكنه أن يرصد الحدث على المريخ ويعرفه في نفس الوقت الذي يراه ويرصده مراقب موجود على سطح المريخ أو على القمر التابع لكوكب المريخ الذي هو أقرب بكثير من الأرض للكوكب الأحمر فالمراقب الأرضي يحتاج لعشرين دقيقة لكي يعرف ما يحدث "حالياً " على سطح المريخ بعد وقوع الحدث بعشرين دقيقة عندما يقطع الضوء المسافة بين الكوكبين ويحمل المعلومة للمراقب الأرضي. فالأحداث التي تقع تعتمد كذلك على سرعة المراقب  وحركته واتجاهه، والحال  هناك شعور بأن الماضي والمستقبل ثابتين بينما الحاضر متحرك لذلك يأخذ العلماء عامل الزمن بكليته واكتماليته باعتباره مروراً مشهدياً أو عرضاً زمانياً تجتمع فيه الأحداث الماضي والمستقبلية وهو مفهوم يطلق عليه العلماء تسمية " الزمن-الكتلة temps-bloc" أو كتلة الوقت أو الأبدية étérnalisme  أي ديمومة الزمن. إن هذا الوصف لطبيعة " الزمن" يستبعد كل ما يميز لحظة خاصة، كالحاضر، وكل السيرورات التي تحول  الأحداث المستقبلية إلى أحداث ماضوية، وبتعبير أوضح، إن الزمن كما يتصوره العلماء لا يمر ولا يجري ولا يتدفق.

فمفهوم التدفق مرتبط بمفهوم الحركة، فهل الزمن يتحرك فيزيائياً؟ قطعاً كلا.  فالحركة تخص الكينونة الفيزيائية مثل السهم الذي ينطلق من القوس، فهل يمكن تشبيه سهم الزمن بسهم النشاب أو القوس ؟ فنحن نشاهد تغيرات موقعه عبر فترات وقتية زمنية. فبالنسبة إلى ماذا " يتحرك الزمن" لو اعتقدنا أنه ينتقل؟ فالحركات والتنقلات الأخرى مقترنة بسيرورة فيزيائية لجسم أو كينونة فيزيائية أخرى، فما هي سرعة الزمن بالمقارنة بسرعة الضوء مثلاً، وهل لديه سرعة؟

هناك الكثير من الظواهر في الطبيعة لايمكن عكسها  كتحطم بيضة مثلاً، فالقانون الثاني للديناميكا الحرارية أو الثرموديناميك يلعب دوراً أساسياً بصبغه العالم بغياب التناظر أو التماثل asymétrie   وعدم التناسق على نحو واضح بين الماضي والمستقبل على محور الزمن . رغم شعورنا بأن سهم الزمن يؤشر نحو المستقبل لكن ذلك لاينطوي على أن السهم ينتقل أو يتحرك نحو المستقبل . فسهم الزمن يمثل عدم تناسق العالم داخل الزمن، وليس عدم تناسق أو لاتماثل، أو تدفق، للزمن نفسه. فتعابير ماضي ومستقبل يمكن أن تطبق على إتجاهات أو إحداثيات زمانية على غرار  فوق وتحت التي تطبق على إتجاهات مكانية، فتعابير أو مفاهيم فوق وتحت المجردة بذاتها لاتعني شيئاً إلا إذا قرنت بمكان محدد، كأن نقول  فوق الطاولة أو تحت الطاولة مثلاً. هناك الزمن الأرضي  الصالح  للأرض  فقط ويحدد بالثواني والدقائق والساعات والأيام والأسابيع  والشهور والسنين، وهو نفسي، معنوي، سيكولوجي، وفزيولوجي،عصبي، وهناك زمن النظام الشمسي حيث تختلف الأيام والأسابيع والشهور والسنين بطولها ومدتها عما هي عليه على الأرض، وهناك الزمن الكوني المحدد بكوننا المرئي وهو المتداخل والمندمج مع المكان – الفضاء  في نسيج الزمكان الآينشتيني، وهناك الزمن المطلق الذي لا نعرف عنه شيئاً الذي يحكم منظومة الأكوان المتعددة اللامتنماهية العدد.  وهكذا يبدو لنا نحن البشر أن الزمن مفهوم ذاتي وليس مفهوم موضوعي.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

ميثم الجنابيإن "الانحطاط الديني" شأن كل انحطاط له خصوصيته. بمعنى أننا نستطيع الكلام عن انحطاط ديني بذاته، وآخر مقرون وملازم للانحطاط الاجتماعي العام. والأول جزء من تاريخ الدين والأديان، أما الثاني فجزء من زمن التحلل والفساد أو الأزمة البنيوية الشاملة للدولة والمجتمع والثقافة. لكنها أوجه مترابطة. بمعنى أن الانحطاط الديني هو الوجه الآخر للانحطاط الاجتماعي، كما أن الانحطاط الاجتماعي يستتبع مختلف أشكال الانحطاط بما في ذلك الديني. وهو حكم اقرب إلى البديهية، مع انه يشكل في ظروف العراق الحالية أحد أكثر مفارقات وجوده التاريخي المعاصر.

إننا نقف الآن أمام ظاهرة الانتشار الواسع للدين والتدين والحركات الدينية الاجتماعية والسياسية. ويعبر هذا الانتشار أولا وقبل كل شيء عن طبيعة ومستوى الخلل المادي والمعنوي في العراق المعاصر. وذلك لأن هذا الانتشار لم يكن جزء مكونا من أجزاء الصيرورة الروحية المعاصرة للعراق،  كما لم يكن عنصرا من عناصر التركيبة الروحية للمجتمع المدني. على العكس! لقد كان من حيث مقدماته ونوعه وأساليب فعله ردا على الانحطاط الشامل الذي أحدثته "دنيوية" التوتاليتارية العراقية. إذ جسّدت هذه "الدنيوية" في ذروة انحطاطها الصيغة الأكثر غلوا للتدين المفتعل، كما هو جلي في بناء المساجد الفارعة الفارغة و"الصحوة الإيمانية" وكتابة القرآن بدم صدام وما شابه ذلك. وتعّبر هذه المكونات عن عمق الخلل في الفكرة الدنيوية البعثية في العراق. من هنا خصوصية الانتشار الديني الجديد فيه. وبغضّ النظر عن تاريخه العريق، بما في ذلك بالنسبة لتشكيل الحركات الإسلامية السياسية (الشيعية خصوصا) ، إلا انه أصبح جزء من تقاليد التوتاليتارية نفسها بسبب تراكم مكوناته الاجتماعية والنفسية ضمن معايير ومقاييس ونفسية الدكتاتورية الصدامية. بحيث جعلت من الإسلام والتدين وجهين لمعالم الانحطاط الشامل في العراق. من هنا لم يكن هذا التدين في الواقع أكثر من شعائر زائفة لنفوس خربة. وحالما جرى تأطيرها بمعايير ومقاييس السياسة، فانه لم يكن قادرا، بعد سقوط التوتاليتارية،على إنتاج شيء غير الطائفية السياسية. وهو إنتاج يعيد بعث الصدامية بغلاف إسلامي، كما نراه بوضوح في جعل الطائفية السياسية أساسا للسلوك السياسي، وفي تحويل الطائفية السياسية إلى أحد العناصر الجوهرية في "بناء" الدولة والمجتمع والثقافة.

وهو الخلل الأكبر الذي ورثه التدين العراقي الجديد في مواقفه من كل مكونات وإشكاليات العراق المعاصر. ومصدر الخلل الأكبر هنا يقوم في ضعف البنية الاجتماعية وتخلفها المريع. فالحالة العراقية المعاصرة تتصف بنوع من التخلف المادي والمعنوي الذي يصعب أحيانا وصفه بمعايير العلم وذلك بسبب تداخل مكونات يصعب فرزها وتصنيفها. إلا أنها تشكل بمجموعها حالة الانحطاط الشامل. فالانحطاط لا يعرف التمييز والتصنيف، لأنه يجر الأشياء جميعا إلى مستوى واحد من الهمجية. وهي حالة نعثر عليها في نوعية وكمية الإرهاصات الهائلة التي يعاني منها المجتمع والدولة في مجرى محاولاته تذليل عوائق الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. فهي حالة مزدوجة ومركبة ومعقدة. وذلك لأنها تفترض في آن واحد تذليل الماضي وتأسيس الحاضر واستشراف المستقبل. بينما تمثل القوى السياسية والاجتماعية السائدة حاليا وتتمثل رحيق الانحطاط التوتاليتاري البعثي والدكتاتورية الصدامية. وهو انحطاط لا يمكن فصله عن طبيعة الخلل الهائل الذي حصل في كل من بنية الدولة والشرعية والديمقراطية والدنيوية (العلمانية). وهو خلل وجد انعكاسه المباشر وغير المباشر في تدمير خلايا المجتمع المدني. أما نتائجه الأولى فقد برزت بصورة جلية في فوز الحركة الدينية السياسية والقومية العرقية في الانتخابات الديمقراطية الأولى في تاريخ العراق المعاصر. فقد كانت من الناحية التاريخية خطوة هائلة إلى الأمام في ميدان الحرية (السياسية والاجتماعية) ولكنها كانت خطوة هائلة أيضا إلى الخلف في ميدان العقلانية. ويعكس هذا التناقض أولا وقبل كل شيء "مآثر" التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي جعلت من العراق رمادا لا يؤدي نشره إلا إلى إعماء العيون وتشويه التنفس. وميّزت هذه الحالة نوعية وكيفية "الانتخاب" السياسي. أما النتائج الأولية له فإنها تشير إلى هزيمة القوى الديمقراطية والدنيوية والعقلانية. وتعّبر هذه الهزيمة من وجهة نظر معاصرة المستقبل على عمق الانحطاط الشامل في العراق. كما تشير من الناحية الفعلية إلى انغلاق الأفق الديمقراطي الاجتماعي والدنيوي في ظل سيادة القوى الدينية السياسية والعرقية القومية. فكلاهما يصبان من حيث الجوهر في إعادة إنتاج الانحطاط التوتاليتاري.

إن سيادة الحركات الدينية السياسية هو بحد ذاته مؤشر على التخلف الاجتماعي والسياسي والثقافي للمجتمع. إذ نعثر فيه على ست مؤشرات عامة وهي:

1- انتشار النزعة التقليدية،

2- وسيطرة الذهنية الأسطورية،

3- والجمود العقائدي،

4- وانحطاط الحرية الفردية والاجتماعية،

5- سيادة نفسية العوام،

6- الاستعداد الدائم للتجزئة المذهبية والفرق المنغلقة مع ما يترتب عليه من إمكانية الغلو والتطرف المذهبي في بداية الأمر ثم الطائفي لاحقا.

وهي صفات عامة، إلا أن ما يميزها في ظروف العراق الحالية هو ارتباطها بطبيعة النظام التوتاليتاري البعثي والدكتاتورية الصدامية، وكيفية سقوطه، وحالة الانتقال إلى الديمقراطية.

بعبارة أخرى إن بقايا التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية تقوم في تجفيف المجتمع من مصادر نموه الحية، وجعل التاريخ زمنا ضائعا مع ما يترتب عليه من اضمحلال وضمور وعي الذات التاريخي، وانتشار وسيادة الرخويات، وفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي – الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي. باختصار أنها شكلت بحد ذاتها صرحا خاصا لثقافة التخريب الشامل والانحطاط التام. وهي حالة ومقدمة تاريخية خربة لا يمكنها أن تصنع قوى عقلانية. من هنا تعقيد الحالة المادية والمعنوية لمرحلة الانتقال إلى الديمقراطية في العراق.

ويتمثل هذا التعقيد في مجال وميدان صعود الحركات الدينية السياسية أيضا في خصوصية ما أسميته بالمؤشرات الست التي تشير إلى طبيعة ومستوى التخلف الاجتماعي والسياسي والثقافي للمجتمع. إذ أننا نقف أمام انتشار واسع وعريض للنزعة التقليدية التي تمد الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة في العراق برصيد اجتماعي ومعنوي. والقضية هنا ليست فقط في تحجر العلاقات الاجتماعية وضمور ديناميكيتها الفعلية، بل وبهيمنة الرؤية التقليدية في كل شيء. وتمّيز هذه الحالة رؤية وطبيعة الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة في العراق من حيث غياب الإبداع في الفكر، واستفحال الجمود في الرؤية ومحاربة التجديد ومناهضة المعاصرة. وتجد هذه المواقف "تنظيرها" الفكري في سيطرة الذهنية الأسطورية، وبالأخص عند الحركات الشيعية، التي لا يتعدى "اجتهادها" نصوص القدماء و"اختلافاتهم" التي لا تتعدى في الواقع أمورا غاية في التفاهة الجسدية والخذلان المعنوي. من هنا سيادة النص المقدس في الفكر والعبودية المذهبية للكلمة والاستنطاق المتبجح والفارغ للعبارة الميتة. ولا يمكن لهذه الحالة أن تصنع غير الجمود العقائدي، بمعنى اضمحلال الرؤية العقلانية والنقدية تجاه النفس والتاريخ والحاضر والمستقبل. أما النتيجة فهي "العمل المنظم" لاستكمال تلاشي الحرية الفردية والاجتماعية، كما جرت وتجري في أحداث عديدة تفعل على تعميق الإرهاب المنظم ضد الحرية الفردية باسم الدين والأخلاق مع انتشار ظاهرة الفساد المرعب في مؤسسات الدولة و"الرؤساء" الجدد. وتعّبر هذه النتائج وتتمثل في الوقت نفسه سيادة نفسية العوام المميزة للحركات الإسلامية السياسية المعاصرة في العراق. فهي حركات لم ترتق فيها حتى النخبة إلى مصاف الحد الوسط المقبول والمميز لهذه الكلمة.

بعبارة أخرى، أننا نقف أمام ظاهرة الانتشار الفاقع للحثالة الاجتماعية وتجييشها المستعر في خطاب لا عقلاني مهمته إعادة إنتاج العبودية المغلفة بقدسية الماضي، أي إعادة استعباد الفئات المهمشة (والعراق في اغلبه مهمش) بالشكل الذي يستعيض عن دكتاتورية البعث الصدامية بتسلط ديني مذهبي طائفي. أما الحصيلة النهائية لذلك فهي الاستعداد الدائم للتجزئة المذهبية والفرق المنغلقة مع ما يترتب عليه من إمكانية الغلو والتطرف المذهبي في بداية الأمر ثم الطائفي لاحقا.

وبهذا بصبح الانحطاط الديني والتدين المفتعل حلقات إضافية مكملة لحالة الانحطاط الشامل في العراق بوصفه الإرث المرئي والمستتر لبقايا التوتاليتارية والدكتاتورية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تاريخ الانحطاط العريق للإسلام في العراق، فان "تكاملهما" في ظروف الانتقال إلى الديمقراطية يقوم فيما أسميته بالاستعداد الذاتي للنزوع صوب الطائفية. ولا يؤدي هذا النزوع في النتيجة إلا إلى التطرف والغلو. ويتخذ هذا التطرف والغلو في ظروف العراق الحالي منحى التصلب الطائفي السياسي ومنحى الإرهاب الدموي. والأول مميز للتيار الشيعي والثاني للتيار السنّي. لكنهما يلتقيان في نهاية المطاف في تيار واحد ألا وهو تيار الانحطاط المادي والمعنوي للعراق.

وتمّيز هذه الحالة مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية في العراق. فالحركات الدينية السياسية عموما، شأن اغلب الحركات السياسية الأخرى، تعاني من ضعف هائل في إدراك وتحقيق المضمون الاجتماعي للسياسة، مع غياب شبه كامل للرؤية العقلانية وافتقاد فاضح للأبعاد الوطنية في الموقف من الإشكاليات والمشاكل الكبرى التي يعاني منها العراق حاليا. مما يدفع بها بالضرورة إلى التوجه صوب الانعزال المذهبي والطائفي. وهو توجه أصبح التدين المفتعل ذروته العملية. ولا يعني ذلك في الواقع سوى العمل بمعايير الرؤية التقليدية ومحاربة كل ما يمكنه أن يكون رصيدا للإسلام الثقافي. بمعنى انتشار وتوسع وتعمق الإسلام المذهبي، أي الإسلام غير الثقافي. ولا تؤدي هذه العملية في النهاية إلا إلى إعادة إنتاج الراديكالية السياسية، التي مثلت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية نموذجها الدنيوي (العلماني). بمعنى تأديتها بالضرورة إلى تصنيع نفسية التطرف والغلو. ولا تفعل هذه النفسية إلا على شحن الراديكالية الدينية العراقية بعناصر متزايدة من اللاعقلانية. مما يدفع بها بالضرورة إلى أن تتمثل أيديولوجيا الانغلاق والطريق المسدود. والنتيجة هي الخراب والتخريب الذاتي والدمار والاندثار، أي الموت والزوال باعتبارها اشياء طارئة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مهدي الصافيقبل ان تبهر عيون الناس بغلاف الثقافة وزخرفة المعارض ودور النشر، عليك توفير الخبز للفقراء، واكمال بناء المدارس والمكتبات العامة.. اي بناء الانسان والمجتمع..

تتجسد صور التناقض السياسي والاجتماعي في دول العالم الثالث (وحتى في بعض  النامية او الناشئة) بمظاهر الرأسمالية المحلية، ونسبة التفاوت الطبقي الواضحة في المجتمع، ولكن العالم يرى دائما ستارا او جدارا عازلا بين الحقيقة المرة والواقع المرئي، وكأن الجميع يدور في خشبة مسرح واسع، يأخذ اشياءا ثمينة، ويعطي النفاق والظلم والفقر والانتهازية والمصالح الشخصية، عندما كنا نسأل الشعب الاندنوسي بعد الاطاحة بسوهارتو ونحن نقف في اجمل الاسواق (Westfield):

هل فعلا كان دكتاتور! وكل هذا الاعمار والبناء الحضاري لعمق العاصمة، ومناظر ناطحات السحاب الجميلة، اشاروا الى ماخلف تلك البنايات "احياء بدائية بلا شبكات المياه الصالحة للشرب او لتصريف المياه الثقيلة التي كانت تصب في مايعرف ببلادنا بشط الخيس (المياه الاسنة)، واذكر تماما عندما جمعتنا الصدفة يوما مع احد قادة المعارضة العراقية في دمشق نهايات القرن الماضي بمسؤول عماني رفيع المستوى (كان على ما اذكر مستشار حاكم سلطنة عمان قابوس للشؤون الثقافية) ودار الحديث حول حضوره معرض دمشق للكتاب، وقد ذكر انه اشترى بأكثر من مئة الف ليرة سورية كتب قيمة من المعرض (وتحدث بأنه كان في معرض الكتاب في مصر واشترى كذلك كميات كبيرة من الكتب لدولته)...

وكذلك اذكر جيدا حديث احد المواطنين الايرانيين حول العلم والمعرفة الايرانية "قال نحن في ايران اي كتاب علمي يصدر في العالم نجلبه الى ايران، ونفككه ثم نعيد كتابته باللغة الفارسية...

الانظمة السياسية الفاشلة لازالت متمسكة بصور المسؤول الذي يجب ان يخضع له المجتمع بالكامل، وان يتصرف بموارد واجهزة ومؤسسات ودوائر وسلطات الدولة وفق رؤيته وقناعاته الشخصية او الاثنية او الفئوية، اذ لازال كل شيء يصنع او ينتج او يصمم او يقام ويشيد او يفتتح وينفذ برعايته، مصحوبة تلك المسرحية السخيفة بلافتة عريضة تعلق فوق رؤوس الناس وامام اعينهم، وكأن الدولة ملك المسؤول وليس الشعب...

من عادة وطبيعة الاقطاعي او اثرياء البلد واغنياءهم ان يستمتعوا بأوقاتهم الفاحشة الثراء بالتبذير والاسراف في الاماكن التي يزداد فيها الخدم والحشم، ولهذا تعد اكثر البلدان المفضلة عندهم للسياحة هي الدول السياحية الفقيرة (بلدان المساج والجنس وكل انواع الخدمات الشاذة)، فتجربة دبي السياحة التجارية على سبيل المثال وهي بلد نفطي(دولة من دول العالم الثالث لكنها ليست فقيرة) مختلفة،  لكنها معدلة عن النموذج السائد، عرفت ان التجارة لايمكن ان تنجح دون ان توفر لرجال الاعمال كل متطلبات الراحة والاستجمام والاستمتاع الروحي(الخمر والميسر الجنس الخ.)، لهذا تجد ان في تجارب الانظمة الفاشلة او الفاسدة تكثر مظاهر التعمية السياسية والاجتماعية والثقافية بشكل ملحوظ، فتجد انهم يتفاعلون مع الجماهير في الرياضة والفن واقامة المعارض والمهرجات واللقاءات الثقافية،  كي تكون ستارا وغطاءا لما وراءه(فقد كان نظام صدام البائد اكثر انظمة العالم في القرن العشرين اهتماما بتلك الفعاليات الشكلية التي اخفت وراءها المقابر الجماعية والسجون ومقاصل الاعدام واحواض التيزاب، والهجرة والفقر،  الخ.)، من ظلم وفساد واستبداد وفوضى.

من يريد ان ينهض بالمجتمع ويزيد في وعي الاجيال، عليه ان يكمل بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية المستقلة، وان يضع خطة تنموية حقيقية شاملة لجميع قطاعات ومجالات الدولة، وبالاخص في التعليم والخدمات والتجارة والاقتصاد وغيرها من الاحتياجات الحياتية الضرورية اليومية للمواطن، ان يكمل بناء المدارس النموذجية، وان يضع خطة تربوية وثقافية لانجاح مشاريع نشر الثقافة والفن والابداع والوعي في المجتمع،  وبين المراكز التعليمية والتربوية، عبر فتح مكتبات عامة في المدن والاقضية والنواحي والقرى، وان تكون في كل مدرسة مكتبة، وفي كل صف لوحة فنية،  الخ.

مافائدة معرض الكتاب وهو يفتتح ويقام من قبل حكومات وانظمة ومسؤولين فاسدين، هم يعرفون قبل غيرهم ان الموظف (صاحب الدخل الشهري الثابت تقريبا) وليس الكاسب لازال يؤمن بمقولة" القرش او الفلس الابيض ينفع في اليوم الاسود"، لان الفساد السياسي والمالي وتغير الاسواق والاسعار، والتقلبات السياسية والاجتماعية لاتجعله يثق بما سيحمله له ولابناءه المستقبل المجهول دائما، الثقافة ليست رداء خارجي مزركش تلبسه الدولة، انما واقع عملي يراه الناس في اداء اجهزة ومؤسسات الدولة، وسلوك يلمسه الناس في وسائل الاعلام وفي المؤسسات التربوية والتعليمية وكذلك في الشارع...

السؤال هل هناك فائدة من اقامة معارض الكتاب في الدول الفاشلة ام تقاطع، وجهة نظرنا ان المبادئ والمواقف الاخلاقية لابد ان تكون حاضرة في كل المناسبات والمهرجانات والبرامج والفعاليات الفكرية والثقافية والسياسية، ولكنها يجب ان تكون مستقلة بعيدة عن شعار فتح المعرض برعاية المسؤول الفلاني او....

لابد ان تتحمل الطبقات المثقفة اعباء تلك المهمة بعيدا عن سلطة الدولة، وان تفرض شخصيتها المعنوية المستقلة في ادارة تلك الفعاليات الثقافية الوطنية المهمة,لايعني ان تتخلى عن المطالب الشرعية بتوفير الدعم المالي الدستوري لتلك الانشطة الثقافية-الاجتماعية الحيوية، انما عليها ان تبعد سلطة وتدخلات الرقيب الحكومي..الثقافة الحقيقية هي التي تقف مع الشعب دائما، اما لدعم الجوانب الايجابية، او لتخليص المجتمع من الاثار والجوانب السلبية الخ...

 

مهدي الصافي

 

 

عدنان عويديظل تاريخ الحرية في سياقه العام مرتبطاً بصراع الإنسان مع الطبيعة ممثلة في قوانينها العمياء من جهة، و بصراعه مع أخيه الإنسان ممثلاً في حالات القهر والظلم والاستعباد من جهة ثانية، وأخيراً مع نفسه هو، أي مع ذاته ممثلاً هذا الصراع بمقاومة غرائزه وأهوائه الضيقة الخارجة عن نطاق العقل. التي تدفعه دائماً إلى ارتكاب الخطيئة.

إن كل انتصار يحققه الإنسان في هذا الصراع بكل اتجاهاته الثلاثة سيساهم إلى حد كبير في تحسين وتطور قوى وعلاقات إنتاج الإنسان (الفرد أو المجتمع)، أي وجوده الاجتماعي أولاً، ثم تطوير لغته ومعارفه وابداعاته ثانياً، وبالتالي تنظيم حياته الاجتماعية ثالثاً، وسيساهم هذا الانتصار أخيراً في تطوير وعيه الذي يجد تعبيره في العلم والسياسة والتكنولوجيا والفنون والآداب والفلسفة والأخلاق والقانون. فالوعي يمنح الإنسان الوسائل الضرورية لكسب حريته.

(2)

مع ظهور التقسيم الطبقي في المجتمع، أي مع انتقال الإنسان من مرحلة المشاعة إلى المرحلة المدنية، شكل هذا الانتقال مجالاً واسعاً لانتصار الحرية الإنسانية بالرغم من دخول الإنسان عالماً جديداً من العبودية، وهي عبودية الإنسان للإنسان، أي العبودية التي يدخل في ممارستها الوعي الإنساني الذي تتحكم به مصالح الإنسان الأنانية الضيقة التي راحت تتضخم كثيراً مع ظهور الملكية الخاصة. بيد أن هذه العبودية الجديدة تظل في السياق التاريخي لنضال الإنسان من أجل حريته أفضل بكثير من عبودية الضرورة الحكمية التي تمثلها قوانين الطبيعة العمياء التي تجبر الإنسان على الرضوخ الكامل لهذه القوانين، والتي دفعته بدورها إلى عبادة قوى الطبيعة ذاتها وتأليه أو تقديسه لظواهرها، بل التضحية بالنفس من أجلها أو ابتغاء إرضائها.

إن مسألة الخلاص تدريجياً من تحكم قوانين الطبيعة بالإنسان، يعتبر كما قلنا انتقالاً لمجال من الحرية أوسع، وهو في التحليل المادي ناتج عن تطور في قوى وعلاقات الإنتاج، وخاصة وسائل الإنتاج التي ساعدت الإنسان كثيراً في السيطرة على قوانين الطبيعة وإخضاع الكثير منها لإرادته. فمع تطور إنتاج الإنسان وانتقاله من مرحلة المشاعة واقتصاد الكفاية الذاتية، إلى المدنيّة واقتصاد الربح / اقتصاد السوق، دخل الإنسان في علاقات استغلالية يمارسها المالك على المنتج، وهذا التحول يتناقض في الحقيقة مع مرحلة الانتاج المشاعية التي كان فيها الفرد يعمل بحرية داخل قبيلته أو عشيرته، حيث كان يعمل بإرادته، فينشأ العمل ويتكامل بصورة طبيعية عبر حركة الكتل الاجتماعية القائمة آنذاك، وهي حركة يلعب الدور الأساس فيها المصالح العامة المرتبطة بالحاجات الضرورية لبقاء الإنسان. فالإنسان يخضع في المرحلة المشاعية في محيطة الاجتماعي لذاته ولحاجاته التي يسعى بحريته وإرادته على تأمينها دون إكراه من أحد عدا قوانين الطبيعة العمياء التي تتحكم بيسر آلية عمل الطبيعة، وبالتالي آلية عمله هو بالذات، أي تحكم الضرورة.

(3)

إن الحرية في المرحلة المشاعية تعتبر حرية حقيقية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ودرجة الوعي التي يتحلى بها الإنسان آنذاك. أي هي حرية تعبر عن وعي الضرورة المحدودة في مضمار علاقات إنتاج متأخرة جداً.

مع ظهور التقسيم الاجتماعي الأول للعمل ما بين المرأة والرجل (بقاء المرأة في المنزل تمارس نشاطها في تربية الولاد وتأنيس بعض الحيوانات وصنع الأدوات المنزلية.. بينما الرجل كان يعمل في الصيد) تحقق أول كسر للقيد المتعلق بهذه الضرورة الخاصة بتأمين حاجات الإنسان المرتبطة مباشرة مع الطبيعة، فالحرية في إرهاصاتها الأولى التي أعطت الإنسان قدرة السيطرة على بعض قوانين الطبيعة العمياء المرتبطة بإنتاج خيراته المادية الأولية، التي حققها هذا التقسيم الأول للعمل، بدأت الحرية هنا تمتلك شروطا أكثر سمواً. فمع بدء الإنسان بإخضاع الكثير من قوانين الطبيعة في تلك المرحلة البدائية لمصلحته وخاصة ما يتعلق منها بتأمين حاجاته الضرورية من أجل البقاء، بدأت مسالة الحرية (وعي الضرورة) تأخذ وجهاً اجتماعياً. أي أن هذه الحرية في صيغتها الأولية الاجتماعية أصبحت امتيازاً للقليل من أفراد المجتمع، وهم الذين يمتلكون وسائل الإنتاج ومهارات استخدامها، أي حرية من راح يُشعر الآخرين بأن هذه الوسائل ملكاً له وحده. وهذا ما جعل روسو يقول: (عندما قام أول إنسان بتسييج قطعة أرض وأعلن للناس بأن هذه الأرض ملكاً له. وصدقه الآخرون، بدأ استغلال الإنسان للإنسان). وراح هذا المالك يفرض نفسه كضرورة اجتماعية. أي يفرض نفسه قوة خارج إرادة الآخرين وعلى الآخرين أن يخضعوا له. وعلى هذا الأساس فقد رافق وجود المدينة وتطور قوى وعلاقات الانتاج وجود طبقة حرة (مالكة) مع آلاف من العبيد في خدمة مصالح هذه الطبقة الحرة. في الوقت الذي اقتصر دور هذه الطبقة الحرة على الاهتمام بشؤون المجتمع عامة، من إدارة للعمل، والشؤون السياسية، والعلم، والفنون وغير ذلك. فالحرية في أثينا على سبيل المثال لا الحصر، المعبرة عن طبيعة هذه المرحلة من ظهور المدنية والتقسيم الاجتماعي الكبير الثاني للعمل بين أصحاب الحرف، أصبحت الحرية، امتيازاً للأحرار فقط ، حيث وجد في أثينا عام (309- ق.م)، واحد وعشرون ألفاً من المواطنين الأحرار،  يتمتعون وحدهم بالحقوق السياسية، وهناك أربعة مائة ألفاً من العبيد فاقدي الحرية. أما في روما عام (204- ق.م)، فقد كان هناك مئتان وأربعة عشر ألفاً من المواطنين الأحرار، يقابلهم عشرون مليوناً من العبيد كانوا في وضع حياتي مزري.  (1)

وهذه القلة من (المواطنين) هي ذاتها من يحتكر القدرة والسيطرة على السلطة والمجتمع، وهذه الصفة هي من صفات الآلهة.

لقد اصبح الرقيق أداة عمياء بيد هذه القوى الاجتماعية من الأحرار الغريبة عنهم بعد أن امتلكت السلطة والمال والجاه كحقوق مقدسة لهم وحدهم. وقوة العمل الجماعية للعبيد هنا، راحت ُتنسب إلى سيد الحق المقدس... إلى أمره. أي إلى ضرورة (قوانينه).

في مرحلة المشاعة، لم تكن الأساطير الدينية البدائية في إرهاصتها الأولية إلا تأويلاً خيالياً، لكنه تأويل عفوي لحركة قوى الطبيعة، ولكن مع تطور قوى وعلاقات الانتاج وحدوث التقسيم الاجتماعي الكبير الثاني للعمل بين الزراعة والحرفة والرعي. ومع تشكل القبيلة والعشيرة والسلطة بشقيها المادي والفكري، حدث تطور كبير في مجال الوعي أيضاً، حيث ارتدت الأساطير آنذاك جلباب الكهنوت، وأخذ عالمها الخيالي تركيباً طبقياً. فالسماء تغدو انعكاساً للأرض وما يدور فيها من صراعات. والطبقة التي تتصرف بالعمل الجماعي تفرض ديانتها (أساطيرها)، كما تفرض قوانينها. إن مالك وسائل الإنتاج ومن بينها الرقيق هو وحده يعرف غاية العمل ويعي ضرورته مثلما يعرف غاية الدين ودوره في إخضاع الآخرين له. إن السيد الحر هو من يتمتع بهذا الوعي، غير أن هذه الطبقة الحرة الواعية لذاتها تتحول إلى طبقة طفيلية بعد تخليها عن عملها القيادي الحقيقي – أي تحقيق النمو والتطور والعدالة والفن الإبداعي وكل ما يدل على جوهر إنسانيتها، فهذه الطبقة الطفيلية في فترات انحطاطها لا تعود تعي الهدف ولا الواقع لأنها انقطعت عن التأثير بجوهرها الإنساني. هنا يغدو حامل السوط غير متمتع بالحرية مثله مثل العبد، أي أصبح أعمى مثله.

(4)

مع تعاظم استغلال وظلم المالك الحر والسيد للمنتج (العبد)، تفقد إذاً حرية طبقة الأسياد طابعها الإنساني، ولكي تحافظ هذه الطبقة على حريتها في استغلال الآخرين وقهرهم وتشيئهم واستلابهم، تزيد استثمارها واضطهادها لهم أكثر، وخاصة مع حالات الانهيار الاقتصادي، كما أن وعي هذه الطبقة وثقافتها المعبران عنها تتجردان عن كل محتوى وجوهر إنساني، فالعلم يغدو حذلقة وادعاءً، والفن يتجه إلى القضايا الجوفاء والسطحية من الحياة، والدين يتجه إلى التعصب وشرعنة الاستغلال وقهر المنتجين... نعم، إن حرية الطبقات المالكة تتحول إلى حرية قهر واستغلال للآخرين بشكل كبير وواسع من جهة، كما تغدو مسألة إفساد وتهديم كل القيم الإنسانية الايجابية أو النبيلة خدمة لأهداف هذه الطبقة ومصالحها من جهة ثانية. إنها حرية الموت واللامعقول والعبث واللا انتماء.

أمام هذه التحولات في مسار الحرية وصيرورتها، تصبح انتفاضة المضطَهدين ومن يقع عليهم الظلم والقهر والتشيئ والاستلاب، ضرورة تاريخية، وهنا تبدا مسيرة جديدة لحرية أخرى، هي حرية الجماهير الواسعة. فالتناقضات الناتجة بين نظام الملكية وبين تطور قوى وعلاقات الإنتاج التي تخلق ظروفاً جديدة للمنتج في عمله وأساليب حياته ووعيه وطموحاته، ترسم وتهيئ تحولاً ثورياً في المجتمع يبدأ بشق طريق أسمى أمام الحرية.

من هنا نجد أن الطبقات المضطَهدة هي التي تقوم دائماً بصنع التاريخ عبر أشكال ومراحل الاضطهاد. فكل طبقة صاعدة تاريخياً عندما تحطم قيودها والعوائق التي تقف أمام إنسانيتها وحريتها وتطورها كقوى منتجة، هي من يعيد صناعة تاريخ الحرية وتجديدها.

(5)

إن أشد أزمات تقدم الحرية، هي الأزمة التي تبنت فيها البرجوازية دور المحرر للشعب من العلاقات الاقطاعية الاستبدادية ممثلة بالملك والكنيسة والنبلاء، وذلك بوقوف الطبقة البرجوازية قبل أي شيء ضد هذا النظام القائم على أساس المراتب الاجتماعية والدماء الزرقاء. فالقن (الفلاح) مرتبط بالأرض التي يخدم فيها، وبيع المنتجات يتم في أقرب منطقة من الأرض المنتجة، وعندما كانت المكوس (الضرائب) تستوفى عن البضائع لدى نقلها كانت الحواجز الاقطاعية تحد من تداول هذه البضائع بسبب الضرائب الكثيرة المفروضة على مرور هذه البضائع عبر الاقطاعات، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار البضائع والحد من تصريفها. ولكن مع تقدم التكنيك وازدهار الصناعة والتجارة وتواجد شبكة واسعة من المصارف والمعارض وطرق المواصلات، أخذت الطبقة المالكة الجديدة (الطبقة البرجوازية) تطالب بالحريات وفرض وجودها كقوى اجتماعية جديدة صانعة للتاريخ أيضاً، وقد جاء في مقدمة هذه الحريات طرح شعار الميركانتيلية : (دعه يعمل ، دعه يمر.). فالتحرر وفق مضمون هذا الشعار الميركانتيلي، لم يعدو كونه في البداية أكثر من تحرر اقتصادي لا غير.

إن دخول المجتمع في العلاقات الرأسمالية إنتاجاً وتصديراً واستهلاكاً، أدى بالضرورة إلى فك الارتباط بين أبناء المجتمع القديم في تكويناته الاقطاعية، حيث لم يعودوا مرتبطين مع بعضهم ارتباط القن بالسيد، أو التابع للمولى الاقطاعي، لقد دخل الناس في مجتمع ينتجون فيه للسوق الحرة، ويشترون منها بكل حرية واستقلالية.

إن بلوغ السوق التي لا يحدها حد، أو يعيقها عائق، هو الذي شكل أساس الحرية في النظام الرأسمالي. فالناس أصبحوا يحملون إلى السوق ليس منتجاتهم فحسب، بل سواعدهم أيضاً، ومؤهلاتهم كي يبيعوها لمن يدفع لهم أكثر. لقد أصبحت السوق هنا لا شخصية، شأنها شأن الطبيعة بقوانينها العمياء. فكما أن القوانين العمياء هي التي تسير الطبيعة، فكذلك أصبحت قوانين السوق غير الواعية وغير المخطط لها هي من يتحكم بالناس وطريقة حياتهم، وهذا ما يجعلنا نؤكد على مقولة : (إن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم.).

بتعبير آخر: لقد أصبحنا نجد في السوق الرأسمالية الحرة قوى متباينة جداً، ولكنها تجتمع تحت سقف الحرية العامة، فهناك نجد التاجر الحر، والعامل الحر، والرأسمالي الصناعي الحر. لقد أصبحت العلاقة بين الناس ضمن هذه السوق الحرة شيئاً آخر هو البضاعة. أي أن جملة حياة الناس ليست أكثر من حركة للبضاعة تتحكم بها قوانين السوق العمياء التي اخضعت الإنسان ومنتجاته لسيطرتها، حيث لا يوجد من يشرف وينظم العرض والطلب والإزدهارات والأزمات فيها سوى الربح وكيف يتحقق. وبالتالى أصبحت العلاقة العبودية القائمة بين الرأسمالي والعامل أشد ضراوة وفوضوية.... إنها مرحلة ضياع الإنسان في منتجاته، المالك والمنتج معاً..

(6)

أما الدولة التي تظهر في هذه المرحلة بمظهر الحياد وكأنها فوق جميع الطبقات، فهي لا تتدخل إلا لتؤمن حرية سير قوانين السوق الخاصة. إنها عملياً تضمن حرية الطبقة المالكة وتعزز عبودية المنتجين باسم القوانين التي تسنها أو تُشرعنها الطبقة المالكة بعد وصولها إلى السلطة، وتحكمها بالسلطات كافة، التنفيذية والتشريعية والقضائية.

إن الطبقة البرجوازية توجز في ثورتها جميع مطالبها تحت اسم الحرية، أي حرية السوق، وبذلك استطاعت إثارة ظلم الماضي وضحاياه في هجومها على الماضي ذاته برفعها شعار الحرية والعدالة والمساواة بلا حدود. بيد أن شعار الحرية هذه بصيغتها اللامحدودة، وجد حدوده عند الطبقة البرجوازية نفسها، وذلك عندما بدأت الطبقات المسحوقة تسعى لتحقيق حريتها التي سلبتها منها الطبقة البرجوازية ذاتها، وحرية هذه الطبقات المسحوقة لن تتحقق إلا على حساب المالكين، الأمر الذي دفع الطبقة البرجوازية لتراجع حساباتها، وتعيد مد الجسور مع الماضي ومن يمثله من القوى التي ظلمتها هي ذاتها ممثلة بالملك والنبلاء والكنيسة، وتتحالف معها ضد أصدقائها من الجماهير المسحوقة والمضطهدة. وعندما أصبحت الدولة ملكاً للطبقة الرأسمالية ومن تحالف معها من طبقة الارستقراطيين الملاكين الكبار للأراضي، أصدر هؤلاء مجموعة من القوانين ووسائل الإكراه، هدفها إجبار المنتجين قبل غيرهم على الرضوخ للطبقة الحاكمة باسم القانون، ويأتي في مقدمة هذا الرضوخ، القبول بالأجور التي تفرضها الطبقة البرجوازية، وساعات العمل وكل شروطه. وبذلك حققت البرجوازية تطوراً صاعداً لتراكم الرأسمال واجتياز مرحلة المانيفاكتورة ودخول الثورة الصناعية. هذه الثورة التي اتاحت للبرجوازية الدخول في مرحلة الانفجار بعلاقاتها، وخاصة مع حليفتها الطبقة الارستقراطية، فدخول الآلة البخارية التي أصبحت مع الصناعة القوة المسيطرة، أصبح بمستطاع الطبقة البرجوازية أن تعمل على فصم عرى التحالف مع الطبقة الارستقراطية الزراعية دون أي خوف. فالبرجوازي الكبير الحر لم يعد بحاجة لحماية الملك أو الطبقة الارستقراطية ولا حتى الكنيسة، بعد أن امتلك ثروات هائلة حققتها له الثورة التكنولوجية، وبدأ البرجوازي يقود الشعب والقوى العمالية من جديد تحت شعارات الحرية أيضاً ضد التقاليد والامتيازات والتراتب الاجتماعي التي ظلت قائمة مع تواجد الطبقة الارستقراطية، والسبب كله يعود في هذا التحول إلى التراكم الهائل للرأسمال وتمركزه بيد الطبقة البرجوازية بسبب الثورة الصناعية.

(7)

عندما بدأت الرأسمالية تنتقل إلى المرحلة الامبريالية، بدأ يتجلى بوضوح أن الحرية التي تدعيها البرجوازية والتي تطالب بها للفرد المدافع عن مطامحه ورغباته وربحه الحر، هي حرية أعجز من أن تحقق للإنسان حريته، بل هي تعمل على جعل الإنسان عبداً للمصادفة وقدر الحروب الخارجية التي تشنها الدول الغربية الرأسمالية، وعبداً للبطالة والافلاس والاغتراب والتشييء.

إن تطور الآلة، وتوجه التركيب العضوي للرأسمال نحو الرأسمال المالي (التحام الرأسمال المصرفي بالصناعي)، ثم تمركز الرأسمال واخيراً مركزته، كل هذه التحولات للرأسمال، كانت تُحول بدورها كل يوم الحرفي إلى عامل لا يملك إلا جهده، بل في أحيان كثيرة لا يملك حتى جهده، الذي بدأ يتحول إلى سلعة في سوق العمالة، بل إن غرائزه ذاتها أخذت تتحول إلى سلعة. بينما راح التاجر يتحول إلى وكيل مُخزن لبضاعة الصناعي الكبير، والصناعي الصغير يتحول إلى عميل تابع لأحد الشركات الاحتكارية . وبشكل عام إن الحرية هنا تتحول إلى غول يفترس الحرية ذاتها، أو بتعبير آخر إن الحرية تلد خصمها وهو العبودية ولكن بأثواب جديدة تتجاوز مرحلة أسواق النخاسة.

إن عصر الرأسمالية  في صيغتها الاحتكارية وهي المرحلة العليا من الامبريالية، تمثل عصر الفاشية والاستعمار المتوحش المفترس الذي تُحرك قواه الفتوحات الاستعمارية والسيطرة على الشعوب والمنافسة والاحتكار.. إنه عصر الشركات المتعددة الجنسيات. فحرية المنافسة والاحتكار في هذا العصر هي حرية حرب الجميع على الجميع، فكل واحد يعمل على تحطيم الآخرين قبل أن يحطموه، لذلك يعمل الرأسمالي في هذه المرحلة على تقوية نفسه عن طريق زيادة ثرواته وتوسيع رأسماله الثابت على حساب المتحرك وتطويره، فتطور الآلة سيؤدي بالضرورة إلى تجذير قانون (فضل القيمة) بشكليه المطلق والنسبي، وبالتالي إلى تحقيق أو خلق الأزمات وفوضى الانتاج والبطالة ونهب المستعمرات والحروب وعسكرة الاقتصاد.

(8)

إن النشاط الذي اعتقدت البرجوازية أنها واجدة فيه قيمة حريتها، سيكون هو النشاط ذاته الذي سيسير بها إلى حفر قبرها بيدها.

إن الحرية بالنسبة للبرجوازية تصبح جهلاً للضرورة لا الشعور بها أو وعياً لها، وإن تاريخ الحرية البرجوازية الذي جئنا عليه يؤكد لنا ذلك القانون الذي يقول: ( لا يتمتع أحد بالحرية في زمن معين، وأن مجتمعاً مقسماً لطبقات ستكون فيه حرية من يملك وسائل الانتاج غير حرية فاقد هذه الملكية، وكل طبقة لا تستطيع تأمين حريتها في المحصلة إلا على حساب حرية الطبقة المناقضة لها في مصالحها. أو بتعبير آخر ، ليست الحرية إلا تلك القدرة القادرة على الاستيلاء والسيطرة على الآخرين واستعبادهم والتشريع لهذا الاستيلاء والسيطرة قانونياً او دستورياً). (2). في مثل هذه الحالة تنتقل الحرية فعلاً من وعي الضرورة إلى جهلها وإعادة تحكم الضرورة (قوانين السوق) بالإنسان المستغِل والمستغَل نفسيهما، حيث يأتي تحكمها بالمستغِل من حيث تقييده بمصالحه الخاصة الضيقة على حساب مصالح الآخرين. وتتحكم الضرورة بالمستغَل عندما يشيئ ويستلب ويغرب، و وبالتالي فالكل في مثل هذه الوضعية يضيع هنا في المنتجات واقتصاد السوق الحرة التي تعتبر نموذجاً متطوراً لشريعة الغاب .. القوي يأكل الضعيف.

ومن هنا سمى أحد الاقتصاديين هذه الحرية بـ (فوضى الرأسمالية)، وفوضى التجارة. وإن حرية المنافسة تؤدي برأيه إلى رذيلتين هما :

1- رذيلة الربا الحر تحت إسم المصرف.

2- ورذيلة الكذب الحر تحت إسم التجارة. (3).

لا شك أن الحرية ستبقى دائماً حرية مجردة عند شعب لا زال فيه الفقراء محرومين من الثقافة والمعرفة والثروة، ومكرهين على تأجير سواعدهم وعملهم ونشاطهم وابداعاتهم لصاحب العمل أو المالك للثروة والسلطة.

ثم ما هي فائدة الحرية التي تعطي للمواطن حق التصويت وحق الانتخاب وهو لم يزل يبحث عن تأجير سواعده لتحقيق قوت يومه بالحد الأدنى، أي بأجر زهيد غير كاف حتى لإعادة إنتاجه في اليوم الثاني بصورة طبيعية؟!. ماذا تفيد الحرية السياسية بالنسبة له طالما قد منعت عنه الحرية الاجتماعية وحرم التقسيم العادل للثروة الوطنية؟!.

إن كل حرية غير منظمة، وغير محققة لشروطها الإنسانية، هي حرية كاذبة ومجردة وشعارية. وكل من يقول بالحرية في الأنظمة التي يفقد فيها الإنسان حق الرأي والعدالة والمساوة والمشاركة في قيادة الدولة والمجتمع بشخصه أو عن طريق من يمثله، هي ليست حرية شعب يريد الحرية المشخصة فعلاً، وإنما يمارس حرية أقل ما يقال عنها إنها حرية تقع تحت رحمة السوط والسلاح. أو بتعبير آخر، إن الحرية في مثل هذه الأنظمة بالنسبة للقوى المسحوقة، هي حرية أشباح لا حرية لأناس من لحم ودم. وأن الحرية الحقيقية هي الحرية المقيدة بشرطين أساسيين أولهما، التملك، وثانيهما الاشتراك في الحكم، بسلطاته التشريعية والقضائية والتنفيذية، أو إدارة الشؤون العامة للمجتمع والدولة، وهذا ما أرادت وتريد الاشتغال عليه كل القوى التي تؤمن بجوهر إنسانية الإنسان.

(9)

مع تطور الثورة الصناعية في أوربا ووصول الطبقة البرجوازية إلى السلطة وتوظيفها الدولة بكل مكوناتها لتحقيق مصالحها على حساب شعوبها وشعوب العالم الثالث بفعل الاستعمار، بدأت تظهر رؤى وأفكار جديدة في الحرية تطرحها أحزاب وتنظيمات  تتبنى الفكر الجدلي منهجاً والاشتراكية العلمية أيديولوجية، ممثلة بالأحزاب الشيوعية، أو أحزاب الديمقراطية الثورية التي ربطت ما بين النضال القومي والاشتراكي، وهي بعمومها أحزاب وتنظيمات تمثل القوى الاجتماعية المضطهدة والمسحوقة، حيث راحت تعمل على تفنيد الحرية التي تدعيها الطبقة الرأسمالية من جهة، والتأسيس لحرية أخرى هي حرية كل الشعب ويأتي في المقدمة حرية قوى الشعب العاملة.

تنطلق هذه القوى اليسارية التقدمية في مسألة الحرية، من أن الواجب يقتضي تحقيق الحرية، ولكن تحقيقها يجب أن يكون للناس جميعاً، وإذا كانت الحرية مرتبطة بالملكية فيجب أن يكون الجميع بلا استثناء مالكين.

إن الملكية وحق التصويت في نظام أو دولة يسودها الاستغلال للمنتجين والتفاوت في الملكية، وشيطرة مطلقة على السلطة، سيحقق بالضرورة تناقضاً بين الملكية وحق التصويت الذي يعني تحقيق العدالة والمساواة والمشاركة في إدارة الدولة والمجتمع وحرية الرأي والتعددية والمواطنة.

إن الحرية في الأنظمة التي تنهج النهج الاشتراكي، غالباً ما تقع في الدكتاتورية، وخاصة دكتاتورية الفرد والحزب الواحد، وهنا يأتي الهجوم على هذا الصيغة من الحكم، على أنها أنظمة شمولية لا تختلف في قهرها وظلمها للقوى المنتجة عن ظلم وقهر الأنظمة الرأسمالية في صيغتيها الإمبريالية والاحتكارية. وهذا ما يجعل القوى المعادية للتقدم على حق عندما تتهم الحرية في المجتمع الاشتراكي بانها حرية تضحي بالفرد بل بالمجموع من أجل حرية الطبقة الملكة بحزب شمولي أو بإسمه.

تقول القوى التقدمية العقلانية التنويرية : إن قوى الشعب العاملة غير قادرة على منح الحرية محتوىً إيجابياً ومجابهة افتراءات الحرية البرجوازية في صيغتها العليا (الاحتكارية)، إلا عندما تكون متمترسة أمام الرأسمال كقوة مستقلة ومنظمة في نقابة أو حزب قادرين على استلام السلطة والحد من حرية السوق. إن كل انتصار للقوى العاملة من خلال نضالها من أجل تحديد ساعات العمل، وتحقيق الضمان الاجتماعي، والأجور والدعوة على التعددية السياسية وحرية الرأي ودولة المواطنة والمشاركة في السلطة وتحرير المرأة وغير ذلك ، هو حد من الحرية البرجوازية في مرحلتها الامبريالية والاحتكارية، أو حرية القوى المستغِلة والمحتكرة للسلطة مهما تكن طبيعتها.

إن هذه القوى التقدمية عندما ربطت الحرية بالوضع الطبقي، أدركت القانون الأساس للتحرر وهو: إن حرية طبقة ما في مجتمع مقسم إلى طبقات يفترض استعباد الآخرين، وأن الحرية الحقيقية هي حرية المجتمع الذي تتحقق فيه عدالة المشاركة في الثروة والسلطة، وما يترتب على هذه المشاركة من قضايا قيمية نبيلة تعبر عن الجوهر الحقيقي للإنسانية الإنسان.. وهذا ما يجعلنا نؤكد القول: بأنه : طالما أن قوى حاكمة مستغِلة تتحكم بالسلطة والثروة الاجتماعية، فإن أي تفكير بالحرية والمساواة يجب أن يضع أمامنا الأسئلة التالية : حرية ومساواة وعدالة من أجل من؟. ولأية غاية؟. إن أي شعار للحرية والمساواة والعدالة عندما لا يجاب على هذه الأسئلة، إنما هو تضليل ونفاق من القوى الحاكمة المستبِدة. (4).

إن الحرية في الفهم العقلاني النقدي ليست حرية تقوم على الغاء الإكراه فحسب، وإنما هي سلطة حقيقية على الطبيعة والحياة الاجتماعية والذات نفسها، فالإنسان هنا يأخذ بيده قيادة التاريخ قيادة فعلية. إن حرية المواطن تكون حقيقية عندما يكون شريكاً حقيقياً في الملكية وإدارة الإنتاج وشؤون الدولة والمجتمع. إن تربية الجميع وتمليك الجميع هما الشرطان الأساسيان للحرية، ولكي تصبح الحرية أمراً واقعاً حقيقياً، يقتضي عدم حرمان أي فرد من التراث الإنساني الذي حققته الأجيال أيضاً، وأن الأنظمة العادلة في حكمها هي وحدها القادرة على تعميم الثقافة وجعلها في خدمة الفرد والمجتمع. فالحرية هي الحق بالسعادة وإيصال الناس إلى المشاركة في تقرير مصيرهم والعودة إلى مرجعيتهم الإنسانية التي سلبتها منهم أنظمة القهر والاستغلال تاريخياً... الحرية الحقيقية هي الحق بالوصول إلى الملكية والإبداع والثقافة والحياة وصولاً حقيقيا.... الحرية الحقيقة هي التي تمنح الإنسان الحق بالتمتع بخيرات وطنه تمتعاً كاملاً والقدرة على تطوير شخصية الإنسانية، وليست الديمقراطية هنا توزيع قسائم الاقتراع على الناخبين الجائعين الذين سيجبرون على انتخاب من سيقمعهم في البرلمان ويشرع ضد مصالحهم. إن الحرية والديمقراطية تظلان جزءاً من مشروعها تمثلان في نهاية المطاف، حرية اقتصادية تعمل على تحقيق التقسيم العادل للثروة الوطنية، وحرية اجتماعية وسياسية تعمل على اقصاء كل المرجعيات التقليدية من طائفية وعشائرية وقبلية، أو حزابية أحادية، إنهما الحرية والديمقراطية اللتان تعملان على تجذير المواطنة ودولة القانون وتحقيق التعددية السياسية وتداول السلطة والقضاء على الدولة الشمولية...وأخيراً هما حرية وديمقراطية تريدان ثقافية تنبع من صميم قضايا الجماهير، وللمثقفين من أدباء وفنانين وكتاب ومفكرين وفلاسفة ومؤرخين دور بالاشتغال على كل ما يحقق عبر هذه الثقافة عظمة وبطولة الإنسان، من أجل خلق حياة كريمة للجماهير التي عانت تاريخياً من القهر والظلم والاستعباد والتشيئ والتغريب والاستلاب. وهنا فقط تكون كل الطاقات المبدعة أداة حقيقة لتجذير الحرية وممارستها واقعاً وفكراً.

ملاك القول: إن الحرية في فهم العقلانية النقدية، هي وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية. فالحرية هي وفقاً لهذه لرؤية الفلسفية ليست عبارة عن ادعاء للاستقلال عن قوانيين العمياء للطبيعة والمجتمع فحسب، وإنما هي دعوة لمعرفة هذه القوانين وإمكانية استخدامها في النشاط العملي للإنسان. إن الضرورة، - أي القوانين العمياء في الطبيعة والمجتمع- هي المعطى الأول، وإرادة الإنسان وإدارته هي المعطى الثاني، وطالما أن الإنسان يجهل الضرورة فهو عبد لها، وعندما يعرفها سيسيطر عليها، وبالتالي ليست الحرية إلا معرفة الضرورة والتحكم بها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.

تعلمنا النظرية المادية في المعرفة، إن قوانين الطبيعة موجودة بشكل مستقل عنا، وعلى أساس معرفتها ستقوم الحرية. إن حرية الإنسان وإرادته ليستا سوى نتاج متفرع من هذه الحقيقة الأساسية وتالِ لها، هذا في الوقت الذي يجب أن نقر فيه بأن هناك ضروراتٍ كثيرةً لم تزل خارج معرفتنا ولم نزل حتى الان نحن عبيداً لها، وعلينا أن نعلم أن حريتنا تؤثر على الضرورة من خلال النشاط العملي الوعي والمسؤول الذي يبدل في الطبيعة والإنسان نفسه، بل في العمل يخلق الإنسان نفسه.

إن كل الرؤى الفلسفية المثالية للحرية، وفي مقدمتها الرؤى الفلسفية المدافعة عن مصالح القوى المستغِلة عموماً، تقوم على أساس النظر إلى العالم مشطوراً إلى ناحيتين هما: ناحية طبيعة، وناحية روحية. والحرية بالنسبة للفلسفة المدافعة عن الاستغلال والتسلط تعتبر امتيازاً للروح التي تتمتع عندهم بإمكانية العمل بمعزل عن قوانين الطبيعة والمجتمع معاً.

إن الطبيعة عندهم تعني هنا جسد الإنسان ورغباته وأهواءه وحركاته الآلية. بينما الروح فهي عندهم القدرة الحقيقية القادرة على تغيير مجرى نظام هذه الطبيعة، أي هي الأثر الإنساني الذي يهبنا كرامتنا وشخصيتنا الإنسانية ومن ثم حريتنا. إنها عندهم بتعبير آخر اندفاع الروح في المادة، وهذه الرؤى ليست إلا تعمية لحياة الحرية التي وضعناها أمام مبضع التحليل المادي للمعرفة.

ملاحظة:

إن معظم التجارب الاشتراكية التي تبنت الرؤى والمفاهيم الماركسية في الحرية، إن كان لدى الأحزاب الشيوعية او الأحزاب الديمقراطية الشعبية قد شوهت الحرية في فهما العقلاني النقدي، عندما ركزت في اقتصادها على رأسمالية الدولة، وعلى تجذير اللدنيّة أو عبادة الفرد، وبالتالي تحويل الحزب الحاكم ومن يلتقي معه من أحزاب بإسم جبهة وطنية أو قومية أو اشتراكي مع المنظمات الشعبية إلى حزام ناقل للفئة الحاكمة التي تفردت بالسلطة وحولتها إلى غنيمة.

 

د.عدنان عويّد

......................

(1) . (راجع – أصول الحرية- تعريب بدر الدين السباعي- دار التقدم – بيروت- 1973- ص27).

(2).  (المرجع نفسه –ص51).

(3). (المرجع نفسه ص52).

(4). ا(المرجع نفسه – ص 63.).

 

سلام جمعة المالكيالسيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي المحترم.. السادة المحترمون مسؤولو الدوائر والمؤسسات الاكاديمية في العراق.. اعرض لأنظاركم قراءة شخصية مختصرة لواقع التعليم العالي في العراق اتمنى فعلا ان أكون مخطئا فيها.. فان رأيتم ان تقبلوها فأنها ستكون دفعا لعملكم ورسالتكم نحو الامام وان رأيتم انها غير صحيحة او غير دقيقة فاهملوها....

نافلة القول ان المؤسسات الاكاديمية والجامعات على رأسها، انما هي مركز أساس من مراكز بناء الفكر وانتاج الكفاءات والقيادات المسلّحة بمختلف العلوم والملكات المهنية والادارية والانسانية بما يتلاءم مع الحاجات الآنية والمستقبلية للمجتمعات المختلفة. على ما تقدم تقفز للواجهة ضرورة التجديد والتغيير حسب المتغيرات الزمانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، سواء كان التغيير والتجديد من رحم تلك المؤسسات نفسها او بإضافة واستحداث مؤسسات اخرى عند اقتضاء الحاجة او عدم وجود امكانية لدى المؤسسات الموجودة اصلا، لذلك الاستحداث لأسباب مختلفة..... ومن هنا جاء مصطلح ...الجامعات المستحدثة!!!

لماذا يتم "او تم" استخدام مصطلح "المستحدثة"؟ هل يرتبط الاسم بفترة زمنية معينة. سنة واحدة...اربع سنوات..؟؟ وهل الفترة الزمنية هي المحدد الوحيد؟؟!!!

الاصل في استحداث جامعات اما ان يكون عائدا للعامل الجغرافي، بمعنى استحداث جامعات في رقع جغرافية لا تتوفر فيها او قريبا منها جامعات يمكن لها ان تستوعب العدد الكبير من الطلبة من سكنة نلك الرقع الجغرافية... او ان يكون عائدا للعامل النوعي، بمعنى استحداث جامعات تضم تخصصات ذات اهمية كبيرة ولم تجد لها مكانا في الجامعات الاخرى... ربما "بل بالتأكيد" توجد دواع واسباب اخرى لاستحداث جامعات لا علاقة لها بكل ما يمكن ان يقال علنا....و هذه سأتركها لمقال لاحق...

سواء كان العامل الجغرافي او العامل النوعي وراء قرار استحداث جامعة معينة فان المنطق يفرض توافر مقومات اساس لا يمكن بغيرها لعاقل توقع نجاح ذلك الاستحداث او على الاقل استمراره فترة معقولة، وابرز تلك المقومات تقفز البنى التحتية، ابتداءا من الموقع الجغرافي المناسب لاستيعاب مؤسسة اكاديمية حقيقية ضمن بيئة آمنة للشاغلين المتوقعين من طلبة وتدريسيين وملاكات ادارية وفنية مختلفة، مع سهولة ويسر طرق المواصلات منها واليها. ايضا تأتي البنايات التي يجب ان تمتلك الحد الادنى من مواصفات الجودة المنصوص عليها في الوثائق المعتمدة من نواحي المساحة والخدمات الاساسية والتخصصية والملحقات، بما يحترم انسانية الشاغلين وخصوصية المكان...هذا اذا تم التغاضي عن البنايات الملحقة للأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية والخدماتية...

لكن يبقى المقوم الاساس الذي لا يمكن ان تقوم لأي جامعة قائمة دونه ..الا وهو الملاكات التدريسية المتخصصة اولا والدرجات العلمية الكافية لنلك الملاكات ثانيا... ناهيكم عن الملاكات الفنية والادارية المتمكنة والقادرة على النهوض بعبء جامعة جديدة وتنظيم سجلاتها ووثائقها ابتداءا من الصفر...

فهل يتوافق ما تم ذكره اعلاه مع الواقع الحالي للجامعات المستحدثة في العراق؟؟

لقد تم "حسب علمي ومنابعتي الشخصية" استخدام مصطلح "الجامعات المستحدثة"، وهو مصطلح لن نجد له مثيلا في الدول المتقدمة او المتوسطة من ناحية رصانة التعليم، بغرض منح تلك الجامعات فرصة للعمل دون الخضوع للضوابط والاحكام التي تخضع لها الجامعات ذات التأريخ الطويل والتي تتمتع باستقرار نسبي في اداراتها العليا والمتوسطة... وقد يكون هذا مقبولا من الناحية المنطقية خاصة مع ضرورة تحديد المدة الزمنية للتمتع بهذا الامتياز الخطر مع ضرورة الخضوع لرقابة ومتابعة رصينة ايضا للناكد من تنفيذ خطوات الخروج من تلك الحماية....لكن بالمقابل ومع استخدام مظلة "مستحدثة" للخروج من متطلبات أساس لأي مؤسسة اكاديمية، فان المنطق لا يمكن له ان يستوعب السماح للمستحدثة بالتوسع في التمتع بامتيازات ومسؤوليات كفتح دراسات مسائية او موازية او دراسات عليا او مكاتب استشارية وغيرها، ما دامت غير مؤهلة لمتطلبات الدراسات الاولية بدليل تمتعها بنلك المظلة....فلماذا اذن؟؟ ولصالح من؟

عودا على عوامل استحداث تلك الجامعات، فمتابعة بسيطة لمواقع عدد لا بأس به من الجامعات المستحدثة ستخرج بنتيجة انها، وبدلا عن ان تكون اضافة عمرانية لما هو موجود اصلا، قد تم الشروع بها في مواقع وقتية، أكلت من جرف بعض الجامعات الاقدم او بعض المؤسسات والممتلكات الحكومية او غير الحكومية "بعضها سكني اصلا" لا يمكن ان تقارن بأي مدرسة ابتدائية في دول اوربا الفقيرة او حتى الدول ضمن المحيط الاقليمي وبنايات ضيقة لا يتلائم بناؤها في الاساس مع متطلبات العملية التدريسية والبحثية...و الادهى ان نلك المواقع والبنايات "حتى" لا يمكنها استيعاب طلبة وتدريسيي وملاكات تلك الجامعات لأكثر من مرحلتين دراسيتين!!!! لذا نراها تتقافز خلال فترة زمنية قصيرة بين مواقع مختلفة ومتباعدة، جارة معها الطلبة والمنتسبين مجبرين..!!! ...اكرر...لماذا اذن؟؟ ولصالح من؟

أما من الناحية النوعية، فان المنطق العلمي يفترض اصلا وجود دراسات وتحليلات لبيانات سوقية واقتصادية لتحديد نوعية تلك الاختصاصات والتوصيفات الوظيفية لخريجيها، وعلى اساس تلك الدراسات يتم الشروع بتوفير الامكانات لاستحداث جامعة، لا ان تكون العملية بالمقلوب، حيث تم استحداث بعض تلك الجامعات ثم يتم سماع تصريحات اعلامية حول السعي لإيجاد فرص عمل واحتياجات سوقية حكومية او غير حكومية للخريجين!!! ذلك اضافة للخلل الابرز في مفصلية بعض "المستحدثة" والمتمثل بعدم توافر الملاكات التدريسية نوعا "درجات علمية" وعددا، مما أدى الى السحب غير المدروس لملاكات جامعية غير متخصصة في الجامعات الاخرى "اجباري في غالب الاحوال" دون ان يكون الاستحداث بوابة لاستيعاب الملاكات المتخصصة العاطلة عن العمل من اصحاب الشهادات العليا والاولية باسلوب استحداث الدرجات الوظيفية ..

بلحاظ ما مذكور اعلاه بشكل ملخص، فأين الجدوى من الاستحداث اذن؟

ان حصول خطأ او اخطاء في التقدير في السابق لا يمنع امكانية اتخاذ قرارات جريئة للإصلاح سواء بالإلغاء او الدمج بما يسمح بتعديل المسيرة العلمية والاستثمار الكفوء للموارد البشرية والمالية ..

يتبع.....

 

حسن زايدليس من الحكمة في شيء الوقوف في وجه الحرية بتوهم الحيلولة دون ممارستها . فالحرية مجبولة ابتداءً داخل النفس البشرية، يمارسها الإنسان حتي ولو بينه وبين نفسه . وهي أصل التكليفات الإلهية دونها يسقط التكليف، ويصبح بلا معني . وحرية الإعتقاد هي قمة الحرية لأنها متعلقة بالإعتقاد في وجود الله وحده، أو مع شريك له، أو بعدم وجوده علي الإطلاق، فإن كانت الحرية في الإعتقاد في الوجود الإلهي مكفولة فإنها مكفولة في غيرها من باب أولي .

والإسلام قد سبق القوانين والمواثيق الدولية في تقرير حرية الإنسان، وجعل التكليفات قائمة علي الحرية، وجعل الإضطرار رافعاً له، مسقطاً للحساب عنه: " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) " .

وعندما يقع اختيار اٌلإنسان علي اختيار الله له، فلا ريب أن تلك قمة الحرية وسنامها: " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) " . هؤلاء اختاروا اختيار الله لهم بحرية، إذ أن الحرية مقررة ابتداءًا في مسألة العقيدة .

ومن بين الفروض التي انزلها الله في قرآنه علي لسان نبيه صلي الله عليه وسلم فرض الحجاب وطبيعة الزي الذي ترتديه المرأة . ومن الآيات الدالة علي تلك الفريضة: " وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/31 " " وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) النور/60 " . "  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الأحزاب/59 " .

فلو قفزنا فوق التاريخ، وفوق التفسيرات، ووصلنا إلي أول فبراير عام 2013 م، لوجدنا فكرة أطلقتها " ناظمة خان  البنغالية  "، فحواها الدعوة إلي رفع الوعي حول الحجاب، وتعميق فهم الآخرين عنه، وتعزيز التسامح . وكانت الدعوة لجميع الفتيات المسلمات وغير المسلمات للبس الحجاب ومعرفة انطباعاتهن . وبالرغم من الإنتقادات التي يتعرض لها إرتداء الحجاب، باعتباره رمزاً للتشدد الديني، وشكلاً من الأشكال الإضطهاد الذي تتعرض له المرأة . ذلك كان مدخل الغرب .

وعندما تفهم المرأة أن ذلك مراد ربها منها، ويطلبه منها، ولها في ذلك الخيار، ثم تقفز فوق هذا الخيار بخيارها، وتقدم خيارها علي خيار ربها، فتري أن عدم ارتداءها الحجاب والزي بالمواصفات المطلوبة فذلك يصونها ويحفظها، فتختار وفقاً لذلك التمرد علي مراد الله، فتسفر عن شعرها، وتجسد جسدها، وتشف عنه . وتصبح رغم أنفها موضع إغواء للرجال، وموضع فتنة وإغراء . وتري أن في ذلك متعة ومصدر سرور وسعادة لها، ثم نشتكي بعد من تحرش الرجال بهن، والتنمر بهن .

وعليه فإن الحجاب مجلبة لكل خير، والسفور والتعري مجلبة لكل شر . فهل يعني ذلك أن إرتداء الحجاب هو الإيمان ؟ . بالقطع لا، ولكنه مظهر من مظاهره . أما الحجاب التجاري فمرده إلي الله، والحجاب التجاري هو ذلك الحجاب المؤقت الذي يرتبط بترتيب خدمة معينة إقتصادية أو إجتماعية أو سياسية .

إن للمرأة الحق في الإختيار بين الإحتجاب من عدمه، وهي واختيارها . إن تحجبت تكون قد أطاعت ربها، وإن امتنعت عن التحجب تكون قد عصت ربها . وهناك فروق بين الطاعة والمعصية.

 

حسن زايد

 

 

صالح الرزوقستافروس د. مافرودياس*

ترجمة: صالح الرزوق

تتزامن اتجاهات ما بعد الحداثة في الاقتصاد بشكل عام مع الاتجاه الجديد لاقتصاد الكلاسيكية الجديدة . وقد أطلق فاين (2000) على هذا الاتجاه اسم "الامبريالية الاقتصادية". وبين بما لا يدع مجالا للشك أنه خلال العقود الحالية، تجاوز اقتصاد الكلاسيكية الجديدة حدود حقله التقليدي وغزا مناطق ممنوعة عليه سابقا.  وهذا صحيح في نظرية الاقتصاد (فالكلاسيكية الجديدة في الاقتصاد تشق طرقا جريئة في مجالات تطوير النشاط الاقتصادي) وضمن العلوم الاجتماعية بشكل عام أيضا (مثل التقنيات الكمية في الفردية الممنهجة والاقتصاد الأرثوذوكسي الذي انتشر على نحو واسع). وميزة هذه الحركة أن اقتصاد الكلاسيكية الجديدة توقف عن تجاهل البعد الاجتماعي وحاول معالجته من داخل سياقه. وإن سبب زيادة نجاح امبريالية الاقتصاد الأرثوذوكسي أنه تعامل مع الاجتماعي وكأنه استجابة من خارج السوق بسبب عدم كفاءة السوق نفسه . وقد اعتبرت الجوانب الاجتماعية سابقا غريبة على التحليل غير الكلاسيكي (مثل المؤسسات والعادات، و الظاهرة الثقافية) وهي تحلل حاليا باستعمال علبة أدوات الاقتصاد الصغير الكلاسيكي الجديد. وبالبداية من نظرية الرأسمال البشري، والمترافقة مع مؤسسات الكلاسيكية الجديدة، واقتصاد المعلومات وهكذا، ربحت هذه الإمبريالية اللحظة. الإمبريالية الكلاسيكية الجديدة لها علاقات مباشرة وغير مباشرة مع ما بعد الحداثة . ويذكر فاين (2000) أن الحداثة (مع تأكيد سابق للأوان على الذاتية وإهمال الموضوعية) خلقت - كردة فعل- اهتماما نشيطا بالظروف المادية (و فيها يحتل الاقتصاد مكانا حساسا)، ولكن الكلاسيكية الجديدة حرضت هذ الاهتمام.

وبرأيي الصورة أكثر تعقيدا مما يبدو. لقد مهدت الأزمة البنيوية للرأسمالية في السبعينات ولفترة طويلة لعملية إعادة البناء. وبعد ثلاثة عقود تقريبا من هذه العملية، وبالرغم من المكاسب الهامة التي حققها الرأسمال وبالضد من قوة العمل لم يحقق النظام لحظته المستقرة، ناهيك عن تحقيق "عصر ذهبي" جديد. ومعظم هذا العجز كان بسبب عدم كفاءة النظرية الأرثوذوكسية في معالجة المشكلات الاقتصادية التي تعاملت معها كأنها مشكلات اجتماعية. وعليه، إن إمبريالية الاقتصاد الجديد كانت إشارة على القوة والضعف معا.

وإن انتقال النظرية الأرثوذوكسية إلى أرض مجهولة تخاطر بتماسكها وتفتح أبواب المخاطر على وسعها. فمشاكل الاقتصاد الأرثوذوكسي تنجم عن التعارض بين الاعتراف بالبعد الاجتماعي للاقتصاد - وحتى بالنسبة لنمط الاقتصاديات الصغير - وبين هدم فدرتها على توفير أي سياسة اقتصادية كبيرة توسع من المشكلات الاجتماعية.

كان ما بعد الحداثيين في الاقتصاد يدورون حول مشكلة عانى منها الجانب الاجتماعي. والأسلوب الذي عالجنا به هذا الجانب، في كل الأحوال، منعه من أن يكون منافسا خطيرا للتفسير الكلاسيكي الجديد، ورشحه لاحتلال موقع خجول. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن اقتصاديات ما بعد الحداثة - باستثناء النظريات متوسطة المدى والطارئة (الجديدة بالنسبة لغيرها)، هي ضيف متأخر (إذا قارنتها مع سواها في حقول ثقافية ونخبوية مختلفة)، وعليه جاءت زمانيا بعد مذابح الكلاسيكيين الجدد. ولكن بالمقابل إن اقتصاد الماركسية السياسي ينظر للعلاقات الاقتصادية في المجتمع وكأنها كل لا يتجزأ، ومع ذلك هي مجزأة فتيشيا في المجتمع البورجوازي وتنقسم إلى فضاء الاقتصاد وفضاء السياسة. وضمن هذا الكل الواحد، تخلق العلاقات الاقتصاد اجتماعية (أي لحظة الانتاج ولحظات دوراتها المتتالية / التبادل والتوزيع) الثروات الاجتماعية، وتؤمن انتاج المجتمع ماديا. وعليه، يكون لها أولوية محتمة على فضاءات النشاط الاجتماعي غير المنتج. وتلك الفضاءات غير الانتاجية تخلق أثرا راجعا على العلاقات الاجتماع اقتصادية. ومن هذه النقطة يمكن أن تنظر لموضوعة العلاقات الاجتماع اقتصادية في الانتاج والتبادل والتوزيع على أنها تشكل الأساس الذي ننشئ عليه معايير اختيارنا لما يجب الاهتمام به من علاقات اجتماع اقتصادية (إيديولوجية، سياسية، إلخ).

وعليه تهتم الماركسية بالعلاقات الاقتصادية المباشرة، ولكن أيضا مع عناية خاصة وبنيوية بالمسائل الاجتماعية والسياسية. ويتبنى الاقتصاد السياسي الكلاسيكي وجهة نظر مماثلة إنما بأشكال مخففة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يدرس كذلك العلاقات الاقتصادية ويعاملها معاملته للعلاقات الاجتماعية.

وبالمقابل، إن الاتجاه الكلاسيكي الجديد يفصل عمدا العلاقات "الاقتصادية" عن العلاقات الاجتماعية والسياسية. وينظر للنشاطات التي تنجم عن التبادل (بمعنى علاقات السوق) وكأنها أساسا علاقات "اقتصادية". وعليه، هيتم موضعة هذه العلاقات الاقتصادية وكأنها أساس للعلاقات السياسية والاجتماعية، مع أنها موضوع للدراسة في علوم مستقلة ومتفرعة عن العلوم الاجتماعية.

تضع ما بعد الحداثة هذين الاتجاهين المتعاكسين في نفس المربع وتتهم كليهما بالاقتصادوية. وفوق ذلك، تطبق مفهوما خطابيا قوامه البعد الاجتماعي ولكنه لا يستوعب ظروف الحياة المادية، أو أن استيعابه لها محدود. وكما نوهنا سابقا، هذا تفسير سطحي للبعد الاجتماعي الذي يتبناه ما بعد الحداثيين ولا يمكنه تحدي الاتجاه الكلاسيكي الجديد على نحو متزن وجازم. والحقيقة إن اقتصاد بعد الحداثة لديه عدة ترابطات مغطاة مع ما يقابلها من الكلاسيكية الجديدة.

أولا، ما يدعو للدهشة، أن كليهما ينظر للنظرية وكأنها "ليست تطبيقا للواقع بواسطة التفكير الإنساني"، ولكنها مجرد مشابهة غير واقعية للواقع. فالكلاسيكية الجديدة تركز على الاقتصاد الإيجابي أو الفعال وتلغي الاقتصاد الظاهراتي وتضعه في زاوية مجهولة من التحليل الاقتصادي. ولكن اقتصادياتها الفعالة يمكن دراستها عبر المنهج المسمى تجاوزا "كما لو أن". إن النظرية عبارة عن أداة لفهم الواقع والتنبؤ به. ولكن أدواتها تكون مثالية.

ولذلك مع أن الافتراضات يمكن أن تنتهي لأخطاء مقصودة، إن التوضيح اللاحق سيكون واقعيا (فريدمان 1953)، وما بعد الحداثة تنظر لكل النظريات أنها طبيعية (دون أي إجهادات خطيرة تطبق على الظروف الموضوعية)، وهي تحولها إلى سرد خطابي ذاتي يتمحور حول الاقتصاد. إن الاقتصاد الكلاسيكي الجديد يفصل عمدا الموضوعية عن الذاتية ويستبعد الذاتية، بينما ما بعد الحداثة تدمج صناعيا الموضوعي مع الذاتي (و في نسخها المتطرفة ترفض حتى وجود الطرف الأول) وتعزو الأولوية للذاتي. وكلاهما ينتهيان بنظرية غير واقعية.

ثانيا، الفردية هي ناقل بواسطته يرتب الطرفان نظريتهما. والاقتصاد الكلاسيكي الجديد يطبع دون تستر الفردية المنهجية. وعدد من منظري فلسفات ما بعد الحداثة يميلون جهارا للفردية المنهجية، كما ألمحنا. ومعظم اقتصاديي ما بعد الحداثة يستعملون نظرية في وسط الطريق: الفردية المؤسساتية (أغاسي، 1975؛ بولاند 1982). وميول المؤسساتيبن بالتأكيد في الغالب الأعم تسهل تبني أفكارهم. فهذه النسخة من الفردانية تفترق عن الفردانية المنهجية النموذجية، والتي تدعي أن كل الظواهر الاجتماعية هي حصيلة أفعال الوسيط الفرد الناشط في المجتمع. وهي تقر أن المؤسسات والمجتمع يأثرون أيضا بأفعال الأفراد. من جهة، إن الأفراد هم الوحدة الأساسية التحليلية. ومن جهة أخرى، تمتلك المؤسسات شيئا هو أكبر من حصيلة بسيطة للأفعال التي يؤديها أعضاؤها من الأفراد المستقلين. ومع ذلك، ليس هناك هرمية بنيوية تميز هذه العلاقات. وأساسا لا يمكن تحديد إذا كان الأفراد أو المؤسسات من يأتي في المقام الأول. وفي كل حالة هناك آلية خاصة من التداخلات تمنحها فرصة للنشوء والتطور. وبتعبير آخر، إن البنية والشركة الوسيطة تتبادلان التأثير دون أن يكون لأحد الطرفين أولوية على الآخر. على الأقل في مجال الأساسيات.

وينظر توبوزو (2001) للمسألة على أنها تقبل تفسيرا في منتصف الطريق فعلا، ويمكنه توحيد المؤسسات الكلاسيكية الجديدة والتقليدية، ويلخص كل شيء في:

1- الأفراد هم الوسطاء الأساسيون.

2- المؤسسات موجودة وتؤثر بالأفراد.

3- التبدل يحصل عبر الأفراد.

والتبادل دون مبرر قوي بين البنية والفرد هو بالتأكيد شيء سار بالنسبة لما بعد الحداثيين. ومفهوم المؤسسة، والعادة، والعلاقات التراكمية، على الأقل، غامض وإشكالي. فهو لا يحدد بوضوح كل هذه الظواهر لأنه لا يفترض اتجاها للأسباب. ولكن في الحالة الأخيرة، كل شيء يتعلق بالفرد. وعليه، هذه نسخة من الفردانية، والنقد الكلاسيكي لهذه المقاربة هو صحيح وساري المفعول أيضا. وبوجيز العبارة، يمكن القول إن اقتصاد ما بعد الحداثة- عوضا عن المواجهة المباشرة مع الأرثوذوكسية الكلاسيكية الجديدة - يتفق معها في بعض النقاط الحساسة. وبهذا المعنى، يمكن أن يكون ناتجا جانبيا لإمبريالية الاقتصاد الكلاسيكي الجديد.

 

* قسم الدراسات الاقتصادية في جامعة مقدونيا، سالونيكا، اليونان.

 

عبد الحسين شعبان"كم دبابة عند بابا الفاتيكان؟" كان ذلك تعليقاً ساخراً لجوزيف ستالين الزعيم الشيوعي  السوفيتي على خبر نقله له ونستون تشرشل الزعيم البريطاني المحافظ في مؤتمر يالطا (11 فبراير/شباط/1945) عن انضمام البابا إلى الحرب على أدولف هتلر الزعيم الألماني النازي.

استعدتُ ذلك وأنا أتابع زيارة البابا فرانسيس إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وعاصمتها أبو ظبي بدعوة من الشيخ محمد بن زايد  وبمشاركة من شيخ الأزهر أحمد الطيب، وهي زيارة تاريخية بكل معنى الكلمة، حيث أقام الحبر الأعظم قدّاساً حضره أكثر من 135 الفاً من المسيحيين البالغ عددهم أكثر من مليون إنسان في دولة الإمارات، وقام بزيارة أول كنيسة كاثوليكية أنشئت في العام 1965 بهبة من الشيخ زايد باني دولة الإمارات وواضع أسس نهضتها التي قامت على التسامح والمحبة والحكمة.

ثمة رسائل راهنة ومستقبلية تبعثها زيارة البابا، لاسيّما لجهة علاقة المسيحيين بالمسلمين لتوطيد العيش الإنساني المشترك وقيم التسامح والسلام.

أولتها- يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

وثانيتها- إن القيم الإنسانية هي التي تجمعهم مثل قيم السلام والتسامح والمحبة والإخاء والمساواة والعدالة والشراكة.

وثالثتها- إن بإمكان البشر العيش والعمل معاً في إطار المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، بغض النظر عن دينهم ولغتهم ولونهم وعرقهم وجنسهم وأصلهم الاجتماعي.

ورابعتها - إن الأساس في العلاقات بين البشر هو الاحترام المتبادل للخصوصيات والهويّات والثقافات.

وخامستها- إن للبشر حقوقاً متبادلة في ممارسة طقوسهم وشعائرهم بحريّة ودون إكراه أو خوف، فالعبادة هي علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه، تلك التي ينبغي أن تحترم وألّا يتم التجاوز عليها تحت أي ذريعة أو حجة.

جدير بالذكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة وهي دولة مسلمة تحتضن أكثر من 200 جنسية وفيها أكثر من 40 كنيسة ومعابد للسيخ والبوذيين، كان آخرها المعبد الهندي الذي افتتحه رئيس وزراء الهند فارندرا مودي (العام الماضي- 2018)، وتلك الحقائق تؤكد مجدداً أن الإسلام دين تسامح ورحمة ومعاملة إنسانية، على الرغم من محاولات تشويهه، سواء من جانب الجماعات التكفيرية الإرهابية، أم باتهامه  من بعض القوى المتنفّذة في الغرب كدين يحضّ على العنف ويدعو للإرهاب، ولعل المثل الإماراتي والفضاء الرحب الذي يوفره يؤكد على قبوله للتنوّع والتعددية وضمانه لحرية العبادة وحقوقها.

وتترافق زيارة البابا، مع اختيار العام 2019، عاماً للتسامح في الإمارات، بعد أن أُطلق على العام 2018 عام الشيخ زايد، وكانت أبو ظبي قد احتضنت، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي 2018، مؤتمراً عالمياً لتعزيز الحوار بين أتباع الأديان  ورفض استغلال الدين في النزاعات والحروب الذي نظمه منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وتأتي مشاركة البابا في منتدى حوار الأديان لتأكيد الأخوة الإنسانية وتواصلاً مع المبادرات العديدة التي قادتها دولة الإمارات.

ولأننا أبناء حضارة عالمية واحدة، وإن كانت الثقافات متعدّدة ومتنوّعة فيها، فكان لا بدّ من التفكير في مدّ الجسور والقنوات للعيش معاً وبسلام ومساواة بغض النظر عن الاختلاف في الدين أو اللغة أو العرق أو الجنس أو الأصل الاجتماعي، الأمر الذي يقتضي أن نأخذ بعضنا بعضا ً بالتسامح على حد تعبير فولتير، لأن البشر خطّاؤن . وسيكون نقيض التسامح الاحتراب والإلغاء والإقصاء، ومثل هذا سينتج التعصب ووليده التطرّف وهذا  الأخير يمكن أن يقود إلى العنف والإرهاب.

لقد حظي البابا فرانسيس باحترام المسلمين وتقديرهم، فهو من العالم الثالث أولاً (الأرجنتين) وقد أدركته الحروب والمآسي التي عانى منها العالم، وقد اتسم نهجه بالتسامح والتواصل مع  المسلمين، ولعلّ موقفه الإنساني من اللاجئين كان لافتاً، خصوصاً وأن القسم الأكبر منهم من البلدان الإسلامية هارب من جحيم الحروب والنزاعات الأهلية، يضاف إلى ذلك موقفه النبيل من مسلمي الروهانغا في بورما.

لقد أخطأ ستالين حين نظر إلى إمكانات دولة الفاتيكان التي لا يتجاوز عدد نفوسها سوى بضعة مئات، بمنظار القوة المسلّحة، وأغفل أن هذه الدويلة الصغيرة كبيرة جداً لما تمثله من قوة روحية هائلة، تلك التي سرعان ما تتحوّل إلى قوة مادية تشمل أكثر من ملياري مسيحي، كما أخطأ مرّة أخرى في منظوره للقوة  التي احتسبها بالقوة العسكرية وعدد الفرق والدبابات والصواريخ، في حين أن البابا بذاته ولذاته يمثل "قوة روحية" لا مثيل لها وهي أشد وأقوى وأكثر مضاءً من القوة المسلّحة، بل إن أسلحته أكثر فعالية من بين جميع الأسلحة الأوتوماتيكية والذرية والالكترونية.

يمكن للبابا بقوة المحبة وروح الخدمة التي يقول عنها "القوة الحقيقية" أن يحرّك ملايين البشر، ولعلّ ذلك ما أثار اهتمام العالم أجمع الذي تابع مبادرة أبو ظبي بشغف وتطلّع لترسيخ قيم التسامح والسلام ، لأن  عالماً بلا محبة هو بلا سلام، وتلك رسالة كان قد وجهها الشيخ محمد بن زايد لرُسل السلام والمحبة، خصوصاً حين تلتقي إرادة الروحانيين والنخب الفكرية والثقافية مع الإرادة السياسية.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

 

محمد عبد الكريم يوسفالمشكلات التي تواجه كوكبنا الجميل كثيرة يصعب حصرها. هناك مشكلات عملية وعلمية واجتماعية واخلاقية  ملحة ويجب الاستجابة لمعالجتها في الحال. ويبدو أن أمور العالم وشؤونه لا تسير على ما يرام. هناك أطماع كثيرة وحروب شتى وارهاب وحروب فكرية وابادة عرقية وعدم استقرار في معظم الدول . ويبدو أن الأوضاع تنحدر من سيء إلى أسوأ في متوالية هندسية مخيفة . يضاف إلى هذه المخاوف الخوف الكبير على مستقبل الحياة على كوكبنا. وقد كنا سابقا نعتقد أن الحياة متجددة وأن الطبيعة تصلح نفسها لكن في القرن الحادي والعشرين يبدو أن الأمور تسير نحو الهاوية بحيث يصعب استدراك ما فات وصرنا ندرك أن مخزون الثروات الطبيعية من ماء وهواء نقي وغذاء صحي  بدأ يتلاشى بطريقة لا يمكن معها استعادة ما تم تدميره خلال القرن الماضي وبداية القرن الحالي .

تمارس النخبة الحاكمة الفاسدة في معظم دول العالم سياسة الربح السريع والفاحش على حساب استقرار الحياة على الكوكب وتشق طريقها عبر الغابات تقطع الأشجار وتزيلها من الوجود من دون الاهتمام بالغد والمستقبل وفي نفس السياق تمارس إدارة الموارد الطبيعية على الكوكب بطريقة جائرة . وهناك من يفسح الطريق العريض للصيادين لانتهاك حرمة الغابات وتدمير الأنواع الحيوانية فهم عن سابق قصد وتصميم يقتلون آخر غوريلا وآخر شمبانزي وآخر وحيد قرن وهم أنفسهم من يطلق النار على الفيلة ويرديها قتيلة سرا وعلانية للحصول على العاج .

تساعد السياسات الحكومية في ممارسة أبشع أنواع التدمير بحق الطبيعة والتراث الإنساني عندما تضغط باتجاه التنمية الاقتصادية القسرية غير المتوازنة التي تأتي على حساب الغابات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية كما تساعد الكثير من المشاريع الخضراء في تدمير التراث الإنساني والآثار عن طريق استصلاح الأراضي العشوائي الجائر بحيث يتم مسح آثار الحضارات السابقة وتحويلها إلى أرضي زراعية من دون الإنماء المتوازن. ويجب أن لا ننسى أن الغابات الخضراء والغابات المطيرة هي الموطن الأساسي للكثير من الأنواع الحية النباتية والحيوانية ويجب المحافظة عليها وزراعة النباتات البديلة في حال ممارسة القطع لحماية الأنواع الحية النباتية والحيوانية.

كما يتعرض الغطاء النباتي للتدمير تتعرض الحياة الحيوانية البرية والبحرية للتدمير المنهجي والمنتظم من قبل شركات رجال المال والأعمال فالغابات المطيرة في غير مكان على الكوكب هي موطن الكثير من الأنواع الحية ومن الممكن جدا أن يؤدي تدميرها  إلى تدمير الكثير من هذه الأنواع الحية . للأسف لا تقدم المحميات الطبيعية خدمة على الطريق في حماية الكائنات الحية النباتية والحيوانية ويقتصر دورها على النزهات وتعريف الجنس البشري بما اقترفه من جرائم بحق الإنسانية وبحقهم وبحق الطبيعة .

هناك من يمارس الصيد البحري الجائر بحق الكائنات البحرية ويعرضها للانقراض وما المصانع العائمة التي تنتقل من مكان إلى آخر في البحار والمحيطات إلا نوعا من الهروب من القانون والتخفي تحت اقنعة متنوعة لتغطية العمل غير القانوني الذي تمارسه بعض شركات الصيد الكبرى متعددة الجنسيات.   

إن تدخل السياسة في النشاط الاقتصادي هو من يشجع الشركات والمصانع ورجال المال والأعمال على اغتنام الفرص وممارسة الابادة الجماعية بحق الأنواع الحية من نباتية وحيوانية . ولهذا السبب تتعرض الكثير من الكائنات الحية للموت والانقراض مثل بعض أنواع النمور والفيلة والحيوانات البرية المختلفة والحيتان والأسماك الأمر الذي يؤثر سلبا على مستقبل الحياة والمؤسف أن الحياة  النباتية والحيوانية وأنواعا حية أخرى تذهب ضحية  السياسات وتناقضاتها بين موالاة ومعارضة .

نحن بحاجة للمزيد من الوعي والإدراك لأنفسنا ولما يجري حولنا . نحن أيضا بحاجة ماسة  للحماس الإيجابي لحل المشكلات ونحتاج إلى حل الصراعات التي تعذب البشرية وتهدد مستقبلها بدءا من الحياة اليومية وعلينا اكتشاف إمكانية العثور على صيغ قانونية أخلاقية تسمح بالعيش المشترك . علينا أن نوفق بين مصالح الأرض ومصالح عالم المال والأعمال . وعلينا أيضا أن نخفف من غلواء الصراعات بين المصالح الاقتصادية من أرباح ووظائف وتنمية اقتصادية وثراء المساهمين ونكيفها مع القيم البيئية من البراري البكر وصحة الأنواع الحية البرية والبحرية وحماية قنوات الري والمياه ونحافظ على سبلها من التلوث الكيميائي للحفاظ على الصحة العامة على المدى البعيد . ولتحقيق هذه الغاية  يجب البحث عن البيئيين المزودين بالمعرفة العلمية وعن مديري شركات المال والأعمال الذين يعملون مع البيئة الطبيعية ويؤمنون بها ويحترمونها . ويجب اقامة جسور التواصل بين هذين المعسكرين والابتعاد عن سلوك المحاكم والتقاضي.

علينا أن نجد المواءمة بين الحاجيات الايكولوجية  وعلم الأخلاق والمصالح الاقتصادية والسياسية المنتشرة في عالم المال والأعمال. وعلينا أن نحافظ على غابات الأمازون والقطب الشمالي والقطب الجنوبي وترشيد حرق الوقود الأحفوري وتقنين الصيد الجائر والمحافظة على الريف المرجاني العظيم .

يمكننا نحن البشر أن نعيش من خلال أنظمة بيئية مستدامة وسليمة . ويمكن الوصول إلى هذه الاستدامة بإجراء تعديلات جذرية في أنماط حياتنا وحجم توقعاتنا المستقبلية واتباع المعيار البيئي في الربط بين الاقتصاد وعلم الأخلاق. وعندما ننجح في الربط بين بين الاقتصاد وعلم الأخلاق ينشأ ما نسميه أخلاقيات الأعمال التي تمكن دنيا الأعمال من الأعمال الخضراء  المستدامة من دون المساس بالإيرادات المتوقعة من رجال المال والأعمال كما تخلق في الاقتصاد تقاليد مريحة وحقوقا وواجبات وعلاقات طويلة الأمد وولاءات عائلية وولاءات للمؤسسة التي يعمل بها الإنسان .

وعلينا أن نتذكر دائما أن أخلاقيات الاقتصاد هي التي تمنع أن يتحول كل شيء إلى سلعة معروضة للبيع بما فيها أنا وأنت ، وعلينا أن ندرك جليا أن هذه الأخلاقيات هي التي حافظت على الإنسان طوال تلك السنوات التي خلت والتي تقوم أساسا على الايثار والوفاء والتضامن والتواضع والسعي إلى خلق  سمعة حسنة . كما ساعدت في الحصول على فضائل الأعمال التي تقوم  خلال الزمن التطوري للإنسان على الأمانة وحفظ الوعود والامتناع عن استخدام القوة لتحقيق ما تريد والالتزام بحدود القانون وسداد الديون والعرفان بالجميل .

ظلت البيئة الطبيعية دوما موطنا جميلا للإنسان ومصدرا لكل شيء يحتاجه ليحيا . ويدرك الانسان اليوم أن الكثير من نشاطاته اليومية لها تأثير مدمر للبيئة والطبيعة بأشكالها المختلفة .

البيئة هي الوسط الحيوي الذي نعيش فيه وهي أغلى ما نملك على الإطلاق في الماضي والحاضر وإلى يوم يبعثون وهي مصدر سعادة البشر ومصدر تعاستها وعلى الإنسان أن يحافظ عليها كما هي دون تدخل أو تغيير وعليه أن يكيف نفسه معها. البيئة هي مستقبلنا وغدنا وعلينا أن نتوقف عن كل النشاطات التي تهدد بتدمير البيئة والمحيط الحيوي الذي نعيش فيه .

وإذا كنا نبحث عن الاستدامة على هذه الأرض  يجب أن نبحث عن سبل لا تترك آثار الأقدام البيئية عليها ، والحياة بطبيعتها مستدامة من الناحية البيئية بالكامل وتتوافر فيها الموارد على صورة أشياء صالحة للأكل تجده الكائنات وتقتات عليه وفق أنماط ثابتة ومستمرة عبر مرور الزمن .

ليس من الواضح كم سيبلغ عدد البشر في المستقبل القريب ، وهل تستطيع الأرض أن تلبي احتياجاتهم من الغذاء لأن حجم الأراضي الزراعية في تناقص مستمر وسنجد في القريب العاجل مجموعات بشرية هائمة على وجهها همها البحث عن الطعام . والمساحات الرعوية أيضا في انحسار لا يمكن تفاديه وهذا يلخص فلسفة التدمير التي يقوم بها البشر والتي ستقود في النهاية إلى انقراض الإنسان مثله مثل الكثير من الكائنات التي كانت سائدة ونشيطة في حقب جيولوجية خلت .

كانت أولى الزراعات في مناطق عديدة من سورية ومناطق الهلال الخصيب في الألف التاسع قبل الميلاد والزراعة خلقت تطور قنوات الري المختلفة والخزانات والآبار وهذا النشاط أدى إلى تدمير التربة على المدى البعيد وتدمير الغابات الكثيفة وهذا قاد إلى انخفاض المطر . ثم ازدادت الحاجة إلى الري وأدى الري المفرط والرعي المفرط إلى زيادة ملوحة التربة ومع الوقت انخفض المحصول  ورافق هذا النشاط  زيادة غير مسبوقة وغير متوازنة في عدد السكان  أدى إلى انخفاض منسوب المياه وقيام التربة بتنظيف نفسها ، وكانت النتيجة تحول مناطق واسعة من سورية إلى بادية وتحول أجزاء كبيرة من منطقة الهلال الخصيب إلى صحراء جافة.

وقادت الصناعات التي تلت المجتمع الزراعي إلى تسريع وتيرة الدمار على الكوكب ، وصارت فلسفة التدمير أمثر تعقيدا فبعد أن كانت سهول شمال أفريقيا غابات كثيفة تحولت إلى حقول ثم مزارع ثم صحارى واسعة بعد أن كانت أيام الرومان سلة خبز الامبراطورية الرومانية . وقادت الزراعات المحمية  والكثيفة إلى تعرية التربة كما منع الرعي الجائر امكانية نمو أنواع حية جديدة . وهذا ما قاد المجتمعات البشرية إلى الجوع ، وتحولت الزراعة إلى مزارع متناثرة تقدم الغذاء للنخبة الحاكمة فقط فحدثت الثورات وانتشرت الأوبئة وتغيرت المعادلات والموازين البيئية في الكون إذ نجد فيضانات في شرق الأرض ودرجات حارقة في أفريقيا ، وكلتا الحالتين مصادر جيدة من مصادر التدمير .

وفي القرن التاسع عشر تطورت فلسفة التدمير بتطور العقل البشري وبدأت الصناعات الزراعية تغزو الكوكب وانقرضت صناعة الأحذية اليدوية والصناعات الجلدية وأعمال الحفر على الخشب وأعمال التزيين والمصنوعات الحديدية اليدوية وحلت محلها المصانع التي تنفث الدخان والكربون في الجو بكميات كبيرة بسبب الفحم الحجري ولاحقا الوقود الأحفوري . ورافق هذا النشاط الصناعي المندفع ظهور النفايات بكميات كبيرة مثيرة القلق وغزا التلوث الحياة والمحيط الحيوي للإنسان بطريقتين:

الأولى هي الانبعاثات الغازية

الثانية هي المواد الكيميائية المنحلة والتي تنتشر بسبب النفايات الغازية والصلبة .

وهذا الاستنزاف غير المسبوق للموارد وعدم تعويضها بما يتناسب وعمليات الاستنزاف قاد الأرض والمحيط الحيوي الذي نعيش فيه إلى محنة كبيرة ، فالطبيعة التي كانت شريكا لعشرات الآلاف من السنين تحولت إلى مستودع للمواد الخام والموارد القابلة للاستغلال وصارت عرضة للتدمير أكثر من أي وقت مضى . وصار فعل البشر وتفكيرهم موجه ضد الأرض أما الفعل فهو واضح جدا للعيان. طوال فترة الوجود البشري قام الانسان بإفساد الطبيعة من دون قصد ، ويمكننا أن نؤكد أن التفكير الذي سمح بهذا الفعل أشد خطورة من التدمير والإفساد للطبيعة .

المبادئ العامة  لإعادة التفكير في مستقبل الكوكب :

يمكن أن نلخص المبادئ العامة لإعادة التفكير في مستقبل الكوكب بما يلي :

- احترام الموضوعية والابتعاد عن الايديولوجية والمحافظة على التوازن بين حاجات عالم المال والأعمال وحاجات الطبيعة .

- احترام العلم والمعرفة والعقل البشري الذي يحاول ايجاد الحلول للمعضلات البيئية الناجمة عن سلوك الإنسان .

- احترام الفعالية الاقتصادية وجعلها متوائمة مع الحاجات البيئية للجميع وتحترم الطبيعة والمحيط الحيوي .

- احترام القيم المبنية على الواجب والفضيلة والسعي نحو السعادة واحترام المبادئ الأخلاقية للاقتصاد وتكريس المتطلبات البيئية .

- الابقاء على الاحترام للقيم المخالفة لرأي الأغلبية والمستمدة من الأعراف والتقاليد والهوية والعملية الديموقراطية .

ليس المطلوب ايقاف الحركة الاقتصادية لكن المطلوب هو تأسيس نوع من الأخلاقيات الاقتصادية التي تراعي الاستدامة في المحيط الحيوي للإنسان ومستقبل البشرية وايقاف فلسفة التدمير الحلية للبيئة بكل مكوناتها ووجوهها .      

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

صادق السامرائيالإزدواجية توصيف تم إلصاقه بالعراقيين من قبل الذين إجتهدوا فأخطأوا وما أصابوا، وقد أطلقت هذه التسمية منذ أكثر من نصف قرن وترسخت وتكررت حتى صارت سمة وعلامة فارقة.

فالذي جاء بهذا التوصيف كان يدرس في أمريكا في زمن الخمسينيات، وقد ظهرت في حينها نظرية لتفسير السلوك المتناقض مع الإعتقاد التي جاء بها (ليون فيستنجر)، وفي ذات الوقت ظهر فلم حواء وثلاثة وجوه، وغيرها من الإنتاجات الأدبية والعلمية والسينمائية، ويبدو أن صاحب تلك الدعوة قد تأثر بها ورأى أن يرميها على العراقيين بلا مبررات موضوعية وأسباب وأدلة وبراهين علمية.

ويبدو أن من المشاكل الفاعلة في هذا الشأن هوعدم التمييز ما بين الطب النفسي وعلوم النفس والمختصين بها وما بين علوم الإجتماع وهذين الإختصاصين، مما تسبب بإختلاط حابلها بنابلها، والوصول إلى إستنتاجات غير موضوعية ومتعسفة.

ومن وجهة نظر متواضعة، القول بأن العراقيين يعبرون عن الإزدواجية صفة إيجابية، وهي مدح لهم لا قدح، فمن خلال التفاعل مع البشر من معظم أرجاء الدنيا يمكن القول من النادر أن تجد شخصا يتمتع بهذه الصفة وحسب، وإنما الغالب أن البشر يعبر عن عشرات أضعاف الإزدواجية في سلوكه، الذي هو ناجم عن تفاعلات معقدة ما بين ما فية وما هو فيه، أي بين الذات والموضوع أو البيئة التي يكون فيها، وبتعدد الخصال الذاتية وتنوع البيئات الموضوعية، يكون السلوك متنوعا ومتعددا ولا يمكن ضبطه بالقول أنه إزدواجي وأكثر.

ومن المناسب القول أن مصطلحات الشخصية العراقية وغيرها كالأردنية والمصرية والسودانية والإنكليزية والتركية وما جرى على شاكلتها، إنما هي مسميات لا أساس لها من البرهان، فالشخصيات البشرية معروفة الأنواع والمواصفات وهي موجودة في جميع المجتمعات، وربما تتفاوت نسبتها فيها، لكنها شخصيات معروفة وموثقة.

ولا يوجد توصيف بعنوان الشخصية الإزدواجية إذا إعتبرنا ذلك إضطرابا سلوكيا، كما يوحي به الذين جاؤا به أو إستوردوه من الخارج، وهو كأي بضاعة مستوردة أصابتنا بمقتل.

فالشخصية البشرية يمكن تصنيفها، وفقا لما يبدو عليها من إضطرابات سلوكية، بالشخصية الشكوكية والإنعزالية والشيزية واللاإجتماعية والمتطرفة والهستيرية والنرجسية والإعتنمادية والوسواسية وغيرها مثلما جاء في التصيفات العالمية المعتمدة، كما أن الشخصية تتأثر مميزاتها بما يصيب الشخص من أمراض وأضرار.

ومن هذا التنوع يتحقق السلوك وتتواصل التفاعلات ما بين البشر، مما يعني أن السلوك البشري خليط معقد ومتشعب لا يمكن حصره بتوصيف ما أو تسمية معينة.

ويمكن القول أن ما أشيع من تسميات لا صحة لها ولا برهان، فالبشر يتصرف وفقا لما ينجم عن تفاعل ما فيه مع ما هو فيه من ظروف ومتغيرات، ولا يجوز التعميم والحكم المسبق وفقا لما يتم حشوه في الرؤوس من أضاليل وأكاذيب على أنها علمية وصحيحة.

وياليتنا إزدواجيون وحسب!!

 

د. صادق السامرائي

 

احمد شحيمطيتفق العقلاء من الناس في تجريم العنف ونبذه من الممارسة لأضرار يتركها في الفرد والمجتمع. من كدمات وجروح نفسية ومادية . فالأسئلة التي تطرح في غمار العنف كظاهرة اجتماعية ونفسية وسياسية مشروعة للبحث عن مكامن الخلل ودوافع الأسباب في الذاتي والموضوعي. ويرصد الباحثون في مجال العلوم الإنسانية والتاريخ والفكر الفلسفي نزوع الناس نحو العنف وحق القوة ودراية الكل بالمخاطر من جراء الاستقواء في غياب ضوابط أخلاقية متينة وقوانين ردعية في المعاقبة . من هنا يبدو أن الاندفاع نحو العنف تشير إليه الشواهد المادية في معاينة وقائع للعنف والقتل والتدمير .من عنف السياسة والعنف الاجتماعي والنفسي والعنف الممارس باسم الطقوس والشعائر المختلفة . ظواهر العنف المادي والرمزي تثبتها الدراسات والتجارب والملاحظات من اليومي والتاريخي .حالات من العنف يستشري في الأسرة والعائلة .وفي المجتمع العام وفي أشكال التعذيب والتنكيل والاسترقاق . فالعالم يتقدم ويخطو خطوات كمية وكيفية للزيادة في التقنية والصورة والأخبار العابرة من القارات . وفي الوسائل الممكنة للحد من استفحال العنف في الشوارع والبيوت والملاعب والمدارس والفضاء العمومي. والزيادة في نشر الوعي وثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية وتزايد التقارب العالمي في تعميم الأنماط الثقافية المكنة في صيانة الكرامة من خلال الانفتاح على الصورة العابرة المحملة بطرائق السلوك والممارسات العقلانية من عوالم مختلفة. العنف بالفعل آلية عقابية ووسيلة في إلحاق الضرر بالآخر . ووسيلة في انتزاع السيادة بالقوة أو تحقيق أغراض مميتة وقاتلة . الشدة والقسوة من آليات الممارسة والتنكيل .والتعذيب جرائم يعاقب عليها القانون الدولي . فالإساءة بالكلمات النابية والألفاظ الوضيعة من علامات العنف الرمزي والإرغام والاغتصاب وكل أنواع القهر والإكراه وما شابه ذلك من حالات لا إنسانية. فالسؤال الذي يطرح نفسه : من الذي يغذي العنف ؟ وهل العنف في تزايد أم في تناقص؟ وهل هناك عنف فردي معزول عن الجماعة والثقافة ؟

في التأمل والدراسات الميدانية من قلب المجتمعات المختلفة يصاب الإنسان باندهاش من دينامية العنف وانتقاله بسرعة كانتقال القيم والرموز والعلامات من مجتمع لآخر. ومن دون ادني شك أن عالم النفس يقدم لنا أسباب موجودة في النفس تتغذى من الشرخ في الفرد .ومن الأمراض النفسية المزمنة كالعصاب والاكتئاب والقلق المتزايد والعدوانية والسادية. ونفسية الإنسان المقهور من تربية غير سليمة ونوازع في النفس غير متوازنة .وسلوكات وأفعال ممتدة في ماضي الإنسان دوافعها اختلال التوازن بين غريزة الحياة وغريزة الموت والتدمير. تحليل الحروب والصراعات بالاندفاع والجموح في القضاء على منجزات الإنسانية . تحليل المحلل النفسي فرويد مثلا في عنف يعرف اختلال التوازن بين القوى العقلية الواعية والقوى اللاشعورية والتي تعتبر الأقوى في الاندفاع عن الهدم والتدمير . وفي انعدام الرقابة .وعدم التوازن بين الأنا الأعلى والهو وفي ضعف رقابة الأنا . وفي عمق التحليل الاجتماعي هناك ظواهر تخترق المجتمع سببها عوامل اجتماعية من تفسخ النسيج الاجتماعي وتحولات القيم في عالم اليوم رغم ما يبديه علماء الاجتماع من ملاحظات وقراءة استنادا على المقارنة التاريخية في الاعتراف بوجود العنف في التاريخ الموثق في ذاكرة الشعوب والوثائق .هذا العنف الأشد ضراوة وشراسة في الحروب التقليدية والدسائس وهيمنة الإمبراطوريات الكبرى . تمظهرات القوة والعنف في تباين  حسب العصور واستفحاله في أشكال جزئية وكلية يشير إلى وجوده بالفعل في الفرد والجماعة . ليس العنف فطري متأصل في الطبيعة الإنسانية. العنف متجذر في قواعد التنشئة الاجتماعية وميولات الفرد التي يتغذى من الجماعة والقيم السائدة المحرض الأكثر على العنف ضد الآخر المخالف والعابر من مكان بعيد . ومن منطق الدراسات الثقافية تميل الانثروبولوجيا للتعبير عن الشرخ في الثقافة الميالة للصلح والتسامح والثقافة الميالة للقوة والعنف ضد المخالف للقيم .وكل من يهدد وحدة الجماعة .

كتبت جوليا كريستيفا من فرنسا عن الغيرية وعلاقة الذات بالآخر وحاولت أن تنقل للقارئ الفرنسي والعالمي أن الانتقال بين الأمكنة والمكوث هناك لا يمكن بأي حال أن يولد الكراهية والتعصب والحقد في نفوس الناس من هواجس الغريب . وما يحمله الغريب القادم من مكان بعيد من شرور وعداوة السبب في انقسام الجماعة. ففي قلب الجماعة التي نعتقد أنها متماسكة ومتراصة شرخ عميق في صراع الأجيال والصراع على القيم. انقسامات بالجملة لا علاقة للغريب بها. جماعات متناحرة ومتصارعة في هويات غير متجانسة قبل أن يدخل الغريب لهذه المجتمعات ويتهم باعتباره طرفا أساسيا في الأزمة والصراعات التي يعيشها مجتمع متعدد الأهواء والمصالح . يولد الأبناء من جديد ويولد معهم نظام ثقافي وأفكار متناسبة والعصر. الغريب هو الذي يسكننا على نحو غريب . نحن غرباء عن أنفسنا والجماعة ليست متماسكة بفعل التشرذم والتصدع المرئي واللامرئي . أسبابها جمة في تضارب وتباين الرؤى والإيديولوجيات نحو إثبات المصالح والامتيازات . وفي ظل هذا الزخم من الصراعات يولد العنف . ويتشبث كل طرف بحقه في الوجود. أما في التأملات الفلسفية للعنف فان القضية أكثر من دراسات في العلوم الإنسانية تتمثل في الإحاطة بالعناصر المركبة للعنف المتجذر في الطبيعة الإنسانية. وفي عنف العالم . تحولات القيم وعدم التكافؤ في توزيع الخيرات بالمناصفة . تأملات في عقد الفرد وتمزق في وحدة الجماعة جراء تغير الأنماط الإنتاجية وقيم الجماعة . ومن الأسباب الطقوس والعادات القديمة الثابتة التي تغذيها دوافع الجماعات نحو تأجيج العنف والزيادة في ضراوته . والدفع بالصراع نحو الحروب الشاملة وسفك الدماء وشهوة التدمير التي لا حدود لها . فكم من المشاكل والأزمات في عالمنا تحتاج لضبط النفس والتسريع بالحوار والحكمة في التحلي بالحلول المستعجلة والمنصفة .لا يجنح الإنسان نحو العنف والقوة إلا لدوافع قصوى . فالإنسانية كما قال المؤرخ ول ديورانت تخلت عن حالة الطبيعة واللجوء للقوة بمجرد أن اهتدى الإنسان بالعقل نحو القبول باللجوء إلى كبير القوم في الاحتكام وطلب العدالة . ومن ثمة كان تفكير الإنسان في وضع قواعد جديدة للمجتمع المدني وحالة التمدن. تأملات الفلسفة في مرامي العنف ترك تجاوبا من الفلاسفة المعاصرين للبحث في مرامي العنف والتعنيف. وظهرت منظمات وجمعيات تدافع عن الكرامة والحرية. والضرب على أيدي المعتدين باللجوء للحق والمطالبة بالإنصاف .ظواهر من العسف والقمع والاعتداء والتجريح والآلام المصاحبة للضرر المادي سرع بالحاجة إلى ثقافة عالمية للتنديد والمطالبة بحماية الحقوق الطبيعية والمدنية وإلزام الدول في سن قوانين وضعية للمعاقبة والتهذيب . وإعادة التربية . ومن نتائجها إدخال ثقافة حقوق الإنسان في مناهج التربية والتعليم . والإعلام المرئي والمكتوب. وفي مقاربة العنف من وجهة نظر الفلاسفة " اريك فروم – حنا ارندت – بودريار – طوماس هوبس - اريك فايل. ادغار موران ..."

إن العنف ليس ظاهرة هامشية وعابرة . ولا يقبع العنف في الفرد دون أن تكون دوافعه موجودة في المجتمع والقيم. العنف لا يولد من السلطة لان الأخيرة بالفعل خيار وإستراتيجية في التنظيم والمراقبة والإرغام بطرق مادية وغير مادية .العنف المشروع الذي يعتبره عالم الاجتماع ماكس فيبر مقنن من طرف الدولة بدوافع سياسية وأمنية واجتماعية في الحفاظ على هيبة الدولة وحماية الممتلكات من الأخطار المهددة للدولة والمجتمع . العلاقة الحميمية بين العنف والدولة يطرح استفهامات عن جدارة الدولة العقلانية الديمقراطية في فلسفة قائمة على الحريات والحق والعدالة الاجتماعية . خيارات الدولة هنا غير منسجمة في أدبيات التأسيس نحو صيانة الحق والكرامة. فعندما يؤسس فيبر للعنف المشروع باسم القانون لا ينفي عقلانية الدولة بل يطرح الغايات والأهداف من اللجوء لهذا النوع من العنف .ويبرر المشروعية القانونية للدولة بدافع الحق والقانون في حماية المؤسسات والممتلكات. لا يمكن إغفال الخلفية الإيديولوجية المهيمنة في أعمال ماكس قيبر ضد التيارات اليسارية والماركسية في محاولة تقويض أسس الدولة الرأسمالية الليبرالية .والدفع أكثر بالمواجهات والصراعات وإحداث شرخ في بنية المجتمع الليبرالي .من هنا لاحظنا تزايد شرارة العنف في فرنسا وخروج السترات الصفراء وشريحة كبيرة من المجتمع المدني للتعبير عن الزيادة في الضرائب وأسعار المحروقات .في الصراع والمواجهات . تدخلت القوى الأمنية لإلزام الكل للتراجع والعودة للحياة الطبيعية . العنف الذي يسود العالم الآن من الغرب للشرق ويستشري في مفاصل الحياة. في سلسلة حروب لا تنتهي وفي ميلاد ظاهرة الإرهاب العابر للقارات .عنف الدولة والجماعات المسلحة وعنف الأفراد .وعودة الاحتجاج والتنديد بالسياسات في بعض دول العالم من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا. إن العالم يعرف اختلالا وصراعات للهويات القاتلة والمدمرة .من عولمة لا إنسانية ولا أخلاقية .عولمة تبيح تعميم نمط ثقافي معين في الاقتصاد والاستهلاك والثقافة . وتنسى أن في العالم حضارات شيدت وفق قيم عريقة  لها تاريخ طويل .من يفهم هذا المنطق السائد يدرك لا محالة أن الصوت الرنان في العالم إرادة القوة بتعبير الفيلسوف نيتشه في سلطة مقسمة بالمركز والهوامش وأطراف تنمو وتقتات على الرفض والمنع لكل ما يرغمها في تغيير ثقافتها بالقسر والقوة . سلاح المجابهة للعنف العابر للقارات التسلح بثقافة اللاعنف .شعار رفعه الزعيم غاندي في الهند ضد الاستعمار البريطاني ومانديلا في جنوب إفريقيا من خلال ثقافة الصفح والتسامح وتفضيل العدالة الانتقالية على الانتقام وتصفية الحساب . ويتبنى كل الشرفاء في العالم خيار اللاعنف  لنيل الاعتراف وإرغام الآخر في قبول معيار التعدد الثقافي والدخول في عالم متنوع الأقطاب لأجل المثاقفة وانتزاع الحقوق من خلال جدارة الخطاب والتفاف الجماهير في إرغام الحكومات على تغيير القرارات الارتجالية .وتبادل المنافع المادية. وفي النهاية يمكن القول أن الفلسفة والتفكير الفلسفي صمام في مجابهة العنف بالتسامح وزرع قيم إنسانية وتربية الناس على الاختلاف والاستقامة في السلوك السوي. وتفضيل كل ما هو مشترك كالكرامة والإنسانية والالتقاء في الذوق والمعيش والإعلاء من حرية الإنسان وفكره في قهر الطبيعة والتغلب على أزمات العصر.

 الفلسفة ضد العنف بكل أشكاله وضد تبرير العنف مهما كانت دوافعه وأسبابه . فكر يرفع شعار اللاعنف في وجه الفاشية والنازية والإرهاب العابر للحدود والغلو الفكري . رسائل الفلسفة موجهة في إصلاح العقل وتحسينه . ورسائل في التسامح ونبذ التعصب الديني بين المذاهب الدينية المختلفة في الغرب والشرق معا . ورسائل في الأخلاق وإصلاح السياسة في شعارات ومبادئ مضمونها صيانة الإنسان من العنف وبنائه وفق منطق سليم يؤسس لإنسانية الإنسان . ورسائل الفلسفة اليوم في مجابهة بطش السياسة وتذويب الصراعات والكراهية في إمكانية البحث عن بدائل للعنف في الطقوس والقيم الثابتة وفي إرساء وحدة للمشترك المنسي بين الشعوب والحضارات . يبقى السؤال قائما هل الفلسفة ضد العنف ؟ من دون ادني شك الفلسفة كذلك ضد العنف بأشكاله المادي والرمزي . العنف المارس بذرائع والذي يستهدف تقويض التوازن النفسي بالدرجة الأولى . وميل الفلسفة في بناء القيم النبيلة دليل على تهافت القوة وإرادة الاندفاع والجموح نحو الحروب والتدمير .لا بد من العودة للذات وفحص نزوع الإنسان شهوته في سفك الدماء والتدمير للحضارات . في رفض قرارات السياسة الميالة للمصالح والمنافع . وفي استدعاء المنطق وتذكير الكل بآفة العنف والترهيب للآخر والحذر من الانزلاق نحو تصاعد العنف في غياب ثقافة الرفض وهيمنة العصيان وما شابه ذلك من أشكال الاحتجاج . قناعة الزعيم الهندي غادي باللاعنف في مواجهة الاستعمار البريطاني قناعة يولدها حاجة الهنود في الوحدة والانتباه لسياسة التفرقة بين الشعب الواحدة في صراعات دينية واجتماعية بدل تصويب الرفض نحو المستعمر . المجابهة بالكلمة اقوى من الرصاص لإقناع الآخر للجلوس وانتزاع الحق . 

 

بقلم: أحمد شحيمط - كاتب من المغرب